← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

العباديُّ: لاَ أَقُولُ: أُبِيحُ لِلْمُكْرَهِ النقبَ والإخراجَ عَنِ الْحِرْزِ، بَلْ أَقُولُ: رُخِّصَ لَهُ فِيهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الإباحةِ والرخصةِ، فَإِنَّهُ لَوْ حَلِفَ لاَ يَاكُلُ الحرامَ، فَأَكَلَ الميتةَ للضرورةِ، حَنَثَ في يَمِينِهِ؛ لأَنَّهُ حَرَامٌ إِلاَّ أَنَّهُ رُخِّصَ لَهُ فيه. انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ الأَعْيَانَ لاَ تُوصَفُ بِحِلٍّ وَلاَ حُرْمَةٍ، فَيَبْقَى التناولُ وهو واجبٌ، فيكفَ يَكُونُ حَرَاماً وليسَ ذَا وَجْهَينِ؟! ثُمَّ رَأَيْتُ الإِمَامَ عَبْدَ الْعَزِيزِ شَارِحَ البَزْدَوِيِّ قَالَ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا فِي حَالِ الضرورةِ: أَنَّهَا تَصِيرُ

стр. 107

مباحةً أَوْ تَبْقَى عَلَى الحرمةِ؟ فَذَهَبَ بعضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَحِلُّ، وَلَكِنْ يُرَخَّصُ الفعلُ إِبْقَاءً لِلْمُهْجَةِ، كَمَا فِي الإِكْرَاهِ عَلَى الكُفْرِ، وهو رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَأَحَدُ قَوْلَيِّ الشَّافِعِي، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ تَرْتَفِعُ في هذه الحالةِ، وَذَكَرَ للخلافِ فائدتَينِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ إِذَا صَبَرَ حتى مَاتَ لاَ يَكُونُ آثِماً على الأولِ، بخلافِهِ على الآخرِ. الثانيةُ: إِذَا حَلَفَ لاَ يَاكُلُ حَرَاماً فَتَنَاوَلَهَا في حالِ الضرورةِ، يحنثُ على الأولِ ولاَ يَحْنَثُ على الثانِي. الرابعُ: خِلاَفُ الأَوْلَى، كالفطرِ لِمَنْ لاَ يَتَضَرَّرُ بالصومِ َ، وَإِنَّمَا لَمْ يُمَثِّلْ بمسحِ الْخُفِّ كَمَا مَثَّلَ بِهِ غيرُهُ؛ لأَنَّ فِي كَوْنِهِ رخصةً أَوْ عزيمةً كالفطرِ خِلاَفاً، كَمَا رَأَيْتُهُ فِي تعليقِ الشيخِ أَبِي حَامِدٍ. تَنْبِيهَاتٌ: الأولُ: عُلِمَ مِنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى هَذِهِ الأربعةِ، أَنَّ الرخصةَ لاَ تُجَامِعُ

стр. 108

التحريمَ وَلاَ الكراهةَ، وهو ظاهرُ قَوْلِهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ .....)). لَكِنَّ في كلامِ الأصحابِ مَا يُوهِمُ مَجِيئَهَا مَعَ الرخصةِ. أَمَّا التحريمُ: فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوِ اسْتَنْجَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَجْزَأَهُ، مَعَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ (١٩ ب) الذهبِ والفِضَََََّّّةِ حرامٌ، والاستنجاءَ بغيرِ الماءِ رخصةٌ، إِلاَّ أَنْ يُقَالَ: هَذَا لَهُ جِهَتَانِ، والتحريمُ مِنْ ناحيةِ مُطْلَقِ الاستعمالِ، لاَ مِنْ خصوصِ الاستنجاءِ الذي هُوَ رخصةٌ، وَأَمَّا الكراهةُ فَكَالقَصْرِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثلاثةِ مَرَاحِلَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، كَمَا قَالَهُ المَاوَرْدِيُّ فِي بابِ الرَّضاعِ. الثانِي: تقسيمُهُ الرخصةِ إلى واجبٍ ومندوبٍ ومباحٍ وخلافِ الأَوْلَى -صريحٌ في أَنَّهَا مِنْ خطابِ الاقتضاءِ لاَ الوضعِ، وَصَرَّحَ الآمِدِيُّ بِأَنَّهَا مِنْ أصنافِ خطابِ الوضعِ.

стр. 109

الثالثُ: ضَبَطَ النَّوَوِيُّ في جزءِ القيامِ الرخصةَ بِضَمِّ الخاءِ وإسكانِهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ في (الْمُحْكَمِ)، وَاقْتَصَرَ فِي لُغَاتِ الرَّوْضَةِ عَلَى التسكينِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الضمَّ، واشْتُهِرَ على أَلْسِنَةِ كثيرٍ مِنَ الفقهاءِ ضَمُّ الراءِ وفتحُ الخاءِ، وهو لاَ يُعْرَفُ فِي كُتُبِ اللغةِ، والمشهورُ أَنَّ المُتَرَخَّصَ فِيهِ، يُقَالُ فَيهَ: رُخْصَةٌ، بضمتَينِ وَبِضَمِّ الأولِ وإسكانِ الثانِي، ولاَ يُقَالُ بالفتحِ إِلاَّ للشخصِ المُتَرَخِّصِ في الأمورِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَضَحِكَةٍ، وفيها لُغَةٌ ثالثةٌ: خرصةٌ، بتقديمِ الخَاءِ حَكَاهَا الفَارَابِيُّ، والظاهرُ أَنَّهَا مقلوبةٌ مِنَ الأُوْلَى. (ص): (وَإِلاَّ فَعَزِيمَةٌ). (ش): يَعْنِي، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الحُكْمُ، أَوْ تَغَيَّرَ، وَلَكِنْ لاَ لعذرٍ على وجهِ التيسيرِ فعزيمةٌ.

стр. 110

سَوَاءٌ أَكَانَ وَاجِباً، أَوْ مَنْدُوباً، أَمْ مُبَاحاً، أَمْ مَكْرُوهاً أَمْ حَرَاماً، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَزَمَ أَمْرَهُ؛ أَيْ: قَطَعَ وَحَتَّمَ، سَهُلَ على المُكَلَّفِ أَوْ شَقَّ، وَمَا اقْتَضَاهُ إطلاقُ الْمُصَنِّفِ مِنْ مَجِيءِ الأَحْكَامِ الخَمْسَةِ فِيهَا، هو قضيةُ كلامِ البَيْضَاوِيِّ، وَقِيلَ عليها سِوَى الحرامِ وهو قضيةُ كلامِ الإمامِ، وَقَالَ القِرَافِيُّ+: الوَاجِبُ والمندوبُ فَقَطْ؛ لأَنَّهُمَا طَلَبٌ مُؤَكَدٌ، فَلاَ يَجِيءُ المُبَاحُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: المَشْهُورُ أَنَّ الْعَزِيمَةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ في الواجبِ لأَنَّهُمْ فَسَّرُوهَا بِمَا لَزِمَ العبادَ بإلزامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ أَيْ: بَإِيجَابِهِ على مَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ.

стр. 111

(ص): (والدليلُ مَا يُمْكِنُ التوصُّلُ بصحيحِ النظرِ فيه إلى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ). (ش): قَالَ: (مَا يُمْكِنُ التوصُّلُ) وَلَمْ يَقُلْ مَا يَتَوَصَّلُ للإشارةِ إلى أنَّ المرادَ التوصُّلُ بالقوةِ لاَ بالفعلِ؛ لأنَّ الدليلَ قَدْ لاَ يُنْظَرُ فيه، ولاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يُسَمَّى دليلاً، وَخَرَجَ (بِصَحِيحِ النظرِ) فَاسِدُهُ، كالشبهةِ، لعلهم أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ

стр. 112

التوصُّلَ لاَ يَحْصُلُ بالدليلِ، إِنَّمَا يَحْصُلُ بالنظرِ فيه، والمرادُ بالمطلوبِ الخبريِّ، التصديقيُّ؛ أَيْ بالنسبةِ المستفادةِ مِنَ الخبرِ، فَخَرَجَ الْحَدُّ وَالرَّسْمُ، فَإِنَّهُمَا لبيانِ التصورِ لا التصديقِ، وهذا التعريفُ يَعُمُّ الدليلَ القطعيَّ والأَمَارَةَ، قَوْلِيًّا كَانَ أَوْ فِعْلِيًّا، فَإِنَّ المطلوبَ يَعُمُّ ذَلِكَ، وَمَنْ خَصَّ الدليلَ بالقطعيِّ احتاجَ إلى أَنْ يَزِيدَ فِيهِ إلى العَالِمِ بمطلوبٍ خبريٍّ، وَتَدْخُلُ فيه المقدماتُ السابقةُ الصادقةُ، وَإِنْ حَصَلَ فيها فَسَادٌ نُظِرَ بِفَسَادِ الترتيبِ؛ لأنَّ هذه المقدماتُ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصُّلَ بصحيحِ النظرِ فيها إلى المطلوبِ، وإطلاقُ الدليلِ على مَا أَفَادَ العلمَ أَوِ الظنَّ هو طريقةُ الفقهاءِ، وَاخْتَارَهُ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَقَالَ: مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: مَا يُؤَدِي إلى الظَّنِ لاَ يُقَالُ لَهُ دَلِيلٌ، بَلْ أَمَارَةٌ، وَهُوَ خَطَأٌ؛ لأَنَّ العربَ لاَ تُفَرِّقُ في التسميةِ بَيْنَ مَا يُؤَدِي إلى العلمِ والظنِّ، فَلَمْ يَكُنْ لهذا الفرقِ وَجْهٌ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ لأنَّ هذا مِنْ بابِ الاصطلاحِ، ولاَ حَجْرَ فيه، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ العربِ لاَ تَعْرِفُهُ مَنْعُهُ عُرْفاً (٢٠ أ).

стр. 113

(ص): (وَاخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا هَلِ العلمُ عَقِيبُهُ مُكْتَسَبٌ). (ش): مَنْ أَحَاطَ عِلْماً بوجهِ دليلِهِ لاَ بُدُّ أَنْ يَكُونَ عالماً بالمدلولِ ضرورةً، إِذَا كَانَتْ مُقَدِّمَاتُ دليلِهِ صادقةً منتظمةً على وجهٍ يَتَضَمَّنُ العلمُ بهِ صِحَّةَ العلمِ بالمدلولِ، لَكِنْ هَلْ هو واقعٌ لقدرةِ اللَّهِ ، اضطراراً، ولاَ مدخلَ للقدرةِ الحادثةِ فيهِ، أَوْ هُوَ مَقْدُورٌ مُكْتَسَبٌ بالقدرةِ الحادثةِ؟ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا، فَذَهَبَ جماهيرُهُمْ إلى الثانِي، وَذَهَبَ الأستاذُ أَبُو إِسْحَاقَ والإمامُ في (الْبُرْهَانِ) والجَاحِظُ وَغَيْرُهُ مِنَ

стр. 114

المعتزلةِ إِلَى الأُوَلِ، واحتجَّ الأستاذُ بِأَنَّ الناظرَ إِذَا أَنْهَى نظرَهُ، وَصَحِبَتْهُ السلامةُ مِنَ الآفاتِ وَقَعَ لَهُ العلمُ بالمنظورِ فِيهِ، شَاءَ أَوْ أَبَى، قَالَ: فَلَوْ كَانَ العِلْمَ وَاقِعاً مِنْ فَعْلِ العبدِ لَكَانَ وَاقِعاً بِحَسْبِ قصدِهِ حتى كَانَ يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ، وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ، وَاحْتَجَّ الجمهورُ، بِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الانصرافُ عَنْهُ لأَنَّ العلمَ بوجهِ الدليلِ يَتَضَمَّنُ العلمَ بالمدلولِ، والقدرةُ على العلمِ بِوَجْهِ الدليلِ يَتَضَمَّنُ القدرةَ على العلمِ بالمدلولِ، وحاصلُ هذا الخلافِ يَؤَوَّلُ إلى مسألةٍ أُخْرَى مترجمةٍ، فَإِنَّ العلومَ الحادثةَ تَنْقَسِمُ إلى ضَرُورِيٍّ وَكَسْبِيٍّ عِنْدَ الجمهورِ، وَقَالَ الأستاذُ: إِنَّهَا بِأَسْرِهَا ضروريةٌ، وَتَنْقَسِمُ عِنْدَهُ إِلَى هَمَجِيٍّ وإلى فِكْرِيٍّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ: اخْتَلَفَ بِالبِنَاءِ للمَفْعُولِ، وَحَذَفَ أَئِمَّتُنَا مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ؛ لِأنَّهُ أَرَادَ التنبيهَ عَلَى أَنَّ الخلافَ فيهنَّ وَقَعَ مِنْ أَئِمَّتِنَا لاَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ فِرَقِ المخالفِينَ مِنَ المعتزلةِ وغيرِهِمْ، وَاخْتُلِفَ أَيْضاًً فِي العلمِ المستفادِ بالنظرِ بَعْدَ الاتفاقِ على جوازِ وقوعِهِ ضَرُورِيًّا في قضيةِ العقلِ، هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ مُكْتَسَباً بالقدرةِ الحادثةِ ابتداءً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ نَظَرٍ، فَأَحَالَهُ القاضِي وَمُعْظَمُ النظارِ في قضيةِ العقلِ، وَجَوَّزَهُ الأستاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وإمامُ الحَرَمَيْنِ. وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ ممتنعٌ بِحُكْمِ العادةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ المتكلمِينَ أَجْمَعُوا على ثبوتِ التلازُمِ، هَلْ هُوَ عقليٌّ أَوْ عاديٌّ؟ فَذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا إلى الأولِ، وَقَالُوا: النظرُ يَتَضَمَّنُ العلمَ بالمنظورِ فيه؛ أَيْ: يُلاَزِمُهُ عَقْلاً لاَ يَنْفَّكُ عَنْهُ، وَقَالَ الآمِدِيُّ: إِنَّهُ الحقُّ وَذَهَبَ الأَشْعَرِيُّ إلى

стр. 115

الثانِي كَمَا يَحْصُلُ الشِّبَعُ عَقِبَ الأكلِ، وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كذلكَ، لَكَانَ خَرْقُهُ جَائِزاً وَعَدَمُهُ مُمْكِناً وَهَهُنَا حُصُولُ العلمِ وَاجِبٌ لاَ مَحَالَةَ، فَيَسْتَحِيلُ أَلاَّ يُحَصَّلَ عَقِبَ كَمَالِ النظرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بالإيجابِ، وصَحَّحَهُ الإمامُ في (الْمُحَصَّلِ)، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بالتوليدِ، وهو قولُ المعتزلةِ، فَعَلَى القولِ الأولِ، يَكُونُ العلمُ الحاصلُ عُقَيْبَ النظرِ ضَرُورِيًّا، وهو المختارُ عِنْدَ إِمَامِ الحرمينِ وَإِلِكْيَا= وَغَيْرِهِمَا. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ بالعادةِ، فَلاَ يَجُوزُ خَرْقُهَا، فَيَخْرُجُ حينئذٍ عَنْ كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا؛ إِذِ الضروريُّ هو الذي يَلْزَمُ النفسَ لُزُوماً لاَ يَتَأَتَّى مَعَهُ الانْفِكَاكُ عَقْلاً. (ص): (وَالحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ، وَيُقَالُ: المُطَّرِدُ المُنْعَكِسُ). (ش): ذَكَرُوا فِي الحَدِّ عِبَارَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَامِعاً؛ أي: لأَفْرَادِ المحدودِ مَانِعاً؛ أي: مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ فِيهِ، كَقَوْلِنَا: الإنسانُ حيوانٌ نَاطِقٌ، وَلَوْ جَمَعَ وَلَمْ يَمْنَعْ، كـ الإنسانُ حيوانٌ، أَوْ مَنَعَ وَلَمْ يَجْمَعْ كـ الإنسانُ رجلٌ، لَمْ يَكُنْ حَدًّا صحيحاً للإنسانِ. الثانيةُ: أَنْ يَكُونَ مُطَّرِداً مُنْعَكِساً، وَهَذَا مَعُنَاهُ يَتَضَمَّنُ أَرْبَعَ قَضَايَا (٢٠ ب) كُلَّمَا وُجِدَ الحَدُّ وُجِدَ المحدودُ، وَكُلَّمَا انْتَفَى المحدودُ انْتَفَى الحَدُّ، والثانيةُ لازمةٌ للأُولَى؛ لأنَّهَا عَكْسُ نَقِيضِهَا فَأَغْنَتِ الأُولىَ عَنْهَا، وَكُلَّمَا انْتَفَى الحَدُّ انْتَفَى المحدودُ،

стр. 116

وَكُلَّمَا وُجِدَ المَحْدُودُ وُجِدَ الحَدُّ. والرابعةُ لازِمَةٌ للثالثةِ؛ لأنَّها عَكْسُ نَقِيضِهَا، كَمَا أَنَّ الثانيةَ لازمةٌ للأُولَى، فَصَارَتِ الأُولَى والثالثةُ شَرْطَينِ لاَ بُدَّ مِنْهُمَا، ولهذا اقْتَصَرَ عليهما ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: أَيْ: إِذَا وُجِدَ وُجِدَ، وَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى، وبهذا التقديرِ يَنْدَفِعُ تَوَهُّمُ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ مَعْنَى الاطِّرَادِ والانْعِكَاسِ كُلَّمَا وُجِدَ الحَدُّ وُجِدَ المحدودُ، وَكُلَّمَا انْتَفَى المحدودُ انْتَفَى الحَدُّ، ولاَ يَاخُذُ ذَلِكَ مِنْ عَكْسِ القَضَايَا، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَوَهَّمَ لَمْ يَكْنْ لِذِكْرِ الانْعِكَاسِ فَائِدَةٌ. إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَالمُطَّرِدُ هو المانعُ، والمُنْعَكِسُ هو الجامعُ، هَذَا قَوْلُ الْغَزَالِيُّ وابْنُ الْحَاجِبِ، وَغَيْرِهِمَا. وَفَوَاتُ الاطِّرَادِ هو أَنْ يُوجَدَ الحَدُّ بدونِ المحدودِ كَقَوْلِنَا في الإنسانِ: إِنَّهُ حَيَوَانٌ. وَفَوَاتُ الانْعِكَاسِ أَنْ يَنْتَفِي الحَدُّ ولاَ يَنْتَفِي المحدودُ، كَقَوْلِنَا في الإنسانِ: إِنَّهُ رَجُلٌ. وَأَمَّا القِرَافِيُّ+، فَإِنَّهُ عَكَسَ هذا، وَقَالَ: المُطَّرِدُ هو الجامعُ والمُنْعَكِسُ هو المانعُ، وَتَمَسَّكَ بالاستعمالِ اللُّغَوِيِّ، فَإِنَّ المفهومَ مِنْ قَوْلِنَا: اطَّرَدَ كَذَا أَنَّهُ وُجِدَ وَاسْتَمَرَّ فَمَعْنَى الحَدِّ المُطَّرِدِ هو الموجودُ في جَمِيعِ صُوَرِ المحدودِ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَعْنَى وَصْفِهِ بِالاطِّرَادِ أَنَّ تعريفَهُ المحدودُ مُطَّرِدٌ، وهو الذي تَحَقَّقَ وَصْفُهُ بالحَدِّ، فالمرادُ اطِّرَادُ التعريفِ وَمُقْتَضَى هذا الاعتراضِ، أَنْ يَكْتَفِيَ بِذْكِرِ الاطِّرَادِ عَنْ ذِكْرِ الانْعِكَاسِ؛ لأنَّ اطِّرَادَ التعريفِ إِنَّمَا يَكُونُ بِهِمَا. والحقُ مَا قَالَهُ الأَوَّلُونَ، وهذا اصطلاحٌ غَيْرُ مُنَافٍ للاستعمالِ اللُّغَوِيِّ فَلاَ مَشَاحَّةَ فِيهِ، وَلَيْسَ في كلامِ الْمُصَنِّفِ تصريحٌ باختيارِ واحدٍ مِنَ القولَينِ لاحتمالِ قَوْلِهِ المُطَّرِدِ المُنْعَكِسِ طَرِيقَيِّ اللَّفِ والنشرِ،

стр. 117

وَمِثْلُ هذا البحثِ يَجِيءُ في وصفِ العِلَّةِ بالاطِّرَادِ، فَاسْتَحْضِرْهُ في بَابِ القياسِ، والحاصلُ أَنَّهُ: هَلِ المُطَّرِدُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الوجودُ، وَمِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ، أَوْ عِبَارَةٌ عَمَّا يَكُونُ شَامِلاً لِجَمِيعِ أَفْرَادِ المُعَرَّفِ بِحَيْثُ لاَ يَشِذُّ مِنْهَا شيءٌ، وعلى هذا فالجامعُ مرادفٌ لِلْمُطَّرِدِ، وَالمُنْعَكِسُ مرادفٌ للمانعِ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هذا الخلافَ حَادِثٌ بَيْنَ المتأخرِينَ حتى وَقَفْتُ على كتابِ (التَّذْكِرَةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ) لأَبِي عَلِيِّ التَّمِيمِيِّ فَقَالَ: الْجَمْعُ يُسَمَّى في اصطلاحِ عُلَمَائِنَا طَرْداً، وَالْمَنْعُ عَكْساً. وَقَالَ: اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الطَّرْدِ والعكسِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلى أَنَّ الطَّرْدَ يُفِيدُ آحَادَ المحدودِ عَلَى الشُّمُولِ بِلَفْظِ الإثباتِ كقولِنَا: كُلُّ عَلَمٍ مَعْرِفَةٌ، والمنعَ يُفِيدُ مَنْعَ غَيْرِ المحدودِ مِنَ الدخولِ فِيهِ على طريقةِ الطَّرْدِ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الإثباتِ، كقولِنَا: وَكُلُّ مَعْرِفَةٍ عَلَمٌ، قَالَ: وَهُوَ صَحِيحٌ؛ إِذِ العَكْسُ رَدُّ المتقدمِ متأخراً والمتأخرِ متقدماً، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى أَنَّ مجموعَ هَاتَيْنِ العبارتَيْنِ طَرْداً، واسْتَعْمَلُوا فِي العَكْسِ حَرْفَ النفِي، فَقَالُوا: كُلُّ مَا لَيْسَ بِعَلَمٍ فليسَ بِمَعْرِفَةٍ، وَكُلُّ مَا ليسَ بِمَعْرِفَةٍ فليسَ بِعَلَمٍ. انْتَهَى. تَنْبِيهَاتٌ: الأَوَّلُ: ذَكَرَ صاحبُ (التذكرةِ) أَيْضاًً أَنَّ هَذَا التعريفَ لِلْحَدِّ قَوْلُ المتكلمِينَ، وَأَمَّا المَنَاطِقَةُ فَقَالُوا: إِنَّ القَوُلَ الدالَّ على مَاهِيَّةِ الشيءِ، وهو مَا يُتَحَصَّلُ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ القريبِ وفصلِهِ، قَالَ: وَلاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إلى ذِكْرِ الطَّرْدِ والْعَكْسِ؛ لأنَّ ذلكَ يَتْبَعُ المَاهِيَّةَ، ثُمَّ قَالَ (٢١ أ) بَعْدَهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الطَّرْد ِ والعَكْسِ، هَلْ هُمَا مِنْ لَوَازِمِ صِحَّةِ الحَدِّ، أَوْ شَرْطَانِ في صِحَّتِهِ؟ وفائدةُ الخلافِ أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلى أَنَّهُمَا مِنْ لَوَازِمِ صِحَّتِهِ حَكَمَ بصحةِ الحَدِّ قَبْلَهُمَا، وَمَنْ جَعَلَهُمَا شَرْطَينِ في الحَدِّ أَوْقَفَ صحتَهُ على حُصُولِهِمَا؛ إِذْ لاَ يُعْلَمُ وُجُودُ المشروطِ مَعَ انتفاءِ الشرطِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لاَ يَصِّحُ في

стр. 118

الحَدِّ الحقيقيِّ فَإِنَّ الطَّرْدَ والعَكْسَ فيه مِنْ لَوَازِمِ صِحَّتِهِ؛ لأنَّهُمَا يَتْبَعَانِ المَاهِيَّةَ بالضرورةِ. الثانِي: استعمالُ المُطَّرِدِ مَرْدُودٌ في العربيةِ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ: اطَّرَدَ، وَقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ على مَنْعِهِ، فَقَالَ في بابِ مَا طَاوَعَ الذي فَعَلَهُ على فِعْلٍ: وَرُبَّمَا اسْتَغْنَى عَنِ انْفَعَلَ في هذا البابِ، فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ، وذلكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: طَرَدْتُهُ فَذَهَبَ، وَلاَ يَقُولُونَ: فَانْطَرَدَ، وَلاَ فَاطَّرَدَ، يَعْنِي أَنَّهُمْ اسْتَغْنَوْا عَنْ لَفْظِهِ بلفظٍ لكونِهِ في معنَاهُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يَقُولُونَ: طَرَدُّتُهُ فَذَهَبَ، وَلاَ يَقُولُ مِنْهُ انْفَعَلَ وَلاَ افْتَعَلَ إِلاَّ في لُغَةٍ رَزِيلَةٍ. قُلْتُ: على هذه اللغةِ قَوُلُ الشاعرِ ـ وهو قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ ـ أَنْشَدَهُ صاحبُ (المُحْكَمِ): *أَتَعْرِفُ رَسْماً كَالطِّرَادِ المَذْهَبِ* ... وعليه يِتَخَرَّجُ قَوْلُ الْمَنْطِقِيِّينَ. الثالثُ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الحَدَّ عَقِبَ الدليلَ لانحصارِ المطالِبُ فيها، فالدليلُ بأقسامِهِ لبيانِ المطلوبِ التصديقِيِّ، والحَدُّ بأقسامِهِ لبيانِ المطلوبِ التصوُّرِيِّ.

стр. 119

(ص): (والكلامُ في الأزلِ قِيلَ: لاَ يُسَمَّى خِطَاباً، وَقِيلَ: لاَ يَتَنَوَّعُ). (ش): فيه مسألتَانِ: إِحْدَاهُمَا: كلامُ اللَّهِ تَعَالَى في الأَزَلِ هَلْ يُسَمَّى خِطَاباً؟ فيه خِلاَفٌ، حَكَاهُ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ في كتابِ (الْحُدُودِ) وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ في (الْمُرْشِدِ)

стр. 120

قَالاَ: فَذَهَبَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلى أَنَّهُ لاَ يُسَمَّى خِطَاباً وَأَمْراً ونَهْياً في الأَزَلِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِذَلِكَ فِيمَا لاَ يَزَالُ عِنْدَ وجودِ المُخَاطَبِ، وهو حدوثُ تسميةٍ لاَ حدوثٌ عَنِ الكلامِ، ولاَ تتغيرُ بِذَلِكَ صِفَتُهُ في نَفْسِهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يصيرُ أَباً وعَمًّا وَزَوْجاً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مِنْ ذلكَ، وَلَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهُ، وَإِنَّمَا بِتَغَيُّرِ الغيرِ اسْتَحَقَّ هَذِهِ الأسماءَ حَقِيقَةً؛ فَعَلَى هَذَا كُلُّ خِطَابٍ كلامٌ، ولاَ يَنْعَكِسُ لأنَّ كلامَهُ في الأَزَلِ ليسَ بِخِطَابٍ. والثانِي: وعليه المتأخرونَ يُسَمَّى خِطَاباً بِشَرْطِ حُدُوثِ المُخَاطَبِ، وَقَالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: وهو قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ الصحيحُ؛ لأنَّ الآمِرَ أَمَرَ لنفسِهِ، والصفاتُ النفسيةُ لاَ تَتَحَدَّدُ بِتَحَدُّدٍ. قُلْتُ: وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الأَشْعَرِيُّ: إِنَّ المعدومَ مَامُورٌ بِالأَمْرِ الأَزَلِيِّ عَلَى تقديرِ الوُجُودِ، وَحَكَى الشيخُ السُّبْكِيُّ في (شَرْحِ الْمِنْهَاجِ) المنعَ عَنِ القاضِي أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ، فَهَلْ يُسَمَّى بَعْدَ ذَلِكَ وُجُودُ المُخَاطَبِ والمأمورِ، يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنْ حَصَلَ إِسْمَاعُهُ لذلكَ كَمَا فِي مُوسَى ﵊ يُسَمَّى خِطَاباً بِلاَ شَكٍّ، وَإِلاَّ فَلاَ على قياسِ قَوْلِ القاضِي. قُلْتُ: المانعُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لاَ يُسَمَّى خِطَاباً وَأَمْراً عِنْدَ وُجُودِ المخاطبِ والمأمورِ كَمَا سَبَقَ عَنِ الشيخِ وابْنِ الْقُشَيْرِيِّ، وهو عِنْدَهُمْ مِنْ صِفَاتِ الأفعالِ بِمَثَابَةِ اتِّصَافِ الرَّبِ تَعَالَى فِي الأَزَلِ، بِكَوْنِهِ خَالِقاً رَازِقاً، وَذَكَرَ بعضُهم أَنَّ الخلافَ لَفْظِيٌّ؛ لأنَّ الطلبَ الأزلِيَّ، إِنَّمَا هُوَ طَلَبٌ بالصلاحِيَّةِ، لاَ بالتعلُقِ؛ إِذِ الكلامُ الأزَلِيُّ فيِ نفسِهِ عَلَى صِفَةِ الاقتضاءِ مِمَنْ سَيَكُونُ، فَإِذَا كَانَ تَعَلَّقَ به ذلكَ الاقتضاءُ (٢١ ب) فيكونُ اقتضاءً بالفعلِ، فهذا يُسَمَّى اقتضاءً حقيقةً، والأولُ يُسَمَّى اقتضاءً مجازاً، ولهذا اخْتُلِفَ في جَوَازِ إِطْلاَقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الخِلافُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تفسيِر الخطابِ، فَمَنْ فَسَّرَهُ بالكلامِ الذي يُقْصَدُ بِهِ إِفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِفَهْمِهِ في الحالِ. قَالَ: لاَ يُسَمَّى خِطَاباً، وَمَنْ قَالَ: يُقْصَدُ بِهِ الإفهامُ في الجملةِ، أَطْلَقَهُ عليه.

стр. 121

والحقُّ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ، وَمِمَّا يُفَرَّعُ عَلَيْهِ، أَنَّ الكلامَ حُكْمٌ فِي الأَزَلِ، أَوْ يَصِيرُ حُكْماً فِيمَا لاَ يَزَالُ، هي مسألةُ أَمْرِ المعدومِ السابقةُ. الثانيةُ: هَلْ يَتَنَوَّعُ الكلامُ؟ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ـ كَمَا قَالَ الإِمَامُ فيِ (المُحَصِّلِ) ـ إلى تَنَوُّعِهِ إِلَى خَمْسِ كَلِمَاتٍ: الأمرُ، والنهيُ، والخبرُ، والاستخبارُ، والنداءُ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ إِلَى سَبْعَةٍ، وَزَادَ: الوعدَ، والوعيدَ. والجمهورُ على أَنَّهُ لاَ يَتَنَوَّعُ، وَحَكَى إِمَامُ الحَرَمَيْنِ فِي (الإِرْشَادِ): فِيهِ الاتفاقَ، وَلَهُمْ فِيهِ مَسَالِكُ، مِنْهَا التمسكُ بنوعٍ مِنَ الإجماعِ، وَهِيَ طريقةُ القاضِي، فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى نَفْيِ كلامٍ ثانٍ قديمٍ وَنَفْيِ إِرَادَةٍ ثانيةٍ قديمةٍ. قَالَ: وَإِنَّمَا صِرْتُ إلى هَذَا؛ لأَنَّا وَجَدْنَا الْعِلْمَ القديمَ مُتَعَلِّقاً لِسَائِرِ المعلوماتِ قائماً مقامَ علومٍ مختلفةٍ في الشاهدِ، وليسَ في العقلِ مَا يَمْنَعُ مِنْ قِيَامِ العِلْمِ القَدِيمِ مَقَامَ القُدْرَةِ، وَلاَ يُؤَدِّي إلى وُجُوبِ تَعَلُّقِ العلمَ بجميعِ المعلوماتِ فَاضْطُرِرْنَا إلى الرجوعِ إلى الإجماعِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ في الإجماعِ بِمَا حَكَى عَنِ الأستاذِ أَبِي سَهْلِ الصُّعْلُوكِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لِلَّهِ بِكُلِّ معلومٍ

стр. 122

عِلْمٌ، فَلَهُ عُلُومٌ لاَ نهايةَ لَهَا، وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ يُجْرِيهِ فيِ الكَلاَمِ وَالقُدْرَةِ، وَسَائِرَ الصفاتِ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا دَخُولُ مَا لاَ نهايةَ لَهُ في الوجودِ، وَيَسْتَحِيلُ حَصْرُ مَا لاَ يَنْحَصِرُ، ودخولُ مَا لاَ تَنَاهِيَ لَهُ في الوجودِ مِنَ الْمَقْدُورَاتِ، وَمِنْهَا التمسكُ بالعقلِ، فَإِنَّ الدليلَ العقليَّ قَامَ على وجوبِ اتحادِ كُلِّ صِفَةٍ لِلَّهِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ مُتَعَلَّقَاتُهَا، فَكَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ بعِلِمْ ٍواحدٍ قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ واحدةٍ عَلَى جَمْعِ الْمَقْدُرَواتِ، والعلومُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فَإِنَّهُ يَجْمَعُهَا حقيقةٌ واحدةٌ، وهي العلميةُ ـ فكذلكَ الكلامُ مُتَّحِدٌ لاَ كَثْرَةَ فِيهِ فِي نَفْسِهِ، بَلِ الكَثْرَةُ إِنَّمَا هِيَ في مُتَعَلَّقَاتِهِ الخارجيةِ، فَإِذَا تَعَلَّقَ بالمأمورِ سُمِّيَ أَمْراً، وَبِالْمَنْهِيِّ سُمِّيَ نَهْياً، وَإِنْ كَانَ بالنسبةِ إلى حالةٍ مَا فَهُوَ الخبرُ، فَاخْتِلاَفُ التسميةِ بِحَسْبِ اختلافِ تَعَلُّقَاتِهِ، وليسَ راجعاً إلى نفسِ الكلامِ، بَلْ إلى أمرٍ خارجٍ عَنْهُ، ولهذا لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ هَذِهِ لمَ ْيَرْتَفِعْ نَفْسُ الكلامِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَجْمَعَ العقلاءُ على انقسامِ الكلامِ إلى أمرٍ، ونهيٍ، وخبٍر، وغيرِ ذلكَ مِنَ الأنواعِ. فالجوابُ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ لهذا الإشكالِ الْتَزَمَ الأستاذُ رَدَ جميعِهَا إلى الخبرِ لِيَنْتَظِمَ لَهُ القَوْلُ بالوحدةِ، فَقَالَ: الأمرُ خَبَرٌ عَنْ تَحَتُّمِ الفعلِ، والنهيُ خَبَرٌ عَنْ تَحَتُّمِ التركِ، وَكَذَا قَالَ الإمامُ فِي (الْمُحَصِّلِ) قَالَ: وَالاسْتِخْبَارُ إِخْبَارٌ عَنْ طَلَبِ شيءٍ مِنَ الْمُخَاطَبِ، والنداءُ خبٌر عَنْ أَنَّ المنادَى يَصِيرُ بَعْدَ النداءِ مُخَاطَباً، وَذَكَرَ الآمِدِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: الاستخبارُ يَسْتَحِيلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ حَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى التقديرِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الخَبَرِ. قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ تَعَلَّقَ بِمَا حُكِمَ بِفِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ يُسَمَّى طَلَباً، وَإِنْ تَعَلَّقَ بغيرِهِ سُمِّيَ خَبَراً. وثانِيهَا: أَنَّا إِذَا قُلْنَا: لاَ يَتَّصِفُ في الأزلِ بكونِهِ أَمْراً وَنَهْياً (٢٢ أ) وَخَبَراً، وَإِنَّمَا يَتَّصِفُ بذلكَ عِنْدَ وُجُودِ المخاطَبِ زَالَ الإشكالُ، وَإِنْ قُلْنَا بِاتِّصَافِهِ في الأَزَلِ بذلكَ كَمَا ـ هو رَايُ الأَشْعَرِيِّ ـ فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ فِي نفسِهِ مَعْنًى وَاحِدٌ، والاختلافُ فيه يَرْجِعُ إلى التعبيراتِ عنه بِحَسْبِ تَعَلُّقِهِ كَمَا سَبَقَ، وَلاَ مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الكلامُ

стр. 123

واحداً، والمتعلقاتُ متعددةٌ على نَحْوِ تَعَلُّقِ الشمسِ بِمَا قَابَلَهَا، واسْتِضَاءَتُهَا مِنْ زجاجاتٍ مختلفةٍ، فَإِنَّهُ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الأَلْوَانُ مِنْ أسودَ وأبيضَ وأخضرَ، لاَ يُوجِبُ وُقُوعَ التَّعَدُّدِ في الشمسِ نَفْسِهَا، وهو نَحْوَ قَوْلَ الفيلسوفِ في المبدأِ الأولِ حَيْثُ قَضَي بِوَحْدَتِهِ، وَأَنَّ تَكَرُّرَ أسمائِهِ بسببِ سلوبٍ وإضافاتٍ لاَ تُوجِبُ صفاتٍ زائدةٍ على الذاتِ، قَالَ الآمِدِيُّ في (غَايَةِ المَرَامِ): وَمَنْ فَهْمِ هذا التحقيقِ انْدَفَعَ عَنْهُ الإشكالُ وَزَالَ الخَيَالُ فَإِنَّهُ غَيْرُ بعيدٍ أَنْ يَقُومَ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى خَبَرٌ عَنْ إرسالِ نُوحٍ مَثَلاً، وَيَكُونُ التعبيُر عَنْهُ قَبْلَ إرسالِهِ، بِأَنَّا نُرْسِلُهُ، وبَعْدَ الإرسالِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوْحاً﴾ فالمعبرُ عَنْهُ يَكُونُ واحداً في نفسِهِ على مَمَرِّ الدهورِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمُعَبَّرُ بِهِ، قَالَ: وهذا جَلِيٌّ لِكُلِّ مُنْصِفٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ على هذا الطريقِ أَنَّكُمْ إِذَا جَعَلْتُمْ التنوعَ باختلافِ المتعلقاتِ أُشْكِلَ عَلَيْكُمْ بالإرادةِ والعلمِ والقدرةِ وغيرِهَا مِنَ الصفاتِ، فَهَلاَّ قُلْتُمْ: إِنَّهَا تَرْجِعُ لِمَعْنًى واحدٍ، وَيَكُونُ التعبيُر عَنْهُ بسببِ المتعلقاتِ لاَ بسببِ اختلافِهِ في ذاتِهِ فَسُمِّيَ إِرَادَةً عِنْدَ تَعَلُّقِهِ بِالْمُخَصِّصِ، وَقُدْرَةً عِنْدَ تَعَلُّقِهِ بالإيجادِ، وَكَذَا سَائِرُ الصفاتِ، وَأَجَابَ المحققونَ بِأَنَّا لَوْ قُلْنَا بِرُجُوعِ العِلْمِ أَوِ القدرةِ لأَدَّى إلى عدمِ الفَرْقِ بَيْنَ المعلوماتِ والمقدوراتِ، وهو مُمْتَنِعٌ، فَكَذَلِكَ وَجَبَ اختلافُ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ المعلوماتُ والمقدوراتُ، وَلَمْ يَجِبْ في الكلامِ، وَحَكَى الآمِدِيُّ فِي (الأَبْكَارِ) عَنِ الأصحابِ أَنَّهُمْ أَجَابُوا بِأَنَّ القدرةَ والإرادةَ تَخْتَلِفُ مَعَهَا التَأَثُّرَاتُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الاخْتِلاَفِ في نَفْسِ المُؤَثِّرِ بخلافِ الكلامِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَهُ بِمُتَعَلَّقَاتِهِ لاَ يُوجِبُ أَثَراً، فَضْلاً عَنْ كَوْنِهِ مختلفاً، ثُمَّ اسْتَشْكَلَ الْهُذَلِيُّ هذا الجوابَ، وَقَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ غَيْرِي كُلُّهُ، وَلِعُسْرِ جَوَابِهِ ذَهَبَ بعضَ أصحابِنَا إلى تَعَدُّدِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الدليلَ قَدْ دَلَّ

стр. 124

عَلَى وُجُودِ أَصْلِ الكلامِ فالقولُ بِنَفْيِهِ تَقْصِيٌر، والقولُ بِتَكْثِيرِهِ إِفْرَاطٌ، وَكُلُّ خَارِجٍ عَنْ جَوْدَةِ الاحتياطِ، واسْتَجْوَدَ الآمِدِيُّ في (غَايَةِ الْمَرَامِ) هذا، قَالَ: ولعمري إن ممن رام نفي التكثر عن الكلام وغيره من الصفات بغير هذا الطريق ـ لم يجد مسلكاً وقد أورد على القول بالإيجاد أنه كيف يسوغ ما أخبر اللَّه عنه من القصص الماضية وهي مختلفة متمايزة، فإنَّ ما جرى لكل نبي غير ما جرى للآخر، وكذلك المأمورات والمنهيات، فكيف يكون ما جرى لآدم هو نفس الخبر عما جرى لموسى أو عيسى، أم كيف يكون الأمر بالحج هو نفس الأمر بالصلاة، وكيف يكون ﴿قل هو اللَّه أحد﴾ نفس ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ فلم يبق إلا أنه أنواع مختلفة الذوات مشتركة في الكلام، والكلام كالجنس لها، والجواب: أنا لم نرد بذلك أن ما يرد بذلك أن ما عبر عنه بالنهي عين ما عبر عنه بالأمر أو ما عبر عنه في بعض الأخبار عين ما عبر عنه في الآخر، فإنَّ ذلك محال، بل قلنا: إن حقيقة الكلام واحدة، واختلاف الأساس باعتبار اختلاف التعلقات والإضافات (٢٢ ب) إلى الأمور الخارجة، وليس ذلك بمحال، وإنما انقسام القديم، وهو مقصودنا بنفي التنوع، ولهذا قلنا في الحادث بالتنوع، إذ هو من قبيل الأعراض المتجددة المتغيرة، وذلك يستحيل في حق القديم. ص: (والنظر: الفكر المؤدي إلى علم أو ظن).

стр. 125

ش: الفكر جنس، ولا يريد به الفكر للنظر؛ لأنَّه ليس أظهر منه حتى يفسر به، ولو أنه أراده لم يقيده بما قيده به، وإنما يريد به الفكر الذي يعد في خواص الإنسان، وهو حركة النفس في المعقولات، أي حركة كانت سواء في محسوس وهو التخييل، أو في غيره، وقوله: (المؤدي) فصل خرج به مالا يؤدي كذلك، أعني به الحدس، ودخل فيه الفكر الذي يطلب به التصور، والذي يطلب به التصديق وأطلق العلم ليشمل العقلي وغيره، تصوراً وتصديقاً، بخلاف الظن، فإنَّ المراد به التصديق، والأول يسمى دليلاً والثاني أمارة، وهذا الحد للقاضي أبي بكر نقله عنه الإمام في الشامل، وقالَ: ليس هو كل فكر، بل ضرب مخصوص منه، وهو الذي يطلب به علم وظن، ومن هنا يظهر فساد ظن من تكلم على هذا الحد من شارحي المختصر، وأن القصد منه تعريف الفكر والنظر جميعاً.

стр. 126

ص: (والإدراك بلا حكم تصور وبحكم تصديق، وجازمه الذي لا يقبل التغير علم، والقابل اعتقاد صحيح إن طابق، فاسداً إن لم يطابق، وغير الجازم ظن ووهم وشك؛ لأنَّه إما راجح، أو مرجوح، أو مساو). ش: إدراك الماهية من غير اعتبار حكم عليها يسمى تصوراً، وإدراكه معَ الحكم يسمى تصديقاً، لكن اختلفوا هل التصديق مجموع الأمرين أو الحكم وحده؟ فذهب القدماء إلى أنه الحكم، وذهب الإمام فخر الدين أنه الإدراك للماهية معَ الحكم، قالَ الشيخ تقي الدين: وهذا أقرب وأنسب إلى ما ذكرناه من جعل العلم المنقسم إلى تصور وتصديق مجرد الإدراك، ليكون كل واحد من قسميه إدراكاً يتميز أحدهما بعدم الحكم تقييداً والآخر بالحكم مقيداً، ثمَّ الإدراك معَ الحكم إما أن يكون جازماً أو لا، فإنَّ كانَ جازماً لا يقبل التغيير، أي: لا في نفس الأمر ولا بالتشكيك، فهو العلم، وإن قبله فهو الاعتقاد، ثمَّ إن طابق الواقع كاعتقادنا حدوث

стр. 127

العالم فصحيح وإلا ففاسد، كاعتقاد الفلاسفة عدمه، وإن لم يكن جازماً فإما أن يتساوى طرفاه فهو الشك، أو يترجح أحدهما فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم، فهذه خمسة أقسام: اثنان باعتبار الجزم وثلاثة باعتبار عدم الجزم وعلم منه أن مسمى الشك مركب؛ لأنَّه اسم لاحتمالين فأكثر، ومسمى الظن والوهم بسيط، لأن الظن اسم للاحتمال الراجح والوهم للمرجوح، وهذا على رأي الأصوليين، وأما الفقهاء فعندهم: الظن والشك متساويان غالباً، إذا علمت هذا فقد أورد عليه أنه أدخل الشك والوهم تحت غير الجازم فيكونان داخلين تحت الحكم ولا حكم معَ الشك والوهم. وأجيب عنه بالمنع، بل الواهم والشاك حاكمان، أمَّا الواهم فلأن الظان حاكم بالراجح فيلزم أن يكون حاكماً بالطرف الآخر حكماً مرجوحاً، وأما الشاك فله حكمان متساويان بمعنى أنه حاكم بجواز وقوع هذا النقيض مثلاً بدلاً عن النقيض الآخر وبالعكس (٢٣ أ) تردد العقل بينَ حكمين، بدليلين متساويين شك أَيْضاًً، ولهذا يوصف به من شأنه ذلك، نعم انحصاره في التردد المساوي كما أشعر به كلام الْمُصَنِّف غير مرضي. الثاني: جعله الشك والوهم من أقسام التصديق، معَ أنه لا اعتقاد ولا حكم فيهما بل هما منافيان للحكم، ولذلك قالَ ابن سينا: إذا قلت: البياض لون

стр. 128

وشككت فيه، كانَ من قبيل التصور، ومعنى التصور أنك تصورت البياض واللون وصورة التأليف بينهما. لكن ضعف الْمُصَنِّف هذا، فإنَّ قولك البياض لون، مبتدأ وخبر، محمول وموضوع، ومعناه الحكم على البياض باللونية، وذلك يقبل التصديق والتكذيب. ص: (والعلم قالَ الإمام: ضروري، ثمَّ قالَ: هو حكم الذهن الجازم المطابق لموجب، وقيل: هو ضروري فلا يحد، وقالَ إمام الحرمين: عسر فالرأي الإمساك عن تعريفه). ش: اختلف في العلم فقال الإمام فخر الدين: هو ضروري، أي تصوره بديهي لأنَّ ما عدا العلم لا يعرف إلا به، فيستحيل أن يكون غيره كاشفاً له، ولأني أعلم بالضرورة كوني عالماً بوجودي، وتصور العلم جزء منه، وجزء البديهي بديهي، فتصور العلم بديهي، وأجاب صاحب تلخيص المحصل عن الأول

стр. 129

بأن المطلوب من حد العلم هو العلم بالعلم، وما عدا العلم ينكشف بالعلم لا بالعلم بالعلم، وليس من المحال أن يكون هو كاشفاً عن العلم به، وأجاب غيره عن الثانِي: أمَّا على القول بأن التصديق هو الحكم وحده ـ كما هو رأي الجمهور ـ فلأن التصورات الواقعة في القضايا ليست بأجزاء للحكم، وإنما هي شروط، وأما على القول بأن التصديق هو الحكم معَ تصور طرفيه كما هو رأي الإمام، فلأنا نمنع أن أجزاء التصديق الضروري بحقائقها ضروري، بل يكفي تصورها باعتبار صادق عليها فاستدلاله بكون هذا التصور ضرورياً لا يفيد مدعاه من كون تصور حقيقة العلم ضرورياً، واعلم أن ما نقله الْمُصَنِّف عن الإمام من أنه ضروري، ذكره في المحصول، ثمَّ إنه ذكر بعد ذلك تقسيماً حصر فيه العلم وأضداده، وعرف فيه العلم بأنه: الحكم الجازم المطابق لموجب، وإليه أشار الْمُصَنِّف بقوله، ثمَّ قالَ: هو حكم الذهن، فتحصل من كلام الإمام أنه ضروري، وأنه يحد، وكأن الْمُصَنِّف أشار بذلك إلى تناقضه، ووجهه أن فائدة حد الشيء أن تصور حقيقته ضرورة، وإذا كانَ ضرورياً فلا فائدة في حده، والمراد بالموجب في كلام الإمام إما العقلي أو الحسي أو المركب منهما، فالأول ينقسم إلى بديهي ونظري، والثاني العلم بالمحسنات والثالث ينقسم إلى التواترات إن كانَ الحس سمعاً، وإلا فالمجربات والحدسيات، وقوله: (وقيل ضروري) يشير إلى ما دل عليه قول ابْن الْحَاجِبِ: والعلم قيل لا يحد لأنَّه ضروري وإنما عكس عبارته؛ لأنَّه كونه ضرورياً يترتب عليه عدم الحد لا العكس؛ لأنَّ الكلام في عدم حده، لا في كونه ضرورياً أو غير ضروري، وذهب

стр. 130

إمام الحرمين إلى أنه يعسر تعريفه وإنما يعرف بالتقسيم، والمثال دون غيرهما وفي ذلك اعتراف بإمكان تعريفه في الجملة، ومال الْمُصَنِّف إلى هذا بقوله، فالرأي الإمساك عن تعريفه، واعترض عليه بأن هذا غير مختص بالعلم، بل الحدود والرسوم كلها عسرة، وإن كانَ العسر في العلم أزيد من ذلك (٢٣ ب) وما نقله الْمُصَنِّف عن إمام الحرمين هو الصواب، ونقل ابْن الْحَاجِبِ عنه منع الحد، وهو باطل، فإنَّه صرح في البرهان وغيره بإمكان التعبير عنه، وإن أعسر الحد، بجميع أنواع التعريف، وكلام الْغَزَالِيّ في (المستصفى) يقتضي اختصاص ذلك بالحقيقي، ويحسن أن يكون توسطاً بينَ القولين. ص: (ثم قالَ المحققون: لا يتفاوت، وإنما التفاوت بكثرة المتعلقات). ش: اختلفوا في أن العلم هل يتفاوت، فيقال: علم أجلي من علم أم لا، وما حكاه الْمُصَنِّف، ذكره إمام الحرمين في (الشامل) وسوى بينَ العلوم الضرورية والنظرية، فقالَ: صارَ المحققون إلى أن العلوم المرتبطة بصروف النظر لا تتفاوت،

стр. 131

فلا يتصور علم أبين من علم، إذ العلم بينَ المعلوم على ما هو به ولا يجامعه استرابة أصلاً، وكيف يجامعه وهما متضادان، ثمَّ قالَ بعد ذلك، وإن العلم الضروري بمثابة العلم النظري في حكم التبيين، والذي يوضح الحق في ذلك الاتفاق على أن العلم الواقع بالشيء نظراً، يماثل العلم الواقع به ضرورة، كما تماثل الحركة الضرورية، الحركة الكسبية، والحركتان متماثلتان، ومن حكم المتماثلين وجود استوائهما في صفات النفس، ولو كانَ الضروري مخالفاً للكسبي في وجه من البيان، لما كانَ مثله ثمَّ أشار إلى الفرق بينهما، وجعل من وجوه الفرق أن العلوم المكتسبة مقدورة بخلاف البديهية، وقالَ ابن التلمساني: المحققون على عدم تفاوت العلوم، وإنما التفاوت بحسب التعلقات واختاره إمام الحرمين والإبياري في شرح البرهان، ولكن الأكثرين على التفاوت، ونقله الإمام في البرهان عن أئمتنا، ومن فوائد الخلاف في هذه المسألة أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقص بناء على أن الإيمان من قبيل العلوم لا الأعمال خلافاً للمعتزلة.

стр. 132

ص: (والجهل انتفاء العلم بالمقصود، وقيل: تصور المعلوم على خلاف هيئته). ش: هذا الخلاف في تعريف الجهل أخذه الْمُصَنِّف من القصيدة الصلاحية وهي من أحسن تصانيف الأشعرية في باب العقائد، وكان السلطان صلاح الدين يأمر بتلقينها للصبيان في المكاتب، قالَ ابن مكي مصنفها. وإن أردت أن تحد الجهلا ... من بعد حد العلم كانَ سهلاً وهو انتفاء العلم بالمقصود ... فاحفظ فهذا أوجز الحدود

стр. 133

وقيل في تحديد ما أذكر ... من بعد هذا والحدود تكثر تصور العلم هذا جزؤه ... وجزؤه الآخر يأتي وصفه مستوعباً على خلاف هيئته ... فافهم فهذا القيد من تتمته وإطلاق القولين هكذا غريب وإنما المعروف تقسيم الجهل إلى بسيط ومركب، فالمركب ما ذكره في الحد الثانِي، هكذا ذكره الإمام والسمعاني والآمدي وغيرهم، وقالَ الرافعي في كلامه على قاعدة مد عجوة: الجهل معناه المشهور: الجزم بكون الشيء على خلاف ما هو عليه، ويطلق ويراد به عدم العلم بالشيء انتهى، وسمي مركباً لأنَّه مركب من جزأين أحدهما عدم العلم، والثاني اعتقاد غير مطابق، كاعتقاد المعتزلة أن الباري لا يرى في الآخرة، وأما البسيط فهو عدم العلم مما شأنه أن يكون عالماً سمي بسيطاً لأنَّه لا تركيب فيه وإنما هو جزء واحد كعدم (٢٤ أ) علمنا بما تحت الأرض، وما يكون في البحار وغيره، والتقييد بما من شأنه، ذكره الآمدي في أبكار الأفكار، فقالَ: أمَّا البسيط فعدم العلم فيما من شأنه أن يكون عالماً لا عدم العلم مطلقاً، وإلا لوصفت الجمادات بكونها جاهلة، إذ هي غير عالمة، وعلى هذا فالجهل بهذا الاعتبار إثبات عدم لا أنه صفة إثبات والفرق بينَ الأمرين ظاهر. انتهى. وعلى هذا فلا يصح قول من قالَ: قال حمار الحكيم: توما ... لو انصفوني لكنت أركب

стр. 134

لأنني جاهل بسيط ... وراكبي جاهل مركب ولو قالَ الْمُصَنِّف: تصور الشيء لكان أولى من المعلوم؛ لأنَّ هذا جهل لا علم فيه والمراد بقوله على خلاف هيئته، أن يتصور ما هو معلوم في نفسه، على خلاف الواقع، واحترز به عن التصور بهيئته فإنَّ ذلك علم، قالَ الْمُصَنِّف، وهذا أحسن من قول إمام الحرمين على خلاف ما هو به، فإنَّه ظاهر التدافع لأنَّ تصور المعلوم، يعطى وقوع تصوره وقوله: (على خلاف ما هو به) يعطي أنه لم يقع تصوره، وقد يجاب عن الإمام بأن مراده بقوله: تصور الشيء على ما في زعمه، وقوله: على خلاف ما هو به في نفس الأمر. ص: (والسهو: الذهول عن المعلوم). ش: أي فما لا يعلم لا يقال للذاهل عنه ساه، وقالَ السكاكي: السهو ما ينبه صاحبه بأدنى تنبيه، وفرق صاحب ضوء المصباح بينَ السهو والنسيان، بأن السهو الغفلة وهو قريب من الذكر، ولذلك يقال: أغفلت الشيء إذا تركته على ذكر

стр. 135

منك، وأما النسيان فهو خلاف الذكر، وهو أخص من السهو؛ لأنَّه إذا حصل النسيان حصلت الغفلة لأنَّها بعضه، وليس إذا حصلت الغفلة يحصل النسيان؛ لأنَّ النسيان غفلة وزيادة، وزمن السهو قصير وزمن النسيان طويل لاستحكامه. ص: (مسألة: الحسن: المأذون، واجباً ومندوباً ومباحاً قيل وفعل غير المكلف). ش: تنقسم صفة الفعل الذي هو متعلق الحكم إلى حسن، وعرف الحسن بالمأذون فيه، أي سواء كانَ يثاب على فعله أم لا، فيشمل الواجب والمندوب، ولا خلاف فيهما، وكذلك المباح، وهو الصحيح للإذن فيه، واحتج له بقوله تَعَالَى: ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ ووجهه أن أحسن: أفعل تفضيل، ومن شرطه أن يضاف إلى بعضه، فالتقدير، لنجزينهم أحسن أعمالهم، وأعمالهم التي يتعلق بها الحسن إما واجبة أو مندوبة أو مباحة، والواجب أحسن قطعاً، والمندوب أحسن من المباح؛ لأنَّه لا ثواب في المباح فلزم أن يكون حسناً، وأما فعل غير المكلف كالنائم والساهي والبهيمة، ففيه خلاف مرتب على الخلاف في المباح وأولى بالمنع، وهو الذي اختاره إمام الحرمين، وكلام الْمُصَنِّف يشعر بترجيحه، ومنهم من قالَ: لا يسمى حسناً ولا قبيحاً، إذ لا يتوجه إليهم مدح ولا ذم بسبب

стр. 136

الفعل، وإن كانَ يجب بسببها ضمان وأرش في مالهم، وقالَ الرافعي في باب الزنا: لو مكنت البالغة العاقلة مجنوناً أو مراهقاً أو نائماً أو صبياً، فعليها الحد خلافاً لأبي حنيفة، حَيْثُ قالَ: لا يجب؛ لأنَّ فعله والحالة هذه ليس بزنا. قلنا: لا نسلم أنه ليس بزنا، ولكن لا يجب به الحد. انتهى. ص: (والقبيح المنهي ولو بالعموم فدخل خلاف الأولى). ش: وجه دخوله أن المنهي إما معَ الجزم بالحرمة أو لا معَ الجزم بها وهو النهي، وهو إما نهي مخصوص فالكراهة (٢٤ ب) أولى بنهي مخصوص، وإليه أشار بقوله: (ولو بالعموم فخلاف الأولى) فشمل التعريف حينئذ الحرام والمكروه، وخلاف الأولى، وفي إطلاق القبيح على خلاف الأولى نظر، ولم أره لغير الْمُصَنِّف، وغاية ما عندَه أخذه من إطلاقهم القبيح أنه المنهي عنه، ويمكن أن يريدوا النهي المخصوص، بل هو الأقرب لإطلاقهم وسيأتي في كلامه أن المكروه ليس بقبيح فكيف خلاف الأولى؟ ولا يساعده قول ابْن الْحَاجِبِ ـ تبعاًَ للغزالي وغيره، ـ أن المكروه يطلق على

стр. 137

خلاف الأولى؛ لأنَّه لبيان إطلاق حملة الشرع، والكلام في حقيقة القبيح، والظاهر أن الْمُصَنِّف أخذ هذا من كلام الهندي، فإنَّه قالَ: القبيح عندَنا: ما يكون منهياً عنه، ونعني به ما يكون تركه أولى، وهو القدر المشترك بينَ المحرم والمكروه، فإنَّ جعل النهي فيه حقيقة فلا كلام وإلا فاستعماله فيه بطريق التجوز فيدخل فيه المحرم والمكروه. ص: (وقالَ إمام الحرمين: ليس المكروه قبيحاً ولا حسناً). ش: لأنَّ القبيح ما يذم، وهذا لا يذم عليه، والحسن ما يسوغ الثناء عليه، وهذا لا يسوغ الثناء عليه، قالَ والد الْمُصَنِّف: ولم نر أحداً نعتمده خالف الإمام في هذا إلا أناساً أدركناهم، قالُوا: إنه قبيح؛ لأنَّه منهي عنه، والنهي أعم من تحريم وتنزيه، وهذا تمسك بإطلاق، قلت: وينبغي جريان هذا الخلاف في خلاف الأولى، وأولى بالمنع. ص: (مسألة: جائز الترك ليس بواجب، وقالَ أكثر الفقهاء: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر، وقيل المسافر دونهما، وقالَ الإمام: عليه أحد الشهرين والخلف لفظي). ش: هذه الترجمة تجمع مسائل، فلهذا صدر بها، ووجهه أن الواجب مركب من طلب الفعل معَ المنع من الترك، فلو كانَ جائز الترك واجباً، لاستحال كونه جائزاً، وكان ينبغي أن يزيد مطلقاً، حتى يخرج الواجب الموسع،

стр. 138

والمخير، فإنَّه يَجُوز تركهما في حالة، ومع ذلك فهما واجبان، لكن لا يَجُوز الترك مطلقاً، ويمكن أن يقال: إطلاقه يفهم ذلك، فمنها: قالَ أكثر الفقهاء: يجب الصوم على من ذكر معَ أنه يَجُوز لهم تركه، والمصنف في هذا النقل متبع لصاحب المحصول، وقالَ الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه في الأصول: إن مذهبنا يجب عليهم في الحال إلا أنه يَجُوز لهم تأخيره إلى العذر قلت: لكن نص الشافعي في أوائل الرسالة على أن الصوم لا يجب على الحائض، وقالَ النَّوَوِيّ: أجمع المسلمون على أنه لا يجب عليها الصوم في الحال، ثمَّ قالَ الجمهور: ليست مخاطبة به في زمن الحيض، وإنما يجب القضاء بأمر جديد، وذ كر بعض أصحابنا وجهاً، أنها مخاطبة به في حال الحيض، وتؤمر بتأخيره، وليس بشيءٍ، انتهى، والقول بوجوبه على المسافر دونهما حكاه ابن السمعاني عن الحنفية، والقول بوجوب أحد الشهرين إما الحاضر أو آخر غيره أي على المسافر كالواجب المخير ـ هو قول القاضي أبو بكر نص عليه في كتاب (التقريب) ونقله الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) عن بعض الأشعرية، واختاره الإمام فخر الدين، قالَ في (المحصول) عندَنا أنه لا يجب على المريض والحائض، وأما المسافر فيجب (٢٥ أ)

стр. 139

عليه صوم أحد الشهرين وأيهما أتى به كانَ هو الواجب كخصال الكفارة وقد استضعف هذا بأنه لا فرق في ذلك بينَ المريض والمسافر، إلا أن سبب أحدهما اضطراري وسبب الآخر اختياري، وهذا لا تأثير له في اختلاف الحكم المذكور، فإنَّ كل واحد منهما مخير بينَ صوم الشهر الحاضر، وصوم شهر آخر بالنص، إلا فرض مريض يضره الصوم ضرراً، لا يَجُوز معه الصوم فحينئذ يصير كالحائض في حرمة الصلاة، وقوله: (والخلف لفظي) تابع فيه الشيخ أبا إسحاق، فقالَ: لا فائدة له لأنَّ تأخير الصوم حالة العذر جائز بلا خلاف، والقضاء بعد زواله واجب بلا خلاف، قلت: لكن هل وجب بأمر جديد أو بالأمر الأول، وهذا فائدته، ونقل ابن الرفعة ظهور فائدته في وجوب التعرض للأداء والقضاء في النية. تنبيه: استغنى الْمُصَنِّف بهذه القاعدة عن مسألة المنهاج الزائد على ما ينطلق عليه الاسم ليس بواجب؛ لأنَّه يَجُوز تركه، فلا تظنه أهملها. ص: (وفي كونه المندوب مأموراً به خلاف).

стр. 140

ش: أكثر أصحابنا على أنه مأمور به حقيقة، كما قاله ابن الصباغ في (العدة) ولهذا قسموا الأمر إلى واجب وندب، ونقله القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي، وقيل: ليس مأموراً به حقيقة بل مجازاً وهو اختيار الشيخ أبي

стр. 141

حامد وغيره، واحتج له الخطيب البغدادي بقوله ﷺ : ((فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعون ضعفاً))، معَ قَوْلُه ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم)) قالَ: قيد في الأول عندَ كل صلاة، وأخبر في الثانِي أنه لم يأمر به، فدل على أن المندوب غير مأمور به حقيقة، وظاهر كلام الْمُصَنِّف: أن الخلاف في كونه مأموراً به أم لا وإنما الخلاف في أنه حقيقة أو مجازاً. ص: (والأصح ليس مكلفاً به). ش: ما صَحَّحَهُ هو اختيار إمام الحرمين، فإنَّ التكليف يشعر بتطريق المخاطب الكلفة من غير خيرة من المكلف، والندب فيه تخيير، ومقابل الأصح هو

стр. 142

مذهب القاضي. قال الإمام: والخلاف يرجع إلى مناقشة في العبارة، وزيف مذهب الإمام بوجهين. أحدهما: أن التخيير عبارة عما خير بينَ فعله وتركه، والندب مطلوب الفعل مثاب عليه، فلم يحصل التساوي. والثاني: أن التخيير يضاد الاقتضاء، فلا خيرة شرعية في الندب والكراهة، ص: (وكذا المباح ومن ثمَّ كانَ التكليف إلزام ما فيه كلفة، لا طلبه، خلافاً للقاضي). ش: أي: يجري الخلاف في المباح، والأصح أنه ليس مكلفاً به، وبه قالَ

стр. 143

الجمهور، وقالَ الأستاذ: الإباحة من التكليف على معنى أنا كلفنا اعتقاد إباحته، ورد بأن العلم بحكم المباح خارج عن نفس المباح، واعتذر المقترح عنه بأن الإباحة حكمها وجوب اعتقاد أن الفعل مباح، والوجوب من التكليف، فقد لازمت ما فيه كلفة فأطلق عليها من التكليف لأجل الملازمة، وأشار بقوله: (ومن ثم) إلى أن الخلاف في المسألتين مفرع على الخلاف في حقيقة التكليف، ماذا هو؟ هل هو إلزام ما فيه كلفة، فلا يكون المندوب والمباح مكلفاً به أو طلب ما فيه كلفة؟ وما نقله عن القاضي نقله عن إمام الحرمين في (البرهان) لكنه في كتاب (التلخيص من التقريب) للقاضي صرح بأنه إلزام ما فيه كلفة، وقد أورد على العبارة الثانية أن الشارع قد ندب المكلف إلى (٢٥ ب) تعجيل الفطر وتأخير السحور، معَ أن النفوس تشوف إلى ذلك بالطبع، فلم يوجد فيه كلفة، ولذلك قالَ ﷺ : ((أرحنا بالصلاة يا بلال)) كذلك التكليف بترك تناول السموم ونحوها، والجواب: أن الكلفة باعتبار الجنس لا كل فرد فرد. تنبيه: استغنى الْمُصَنِّف بالخلاف في حد التكليف عن مسألة (المختصر): أن المكروه غير مكلف به على الأصح؛ لأنَّ هذه أصلها، فلا تظنه أهملها. ص: (والأصح أن المباح ليس بجنس للواجب). ش: أي: بل هما نوعان داخلان تحت الحكم، أي: نوعان في مرتبة، وهذا ما رجحه ابْن الْحَاجِبِ وغيره فإنَّه لو كانَ جنساً له لاستلزم النوع أي: لاستلزم الواجب التخيير، وهو محال، وجوزه آخرون لأنَّ المباح هو المأذون فيه، وهو

стр. 144

شامل ويَجُوز أن يكون قول الْمُصَنِّف فيما بعد: (والخلف لفظي) راجعاً إلى هذه أَيْضاًً، فإنَّ بعضهم ادعى ذلك هنا، قالَ: لأنَّ من فسر المباح بالمخير لم يجعله جنساً، ومن فسره بالمأذون فيه جعله جنساً. ص: (وأنه غير مأمور به من حَيْثُ هو، والخلف لفظي). ش: المخالف فيه الكعبي، قالَ: إنه مأمور به لكنه دون الندب، كما أن الندب مأمور به دون الإيجاب، كذا حكاه عنه القاضي والغزالي في (المستصفى)، وزيفه بأن الأمر اقتضاء وطلب، والمباح غير مطلوب بل مأذون فيه ومطلق له، واحتج هو بأن كل فعل يوصف بأنه مباح باعتبار ذاته فهو واجب باعتبار أنه يترك به الحرام، ورد بأنه قد يترك بالندب حراماً فيكون واجباً وقد يترك بالحرام حراماً آخر فيكون الشيء الواحد واجباً وحراماً، وهو تناقض، والتحقيق في العبارة عنه: أن

стр. 145

يقال: ترك الحرام يحصل عندَ فعل المباح لا بفعل المباح، كقول القاضي في الصلاة في الدار المغصوبة: يسقط الفرض عندَها لا بها وجعل الْمُصَنِّف الخلاف لفظياً بقوله: من حَيْثُ هو، يعني: فإنَّ له اعتبارين: أحدهما بالنظر إلى ذاته، ولا شك أنه غير مأمور به، والكعبي لا يخالف فيه، والثاني: باعتبار أمر عارض له، وهو ترك الحرام، ولا شك أنه مأمور به من هذه الحيثية، والجمهور لا يخالفونه، وأشار الهندي إلى أنه معنوي من جهة أخرى، فإنَّه بناه على الخلاف في أن الأمر حقيقة في ماذا؟ فإنَّ قلنا: في رفع الحرج عن الفعل أو في الإباحة، فهو مأمور به، وإن قلنا: حقيقة في الوجوب أو في الندب أو في القدر المشترك، فليس بمأمور به، قالَ القاضي: وهو إن أطلق الأمر على المباح فلا يسمى المباح واجباً، ولا الإباحة إيجاباً. ص: (وأن الإباحة حكم شرعي). ش: على معنى أن الشرع ورد بها، كما قاله إمام الحرمين، والمخالف فيه بعض المعتزلة والخلف لفظي يلتفت إلى تفسير المباح، هل هو نفي الحرج، وهو ثابت قبل الشرع، أو الإعلام بنفي الحرج؟ فكان ينبغي للمصنف أن يؤخر قَوْلُه:
следующие страницы →