أهلي فداؤك آبيا ومسالما ... ولد [١] الندى إذ [٢] الندى لم يرزق
وأقبل [٣] الأشرم حتى مر بالأزد فأرسل [٤] إليهم خيلا فهزموا خيله، فقال عبد شمس بن مسروح الأزدي: (الطويل المخروم)
نحن منعنا الجيش [٥] حوزة أرضنا ... وما كان منا خطبهم بقريب
إذا ما رمونا رشق إزب [٦] أتيتهم ... بكل طوال الساعدين نجيب [٧]
وما فتية [٨] حتى افاتت [٩] سهامهم ... وما رجعوا من مالنا بنصيب
ثم سار حتى نزل بالطائف وقيل له إن ههنا بيتا للعرب تعظمه، فلما نزل بهم خرج إليه مسعود بن معتّب الثقفي وكان منكرا [١٠] وأهدى له خمرا وزبيبا وأدما، ثم قال: أيها الملك! إن هذا البيت ليس بالبيت الذي تريده [١١] إنما البيت الأعظم الذي تريد هو الذي صنع أهله ما صنعوا أمامك، وإنما نحن في مملكتك فامض! فإذا فرغت رأيت [١٢] فينا رأيك، فمضى وتركه، وسمعت به قريش فخرجوا وتركوا مكة، فلم يبق بها أحد يذكر [١٣] إلا خاف [١٣] على نفسه إلا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وعمرو بن عائذ بن
стр. 72
عمران بن مخزوم، فكانا [١] يطعمان كل يوم، وأرسل [٢] الأشرم الأسود بن مقصود [٣] في خيل، فأخذ إبلا لقريش بناحية بئر فيها مائتا ناقة لعبد المطلب ثم أرسل رسولا [٤] فقال: أنظر من بقي بمكة! فأتى فنظر ثم رجع إليه فقال:
وجدت بها الناس كلهم ولم أجد أحدا، قال: وجدت رجلا لم أر مثل طوله وجماله ووجدت رجلا لم أر مثل قصره، والجميل هو عبد المطلب والقصير عمرو بن عائذ، قال: فاذهب واتني بالطويل! فذهب فأتى بعبد المطلب، فلما دخل عليه أعجبه وومقه [٥] وأمر له بمنبر فجلس عليه وكلمه وسأله فازداد به عجبا، ثم قال له: سلني ما أحببت! قال: إنك أخذت إبلا لي فردها عليّ! قال: والله لقد زهدت فيك بعد عجب بك! قال عبد المطلب: ولم ذاك أيها الملك؟ قال: جئت أهدم شرفك وحرمتك فتركت أن تسألني الكف عنها وسألتني مالك، قال: أما والله لحرمتي أعجب إليّ وأعظم/ عندي من مالي! ولكن لحرمتي رب إن شاء أن يمنعها منعها، وإن تركها فهو أعلم، وإن هذه الإبل لي خاصة فأنا أخاف عليها فاعمل فيها! فأمر بإبله فردت عليه، وقام عبد المطلب وقال: (الرجز)
يا رب [٦] اخز الأسود [٧] بن مقصود [٨] ... الآخذ الهجمة [٩] ذات التقليد [١٠]
стр. 73
بين حراء [١] فثبير [٢] فالبيد [٣] ... [٤] اخفر به رب وأنت محمود [٤]
وقام عبد المطلب بفناء مكة يدعو فقال: (الكامل)
يا رب [٥] إن العبد ... يمنع رحله فامنع رحالك [٦]
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم [٧] [٨] ربي محالك [٨]
إن أنت تتركهم ... وكعبتنا [٩] فشيء ما بدا لك
ولبسوا أداتهم وجلّلوا فيلهم، ثم أقبلوا حتى إذا طعنوا في المغمس [١٠] ليدخلوا في الحرم رجع الفيل فكرّوه، فلما دنا رجع فكروا به وزجروه فبرك، فجعلوا يدخلون الحديد في أنفه حتى خرموه ولا يتحرك، وذلك يوم جمعة فباتوا ليلة السبت حتى إذا طلعت الشمس سمعوا مثل خوات [١١] البرد، ثم طلعت
стр. 74
عليهم طير أكبر [١] من الجراد جاءت من البحر حتى إذا كانت على رؤوسهم خرق الله عليهم الريح، وقذفتهم الطير بحجارة في أرجلها، فتركوا أبنيتهم ومتاعهم وخلّوا عن الفيل وخرجوا هاربين، وجعلت تلك الحجارة لا يقع منها شيء على عضو إلا خرقه حتى ينقطع [٢] العظم، فمات من مات مكانه وأفلت من/ أفلت، فجعل ذلك الذي أصابهم جدريّا وحصبة فمات أكثر ممن نجا، ومات من ذلك القرح الأشرم وابنه النجاشي وكان هو [على-] [٣] مقدمته، ومات الأسود بن مقصود وقيس بن خزاعي في المعركة، وأفلت نفيل بن حبيب وأفلت أخنس الفقيمي [٤] . فكان من أدلّاء الفيل وكان أكرههم لذلك. فقال عمرو بن الوحيد بن كلاب: (الطويل)
سطا الله بالحبشان والفيل سطوة ... أرى كل قلب واهيا فهو خائف
ويوم ذباب السيف [٥] كان نذيره ... ويوم على جنب المغمس [٦] كاسف [٧]
أميرهم رجل من الطير لم يكن ... نقافا [٨] لها بين [٩] الحجارة واكف
كأن شآبيب [١٠] السماء هويّة ... وقد أشعلت بالمجلبين [١١] النفانف [١٢]
النفنف ما بين أعلى الجبل إلى أسفله والنفنف ما بين طرف الأرض إلى آخرها.
стр. 75
ندقهم [١] من خلفهم وأمامهم ... وعارضهم فوج من الريح قاصف
يخالسنهم أنفاسهم ونفوسهم ... ولم ينج إلا التابعون الروادف [٢]
كأنهم غب العقاب [٣] هشيمة ... من الصيف تذريه الرياح الرفارف
وكان شفاء لو ثوى في عقابها ... نفيل وللآجال آت وصارف
فأجابه نفيل بن حبيب الخثعمي فقال: (البسيط)
ماذا يريك عقابي لو ظفرت به ... يا ابن الوحيد من الآيات والعبر
قلنا المغمس [٤] يوما ثم ليلته ... في عالج كثؤاج [٥] النيب والبقر
حتى رأينا شعاع الشمس تستره ... طير كرجل جراد طار منتشر
يرميننا مقبلات ثم مدبرة ... بحاصب من سواد [٦] الأفق كالمطر
وأشعل [٧] الحبش لا تلوي على أحد ... وعارضتنا زحوف [٨] الريح عن يسر
كبّا لأذقاننا والريح تدبرنا ... لا نتقي [٩] الشر من ريح ولا حجر
فزلّ منا شديد لا طباخ [١٠] به ... ومات أكثر ذاك الجيش بالعسر [١١]
كأنهم نجلات [١٢] الضأن نائمة ... وبالمتون من الحبشان كالدبر
стр. 76
وقال أيضا نفيل بن حبيب: (الوافر)
ألا حيّيت عينا [١] يا ردينا ... وقرّي بالإياب إليك عينا
فلو أبصرتنا والجيش يرمى ... بحسبان [٢] رثيت [٣] لنا ردينا
حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وسفي حجارة تسفي علينا [٤]
وأمطرنا بلا ماء ولكن ... عذاب نقيمة [٥] اردفن حينا [٦]
فكل الناس يسأل عن نفيل ... كأن عليّ للحبشان [٧] دينا
وقال في ذلك قيس بن الأسلت: (المتقارب)
[و] [٨] من نعم الله أموالنا ... وأبناؤنا ولدينا نعم
ومن منه [٩] يوم فيل الحبو ... ش إذ [١٠] كلما بعثوه رزم [١١]
стр. 77
محاجنهم [١] تحت أقرابه [٢] ... وقد خرموا [٣] أنفه فانشرم [٤]
فولى سريعا لأدراجه ... وقد هزموا جمعه فانهزم
حلف عدي وبني سهم
وكان من شأن ما جرّ حلف عدي بن كعب وحلف بني سهم أن عبد شمس بن عبد مناف كانت له بختية ولم تكن بمكة بختية غيرها ففقدها [٥] وبغاها، فشق عليه مذهبها وضلالها منه، فمكث يبتغيها إذ قام قائم على أبي قبيس حين هدأ الناس وقال بأعلى صوته: (الرجز)
والله ما كانت لنا هديّة ... يا عبد شمس باغي البختيّة
وما لنا عندكم بغية ... لا دية لنا ولا عطيّة
لكنها بختية غويّة ... تعرضت حينا لنا عشيّة
شربا لنا بينهم تحية ... تدور كأس بينهم رويّة
فنحرت صاغرة قميئة [٦] ... لفتية أوجههم وضيّة
فلتبعد البختية الشقية [٧] ... فلن تراها آخر المنية
فأصبح عبد شمس وقد غاضبه [٨] ما سمع، فجعل ذودا لمن [٩] دله على خبرها، فأتاه [١٠] ابن أخت لبني عدي بن كعب من بني عبد بن معيص بن عامر فقال
стр. 78
له: إن الذي نحر بختيتك عامر بن عبد الله بن عويج [١] بن عدي بن/ كعب وآية ذلك أن جلدها مدفون في حفرة في حجرة بيته، فخرج [٢] عبد شمس في ولده وناس من أهله حتى دخلوا منزل عامر بن عبد الله فوجدوا الأمر كما قال الرجل، فأخذ عامرا ثم ذهب به إلى منزله وقال: لأقطعن يده ولآخذن ماله! فمشت إليه بنو عدي بن كعب فصالحوه على أن يأخذ كل مال لعامر وأن يخرج من مكة ففعلوا، فبعث فأخذ كل مال لعامر وخلى سبيله! ثم قال: اخرجوا من مكة فارتحلوا وتعرض بنو سهم لهم وأنزلوهم بين أظهرهم وقالوا: والله لا تخرجون! وأم سهم بن عمرو [٣] الألوف بنت عدي بن كعب، فأقاموا وهم حلف بني سهم حتى جاء الإسلام فقال عامر بن عبد الله: (الوافر)
فدى لبني الألوف أبي وأمي ... وقد غصّت من الكرب الحلوق
وأسلمنا الموالي عن حباه ... فلا رحم تعود ولا صديق
هم منعوا الجلاء وبوءونا [٤] ... منازل لا يخاف بها مضيق
وكانوا دوننا لبني قصي ... فليس إلى ورائهم طريق
حديث قصي بن كلاب [٥] وجمعه قريشا وإدخالهم الأبطح
هشام عن بشر الكلبي عن أبيه قال: كان يقال لقريش قبل قصي بن كلاب بنو النضر وكانوا متفرقين في ظهر مكة [٦] ولم يكن بالأبطح [٧] أحد منهم، فلما أدرك قصي واجتمعت عليه خزاعة وبنو بكر بن عبد مناة بن كنانة وصوفة وهم الغوث بن مر [٨] بعث إلى أخيه/ من أمه رزاح [٩] بن ربيعة بن
стр. 79
حرام بن ضنة [١] بن عبد بن كبير بن عذرة، وأم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل [٢] من الأزد، واسم سيل خير بن حمالة [٣] بن عوف بن عامر وهو الجادر [٤] أول من بنى جدار الكعبة ابن عمرو بن جعثمة [٥] بن مبشر بن [٦] صعب بن دهمان [٧] بن نصر بن زهران بن كعب الحارث بن كعب بن عبد الله ابن مالك بن الأزد، وكان جعثمة خرج أيام خرجت الأزد من مأرب ونزل في بني الدّيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فحالفهم [٨] وتزوج فيهم، وكانت فاطمة أم قصي عند كلاب بن مرة فولدت له زهرة، ثم مكث [٩] دهرا حتى شيّخ وذهب بصره ثم ولدت قصيا قال هشام: وإنما سمي قصيا لأن أمه تقصيت به إلى الشام وقدم ربيعة بن حرام [١٠] العذري حاجا فتزوجها، فحملت قصيا غلاما معها إلى الشام، فولدت لربيعة رزاحا وحنّا [١١] فجرى بين قصي وبين غلام من بني عذرة كلام فنفاه العذري وقال: والله ما أنت منا! فأتى أمه وقال لها: من أبي؟ قالت: أبوك ربيعة، قال: لو كنت ابنه منه ما نفيت، قالت: فأبوك والله يا بني أكرم منه! أبوك كلاب بن مرة من أهل الحرم، قال: فو الله لا أقيم ههنا أبدا! قالت فأقم حتى يجيء إبّان الحج! فلما حضر ذلك بعثته مع قوم من قضاعة وزهرة حي [١٢] فأتاه وكان زهرة فيما زعموا
стр. 80
أشعر وقصي أشعر أيضا فقال قصي: أنا أخوك، فقال: ادن، فلمسه [١] وقال: أعرف والله الصوت والشبه، ثم إن زهرة مات وأدرك قصي، فأراد أن يجمع قومه بني النضر ببطن مكة، فاجتمعت عليه خزاعة وبكر وصوفة، فكثروه وبعث إلى أخيه رزاح فأقبل في جمع من الشام/ وأفناء قضاعة حتى أتى مكة، فكانت صوفة هم يدفعون بالناس فقام رزاح على الثنية [٢] فقال: أجز قصي، فأجاز بالناس فلم تزل الإفاضة [٣] في بني قصي إلى اليوم، وأدخل بطون قريش كلها الأبطح إلا محارب بن فهر والحارث بن فهر وتيم الأدرم بن غالب ومعيص [٤] بن عامر بن لؤي وهؤلاء [٥] يدعون الظواهر، فأقاموا بظهر مكة، إلا أن رهطا من بني الحارث بن فهر نزلوا الأبطح وهم رهط أبي عبيدة بن الجراح فهم معهم، واسم قصي زيد وهو أيضا مجمّع لجمعه قريشا وذلك قول حذافة بن غانم: (الطويل)
أبوكم قصي كان يدعى مجمّعا ... به جمّع الله القبائل من فهر
حديث الأركاح
قال الكلبي: كان هاشم [٦] بن عبد مناف أوصى إلى أخيه المطلب بن عبد مناف فبنو المطلب وبنو هاشم يد إلى اليوم، وبنو عبد شمس وبنو نوفل يد إلى اليوم، فلما هلك المطلب وثب نوفل بن عبد مناف على ساحات كانت لهاشم وهي الأركاح فوهبها لابنه عبد المطلب فأخذها، فاستنصر عبد المطلب قومه فلم يجبه [٧] منهم كبير [٨] أحد، فلما رأى عبد المطلب خذلان قومه بعث
стр. 81
إلى أخواله من بني النجار، وكانت أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد أحد بني عامر بن غنم بن عدي بن النجار بن ثعلبة بن عمرو من الخزرج، وكان في كتاب عبد المطلب بن هاشم إليهم هذا الشعر: (البسيط)
يا طول ليلي وأحزاني وأشغالي ... هل من رسول إلى النجار أخوالي
ينبئ [١] عديا وذبيانا [٢] ومازنها ... ومالكا [٣] عصمة الجيران [٤] عن حالي
قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذي ... ظلم عزيزا منيعا ناعم البال
حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني ... عن ذاك [٥] مطّلب عمي بترحال
قد كنت ما كان حيا ناعما جذلا ... أمشي العرضنة [٦] سحّابا بأذيال
فغاب مطلب في قعر مظلمة ... وقام [٧] نوفل كي يعدو [٨] على مالي
أأن رأى رجلا غابت عمومته ... وغاب أخواله عنه بلا وال [٩]
أنحى عليه ولم يحفظ له رحما ... ما أمنع المرء بين العم والخال
فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم [١٠] ... لا تخذلوه فما أنتم بخذّال [١١]
ما مثلكم في بني قحطان قاطبة ... حيّ لجار وإنعام وإفضال
أنتم ليان [١٢] لمن لانت عريكته ... سلم لكم [١٣] وسمام الأبلخ [١٤] الغالي [١٥]
стр. 82
فأقبلوا على كل صعب وذلول [١] حتى انتهوا إلى مكة فكلموا نوفلا حتى رد على عبد المطلب أركاحه فأنشأ عبد المطلب يقول: (الوافر) .
تأبّى [٢] مازن وبنو عدي ... وذبيان [٣] بن تيم اللات ضيمي
وذادت [٤] مالك حتى تناهى [٥] ... ونكب بعد نوفل [٦] عن حريمي
بهم رد الإله علّي ركحي ... فكانوا في التنصر [٧] دون قومي
وقال أيضا عبد المطلب لأخواله بني النجار: (السريع)
أبلغ بني النجار إن جئتهم ... أني منهم وابنهم والخميس [٨]
رأيتهم قوما إذا جئتم ... هووا لقائي وأحبوا حسيس [٩]
قال فأخبرني ابن الكلبي [١٠] قال: لما بعث عبد المطلب إلى أخواله بني النجار أقبل منهم ثمانون رجلا قد تقلدوا وتنكّبوا القسي وعلقوا التراس في مناكبهم فأناخوا بفناء الكعبة، فلما رآهم [١١] نوفل قال: ما أشخص هؤلاء إلا الشر، فخافهم فردّ على ابن أخيه الأركاح وأحسن إليه، فقال شمر [١٢] بن عويمر [١٣] الكناني [١٤] : يمدح بني النجار لنصرهم عبد المطلب على عمه:
стр. 83
(الطويل)
لعمري لأخوال ابن هاشم نصرة [١] ... من أعمامه الأدنين [٢] أحسن [٣] أفضل [٤]
أجابوا على نأي [٥] دعاء ابن أختهم ... وقد رامه بالظلم والغدر نوفل [٦]
فما برحوا حتى تدارك حقه ... وردّ عليه بعد ما كاد يؤكل
جزى [٧] الله خيرا عصبة خزرجية ... تواصوا على بر وذو البر أفضل
حلف خزاعة لعبد المطلب
وكان سبب حلف خزاعة لعبد المطلب أن نفرا من خزاعة قالوا فيما بينهم: والله ما رأينا في هذا الورى [٨] أحدا أحسن وجها ولا أتم خلقا ولا أعظم حلما من عبد المطلب/ وقد ظلمه عمه حتى استنصر أخواله، وقد ولدناه كما ولده بنو النجار فلو أنا بذلنا له نصرتنا وحالفناه [٩] ! فأجمع رأيهم على ذلك فأتوا عبد المطلب فقالوا: يا أبا الحارث! إن كان بنو النجار ولدوك فقد ولدناك ونحن بعد وأنت متجاورون في الدار فهلم فلنحالفك! فأجابهم فأقبل بديل [١٠] أبو ورقاء بن بديل العدوي و [١١] سفيان بن عمرو، وأبو بشر القميري [١٢] وهاجر
стр. 84
ابن عمير بن عبد العزى القميري [١] وهاجر بن عبد مناف بن ضاطر [٢] وعبد العزى ابن قطن [٣] المصطلقي وخلف بن أسعد الملحي وعمرو بن مالك بن مؤمل الحبتري [٤] في جماعة من قومهم، فدخلوا دار الندوة [٥] فكتبوا بينهم كتابا، وأقبل عبد المطلب في سبعة نفر من بني المطلب والأرقم بن نضلة بن هاشم وكان من رجال قريش والضحاك وعمرو ابنا صيفي بن هاشم ولم يحضره أحد من بني عبد شمس ولا نوفل لليد التي منهم، وعلقوا الكتاب في الكعبة، فقال هاجر حين بعثوا عبد المطلب: والله لئن قلتم ذلك لقد رأيت رؤيا بيثرب ليكونن لولده شأن! قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت كأن بني عبد المطلب يمشون فوق رؤس نخل يثرب ويطرحون التمر إلى الناس، فليكونن لهم شأن وليكونن ذلك من يثرب، قال هاجر فقلت: والله ما لعبد المطلب إلا غلام يقال له الحارث! قال: فحالفوه [٦] ، وتزوج عبد المطلب يومئذ لبنى بنت هاجر بن ضاطر فولدت له أبا لهب، وتزوج ممنعة [٧] بنت عمرو بن مالك بن مؤمل الحبتري فولدت له الغيداق [٨] ، قال: وكتبوا كتابا كتبه لهم أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة، وكان بنو زهرة يكرمون عبد المطلب لصهره فكان الكتاب:
هذا ما تحالف عليه عبد المطلب ورجالات [٩] بني عمرو من خزاعة ومن معهم من أسلم ومالك، تحالفوا على التناصر والمؤاساة حلفا جامعا غير مفرق الأشياخ على الأشياخ والأصاغر على الأكابر والشاهد على الغائب، تعاهدوا
стр. 85
وتعاقدوا ما شرقت الشمس [١] على ثبير [٢] ، وما حن بفلاة بعير، وما قام [٣] الأخشبان [٤] وما عمر بمكة إنسان [٥] ، حلف أبد [٥] لطول أمد، يزيده طلوع الشمس شدا وظلم الليل مدا، عقده عبد المطلب بن هاشم ورجال بني عمرو، فصاروا يدا دون بني النضر، فعلى [٦] عبد المطلب [النصرة-] [٧] لهم على كل طالب وتر في بر أو بحر أو سهل أو وعر، وعلى بني عمرو النصرة لعبد المطلب وولده على جميع العرب [في] [٨] [٩] الشرق أو الغرب [٩] [١٠] أو الحزن أو السهب [١٠] ، وجعلوا الله على ذلك كفيلا وكفى بالله حميلا [١١] ، ثم علقوا الكتاب في الكعبة، فقال عبد المطلب: (الطويل)
سأوصي زبيرا إن توافت منيتي ... بإمساك ما بيني وبين بني عمرو
وأن يحفظ الحلف الذي سن [١٢] شيخه [١٣] ... ولا يلحدن [١٤] فيه بظلم ولا غدر
هم حفظوا الإل [١٥] القديم وحالفوا ... أباك فكانوا دون قومك من فهر
стр. 86
قال: وأوصى عبد المطلب إلى ابنه [١] الزبير، وأوصى الزبير إلى أبي طالب وأوصى أبو طالب إلى العباس، وفي تصديق ذلك [٢] قول عمرو بن سالم [٣] للنبي صلى الله عليه حين أغارت عليهم بنو بكر [٤] فقتلوا من قتلوا من خزاعة: (الرجز)
لا همّ إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا [٥]
إنا ولدناه فكان ولدا [٦] ... ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا
قال أبو سعيد: أنشدنا أبو بكر تمام هذه القصيدة، قال: حدثنا به عبد الكريم بن الهيثمي بن زياد باسناده في حديث طويل: (الرجز)
إن قريشا أخلفتك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وزعموا أن لست تدعو لهدى [٧] ... وجعلوا لي بكداء [٨] مرصدا
وهم أذل وأقل عددا ... وهم أتونا [٩] بالوتير [١٠] هجّدا
стр. 87
فقتلونا ركعا وسجدا ... فانصر رسول الله نصرا أيدا [١]
وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجردا
أبيض مثل البدر يسمو [٢] صعدا [٣] ... في فيلق كالبحر يأتي [٤] مزبدا
فقال رسول الله ﷺ : نصرت يا عمرو بن سالم. ومما يصدق حلف بني هاشم وخزاعة قول شيبان بن جابر السلمي وأقبل إلى [٥] المقوم بن عبد المطلب يحالفه [٦] فقال [٧] : (الطويل)
أحالفكم حلفا شديدا عقوده ... كحلف بني عمرو أباك بن هاشم
على النصر ما دامت بنجد وثيمة [٨] ... وما سجعت قمرية بالكراتم [٩]
هم منعوا الشيخ المنافيّ بعد ما ... رأى حمة الإزميل فوق البراجم [١٠]
منافرة [١١] عبد المطلب وحرب بن أمية
قال أبو المنذر [١٢] : كان رجل من اليهود من أهل نجران يقال له أذينة [١٣] في جوار عبد المطلب/ بن هاشم، وكان يتسوق في أسواق تهامة بماله،
стр. 88
وأن حرب بن أمية غاظه ذلك فألب عليه فتيانا من قريش وقال لهم: هذا العلج الذي يقطع الأرض إليكم ويخوض بلادكم بماله من غير جوار ولا أمان [١] ! والله لو قتلتموه ما خفتم أحدا يطلب بدمه، قال: فشد هاشم [٢] بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي عليه وصخر بن عامر [٣] بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة فقتلاه، وكان معهما ابن مطرود بن كعب الخزاعي، قال: فجعل عبد المطلب لا يعرف له قاتلا حتى كان بعد فعلم من اين أتى، فأتى حرب بن أمية فأنّبه لصنيعه وطلب بدم جاره، فأبى حرب ذلك عليه وانتهى بهما التماحك [٤] واللجاج إلى المنافرة، فجعلوا بينهما النجاشي ملك الحبشة، فأبى أن ينفذ [٥] بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح [٦] بن عبد الله بن قرط بن رزاح [٧] بن عدي بن كعب فأتياه فقال حرب [٨] بن أمية: يا أبا عمرو! أتنافر رجلا هو أطول منك قامة وأوسم [منك] [٩] وسامة وأعظم منك هامة وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفدا [١٠] وأطول منك مذودا [١١] ، وأني لأقول هذا وإن فيك
стр. 89
لخطالا [١] : إنك لبعيد الغضب رفيع الصيت في العرب، جلد المريرة [٢] تحبك العشيرة، ولكنك نافرت منفرا [٣] . قال: فنفر عبد المطلب على حرب، فغضب حرب من ذلك وأغلظ لنفيل وقال: من انتكاس الدهر أن جعلناك حكما، فأنشأ نفيل يقول: (البسيط)
ليهنأ [٤] قوما لهم في الناس سابقة ... حمل المئين وسبق ما لهم [٥] ورع [٦]
أعطاهم الله نورا يستضاء به ... إذا الكواكب أخطا نوءها النجع [٧]
وهم عروق [٨] الثرى منهم أرومتنا ... ما جادى [٩] اليوم في تربائهم [١٠] ضرع [١١]
ما إن ينال البلى [١٢] أركان منزلهم [١٣] ... ولا يحل بأعلى نيقهم [١٤] صدع [١٥]
أولاد شيبة [١٦] أهل المجد قد علمت ... عليا معدّ إذا ما هزهز [١٧] الورع [١٨]
стр. 90
وهبت الريح بالصراد [١] فانطلقت ... تزجي جهاما [٢] سريعا سيره ملع [٣]
وشيبة الحمد نور يستضاء به ... إذا تخطّا إلى المشبوبة [٤] الفزع
وراحت الشول [٥] جدبا في مراتعها ... حول الفنيق [٦] رسيلا [٧] ما له تبع
يا حرب ما بلغت مسعاتكم هبعا [٨] ... تسقي الحجيج وماذا يحمل [٩] الهبع [١٠]
أبوكما واحد والفرع بينكما ... منه الخشاش [١١] ومنه الناضر [١٢] الينع
فاعرف لقوم هم الأرباب فوقكم ... لا يدركنّك شر [١٣] [ماله [١٤]] دفع [١٥]
هم الرّبى من قريش في أرومتها ... والمطعمون [١٦] إذا ما مسها القشع
وقال في ذلك الأرقم بن نضلة بن هاشم يذكر منافرة هاشم وأمية:
(الطويل)
وقبلك ما أردى أمية هاشم ... فأورده عمرو إلى شر مورد
стр. 91
فيا حرب قد جاريت غير مقصر [١] ... شآك [٢] إلى الغايات طلّاع انجد
قال: فأراد حرب بن أمية إخراج بني [عدي-] [٣] بن كعب من مكة فاجتمعت لذلك بنو عبد شمس بن عبد مناف وبنو نوفل بن عبد مناف وغضب لعبد المطلب بنو هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة وغضبت بنو سهم لبني عدي لأنهم من الأحلاف فمنعوهم، فلما رأى ذلك حرب بن أمية كف عنهم
. منافرة عبد المطلب وثقيف
قال الكلبي: كان لعبد المطلب بن هاشم مال [٤] بالطائف يقال له ذو الهرم [٥] فادعته ثقيف وجاءوا فاحتفروا، فخاصمهم فيه عبد المطلب إلى الكاهن بالشام يقال [٦] عزّى سلمة [٧] العذرى، وخرج مع عبد المطلب نفر من قومه وكان معه ولده الحارث ولا ولد له يومئذ غيره وخرج [٨] الثقفي الذي يخاصم عبد المطلب واسمه جندب بن الحارث في نفر من ثقيف فساروا جميعا، فلما كانوا في بعض الطريق نفد ماء عبد المطلب وأصحابه، فطلب عبد المطلب إلى الثقفيين أن يسقوه من مائهم فأبوا، فلما بلغ من القوم العطش كل مبلغ وظنوا أنه الهلاك نزل عبد المطلب وأصحابه وأناخوا إبلهم وهم يرون أنه الموت،
стр. 92
ففجر الله لهم عينا من تحت جران [١] بعير عبد المطلب، فحمد الله عبد المطلب على ذلك وعلم أنه من الله تعالى فشربوا من الماء ريّهم وتزودوا منه حاجتهم، قال: ونفد ماء الثقفيين فطلبوا إلى عبد المطلب أن يسقيهم، فقال له الحارث ابنه: والله لئن فعلت لأضعن سيفي في إهابي [٢] ثم لأنتحين عليه حتى يخرج من ظهري، فقال له: يا بني! اسقهم ولا تفعل ذلك بنفسك، قال: فسقاهم عبد المطلب، ثم انطلقوا إلى الكاهن وقد خبأوا له خبيئا وهو رأس جرادة فجعلوه في خربة [٣] مزادة [٤] وعلقوه في قلادة كلب لهم يقال له سوّار، قال:
فلما أتوا الكاهن إذا هم ببقرتين/ تسوقان بحزجا [٥] بينهما كلتاهما توأمة [٦] تزعم أنه ولدها، وذلك أنهما ولدتا في ليلة واحدة فأكل النمر إحدى البحزجين فهما يرأمان [٧] الباقي، فلما وقفتا [٨] بين يدي الكاهن قال: هل تدرون ما تقول هاتان البقرتان؟ قالوا: لا، قال: يختصمان في هذا البحزج ويطلبان بحزجا آخر ذهب به ذو جسد أربد وشدق رمع [٩] وناب معق [١٠] وحلق صعق [١١] ، فما للصغرى في ولد الكبرى من حق، فقضى به لكبرى من البقرتين، فلما ذهبتا
стр. 93
من عنده أقبل على عبد المطلب وأصحابه فقال: حاجتكم؟ قالوا: إنا قد خبأنا خبيئا فأنبئنا عنه، قال: نعم، خبأتم لي شيئا طار، فسطع فتصوّب [١] فوقع فالأرض منه بلقع [٢] ، قالوا: لاده [٣] أي بيّن، قال: هو شيء طار، فاستطار ذو ذنب جرار، ورأس كالمسمار [٤] ، وساق كالمنشار، قالوا: لاده قال: إن لاده فلاده [٥] ، هو رأس جرادة، في خربة [٦] مزادة، في عنق سوار ذي القلادة، قالوا له: قد أصبت، فانتسبا له وقالا له: أخبرنا في ما اختصمنا، قال:
أحلف بالضياء والظلم، والبيت ذي الحرم، أن المال [٧] ذا الهرم، للقرشي ذي الكرم، قال، فغضب الثقفيون، فقال جندب بن الحارث [٨] : اقض لأرفعنا مكانا، وأعظمنا جفانا، وأشدنا طعنا، فقال عبد المطلب: اقض لصاحب الخيرات الكبر [٩] ، ومن كان أبوه سيد مضر، وساقي الحجيج إذا كثر، فقال الكاهن: (الرجز)
أما ورب القلص [١٠] الرواسم [١١] ... يحملن أزوالا [١٢] بقيّ [١٣] طاسم [١٤]
стр. 94
إن سناء [١] المجد والمكارم [٢] ... في شيبة الحمد [٣] الندي [٤] ابن هاشم
فقال عبد المطلب: اقض بين قومي وقومه أيهم [٥] أفضل، فقال:
(الرجز)
إن مقالي فاسمعوا شهادة ... أن بني النضر كرام سادة
من مضر الحمراء في القلادة ... أهل سناء وملوك قادة
زيارة البيت لهم عبادة [٦]
ثم قال: إن ثقيفا عبد آبق فأخذ فعتق، ثم ولد فأبّق [٧] فليس له في النسب من حق.... أبّق [٨] أي كثر ولده، والبق من هذا أخذ، ففضّل عبد المطلب عليه وقومه على قومه
. منافرة هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس
قال: كان هاشم بن عبد مناف قد أتى الشام فأقام به حينا ثم أقبل منه يريد مكة ومعه الغرائر مملوءة خبزا قد هشمته، ومعه الإبل تحمل الغرائر حتى قدم مكة، وذلك في سنة شديدة قد جاع فيها الناس وهلكت فيها أموالهم وأنفسهم فعمد هاشم إلى الإبل التي كانت تحمل الغرائر فنحرها وأقام الطهاة فطبخوا، ثم أخرج الخبز الهشيم فملأ منه الجفان ثم أمر بالقدور فكفئت [٩] عليها، فأطعم الناس أهل مكة وغيرهم فكان ذلك أول خصبهم، فقال في
стр. 95
ذلك رجل من قريش وهو حذافة [١] بن غانم العدوي: (الكامل)
عمرو العلى هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف [٢]
وقال في ذلك وهب [٣] بن عبد بن قصي بن كلاب: (الوافر)
تحمّل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به ابن بيض [٤]
أتاهم بالغرائر متأقات [٥] ... من أرض الشام بالبر النفيض [٦]
فأوسع أهل مكة من هشيم ... وشاب الخبز باللحم الغريض [٧]
فظل القوم بين مكلّلات ... من الشيزى [٨] وحائرها [٩] يفيض [١٠]
ويروى: من الشيزى جابرها [١١] . وكان أمية بن عبد شمس مكثرا، فتكلف أن يصنع ما صنع هاشم فعجز عنه وقصر، فشمت به ناس من قريش وسخروا منه وعابوه بما صنع ثم قصر فهاج ذلك بينه وبين
стр. 96
هاشم شرا ومفاخرة ومخاصمة [١] حتى دعاه إلى المنافرة وألب أمية إخوته ووبخوه وحرّبوه، وكره ذلك هاشم لسنه، حتى أكثرت قريش في ذلك وذموه [٢] ، فقال له هاشم: أما إذا أبيت إلا المنافرة فأنا أنافرك على خمسين ناقة سوداء الحدقة ننحرها بمكة والجلاء عن مكة عشر سنين، قال: فرضيا بذلك وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي وخرج أبو همهمة [٣] بن عبد العزى عامرة [٤] بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر وكانت أمة [٥] بنت أبي همهمة عند أمية بن عبد شمس فخرج معهما كالشاهد، فقالوا: لو خبأنا له خبيئا نبلوه به قبل التحاكم إليه، قال: فوجدوا أطباق جمجمة [٦] بالية فأمسكها معه/ أبو همهمة ثم أتوا الكاهن وكان منزله بعسفان [٧] فأناخوا الإبل ببابه وقالوا: إنا قد خبأنا لك خبيئا فأنبئنا به قبل التحاكم إليك فقال: أحلف بالنور والظلمة، وما بتهامة [٨] من بهمة [٩] ، وما بنجد [١٠] من أكمة [١١] ، لقد خبأتم لي أطباق جمجمة، مع الفلندح [١٢] أبي همهمة، قالوا: أصبت فاحكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أمية بن عبد شمس أيهما أشرف فقال: والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، منجد [١٣] أو
стр. 97
غائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المفاخر، أول منها [١] وآخر. قال: فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضر وخرج أمية إلى الشام فأقام به عشر سنين، ومن ثم يقال إن أمية استلحق أبا عمرو ابنه وهو ذكوان وهو رجل من أهل صفورية [٢] ، فخلف أبو عمرو على امرأة أبيه بعده فأولدها أبان وهو أبو معيط [٣] ويقال استلحق ذكوان أيضا أبان
. منافرة عائذ [٤] بن عبد الله بن عمر بن مخزوم والحارث ابن أسد بن عبد العزى
قال: تنازع عائذ [٤] بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم والحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي في الشرف/ والمجد أيهما أشرف وأمجد فجعلا بينهما كاهنا كان يقوم بعسفان وجعلا للمنفّر خمسين من الإبل وجعلا الإبل على يد المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ثم شخصوا إليه، فلما كانوا قريبا منه وجد رجل من بني أسد بن عبد العزى يقال له زر [٥] بن حبيش [٦] بيضة نعام، فقال: هل لكم أن نخبأ له هذه البيضة؟ فإن أصابها علمنا أنه مصيب فيكما، قالا: نعم، فأمسكها معه ثم أتوه فأناخوا ببابه [٧] وعقلوا الإبل بفنائه ثم نادوه، فخرج إليهم فقالوا: أخبرنا في أي شيء جئناك، فقال:
حلفت برب السماء ومرسل العماء [٨] فينبعن بالماء! إن جئتموني إلا لطلب السناء، فقالوا: صدقت قد خبأنا لك خبيئا فأنبئنا [٩] ما هو؟ قال: خبأتم لي
стр. 98
شيئا مدملقا [١] كالفهر [٢] لونه لون الدر، يزلّ من فوقه الذر، قالوا:
لاده [٣] ، قال: حلفت برب مكة واليمامة، ومن سلك بطن تهامة، لحج أو إقامة لقد خبأتم لي بيضة نعامة مع زر ذي العمامة قالوا: صدقت، فانتسبا له، وقالوا: احكم بيننا أينا أولى بالمجد والشرف، قال: حلفت بأظب [٤] عفر [٥] ، بلماعة [٦] قفر، يردن بين سلم [٧] وسدر [٨] ! ان سناء المجد ثم الفخر، لفي عائذ [٩] إلى آخر الدهر.
قال: فأخذ عائذ [٩] الإبل فنحرها وأطعمها وأنشأ يقول: (البسيط)
إني امرؤ من ذرى فهر إذا نسبوا ... إذ أنت من ثمد يا حار منسوب
تنازع المجد قوما لست [١٠] مدركهم [١١] ... ما خود الرأل [١٢] أو ما حنت [١٣] النيب [١٤]
فارجع ذميما فقد لاقيت داهية ... وقد شأوتك [١٥] والمغلوب مغلوب
стр. 99
منافرة مالك بن عميلة وعميرة بن هاجر الخزاعي
قال هشام: كان لمالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار بن قصي فرس قد سبق عليه وكان لعميرة بن هاجر بن عمير بن عبد العزى بن نمير [١] الخزاعي فرس قد سبق عليه، فوقفا بمكة فتذاكر الخيل فقال عميرة: فرسي أجود من فرسك، فتراهنا [٢] على فرسيهما وجعلا الرهن على يدي عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار أيهما سبق فله مائة من الإبل، فأرسلا فرسيهما من أجياد [٣] فأقبل فرس عميرة سابقا، فعرض له قاسط بن شريح بن عثمان بن عبد الدار فحبسه، فطلب عميرة السبق فأبى عليه حتى كاد يقع الشر بينهما، فتداعيا إلى المنافرة إلى الكاهن فأيهما فضّل الكاهن فله مائة من الإبل والفرس، فتواثقا وخرجا مع كل واحد منهما نفر من قومه، وقاد كل واحد منهما عشرين بعيرا للكاهن، فنهى أرطاة [٤] بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي مالك بن عميلة أن ينافره فأبى وخرجا نحوه ومعهما علقمة بن الفغواء الخزاعي ثم من بني نصر، فقالوا: لو خبأنا له خبيئا نبلوه به! فوجدوا في طريقهم جثة نسر فأخذوها ثم أتوا الكاهن وهو عزى سلمة العذري سلمة اسمه/ وعزى [٥] اسم شيطانه فأناخوا الإبل ببابه، وخرج إليهم فقالوا: قد خبأنا لك خبيئا فأنبئنا ما هو؟ وقد جعلوه في عكم [٦] لهم من شعر ودفعوه إلى علقمة، قال: خبأتم لي ذا جناح أعنق [٧] ، طويل الرجل أبرق [٨] ، إذا تغلغل [٩] حلّق [١٠] ، وإذا انقض فتّق [١١] ، ذا مخلب
стр. 100
مذلق [١] ، يعيش حتى يخلق [٢] ، قال: بين، فقال: أحلف بالنور والقمر، والسنا والدهر، والرياح والفطر! لقد خبأتم لي جثة نسر، في عكم من شعر، مع الفتى من بني نصر، قالوا: صدقت، فاقض بين مالك بن عميلة وابن هاجر فقال: (الرجز)
أحلف بالمروة والمشاعر ... ومنحر [٣] البدن [٤] لدى الحزاور [٥]
وكل من حج على عذافر [٦] ... من بين مطفور [٧] وبين ناشر
يؤمّ بيت الله ذي الستائر ... أن سنا المجدّ والمفاخر
لفي الفتى عميرة بن هاجر ... فارجع أخا الدار بجد عاثر
فسار عميرة إلى الإبل فنحرها، وأخذ الإبل والفرس، وأنشأ مالك يقول: (الطويل)
شآني [٨] لما أن جريت ابن هاجر ... فأشمت أعدائي وأخرجت من مالي
فيا ليتني من قبل حلي ورحلتي ... إلى الكاهن الطاغوت قطّعت أوصالي
بعضب حسام ذي شقائق مرهف ... ولم يك سرّاء [٩] عميرة من مالي
ضللت كما ضلت بليل [١٠] فلا ترى ... قلامة ظفر في معرّس نزّال
وقال أرطاة [١١] في ذلك لمالك: (الطويل)
стр. 101
ندمت نئيشا [١] أن تكون أطعتني ... على حين لا يجدي عليك التندم
(نئيشا: بعد الفوت، ومنه قوله تعالى: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ ٣٤: ٥٢)
فجاريت قرما من قروم كريمة ... فقّصرت إذ أعيا عليك التقدم
منافرة بني مخزوم وبني أمية
قال: اجتمع عند الحجر قوم من بني مخزوم وقوم من بني أمية فتذاكروا العز والمنعة، فقال رجل من بني كنانة كان حليفا لبني مخزوم: بنو مخزوم أعزّ وأمنع، وقال رجل من بني زبيد وكان حليفا لبني أمية: بنو أمية أعزّ وأمنع، فجرى بينهما الكلام حتى غضب الوليد بن المغيرة المخزومي وأسيد [٢] بن أبي العيص وتفاخرا فجرى بينهما اللجاج فقال الوليد: أنا خير منك أما وأبا وأثبت منك في قريش نسبا، فقال أسيد: أنا خير منك منصبا وأثبت منك في قريش نسبا وأنت رجل من كنانة من بني شجع [٣] دخيل [٤] في قريش نزيع [٥] في بني مخزوم وأنا غرة بني عبد مناف وذؤابة [٦] قصي، فتعال أفاخرك، ثم قال أسيد: (الطويل)
لست بشجعيّ ولكن نسبتي ... إلى غرة لا قول من يتنحل
فلو كنت منا لم تعث في فسادنا ... وجاملتنا والحازم المتجمل
وإلا تدع ما بيننا من عداوة ... تكن لكم لوم أغرّ محجّل
قال: فتداعيا إلى المنافرة وكذلك كانت العرب تفعل وقالا: يحكم بيننا سطيح [٧] فليس من أحد من واحد من الفريقين فنرضى [٨] بما حكم بيننا
стр. 102
فتراضيا به وجعلا بينهما/ خمسين من الإبل للمنفّر على صاحبه، قال: فخرجا نحوه وخرج معهما نفر من قومهما حتى أتوا سطيحا وهو يومئذ بصعدة [١] باليمن فوجدوا في طريقهم مخلب ليث فجعلوه في مزود مع غلام أسود كان لأسيد بن أبي العيص وقالوا: نخبأه له ونسأله عنه [٢] فإن أصاب [٣] نتحاكم [٤] إليه، فأتوه فأناخوا ببابه، وعقلوا الإبل عن الرجلين بفنائه، قال: فوثب رجل من بني مخزوم وقال يا سطيح: (الرجز)
إليك حينا يا سطيح نعمد ... يقودنا جمعا إليك الفدفد [٥]
لسنا إلى غيرك حقا نقصد ... ما إن لنا عنك هديت عندد [٦]
فعجّل الحكم ولا تردّد
قال: فخرج إليهم سطيح، فقالوا: إنا قد خبأنا لك خبيئا فأنبئنا عنه حتى نتحاكم إليك بعد، فقال: خبأتم لي عودا وما هو بعود، بل حجرا وليس بالجلمود، فقالوا: بينّ، فقال: هو أخنف [٧] محدد، في مكتل أو مزود، مخلب ليث أربد، مع الغلام الأسود. قالوا: صدقت فاحكم بين الوليد بن المغيرة وبين أسيد بن أبي العيص، فقال: بالنجود أحلف وبالتهائم، ثم بيت الله ذي الدعائم، وكل من حج على شداقم [٨] إني بما جئتم به لعالم، إن ابن مخزوم أخو المكارم، فارجع يا أسيد بأنف راغم [٩] . ثم أقبل عليهما فقال: أما أنت
стр. 103
يا وليد! فمثلك مثل جبل موزّر [١] ، فيه الماء والشجر، وفيه للناس معتصر [٢] ومنعة الحي والوزر [٣] ، للخير سباق وللشر حذر. وأما أنت يا أسيد! فمثلك مثل جبل وعر، فيه للمقتبسين جمر، لا ورد ولا صدر، الخير عندك نزر، والشر عندك أمر، فلج الوليد وظفر، وخاب أسيد وخسر. فأخذ سطيح ما كان جعل له من الإبل وقام الوليد إلى الإبل فنحرها وأطعمها الناس فأكلوا وحملوا
. منافرة بني قصي وبني مخزوم
معروف بن الخرّبوذ [٤] عن بشير بن تميم قال: جعل نفر من قريش مجلسا فقال أبو ربيعة [٥] بن المغيرة وابنه المغيرة وبنو المغيرة: ومنا سويد ابن هرمى [٦] من بني عامر بن عبيد بن عمر بن مخزوم، فقال أسيد بن أبي العيص بن أمية: إليك [٧] ، إنما [٨] بنو قصي أشرف إنما، شرف عبد الله بن عمر لأن أمه برّة بنت قصي، فبها نال ما نال، ثم عدّد رجال قصي، ثم قال: فينا السقاية والحجابة والندوة والرفادة واللواء، فتداعوا إلى المنافرة فقال أسيد: إن نفّرتك أخرجتك من مالك، وإن نفرتني أخرجتني من مالي، فتراضيا بكاهن من خزاعة فقال ابن أبي همهمة وأمه تماضر [٩] بنت أبي عمرو بن عبد مناف: مهلا يا أبا ربيعة! فأبى، وخرجوا وساقوا إبلا ينحرها المنفّر، فوجدوا في طريقهم حمامة أو يمامة [١٠] فدفعوها إلى أسامة عبد أبي همهمة،
стр. 104
فجعلها في ريش ظليم، فلما أتوا الكاهن قالوا: ما خبأنا لك؟ فقال:/ إما [١] غمامة تتبعها غمامة، فبرقت بأرض تهامة، فطفا من وبلها كل طلح [٢] وثمامة [٣] ، لقد خبأتم لي فرخ حمامة، أو أختها يمامة، في زف [٤] نعامة، مع غلامكم أسامة. قالوا: احكم، فقال: أما ورب الواطدات [٥] الشم، والجرول [٦] السود بهن الصمّ، وما جرت جارية [٧] في يم أن أسيدا لهو الخضم [٨] ، لا تنكروا الفضل له في العمّ [٩] .
أما ورب السماء والأرض والماء وما لاح لنا [١٠] من حراء [١١] ، لقد سبق أسيد أبا ربيعة بغير مراء، قالوا: أقصيّ أفضل أم مخزوم؟ قال: أما ورب العاديات [١٢] الضبّج [١٣] ، ما يعدل الحرّ بعبد نحنح [١٤] ، بمن أحل قومه بالأبطح. فنحر أسيد الجزر ورجع فأخذ مال أبي ربيعة، وكانت أخت أسيد عند [١] أبي جهل فكلمت أخاها حتى رد على أبي ربيعة ماله.
стр. 105
منافرة بني لؤي بن غالب
قال أبو فراس محمد بن فراس بن محمد بن عطاء بن خولي الشامي قال حدثني أبو حفص أخو أبي العلاء العامري قال: حدثني إبراهيم بن عبد الملك العامري من بني حبيل [١] قال: ولد للؤي بن غالب ابن يقال له عمرو ومات صغيرا وكان من أمره/ أنه خرج مع أخيه عامر بن لؤي في سفر فلما أقبل إلى مكة تخلّف عمر في طريقه عن عامر فنهشته أفعى فقتلته، فاتهمت بنو لؤي عامرا بقتله، فأرادوا قتله، فنهاهم ذوو [٢] الرأي منهم فسألوه الدية، فقال:
لا أدي [٣] من لم أقتل، فأجمع رأيهم على إتيان سطيح الذئبي [٤] في أمره، فقال لهم عامر: إن قال سطيح: إني قتلته، ولم أقتله لتقتلونني به، وإن قال:
إني لم أقتله، وقد قتلته أتدعون دم أخيكم؟ قالوا: فما الرأي؟ قال: افعلوا في سفركم فعلا، فإن أخبركم به صدق في صاحبكم، فخرجوا من مكة، فلما ساروا عشرا نحروا بكرا [٥] واصطادوا عليه نسرا فأخذوا من خوافي ريشه عشرا ثم ساروا بعد العشر شهرا، ثم نحروا بكرا واصطادوا عليه نسرا وأخذوا من خوافي ريشه عشرا. ثم قدموا على سطيح، فقيل له: هؤلاء بنو لؤي بن غالب بالباب، فقال: ائذنوا لبني لؤي، فدخلوا عليه فقال: بنو لؤي أهل سناء وشرف وسؤدد ورفعة [٦] والأمر كائن فيهم غدا، ثم قال:
خرجتم من بلادكم وقد شجر بينكم أمر فسرتم من بلادكم عشرا، ثم نحرتم بكرا، واصطدتم عليه نسرا، وأخذتم من خوافيه عشرا، ما قتل عامر عمرا [٧] ، ولكن نهشته أفعى. فقال لهم عامر: أخلق بالرجل أن يكون
стр. 106
صدق، إنه كان تخلف عني في موضع كذا وكذا، فأتوا الموضع فوجدوا رأسه وأعظمه على جحر الأفعى
. منافرة عتبة بن ربيعة والفاكه بن المغيرة المخزومي
حدثني أبو السكين [١] زكريا بن عمر بن حصن الطائي قال: حدثني عم أبي زحر بن حصن [٢] عن جده حميد [٣] بن حارثة، قال أبو سعيد السكّري وحدثني أيضا أبو السكين الطائي قال أبو بكر- يعني الحلواني- وحدثني أيضا أبو بكر محمد بن أحمد قال حدثنا أبو السكين الطائي بإسناده قال: كانت هند بنت عتبة بن ربيعة عند الفاكه بن المغيرة المخزومي وكان الفاكه من فتيان قريش وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه عن غير إذن، فخلا البيت ذات يوم فقال هو وهند فيه ثم خرج الفاكه لبعض حاجته فأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه، فلما رأى المرأة ولىّ هاربا وناداه الفاكه وأقبل إلى هند فضربها [٤] برجله وقال لها: من هذا الذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا ولا انتبهت حتى أنبهتني، فقال لها: الحقي بأبيك، وخاض فيها الناس فقال لها أبوها: يا بنية [٥] ! أنبئي نبأك، فإن كان الرجل عليك صادقا دسست عليه [٦] من يقتله فانقطعت [٧] القالة عنك، وإن يكن كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، فحلفت بما كانوا يحلفون به إنه لكاذب، فقال عتبة للفاكه: إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان العرب، فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف وخرج معهم هند [٨] ونسوة معها، فلما شارفوا البلاد تغيرت حال هند فقال لها أبوها: إني
стр. 107
قد أرى ما/ بك من تغير الحال وما ذلك إلا لمكروه عندك، قالت: لا والله يا أبتاه! ما ذاك لمكروه [١] عندي، ولكني أعلم أنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب ولا آمنه أن يسيمني [٢] ميسما يكون علّي سبّة إلى يوم القيامة، فقال لها: إني سوف أختبره من قبل أن ننظر في أمرك، فأخذ حبة من حنطة فأدخلها في إحليل فرسه وأوكى [٣] عليها بسير [٤] ، فلما صبّحوا الكاهن نحر لهم وأكرمهم، فلما قعدوا قال له عتبة: إني قد خبأت لك خبيئا فانظر ما هو؟
قال: ثمرة في كمرة [٥] ، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبة من برّ في إحليل مهر، قال: صدقت، أنظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يدنو [٦] من إحداهن [٧] ويضرب كتفها ويقول: انهضي، حتى دنا من هند فضرب كتفها وقال: انهضي غير رسحاء [٨] ولا زانية، ولتلدنّ ملكا يقال له معاوية، فنهض إليها الفاكه فأخذ بيدها فنترت [٩] يدها من يده، وقالت: إليك، فو الله لأحرصنّ على أن يكون ذلك من غيرك! فتزوجها أبو سفيان بعده فجاءت بمعاوية. قال أبو جعفر [١٠] . قال لي أبو السكين الطائي [١١] : رحل أبو بكر بن عياش من الكوفة إلى البادية حتى لقي عم أبي فسأله عن هذا الحديث.
стр. 108
حديث بني سهم في قتلهم الحيات
محمد بن حبيب عن هشام عن ابن الخرّبوذ قال: كانت بنو سهم بن عمرو أعز أهل مكة وأكثره عددا وكانت لهم صخرة عند الجبل الذي يقال له مسلم فكانوا إذا أرادوا [١] / نادى مناديهم: يا صباحاه! ويقولون: أصبح ليل، فتقول قريش: ما لهؤلاء المشائيم [٢] ما يريدون؟ ويتشاءمون بهم، وكان منهم قوم يقال لهم بنو الغيطلة [٣] وكان الشرف والبغي فيهم وهي الغيلطة بنت مالك بن الحارث من بني كنانة ثم من بني شنوق [٤] بن مرّة تزوجها قيس بن سعد بن سهم فولدت له الحارث وحذافة، وكان فيهم العدو [٥] والبغي، قال:
فقتل رجل منهم حية فأصبح ميتا على فراشه، قال: فغضبوا فقاموا إلى كل حية في تلك الدار فقتلوهن فأصبحوا [٦] موتى على فراشهم [٧] ، فتتبعوهن في الأودية والشعاب فقتلوهن فأصبحوا وقد مات منهم بعدة ما قتلوا من الحيات، قال: فصرخ صارخ منهم: ابرزوا لنا يا معشر الجن! قال: فهتف هاتف من الجن فقال: (الخفيف)
يا لسهم قتلتم عبقريا ... فصحنّاكم بموت ذريع
يا لسهم كثرتم فبطرتم ... والمنايا تنال كل رفيع
قال: فنزعوا وكفوا. قال الكلبي: وفيهم نزلت أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ١٠٢: ١- ٢ [٨] وقال ابن الخربوذ: جعلوا يعدّون من مات منهم أيام الحيات وهذا قبل الوحي وذلك أنه وقع بينهم وبين عبد مناف بن قصي شر فقالوا:
نحن أعدّ منكم، فجعلوا يعدون من مات منهم بالحيات فنزلت هذه الآية
стр. 109
فيهم بعد على لسان النبي صلى الله عليه
حديث بغي بني السباق على اهل مكة
قال أبو محمد المرهبي عن شيخ من أهل مكة من بني جمح عن أشياخه قال: كان أول من/ أهلكه الله بمكة من قريش بنو السباق بن عبد الدار، فلما طال بغيهم سمعوا صوتا في جوف الليل على أبي قبيس [١] وهو يقول:
(البسيط)
أنظر إليك بني السباق إنهم ... عما قليل بلا عين ولا أثر [٢]
هذي [٣] إياد وكانوا أهل مأثرة ... فأهلكت إذ بغت ظلما على مضر
فمكثوا سنة ثم هلكوا، فلم يبق منهم عين ولا أثر إلا رجل واحد [٤] بالشام له عقب
حديث خضاب عبد المطلب بالوسمة [ ٥]
ذكر الكلبي أن أول من خضب بالوسمة من أهل مكة عبد المطلب وذلك أنه قدم اليمن ونزل عل بعض ملوكها فنظر إلى شيبه فقال:
يا عبد المطلب! هل لك في تغيير [٦] هذا البياض فتعود شابا؟ قال: ذلك إليك، فخضبه بالحناء ثم علاه بالوسمة، فلما أراد الانصراف زوّده منه شيئا كثيرا، فلما أقبل ودنا من مكة اختضب ودخل مكة وكأن رأسه ولحيته حنك [٧]
стр. 110
الغراب، فقالت نتيلة [١] بنت جناب [٢] النمرية أم العباس: يا شيبة الحمد! ما أحسن هذا الخضاب لو دام! فقال عبد المطلب: (الطويل)
لو دام لي هذا السواد حمدته ... فكان بديلا من شباب قد انصرم
تمتّعت منه والحياة قصيرة ... ولا بد من موت نتيلة [٣] أو هرم
وماذا الذي يجدي على المرء خفضه ... ونعمته يوما إذا عرشه انهدم
فموت جهيز [٤] عاجل لا شوى [٥] له ... أحب إلينا [٦] من مقالتهم [٧] حكم
قولهم حكم أي انتهى [٨] سنه، يقال حكم الرجل إذا انتهى [٨] سنه وعقل، فخضب أهل مكة بعد [هـ]
ذكر ما كان بين قريش وكنانة يوم ذات نكيف [ ٩]
كان الذي هاج إخراج قريش بني ليث من تهامة أن أهل تهامة أصابتهم سنة فسارت بنو ليث حتى نزلوا بأسفل تهامة ومما يلي يلملم [١٠] ويلي اليمن، وكان لهم جار من القارة [١١] يقال له عوّاف كان له شرف وكان حليفا لهشام بن المغيرة والعاص بن وائل فخرج بلعاء بن قيس في أصحابه مغيرا على بعض