← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

المجتهد يسترشد بمقاصد الشريعة في إدراك المصلحة، وكونها مناسبة للحكم، أما بدون هذا الاسترشاد فلا يهتدي العقل إلى المصالح، أما منع إدراك العقل للمصالح، ولو مع الاسترشاد بمقاصد الشريعة ـ ممنوع، ولم يسلم الإمام الغزالي هذا الاعتراض ورد عليه، وإن سلم أصل الاحتمال، فقال في (المنخول): والذي نراه أن هذا في مظنة الاحتمال، والاحتكام عليهم بعد تمادي الزمان لا معنى له. اهـ. رابعاً: المعقول: استدل المثبتون لحجية المصالح المرسلة بالمعقول، فقالوا: لو لم تكن المصالح المرسلة حجة، وترك العمل بها، لخلا بعض الحوادث عن الأحكام، ولتعطلت كثير من مصالح الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، ولوقف التشريع عن مسايرة تطورات الناس، ولكن خلو بعض الحوادث عن الأحكام باطل، فبطل ما أدى إليه، وهو أن المصالح المرسلة ليست بحجة وثبت نقيضه، وهو أن المصالح المرسلة حجة، وهو المطلوب. بيان الملازمة: أن النصوص محصورة، والأحكام الثابتة بها محدودة، ومعاني النصوص لا تتناول أحكام الوقائع المستجدة، لأنها محصورة متناهية، والوقائع المستجدة غير متناهية، والقياس لا يصح إلا بوجود أصل يقاس عليه، ولم يوجد هذا في الوقائع المستجدة فيلزم من عدم اعتبار المصالح المرسلة حجة خلو كثير من الوقائع عن الأحكام، وهذا باطل. دليل بطلان التالي: وهو خلو الوقائع عن الأحكام، قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾. فإن الآية صريحة في أن الله تعالى قد أكمل لنا الدين أصولاً وفروعاً وبين لنا جميع أحكام الوقائع ما كان منها، وما يكون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 1017

مناقشة هذا الدليل: نوقش هذا الدليل بمنع الملازمة، وهي أن ترك العمل بالمصلحة المرسلة يلزم منه خلو الحوادث والوقائع عن الأحكام بثلاثة أوجه. الأول: أن العمومات والأقيسة تغني عن القول بحجية المصالح المرسلة، لشمولها جميع الوقائع والحوادث، فلا حاجة إلى المصالح المرسلة. الثاني: على فرض تسليم عدم كفاية العمومات والأقيسة لأحكام الوقائع والحوادث المتجددة، لا نسلم خلوها عن الأحكام الشرعية لأن من المقرر أن عدم وجود دليل على الحادثة بالإذن أو المنع، دليل على التخيير في تلك الحادثة بين الفعل والترك، والتخيير حكم شرعي، فلم تخل الوقائع والحوادث عن الأحكام مع القول بعدم حجية المصالح المرسلة. الثالث: لا نسلم بطلان خلو الوقائع والحوادث عن الأحكام، بل يجوز أن تخلو بعض الوقائع والحوادث عن الأحكام، كما قال القاضي. الجواب عن هذه المناقشات: الجواب عن الوجه الأول: أن العمومات والأقيسة لا تستوعب جميع أحكام الحوادث المستجدة، لأن الحوادث تتجدد والمصالح تتغير بتغير الزمان والمكان، والعمومات ثابتة وقد تتعارض مع دليل المصلحة، ودليل المصلحة خاص فيقدم على العام والقياس لا يصح إلا بوجود أصل يقاس عليه، والوقائع بعضها ليس له نظير وليس له أصل يلحق به، فلا تغني العمومات والأقيسة عن العمل بالمصالح المرسلة، لأنه لا يعمل بالمصلحة المرسلة إلا عند عدم وجود نص أو قياس، فإذا وجد في الواقعة

стр. 1018

دليل أو قياس يثبت حكمها ويدل عليه ـ فلا عمل بالمصلحة المرسلة، وإذا لم يوجد نص أو قياس، عمل بالمصلحة المرسلة، فثبت أن العمومات والأقيسة لا تغني عن القول بحجية المصالح المرسلة. الجواب عن الوجه الثاني: وهو أن فقد الدليل يعتبر إذناً بالتخيير بين الفعل والترك، فهذا غير مسلم، لأن التخيير حكم شرعي لا يعلم إلا بدليل شرعي، ولم يجعل الشارع فقد الدليل دليلاً على التخيير، وأقصى ما يفيده عدم وجدان الدليل الشرعي الناقل عن البراءة الأصلية هو الرجوع إلى البراءة الأصلية، وهي ليست حكماً شرعياً، ضرورة أنه لا حكم قبل الشرع، ولا معنى للخلو عن الحكم إلا هذا. والخلاصة: أن المعترض إن أراد بالتخيير بين الفعل والترك، الإذن الشرعي ـ فمسلم أنه حكم شرعي، ولكنه لا يثبت إلا بدليل شرعي، وليس فقد الدليل دليلاً شرعياً على الحكم فمن ادعاه فعليه البيان، وإن أراد به البراءة الأصلية بمعنى عدم ورود الإذن الشرعي في الفعل أو الترك، فلا نسلم أن التخيير بهذا المعنى حكم شرعي، لأنه ثابت قبل الشرع، ولا حكم قبل الشرع. الجواب عن الوجه الثالث: (وهو خلو بعض الوقائع عن الأحكام) بأنه لا توجد حادثة إلا في الشرع دليل عليها، إما بالقبول أو بالرد، ولو أمكن خلو واقعة ما عن حكم، لوقع ذلك، ولو وقع لنقل إلينا، فلما لم ينقل إلينا ذلك، علمنا أنه لا توجد حادثة خالية عن حكم، فثبت من هذا أن كل واقعة لا بد لها من حكم، والمخالف في هذا هو القاضي أبو بكر الباقلاني، ولا يعتد به، لأن خلافه لا يقوى في مواجهة قول جمهور العلماء بأنه لا تخلو حادثة عن حكم لله تعالى. المذهب الثاني: أن المصالح المرسلة حجة بشرط ملاءمتها لمقاصد الشرع: وهو المشهور عن الإمام الشافعي ﵁ كما حكاه عنه ابن برهان في (الوجيز) وقال: إنه الحق وحكاه إمام الحرمين في (البرهان) عن الإمام الشافعي ومعظم الحنفية.

стр. 1019

ونسب للإمام مالك، وهو مقابل المشهور عنه، ونسب أيضاً لإمام الحرمين وابن تيمية، فهؤلاء يقولون بالمصالح المرسلة، ويعتبرونها دليلاً تبنى عليه الأحكام، ما دامت قد جاءت هذه المصالح المرسلة ملائمة للمصالح المعتبرة التي دعا الشارع لحفظها. قال الشاطبي في (الموافقات) كل أصل شرعي لم يشهد له أصل معين، وكان ملائماً لتصرفات الشارع، ومأخوذ معناه من أدلته ـ فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به، لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم دون انضمام غيرها إليها، ويدخل تحت هذا ضرب من الاستدلال بالمرسل، الذي اعتبره الإمامان: مالك والشافعي ﵄ فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين، فقد شهد له أصل كلي، والأصل الكلي إذا كان قطعياً قد يساوي الأصل المعين، وقد يربو عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه. اهـ. إلا أن الشافعية يشترطون في العمل بالمصالح الملائمة، شهادة الأصل، والمراد بشهادة الأصل: أن يكون للحكم المعلل أصل معين من نوعه، يوجد فيه جنس الوصف أو نوعه، كما قال السعد في (التلويح) وقد استدل أصحاب هذا المذهب بالأدلة المشتركة بينهم وبين المالكية، والتي سبق توضيحها في أدلة المذهب الأول. المذهب الثالث: أن المصلحة المرسلة تكون حجة إذا كانت ضرورية كلية قطعية، فإن فات أحد هذه القيود الثلاثة، لم تعتبر، قال به الغزالي في (المستصفى) وهو اختيار البيضاوي

стр. 1020

وصرح الغزالي في (شفاء الغليل) بأن المصلحة إذا كانت في الضرورة أو الحاجة، جاز التعليل بها. الأدلة: استدل الإمام الغزالي ومن تبعه بأن العمل بالمصالح المرسلة في الضروريات والحاجيات عمل بالظن الغالب المبني على فهم مقاصد الشريعة، وكل ما كان كذلك يجب العمل به، فينتج أن المصالح المرسلة يجب العمل بها في الضروريات والحاجيات، وهو المطلوب، أما الكبرى فهي مسلمة بالاتفاق، لوجود الإجماع الدال على وجوب العمل بالظن، وأما الصغرى فيدل عليها، ما يأتي: ١ - أن النبي ﷺ أقر معاذاً على الاجتهاد بالرأي، وهو عام يشمل القياس على أصل معين، كما يتناول الاجتهاد بالرأي بطريق المصالح المرسلة. ٢ - إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على جواز العمل بالمصالح المرسلة، وقد تقدمت الأمثلة في أدلة المذهب الأول، وإجماعهم حجة. ٣ - أن النصوص الشرعية محصورة ومتناهية، والوقائع والأحداث غير متناهية والمتناهي لا يحيط بما لا يتناهى، وترك بعض الوقائع بدون نص يتنافى مع كمال الشريعة الإسلامية، فلا سبيل للخروج من ذلك إلا بتفويض العقلاء ذوي الدراية بمآخذ الشريعة ومصالحها، ليحكموا في هذه الوقائع، مهتدين بمقاصد الشريعة. ويلاحظ أن هذه الأدلة هي أدلة المثبتين للمصالح المرسلة مطلقاً, وقد اشترط الغزالي ومن تبعه في المصلحة المرسلة هذه الأمور ـ أي كونها ضرورية قطعية كلية ـ للقطع بالعمل بها، فإن المصلحة إن كانت مناسبة لضروري،

стр. 1021

فلا نزاع في جواز التعليل به، وترتيب الحكم من المجتهد على وفقه. وقد أشار التاج السبكي إلى أن هذه الشروط الثلاثة إنما أوردها الإمام الغزالي للإشارة إلى الأمكنة التي تجتمع فيها آراء المسلمين على اعتبارها والأخذ بها، ويبقى ما وراء ذلك مجال بحث واجتهاد، فأخرجها من المصالح بقوله: (وليس منه مصلحة ضرورية كلية قطعية﴾ لأنه مما دل الدليل على اعتباره، أي: الدليل العام، وهو أن حفظ الكل في نظر الشرع أهم وأولى من حفظ البعض. المذهب الرابع: منع التمسك بالمصالح المرسلة مطلقاً. وهو مذهب الظاهرية الذين التزموا بالنصوص، وقد اعتبروا من المصالح ما وردت بظاهر النصوص، فأخذوها عن طريقها ورفضوها، إذا لم يدل النص عليها دلالة ظاهرة، لأن شرع الله تعالى قد كمل لقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فليس في حاجة إلى ما يكمله، فالقول بالمصالح المرسلة تقول على الله تعالى فهو مردود. وذلك لأنهم أنكروا القياس، ورفضوا القول بتعليل أحكام الله تعالى وأفعاله بالمصالح ما لم يدل النص على ذلك دلالة واضحة، فإذا كانوا أنكروا القياس الذي له أصل يلحق به الفرع، فمن باب أولى ينكرون القول بحجية المصالح المرسلة. وهو ـ أي: منع التمسك بالمصالح المرسلة مطلقاً ـ قول كثير من العلماء منهم: القاضي أبو بكر الباقلاني، وحكاه إمام الحرمين عن طوائف من المتكلمين

стр. 1022

وهو اختيار الآمدي، وابن الحاجب، وصححه ابن قدامة في الروضة، وحكاه الأبهري عن الإمام مالك والإمام الشافعي ﵄ ونسب إلى الحنفية أيضاً، وهو قول متأخري الحنابلة من أهل الأصول والجدل وقال الشوكاني: وإليه ذهب الجمهور. الأدلة: استدل أصحاب هذا المذهب بما يأتي: أولا: أن العمل بالمصالح المرسلة التي لا يشهد لها دليل خاص بها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ـ عمل بالظن المجرد عن الدليل، والأصل عدم العمل بالظن، لأنه لا يؤمن فيه من الوقوع في الخطأ، ومجانبة الحق واتباع الهوى فينتج أن القول بحجية المصالح المرسلة باطل، لأن الإنسان قد يظن الشيء مصلحة وهو مفسدة، وقد يظن الشيء مفسدة وهو مصلحة.

стр. 1023

الدليل على صحة الصغرى: وهي أن العمل بالمصالح المرسلة عمل بالظن المجرد عن الدليل، فإن المصلحة دليل ظني بدليل الاختلاف فيها، فلو كان القول بها مقطوعاً به لما وقع فيها الخلاف، والدليل على أن العمل بها عمل بالظن المجرد عن الدليل، أنه لو وجد دليل يثبت الظن بالمصالح المرسلة في بناء الأحكام عليها لكانت معتبرة غير مرسلة، فوصف الإرسال فيها أمارة على تجرد الظن فيها عن الدليل. الدليل على صحة الكبرى: وهي أن الأصل عدم العمل بالظن، قوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ فالظن موصوف بأنه لا يغني من الحق شيئاً، وهو الظن الخالي عن الدليل، فالعمل به باطل. مناقشة الدليل: إن العمل بالمصالح المرسلة ليس عملاً بالظن المجرد عن الدليل، وإنما هو عمل بالظن المبني على الدليل، فإن المصلحة المرسلة ثبت العمل بها بأدلة متعددة دالة على اعتبارها في الجملة وإن لم يدل دليل خاص على اعتبار عينها، وإنما دل الدليل العام على اعتبار جنسها في بناء الأحكام عليها، فقد شهد لاعتبارها الأصول العامة ومبادئ الشريعة ومقاصدها فهي مقصودة للشارع، والظن الوارد في الآية المقابل للحق، هو الظن المبني على الهوى وهو باطل بالاتفاق، لأنه منهي عنه، فلا يجوز العمل به، أما الظن بالمصالح المرسلة فهو ظن مأمور به شرعاً، وقد أقر النبي ﷺ معاذاً على مطلق الاجتهاد عند فقده الكتاب والسنة، فلم يقيده باجتهاد إلحاق الفروع بالأصول، فيكون شاملاً للاجتهاد المصلحي، وتخصيصه بنوع دون نوع تخصيص بلا دليل، فيكون العمل بالمصلحة المرسلة عمل بالظن المعتبر وداخل في الاجتهاد الذي أذن فيه الشارع. ثانياً: إن الأدلة الشرعية التي تثبت بها الأحكام هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فالكتاب والسنة متلقيان بالقبول، والإجماع ملتحق بهما، لأن سند الحكم

стр. 1024

الثابت به مرجعه إليهما، والقياس إنما هو إلحاق فرع على أصل متفق على حكمه، أما المصالح المرسلة: فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثة، ولا يوجد دليل معين على عينها، فانتفاء الدليل على العمل بالمصالح المرسلة دليل على انتفاء العمل بها، وهذا الدليل حكاه إمام الحرمين عن القاضي الباقلاني. الجواب: إن القول بانتفاء الدليل عن المصالح المرسلة غير مسلم، لأن هذه المصالح وإن لم يرد بشأنها دليل بعينه من نص أو إجماع أو ليس لها نظير تقاس عليه، إلا أنها مستندة إلى ما هو معتبر، بل ربما كان ما تستند إليه أكثر قوة وقطعية من الدليل المعين، قال الغزالي: وكون هذه المعاني عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال، وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة. ثالثاً: أنه لو صح اتباع كل مصلحة مرسلة والاعتماد عليها في بناء الأحكام، لترتب عليه أن العاقل ذا الرأي العالم بوجوه سياسات الخلق، وتدبير شؤون الحكم ممن ليس من أولي الحكم الشرعي، إذا راجع المفتين في حادثة، وأعلموه أنها ليست منصوصة ـ أي: لم يرد فيها نص بالاعتبار أو الإلغاء ـ ولا أصل لها يضاهيها فتقاس عليه ـ لساغ له حينئذ العمل بالأصوب عنده، ولتجرأ على الفتوى فيها، وهذا أمر باطل، لأنه يحكم بما ليس له به علم، وهو منهي عنه في قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ ومساقه رد الأمر إلى عقول العقلاء وإحكام الحكماء، وهو غير مسلم. ولترتب على ذلك أن تصير الشريعة فوضى بين ذوي الأهواء، ومن ليس أهلاً للاجتهاد، للانطلاق من أحكام الشريعة وإيقاع الظلم بأهلها باسم المصلحة، فيطلقون المصلحة ولا يتقيدون بالمشروع منها، وإطلاق المصلحة لم يقل به أحد، قال ابن حزم: وهذا باطل لأنه اتباع الهوى وقول بلا برهان.

стр. 1025

الجواب: ويجاب عن ذلك بأنه ليس المقصود بالمصلحة المرسلة كل ما يبدو للعقل فيدخل في قبيل المصالح المرسلة، وإنما المصلحة المرسلة هي التي يتدبرها ويتوصل إليها من هو أهل لمعرفة الأحكام من مآخذها حتى يثق بأنه لم يرد في الشريعة شاهد على اعتبارها أو إلغائها، وإنما جاءت ملائمة لجنس تصرفات الشارع ومقاصده، ولن يصل إلى ذلك إلا من بلغ رتبة الاجتهاد من العلماء، لذلك اشترط القائلون بالمصلحة المرسلة في الناظر أهلية الاجتهاد، وأن يكون متكيفاً بأخلاق الشريعة مراعياً لمقاصدها بخلاف العالم بالسياسات إذا كان جاهلاً بأصول الشريعة فإن طبعه يكون بعيداً عن أخلاق الشريعة، فيفتي بما يخالفها، وما دام قد اشترط القائلون بالمصالح المرسلة في الناظر في أصول الشريعة ومقاصدها، أهلية الاجتهاد، وأن يكون متكيفاً بقواعدها مراعياً مقاصدها، فلا وجه للقول بأن العمل بالمصالح المرسلة يصير الشريعة فوضى بين ذوي الأهواء، لأن من منع العمل بها لا يمنع المفسدين من الفساد، فإن من فسد ضميره وساء عمله يسلك كل الطرق لبلوغ مآربه وأهوائه، وإنما يؤدي إلى سد باب من أبواب رحمة الله تعالى. وإن كان من الواجب شرعاً أن لا توكل شؤون الأمة إلا لمن كمل إيمانه وحسن عمله، وبلغ درجة الاجتهاد، كان لزاماً على الأمة أن تكف المفسد عن الفساد، وتولي أمرها من يصلح لذلك. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم أو لتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض)) فيه الهدى والدليل لما يجب أن يكون عليه أولو الأمر. رابعاً: إن المصالح منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتباره، وإلى ما عهد منه إلغاؤه، وهذا القسم ـ أي: المصالح المرسلة ـ متردد بينهما، فيحتمل إلحاقه بالمصالح

стр. 1026

المعتبرة ويحتمل إلحاقه بالمصالح الملغية، فامتنع الاحتجاج به مع هذا الاحتمال، لأنه ترجيح بدون مرجح. الجواب: ويجاب عن ذلك بأن التردد في إلحاق المصالح المرسلة بالمصالح المعتبرة أو بالمصالح الملغية ممنوع، لأن التردد إنما كان في أول النظر والبحث عن علة للحكم، لكن بعد وجود أمارات تدل على ترجيح المصلحة على المفسدة وكونها ملائمة لمقصود الشارع يحصل ظن بوجودها وترتيب الحكم عليها، والظن كاف في الأحكام الشرعية العملية، فحينئذ ترجح إلحاقها بالمصالح المعتبرة، ولأنا لو قارنا بين المصالح التي ألغاها الشارع والمصالح التي اعتبرها، وجدنا أن المصالح التي ألغاها الشارع قليلة بالنسبة للمصالح التي اعتبرها فإذا كانت هناك مصلحة لم يقم دليل على اعتبارها أو إلغائها، وكانت ملائمة لتصرفات الشرع كان الظاهر والغالب إلحاقها بالكثير الغالب دون القليل النادر، على أن ما ألغاه الشارع من المصالح لم يلغها إلا إذا ترتب على اعتبارها مفسدة تساويها أو ترجح عليها، وهذا غير متحقق في المصالح المتنازع فيها، لأن جانب المصلحة فيها راجح على جانب المفسدة، فلا يصح إلحاقها بالمصلحة الملغية، ويتعين إلحاقها بالمصالح المعتبرة. قال البدخشي: لأنه إذا ظن في هذا الحكم مصلحة غالبة على المفسدة، ومعلوم أن كل مصلحة كذلك معتبرة شرعاً ـ لزم ظن أن هذه المصلحة معتبرة والعمل بالظن واجب. خامساً: استدل المنكرون خامساً بأن القول بالمصالح المرسلة يؤدي إلى اختلاف الأحكام الشرعية تبعاً لاختلاف الزمان والمكان والأشخاص، فتتبدل الأحكام وتتغير بتبدل المصالح المرسلة وتغيرها تبعاً لاختلافها بتبدل الأشخاص والأزمنة والأمكنة فالقول بها يؤدي إلى تغير أحكام الشريعة كلها، وهذا مناقض لعموم الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان. الجواب: ويجاب عن ذلك بأن الأحكام المبنية على المصالح المرسلة تختلف

стр. 1027

باختلاف المصالح تبعاً لاختلاف الزمان والمكان وتبدل الأشخاص، وهذا أمر مسلم، لأن هذا الاختلاف في الأحكام مبني على اختلاف الأسباب، فتتغير الأحكام بتغير أسبابها، وهذا طريق من طرق صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، فالقول بالمصالح لا ينافي صلاحية الشريعة ولا ينافي عمومها، لأن شرط العمل بها ألا تهجم على نص ثبت عن رسول الله ﷺ بالرفع، ومن شروطها أيضاً أن تكون ملائمة لمقصود الشارع، لا تعارض نصوصه وأصوله وقواعده، فالاختلاف في التطبيق لأصل عام من أصول الشريعة، وليس اختلافاً في أصل الخطاب، فالأحكام الشرعية نوعان: ١ - نوع ثابت بالخطاب لا يتغير كالوجوب والحرمة، فالتغير في هذا النوع من الأحكام لا يكون إلا بالنسخ، ونسخ الأحكام لا يكون إلا من الله. ٢ - نوع معلق على الأسباب، وهي الأحكام التي ثبتت شرعاً معلقة على أسبابها فهذا النوع من الأحكام يتغير بتغير الأسباب، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فيتغير بتغير العلة. قال الشاطبي: اعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب، لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية، والتكليف، كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد، وإنما معنى الاختلاف في أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها. سادساً: استدل المنكرون سادساً بأن القول بالمصالح المرسلة يؤدي إلى القول بقصور النصوص القرآنية والأحاديث النبوية عن بيان الأحكام الشرعية، وهذا ينافي تبليغ الرسول ﷺ تبليغاً كاملاً، وينافي قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ فالمصالح إما أن تكون معتبرة أو

стр. 1028

غير معتبرة، وغير المعتبرة لا حاجة إليها لأنه لا يجوز تعليل الحكم الشرعي بمصلحة ليست معتبرة شرعاً، وإذا كانت المصلحة معتبرة فلا حاجة إليها في بناء الأحكام عليها للاستغناء عنها بالنص والقياس، لأن المصالح المعتبرة داخلة في عموم النص والقياس. الجواب: ويجاب عن ذلك بأن حصر المصالح في المعتبرة وغير المعتبرة غير مسلم ولا دليل عليه، بل القسمة ثلاثية: مصالح معتبرة، ومصالح ملغاة، ومصالح سكت عنها الشارع فلم يشهد لها بالاعتبار ولا بالإلغاء، وهي المصالح المرسلة، وهي التي اعتبرها الشارع في الجملة حيث شهد لجنسها ولم يشهد لعينها، وهي معتبرة في بناء الأحكام عليها، ولم يؤد القول بها إلى قصور الشريعة عن البيان، وتقصير النبي ﷺ في التبليغ، بل أثبت القول باعتبارها أنه يؤدي إلى القول بوفاء الشرعية ببيان وتبليغ النبي ﷺ فقد بلغ ما أمر به وبين أحكام شرعه، وأن المصلحة المرسلة مرعية في التشريع حيث أقر معاذا ﵁ على الاجتهاد بالرأي، وهو عام يتناول القياس والمصلحة المرسلة، وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك وحكموا في وقائع كثيرة بمطلق المصالح المرسلة من غير وجود دليل معين على اعتبارها، ومن غير وجود أصل تقاس عليه كجمع القرآن، وتوسيع المسجد وغير ذلك من الوقائع التي لا تعد ولا تحصى. الترجيح: وبعد ذكر مذاهب العلماء وأدلتها ومناقشتها، ظهر أن المذهب الراجح في المسألة هو القول بحجية المصالح المرسلة حيث كانت ملائمة لمقصود الشرع، ولم تعارض نصاً، ولم تصادم قاعدة شرعية مقررة، خاصة وأنه استند إلى عمل السلف من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم وهم أعلم بمراد الشارع الحكيم، وأحرص الناس على اتباعه، فإذا ثبت عنهم العمل بهذا الأصل كان أكبر دليل على جواز العمل به شرعاً، وهو مذهب الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ﵁ وجمهور الأصوليين، لأنه المصالح المرسلة هي المصدر الخصب لأحكام الوقائع المستجدة، الصالح لكل زمان ومكان،

стр. 1029

ولا عبرة بقول الظاهرية المنكرين للقياس، فإن خلافهم جاء بعد انعقاد الإجماع من الصحابة على العمل بالمصالح المرسلة، فلا عبرة بخلافهم. ولتمام الفائدة نذكر بإيجاز الفرق بين المصلحة المرسلة والقياس والاستحسان. أولاً: الفرق بينها وبين القياس: تقدم أن المصلحة المرسلة: هي كل مصلحة لم يرد من الشارع دليل معين يدل على اعتبارها ولا على إلغائها، وكانت ملائمة لمقاصد الشارع. أما القياس فهو: إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت. ولما كان كل منهما يقوم على الاجتهاد بالرأي، فهناك أمور مشتركة بينهما وأمور غير مشتركة، فهما يتفقان فيما يأتي. أولاً: أن العمل بهما لا يكون إلا في الوقائع التي لا يوجد لها حكم خاص في الكتاب والسنة والإجماع. ثانياً: أن كلا منهما مبني على رعاية المصلحة التي يغلب على الظن أنها تصلح أن تكون مناطاً وعلة لتشريع الحكم. وجه المخالفة بينهما: ويختلفان فيما يأتي: أولاً: أن الوقائع التي يحكم فيها بالقياس لها نظير وشبيه منصوص على حكمه في الكتاب أو السنة أو الإجماع، يمكن قياسها عليه لاشتراكهما في العلة التي من أجلها شرع الحكم في المنصوص أو المجمع عليه. أما الوقائع التي يحكم فيها بالمصالح المرسلة فليس لها نظير ولا شبيه منصوص عليه أو مجمع على حكمه تقاس عليه، بل يثبت الحكم فيها ابتداء بناء على ما يكون فيها من المعنى الملائم لتصرفات الشارع الذي يترتب على تشريع الحكم وبنائه عليه

стр. 1030

تحقيق مصلحة للناس أو دفع مفسدة عنهم. ثانياً: أن المصلحة التي بني عليها الحكم في القياس، قد قام الدليل المعين على اعتبارها، أما المصلحة التي بني الحكم عليها في المصالح المرسلة فلم يقم الدليل المعين على اعتبارها أو إلغائها، بل سكت الشارع عنها لكنه اعتبر جنسها. ثانياً: الفرق بين المصالح المرسلة والاستحسان: الاستحسان هو: العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي هذا العدول، وهو حجة عند أبي حنفية وأصحابه والحنابلة. وعليه فإنه يمكن التفرقة بين المصالح المرسلة والاستحسان: بأن الاستحسان يقتضي أن يكون للمسألة التي يحكم به فيها نظائر قد حكم فيها على خلاف ذلك وأن تكون المسألة استثنيت من حكم نظائرها، واختص بحكمها لدليل أقوى يوجب ذلك. أما المصالح المرسلة فليس لمحلها نظائر ثبت لها حكم على خلاف ما تقتضيه المصلحة في ذلك المحل، بل الحكم فيه ثابت بها ابتداء، فهي قاعدة عامة يثبت الحكم فيها في جميع الصور والوقائع التي لا نص فيها ولا إجماع وليس له أصل تقاس عليه، لكن الحكم الثابت بالاستحسان قد يكون له أصل يقاس عليه، ولهذا قالت الحنفية: هو قياس خفي في مقابلة قياس جلي لقوة علته. مثال الاستحسان: أن عقد المزارعة عند الحنفية ينتهي بموت العاقدين أو أحدهما كما في الإجارة، ولكنهم استثنوا من ذلك بعض الصور منها: إذا مات صاحب الأرض والزرع لم يدرك بعد، فحكموا ببقاء العقد فيها استحساناً على

стр. 1031

خلاف القاعدة المقررة عندهم حفظاً لمصلحة العامل ودفعاً للضرر عنه، والله أعلم.

стр. 1032

القسم التحقيقي

стр. 1033

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [الكتاب الثالث في الإجماع] (ص) الكتاب الثالث في الإجماع (ش): قدمه على القياس، لأنه معصوم من الخطأ بخلافه (ص): وهو اتفاق مجتهد الأمة بعد وفاة محمد ﷺ في عصر على أي أمر كان. (ش): الاتفاق: جنس يعم الأقوال، والأفعال، والسكوت

стр. 1034

والتقرير، وقوله: مجتهد، فصل خرج به اتفاق بعضهم، واتفاق العامة، وبإضافته إلى الأمة يخرج اتفاق الأمم السابقة وبقوله: بعد وفاة النبي ﷺ الإجماع في زمنه ﷺ فلا ينعقد، وقوله: في

стр. 1035

عصر، يخرج توهم اجتماع كلهم في جميع الأعصار إلى يوم القيامة، بل يكفي وجوده في عصر ثم يصير حجة عليهم، وعلى من بعدهم، وهذا القيد زاده الآمدي، ومن لم يذكره قال: المقصود العمل، وإنما يكون في عصره. وقوله: على أي أمر كان، يعم الإثبات والنفي، والأحكام الشرعية والعقلية واللغوية، وفائدة هذه القيود تأتي مشروحة فيما بعد، وقد أورد عليه: أن مجتهدي جمع أقله ثلاثة فيقتضي أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهدان لا يكون قولهما إجماعاً.

стр. 1036

وأجاب المصنف: بأن مجتهد لا يكتب بالياء إذ ليس جمعاً سقطت نونه بالإضافة وبقيت الياء، وإنما هو مفرد فدخل الاثنان فصاعداً، لأن المفرد المضاف عام. فإن قلت: فيلزم أن يكون قول الواحد المجتهد إذا لم يكن في العصر سواء إجماعاً، والمختار خلافه. قلت: لا لخروجه بلفظ الاتفاق، فإن الاتفاق إنما يكون من اثنين فصاعداً وإنما نكر عصراً، ولم يدخل عليه صيغة العموم وأدخلها على الأمر، تنبيهاً على أن تنكير ابن الحاجب لهما قد يظهر في بادئ الرأي تصويبه لأن الأعصار كلها سواء والأمور كلها سواء، لكن عبارة المصنف هو التحرير، أما تنكير عصر فلأنه لا

стр. 1037

يظهر فرق بين عصر وعصر، فكأن الحكم للقدر المشترك بين الأعصار، كلها، فعصر نكرة مراد به الحقيقة من حيث هي، حتى لو ابتدأ به جاز، لأنه من مسوغات الابتداء بالنكرة عند النحاة أن يراد بها الحقيقة من حيث هي نحو: رجل خير من امرأة، وتمرة خير من جرادة، لأن الوحدة غير مقصودة، فاندفع الإيهام، وحصلت الفائدة المسوغة للابتداء، وأما التصريح بتعميم ما يقع الإجماع فيه فقولنا: أي أمر كان فلأن الفرق ظاهر بين الأمور، ألا ترى إلى اختلاف العلماء في الفرق بين أمر وأمر نحو اختلافهم في الإجماع في العقليات هل هو صحيح، وفيما أصله أمارة ونحو ذلك.

стр. 1038

ولم يقل أحد بالفرق بين عصر وعصر، فلما ظهر الفرق نص على العموم دفعاً للإيهام، بخلاف العصر، ثم أورد على نفسه أنه لو لم يفترق الأعصار، لما كان عصر السالفين لا يختص فيه الإجماع بخلاف أعصار هذه الأمة، ولما قال قوم إن الإجماع يختص بعصر الصحابة. وأجاب بأن الخلاف لم ينشأ عن اختلاف الأعصار في أنفسها بل عن المختلفين، فالقائل، باختصاص الإجماع بهذه الأمة يدعي تميزها بذلك فالخلاف لأجل أهل العصر لا للعصر فلم يقبل أن إحداث الإجماع يختص بعصر الصحابة

стр. 1039

بل إنه مختص بالصحابة ويظهر أثر هذا فيما لو كان بين الصحابة تابعي مجتهد، وذلك كثير فأجمعوا دونه فإن قلنا: يختص بالصحابة، لم يعتد بخلافه فيهم، وإن قلنا: يختص بالعصر نفسه، اعتد، لأنه من أهل عصرهم. (ص): فعلم اختصاصه بالمجتهدين، وهو اتفاق، واعتبر قوم وفاق العوام مطلقاً، وقوم في المشهور بمعنى إطلاق أن الأمة أجمعت لا افتقار الحجة إليهم خلافاً للآمدي.

стр. 1040

(ش): مسائل هذا الباب كلها مستخرجة من هذا التعريف، وقد أبدع المصنف في ذلك بحيث يلوح للفطن الاكتفاء بالتعريف عن النظر في آحاد المسائل، فعلم ـ أي: من قولنا مجتهد ـ اختصاص الإجماع بالمجتهدين، أي: لا يعتبر إلا بهم ولا اعتبار بقول العوام وفاقاً ولا خلافاً، وهذا قول الأكثرين، لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد فلا عبرة بقولهم كالصبي والمجنون، ولأن قول المجتهد بالنسبة إلى العوام كالنص بالنسبة إلى المجتهد، فكما أن حجية النص لا تتوقف على رضا المجتهدين فكذلك حجية قولهم لا تتوقف على رضا العوام به، وقيل: يعتبر قولهم مطلقاً أي: سواء المسائل المشهورة والخفية لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطأ، ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة، وحينئذ لا يلزم من ثبوت العصمة للكل ثبوتها للبعض، وهذا ما اختاره الآمدي، ونقله الإمام وغيره

стр. 1041

عن القاضي. وفي المسألة مذهب ثالث: أنه يعتبر وفاقهم في المشهور دون الخفي كدقائق الفقه، وهو ما حكاه القاضي عبد الوهاب في (الملخص)، وأشار المصنف بقوله: بمعنى إلى تحقيق محل الخلاف، وأن في إطلاق اللفظ، أي: إذا خالفت

стр. 1042

العوام وأجمع العلماء، هل يقول أجمعت الأمة أم لا؟ أما عدم الاعتبار بقولهم: فلا خلاف فيه وإليه أشار بقوله أولاً: (وهو اتفاق) وهذا عكس ما فهمه جماعة عن القاضي والصواب ما ذكره المصنف، وقد صرح القاضي في (التقريب) أن خلاف العوام لا يعتبر به، وقال فيه في الكلام على الخبر المرسل: لا عبرة بقول العوام وفاقاً ولا خلافاً. (ص): وآخرون: الأصولي في (الفروع). (ش): المجتهد الذي يعتبر ليس هو المجتهد كيف كان، بل هو المجتهد مطلقاً أو المجتهد في ذلك الفن الذي يحصل الإجماع على مسألة من مسائله، فأما لو كان مجتهداً في فن، فإنه لا يعتبر قوله في فن آخر، لأنه عامي بالنسبة إليه، فعلى هذا المعتبر في مسائل الكلام إنما هو قول المتكلمين لا غير، وفي مسائل الفقه (٢/ك) قول (٧٩/ز) المتمكن من الاجتهاد في الفقه، لا قول المتكلمين واختلفوا في الأصولي الذي ليس بفقيه، والفقيه الذي ليس بأصولي، هل يعتبر في الفروع؟ على أربعة مذاهب. أحدها: يعتبر قولهما: نظراً لما لهما من الأهلية المناسبة بين الفنين. الثاني: لا يعتبران، لعدم أهلية الاجتهاد.

стр. 1043

وثالثهما: اعتبار قول الأصولي دون الفقيه الحافظ للأحكام، لأنه أقرب إلى مقصود الاجتهاد واستنباط الأحكام من مآخذها، وليس من شرط الاجتهاد حفظ الأحكام، واختاره القاضي، وقال الإمام: إنه الحق. والرابع: قول الفقيه الحافظ للأحكام دون الأصولي، لكونه أعرف بمواقع الاتفاق والاختلاف. واعلم أن المصنف إنما ذكر المسألة عقب العامي، ليرتبها عليها، فإن من اعتبر وفاق العامي اعتبر الأصولي والفقيه الحافظ بطريق الأولى، ومن منع: فمنهم من ألحقها بالعامي مطلقاً، لعدم الاجتهاد، ومنهم من أدخلها، نظراً إلى تفاوت الرتبة،

стр. 1044

ومنهم من فصل فاعتبر الفقيه، ومنهم من اعتبر الأصولي. (ص): وبالمسلمين فخرج من نكفره. (ش): علم من قوله: (مجتهد الأمة) اختصاصه بالمسلمين فلا اعتبار بالكافر فيه، لأن أدلة الإجماع لم تتناوله إنما تناولت المؤمنين على الخصوص، ولأنه غير مقبول القول، فلا اعتبار به في حجة شرعية، ولا بقول المبتدع الذي نكفره ببدعته، لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه, ولا خلاف فيه، فإن لم نكفره، فالمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه، نظراً إلى دخوله في مفهوم الأمة، وقيل: ينعقد دونه، وقيل: لا ينعقد عليه، بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع من عداه، ولا يجوز ذلك لغيره،

стр. 1045

واعلم أنه سيأتي أن الإجماع قد يكون على أمر دنيوي، وحينئذ فلا يبعد أن لا يختص بالمسلمين، لا سيما إذا بلغ المجمعون، حد التواتر ولم يشترط في ناقل التواتر الإسلام. (ص): وبالعدول إن كانت العدالة ركنا، وعدمه إن لم تكن، وثالثها: في الفاسق يعتبر في حق نفسه، ورابعها: إن بين مأخذه. (ش): علم من قوله: (مجتهد) اختصاص الإجماع بالعدول، إن جعلنا العدالة ركناً في الاجتهاد.

стр. 1046

فإن قلنا: ليست بركن لم يختص الإجماع بالعدول، وعلم منه حكاية قولين في اعتبار قول الفاسق، وأن مأخذهما البناء على أن العدالة ركن في الاجتهاد أم لا؟ وقد صحح المصنف في باب الاجتهاد أن العدالة لا تشترط، فيلزم منه ترجيح اعتبار قول الفاسق، لكن الأكثرين، على عدم اعتباره، ثم في هذا البناء نظر من جهة أن أهلية الاجتهاد ـ الذي هو استنباط الأحكام، وتصحيح المقاييس، وترتيب المقدمات إلى غير ذلك ـ مما لا تعلق لها بالديانة أصلاً. والثالث: يعتبر خلافه في حق نفسه دون غيره. ورابعها: إن بين مأخذه وإلا فلا، قال ابن السمعاني: ولا بأس به، قال:

стр. 1047

وعند هذا القائل يفارق العدل الفاسق، لأن العدل إذا أظهر خلافه جاز الإمساك عن استعلام دليله، لأن عدالته تمنعه عن اعتقاد شرع بغير دليل، قال: وهذا كله في الفاسق بلا تأويل، أما الفاسق بتأويل فكغيره وقد نص الشافعي ﵁ على قبول شهادة أهل الأهواء، وهو محمول على ما إذا لم يؤد إلى التكفير، وإلا فلا عبرة به. (ص): وأنه لا بد من الكل، وعليه الجمهور، وثانيها: يضر الاثنان، وثالثها: الثلاثة، ورابعها: بالغ عدد التواتر، وخامسها: إن ساغ الاجتهاد في مذهبه، وسادسها: في أصول الدين، وسابعها: لا يكون إجماعاً بل حجة. (ش): علم من قوله: (مجتهد الأمة) أنه لا بد من وفاق جميعهم، فلو خالف واحد لم يكن قول غيره إجماعاً، وهذا مذهب الجمهور.

стр. 1048

والثاني: يضر الاثنان لا الواحد. وثالثها: تضر الثلاثة لا الواحد ولا الاثنان. ورابعها: عن بلغ الأقل عدد التواتر لم يعتد بالإجماع دونه، وإلا اعتد به، حكاه الغزالي والآمدي وقال القاضي في (مختصر التقريب): إنه الذي يصح عن ابن جرير.

стр. 1049

والخامس: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف كان خلافه معتداً به كخلاف ابن عباس في العول، وإن لم يسوغوا له الاجتهاد بل أنكروه عليه

стр. 1050

كالمتعة وربا الفضل ـ فلا، وهو قول الجرجاني من الحنفية وحكاه السرخسي

стр. 1051

عن أبي بكر الرازي. والسادس: يضر في أصول الدين دون غيره من العلوم. وسابعها: لا يكون إجماعاً، بل هو حجة فهذا هو الذي رجحه ابن الحاجب، فإنه قال: لو ندر المخالف مع كثرة المجمعين لم يكن إجماعاً قطعاً، والظاهر أنه حجة، لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف قال الهندي والظاهر أن من قال:

стр. 1052

إنه إجماع، فإنما يجعله إجماعاً ظنياً لا قطعياً، وبه يشعر إيراد بعضهم. وحكى ثامناً: أنه إجماع وحجة. وتاسعاً: أنه ليس بحجة ولا إجماع لكن الأولى اتباع الأكثر، وإن كان لا يحرم مخالفتهم. (ص): وأنه لا يختص بالصحابة، خلافاً للظاهرية. (ش): لأن الأدلة على كون الإجماع حجة لا تفرق بين عصر وعصر، قال ابن حزم:

стр. 1053

وذهب داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إما أن يكون عن توقيف، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف فإن قيل فما تقولون في إجماع من بعدهم أيجوز أن يجمعوا على خطأ؟ قلنا هذا لا يجوز لأمرين: أحدهما: أن النبي ﷺ أمنا من ذلك بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)). والثاني: أن سعة الأقطار بالمسلمين وكثرة العدد لا يمكن أحداً ضبط أقوالهم، ومن ادعى هذا لم يخف كذبه على أحد انتهى.

стр. 1054

(ص): وعدم انعقاده في حياة النبي ﷺ . (ش): علم من قوله: بعد وفاة النبي ﷺ أنه لا ينعقد الإجماع في حياته، لأنه إن أجمع معهم فالحجة في قوله وإلا فلا اعتبار بقولهم. (ص): وأن التابعي المجتهد معتبر معهم، فإن نشأ بعد فعلى الخلاف في انقراض العصر.

стр. 1055

(ش): علم من إطلاقه المجتهد أن التابعي إذا كان موجوداً في عصر الصحابة فلا يعتد بإجماع الصحابة مع مخالفته خلافاً لقوم. لنا: تناول أدلة الإجماع للكل، واستدل كثيرون منهم الإمام فخر الدين بتسويغ الصحابة للتابعي مخالفتهم، ورجوعهم إليه في بعض الوقائع لقول أنس: (سلوا الحسن) وابن عباس،
следующие страницы →