Полный текст (1 929 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
تعريفُ المَصلحةِ:
تُطْلَقُ المصلحةُ في اللُّغةِ بِعِدَّةِ إطْلاقاتٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَصلحةَ مَصدرٌ بِمعنَى الصَّلاحِ، كالمنْفَعةِ بِمعنَى النَّفْعِ، والصَّلاحُ: كونُ الشَّيءِ علَى هيئَةٍ كاِملةٍ بِحَسَبِ ما يُرادُ ذلكَ الشَّيءُ لهُ، كالقَلَمِ يكونُ علَى هيئَتِه الصَّالِحَةِ لِلْكِتابَةِ بِه، والسَّيفِ علَى هيئَتِه الصَّالِحَةِ لِلضَّربِ. كَما تُطْلقُ المصلحةُ علَى الواحِدَةِ مِنَ المَصالِحِ، فهيَ بهذا اسْمٌ كالمنفعةِ واحِدَةُ المَنافِعِ، وعلَى هذا تكونُ المَصْلَحةُ بِهذا الإِطْلاقِ لغةً: واحِدَةُ الْمَصالِحِ، وهيَ إمَّا مَصدرٌ بمعنَى الصَّلاحِ، أوِ المَنفعةِ بمعنَى النَّفْعِ، وإمَّا اسمٌ لِلْواحِدَةِ مِنَ المَصالِحِ؛ كالمَنْفعةِ اسْمٌ لِلواحِدَةِ مِن المنافعِ.
الثَّاني: أنَّ المصلحةَ وسيلةُ الشَّيءِ، كالعَمَلِ الَّذي يَبذُلُه الإنسانُ لِيَتَوصَّلَ بِه إلَى ما يَطلُبُه، وفي ذلكَ يقولُ صاحبُ (الْمِصْبَاحِ): وفِي الأمْرِ مَصلحَةٌ؛ أي: خيرٌ، وقالَ فِي مَوضِعٍ آخرَ: والنَّفْعُ: الخَيرُ وهو ما يَتَوصَّلُ بِه الإنسانُ إلَى مَطلوبِه، فإذَنِ
стр. 982
المصلحةُ خيرٌ، والخيرُ ما يُتَوصَّلُ بهِ إلَى المَطْلوبِ، فالمصلحةُ ما يُتَوصَّلُ بِه إلَى المَطْلوبِ.
ومِن اسْتِعْمالِها فِي هذا المَعْنَى قولُ الشَّيخَينِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ ﵄: (هوَ واللَّهِ خيرٌ) في شأنِ جَمْعِ القُرآنِ الكرِيمِ في المُصْحَفِ حِينَما اسْتَحَرَّ القتلُ بالقُرَّاءِ يومَ اليَمامَةِ، فالضَّميرُ في َقولِهما: (هُوَ) يعودُ إلًى جَمْعِ القرآنِ، ولا شكَّ في أنَّ جَمْعَ القرآنِ مُؤَدٍ إِلى مَطْلوبٍ لهما، بَلْ إلى مَطْلوبٍ عامٍّ وهوَ حِفْظُ القرآنِ الكريمِ مِن أنْ يَضيعَ.
الثَّالِثُ: تُطلَقُ المصلحةُ علَى ذاتِ الفِعْلِ الجالِبِ لِلنَّفْعِ والدَّافِعِ لِلضَّررِ، فإطْلاقُ المصلحةِ علَى الفِعلِ إطْلاقٌ مَجازِيٌّ، مِن بابِ إطْلاقِ المُسَبَّبِ علَى السَّبَبِ، وعَلاقَتُه السَّبَبِيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ، فأُطْلِقَ لفظُ المصلحةِ الَّتي هي حاصلةٌ بسببِ الفِعلِ علَى الفِعلِ الَّذي هوَ سببٌ لها، فيُقالُ: التِّجارَةُ مَصلَحةٌ؛ أي: َسببٌ لِلمَنافِعِ المادِّيَّةِ، وطَلبُ العِلْمِ مَصلحةٌ، بمعنَى أنَّه سببٌ لِلمَنافِعِ المَعْنَوِيَّةِ، فالمَصلحةُ ضِدُّ المَفْسدَةِ فهُما نَقيضانِ لا يَجتمِعانِ ولا يَرتفِعانِ، كما أنَّ النَّفْعَ ضِدُّ الضَّررِ، وعلى هذا يكونُ دفْعُ المَضرَّةِ مَصْلحةً.
قالَ صاحبُ (لِسَانِ العَرَبِ): الصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ، وأصْلَحَه ضِدُّ أفْسَدَه، والإصْلاحُ نقيضُ الإِفْسادِ، والمصْلحةُ واحدةُ المَصالِحِ، والاسْتِصْلاحُ نَقيضُ الاسْتِفْسادِ. اهـ.
والمصلحةُ بِمعْناها الأَعمِّ كَما يَتصَوَّرُها الإنسانُ: كلُّ ما فيه نفْعٌ له سَواءٌ أكانَ بالجَلْبِ والتَّحْصيلِ كتَحْصيلِ الفَوائِدِ واللَّّّّّّذائذِ، أوْ بالدَّفْعِ والارْتِقاءِ كاسْتِبْعادِ المَضارِّ والآلاَمِ، فكُلُّ ما فيهِ نَفْعٌ جدِيرٌ بأنْ يُسمَّى مَصلَحةً.
وقدْ عرَّفَها الأُصُولِيُونَ في مَوضِعَينِ:
الأوَّلُ: عندَ الكَلامِ على المُناسِبِ المُرْسَلِ، فقالوا: هو الوَصْفُ الظَّاهِرُ المُنضَبِطُ
стр. 983
الَّذي يترتَّبُ على شَرْعِ الحُكْمِ عندَه جَلْبُ مصْلحةٍ مقصُودَةٍ للشَّارعِ أو دفْعُ مضرَّةٍ.
وهذا إذا اعتبرْناهُ تعْريفاً للْمَصْلَحةِ، يكونُ تعرِيفاً لها بالفِعْلِ الَّذي اشْتملَ عليها، فهوَ مِن بابِ إِطلاقِ السَّببِ وإرادةِ المُسَبَّبِ، ومِنه تعْريفُ الإمامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ المصْلحةَ بالفِعْلِ الَّذي يجْلِبُ مَنفعَةً راجِحَةً ولمْ يرِدْ في الشَّرْعِ ما ينفِيهِ.
المَوضُوعُ= الثَّانِي: عندَ الكَلامِ عنها بِاعتِبارِها دليلاً شرْعيًّا فقالوا: المصْلَحةُ في الأصْلِ عِبارةٌ عن جلْبِ منفَعَةٍ أوْ دفْعِ مَضرَّةٍ.
فالمصْلَحةُ تُطلَقُ على المَنفَعَةِ أوْ دفْعِ المَضرَّة كما تُطلَقُ على المُناسِبِ، كما أشارَ إلى ذلكَ الغَزَالِيُّ في تعريفِه، قالَ: ونَعْنِي بها ـ أي المصْلحةِ ـ المُناسِبَ المُخَيَّلَّ، وهذا مواِفقٌ لمَعْناها في اللُّغَةِ، فقدْ سبَقَ أنَّ المَصْلحةَ تُطلَقُ على المَنفَعةِ حقيقَةً وعلى السَّبَبِ المُؤَدِّي لها مَجازاً، ولمَّا كانتِ المصلحةُ نقِيضَ المَفْسدَةِ كان دفْعُ المَفْسَدةِ مصْلَحةً أيضاً، ولِهذا جاءَ في تعْريفِها: جلْبُ منْفَعةٍ أوْ دفْعُ مضَرَّةٍ.
وقدْ قسَّموا المَصْلحةَ والمَفْسدَةَ إلى: نفْسِيٍّ، وبدَنِيٍّ، ودُنْيَوِيٍّ، وأُخْرَوِيٍّ، ومثَّلُوا لِلْمصلَحةِ بالمَلَذَّاتِ وأسْبابِها، ولِلمَفْسدَةِ بالآلاَمِ وأسْبابِها.
قالَ العِزُّ بنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: المَصالِحُ أرْبعَةُ أنْواعٍ: اللَّذَّاتُ وأسْبابُها، والأَفْراحُ وأسْبابُها، والمَفاسِدُ أرْبعَةُ أنْواعٍ: الآلاَمُ وأسْبابُها، والغُمُومُ وأسْبابُها، وهي مُنقسِمَةٌ إلى دُنْيَوِيَّةٍ وأُخْرَوِيَّةٍ، فأمَّا لذَّاتُ الدُّنيا وأسْبابُها، وأفْراحُها وأسبابُها، وآلامُها وأسبابُها، وغُمومُها وأسبابُها، فمَعْلومَةٌ بالعاداتِ، ومِن أفْضَلِ لذَّاتِ الدُّنْيا لذَّاتُ المَعارِفِ، وأمَّا لذَّاتُ الآخِرَةِ وأسْبابُها، وأفْراحُها وأسْبابُها وآلامُها وأسْبابُها، وغُمومُها وأسبابُها، فقدْ دَلَّ عليه الوَعِيدُ والزَّجْرُ والتَّهديدُ، وأمَّا اللَّذَّاتُ فمِثْلَ قوْلِه
стр. 984
تعالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ وأمَّا الأفْراحُ ففي مِثْلِ قوْلِه تعالَى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وأمَّا الآلاَمُ ففي مِثْلِ قولِه تعالَى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وأمَّا الغُمومُ ففي مِثْلِ قولِه تعالَى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾.
فصارَتِ المصالِحُ ضرْبَينِ، أحدُهمَا: حقِيقيٌّ، وهو اللَّذَّاتُ والأفْراحُ.
والثَّاني: مَجازِيٌّ، وهو أسْبابُها، وصارتِ المَفسَدةُ كذلكَ.
ورُبَّما تكونُ أسبابُ المصالحِ مَفاسِدَ فيُؤمَرُ بها أو تُباحُ لا لِكَونِها مَفاسِدَ بَلْ لِكَونِها مُؤَدِّيَةً إلى المَصالِحِ، وذلكَ كقَطْعِ الأيْدي المُتآكِلةِ، فإنَّ القَطْعَ مَفْسدَةٌ لكِنْ لمَّا كانَ إبْقاؤُها يُؤدِّي إلى ضرَرٍ أصْبحَ القَطْعُ سَبباً لِمَصلَحةٍ هي: حِفْظُ النُّفُوسِ، وكذلكَ الجِهادُ؛ فإنَّ فيه مُخاطرَةً بالنَّفْسِ، فإنَّ هلاكَ النَّفسِ مَفسدَةٌ، لكِنْ شُرِعَ معَ هذه المُخاطَرَةِ لِمصلحةٍ هي: المُحافظةُ على بَقاءِ كِيانِ الأُمَّةِ وإعْلاءِ كَلِمةِ اللَّهِ، وكذلك العقوباتُ مِن قَتْلٍ ورَجْمٍ وجَلْدٍ هي مَضارٌ ومَفاسِدٌ واقِعةٌ على الأشخاصِ الَّتي هي مَحَلُ تلكَ العُقوباتِ، لكنَّها مَصالِحُ اعتَبَرَها الشارِعُ بالنَّظرِ لِما يترَتَّبُ عَليها مِن مَصالِحَ مَقصودَةٍ للشَّارِعِ.
والمصلحةُ أُمورٌ اعْتِبارِيَّةٌ تخْتَلِفُ حَسَبَ اخْتِلافِ مَشاعرِ النَّاسِ وعاداتِهمْ وأخْلاقِهمْ، وليسَ هذا هو المَقْصودُ هُنا، ولَكنَّ المَقصودَ بالمصلحةِ هنا: المُحافظةُ على مَقصودِ الشَّارعِ مِن المَصالِحِ النَّافِعةِ، الَّتي وَضَعَها وحدَّدَ حُدودَها، لاَ على مُقتَضى أهْواءِ النَّاسِ وشَهَواتِهمْ، لأِنَّه لا شَكَّ أنَّ المصالحَ المَبْنِيَّةَ على أهْواءِ النَّاسِ وشَهَوَاتِهمْ
стр. 985
هي مَفاسدُ في نَظرِ الشَّرْعِ كَوَادِ البَناتِ، وغَيرِه قالَ الغَزَالِيُّ: ونَعْني بالمَصلَحةِ: المُحافَظةَ على مَقْصودِ الشَّرْعِ، ومَقصودُ الشَّرعِ مِن الخَلْقِ خَمْسةٌ: وهو أنْ يَحفظَ عليهم دِينَهمْ ونَفْسَهمْ وعَقْلَهمْ ونَسْلَهمْ ومالَهمْ، فكُلُّ ما يضْمنُ حِفْظَ هذه الخَمْسةِ فهو مَصلحةٌ، وكُلُّ ما يُفَوِّتُ هذه الأُصولَ فهو مَفسدَةٌ ودَفْعُه مَصلحةٌ، وإذا أطْلَقْنا المَعْنى المُخَيَّلَ أوِ المُناسِبَ في بابِ القِياسِ أرَدْنا به هذا الجِنسَ. اهـ.
وبَعْدَ تعْريفِ المَصلحةِ نَعودُ إلى بَيانِ أنْواعِها مِن حَيثُ الاعتبارُ الشَّرْعِيُّ لها وعدَمُه:
النَّوعُ الأَوَّلُ: المصلحةُ المُعتَبَرَةُ؛ أي: ما عُلِمَ اعْتِبارُ الشَّرْعِ لها، وهي كُلًُّ مَصلحةٍ ثَبَتَ الحُكْمُ المُؤَدِّي إليها بِدَليلٍ مِن نَصٍّ، أوْ إجْماعٍ. وقدْ عبَّرَ الأُصولِيُّونَ عنْها بِالمَصْلَحةِ المُعْتَبرَةِ، أوِ المُناسِبِ المُعْتَبَرِ، وهذا النَّوعُ يَجوزُ بِناءُ الأحْكامِ عليه، والتَّعْليلُ به بِإجْماعِ القائِلينَ بحُجِّيَّةِ القِياسِ.
وقدْ أشارَ الشَّاطِبِيُّ إلى ذلكَ بِقولِه: المَعْنى المُناسِبُ الَّذي يُربَطُ به الحُكْمُ لا يَخْلو مِن ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
أحدُها: أنْ يشْهدَ الشَّرعُ بِقَبولِه؛ فَلا إشْكالَ في صِحَّتِه، ولا خِلافَ في إعْمالِه، وإِلاَّ كان مُناقَضةً للشَّريعَةِ؛ كشَرْعيَّةِ القِصاصِ حِفْظاً لِلنَّفسِ والأَطْرافِ. اهـ.
وهو أربعةُ أقْسامٍ:
القسْمُ الأوَّلُ: أنْ يُعْتبَرَ عَيْنُ الوَصْفِ في عَينِ الحُكْمِ بِنصٍ أوْ إجْماعٍ، وهو المُؤَثِّرُ، سُمِّيَ بذلكَ لِحُصولِ التَّاثيرِ فيه عَيْناً وجِنْساً فظَهرَ تاثيرُه في الحُكْمِ، ويُعْرَفُ عندَ الأُصولِيِّينَ بِالمَصلحةِ المُؤَثِّرَةِ أوِ المُناسِبِ المُؤَثِّرِ، والأمثِلَةُ لِهذا القِسْمِ كَثيرَةٌ.
стр. 986
مِثالُ اعْتِبارِه بالنَّصِّ، قولُه ﷺ : ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)) فقدْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ عَينَ الوَصْفِ، وهو السُّكْرُ، في عَينِ الحُكْمِ، وهو التَّحْريمُ، بالنَّصِّ مُحافظَةً على العَقْلِ، وهو مَقصودٌ للشَّارِعِ فإنَّ العَقلَ مَناطُ التَّكْليفِ، والمُحافظةُ عليه مَصلحةٌ مَقصودةٌ للشَّارِعِ.
ومِثالُه أيضاً قولُه ﷺ : ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّا))، فإن الشَّارِعَ اعْتَبرَ عَينَ الوَصْفِ وهو مَسُّ المُتَوَضِّئِ ذَكَرَهُ في عَينِ الحُكْمِ وهو الحَدثُ.
ومِثالُ اعْتبارِه بِالإجْماعِ: وَصفُ الصِّغَرِ فإنَّه مُعتَبرٌ في عَينِ وِلايَةِ المالِ، مُحافظةً على المالِ بِالإجْماعِ، فقدْ أجْمعَ العُلماءُ على أنَّ عَينَ وَصْفِ الصِّغَرِ هو العِلَّةُ في عَينِ وِلايةِ المالِ، قالَ الإِمامُ الغَزَالِيُّ: فإنْ ظَهرَ تاثيرُ عَينِ الوَصْفِ في عَينِ الحُكْمِ فهو قِياسٌ في مَعْنى الأَصْليِّ، وهو المَقْطوعُ بِه الَّذي رُبَّما اعْترَفَ به مُنْكِرو القِياسِ، إذْ لا يَبقَى بَينَ الأَصلِ والفَرْعِ مُبايَنةٌ إلاَّ تَعَدُّدُ المَحلِّ فإنَّه إذا ظَهرَ أنَّ عَينَ السُّكرِ أثرٌ في تَحريمِ عَينِ الشُّربِ مِن الخَمرِ فالنَّبيذُ مُلْحقٌ به قَطْعاً. اهـ.
القِسمُ الثَّاني: أنْ يَعتَبرَ الشَّارعُ عَينَ الوصْفِ في جِنسِ الحُكمِ، وهذا القِسمُ وما يَليهِ - أي: اعْتبارُ جِنْسِ الوَصفِ في عَينِ الحُكمِ، واعْتبارُ جِنسِ الوَصفِ في
стр. 987
جِنْسِ الحُكمِ ـ يُسمَّى مُلائِماً لِكونِه مُوافِقاً لِما اعْتَبرَه الشَّارعُ.
مِثالُه- أي: اعْتبارُ عَينِ الوَصفِ في جِنسِ الحُكمِ- ثُبوتِ وِلايةِ النِّكاحِ على الصَّغيرِ كما ثَبَتَتْ وِلايةُ المالِ لِوَصفِ الصِّغرِ وهو واحِدٌ، والحُكمُ الوِلايةُ وهو جِنسٌ، فاعْتَبرَ عَينَ الصِّغرَ وهو مُعيَّنٌ في جِنسِ الوِلايةِ، وهو جِنسٌ يَشملُ الوِلايَةَ على النَّفسِ في النِّكاحِ والوِلايةِ على المَالِ، ومِثالُه أيضاً: اعْتبارُ الشَّارعِ تَقديمَ الأَخِ مِنَ الأَبَوَينِ على الأَخِ مِن الأبِ في الإِرْثِ، وقِيسَ عليه تَقديمُه في وِلايَةِ النِّكاحِ وغيرِها مِن الأَحكامِ الَّتي قُدِّمَ عليه فيها، فإنَّه وإنْ لَمْ يَعتبِرْهُ الشَّارعُ في غيرِ هذه الأحْكامِ ولَكنِ اعْتبرَهُ في جِنسِها وهو التَّقدُمُ في الجُملَةِ.
قالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ والزَّرْكَشِيُّ وغيرُهما: هذا القِسْمُ دُونَ ما قَبلَه؛ لأِنَّ المُقارَنَةَ بينَ المَسْألتَينِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المَحَلَّينِ أقلُّ مِن المُقارَنةِ بينَ نَوعَينِ مُخْتلِفَينِ. اهـ.
القِسمُ الثَّالثُ: أنْ يُعتَبَرَ جِنسُ الوَصفِ في عَينِ الحُكمِ.
مِثالُه: المَشقَّة ُفإنَّها جِنسٌ أثَّرَ في نَوعٍ، وهو إسْقاطُ صلاةٍ، أمَّا في الحَيضِ فبِالكُلِّيَّةِ، وأمَّا في السَّفرِ فبِإسقاطِ نِصفِ الرُّباعيَّةِ، وإنَّما جَعلَ الوَصفَ هنا جِنساً والإِسْقاطَ نَوْعاً، لأِنَّ مَشقَّةَ السَّفرِ نَوعٌ مُخالِفٌ لِمشقةِ الحَيضِ، وأمَّا السُّقوطُ فأمْرٌ واحدٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ مَحالُّهُ.
القِسمُ الرَّابعُ: أنْ يُعتبرَ جِنسُ الوَصفِ في جِنسِ الحُكمِ.
مِثالٌ: جِنايَةُ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانُ، فإنَّ هذا الوَصفَ عِلَّةٌ في وجُوبِ القِصاصِ، وقدْ اعْتبرَ الشَّارعُ مُطْلقَ جِنايَةِ العَمدِ العُدْوانَ، والجِنايَةُ جِنسٌ تَشْملُ الجِنايَةَ على النَّفسِ والجِنايَةَ على الأطْرافِ والحُكمُ هو وجُوبُ القِصاصِ، وهو جِنسٌ يَشملُ القِصاصَ في الأنْفُسِ والقِصاصَ في الأطْرافِ فجِنسُ الجِنايَةِ مُعتَبرٌ في جِنسِ قِصاصِ النَّفسِ، قالَ الإِمامُ الزَّرْكَشِيُّ: وهذا القِسْمُ أبْعدُها فإنَّه يكونُ في تَعْليلِ الأحْكامِ بِالحِكْمةِ الَّتي لا تَشْهدُ لها أُصولٌ مُعَيَّنَةٌ.
ومِمَّا تَقدَّمَ يَتَبيَّنُ أنَّ المَصلحَةَ المُعْتبرَةَ تَنقَسِمُ إلى مَصلحةٍ مُؤَثِّرَةٍ: وهي الَّتي اعْتبرَ
стр. 988
الشَّارعُ عَينَها في عَينِ الحُكمِ بِنصٍّ أوْ إِجْماعٍ، وإلى مَصلحةٍ مُلائِمَةٍ وهي الَّتي اعْتبَرَ الشَّارعُ عَينَها في جِنسِ الحُكْمِ، أوْ جِنسَها في عَينِ الحُكمِ، أو جِنسَها في جِنسِ الحُكمِ وهي دُونَ المَصلحةِ المُؤَثِّرَةِ.
وتنْقَسِمُ المَصلحةُ المُعْتبَرَةُ بِحَسَبِ قُوَّتِها في ذَاتِها؛ أوْ بِالنِّسبَةِ لِحاجَةِ الإنْسانِ إليها إلى: ضَرُورِيَّةٍ، حاجِيَّةٍ، تَحْسِينيَّةٍ.
أوَّلاً: الضَّرُورِيَّةُ: وهي ما لاَ بُدَّ مِنها في قِيامِ مَصالحِ الدِّينِ والدُّنْيا بِحيثُ إذا فُقِدَتْ لَمْ تَجْرِ َمصالحُ الدُّنيا على اسْتِقامَةٍ، بَلْ على فَسادٍ وتَهارُجٍ وفَوتِ حَياةٍ، وفي الآخِرَةِ فَوتِ النَّجاةِ والنَّعيمِ والرُّجُوعِ بالخُسْرانِ المُبينِ.
فَهي الَّتي تَتََضمَّنُ حِفْظَ مَقْصودٍ مِن المَقاصدِ الخَمْسةِ وهي: حِفْظُ الدِّينِ بِشَرْعِيَّةِ القَتْلِ والقِتالِ، فالقَتلُ للرِّدَّةِ وغيرِها مِن مُوجِباتِ القَتلِ لأِجْلِ مَصلحةِ الدِّينِ، والقِتالُ في جِهادِ أهلِ الحَرْبِ، وحِفظُ النَّفسِ بِشَرعِيَّةِ القِصاصِ، وحِفظُ العَقْلِ بِشرعِيَّةِ الحَدِّ على شُرْبِ المُسْكِرِ، وحِفظُ النَّسلِ بِتَحْريمِ الزِّنا وإِيجابِ العُقوبَةِ عليه، وحِفظُ المَالِ بِإيجابِ الضَّمانِ على المُتَعَدِّي فيهِ، وبِالقَطعِ في السَّرِقَةِ، وهي المَجْموعَةُ في قولِه تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنُّ وَلاَ يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ الآيَةُ.
وزَادَ الطُّوفِيُّ الحَنْبَلِيُّ وتَبِعَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ سادِساً، وهو حِفظُ الأَعْراضِ، فإنَّ عادَةَ العُقلاءِ بَذْلُ نُفوسِهمْ وأَمْوالِهمْ دُونَ أعْراضِهمْ، وما فُدِيَ بِالضَّرورِيِّ أوْلى أنْ يكونَ ضَرُورِيًّا.
стр. 989
وفي الصَّحيحَينِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في خُطْبةِ الوَداعِ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) الحديثَ.
ثانِياً: الحاجِيَّةُ: وهي الأَمْرُ الَّذي يَفتَقِرُ إليه النَّاسُ مِن حيثُ التَّوسِعَةُ ورَفْعِ الحَرَجِ والضِّيقِ اللَّاحِقَينِ بِالإنسانِ.
قالَ الشَّاطِبِيُّ: فَمعْناها أنَّها مُفْتقَرٌ إليها مِن حيثُ التَّوسِعةُ ورَفْعِ الضِّيقِ المُؤَدِّي في الغَالِبِ إلى الحَرَجِ والمَشقَّةِ الَّلاحِقَةِ بِفَوتِ المَطلوبِ، فإذا لَمْ تُراعَ دخَلَ على المُكَلَّفينَ ـ على الجُمْلَةِ ـ الحَرَجُ والمَشقَّةُ ولكِنَّه لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الفَسادِ العادِي المُتَوقَّعِ في المَصالحِ العامَّةِ. اهـ.
وذلكَ كالبَيعِ والإِجارَةِ والمُضارَبَةِ والمُساقاةِ وغيرِها، لأِنَّ مالِكَ الشَّيءِ قدْ لا يهَبُهُ فيحتاجُ إلى شِرائِهِ، ولا يُعِيرُهُ فيَحتاجُ إلى اسْتِئْجارِه، وليسَ كُلُّ ذِي مالٍ يُحْسِنُ التِّجارَةَ فيَحتاجُ إلى مَن يَعملُ له في مالِه، وليسَ كُلُّ مالكِ شَجَرٍ يُحْسِنُ القِيامَ على شَجَرِهِ فيَحتاجُ إلى مَن يُساقِيهِ علَيهِ.
قالَ الآمِدِيُّ: وهذا القِسمُ في الرُّْتبَةِ دُونَ القِسمِ الأَوَّلِ ـ أي: الضَّرُورِي ـ ولِهذا جازَ اخْتِلافُ الشَّرائِعِ فيه دُونَ القِسمِ الأَوَّلِ اهـ.
ثالِثاً التَّحْسِينيَّةُ: وهي الَّتي تَقتَضِيها المُرُوءَةُ ومَكارِمُ الأَخْلاقِ ومَحاسِنُ العاداتِ بحيثُ لَو فُقِدَتِ المَصلحةُ التَّحْسينيةُ لا يَختلُّ بِفُقْدانِها نِظامُ الحَياةِ كما هو الحالُ في المَصلحةِ الضَّرُوريَّةِ، ولا يَدخُلُ على المُكَلَّفِ حَرَجٌ وضِيقٌ بِفَوَاتِها كما في المَصلَحةِ الحاجيَّةِ، ولكنْ بِفَواتِها تَكونُ الحَياةُ مُستَنْكَرَةً عندَ ذَوِي العُقولِ وأصْحابِ الفِطْرَةِ السَّليمةِ، فالعَملُ بِالمَصلحةِ التَّحسِينيَّةِ يَرجِعُ إلى مَكارِمِ الأَخْلاقِ ومَحاسِنِ
стр. 990
العاداتِ.
قالَ الإِمامُ الرَّازِيُّ: هي تَقريرُ النَّاسِ على مَكارِمِ الأَخْلاقِ ومَحاسِنِ الشِّيَمِ، وقدْ سمَّاها القَرَافِيُّ بِما هُو مَحَلُّ التَّتِمَّاتِ لأنَّه تَتِمَّةُ المَصالحِ.
النَّوعُ الثَّاني: المَصالِحُ المُلْغاةُ: وهي كُلُّ مَصْلحةٍ عُلِمَ مِن الشَّارِعِ عَدَمُ اعْتِبارِها وشّهِدَ لها بالبُطْلانِ والإِلْغاءِ لِما فيها مِن تَحُقُّقِ الضَّررِ، ولَو تَوَهَّمَ الإنسانُ أنَّ فيها مَصلحةً سَواءٌ أكانَ ضَرَرُها واضِحاً أمْ أنَّها تُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ لاحِقٍ أوْ لا يُدْرَكُ ضَررُها إلاَّ بِالنَّظَرِ والفِكْرِ.
مِثالُه: فَتْوَى يَحْيَى بنِ يَحْيَى ـ صاحِبِ الإِمامِ مالكٍ وعالِمِ الأَندَلُسِ ـ لِعَبدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَكَمِ الأُمَوِيِّ ـ المَعْرُوفِ بالمُرْتَضَى، صاحِبِ الأَنْدَلُسِ ـ حيثُ جامَعَ في نَهارِ رمضانَ فأَفْتاهُ بِإيجابِ صيامِ شَهْرَينِ مُتَتابِعَينِ ابْتِداءً، كَفَّارَةً لِجِنايَتِهِ على الصَّومِ، فأنْكَرَ عليه العُلماءُ ذلكَ فعَلَّلَ ذلكَ بأنَّه لَو أفْتاهُ بِالإعْتاقِ أوِ الإِطْعامِ ابْتِداءً لَسَهُلَ عليه ذلكَ لاِتِّساعِ مالِه ولاَنْتَهكَ حُرْمَةَ الشَّرعِ كُلَّما شاءَ، فكانتِ المَصْلَحةُ في إيجابِ الصَّومِ ليَنْزَجِرَ، فهذا وإنْ كانَ مُناسِباً إلاَّ أنَّ الشَّرْعَ ألْغاهُ حيثُ أثبَتَ التَّخْييرَ بينَ الصَّوم أوِ الإِطْعامِ أوِ الإِعْتاقِ، وهذا النَّوعُ لا تُبْنَى عليه الأَحكامُ ولا يَصحُّ التَّعليلُ بِه.
النَّوعُ الثَّالثُ: وهي المَصالِحُ الَّتي سَكتَ الشَّارعُ عنها، فلَمْ يَشْهَدْ لها بِالاعْتِبارِ
стр. 991
أوِ الإِلْغاءِ بِنصٍ مُعَيَّنٍ، فلا دَليلَ يدلُّ على الإِذْنِ بِتَحصيلِها وبِناءِ الأَحكامِ عليها، ولا دَليلَ يدُلُّ على المَنْعِ مِن تَحْصيلِها وعَدَمِ بِنَاءِ الأحْكامِ عليها، بَلْ تَرَكَها لأُولِي الأَمْرِ مِن المُجْتَهدينَ ياخُذونَ بِها إذا اقْتَضَى حالُها الأَخْذَ، ويَتْرُكونَها إذا تَرَتَّبَ عليها مَفْسدَةٌ؛ فَهذا النَّوعُ هو (المَصْلَحةُ المُرْسَلةُ) وهو مَحَلُّ خِلافٍ بَينَ العُلماءِ، وهو المَقْصودُ بِالبَحْثِ.
стр. 992
المَصْلحةُ المُرْسَلَةُ
تعْريفُها في اللُّغَةِ: المَصْلَحةُ المُرْسَلةُ مُرَكَّبٌ تَوصيفِيٌّ مِن المَصلَحةِ والمُرسَلةِ، مَعْناهُ: الخَبَرُ الَّذي لَمْ يُقَيَّدْ وقدْ سَبَقَ بَيانُ المَصلحةِ، فَأَغْنَى عن إِعادَتِه، وأمَّا الإِرْسالُ في اللُّغةِ فمَعناهُ: الإِطْلاقُ عن التَّقَييدِ، قالَ صاحِبُ (المِصْباحِ المُنيرِ): أَرْسَلْتُ الطَّائِرَ مِن يَدِي إِذا أَطلَقْتُه، وأَرْسَلْتُ الكَلامَ إِرْسالاً: أطْلَقْتُه مِن غيرِ تَقْييدٍ.
وقالَ ابنُ مَنظُورٍ: أَرْسَلَ الشَّيءَ أَطْلَقَهُ وأَهْمَلَهُ.
وعلى هذا تَكونُ المَصلحةُ المُرسَلةُ هي: الوَصْفُ المُطْلَقُ الَّذي لَمْ يُقَيَّدْ.
ولكِنْ ليسَ مَعْنى (المُرْسَلَةِ) هو الإِرْسالُ الحَقيقِيُّ؛ أي: الخُلُوُّ التَّامُّ عن أي دَليلٍ شَرْعيٍ، وإنَّما هو اصْطِلاحٌ أُرِيدَ به التَّفْرِقَةُ بَينَهُ وبينَ القِياسِ، فالقِياسُ لا بُدَّ أنْ يَكونَ لِلْفرْعِ فيه شاهِدٌ مِن أصْلٍ وُجِدَتْ فيه عِلَّةُ الفَرْعِ، وقام َالدَّليلُ مِن نَصٍّ أوْ إجْماعٍ على عِلِّيَتِها، أوْ على جَرَيانِ الحُكْمِ على وِفْقِها.
أمَّا المَصالِحُ المُرسَلةُ فهِي: ما كانتْ خَالِيَةً عنْ مِثلِ هذا الشَّاهِدِ، ولكِنَّها في الوَقْتِ نفْسِه مُلائِمَةٌ لاعْتِباراتِ الشَّارِعِ وجُمْلَةِ مَقاصِدِهِ وأحْكامِه، فقَدْ شَهِدَ الشَّارعُ لها بِالاعْتِبارِ في الجُمْلَةِ مِن حيثُ وُجُودِ دَليلٍ يدُلُّ على اعْتِبارِ جِنسِ المَصالِحِ.
تعْريفُها في الاصْطِلاحِ: اختَلَفَ الأُصُولِيُّونَ في التَّعْبيرِ عن المَصْلحةِ المُرسَلَةِ، فقدْ عَبَّرَ بعْضُهم عنها بالمُناسِبِ المُرسَلِ، وبعْضُهم بِالاسْتِدْلالِ المُرْسَلِ، وبعضُهم
стр. 993
بِالاسْتِدْلالِ فَقَطْ، وبعْضُهم بِالاسْتِصْلاحِ، وهذه الألْفاظِ وإنْ كانتْ مُخْتَلِفةً إلاَّ أنَّها بِمَعْنىً واحِدٍ وهو: الفائِدَةُ أوِ الثَّمَرَةُ المُتَرَتِبَةُ على مَشْرُوعِيَّةِ حُكْمٍ لَمْ يَدلَّ الدَّليلُ المُعَيَّنُ على اعْتِبارِها أو إلْغائِها، غايَةُ الأَمْرِ أنَّ إطْلاقَ الاسْتِدْلالِ فَقَطْ على المَصالِحِ المُرْسَلَةِ فيه تَجَوُّزٌ؛ لأِنَّ الاسْتِدْلالَ دَليلٌ ليسَ بِنصٍّ ولا إِجْماعٍ ولا قِياسٍ؛ فيَشْمَلُ كُلَّ الأَدِلَّةِ المُختَلَفِ فيها، فإطْلاقُه على نَوعٍ مُعَينٍ منها وهو المَصالِحُ المُرسَلَةُ، مِن بابِ إطْلاقِ الكُلِّ على البَعْضِ، فأمَّا المُناسِبُ المُرْسَلُ أو الاسْتِدْلالُ المُرْسلُ فهو كما قالَ الغَزَالِيُّ: التَّعلُّقُ بِمُجرَّدِ المَصلَحَةِ مِن غَيرِ اسْتِشْهادٍ بِأصْلٍ مُعَيَّنٍ.
أي: تَعَلُّقُ المُجْتَهِدِ أو الفَقِيهِ في إثْباتِ حُكمٍ مِن الأَحْكامِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِه على المَصْلحَةِ الَّتي لَمْ يَدُلَّ الدَّليلًُ المُعيَّنُ على اعْتِبارِها أو إلْغائِها، وهذا هو الإرْسالُ.
ووجْهُ إطْلاقِه -أي: المُناسِبُ المُرسَلُ أو الاسْتِدْلالُ المُرْسَلُ- على المَصْلَحةِ المُرسَلَةِ: أنَّ المَصلحَةَ مُلازِمَةٌ لِلْوَصْفِ المُناسِبِ؛ وذلكَ لأنَّ الحُكْمَ المَبْنِيَّ على هذا الوَصْفِ المُرْسَلِ تَكونُ مَصْلحتُه المُتَرَتِّبةُ عليه مُرسَلةً أيضاً، بِمَعْنى أنَّه كُلَّما كانَ الوَصْفُ أو العِلَّةُ مُرسَلةً كانت المَصلَحةُ المُترتِّبةُ على الحُكمِ المَبْنِيِّ على هذا الوَصفِ أو العِلَّةِ مُرسَلَةً أيضاً.
وأمَّا الاسْتِصْلاحُ فهو: عِبارَةٌ عن اسْتِنباطِ المُجْتَهدِ الحُكمَ مِن الَواقِعةِ الَّتي لا نَصَّ فيها ولا إجْماعَ ولا قِياسَ بِناءً على المَصلحَةِ المُرْسَلَةِ.
стр. 994
ووجْهُ تَسْمِيَةِ المَصلَحَةِ به: أنَّ المُجْتهدَ يَطْلُبُ صَلاحَ المُكَلَّفينَ باتِّباعِ المَصلحَةِ المَذْكورَةِ ومُراعاتِها.
وأمَّا المَصلحَةُ المُرسَلةُ فهي: الوَصْفُ المُناسِبُ لِتشْريعِ الحُكمِ الَّذي لَمْ يَشْهدْ له الشَّارعُ بِالاعْتِبارِ أو الإِلْغاءِ.
أي: هي الوَصف الَّذي يَحصلُ عَقلاً مِن تَرْتيبِ الحُكمِ عليه ما يَصلُحُ أنْ يَكونَ مَقْصوداً لِلشَّارعِ مِن دَفعِ المَفاسِدِ عن الخَلْقِ وجَلْبِ المَصالِحِ لهم، وسَكَتَ عنه الشَّارعُ فَلَمْ يَشْهدْ له بِالاعْتِبارِ ولا بِالإلْغاءِ بَلْ أَرْسَلَ عن دائِرَةِ الاعْتِبارِ والإلْغاءِ لكِنْ عُلِمَ مِن الشَّارِعِ كَونُه مَقْصوداً بِأدِلَّةِ الكِتابِ أو السُّنَّةِ أو الإجْماعِ أوِ قَرائِنِ الأَحْوالِ، فقدْ شَهدَ الشَّرعُ لِجْنسِ المَصلَحةِ بِأدِلَّةٍ مُتَعدِّدَةٍ أثْبَتَتِ القَطْعَ لِهذه القاعِدَةِ ووُجُوبَ العَملِ بها، ولَمْ يَدُلَّ دليلٌ خاصٌ على اعْتِبارِ عَينِها في عَينِ الحُكْمِ، قالَ الغَزَالِيُّ: عُرِفَتْ لا بِدَليلٍ واحِدٍ بَلْ بِأدِلَّةٍ كَثيرَةٍ لا حَصرَ لها مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ وقَرائِنِ الأحْوالِ وتَفارِيقِ الأَماراتِ.
شُروطُ العَمَلِ بالمَصلحَةِ المُرسَلةِ: احْتاطَ الفُقَهاءُ في تََََََََََرْجيحِ المَصلحةِ واعْتِبارِها دَليلاً تُبْنى عليه الأحْكامُ، حتَّى لا يَفْتَحوا البَّابَ على مِصْراعَيْهِ فيَتَهافَتُ النَّاسُ ـ العالِمونَ والمُتَعالِمونَ ـ في طَلَبِ المَصلحَةِ، والعَمَلِ بأحْكامِها؛ فَيُهْمِلوا النُّصوصَ، أو يَتَناسَوها حِينَ حُكْمِهمْ بِالمَصلَحةِ؛ فَتَعْتَلِي المَصلحَةُ عِندَهُم مَرْتَبةَ النَّصِّ، لِذا اشْترَطَ الفُقَهاءُ لها شُرُوطاً لا تَتَحقَّقُ المَصلَحةُ المُرسَلَةُ إلاَّ بِها، فمُعْظَمُ الشَّافِعيَّةِ يَشْتَرِطونَ
стр. 995
لِتَحقيقِ الأَخْذِ بِالمَصالِحِ المُرسَلَةِ شُروطاً ثَلاثَةً نَصَّ عليها الغَزَالِيُّ في (المُسْتَصْفَى) ونَقَلَها عنه مَن جاءَ بَعدَه واعْتَبرُوها مَذهَباً لَه، وهي.
الأَوَّلُ: أنْ تَكونَ المَصلَحةُ ضَرُورِيَّةً، أي: ليسَتْ حاجِيَّةً ولا تَحْسِينيَّةً، بِمَعْنى أنَّها تَحْفَظُ ضَرورَةً مِن الضَرُورَاتِ الخَمْسِ، أمَّا المَصلحَةُ الحاجِيَّةُ والتَّحْسِينِيَّةُ فَلا يَجوزُ الحُكمُ بِمُجَرَّدِها ما لَمْ تَقْصدْ بِشَهادَةِ الأُصولِ؛ لأِنَّه يَجرِي مَجْرَى وَضْعِ الشَّرعِ بِالرَّاي ـ وذلكَ لا يَجوزُ ـ وإذا أُيِّدَتْ بِأَصْلٍ فهي قِياسٌ، وقدْ ذَهَبَ الغَزَاِليُّ في (شِفَاءِ الغَلِيلِ) إلى أنَّ المَصلحَةَ تَكونُ: ضَرورِيَّةً أو حاجِيَّةً، وهي -أي: المصلحة الضرورية ـ تَكونُ مِن بابِ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلاَّ بِه فَهو واجِبٌ.
الثَّاني: أنْ تَكونَ المَصلحَةُ كُلِّيَّةً لا جُزْئِيَّةً؛ بِمَعْنَى أنَّها عامَّةٌ تُوجِبُ نَفْعاً لِلْمُسلِمينَ ولَيسَتْ خاصَّةً بِالبَعْضِ، وذلكَ بأنْ يرْجِعَ النَّفعُ، أو دَفْعُ الضَّررِ المُترَتِّبِ على تشْريعِ الحُكمِ لِجميعِ الأُمَّةِ أو لأِكْثرِ أفْرادِها، فإِذا ظَهَرَ في تَشْريعِ الحُكمِ مَصلحَةُ البَعْضِ، كأميرٍ أو مَلِكٍ فَلا يَجوزُ بِناءُ الحُكمِ عليها، لأِنَّها مَصلحةٌ خاصَّةٌ ولَيستْ عامَّةً.
الثَّالِثُ: أنْ تَكونَ المَصلحَةُ قَطْعيَّةً لا ظَنِّيَّةً، بِأنْ تَثْبُتَ بِطريقٍ قَطْعِيٍّ لا شُبْهَةَ فيه. وتَتَحَقَّقُ الشُّروطُ الثَّلاثَةُ فيما إذا تَتَرَّسَ الكُفارُ حالَ التِحامِ الحَرْبِ بِأُسارَى المُسلِمينَ ـ بِأنْ يَجعَلوا أَسْرَى المُسْلِمينَ أَمَامَهم كالتُّرْسِ يَتَلَقَّى عنْهم الضَّرْبَ والطَّعْنَ ـ فَيَكونَ مانِعاً لِلْمُسلِمينَ مِن تَوجِيهِ الضَّربِ والرَّمْي إلَيهِمْ، وبِذلكَ يَتَمكَّنُ الكُفَّارُ مِن مُهاجَمَةِ الحُصونِ فَلَو امْتَنَعْنا عَن القَتْلِ لَصَدَمُونا واسْتَولَوا على دِيارِنا وقَتَلوا كافَّةَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ يَقتُلُونَ الأَسْرَى أيضاً، ولَو رَمَينا التُّرْسَ لَقَتَلْنا مُسْلِماً مَعْصوماً لَمْ يُقَدِّمْ ذَنْباً يَسْتَحِقُ عليه المَوتَ فَيجوزُ والحَالُ هذه رَمْيُ التُّرْسِ لأِنَّ هذا الأَسيرَ مَقْتولٌ بِكُلِّ حالٍ، لأِنَّا لَوْ كَفَفْنا عنْ قَتْلِه لَتَسَلَّطَ الكُفَّارُ علَى جَميعِ المُسْلِمينَ فَيَقْتُلونَهم ثُمَّ يَقْتُلونَ الأُسارَى أيضاً، فَحِفْظُ جَميعِ المُسْلِمِينَ أقْربُ إلى مَقْصودِ الشَّرعِ، لأِنَّ مَقْصودَه تَقْليلُ القَّتْلِ وحَسْمُ َسَبيلِه عِندَ الإِمْكانِ فإنْ لَمْ نَقْدْرِ على الحَسْمِ فَقَدْ قَدَرْنا على التَّقْليلِ، فهذه مَصلَحَةٌ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ، كَونُها مَقْصودَةً لِلشَّارِعِ، وثَبَتَتْ لا بِدَليلٍ واحِدٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ خارِجَةٍ عَن الحَصْرِ، ولَكِنَّ تَحْصيلَ هذا المَقْصودِ بِهذا الطَّريقِ وهو قَتْلُ مَن لَمْ يُذْنِبْ لَمْ
стр. 996
يَشْهدْ له أَصْلٌ مُعَيَّنٌ فالمَصْلحةُ هُنا غَيرُ مَاخُوذَةٍ بِطَريقِ القِياسِ على أصْلٍ مُعَيَّنٍ، وإنَّما كانَ اعْتِبارُها مُقَيَّداً بِأوْصافٍ ثَلاثَةٍ كَونُها ضَرُورِيَّةً كُلِّيَّةً قَطْعيةً.
وذَكَرَ الَّشاطِبِيُّ وغَيرُه شُروطاً أُخْرَى غَيرَ الَّتي شَرَطَها الغَزَالِيُّ، وهي أقْرَبُ مِساساً بِالمَصالِحِ المُرسَلَةِ، وأَوْسَعُ في اسْتِعْمالِها وَأَكْثَرُ في رَفْعِ الحَرَجِ مِن غَيرِها:
الأَوَّلُ: أنْ تَكونَ المَصلَحَةُ المُرسَلَةُ مُلائِمَةً لِمَقصودِ الشَّرعِ، بحيثُ لا تُنافِي أَصْلاً مِن أُصولِه ولا دَليلاً مِن دَلائِلِه، فَالمَصلحَةُ المُناقِضَةُ لِمَقْصودِ الشَّرْعِ المُعارِضَةُ لأِصْلٍ مِن أُصولِه ودَليلاً مِن أَدِلَّتِه مَرْدُودَةٌ بِالاتِفاقِ، وقدْ زادَ الغَزَالِيُّ في (شِفاءِ الغَلِيلِ) هذا الشَّرْطَ كما أَشَرْنَا.
الثَّانِي: أنْ تَكونَ مَعْقولَةً في ذاتِها، بِأنْ تَكونَ جارِيَةً عَلى الأَوْصافِ المُناسِبَةِ المَعْقولَةِ بِحيثُ لَوْ عُرِضَتْ على أَهْلِ العُقُولِ السَّليمَةِ تَلَقَّوها بِالقَبُولِ.
الثَّالِثُ: أنْ تَكونَ المَصلحَةُ حقِيقِيَّةً لا وَهْمِيَّةً، وذلكَ يَتَحَقَّقُ عندَ المُجتَهِدِ بِأنَّ بِناءِ الحُكْمِ عَلَيها يَجْلِبُ نَفْعاً ويَدْفَعُ ضَرَراً، فَإِذا تَوَهَّمَ المُجْتَهِدُ النَّفْعَ في المَصلحَةِ دُونَ أنْ يُوازِنَ بَينَهُ وبَينَ الضَّرَرِ لا يَجوزُ بِناءُ الحُكمِ علَيها.
مِثالُه: سَلْبُ الزَّوجِ حَقَّ الطَّلاقِ وجَعْلُه لِلقاضِي في جَميعِ الحالاتِ، بِناءً على أَنَّ هذا مَصْلَحةٌ راجِعةٌ إلى المَرْأَةُ، فَهذِه مَصْلحَةٌ وَهْمِيَّةٌ، لأِنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَعَ الطَّلاقَ بِيدِ الرَّجُلِ لأِنَّه هو الَّذي عَليه النَّفَقَةُ ويَتَحَمَّلُ المَسْئُولِيَّةَ، ولا يَقْدُمُ على هذا إلاَّ إذا رَأَى البَقاءَ أَكْثَرَ ضَرَراً مِن الطَّلاقِ.
الرَّابِعُ: أنْ يَكونَ حاصِلُها يَرجِعُ إلى رَفْعٍ لِحَرَجٍ لازِمٍ في الدِّينِ، لِقولِه تَعالَى:
стр. 997
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فَهِي رَاجِعةٌ إلى بابِ التَّخْفيفِ لا إلى التَّشْديدِ، فهذه الشُّروطُ قدْ تَكونُ أيْسَرَ علَى النَّاسِ، وأَوْسَعَ رَحْمَةً بِنا في اسْتِخْراجِ أحْكامِ اللَّهِ تعالَى عنْ طَريقِ المَصالِحِ.
أسْبابُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الاحْتِجاجِ بِالمَصلَحةِ المُرْسَلَةِ:
أوَّلاً: نَظْرَةُ العُلَماءِ إلى المَصْلحَةِ المُرْسَلةِ مِن حيثُ المُرادِ مِنها، وذلكَ مِن حيثُ المُلاءَمَةِ أو الشُّروطِ الَّتي يَجبُ تَوافُرُها فيها كَثْرَةً وقِلَّةً، وعلى ذلكَ فعِندَ الأَئِمَّةِ الأَرْبعَةِ أصْحابِ المذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ الأَرْبَعَةِ نَراها تَاخُذُ مَساراً عِندَ كُلِّ إِمامٍ حَسْبَما يَرَى مِن تَحقِيقِ المَصْلحَةِ المُرسَلَةِ في الفَرْعِ الَّذي يَحْكُمُ عُليهِ.
ثانِياً: نَظْرَةُ العُلَماءِ إلى المَصلَحةِ في كَونِها دَلِيلاً مُسْتَقِلاًّ بِذاتِه أو مُنْدَرِجَةً تَحْتَ غَيرِه مِن الأَدِلَّةِ، فالَّذينَ مالُوا إلى إنْكارِها ورَدِّها وتَصْحيحِ أنَّ مُعْظَمَ العُلَماءِ لَمْ يَقولوا بِها كالآمِدِيِّ، وابْنِ الحَاجِبِ وغَيرِهِما، إنَّما قَصَدُوا بِذلكَ إنْكارَ كَونِها دَلِيلاً مُسْتَقِلاًّ، وكَلامُهمْ بِهذا القَصْدِ صَحيحٌ، لأِنَّ مُعْظَمَ الأَئِمَّةِ لَمْ يَرَوها أصْلاً مُسْتَقِلا. ًّ
لِذَلكَ جَعَلَها الغَزَالِيُّ مِن الأُصُولِ المَوهُومَةِ في أَوَّلِ كَلامِه عَنها، وهذا يَعْنِي إلْغاءَها وعَدَمَ العَمَلِ بِها، ولَكِنَّه ما لَبِثَ أنْ انْتَهَى في آخِرِ كَلامِه إلى القَولِ بِأنَّ كُلَّ مَصلَحَةٍ داخِلَةٍ ضِمْنَ مَقاصِدِ الشَّرْعِ فَهيَ مَقْبُولَةٌ، حَيثُ يَقولُ: فَإنْ قِيلَ: قدْ مِلْتُمْ في أَكْثَرِ المَسائِل إِلى القَولِ بِالمَصالِحِ ثُمَّ أوْرَدْتُمْ هذا الأَصْلَ في الأُصولِ المَوهُومَةِ، فَلْيُلْحَقْ هذا بِالأُصولِ الصَّحيحَةِ لِيَصيرَ أصْلاً خامِساً بَعْدَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ والعَقْلِ، قُلْنا: هذا مِن الأُصولِ المَوهُومَةِ إذْ مَن ظَنَّ أنَّه أصْلٌ خامِسٌ فقدْ أخْطَأَ، لأِنَّا رَدَدْنَا المَصْلحَةَ إلى حِفْظِ مَقاصِدِ الشَّرْعِ.
стр. 998
فَلَعْلَ سَبَبَ ذلكَ أنَّه لاحَظَ عِندَ وَضْعِ العُنْوَانِ الرَّدَّ علَى مَن اعْتَبَرَ المَصلَحَةَ المُرْسَلَةَ أصْلاً مُسْتَقِلاًّ بِذاتِه، ولاَحَظَ في غِمارِ بَحْثِه بَعْدَ ذلكَ إِيضاحَ أنَّها مَقْبُولَةٌ مِن حيثُ ذاتِها بِقَطْعِ النَّظَرِ عنْ عَدِّها أَصْلاً مُسْتَقِلاًّ.
وأمَّا الَّذينَ مَالُوا إلى القَولِ بِالمَصْلَحةِ المُرْسَلَةِ، ونَقَلوا عنْ مُعْظَمِ الأَئِمَّةِ اعْتِبارَها كإِمامِ الحَرَمَينِ والغَزَاِليِّ وغَيرِهِما، إنَّما أرَادُوا بِذلكَ اعْتِبارَها داخِلَةً في الأُصولِ الأُخْرَى، فَكَلامُهمْ بِهذا القَصْدِ أيضاً صَحيحٌ، لأِنَّ عامَّةَ الأَئِمَّةِ ياخُذُونَ بِها عَلى هذا الأَساسِ، فكانَ يَنبَغِي أنْ يَخْرُجَ اخْتِلافُ العُلَماءِ في هذه المَسْأَلَةِ على هذا الوَجْهِ، حتَّى يُمْكنَ التَّوافُقُ والانْسِجامُ بَينَ كَلامِهمْ، فَمَحَلُّ الخِلافِ بَينِ العُلَماءِ إِذَنْ لَيسَ في اعْتِبارِ المَصْلحَةِ في حَدِّ ذاتِها فَهذا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عليهِ بَينَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وإِنَّما هُوَ في أنَّها هَلْ تُعْتَبَرُ أصْلاً مُسْتَقِلاًّ بِذاتِه أَمْ مُنْدَرِجَةً في الأُصولِ الأُخْرَى.
ثَالِثاً: عَدَمُ التَّثَبُّتِ والتَّأَكُّدِ مِن الآرَاءِ المُسْنَدَةِ إلى الإِمامِ مَالِكٍ في القَضايَا الَّتي مَبْناها المَصالِحُ المُرْسَلَةُ، والَّتي نُقِلَ عنه بِسَبَبِها أنَّه أَفْرَطَ واسْتَرْسَلَ في الأَخْذِ بِالمَصالِحِ المُرْسَلَةِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ فيها إلى ضَرُورَةِ مُلاءَمَتِها لأُصُولِ الشَّرْعِ وتَصَرُّفَاتِه، كاسْتِحْلالِ القَتْلِ، وأَخْذِ المَالِ لِمَصالِحَ يَقْتَضِيهَا غالِبُ الظَّنِّ، وقَتْلِ ثُلُثِ الأُمَّةِ لاِسْتِبْقاءِ ثُلُثَيْها، كَذا حَكاهُ عَنه إِمامُ الحَرَمَينِ في (البُرْهانِ).
فَالواقِعُ أنَّ هذهِ المَسائِلَ لَمْ يَقُلْ بِها الإِمامُ مَالِكٌ، ولا أَحَدٌ مِن أَصْحابِهِ ولا أَساسَ لَه مِن الصِّحَّةِ، وَإَنَّما نَسَبَهُ إِلَيه بَعْضُ العُلَمَاءِ؛ فَلَيسَ بِمَعْقُولٍ أَنْ يَقولَ ذلكَ إِمامُ دارِ الهِجْرَةِ الَّذي عُرِفَ بِاتِّباعِه لِلسُّنَّةِ حتَّى يَتَصوَّرَ المُتَتَبِّعُ لِفِقْهِهِ وأقْوالِهِ أنَّه مُقَلِّدٌ لِمَن قَبْلَه، والَّذي تَفَرَّدَ بِه الإِمامُ مَالِكٌ هُوَ تَوسِعَتُه في المُعامَلاتِ؛ نَظَراً لِتَطْبيقِ هذه القاعِدَةِ في هذا البابِ أَكْثَرَ مِن غَيرِه مِن الفُقَهاءِ، فَشَمَلَتْ كَثِيراً مِن أبْوابِ الفِقْهِ، فقَدْ اسْتَرْسَلَ في المَعانِي المَصْلَحِيَّةِ في بابِ المُعامَلاتِ مَعَ فَهْمِهِ لِلنُّصوصِ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ غَيرَ خارِجٍ عَن مَقْصودِ الشَّارِعِ وغَيرَ مُناقِضٍ له، وقدْ أَثْنَى على الإِمامِ مَالِكٍ الإِمَامُ أَحْمَدٌ، وأبُو دَاوُدَ، وابْنُ مَهْدِي، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بِالاتِّباعِ ومُلازَمَةِ السُّنَّةِ.
стр. 999
قالَ أبُو العِزِّ المُقْتَرِحِ =في حَواشِيهِ على (البُرْهانِ): إنَّ هذا القَولَ لَمْ يَصِحَّ عنْ مالِكٍ، هكَذا قَالَه أصْحابُه، وأنْكَرَهُ ابْنُ شَاشٍ في (التَّحْرِيرِ) علَى الإِمامِ، وقَالَ: أقْوالُه تُؤْخَذُ مِن كُتُبِهِ وكُُتُبِ أصْحابِه لا مِن نَقْلِ النَّاقِلينَ، وكذلكَ اسْتَنْكَرَه القُرْطُبِيُّ، وقالَ: ذَهبَ الشَّافِعِيُّ ومُعْظَمُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ إِلى الاعْتِمادِ عَليه، وهُوَ مَذْهَبُ مالِكٍ، قالَ: وقدْ اجْتَرَأَ إِمامُ الحَرَمَينِ وجازَفَ فِيما نَسَبَهُ إلَى مَالِكٍ ﵀ مِن الإِفْرَاطِ في هذا الأَصْلِ، وهذا لا يُوجَدُ في كِتابِ مَالِكٍ، ولا فِي شَيءٍ مِن كُتُبِ أصْحابِه.
رَابِعاً: نُقِلَ عَن الشَّافِعِيِّ ﵀ إِنْكارُ الاسْتِحْسانِ بِشِدَّةٍ، واعْتِبارُهُ قَولاً بالتَّشَهِّي وتَشْريعاً بِالهَوَى، دُونَ أنْ يَسْتَثْنِيَ مِن ذلكَ بِعِبارَةٍ صَرِيحَةٍ مَا اسْتَنَدَ فيهِ المُجْتَهِدُ إلَى مَصْلَحَةٍ مُرْسَلَةٍ داخِلَةٍ ضِمْنَ مَقاصِدِ الشَّارِعِ مُلائِمَةٍ لأِحْكامِه وتَصَرُّفاتِه، مِمَّا جَعَلَ كَثيراً مِمَّن لَمْ يَتَدَبَّرُوا أُصُولَ الشَّافِعِيِّ وطُرُقَ اجْتِهاداتِه يَظُنُّونَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُنْكِرُ الأَخْذَ بِالمَصْلَحَةِ المُرسَلَةِ، لأِنَّهم يَتَصَوَّرُونَ أنَّ مَحَلَّ البَحْثِ إنَّما هُوَ في حُكْمِ المَصْلَحَةِ المُرْسَلةِ مِن حَيث ُاعْتِبارِها أصْلاً مُسْتَقِلاًّ بِذاتِه، ولَمْ يَرَوا مَا يُوجِبُ التَّفْرِقَةَ بَينَ الاسْتِحْسانِ الَّذي يُنْكِرُه الشَّافِعِيُّ وبَينَ المَصلَحَةِ المُرْسَلَةِ الَّتي لَمْ يُرِدْها فِي شَيءٍ مِن أُصُولِه وكِتابَاتِه، وأنَّ في اسْتِدْلاَلاَتِ الشَّافِعِيِّ علَى رَدِّ الاسْتِحْسانِ ما يَكْفِي لِرَدِّ المَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ أيضاً.
والوَاقِعُ أنَّ السَّبَبَ الأَوَّلَ والثَّانِيَ شَكْلِيَّانِ لا يُخْرِجانِ المَصلَحَةَ المُرْسَلَةَ عَن الاحْتِجاجِ بِها، إذْ مَدارُهُما عَلَى تَحْديدِ المَقْصودِ بِالمَصالِحِ المُرْسَلَةِ الَّتي تُعْتَبَرُ حُجَّةً، هَلْ هِيَ المَصالِحُ الغَرِيبَةُ المَسْكُوتُ عَنها، أو المَصالِحُ المُلائِمَةُ لِمَقاصِدِ الشَّارعِ الَّتي شَهِدَ لِجِنْسِها بِالاعْتِبارِ، وهَلْ المَقْصودُ بِاعْتِبارِها حُجَّةً كَونُها أصْلاً مُسْتَقِلاًّ بِذاتِه أو كَونُها مُنْدَرِجَةً في دَليلٍ آخَرَ؟
أمَّا السَّبَبُ الثَّالِثُ: فقَدْ أشَرْنَا أنَّ الإِمَامَ مالِكاً لَمْ يَعْمَلْ بِالمَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ إلاَّ إذا كانَتْ مُسْتَكْمِلَةً لِمَا اشْتَرَطَهُ فِيها مِن كَونِها مُلائِمةً لِتَصَرُّفاتِ الشَّارِعِ، ودَاخِلَةً تَحْتَ
стр. 1000
جِنسٍ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ، وهذا عَينُ مَا اشْتَرَطَهُ العُلَمَاءُ مِن الحَنَفِيَّةِ والشَّافِعِيَّةِ والحَنَابِلَةِ فِيها.
وأمَّا السَّبَبُ الرَّابِعُ: فإنَّه لاَ يَلْزَمُ مِن إنْكارِ الشَّافِعِيِّ لِلاسْتِحْسانِ إنْكارُه لِلْمصالِحِ المُرْسَلَةِ، ولاَ يَلْزَمُ مِن عَدَمِ ذِكْرِه لَها بِصَرِيحِ العِبارَةِ عَدَمُ احْتِجَاجِهِ بِها، بَلْ مَن يَتَدَبَّرُ طُرُقَ اجْتِهادِهِ يَعْلَمُ أنَّه يَحْتَجُّ بِها، ويَتَّضِحُ بِذلكَ: أنَّ المَصْلَحةَ المُرْسَلَةَ قالَ بِها الأَئِمَةُ، ولَمْ يَخْلُ مِن القَولِ بِها مَذْهَبٌ مِن المَذاهِبِ.
قالَ القَرَافِيُّ: وأمَّا المَصلَحَةُ المُرسَلةُ فَغَيرُنا يُصَرِّحُ بِإِنْكارِها، ولَكِنْ عندَ التَّفْرِيعِ نَجِدُهمْ يُعَلِّلُونَ بِمُطْلَقِ المَصلَحَةِ، ولا يُطالِبُونَ أنْفُسَهم عِندَ الفُرُوقِ والجَوَامِعِ بِإِبْداءِ الشَّاهِدِ لها بِالاعْتِبارِ، بَلْ يَعْتَمِدُونَ على مُجَرَّدِ المُناسَبَةِ، وهذا هُو المَصْلَحةُ المُرْسَلةُ.
ويقُولُ الأُسْتاذُ الدُّكْتُورُ البُوَيْطِي: صَفْوَةُ القَولِ: المَصالِِحُ المُرْسَلَةُ مَقْبُولَةٌ بِالاِتِّفاقِ وإنَّما أَعْنِي بِالاِتِّفاقِ: اتِّفاقَ الصَّحابَةِ والتَّابِعينَ والأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، فَلَيسَ مِن المُهِمِّ بَعْدَ ثُبُوتِ ذلكَ أنْ تُنْكِرَه فِئَةُ الظَّاهِرِيَّةِ فقَدْ أنْكَرُوا القِياسَ مِن قَبْلِهِ، مَعَ أنَّه مُعْتَمَدٌ مِن عامَّةِ المُسْلِمينَ، كمَا أنَّه لاَ يَضِيرُ هذا الاتِّفَاقَ أنْ يُنْكِرَ القَولَ بِه آحادٌ مِن الأُصُولِيِّينَ كالقَاضِي أبي بَكْرِ البَاقِلاَّنِيِّ والآمِدِيِّ فأَغْلَبُ الظَّنِّ أنَّ إنْكارَهُما لَها إنَّما هُوَ يَعْنِي عَدَمَ اعْتِبارِها أصْلاً مُسْتَقِلاًّ في التَّشْرِيعِ، ويَتَبَيَّنُ بِذلكَ أنَّ الاحْتِجاجَ بِالمَصلَحةِ المُرسَلةِ مَحَلُّ اتِّفاقٍ ولَيسَتْ مَحَلَّ خِلافٍ ـ إلاَّ مَا نُقِلَ عنِ الظَّاهَرِيَّةِ ـ وإنَّما مَحَلُّ الخِلافِ في اعْتِبارِها أصْلاً مُسْتَقِلاًّ بِذَاتِه، أو كَونِها مُنْدَرِجَةً تَحتَ دَليلٍ آخَرَ.
تََحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ:
أوَّلاً: مَحَلُّ الوِفَاقِ: قدْ اتَّفَقَ العُلَماءُ على ما يَاتِي:
١ - أنَّ المَصالِحَ المُعْتَبرَةَ الَّتي ثَبَتَتْ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الاعْتِبارِ لَيستْ مَحَلَّ خِلافٍ، وإنَّما هي مَحَلُّ وِفاقٍ في جَوازِ التَّعْليلِ بها، وهذه المَصالِحِ لَيستْ مُرسَلَةً.
стр. 1001
٢ - أنَّ المَصالِحَ الَّتي ثبت إلغاؤها ودل الدليل على إهدارها فلا يجوز التعليل بها بالاتفاق، فهي مردودة اتفاقاً.
٣ - أن أحكام العبادات والمقدرات كالحدود والكفارات وفروض الإرث وشهور العدة بعد الموت أو الطلاق، وكل ما شرع محدداً واستأثر الشارع بعلم المصلحة فيم حدد به، فإنه يقتصر فيها على ما ورد به النص، فكما لا يعتد فيها بالقياس، لا يصح العمل فيها بالمصالح المرسلة.
قال الشاطبي: فلا مدخل لها في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية، لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل، كالوضوء والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره والحج، ونحو ذلك.
ثانياً محل الخلاف:
سبق أن أحكام العبادات والمقدرات كالحدود والكفارات وفروض الإرث وغيرها لا يصح العمل فيها بالمصالح المرسلة، بل يقتصر فيها على ما ورد به النص، فأما المعاملات، والسياسة الشرعية والعادات، فهي الميدان المعقول للاجتهاد فيها، لأن العقل يدرك معناها ويستطيع أن يقف على أسرار التشريع فيها وهي المجال الذي يمكن اعتبار المصلحة المرسلة فيه أصلاً تشريعياً للأحكام، وذلك لأنها ينظر فيها إلى مصالح الناس، ويقصد بالأحكام التي تشرع لها تحقيق تلك المصالح، وهذه هي التي اختلف العلماء في اعتبار المصلحة المرسلة فيها من حيث الحجية وبناء الأحكام عليها.
مذاهب الأصوليين في حجية المصالح المرسلة.
اختلف الأصوليون في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة واعتبارها دليلاً يعتد به وقاعدة يعتمد عليها، على مذاهب.
المذهب الأول: أنها حجة مطلقاً سواء أكانت ملائمة أم غريبة ـ أي خلت عن الملائمة=، بشرط ألا تناقض أصلاً ولا تصادم قاعدة، ولا تخالف دليلا، وقد اشتهر
стр. 1002
ذلك عن الإمام مالك ﵁ قال الشاطبي: القول بالمصالح المرسلة ليس متفقاً عليه، بل قد اختلف فيه أهل الأصول، فذهب الإمام مالك إلى اعتبار ذلك ونسب هذا القول إلى أبي حنيفة، والشافعي في القديم، والإمام أحمد ﵃ جميعاً، وهو اختيار نجم الدين الطوفي الحنبلي، بل زاد عليه تقديم المصلحة على النص.
الأدلة:
استدل أصحاب هذا المذهب بدليل خاص بمذهبهم، وبأدلة أخرى مشتركة بينهم وبين أصحاب المذهب الثاني القائل بحجية المصلحة المرسلة بشرط الملائمة
стр. 1003
لمقصود الشارع.
أولاً: الدليل الخاص بالمالكية.
استدل المالكية على مذهبهم بأن المصالح المرسلة في ترتيب الحكم عليها لا يخلو الحال فيها من أمرين:
الأول: أن تكون المصلحة خالصة.
الثاني: أن تكون المصلحة راجحة.
وكل ما هو مصلحة خالصة أو راجحة يظن اعتبار الشارع لها، فينتج: أن المصالح المرسلة، يظن اعتبار الشارع لها، والعمل بالظن واجب بالإجماع، فالعمل بالمصالح المرسلة واجب، وهو المطلوب.
أما كون المصلحة المرسلة في ترتيب الحكم عليها مصلحة خالصة أو راجحة فظاهر، لأنه هو المفروض، إذ الفرض عدم وجود مصلحة أخرى معتبرة تعارضها.
وأما الدليل على أن كل ما كان مشتملاً على مصلحة خالصة أو راجحة يظن اعتبار الشارع لها ـ فلأن الله تعالى قد اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام، واعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتبار المصلحة المرسلة لكونها من جملة أفراد المصالح.
وأما كون العمل بالظن واجباً، فهذا محل وفاق.
قال القرافي مستدلاً على مذهب الإمام مالك: لنا أن الله تعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد عملاً بالاستقراء (أي أنه ثبت بالاستقراء أن الله تعالى قد بعث الرسل بالأحكام تحقيقاً لمصالح الناس) فمهما وجدنا مصلحة، غلب على ظننا أنها مطلوبة للشرع.
стр. 1004
وقال الإسنوي: إن الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام، واعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتبار هذه المصلحة لكونها من أفرادها.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل: بأنه لو وجب اعتبار المصالح المرسلة بمجرد مشاركتها للمصالح التي اعتبرها الشارع في كونها مصالح، لوجب إلغاؤها أيضاً، لمشاركتها للمصالح التي ألغاها الشارع في ذلك، فيلزم اعتبارها وإلغاؤها، وهو محال، لأن المصالح المرسلة هي التي لم يشهد لها الشارع بالاعتبار ولا بالإلغاء، فكما يجوز إلحاقها بالمصالح المعتبرة يجوز إلحاقاً بالملغاة، إذ الكل وصف مصلحي، فالتعويل على المشاركة للمصالح المعتبرة دون العكس، ترجيح بلا مرجح.
الجواب: لا نسلم أن المصالح المرسلة من جنس المصالح الملغاة، لأن الإلغاء لا يكون إلا بدليل شرعي، ولم يوجد هذا الدليل في المصالح المرسلة، ومجرد اشتراك المصالح المرسلة مع المصالح الملغاة في التسمية لا يرجح الإلحاق بها، لأنه ترجيح بلا مرجح.
قال الشاطبي: المصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعاً، فقد بين أن كون المصلحة غالبة دليل على كونها مقصودة للشارع، فمن باب أولى إذا كانت المصلحة خالصة عن المفسدة، وهذا الدليل استدل به القرافي على مذهبه في القول بالمصلحة مطلقاً، وعزاه البيضاوي في منهاجه للإمام مالك وتبعه، شراحه، إلا أنه يصلح أيضاً أن يكون دليلاً للمذهب القائل بالمصلحة المرسلة بشرط الملاءمة، وذلك بأن يقول: اعتبار الشارع جنس المصالح في جنس الأحكام، يوجب ظن اعتبار هذه المصلحة الملائمة، والعمل
стр. 1005
بالظن واجب.
ثانياً: الأدلة المشتركة بين المالكية وغيرهم.
أولاً: من القرآن الكريم:
استشف القائلون بالمصالح المرسلة، العديد من آيات الله تعالى الدالة على أن التشريع الإسلامي إنما قصد مصلحة الخلق في دنياهم وأخراهم.
من ذلك قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
وجه الدلالة: أن الآية تدل على أن رسالته ﷺ رحمة، حيث إن شريعته راعت مصالح العباد الدنيوية والأخروية، فما جاء به من الأخبار والمواعظ البالغة والوعد والوعيد والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد وصحة النبوة وغير ذلك ـ هي سبب لسعادة الدارين، فمن المحال أن نجد آية فيه تدعو إلى ما يخالف المصلحة الحقيقية، لأن الله نفى في هذه الآية جميع العلل والأحوال التي يمكن الإرسال من أجلها إلا حالة واحدة هي الرحمة، فانحصر الإرسال فيها، واقترن بها، ولو خلا من المصلحة لخلا الإرسال من الرحمة، فينافي ما نطقت به، وهذا أمر باطل.
ومنه قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾.
وجه الدلالة: أن الشارع قد راعى مصلحة العباد في الآيتين الكريمتين من وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿قد جاءتكم موعظة﴾ حيث في توعظهم أكبر صالح،
стр. 1006
إذ في الوعظ كفهم عن الأذى، وإرشادهم إلى الهدى.
الثاني: وصف القرآن بأنه (شفاء لما في الصدور) من الشكوك وسوء الاعتقاد ونحوه، ولا ريب أن هذه مصلحة عظيمة للمشفي.
الثالث: وصفه بالهدى، الذي يهدي إلى الحق واليقين.
الرابع: وصفه بالرحمة، وفي الهدى والرحمة غاية المصلحة، حيث أنزل عليهم فنجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان.
الخامس: الفرح بذلك، لقوله تعالى ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ وهو معنى التهنئة لهم بذلك، والفرح والتهنئة إنما يكونان لمصلحة عظيمة.
السادس: قوله تعالى: ﴿هو خير ما يجمعون﴾ من حطام الدنيا، وهي مصالح دنيوية، فالقرآن ونفعه أصلح من مصالحهم، والأصلح من المصلحة غاية المصلحة.
فهذه وجوه ستة تدل على أن الشرع راعى مصلحة المكلفين واهتم بها.
ومنه قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ وقوله تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم﴾.
فقد أشار إلى رفع العسر، وإزالة الحرج عن الناس فيما ألزمهم به من أحكام، ومقتضى هذا أن تكون تلك الأحكام دائرة مع مصالحهم، ومتطلبات سعادتهم في الدنيا والآخرة بتيسير العبادة لهم، وتطهيرهم من رجز الدنيا والآخرة، وما ذلك إلا للسعادة في الآخرة، ولو أن الأحكام لم يراع فيها المصالح، لكان فيها عسر وحرج، لكن العسر والحرج في الأحكام مرفوع، فارتفع كون الأحكام لم تراع فيها المصالح التي تعود على المكلفين.
وغير ذلك مما ورد في القرآن من آيات القصاص والحدود التي شرعها الله
стр. 1007
للمحافظة على أرواحهم، وأنسابهم وأعراضهم، وأموالهم، وما ذلك إلا حفاظاً على مصالح الناس في الدنيا والآخرة.
ثانياً: من السنة النبوية المطهرة:
أولاً: حديث معاذ ﵁ وذلك لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، وقال له: ((بم تقضي؟)) قال: بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: بسنة رسول الله قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد أقر معاذاً على اجتهاده، والاجتهاد أعم من القياس، فكما يكون بقياس النظير على النظير، يكون ببناء الحكم على قواعد الدين ومبادئ التشريع العامة من الكتاب والسنة، وهذا يشمل المصالح المرسلة.
قال الإمام الغزالي في (المنخول) بعد أن ساق هذا الحديث، للاستدلال به على مذهب الشافعي: واجتهاد الرأي مشعر باتباع قضية النظر في المصلحة، ولم يكلفه الشارع ملاحظة النصوص معه.
وقال في (شفاء الغليل) فإن قال قائل: لم قلتم: إن هذا الجنس ـ أي المناسب المرسل ـ حجة؟ وما وجه التمسك به؟ وما الدليل عليه، وقد اضطربت فيه مسالك العلماء، وقد قطعتم القول بقبوله؟ قلنا: إنما دلنا عليه ما دلنا على أصول القياس، فإنا بينا أن حاصل ذلك كله راجع إلى القول بالرأي الأغلب في فهم مقاصد الشرع، وإلى هذا يرجع ما يجوز التمسك به.
وما قاله الغزالي واضح في أن الدليل على إثبات المصلحة المرسلة هو الدليل
стр. 1008
المثبت للقياس.
ثانياً: قوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) فالضرر: هو الإضرار بالآخرين، لمنفعة تعود على المضر، والضرار: هو الإضرار بالآخرين بدون منفعة تعود على فاعل الضرر.
وقال الطوفي: الضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً، والضرار: إلحاق مفسدة به على جهة المقابلة ـ أي كل منهما يقصد ضرر صاحبه ـ فالحديث ينفي إلحاق المرء الضرر بغيره مطلقاً.
فهذه قاعدة عامة، أغلق رسول الله ﷺ فيها منافذ الضرر والفساد، سواء أكان الضرر فيه منفعة تعود على المضر أم لا، وإذا نهي عن الضرر كان الأمر بضده، وهو مراعاة المصالح بين الناس، ثابتاً بالمفهوم المخالف، لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما.
ثالثاً: قوله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)).
فقد حدد الحديث حقيقة الدين بين طرفين اثنين، يبدأ أولهما بعقيدة التوحيد، حيث يمتد الدين من هذه البداية منتهياً بأبسط شيء يعود على المجتمع بالمصلحة العامة، وهو إماطة الأذى عن الطريق، أي ما يؤذي من حجر أو شوك ونحو ذلك، فتكون جميع المصالح ـ المختلفة الأنواع المتعددة الفوائد، المتدرجة المراتب ـ محصورة
стр. 1009
بين طرفيه.
ثالثاً: الإجماع:
استدل القائلون بحجية المصالح المرسلة بإجماع الصحابة ﵃ على العمل بها، وإجماعهم حجة، فهم أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ ، وأفهم الناس بالتشريع، وأعرفهم بأسراره، وأشد الناس تمسكاً به، فهم القدوة والأسوة في النظر فنهجهم مستمد من نهج رسولهم ﷺ والاقتداء بهم وارد في حديثه ﷺ : ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)).
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعملون بالمصالح في بناء الأحكام عليها بالشواهد العامة من غير استناد إلى دليل معين في الواقعة المعروضة عليهم، فالمتتبع لأحوال الصحابة يقطع بأنهم كانوا يقنعون بمجرد اشتمالها على مصلحة راجحة، ولا يبحثون عن أمر آخر، فكانوا يبنون الكثير من الأحكام عليها، ما دام لم يوجد لديهم دليل معين على الواقعة، ولم ينكر عليهم أحد ذلك، وإلا لنقل إلينا، فكان هذا إجماعاً منهم على وجوب العمل بالمصالح المرسلة، والاعتداد بها في تشريع الأحكام.
وقد أشار الإمام الغزالي إلى ذلك في (المنخول) قال: تمسك الشافعي بأن الصحابة ﵃ استرسلوا في الفتوى، ـ وكانوا لا يرون الحصر ـ والنصوص ومعانيها لا تفي بجملة المسائل، فلا بد من المصير إلى المصالح في كل فتوى.
стр. 1010
وهذا واضح في أن الإمام الشافعي كان يتمسك فيما لا نص ولا إجماع ولا قياس ـ بالمصلحة، والسند في ذلك عمل الصحابة وإجماعهم على ذلك، فكان حجة على اعتبار المصالح المرسلة في التشريع.
ويؤيد ذلك ما قاله القرافي: إن أموراً كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولم يكن في زمن النبي ﷺ شيء منها، بل اعتمد الصحابة فيها على المصالح مطلقاً، سواء تقدم بها نظير أم لا، وهذا يفيد القطع باعتبار المصالح المرسلة مطلقاً، كانت في موطن الضرورات أو الحاجات أو التتمات.
وقال الإسنوي نقلاً عن الإمام مالك: احتج مالك بأن من تتبع أحوال الصحابة ﵃ قطع بأنهم كانوا يقنعون بمجرد الوقائع، ولا يبحثون عن أمر آخر، فكان ذلك إجماعاً منهم على قبولها.
فهذه النصوص وغيرها تؤكد أن الصحابة ﵃ ما كانوا يلتزمون في إصدار الأحكام في الوقائع المعروضة عليهم، بالنص أو الإجماع أو القياس بل كانوا يتعدون ذلك إلى المصالح المرسلة بمجرد اشتمال الواقعة المعروضة عليهم، على مصلحة راجحة، ما دام لم يدل الدليل المعين على حكم هذه الواقعة.
وهذا الدليل استدل به القائلون باعتبار المصلحة المرسلة مطلقاً، سواء أكانت ملائمة أم غير ملائمة، ما دام العمل بها لم يخالف نصا، ولم يناقض مقصود الشارع، وقد شهد الشارع لجنسها في الجملة، وهو أيضاً دليل للقائلين، باشتراط الملاءمة، لأنه يقول: الصحابة ﵃ كانوا يعتمدون في الفتوى على المصالح الملائمة لتصرفات الشارع، ما دام لم يوجد الدليل المعين الذي يدل على الواقعة المعروضة عليهم وأما الدليل على أن الصحابة كانوا يبنون أحكام الوقائع على المصالح ويعتمدون عليها من غير أن يبحثوا عن أمر آخر ـ ما نقل عنهم من أحكام كثيرة منها:
١ - جمع القرآن الكريم من الصحف والعسب واللخاف المتفرقة وغيرها مما
стр. 1011
كتبت فيه، ووضعه في مصحف واحد، على الترتيب الذي أوقفهم عليه رسول الله ﷺ بتوقيف من الله تعالى ولم يكن هناك نص معين يدل على جمعه.
فاتفاقهم على هذا العمل لم يرد به نص معين، حتى يمكن حمله عليه، وليس له نظير يمكن أن يقاس عليه، ولكنهم رأوه مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعاً، فبعد موقعة اليمامة التي استحر فيها القتل بكثير من حفاظ القرآن، اقتضت مصلحة المسلمين حفظ القرآن من الضياع، وذهاب تواتره بموت حفاظه من الصحابة، فدفع ذلك أبا بكر للعمل على جمعه بعد مشاورة عمر ﵄ له، وقد جاء هذا الفعل محققاً لحفظه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾.
ومنها: استخلاف أبي بكر لعمر ﵄ من بعده، مع أن الرسول ﷺ لم يستخلف أبا بكر، لكنه لم ينه عنه أيضاً، فلم يكن (أي استخلاف أبي بكر لعمر) إلا ابتغاء المحافظة على مصالح الأمة ووحدة كلمتها، فقد خشي إن هو قبض، ولم يعهد الخلافة إلى أحد يجمع شتات المسلمين ويوحد صفوفهم ـ أن يعود الاختلاف بينهم أخطر مما كان عليه بعد وفاته ﷺ فيطمع فيهم العدو، فهذه مصلحة ملائمة لمقاصد الشارع، وإن لم يرد بها نص معين، وليس لها نظير تقاس عليه.
٣ - وقد أخذ عمر بن الخطاب ﵁ بالمصالح المرسلة، فهو أول من أنشأ الدواوين في الإسلام، وتدوينه فيها ما يتعلق بمصالح المسلمين، قال الماوردي: والديوان موضوع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال،
стр. 1012
ومن يقوم بها من الجيوش والعمال، وأول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب. اهـ.
٤ - ومنها: اتخاذ عمر ﵁ داراً خاصة للسجن لمعاقبة أهل الجرائم، ولم يكن في زمن النبي ﷺ ولا في زمن أبي بكر ﵁ سجن، ولكنه رأى أن المصلحة في اتخاذ دار خاصة للسجن، ففعل، ولم ينكره عليه أحد، فكان إجماعاً.
قال الشنقيطي في (نشر البنود) لم يكن في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر، سجن، فلما انتشرت الرعية في زمان عمر ابتاع بمكة داراً، وجعلها سجناً يسجن فيها.
٥ - ومنها: ترك عمر ﵁ العمل بتطبيق سهم المؤلفة قلوبهم على الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، وقد كانا يتقاضيانه من رسول الله ﷺ ومن أبي بكر ومنعه عمر عنهما معللاً ذلك، بأن الله قد أعز الإسلام، وما ذلك إلا لمصلحة المسلمين.
٦ - ومنها: أن عمر ﵁ لم يقطع يد السارق زمن المجاعة، لأنه رأى أن هذه السرقة كانت لحفظ الحياة، وحفظ الحياة مقدم على حفظ المال، مع أن آية السرقة صريحة في الأمر بقطع يد السارق.
٧ - ومنها: اتفاق الصحابة ﵃ على جعل حد شارب الخمر ثمانين، وذلك حين رأى الناس تتابعت في شرب الخمر، واستحقروا الحد المشروع فيه، فجمع الصحابة واستشارهم فضربوا فيه بسهام الرأي، حتى قال علي كرم الله وجهه: (من شرب سكر ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد
стр. 1013
المفترين) فأخذوا برأيه واستصوبوه واستمروا عليه، وإنما كان مستندهم فيه الرجوع إلى المصالح والتمسك بالاستدلال بالمرسل، فلم يكن في زمان الرسول ﷺ حد مقدر، وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزيز=، ولما انتهى الأمر إلى أبي بكر ﵁ قرره على طريق النظر بأربعين.
قال الغزالي بعد حكايته ذلك: وهذه هي المصلحة المرسلة التي يجوز اتباع مثلها.
٨ - ومنها: أن عثمان بن عفان ﵁ قد جمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على قراءة واحدة، ومصحف واحد، وحرق ما دونه من المصاحف الأخرى، اتقاء للفتنة التي نشأت على إثر اختلاف المسلمين في القراءة.
فقد روي عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان كان يغازي أهل الشام، وأهل العراق في فتح أرمينية وأذربيجان، فأفزعه اختلافهم في القرآن، فقال لعثمان ﵁: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلفت اليهود والنصارى، فنسخ عثمان ﵁ المصاحف، وبعث في كل أفق بمصحف، ثم أمر بما سوى ذلك من القراءة في كل صحيفة أو مصحف أن تحرق وذلك حفاظاً على مصلحة الأمة في توحيد صفوفها وجمع كلمتها، فلا يكون بينها ما يدفع إلى النزاع أو يثير الفتنة والشقاق في صفوفها، ولم يرد بذلك نص ولكن مصلحة ذلك راجعة إلى حفظ الشريعة، والأمر بحفظها معلوم.
٩ - ومنها: هدم عثمان ﵁ الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله ﷺ والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه، وكذلك تجديده أذاناً في
стр. 1014
الجمعة بالسوق وهو الأذان الأول، ثم نقل إلى المسجد.
١٠ - ومنها: أن الصناع في صدر الإسلام كانوا لا يضمنون ما يصنعون إذا ادعوا تلفه، فلما رأى على بن أبي طالب كرم الله وجهه أن الناس لا يستغنون عن الصناع عادة، لشدة حاجتهم إليهم وأن من طبيعة عمل الصانع أن يسمح له بإبعاد الأمتعة التي يصنعها عن أعين أصحابها، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلما رأى علي ﵁ هذا، قضى بتضمين الصناع ما يدعون تلفه من الأمتعة إذا لم يقيموا الدليل على تلفه بغير سبب منهم، وقال ﵁: لا يصلح الناس إلا ذاك، فهذا الحكم الجديد إنما شرع رعاية للمصلحة وحدها، حيث لا نص، ولا نظير يقاس عليه، قال الشاطبي: فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم، لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين، هذا معنى قوله: لا يصلح الناس إلا ذاك اهـ.
فهذه النصوص وغيرها تدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يقفوا جامدين أمام الوقائع والحوادث التي جدت واحتاجت إلى حكم بعد عهد رسول الله ﷺ وإنما شرعوا لها من الأحكام ما يكفل مصالح الناس فيها، مسترشدين بمقاصد الشريعة العامة، فلم يمنعهم من رعاية المصالح أن النصوص لم ترد بها جميعها ـ إذا لم يكن ذلك ممكناً، ولم يمنعهم كذلك أن بعضها ليس له نظير يقاس عليه، فيعطى حكمه، ولم يشترطوا الإجماع على هذه الأحكام وأمثالها، ما دام وجه المصلحة واضحاً فيها.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بعدم تسليم أن الصحابة رضوان الله عليهم اعتبروا المصالح المرسلة في التشريع، وأنهم كانوا يقنعون بمجرد معرفة المصلحة، ولا يبحثون عن أمر آخر وراء ذلك، بدليل أنه لو كان الأمر كذلك لم ينعقد الإجماع بعدهم على
стр. 1015
إلغاء بعض المصالح، فدل على أنهم لم يعتبروا من المصالح إلا ما اطلعوا على اعتبار الشرع لنوعها أو جنسها القريب، فإن الشارع لم يعتبر المصالح مطلقاً، بل بقيود وشرائط لا تهتدي العقول إليها، إذ غاية العقل أن يحكم بأن جلب المصلحة مطلوب، والعقل لا بد له في معرفة المصالح بالاسترشاد بأدلة الشرع، فهو وإن تصور المصلحة وحكم بجلبها، لكن لا يستطيع أن يستقل بإدراك الطريق الخاص، فلا بد من وجود دليل شرعي يعين له الطريق الخاص بالاطلاع على معرفة المصالح، ويرشده إلى معرفة المقصد فيقبل هذا الدليل، فيثبت أن اعتبار المصالح المرسلة من غير شهادة الشرع لنوعها أو جنسها في بناء الأحكام ـ غير جائز.
الجواب:
أنه قد ثبت من تتبع كثير من الشواهد التي اعتمد فيها الصحابة على المصالح، أنهم كانوا يقنعون بمجرد معرفة المصلحة، ولا يبحثون عن شيء آخر وراء ذلك، وقد مرت الشواهد التي تؤيد ذلك، كجمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر، ونسخه في مصحف واحد في عهد عثمان، واتخاذ عمر ﵁ الدواوين وداراً خاصة للسجن، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، وقد وقعت منهم، ونظروا إلى المصلحة، وبنوا الحكم عليها، فالقول كانوا لا يعتمدون من المصالح في بناء الحكم عليها، إلا ما اعتبر نوعه أو جنسه القريب تحكم، وقول من غير دليل، وتخصيص من غير مخصص.
أما القول بأن الصحابة لو كانوا يقنعون بمجرد معرفة المصالح لم ينعقد الإجماع بعدهم على إلغاء بعض المصالح ـ فمحل إيراده: أن لو كانوا يقنعون بالمصالح وإن ألغاها الشارع، ولكن الواقع غير ذلك، فإنهم كانوا لا يعتمدون إلا على المصالح المعتبرة شرعاً، أو المرسلة الملائمة لمقاصد الشريعة، فالمصالح التي انعقد الإجماع على إلغائها إنما هي المصالح التي ألغاها الشارع، وليس الكلام فيها.
والعقل لا يستقل بإدراك الطريق الخاص في جلب المصلحة إلا بدليل يعين له ذلك الطريق، فهو أمر مسلم، فلا بد من وجود دليل يرشد العقل إلى الطريق الخاص في معرفة المصلحة، سواء أكان الدليل نصاً أم غيره، دل بظاهره أم بعمومه على وجود المصلحة، أم كان الدليل هو الاسترشاد بمقاصد الشريعة، فهذا مسلم أيضاً، فإن
стр. 1016
المجتهد يسترشد بمقاصد الشريعة في إدراك المصلحة، وكونها مناسبة للحكم، أما بدون هذا الاسترشاد فلا يهتدي العقل إلى المصالح، أما منع إدراك العقل للمصالح، ولو مع الاسترشاد بمقاصد الشريعة ـ ممنوع، ولم يسلم الإمام الغزالي هذا الاعتراض ورد عليه، وإن سلم أصل الاحتمال، فقال في (المنخول): والذي نراه أن هذا في مظنة الاحتمال، والاحتكام عليهم بعد تمادي الزمان لا معنى له. اهـ.
رابعاً: المعقول:
استدل المثبتون لحجية المصالح المرسلة بالمعقول، فقالوا: لو لم تكن المصالح المرسلة حجة، وترك العمل بها، لخلا بعض الحوادث عن الأحكام، ولتعطلت كثير من مصالح الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، ولوقف التشريع عن مسايرة تطورات الناس، ولكن خلو بعض الحوادث عن الأحكام باطل، فبطل ما أدى إليه، وهو أن المصالح المرسلة ليست بحجة وثبت نقيضه، وهو أن المصالح المرسلة حجة، وهو المطلوب.
بيان الملازمة:
أن النصوص محصورة، والأحكام الثابتة بها محدودة، ومعاني النصوص لا تتناول أحكام الوقائع المستجدة، لأنها محصورة متناهية، والوقائع المستجدة غير متناهية، والقياس لا يصح إلا بوجود أصل يقاس عليه، ولم يوجد هذا في الوقائع المستجدة فيلزم من عدم اعتبار المصالح المرسلة حجة خلو كثير من الوقائع عن الأحكام، وهذا باطل.
دليل بطلان التالي: وهو خلو الوقائع عن الأحكام، قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾.
فإن الآية صريحة في أن الله تعالى قد أكمل لنا الدين أصولاً وفروعاً وبين لنا جميع أحكام الوقائع ما كان منها، وما يكون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 1017
مناقشة هذا الدليل: نوقش هذا الدليل بمنع الملازمة، وهي أن ترك العمل بالمصلحة المرسلة يلزم منه خلو الحوادث والوقائع عن الأحكام بثلاثة أوجه.
الأول: أن العمومات والأقيسة تغني عن القول بحجية المصالح المرسلة، لشمولها جميع الوقائع والحوادث، فلا حاجة إلى المصالح المرسلة.
الثاني: على فرض تسليم عدم كفاية العمومات والأقيسة لأحكام الوقائع والحوادث المتجددة، لا نسلم خلوها عن الأحكام الشرعية لأن من المقرر أن عدم وجود دليل على الحادثة بالإذن أو المنع، دليل على التخيير في تلك الحادثة بين الفعل والترك، والتخيير حكم شرعي، فلم تخل الوقائع والحوادث عن الأحكام مع القول بعدم حجية المصالح المرسلة.
الثالث: لا نسلم بطلان خلو الوقائع والحوادث عن الأحكام، بل يجوز أن تخلو بعض الوقائع والحوادث عن الأحكام، كما قال القاضي.
الجواب عن هذه المناقشات:
الجواب عن الوجه الأول: أن العمومات والأقيسة لا تستوعب جميع أحكام الحوادث المستجدة، لأن الحوادث تتجدد والمصالح تتغير بتغير الزمان والمكان، والعمومات ثابتة وقد تتعارض مع دليل المصلحة، ودليل المصلحة خاص فيقدم على العام والقياس لا يصح إلا بوجود أصل يقاس عليه، والوقائع بعضها ليس له نظير وليس له أصل يلحق به، فلا تغني العمومات والأقيسة عن العمل بالمصالح المرسلة، لأنه لا يعمل بالمصلحة المرسلة إلا عند عدم وجود نص أو قياس، فإذا وجد في الواقعة
стр. 1018
دليل أو قياس يثبت حكمها ويدل عليه ـ فلا عمل بالمصلحة المرسلة، وإذا لم يوجد نص أو قياس، عمل بالمصلحة المرسلة، فثبت أن العمومات والأقيسة لا تغني عن القول بحجية المصالح المرسلة.
الجواب عن الوجه الثاني: وهو أن فقد الدليل يعتبر إذناً بالتخيير بين الفعل والترك، فهذا غير مسلم، لأن التخيير حكم شرعي لا يعلم إلا بدليل شرعي، ولم يجعل الشارع فقد الدليل دليلاً على التخيير، وأقصى ما يفيده عدم وجدان الدليل الشرعي الناقل عن البراءة الأصلية هو الرجوع إلى البراءة الأصلية، وهي ليست حكماً شرعياً، ضرورة أنه لا حكم قبل الشرع، ولا معنى للخلو عن الحكم إلا هذا.
والخلاصة: أن المعترض إن أراد بالتخيير بين الفعل والترك، الإذن الشرعي ـ فمسلم أنه حكم شرعي، ولكنه لا يثبت إلا بدليل شرعي، وليس فقد الدليل دليلاً شرعياً على الحكم فمن ادعاه فعليه البيان، وإن أراد به البراءة الأصلية بمعنى عدم ورود الإذن الشرعي في الفعل أو الترك، فلا نسلم أن التخيير بهذا المعنى حكم شرعي، لأنه ثابت قبل الشرع، ولا حكم قبل الشرع.
الجواب عن الوجه الثالث: (وهو خلو بعض الوقائع عن الأحكام) بأنه لا توجد حادثة إلا في الشرع دليل عليها، إما بالقبول أو بالرد، ولو أمكن خلو واقعة ما عن حكم، لوقع ذلك، ولو وقع لنقل إلينا، فلما لم ينقل إلينا ذلك، علمنا أنه لا توجد حادثة خالية عن حكم، فثبت من هذا أن كل واقعة لا بد لها من حكم، والمخالف في هذا هو القاضي أبو بكر الباقلاني، ولا يعتد به، لأن خلافه لا يقوى في مواجهة قول جمهور العلماء بأنه لا تخلو حادثة عن حكم لله تعالى.
المذهب الثاني: أن المصالح المرسلة حجة بشرط ملاءمتها لمقاصد الشرع:
وهو المشهور عن الإمام الشافعي ﵁ كما حكاه عنه ابن برهان في (الوجيز) وقال: إنه الحق وحكاه إمام الحرمين في (البرهان) عن الإمام الشافعي ومعظم الحنفية.
стр. 1019
ونسب للإمام مالك، وهو مقابل المشهور عنه، ونسب أيضاً لإمام الحرمين وابن تيمية، فهؤلاء يقولون بالمصالح المرسلة، ويعتبرونها دليلاً تبنى عليه الأحكام، ما دامت قد جاءت هذه المصالح المرسلة ملائمة للمصالح المعتبرة التي دعا الشارع لحفظها.
قال الشاطبي في (الموافقات) كل أصل شرعي لم يشهد له أصل معين، وكان ملائماً لتصرفات الشارع، ومأخوذ معناه من أدلته ـ فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به، لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم دون انضمام غيرها إليها، ويدخل تحت هذا ضرب من الاستدلال بالمرسل، الذي اعتبره الإمامان: مالك والشافعي ﵄ فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين، فقد شهد له أصل كلي، والأصل الكلي إذا كان قطعياً قد يساوي الأصل المعين، وقد يربو عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه. اهـ. إلا أن الشافعية يشترطون في العمل بالمصالح الملائمة، شهادة الأصل، والمراد بشهادة الأصل: أن يكون للحكم المعلل أصل معين من نوعه، يوجد فيه جنس الوصف أو نوعه، كما قال السعد في (التلويح) وقد استدل أصحاب هذا المذهب بالأدلة المشتركة بينهم وبين المالكية، والتي سبق توضيحها في أدلة المذهب الأول.
المذهب الثالث:
أن المصلحة المرسلة تكون حجة إذا كانت ضرورية كلية قطعية، فإن فات أحد هذه القيود الثلاثة، لم تعتبر، قال به الغزالي في (المستصفى) وهو اختيار البيضاوي
стр. 1020
وصرح الغزالي في (شفاء الغليل) بأن المصلحة إذا كانت في الضرورة أو الحاجة، جاز التعليل بها.
الأدلة:
استدل الإمام الغزالي ومن تبعه بأن العمل بالمصالح المرسلة في الضروريات والحاجيات عمل بالظن الغالب المبني على فهم مقاصد الشريعة، وكل ما كان كذلك يجب العمل به، فينتج أن المصالح المرسلة يجب العمل بها في الضروريات والحاجيات، وهو المطلوب، أما الكبرى فهي مسلمة بالاتفاق، لوجود الإجماع الدال على وجوب العمل بالظن، وأما الصغرى فيدل عليها، ما يأتي:
١ - أن النبي ﷺ أقر معاذاً على الاجتهاد بالرأي، وهو عام يشمل القياس على أصل معين، كما يتناول الاجتهاد بالرأي بطريق المصالح المرسلة.
٢ - إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على جواز العمل بالمصالح المرسلة، وقد تقدمت الأمثلة في أدلة المذهب الأول، وإجماعهم حجة.
٣ - أن النصوص الشرعية محصورة ومتناهية، والوقائع والأحداث غير متناهية والمتناهي لا يحيط بما لا يتناهى، وترك بعض الوقائع بدون نص يتنافى مع كمال الشريعة الإسلامية، فلا سبيل للخروج من ذلك إلا بتفويض العقلاء ذوي الدراية بمآخذ الشريعة ومصالحها، ليحكموا في هذه الوقائع، مهتدين بمقاصد الشريعة.
ويلاحظ أن هذه الأدلة هي أدلة المثبتين للمصالح المرسلة مطلقاً,
وقد اشترط الغزالي ومن تبعه في المصلحة المرسلة هذه الأمور ـ أي كونها ضرورية قطعية كلية ـ للقطع بالعمل بها، فإن المصلحة إن كانت مناسبة لضروري،
следующие страницы →