Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
عن أبي بكر الرازي.
والسادس: يضر في أصول الدين دون غيره من العلوم.
وسابعها: لا يكون إجماعاً، بل هو حجة فهذا هو الذي رجحه ابن الحاجب، فإنه قال: لو ندر المخالف مع كثرة المجمعين لم يكن إجماعاً قطعاً، والظاهر أنه حجة، لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف قال الهندي والظاهر أن من قال:
стр. 1052
إنه إجماع، فإنما يجعله إجماعاً ظنياً لا قطعياً، وبه يشعر إيراد بعضهم.
وحكى ثامناً: أنه إجماع وحجة.
وتاسعاً: أنه ليس بحجة ولا إجماع لكن الأولى اتباع الأكثر، وإن كان لا يحرم مخالفتهم.
(ص): وأنه لا يختص بالصحابة، خلافاً للظاهرية.
(ش): لأن الأدلة على كون الإجماع حجة لا تفرق بين عصر وعصر، قال ابن حزم:
стр. 1053
وذهب داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إما أن يكون عن توقيف، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف فإن قيل فما تقولون في إجماع من بعدهم أيجوز أن يجمعوا على خطأ؟ قلنا هذا لا يجوز لأمرين:
أحدهما: أن النبي ﷺ أمنا من ذلك بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)).
والثاني: أن سعة الأقطار بالمسلمين وكثرة العدد لا يمكن أحداً ضبط أقوالهم، ومن ادعى هذا لم يخف كذبه على أحد انتهى.
стр. 1054
(ص): وعدم انعقاده في حياة النبي ﷺ .
(ش): علم من قوله: بعد وفاة النبي ﷺ أنه لا ينعقد الإجماع في حياته، لأنه إن أجمع معهم فالحجة في قوله وإلا فلا اعتبار بقولهم.
(ص): وأن التابعي المجتهد معتبر معهم، فإن نشأ بعد فعلى الخلاف في انقراض العصر.
стр. 1055
(ش): علم من إطلاقه المجتهد أن التابعي إذا كان موجوداً في عصر الصحابة فلا يعتد بإجماع الصحابة مع مخالفته خلافاً لقوم.
لنا: تناول أدلة الإجماع للكل، واستدل كثيرون منهم الإمام فخر الدين بتسويغ الصحابة للتابعي مخالفتهم، ورجوعهم إليه في بعض الوقائع لقول أنس: (سلوا الحسن) وابن عباس،
стр. 1056
لما سئل عن نذر ذبح الولد: سلوا مسروقاً وقصة أبي سلمة في العدة،
стр. 1057
وهذا لا يدل، لأن ذلك جوز عند اختلاف الصحابة فلا يلزم من اعتبار قوله عند الخلاف اعتباره عند وفاقهم، وهذا إذا كان مجتهداً وقت إجماعهم، فإن نشأ بعدهم أي: صار مجتهداً بعد الإجماع فخلافه مبني على أنه هل يشترط في الإجماع انقراض العصر؟ فمن شرط انقراضه قال: لا ينعقد إجماع الصحابة (٣/ك) مع مخالفته، ومن لم يشترط لم يعتد بخلافه وهو ما قطع به الغزالي وابن السمعاني، كمن أسلم بعد تمام الإجماع، واعلم أن هذه المسألة من جملة أفراد التي قبلها، وهي مخالفة الواحد هل يؤثر؟ ولهذا قال الغزالي: هذه المسألة إنما يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع الصحابة يندفع بخلاف واحد منهم كما سبق، أما من ذهب إلى أنه لا يدفع إجماع الأكثر بالأقل كيفما كان لا يختص كلامه بالتابعي.
(ص): وأن إجماع كل من أهل المدينة وأهل البيت، والخلفاء الأربعة، والشيخين، وأهل الحرمين وأهل المصرين ـ الكوفة والبصرة ـ غير حجة.
(ش): قوله: غير حجة، مرفوع خبر أن، أي: علم من عموم مجتهد الأمة
стр. 1058
أن إجماع من ذكر ليس بحجة، لأنهم ليسوا كل الأمة، والأول خالف فيه مالك فأجراه أكثر أصحابه على ظاهره وأوله بعض أصحابه على ترجيح
стр. 1059
روايتهم على غيرهم مع مخالفة غيرهم لهم، وقد أشار الشافعي ﵁ إليه في القديم ورجح رواية أهل المدينة على رواية غيرهم، وبعضهم قال: أراد اتباعهم أولى مع تجويز المخالفة لعلو، وبعضهم قال: أراد الصحابة، وبعضهم: التابعين وتابعيهم.
وقال ابن دقيق العيد: الذي نقطع به ولا يصح سواه أن علمهم إنما يقوى فيما طريقة النقل، وما تقتضي العادة فإنه لو تغير لعلم التغيير وزمانه، وأما مسائل الاجتهاد فلا، هذا مع أنه قد ادعى أنه لم يختلف في مسألة في غير المدينة إلا وقد
стр. 1060
اختلف فيها أهل المدينة. انتهى.
والثاني: خالف فيه الشيعة محتجين بقوله تعالى:
﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ فنفى الخطأ.
وأجيب: بأنها نزلت في الأزواج لدفع التهمة عنهم، وسياقها يدل على ذلك، فإن قيل: لو كان المراد الأزواج لقيل: عنكن الرجس.
стр. 1061
قلنا: لأنه أراد معهن غيرهن من الذكور كعلي، والحسن والحسين، وإذا اشتمل الجمع على مذكر ومؤنث غلب المذكر كقوله تعالى: ﴿أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾.
والثالث: خالف فيه أبو حازم
стр. 1062
من الحنفية وتعبير المصنف بالخلفاء أحسن من تعبير ابن الحاجب بالأئمة الأربعة، لأنه أظهر في إرادة أبي بكر وعمر وعثمان،
стр. 1063
وعلي رضي الله تعالى عنهم.
والرابع: خالف فيه قوم.
لقوله: ((واقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)).
والخامس والسادس: حكى الغزالي الخلاف فيه عن طائفة، ومدركهم
стр. 1064
انتشار الصحابة في هذه البلاد دون غيرها، وهو في الحقيقة راجع لخلاف الظاهرية المخصصين، له بالصحابة إلا أنه أخص من ذلك.
(ص): وأن المنقول بالآحاد حجة وهو الصحيح في الكل.
(ش): أي: في المسائل الست السابقة، وفيه تنبيه على الخلاف فيها لكن الصحيح هنا أن المنقول بالآحاد حجة، لأن الإجماع من جملة الأدلة، فلا يشترط التواتر في نقله قياساً على نقل السنة وهذا ما صححه الإمام والآمدي وغيرهما، وخالف الأكثرون فشرطوا التواتر في نقله محتجين بأنا إنما عملنا بخبر الواحد لإجماع الصحابة عند نقل العدل عن رسول الله ﷺ أما إذا نقل الإجماع بطريق الآحاد.
стр. 1065
فلا يجوز أن يستند إليه إلا بالقياس على محل الإجماع، ولم يتعبد بالقياس في قواعد الشريعة هذا كلام الشيخ أبي حامد الإسفراييني، والأصح الأول، وقال الغزالي: من جعل مأخذ الإجماع دليل العقل في استحالة الخطأ بحكم العادة ـ لزمه اشتراط عدد التواتر، ومن جعل مأخذه السمع، اختلفوا على قولين.
(ص): وأنه لا يشترط عدد التواتر، وخالف إمام الحرمين.
(ش): أي علم من مجتهد الأمة وجود مسمى الجمع، ولا يشترط في المجمعين بلوغهم عدد التواتر عند الأكثرين، لأن أدلة الإجماع تدل على عصمة المؤمنين والأمة مطلقاً، من غير فرق بين بلوغهم حد التواتر أم لا،
стр. 1066
خلافاً للإمام والذي رأيته في (البرهان) ذهب بعض الأصوليين إلى أنه لا يجوز انحطاط علماء العصر عن مبلغ التواتر، وجوزه الأستاذ أبو إسحاق وقال: لو أجمعوا كان إجماعهم حجة ثم طرد قياسه، فقال: يجوز أن لا يبقى في الدهر إلا مفت واحد، ولو اتفق ذلك فقوله حجة كالإجماع، قال الإمام: والذي نرتضيه ـ وهو الحق ـ أنه يجوز انحطاط عددهم، بل يجوز شغور الزمان عن العلماء وتعطيل الشريعة، وأما القول بأن إجماع المنحطين عن مبلغ التواتر حجة، فهو غير مرض، فإن مأخذ الإجماع يستند إلى طرد العادة، ومن لم يحسن إسناد الإجماع إليه لم
стр. 1067
يستقر له قدم فيه انتهى.
فعلى هذا هنا مسألتان: جواز ذلك، وهل هو حجة أم لا؟ والإمام يوافق على الأول، ولكنه يخالف في الثاني، وكلام المصنف فيه، واعلم أن التجويز إنما يتجه إذا قلنا بثبوت الإجماع بدليل السمع، فأما من يثبته بدليل العقل كإمام الحرمين، وهو أن الجمع الكثير لا يمكن تواطؤهم على الخطأ عادة فلا بد من اشتراط التواتر عنده.
(ص): وأنه لو لم يكن إلا واحد لم يحتج به وهو المختار.
(ش): أي علم من قولنا: اتفاق ـ أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فليس بحجة لأن العصمة إنما تثبت للأمة، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه حجة وعزاه الهندي للأكثرين، قيل: أما كونه ليس بإجماع فلا خلاف فيه.
стр. 1068
قلت: ذكر الغزالي أنا إن اعتبرنا موافقة العوام (٨٢/ز) فإذا قال الواحد قولاً وساعده العوام فهو إجماع الأمة فيكون حجة، وإن لم نلتفت إلى قولهم فلم يوجد ما يتحقق به اسم الاجتماع، لأنه يستدعي عدداً حتى يسمى إجماعاً.
(ص): وأن انقراض العصر لا يشترط، وخالف أحمد وابن فورك وسليم فشرطوا انقراض كلهم أو غالبهم أو علمائهم، أقوال اعتبار العامي والنادر، وقيل: يشترط في السكوتي، وقيل: إن كان فيه مهلة، وقيل: إن بقي منهم كثير، وأنه لا يشترط تمادي الزمن، وشرطه إمام الحرمين في الظني.
(ش): علم من قوله: في عصر ـ أنه لا يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين، وفيه مذاهب.
أصحها: عند المحققين: أنه لا يشترط، بل يكون اتفاقهم حجة وإن لم ينقرضوا حتى لو رجع بعضهم كانت الحجة عليه.
والثاني: يشترط، وهو قول أحمد،
стр. 1069
واختاره ابن فورك، وسليم الرازي، من أصحابنا.
وإذا قلنا بهذا فهل يشترط انقراض كلهم أو انقراض غالبهم أو انقراض
стр. 1070
علمائهم؟ ثلاثة أقوال، وهي مبنية على الخلاف السابق، والقائل باشتراط غالبهم هو القائل بأنه لا يعتبر بمن ندر عن المجمعين، والقائل باشتراط انقراض علمائهم هو القائل بأنه لا عبرة بوفاق العوام، وإليه أشار بقوله، أقوال اعتبار العامي والنادر والقائل انقراض الكل ـ هو الذي لا يشترط شيئاً من ذلك.
والثالث: إن كان سكوتياً اشترط لضعفه بخلاف القولي وهو رأي البندنيجي واختاره الآميدي.
والرابع: ينعقد قبل الانقراض فيما لا مهلة فيه، ولا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج دون غيره، وحكاه ابن السمعاني، وسيأتي نظيره في السكوتي.
والخامس: إن لم يبق من المجتمعين إلا عدد ينقصون عن أقل عدد التواتر فلا
стр. 1071
يكترث ببقائهم ويحكم بانعقاد الإجماع حكاه القاضي، وقوله: وأنه لا يشترط أي: لا يشترط في انقراض العصر تمادي الزمان وطول المكث وفصل إمام الحرمين بين أن يكون الإجماع مقطوعاً به فلا يشترط فيه الانقراض ولا طول المكث بعد قوله، وبين أن يكون حكماً مطلقاً يسنده المجمعون إلى الظن، فلا بد فيه من غلبة الزمن، فإذا طال ولم ينقدح على طوله لواحد منهم خلاف فهو يلتحق بقاعدة الإجماع.
ونقل ابن الحاجب مذهب الإمام في أصل المسألة أنه إن كان عن قياس اشترط وإلا فلا، وقال الهندي: فصل الإمام بين أن يعلم أن متمسكهم ظني فليس بحجة حتى يطول الزمان، وتتكرر الواقعة، قال: ومقتضى هذا أنهم لو انقرضوا عقب الإجماع لا تستقر حجته، ولو بقوا بعد التكرر وتطاول الزمان يكون حجة، وإن كان قطعياً فلا يعتبر الانقراض، ولا التطاول، وعلى هذا فاقتصار المصنف في النقل عن الإمام على تمادي الزمن وحده ليس بجيد، بل لا بد أن يقول: وتكرر الواقعة، وعليه الإمام في (البرهان) وشرط ما ذكرناه: أن يغلب عليهم في الزمن الطويل ذكر تلك
стр. 1072
الواقعة وتردد الخوض فيها فلو وقعت الواقعة فسبقوا إلى حكم فيها ثم تناسوها إلى ما سواها فلا آخر الزمان والحالة هذه، ثم بني على ذلك أنهم لو قالوا عن ظن ثم ماتوا على الفور لا يكون إجماعاً، ثم أشار إلى ضبط الزمن فقال: المعتبر زمن لا يعرض في مثله استقرار الجم الغفير على رأي إلا عن حاصل قاطع، وما نزل منزلة القاطع على الإقرار.
(ص): وأن إجماع السالفين غير حجة وهو الأصح.
(ش): علم ذلك من قوله: الأمة، فإجماع الأمم السالفة ليس بحجة لأنه إنما صار حجة بالشرع، والشرع لم يرد إلا بعصمة هذه الأمة، وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن إجماع كل أمة حجة ولم يبينوا أن الخلاف في كونه حجة عندنا أو عندهم، ويحتمل أنه عندنا، وهو مفرع على كونه حجة عندهم فإذا ثبت أنه حجة عندهم فيتفرع على أنه شرع لنا أو لا؟
стр. 1073
فإن قلنا: نعم، فيكون عندنا إجماعهم حجة وإلا فلا وفيه نظر.
стр. 1074
(ص): وأنه قد يكون عن قياس خلافاً لمانع جواز ذلك أو وقوعه مطلقاً أو الخفي.
(ش): علم من إطلاق الاجتهاد أنه يكون مستنده إلى النص، ولا خلاف فيه، ويكون عن قياس وفيه مذاهب.
أحدها: أنه جائز واقع وعليه الجمهور.
وثانيها: جائز غير واقع.
والثالث: أنه غير ممكن إذ لا يتصور اتفاق الخلق الكثير في مظنة الظن وهو قول داود وابن جرير.
والرابع: إن كانت الأمارة جلية جاز أو خفية فلا، وقال المقترح: عندي
стр. 1075
لا يستحيل ذلك في العادة لكن بعض صور الإجماع تتشعب فيها الظنون فيستحيل عند عدم ظهور الظن ودقة النظر في الواقعة الإجماع على ذلك الظن البعيد عادة، ثم اختلف القائلون بالوقوع في أنه يحرم مخالفته، إذا ما وقع إطباقهم على أنه حجة.
(ص): وأن اتفاقهم على أحد القولين قبل استقرار الخلاف جائز، ولو من الحادث بعدهم، وأما بعده منهم فمنعه الإمام، وجوزه الآمدي مطلقاً، وقيل: إلا أن يكون مستندهم قاطعاً وأما من غيرهم فالأصح يمتنع إن طال الزمان.
(ش) إذا اختلف أهل العصر على قولين، ثم اتفقوا فله حالتان:
إحداهما: أن يكون قبل استقرار الخلاف، فالجمهور على جوازه خلافاً للصيرفي؛ لرجوعهم إلى الصديق في قتال مانعي الزكاة بعد سبق الخلاف
стр. 1076
فيه وإذا جوزنا ذلك لهم جاز للحادث بعدهم.
الثانية: أن يستقر ويمضي أصحاب الخلاف عليه مدة، وفيه مسألتان.
إحداهما: إذا اختلف أهل العصر على قولين فهل يجوز لأهل ذلك العصر بعينهم بعد استقرار الخلاف، الاتفاق على أحد القولين، والمنع من المصير إلى القول الآخر فيه خلاف مبني على اشتراط انقراض العصر، فإن شرطناه جاز قطعاً وإلا ففيه مذاهب.
أحدها ـ وهو اختيار الإمام ـ: أنه لا يجوز مطلقاً.
стр. 1077
الثاني: وهو اختيار الآمدي (٨٣/ز) عكسه.
والثالث: يجوز إن كان مستند اتفاقهم على الخلاف القياس والاجتهاد ولا دليل قاطع.
المسألة الثانية: إذا اختلفوا على قولين، ومضوا على ذلك، فهل يتصور انعقاد إجماع العصر الثاني بعدهم على أحدهما، حتى يمتنع المصير إلى القول الآخر فذهب الجمهور إلى امتناعه، منهم الأشعري، وأحمد بن حنبل، وإمام الحرمين والغزالي.
стр. 1078
وذهب جماعة إلى الجواز، وأشار بقوله: إن طال الزمان، إلى أنه إذا تمادى الزمان المتطاول على قولين بحيث يقضي العرف بأنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين مع طول المباحثة لظهر ذلك في الباحثين فحينئذ لا يجعل ذلك إجماعاً، بخلاف ما إذا قرب فإنه لا أثر للاختلاف السابق، وهذا التفصيل اختاره إمام الحرمين، قال الكياالهراسي: ذهب قوم إلى أن هذا النوع لا يتصور وإليه ميل إمام الحرمين، والذين أحالوا تصويره اختلفوا على ثلاثة طرق، فقيل: لأن إجماع التابعين لا يحتج به، وقيل: لأن الإجماع لا يصدر إلا عن اجتهاد، والخلاف على قولين يقتضي صدور الأقوال عن الاجتهاد، وقال الإمام: استحالة تصوره من حيث إنه إذا تمادى الخلاف في زمان متطاول بحيث يقضي العرف بأنه لو كان يقدح وجه
стр. 1079
في سقوط أحد القولين مع طول المباحثة لظهر في المباحثين فإذا انتهى الأمر إلى هذا المنتهى، ولم يتجدد بلوغ ما يجب الحكم به فلا يقع في العرف درس مذهب طال الذب عنه، فإن فرض ذلك فالإجماع محمول على بلوغ خبر يجب الحكم بمثله سوى ما كانوا خائضين فيه من مجال الظنون.
(ص): وأن التمسك بأقل ما قيل حق.
(ش): أخذ الشافعي بأقل ما قيل إذا لم يجد دليلاً ووافقه القاضي وكثيرون وخالفه قوم، مثاله: اختلاف العلماء في دية الكتابي، قيل: كدية المسلم، وقيل النصف، وقيل بل الثلث فقط، فأخذ به الشافعي، وظن جماعة أنه
стр. 1080
راجع للإجماع، فإن الأمة أجمعت على ذلك الأقل، فإن من أوجب الكل والنصف فقد أوجب الثلث ضرورة كونه بعضه فالكل مطبقون على وجوب الثلث، وهذا هو ظاهر إدراج المصنف له في باب الإجماع، لكن القاضي أبو بكر في (التقريب) ذكر أن بعضهم عزى ذلك إلى الشافعي، ثم قال: ولعل الناقل عنه زل في كلامه، وقال الغزالي: هو سوء ظن به، فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالفة فيه، والمختلف فيه سقوط الزيادة، ولا إجماع فيه، وحينئذ فليس ممسكاً بالإجماع، بل مجموع هذين الدليلين.
أحدهما: (٥/ ك) على إثبات الأقل،
والآخر: على نفي الزيادة وهو البراءة الأصلية.
قال شارحه العبدري: (ليس تمسكاً بالإجماع) أي في إبطال الزيادة على أصل ما قيل بها في أقل ما قيل، فهو تمسك بالإجماع بدليل قوله: المجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالف فيه لهم، وما زاد ينازع فيه، والأصل براءة الذمة منه فلا يزاد بغير دليل، وهنا تنبيه آخر وهو أن الشافعي ﵁ إنما أخذ بالأقل إذا كان الأقل مجمعاً عليه، ولم يدل دليل على الزيادة، بل الزيادة منفية بالبراءة الأصلية فأما إذا دل دليل على الزيادة أقوى من البراءة الأصلية فلا يأخذ بالأقل مطلقاً ولهذا لما اختلف الناس في العدد الذي تنعقد به الجمعة، فقيل: أربعون
стр. 1081
وقيل ثلاثة فلم يأخذ الشافعي ﵁ بالأقل لأنه وجد في الأكثر دليلاً أقوى من البراءة الأصلية ربما ذكرناه= يندفع استشكال من أوردها على هذا الأصل.
(ص): أما السكوتي فثالثها حجة لا إجماع، ورابعها: يشترط الانقراض، وقال ابن أبي هريرة: إن كان فتيا، وأبو إسحاق المروزي عكسه، وقوم إن وقع فيما يفوت استدراكه، وقوم في عصر الصحابة، وقوم إن كان الساكتون أقل، والصحيح حجة، وفي تسميته إجماعاً خلاف لفظي، وفي كونه إجماعاً حقيقة تردد مثاره أن السكوت المجرد عن أمارة رضا وسخط مع بلوغ الكل ومضى= مهله= النظر عادة عن مسألة اجتهادية تكليفية وهي صورة السكوت هل يغلب ظن الموافقة؟
(ش): تناول إطلاقه الاتفاق في الحد السابق القولي والسكوتي وما سبق في القولي, أما الإجماع السكوتي: فهو أن يفتي واحد ويسكت الباقون بعد علمهم, نظرهم, وفيه مذاهب:
أحدها: أنه ليس بإجماع ولا حجة لاحتمال توقفه في المسألة، أو ذهابه إلى تصويب كل مجتهد وحكاه القاضي أبو بكر عن الشافعي ﵁ واختاره وقال: إنه آخر أقواله، وإمام الحرمين وقال: إنه ظاهر مذهبه, ولهذا قال: لا ينسب إلى ساكت قول, قال الإمام: وهي من عبارته الرشيقة, وقال الغزالي في (المنخول): نص عليه في (الجديد).
стр. 1082
الثاني: أنه إجماع وحجة، وحكاه الآمدي عن بعض أصحابنا واختاره صاحب (البديع) ...
والثالث: حجة لا إجماع، وبه قال الصيرفي، واختاره الآمدي وابن الحاجب في مختصره الكبير، وقال: لا إجماع قطعي، ونبه الآمدي في مسألة انقراض
стр. 1083
العصر على شرط فيه، وهو ما قبل انقراض العصر فأما بعد انقراضه، فإنه يكون إجماعاً.
والرابع: إجماع بشرط انقراض العصر، وهو رأي البندنيجي من أصحابنا، وقال الشيخ في (اللمع): إنه المذهب، قال: فأما قبل انقراضه، فهل يقول إنه ليس بإجماع قطعاً، وعلى الخلاف طريقان.
والخامس: إجماع إن كان فتيا لا إن كان حكماً وهو قول ابن أبي هريرة كذا حكاه الآمدي، والذي في (المحصول) عنه:
стр. 1084
لا إن كان من حاكم، وبينهما فرق إذ لا يلزم من صدوره من الحاكم: أن يكون قاله على جهة الحكم، فقد يفتي الحاكم، وهذا وجه إعراض المصنف عن ذكر مقالته في الشق الآخر كما لم يتحرر له فيه شيء.
والسادس: عكسه قاله أبو إسحاق المروزي، معتلاً، بأن الأغلب أن الصادر عن الحاكم يكون عن تشاور.
السابع: إن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم واستباحة فرج كان إجماعاً وإلا فلا حكاه ابن السمعاني.
والثامن: إن كان في عصر الصحابة كان إجماعاً وإلا فلا (٤٨/ز) حكاه الماوردي.
стр. 1085
التاسع: إن كان الساكتون أقل كان إجماعاً وإلا فلا حكاه السرخسي من الحنفية وما صححه المصنف سبقه إليه الرافعي، حيث قال في كتاب القضاء: المشهور عند الأصحاب أن الإجماع السكوتي حجة، وهل هو إجماع؟ فيه وجهان وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح (اللمع): إنه إجماع على المذهب، وأشار المصنف إلى أن الخلاف حينئذ في تسميته إجماعاً لفظي لأن التفريع على كونه حجة، وفي كونه إجماعاً حقيقة تردد مثاره أن السكوت المجرد عن أمارات الرضا والسخط مع العلم ببلوغ جميع أهل العصر الواقعة ولم يخالفوا ومضى عليهم مهلة النظر عادة في مسألة واقعة في محل الاجتهاد ليخرج الاتفاقية، وخرج بالتكليفية، ما لو كانت المسألة في تفضيل شخص على آخر، وهذه شروط الإجماع
стр. 1086
السكوتي هل يغلب ظن الموافقة أم لا؟ وفات المصنف من الشروط: أن يتكرر مع طول المدة، وأن يكون قبل استقرار المذاهب.
(ص): وكذا الخلاف فيما لا ينتشر.
(ش): إذا أفتى واحد ولم ينتشر بين أهل عصره ولم يعرف له مخالف، ذهب بعضهم إلى أنه إجماع أو حجة على الخلاف السابق، لأن الظاهر وصوله إليهم مع الانتشار فيكون كالسكوت مع العلم به، وعلى هذا تأتي مذاهب التفصيل، لكن الأكثرين، هنا على أنه ليس بحجة، وقال الرازي: إن كان القول مما تعم به البلوى كان كالسكوتي وإلا لم يكن حجة.
(ص) وأنه قد يكون في دنيوي وديني وعقلي لا تتوقف صحته عليه.
стр. 1087
(ش): علم من قوله: على أمر، أنه يستدل بالإجماع في الأمور الدنيوية كالآراء والحروب، وتدبير الجيوش، وأمور الرعية، لأن أدلة الإجماع لم تفصل بين أن يتفقوا على أمر ديني أو دنيوي وللقاضي عبد الجبار فيه قولان، ووجه المنع أن المصالح تختلف بحسب الأزمان فلو كان حجة للزم ترك المصلحة وإثبات ما لا يصلح فيه، وقطع به الغزالي، وقال ابن السمعاني إنه الأصح، لا لهذا المأخذ المعتزلي، بل ذكره غيره، ومنهم من فصل بين ما يكون بعد استقرار الرأي وبين ما
стр. 1088
يكون قبله فقال بحجية الأول دون الثاني حكاه الهندي، وأما الأمور الدينية كوجوب الصلاة والزكاة فبالاتفاق، وأما العقلي فيستدل به فيما لا تتوقف حجته على الإجماع كحدوث العالم ووحدة الصانع، لجواز معرفة هذين قبل معرفة الإجماع، وأما ما يتوقف على إثباته فلا يستدل به كإثبات الصانع والنبوة فإن الإجماع يتوقف على ذلك وإلا لزم الدور.
(ص): ولا يشترط فيه إمام معصوم.
(ش): أي خلافاً للروافض بناء على رأيهم أنه لا يجوز خلو زمن من أزمنة التكليف عن الإمام المعصوم، ومتى كان كذلك كان الإجماع حجة من حيث إن
стр. 1089
الإمام داخل فيهم لا من حيث الإجماع.
(ص): ولا بد له من مستند وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد معنى وهو الصحيح في الكل.
(ش): مذهب الجماهير أنه لا يجوز حصول الإجماع إلا عن مستند شرعي، قالوا: وإذا كان النبي ﷺ لا يقول ما يقوله إلا عن وحي فالأمة أولى أن لا يقولوا ما يقولونه إلا عن دليل، وهذا معلوم من قوله في الحد مجتهد الأمة، وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد فائدة.
وقال قوم: يجوز أن يحصل بالمصادفة بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير توقيف على مستند، لكن سلموا أن ذلك غير واقع كما قاله الآمدي
стр. 1090
وإذا ثبت أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن دليل فلا خلاف أنه ينعقد عن الكتاب والسنة، ثم إن كان عن نص غير محتمل، كان الحكم ثابتاً بالنص، ولو لم يكن للإجماع تأثير في ثبوتهم، وإن كان النص خبر واحد فالحكم ثابت بالنص والقطع بصحته ثابت بالإجماع، وإن كان المستند ظاهراً فالحكم ثابت بالظاهر، ونفي الاحتمال عن الظاهر والقطع بصحة الحكم ناشئ عن الإجماع واختلفوا هل يجوز أن ينعقد عن القياس؟ وبه يثبت.
(ص): مسألة: الصحيح إمكانه وأنه حجة في الشرع وأنه قطعي حيث اتفق المعتبرون لا حيث اختلفوا كالسكوتي، وما ندر مخالفه، وقال الإمام والآمدي: ظني مطلقاً.
(ش): فيه ثلاث مسائل:
الأولى: الإجماع ممكن خلافاً للنظام.
في إحالته، ولمن قال بإمكانه لكن لا سبيل إلى الاطلاع عليه لتعذر الإحاطة
следующие страницы →