Полный текст (1 929 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
حامد وغيره، واحتج له الخطيب البغدادي بقوله ﷺ : ((فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعون ضعفاً))، معَ قَوْلُه ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم)) قالَ: قيد في الأول عندَ كل صلاة، وأخبر في الثانِي أنه لم يأمر به، فدل على أن المندوب غير مأمور به حقيقة، وظاهر كلام الْمُصَنِّف: أن الخلاف في كونه مأموراً به أم لا وإنما الخلاف في أنه حقيقة أو مجازاً.
ص: (والأصح ليس مكلفاً به).
ش: ما صَحَّحَهُ هو اختيار إمام الحرمين، فإنَّ التكليف يشعر بتطريق المخاطب الكلفة من غير خيرة من المكلف، والندب فيه تخيير، ومقابل الأصح هو
стр. 142
مذهب القاضي.
قال الإمام: والخلاف يرجع إلى مناقشة في العبارة، وزيف مذهب الإمام بوجهين.
أحدهما: أن التخيير عبارة عما خير بينَ فعله وتركه، والندب مطلوب الفعل مثاب عليه، فلم يحصل التساوي.
والثاني: أن التخيير يضاد الاقتضاء، فلا خيرة شرعية في الندب والكراهة،
ص: (وكذا المباح ومن ثمَّ كانَ التكليف إلزام ما فيه كلفة، لا طلبه، خلافاً للقاضي).
ش: أي: يجري الخلاف في المباح، والأصح أنه ليس مكلفاً به، وبه قالَ
стр. 143
الجمهور، وقالَ الأستاذ: الإباحة من التكليف على معنى أنا كلفنا اعتقاد إباحته، ورد بأن العلم بحكم المباح خارج عن نفس المباح، واعتذر المقترح عنه بأن الإباحة حكمها وجوب اعتقاد أن الفعل مباح، والوجوب من التكليف، فقد لازمت ما فيه كلفة فأطلق عليها من التكليف لأجل الملازمة، وأشار بقوله: (ومن ثم) إلى أن الخلاف في المسألتين مفرع على الخلاف في حقيقة التكليف، ماذا هو؟ هل هو إلزام ما فيه كلفة، فلا يكون المندوب والمباح مكلفاً به أو طلب ما فيه كلفة؟ وما نقله عن القاضي نقله عن إمام الحرمين في (البرهان) لكنه في كتاب (التلخيص من التقريب) للقاضي صرح بأنه إلزام ما فيه كلفة، وقد أورد على العبارة الثانية أن الشارع قد ندب المكلف إلى (٢٥ ب) تعجيل الفطر وتأخير السحور، معَ أن النفوس تشوف إلى ذلك بالطبع، فلم يوجد فيه كلفة، ولذلك قالَ ﷺ : ((أرحنا بالصلاة يا بلال)) كذلك التكليف بترك تناول السموم ونحوها، والجواب: أن الكلفة باعتبار الجنس لا كل فرد فرد.
تنبيه: استغنى الْمُصَنِّف بالخلاف في حد التكليف عن مسألة (المختصر): أن المكروه غير مكلف به على الأصح؛ لأنَّ هذه أصلها، فلا تظنه أهملها.
ص: (والأصح أن المباح ليس بجنس للواجب).
ش: أي: بل هما نوعان داخلان تحت الحكم، أي: نوعان في مرتبة، وهذا ما رجحه ابْن الْحَاجِبِ وغيره فإنَّه لو كانَ جنساً له لاستلزم النوع أي: لاستلزم الواجب التخيير، وهو محال، وجوزه آخرون لأنَّ المباح هو المأذون فيه، وهو
стр. 144
شامل ويَجُوز أن يكون قول الْمُصَنِّف فيما بعد: (والخلف لفظي) راجعاً إلى هذه أَيْضاًً، فإنَّ بعضهم ادعى ذلك هنا، قالَ: لأنَّ من فسر المباح بالمخير لم يجعله جنساً، ومن فسره بالمأذون فيه جعله جنساً.
ص: (وأنه غير مأمور به من حَيْثُ هو، والخلف لفظي).
ش: المخالف فيه الكعبي، قالَ: إنه مأمور به لكنه دون الندب، كما أن الندب مأمور به دون الإيجاب، كذا حكاه عنه القاضي والغزالي في (المستصفى)، وزيفه بأن الأمر اقتضاء وطلب، والمباح غير مطلوب بل مأذون فيه ومطلق له، واحتج هو بأن كل فعل يوصف بأنه مباح باعتبار ذاته فهو واجب باعتبار أنه يترك به الحرام، ورد بأنه قد يترك بالندب حراماً فيكون واجباً وقد يترك بالحرام حراماً آخر فيكون الشيء الواحد واجباً وحراماً، وهو تناقض، والتحقيق في العبارة عنه: أن
стр. 145
يقال: ترك الحرام يحصل عندَ فعل المباح لا بفعل المباح، كقول القاضي في الصلاة في الدار المغصوبة: يسقط الفرض عندَها لا بها وجعل الْمُصَنِّف الخلاف لفظياً بقوله: من حَيْثُ هو، يعني: فإنَّ له اعتبارين: أحدهما بالنظر إلى ذاته، ولا شك أنه غير مأمور به، والكعبي لا يخالف فيه، والثاني: باعتبار أمر عارض له، وهو ترك الحرام، ولا شك أنه مأمور به من هذه الحيثية، والجمهور لا يخالفونه، وأشار الهندي إلى أنه معنوي من جهة أخرى، فإنَّه بناه على الخلاف في أن الأمر حقيقة في ماذا؟ فإنَّ قلنا: في رفع الحرج عن الفعل أو في الإباحة، فهو مأمور به، وإن قلنا: حقيقة في الوجوب أو في الندب أو في القدر المشترك، فليس بمأمور به، قالَ القاضي: وهو إن أطلق الأمر على المباح فلا يسمى المباح واجباً، ولا الإباحة إيجاباً.
ص: (وأن الإباحة حكم شرعي).
ش: على معنى أن الشرع ورد بها، كما قاله إمام الحرمين، والمخالف فيه بعض المعتزلة والخلف لفظي يلتفت إلى تفسير المباح، هل هو نفي الحرج، وهو ثابت قبل الشرع، أو الإعلام بنفي الحرج؟ فكان ينبغي للمصنف أن يؤخر قَوْلُه:
стр. 146
(والخلف لفظي) عن هذا، ليعود للصور الثلاث، فإنَّ قيل: كيف تجتمع هذه المسألة معَ قَوْلُه أولاً: (إن المباح ليس مكلفاً به)؟ فالجواب: أنه لا يلزم من كون الإباحة حكماً شرعياً، أن يكون مكلفاً بها، فإنَّ التكليف تفعيل مما فيه كلفة، إما بالتزام فيه أو طلبه، ولا كلفة ولا إلزام ولا طلب في المباح.
ص: (وأن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز، أي: عدم الحرج، وقيل: الإباحة، وقيل: الاستحباب).
ش: (٢٦أ) الجواز يطلق لمعنيين: أحدهما: رفع الحرج عن الفعل، فيدخل فيه الواجب وغيره، والثاني: رفع الحرج عن الفعل والترك، وهو مستوى الطرفين، وهو المباح في اصطلاح المتأخرين والأول لا شك أنه لازم للوجوب، والثاني ضده فلا يكون جازماً، قالَ القرافي: وظاهر كلامهم إرادته، وأما الْمُصَنِّف فأشار بقوله: أي رفع الحرج، إلى أن القائل ببقاء الجواز، اختلفوا في تفسيره: هل معناه رفع الحرج الذي هو جنس غير مقيد بالتخيير، أو رفع الحرج عن الفعل والترك على السواء وهو الإباحة، أو لا معَ السواء وهو الندب؟ والفرق بينَ هذا وبين الأول: أن الأول يجعل الجواز للقدر المشترك بينَ الندب والإباحة في ضمن واحد لإبقاء نوع منهما على التعيين، والثاني والثالث بخلافه، فأما الأول: فهو قضية كلام (المحصول) وأتباعه،
стр. 147
حَيْثُ جعلوا شبهة الخصم فيه: أن الجنس يتقوم بالفصل، ولا يتم ذلك إلا إذا كانَ النزاع في رفع الحرج الذي هو جنس غير مقيد بتخيير، والثاني: هو قضية كلام (المستصفى) حَيْثُ قالَ في الرد على من قالَ ببقاء الجواز: حقيقة الجواز التخيير بينَ الفعل والترك، والتساوي بينَهما تسوية الشرع.
وأما الثالث: فصرح ابن القشيري والغزالي بأنه لم يصر إليه أحد، أمَّا ابن القشيري فقالَ: لو جاز أن يقال بنفي الجواز، لساغ أن يقال بنفي الندب لا سيما الاقتضاء الكائن في الندب كائن في الندب كائن في الوجوب، والمحكي قصر الخلاف على الجواز، وأما الْغَزَالِيّ فقالَ: هذا بمنزلة قول القائل: كل واجب فهو ندب وزيادة، فإذا نسخ الوجوب يبقى الندب ولا قائل به، انتهى، لكن هذا لا يحسن في الرد عليهم، إذا ثبت أن مرادهم بالجواز المعنى الأول من غير تعيين نوعن فإنَّ قلت: فما عمدة الْمُصَنِّف في حكاية الندب؟ قلت: الظاهر أنه أخذه من المسودة
стр. 148
الأصولية للشيخ مجد الدين ابن تَيْمِيَّةَ، فإنَّه قالَ: إذا صرف الأمر عن الوجوب، جاز أن يحتج به على الندب والإباحة، وبه قالَ بعض الشافعية وبعض الحنفية.
انتهى، وذهب جمع من المتأخرين إلى أن الخلاف لفظي؛ لأنَّا فسرنا الجواز برفع الحرج عن الفعل والترك، ولا شك أنه غير داخل فيها، بل هو ينافيها وحاصله رفع النزاع في المسألة لعدم توارده على محل واحد، واعلم أن ما اختاره الْمُصَنِّف نقله في (شرح المنهاج) عن الأكثرين، وليس كذلك وإنما شيء قاله الإمام الرَّازِيّ وأتباعه، والذي وجدته في كلام أكثر أصحابنا الأقدمين: أنه لا يحتج به على الجواز، ويرجع الأمر إلى ما كانَ عليه قبل الوجوب من براءة أصلية أو تحريم أو ندب أو إباحة أو كراهة.
ص: (مسألة الأمر بواحد من أشياء يوجب واحداً لا بعينه، وقيل: الكل ويسقط
стр. 149
بواحد، وقيل: الواجب معين، فإنَّ فعل غيره سقط، وقيل: هو ما يختاره المكلف).
ش: هذه مسألة الواجب المخير كخصال الكفارة، وحكي فيها أربعة مذاهب، أصحها: أن الواجب واحد لا بعينه، وهو الكل المشترك بينَ الخصال المأمور بها، ونقل القاضي إجماع سلف الأمة وأئمة الفقهاء عليه، وحرر ابْن الْحَاجِبِ معنى الإبهام فقالَ: إن متعلق الوجوب هو القدر المشترك بينَ الخصال ولا تخيير فيه؛ لأنَّه لا يَجُوز تركه، ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها (٢٦ ب) والثاني: أن الكل واجب ولكن يسقط بفعل واحد، ونقله القاضي عن أبي علي
стр. 150
وابنه من المعتزلة، وبعض الفقهاء، ولم يصحح إمام الحرمين النقل عنه، قالَ: لأنَّه لا يؤثم التارك إثم من ترك واجبات، ولا يثبت لمن فعل الجميع ثواب واجبات ومن فعل واحداً سقط عنه الوجوب فلا خلاف معنى، قلت: مأخذ الخلاف الحسن والقبح العقليان، إذ الوجوب عندَه يتبع الحسن الخاص، فيجب عندَ التخيير استواء الجميع في الحسن الخاص وإلا وقع التخيير بينَ حسن وغيره، وهذا تحقيق ما نقلوه عنه، وأنه لم يرد ما لمحه الإمام من الثواب والعقاب، ولهذا قالَ الناصرون لمذهبه: إن إيجاب مبهم ممتنع، إذا كانَ واحد من الثلاثة واجباً واثنان غير واجب، لخلا اثنان من المقتضي للوجوب، فلا بد وأن يكون كل واحد بخصوصه مشتملاً على صفة تقتضي وجوبه، ولكن كل منهما يقوم مقام الآخر ولهذا يسمى بالواجب المخير.
والثالث: أن الواجب مبهم عندَنا معين عندَ اللَّه تَعَالَى، ويسقط الوجوب به، وبفعل غيره من الأشياء المذكورة، ويسمى قول التراجم؛ لأنَّ الأشاعرة تنسبه إلى المعتزلة، والمعتزلة تنسبه إلى الأشاعرة، واتفق الفريقان على فساده، قالَ والد الْمُصَنِّف، وعندي أنه لم يقل به أحد، وإنما المعتزلة تضمن ردهم علينا ومبالغتهم في
стр. 151
تقرير تعلق الوجوب بالجميع ـ ذلك، فصار معنى يرد عليهم، وأما رواية أصحابنا له عن المعتزلة ـ، فلا وجه له، لمنافاته قواعدهم، قلت: لكن أبا الحسين القطان من أئمة أصحابنا حكاه في كتابه (أصول الفقه) عن بعض الأصوليين. والرابع: أن الواجب واحد وهو ما يفعله المكلف كذا حكاه ابْن الْحَاجِبِ، وأغرب ابن السمعاني في (القواطع) فحكاه عن جمهور الفقهاء: إنه يتعين بالفعل، فيكون مبهما قبل الفعل متعينا بعد الفعل بفعله. انتهى.
قيل: فلو فعل الجميع كانَ الكل واجباً على هذا القول. واعلم أن تعبير الْمُصَنِّف عنه بقوله: (ما يختاره المكلف) غير مطابق، والذي تحققته أنه قول خلاف الذي قيل، ولهذا قالَ الشيخ تقي الدين في (شرح الإلمام) اختلف في الواجب المخير، فقيل: الكل واجب على البدل، وقيل:
стр. 152
الواجب واحد لا بعينه يتعين باختيار المكلف، وقيل يتعين بالفعل لا بالاختيار، انتهى.
وحينئذ تصير المذاهب خمسة، ولا يقال: إن هذا هو القول الأول الصحيح؛ لأنَّ مذهب أصحابنا أنه مبهم لم يزل وإذا فعل فمتعلق الوجوب مسمى أحدهما لا ذلك المفعول بخصوصه، ثمَّ قالَ المحققون منا كإمام الحرمين والشيخ إبي إسحاق وغيرهما، ومنهم كأبي الحسين البصري: إنه لا خلاف بينَ الفريقين في المعنى لاتفاقهما على أنه لا يجب الإتيان بالكل، ولا ترك كل واحد، وعليه أن يأتي بأي واحد منها شاء نعم، يتحقق الخلاف على القولين السابقين عن ابن دَقِيقِ العِيدِ: أن الوجوب التخييري هل معناه: أن باختياره يصير واجباً أو أن باختياره يصير معينا للوجوب؟ وقالَ ابن فورك، والغزالي: تظهر فائدته في الثواب كما سيأتي.
تنبيه: موضع المسألة ما إذا كانَ ثابتاً بالنص في أصل المشروعية، وأما ما شرع من غير تنصيص على التخيير، كتخيير المستنجي بينَ الماء والحجر، والتخيير في الحج (٢٧أ) بينَ الإفراد والقران والتمتع ونحوها، فهذا لا يدخل في المسألة والغالب في أكثرها الترجيح، وقد يستحب الجمع بينَهما كالماء والحجر، لكن الشيخ أبو مُحَمَّد الجويني في باب
стр. 153
الاستنجاء من (الفروق) جعل التخيير بينَ الماء والحجر، من هذا الباب.
ص: (فإن فعل الكل فقيل: الواجب أعلاها، وإن تركها فقيل: يعاقب على أدناها).
ش: حق الْمُصَنِّف أن يقول فعل الكل معاً، فإنَّه لو فعلها على التعاقب، كانَ الأول هو الواجب، ويتصور فعل الكل معا في الكفارة بأن يوكل فيها أو يوكل في البعض، ويباشر في البعض، وتتفق أفعالهم في وقت واحد، وما حكاه الْمُصَنِّف من أن الواجب أعلاها، حكاه ابن السمعاني في (القواطع) عن الأصحاب، فقالَ: قالَ أصحابنا: إذا فعل الجميع فالواجب أعلاها، لتكثير ثوابه، انتهى.
وحكاية هذا عن الأصحاب غريب، ولعله بناه على اختياره أن الوجوب يتعين بالفعل، ونقله عن الجمهور وسبق منازعته فيه، وقياس قول الأصحاب أن الواجب أحدها: ـ أنه يثاب على مسمى واحد منها؛ لأنَّه الواجب من غير نظر إلى الأعلى؛ لأنَّ الأعلى ليس هو الواجب بخصوصه، وقد نقل القاضي عن أصحابنا أن الواجب واحد إذا أتي بالجميع من غير تقييد بالأعلى، وجزم الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) بأنه يسقط عنه الفرض بواحد منها، والباقي تطوع، وأما إذا تركها فالقول بأنه يعاقب على أدناها نقله ابن
стр. 154
السمعاني عن الأصحاب، وقد يوجه بأن الوجوب يسقط بفعل الأدنى، وقد أنكر عليه بعضهم، وقالَ: إنما هو قول القاضي أبو بكر، قلت: وعبارة القاضي أبي الطيب الطبري، يأثم بمقدار عقاب أدناها لا أنه نفس عقاب أدناها، وينبغي أن يأتي هنا قول أنه لا يعاقب إلا على مسمى أحدها.
ص: (ويَجُوز تحريم واحد لا بعينه، خلافاً للمعتزلة وهي كالمخير).
ش: النهي عن واحد من الأشياء على التخيير كقوله: لا تكلم زيداً أو عمراً، يقتضي تعلق النهي بواحد لا بعينه، فله فعل أحدهما دون الآخر، وإنما يمتنع الجمع بينهما، هذا قول أصحابنا وقاسوه على الأمر بواحد من أشياء، فإنَّه لا يقتضي وجوب الجميع، فكذلك الأمر بالترك في أحد شيئين لا يقتضي وجوب تركهما وإلحاقهما بالمخيرة، وذكره الآمدي وابْن الْحَاجِبِ، لكن المعتزلة لم يوجبوا فعل الجميع هناك، وههنا أوجبوا اجتناب الجميع، فلا يَجُوز له فعل واحد منهما، وبنوا هذا على أصلهم: أن النهي لا يرد إلا عن قبيح، فإذا نهي عنهما ثبت قبحهما
стр. 155
وكانا منهيين وإن ورد النهي بلفظ التخيير، اللهم إلا أن يدل دليل على أن كل واحد منهما منهي عنه بشرط وجود الآخر، فيكون للتخيير ههنا فائدة بأن يقال: لا تأكل أو لا تشرب، ويدل الدليل على أنه إنما نهى عن الأكل بعد وجوب الشرب، وكذا إنما نهي عن الشرب بعد وجود الأكل فيكونا منهيين على طريقة التخيير على هذا الوجه، هذا تحرير مذهب المعتزلة كما قالَ ابن السمعاني وغيره، وحينئذ فلا يصح إطلاق إلحاقها بالمخير، واستشكل القرافي القول بأن النهي يرد معَ التخيير بينَ أمرين فصاعداً، وفرق بينه وبين الأمر بواحد من أشياء، بأن الأمر هناك يتعلق بمفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها، لصدقه على كل واحد منها، ومتعلق التخيير الخصوصيات، ولا يلزم من إيجاب المشترك إيجاب (٢٧ ب) الخصوصيات كما في إيجاب رقبة مطلقة في العتق، لا يلزم منه إيجاب رقبة معينة، وأما النهي فإنَّه يتعلق بمشترك حرمت أفراده كلها، ويلزم فيه من تحريم المشتركات تحريم الخصوصيات، ثمَّ أجاب عن الجمع بينَ الأختين ونحوها، بأن التحريم إنما يتعلق بالمجموع عيناً لا بالمشترك بينَ الأفراد، والمطلوب أن لا يدخل ماهيته في الوجود وهو المجموع، والماهية تنعدم بانعدام جزء منها، قالَ بعض الفضلاء: والظاهر أن هذا مرادهم بتحريم واحد من الأشياء لا ذاك الذي استشكله،
وهو الكلي المشترك؛ لأنَّ من المحال عقلاً أن يفعل الإنسان فرداً من جنس أو نوع أو كلي مشترك من حَيْثُ الجملة، ولا يفع ذلك المشترك المنهي عنه، فإنَّ الكلي مندرج في الجزئي بالضرورة، لكن يشكل كل هذا إحالتهم الكلام في هذه على الكلام في الأمر بواحد من أشياء.
ص: (وقيل: لم ترد به اللغة).
ش: ذكر الْمُصَنِّف أن الماوردي حكاه في (شرح البرهان)، قلت: وقد سبقه إليه القاضي في (التقريب) فحكاه عن بعض المعتزلة، وأولوا قَوْلُه تَعَالَى: ﴿ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ على جعل (أو) بمعنى الواو، وقالَ الإمام في (التلخيص) أنكر معظم المعتزلة النهي عن شيئين على التخيير، ثمَّ اختلفوا، فمنهم
стр. 156
من أنكره من جهة اللفظ واللغة، ومنهم من منعه من جهة العقل؛ لأنَّه إذا قبح أحدهما قبح الآخر، قالَ: فأما ما أنكروه من جهة اللغة فساقط لا طائل تحته، فإنا لم نخالفهم في لفظ بعينه فيفرض الكلام فيه، وإنما خالفناهم في تصور ورود النهي على معرض التخيير، فإنَّ استبعدوا ذلك في الألفاظ التي استشهدوا بها أوردنا عليهم من الصرائح ما لا يجدون إلى جحده سبيلاً، وأما المنكرون له عقلاً، فمبني على أن القبح يرجع إلى صفة ذاتية، وهو باطل.
ص: (مسألة: فرض الكفاية مهم يقصد حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله).
ش: أصل هذا التعريف للغزالي، فإنَّه قالَ: كل مهم ديني يقصد الشرع حصوله من غير نظر إلى فاعله، وقد حكاه الرافعي عنه في كتاب السير، وقالَ: أشار به إلى حقيقة فرض الكفاية، ومعناه أن فروض الكفايات أمور كلية تتعلق بها مصالح دينية ودنيوية، لا ينتظم الأمر إلا بحصولها، يقصد الشارع تحصيلها، ولا يقصد تكليف الواحد وامتحانه بها، بخلاف فروض الأعيان، فإنَّ الكل مكلفون بها ممتحنون بتحصيلها، هذا كلام الرافعي وقد غيره الْمُصَنِّف بالزيادة والنقص فقوله: (مهم يقصد حصوله) جنس يشمل فرض العين والكفاية، وقوله: (من غير نظر إلى فاعله)، فصل، يخرج فرض العين، وحذف قَوْلُه ديني، فإنَّه ليس من شرط
стр. 157
فرض الكفاية أن يكون دينياً، فإنَّ الحرف والصناعات مهمات وليست دينية، وزاد قَوْلُه: (بالذات) لأنَّ تعريف الْغَزَالِيّ يقتضي أن فرض الكفاية، لا ينظر إلى فاعله ألبتة، وليس كذلك، ولهذا كانَ متعلق الثواب والعقاب، نعم ليس الفاعل منه مقصوداً بالذات، والمقصود بالذات وقوع الفعل، وإنما هو مقصود بالغرض؛ لأنَّه لا بد لكل فعل من فاعل.
ص: (وزعمه الأستاذ وإمام الحرمين وأبوه أفضل من العين).
ش: النقل عن الأستاذ أبي إسحاق والشيخ أبي مُحَمَّد (٢٨ أ) ذكره ابن الصَّلاَحِ في فوائد رحلته، والنقل عن الإمام موجود في كتابه الغياثي، ونقله النَّوَوِيّ في (زوائد الروضة)، فقالَ: قالَ الإمام: الذي أراه أن القيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين؛ لأنَّ فاعله ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، ولا شك في رجحان من حل محل المسلمين أجمعين في القيام بمهمات الدين.
انتهى، وقوله: (الذي
стр. 158
أراه) يوهم أنه من تفقهه، فلهذا صرح الْمُصَنِّف بالنقل عن غيره، بل نقله الشيخ أبو علي السنجي في أول (شرح التلخيص) عن المحققين، لكن لم يقل أحد منهم: إن فرض الكفاية أفضل من فرض العين ـ كما عبر به الْمُصَنِّف ـ بل قالُوا: القيام أو الاشتغال بالكفاية أفضل من القيام بفرض العين أو للقيام بفرض الكفاية مزية على القيام بفرض العين، وبين العبارتين تفاوت فليتأمل، وقد قالَ الشيخ عز الدين في أماليه: لا يقال فرض العين أفضل من فروض الكفاية، ولا المضيق أفضل من الموسع، لكون المعين معيناً والمضيق مضيقاً، بل التفضيل على حسب المصالح المتضمنة في الأفعال، فإنَّ جهلت المصالح، أمكن الاستدلال بالتضييق والتعيين على التفضيل، وكذلك نازع في هذا الإطلاق من المتأخرين العبد الصالح: عز الدين عمر النشائي، وقالَ: أمَّا جانب الترك فلا تمييز له على فرض العين، من حَيْثُ إن أثم
стр. 159
الجميع إنما كانَ لترك الجميع لا ترك بعضهم، فهو في جانب الترك كالمعين، وأما جانب الفعل، فليس المقصود من الواجب رفع الحرج، إنما المقصود الفعل معَ ما يترتب عليه من عبادة اللَّه تَعَالَى، ونيل ثوابه، ففي فعل المعين ذلك معَ رفع الحرج كما ذكره، وفرق بينَ هذا وبين سقوط يترتب عليه رفع الحرج فقط، فهذا معارض لما ذكره، والترجيح معنا؛ لأنَّ كل ما تأكد طلبه، كانَ إلى السقوط أبعد، وكل ما خف طلبه كانَ إلى السقوط أسرع، فقد ظهر أن لسقوط فرض الكفاية طريقين، ولفرض العين طريقاً واحداً، فهو آكد.
ص: (وهو على البعض، وفاقاً للإمام، لا الكل، خلافاً للشيخ الإمام والجمهور).
ش: اختلفوا في فرض الكفاية: هل يتعلق بالكل أو بالبعض؟ على قولين: أصحهما عندَ الجمهور: أنه بالكل، ونقله الآمدي عن الأصحاب، وسبق جزم الرافعي به ووجهه تأثيم الجميع عندَ الترك، والإثم فرع الوجوب، وإنما سقط بفعل البعض؛ لأنَّ المقصود به تحصيل تلك المصالح، كإنقاذ الغريق، وتجهيز الميت ونحوه، فلا تتكرر المصلحة بتكرره بخلاف فرض العين، فإنَّ القصد منه تعبد جميع المكلفين فلا يسقط بفعل البعض، لبقاء المصلحة المشروعة لها، وهو تعبد كل فرد.
والثاني: أنه بالبعض ونقله الْمُصَنِّف عن اختيار الإمام فخر الدين، وكلام
стр. 160
(المحصول) مضطرب في ذلك، واحتج الْمُصَنِّف على اختياره بقوله تَعَالَى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ وأما تأثيم الكل بالترك، فذاك مشروط بألا يظن قيام البعض به، وتعلقه بالجميع يوجب إشكالاً، وهو سقوط الواجب عن شخص لا ارتباط بينه وبين الآخر بفعل الآخر، وهذا لا يعقل، وفي استدلاله بالآيتين نظر، وقد قالَ القرافي: الوجوب متعلق بالمشترك لأنَّ المطلوب فعل أحد الطوائف (٢٨ ب) ومفهوم أحد الطوائف قدر مشترك بينهما، لصدقه على كل طائفة كصدق الحيوان على جميع أنواعه، واستدل بالآيتين.
стр. 161
ص: (والمختار: البعض مبهم، وقيل: معين عندَ اللَّه، وقيل: من قام به).
ش: إذا قلنا: إنه على البعض، فهل هو مبهم أو معين؟ قولان، والأول منقول عن المعتزلة، وهو مقتضى كلام (المحصول) وإذا قلنا بأنه معين، فهل هو معين عندَ اللَّه دون الناس، أو من قام به؟ قولان، ويجتمع من ذلك أقوال كما صرح به الْمُصَنِّف، وهذا نظير الخلاف في الواجب المخير.
ص: (ويتعين بالشرع على الأصح)
ش: هذه من مسائل الفقه، ولم يتعرض لها الأصوليون وما قاله من الترجيح ذكره ابن الرفعة في (المطلب) في باب الوديعة، ولم يرجح الرافعي والنَّوَوِيّ في هذه القاعدة شيئاًَ بخصوصه، وهي عندَهما من القواعد التي لا يطلق فيها ترجيح، لاختلاف الترجيح في فروعها كما في الإبراء: هل هو إسقاط أو تمليك؟ ونظائره، وقالَ القاضي البارزي في (التمييز) ولا يلزم فرض الكفاية بالشروع في الأصح
стр. 162
إلا في الجهاد وصلاة الجنازة، وقد حررت هذا الموضع في كتاب السير من (خادم الرافعي والروضة).
ص: (وسنة الكفاية كفرضها).
ش: هذا يقتضي ثلاثة أمور: أحدها: انقسام السنة إلى كفاية وعين، والفرق بينَهما أن سنة الكفاية أن يكون القصد الفعل من غير نظر إلى الفاعل كتشميت العاطس وابتداء السلام والأضحية في حق أهل البيت الواحد، والعجب من قول القاضي حسين في باب الجمعة من تعليقه، والشاشي: إنه ليس لنا سنة كفاية غير ابتداء السلام، وسنة العين أن يقصد الفاعل كسنن الوضوء، والصلاة وغيرها.
وثانيها: طرد الخلاف السابق هنا، بمعنى أنها مطلوبة من الجميع أو من البعض، ولم أر من تعرض لذلك، وثالثها: أنها أفضل من سنة العين.
стр. 163
ص: (مسألة: الأكثر أن جميع وقت الظهر جوازاً ونحوه وقت لأدائه، ولا يجب على المؤخر العزم على الامتثال خلافاً لقوم).
ش: اختلفوا في الواجب الموسع، وهو أن يكون وقته زائداً على فعله، والجمهور على أن جميع الوقت وقت لأدائه، بمعنى: أي جزء أوقعه فيه وقع عن الواجب، ولا يقيد الوجوب بأول ولا بآخر، وهو معنى قول أصحابنا: إن الفعل يجب بأول الوقت وجوباً موسعاً، وله تأخره عن أوله، ولا ينافيه قولهم: إنه لو مات أو جن أو حاضت قبل أن يمضي من وقت الصلاة ما يمكن فعلها فيه، فإنا نتبين أن الصلاة لم تجب، كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره، فإنَّ المقصود بالمذكور هنا الوجوب ظاهراً، واحترز بقوله: جوازاً عن وقت الضرورة، فإنَّه أوسع من ذلك، وهذا قيد زاده على المصنفين لا بد منه، وأراد بنحوه: غيرها من الواجبات الموسع وقتها، وأشار بقوله: (ولا يجب) إلى أنه على هذا القول هل يجب العزم على الفعل قبل خروج الوقت، أو يكفي عدم العزم على عدم الفعل؟ وفيه وجهان حكاهما الماوردي في (الحاوي)، وقالَ النَّوَوِيّ في (شرح المهذب): وأصحهما الوجوب، وبه جزم في (المستصفى) وخالف الْمُصَنِّف، وقالَ: لا يعرف القول بوجوب
стр. 164
العزم إلا عن القاضي ومن تابعه كالآمدي، وبالغ في تشنيع هذا القول على (٢٩ أ) قائله، قالَ: وهو معدود من هفوات القاضي ومن العظائم في الدين، فإنَّه إيجاب بلا دليل، وكأنه أعمد قول الإمام في (البرهان) القائلون بذلك لا أراهم يوجبون تجديد العزم في الجزء الثانِي، بل يحكمون بأن العزم الأول ينسحب على جميع الأزمنة، كانسحاب النية على العبادة الطويلة معَ عزوبها قالَ الْمُصَنِّف في (شرح المختصر) الفعل في أول الوقت إن لم يكن واجباً فلا حاجة إلى البدل، وإن كانَ تمام الواجب، فيتأدى ببدله، وإلا يلزم أن يكون واجبان، ولا دليل عليه، وقد ألم القاضي في كتاب (التقريب) بهذا البرهان القاطع، ثمَّ حام على إفساده فقالَ: قول خصومي: إنه لا دليل على العزم ـ ممنوع، بل دليله أنه إذا ثبت جواز الترك معَ الحكم عليه بأنه واجب، فلا بد أن يكون تركه على خلاف الفعل ليتميز
عنه، فيتعين القول بوجوب العزم لذلك، وضعفه الْمُصَنِّف، وقالَ: يكفي في تميزه عن الفعل، أن إخراج الوقت عنه يؤثم من غير احتياج إلى ما ذكر، قالَ: وأقوال الشافعي لا تؤخذ من الفروع، وهذه نصوص الشافعي ومتقدمي أصحابه موجودة، ليس فيها هذه المقالة، قالَ: وإنما موضع النظر أن من نوى الترك هل يعصى بالنية؟ وفيه تفصيل، وهو أنه إن اقترن بهذه النية عدم الفعل عصى بهما جميعاً، لحديث: ((ما لم تتكلم)) وإلا ففي معصيته بالنية التي كذبها الفعل نظر واحتمال، وحديث: ((الفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) يدل على عدم المعصية، لكن القاضي حكى الإجماع على أن العزم
стр. 165
يؤخذ به، وكأن العزم قدر زائد على النية، انتهى، وقطع الشيخ في (اللمع) بوجوب العزم على الامتثال على الفور وقالَ ابن برهان في (الوجيز) العزم تابع للفعل، فإنَّ كانَ المعزوم عليه على الفور، كانَ العزم على الفور، وإن كانَ على التراخي فعلى التراخي.
ص: (وقيل: الأول، فإنَّ أخر فقضاء، وقيل: الآخر، فإنَّ قدم فتعجيل، والحنفية: ما اتصل به الأداء من الوقت وإلا فالآخر، والكرخي: إن قدم وقع واجباً بشرط بقائه مكلفاً).
ش: المنكرون للواجب الموسع اختلفوا على مذاهب: أحدها: أن الوجوب يتعلق بأول الوقت فإنَّ أخره عنه فقضاء، وعزاه البيضاوي لبعض الشافعية، وهو لا يعرف عنهم، لكن الشافعي في (الأم) حكاه عن بعض المتكلمين، ووجهه: أن الوجوب معَ جواز التأخير متنافيان، والأصل ترتب المسبب على سببه، فيكون الوجوب الذي هو مسبب، أول الوقت، وما بعده قضاء، يسد مسد الأداء.
والثاني: أنه متعلق بآخره، فإنَّ قدمه فتعجيل، وعزي للحنفية.
والثالث: أنه
стр. 166
متعلق بالجزء الذي يتصل به الأداء وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا ينفصل عنه، وادعى الصفي الهندي أنه المشهور عن الحنفية، وتابعه الْمُصَنِّف، لكن المشهور عنهم قول الجمهور، كما ثبت في كتاب (الوصول إلى ثمار الأصول).
والرابع: أن المكلف إذا أتى به أول الوقت فهو موقوف، فإنَّ بقي بصفة التكليف إلى آخر الوقت كانَ ما فعله واجباً وإلا فنفل، وعزى للكرخي، وإنما قاله مراراً مما ورد على أصحابه من تعلقه بآخر الوقت من إجزاء النفل عن الفرض، فاختار هذه الطريقة وهي ضعيفة؛ لأنَّ كون الفعل حالة الإيقاع لا يوصف بكونه فرضاً ولا نفلاً خلاف
стр. 167
القواعد، وحكي عنه أَيْضاًً أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان.
ص: (ومن أخر معَ ظن (٢٩ ب) الموت، عصى فإنَّ عاش وفعله، فالجمهور: أداء، وقالَ القاضيان أبو بكر والحسين: قضاء).
ش: ما سبق فيما إذا كانَ يغلب على ظنه السلامة إلى آخر الوقت، فإنَّ كانَ يتوقع الهلاك، ويغلب على ظنه عدم البقاء ـ فإنَّ الوقت يتضيق عليه بالظن، فإنَّ أخر عصى بالاتفاق لجراءته على التأخير، فلو عاش وفعله في الوقت، فذهب الْغَزَالِيّ وجماعة إلى أنه أداء، إذ لا عبرة بالظن الذي يتبين خطؤه، وبه يعرف أن التضييق ليس مؤثراً في نفس الأمر، وذهب القاضي أبو بكر والقاضي حسين إلى أنه قضاء، نظراً إلى الظاهر، فإنَّه حكم بالتضييق أولاً فيكون الوقت قد خرج، والصحيح الأول، فإنَّ النظر في الأداء والقضاء إلى أمر الشارع لا إلى غيره، وينبغي أن يكون
стр. 168
موضع خلاف القاضي إذا مضى من وقت الظن إلى حين الفعل زمن يسع الفرض، حتى يتجه القول بالقضاء، أمَّا إذا لم يمض ذلك وبقي منه بقية فشرع فيها، فليكن على الخلاف إذا وقع بعض الصلاة في الوقت وبعضها خارجه، والصحيح إن وقع ركعة في الوقت فالجميع أداء وإلا فقضاء، ثمَّ في كلام الْمُصَنِّف أمور: أحدها: تصوير المسألة ذكره غيره، وإنما هو مثال وليس بقيد كما يقتضيه تعليلهم، بل الضابط ظن الإخراج عن وقته بأي سبب كان، يمنع من الوجوب كالحيض والإغماء والجنون، ولهذا قالَ إمام الحرمين في (النهاية) في الكلام على مبادرة الاستحاضة: لو كانت معتادة طروء الحيض عليها في أثناء الوقت من يوم معين، فإنَّ الوقت يتضيق عليها الثانِي: ما عزاه للجمهور يقتضي أنه الراجح، لكن ذكر الرافعي فيما إذا صلى بالاجتهاد، ثمَّ بان أنه بعد الوقت، فهل يكون قضاء أو أداء؟ وجهان أصحهما: قضاء، نظراً لما في نفس الأمر؛ لأنَّه المكلف به، ويفرق بينَهما بأن هذا خارج الوقت في نفس الأمر، ومسألتنا في الوقت في نفس الأمر وخارجة في ظنه.
الثالث: ما نقله عن القاضي أبي بكر هو كذلك في كتاب (التقريبئ) وأما القاضي حسين، فلا يعرف عنه التصريح بذلك، والظاهر أن الْمُصَنِّف أخذه بالاستلزام من قَوْلُه: فيما إذا شرع في الصلاة ثمَّ أفسدها ثمَّ صلاها في وقتها، كانت قضاء؛ لأنَّه بالشروع يضيق الوقت بدليل أنه لا يَجُوز الخروج عنها، فلم يبق لها وقت شروع، فإذا أفسدها فقد فات وقت الشروع، فلم يكن فعلها بعد ذلك إلا قضاء وفيه نظر؛ لأنَّ مأخذهما مختلف، فمأخذ القاضي أبو بكر في أنها قضاء لاعتقاده أن الوقت قد خرج، كما سبق في تعريف القضاء، وأما القاضي حسين، فإنَّه معَ القول بأنها قضاء يقول: إن الوقت باق، وبهذا صرح في باب صفة الصلاة من تعليقه،
стр. 169
فقالَ: قد يكون الظهر ظهراً في الوقت، ولا يكون أداء بأن يشرع فيها ثمَّ يفسدها، والوقت باق، فيلزمه أن يصليها في الوقت ثانياً بنية القضاء، ثمَّ قالَ بعدها بنحو ورقة: مقتضى قول أصحابنا أنه ينوي القضاء؛ لأنَّه يقضي ما التزمه في الذمة؛ لأنَّ الشروع يلزم الغرض في الذمة، بدليل أن المسافر لو نوى إتمام الصلاة، وشرع فيها ثمَّ أفسدها، لا يقضيها مقصورة، بل تامة؛ لأنَّه التزم الإتمام، قالَ: وعلى قول القفال يتخير بينَ نية القضاء والأداء، وكذا لما ذكر المتولي في (التتمة) المسألة صرح بأنها قضاء، وإن فعلت في الوقت، ولا شك في خروجه عن قاعدة الأصول، وليقيد كلام القاضي بما إذا فعلها ثانياً بعد مضي جميع وقت فعلها لأنَّ يتحقق الفوات كما سبق (٣٠ أ) وقد خالفهم الشيخ أبو إسحاق فجزم في (اللمع) بأنها أداء، والتحقيق خلاف ذلك، وأنها إعادة لا قضاء ولا أداء.
ص: (ومن أخر معَ ظن السلامة، فالصحيح لا يعصي، بخلاف ما وقته العمر كالحج).
ش: الموسع قد يكون وقته محدوداً كالصلاة، وقد يكون مدة العمر كالحج، وقضاء الفائتة بعذر، فأما الأول فيعصي فيه بطريقين: لخروج وقته، وبتأخيره عن وقت يظن فوته بعده كما سبق، فإنَّ غلب على ظنه السلامة فمات قبل الفعل، فقيل يعصي، وإلا لم يتحقق الوجوب، والصحيح: لا يعصي؛ لأنَّه مأذون له في التأخير، وهذا فيما إذا كانَ الطارئ يرفع الوجوب كالموت، فإنَّ كانَ لا يرفعه كالنوم والنسيان، فقال ابن الصَّلاَحِ (في الفتاوى): إذا نام في أثناء الوقت إلى أن
стр. 170
خرج، فينبغي أن يعصي قطعاً، قالَ: فإنَّ غلبه النوم فكالموت، وأما الموسع بالعمر، فيعصي فيه بالموت على الصحيح، سواء غلب على ظنه قبل ذلك البقاء أم لا؛ لأنَّ التأخير له مشروط بسلامة العاقبة، وهو في غاية الإشكال؛ لأنَّ العاقبة عندَه مستورة.
والثاني: لا يموت عاصياً، ولكنه ينسب إلى التفريط، كما ينسب تارك الصلاة عن أول وقتها حتى مات، وهو أشكل من الأول، للزوم انتفاء ثمرته، وقد أطلق الماوردي وغيره حكايته هكذا، والصواب تقييده بما إذا كانَ عازماً على الفعل ثمَّ اخترمته المنية، وكذا حكى ابن الصباغ في (الشامل) فمن لم يعزم عصى قطعاً، وليس من موضع الخلاف، وبه يرتفع الإشكال السابق، وجعل ابن الرفعة التقييد وجهاً غير وجه الإطلاق، وحكاها أربعة أوجه، وليس بجيد، لكن يمكن توجيهه بأنه مفرع على أنه لا يجب العزم في الواجب الموسع كما سبق.
والثالث: يفرق بينَ الشيخ فيعصي، والشاب فلا، واختاره الْغَزَالِيّ، وعلى هذا فلم يتعرضوا
стр. 171
لضابطه، وحكى الحوزي عن الأصحاب: تقدير التأخير المستنكر ببلوغه نحو من خمسين سنة أو ستين؛ لأنَّ العمر في الأغلب من الناس ستون، لقوله ﷺ : ((أعمار أمتي ما بينَ الستين إلى السبعين)) وهو غريب.
ص: (مسألة: المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب وفاقاً للأكثر.
وثالثها إن كانَ سبباً كالنار للإحراق، وقالَ إمام الحرمين: إن كانَ شرطاً شرعياً لا عقلياً أو عادياً).
ش: حاصله أنه يشترط لوجوب المقدمة شرطان أحدهما: أن يكون مقدوراً للمكلف؛ لأنَّ غير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل، وهذا الشرط يعتبره من لا يَجُوز تكليف، ما لا يطاق دون مجوزه، كذا قاله الصفي الهندي، وحينئذ فالمصنف ممن يَجُوزه كما سيأتي، فكيف يحسن منه هذا التقييد؟.
الثاني: أن يكون مطلقاً ليحترز عن الواجب المقيد بحالة حصول التوقف عليه، كقوله: إن ملكت النصاب
стр. 172
فزكه، فلا يقتضي إيجاب ملك النصاب اتفاقاً، وكذا: حج إن استطعت، وفي هذا القيد أَيْضاًً نظر؛ لأنَّه لا يتم الوجوب إلا به، وكلامه فيما لا يتم الواجب إلا به، وبينهما فرق، ولهذا لما عبر ابْن الْحَاجِبِ بالواجب، لم يذكر المطلق، ولما عبر في (المنهاج) بالوجوب ذكره، وقالَ في (المحصول): النظر الثانِي في أحكام الوجوب، ثمَّ ذكر الشرطين، والمراد بالمطلق أي: غير مشروط بذلك الشيء، ولكن وقوع ذلك الشيء شرطاً، كما إذا قالَ له: صل، وعلمنا أنه يتعذر إيقاع الصلاة دون الطهارة (٣٠ ب) فهذا هو موضوع المسألة.
وقوله: لا يتم الواجب إلا به، يشمل ثلاثة أشياء: الجزء، والسبب، والشرط، لكن الجزء ليس مراداً هنا؛ لأنَّ الأمر بالكل أمر به تضمناً، ولا تردد في ذلك وإنما المتردد في السبب والشرط، ـ وحاصله أن الأمر بالشيء، هل يستلزم الأمر بسببه أو شرطه أو لا؟ ولذلك عبروا عنه بالمقدمة، والأكثرون على الوجوب فيهما.
والثاني: المنع فيهما، وسواء كانَ
стр. 173
الشرط شرعياً كالوضوء للصلاة، أو عقلياً كترك ضد الواجب، أو عادياً كغسل جزء من الرأس بغسل الوجه.
والثالث: يوجب السبب دون الشرط، ويعزى للشريف المرتضي، والمراد بالسبب العلة كما إذا أمر بإحراق زيد، فإنَّ ذلك الواجب يتوقف على النار الذي هو سبب الإحراق.
والرابع: يوجب الشرط الشرعي كالوضوء، دون العقلي والعادي، إذا كانَ يتأتى الفعل به عقلاً أو عادة، لكن الشرع جعله شرطاً للفعل، وهو قول إمام الحرمين، واختاره ابْن الْحَاجِبِ، وكلامه يقتضي أن مراده بالشرط الذي أوجبه، الشرط والسبب جميعاً، لاشتراكهما في كل منهما، يلزم من عدمه العدم، ولهذا لم يذكر في صدر كلامه السبب، واقتضى كلام إمام الحرمين: أنه لم يحترز بالشرط الشرعي عن العقلي الذي يتوقف عليه وجود الفعل عقلاً، وإنما احترز عن لازمه أي: الذي يلزم وجوده عقلاً أو عادة، ولا يسميه شرطاً؛ لأنَّ الشرط خارج، وهذا داخل مسماه، ولذلك قالَ في (التلخيص) وقد أورد غسل شيء من الرأس لغسل الوجه: إنه يلزم من جعله شرطاً متضمناً للأمر بغسل الوجه، كما أن الوضوء للصلاة، قلنا هذا لأنَّه نصه، بل نقول: ما لا يتم
стр. 174
نفسه، هذا كلامه، واللازم غير الشرط، فإنَّه لزم من عدمه عدم المشروط؛ لأنَّا إنما نعني بالشرط هنا: ما يتوقف عليه وجود المشروط، وحينئذ ففي تصريح الْمُصَنِّف بنفي العقلي نظر.
ص: (فلو تعذر ترك المحرم إلا بترك غيره وجب).
ش: إذا لم يمكن الكف عن المحرم إلا بالكف عما ليس بمحرم، كما إذا اختلط النجس بالماء الطاهر القليل، فيجب الكف عن استعماله، كما قاله جمع من الأصحاب منهم ابن السمعاني في (القواطع) وظاهر كلامه: أنه لا يأتي فيه الخلاف السابق، وإنما حكى الخلاف في كيفية التحريم، قالَ: فمنهم من قالَ: يصير كله نجساً، وهو اللائق بمذهبنا، وقيل: إنما حرم الكل لتعذر الإقدام على تناول
стр. 175
المباح، لاختلاط المحرم به، قالَ: وهو اللائق بمذهب الحنفية.
ص: (فلو اختلطت منكوحة بأجنبية حرمتا).
ش: أي: لوجوب الكف عنهما، أمَّا الأجنبية فبالأصالة، والمنكوحة لاشتباهها بالأجنبية، فالكف عنهما هو طريق حصول العلم بالكف عن الأجنبية وحكى في (المحصول) عن قوم: إن الحرام هي الأجنبية، والمنكوحة حلال، وزيفه بأن المراد بالحل رفع الحرج، والجمع بينه وبين التحريم متناقض، وقوله: (الأجنبية) مثال، فالأجنبيتان كذلك، قالَ النَّوَوِيّ في (شرح المهذب): وليس له وطء واحدة منهن بالاجتهاد، بلا خلاف؛ لأنَّه إنما يستباح بالعقد لا بالتحري.
ص: (أو طلق معينة ثمَّ نسيها).
ش: أي فيحرم عليه الجميع حتى يتذكر، إذ لا يمكن الكف عنها إلا بذلك، هذا هو المعروف، ويلتحق به ما لو قالَ لزوجتيه: إحداكما كما طالق. وذكر الإمام في (المحصول) احتمالاً أنه يحل وطؤهما وأيده (٣١ أ) الْمُصَنِّف في (شرح المنهاج) بما نقله ابن الرفعة عن كتاب الوزير ابن هبيرة أنه حكى عن ابن أبي هُرَيْرَةَ من
стр. 176
أصحابنا، أنه إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها ثمَّ نسيها، طلاقاً رجعياً، أنه لا يحال بينه وبين وطئهن، وله وطء أيتهن شاء، وإذا وطئ واحدة انصرف الطلاق إلى صاحبتيها، ولا حاجة لنقله عن ابن هبيرة، ففي الرافعي في باب الشك في الطلاق عن صاحب (الشامل) وغيره: أنا إذا قلنا: الوطء تعيين كما هو المرجح للزوج وطء أيتهما شاء وإنما يمتنع من الوطء إذا لم يجعله تعييناً.
تنبيه: أهمل الْمُصَنِّف مسألة (المنهاج) إحداكما طالق حرمتا، إما أنه رأى دخولها في التي قبلها، أعني: اختلاط المنكوحة بالأجنبية، ولا فارق بينهما، إلا أن إحدى المرأتين في ذلك ـ وهي الأجنبية ـ محرمة في نفس الأمر، وكل واحدة منهما في إحداكما على حد سواء، أو رأى أنها أولى بالتحريم من صورة تطليق المعينة، ثمَّ نسيانها التي ذكرها، لكن هناك الطلاق موقوف، وهنا اتصل بمحل ثمَّ التبس.
ص: (مسألة: مطلق الأمر لا يتناول المكروه، خلافاً للحنفية، فلا
стр. 177
تصح الصلاة في الأوقات المكروهة وإن كانت كراهة تنزيهئ، وهو الصحيح).
ش: هذه المسألة أصل الصلاة في الدار المغصوبة التي اقتصر المصنفون على ذكرها وأهملوا أصلها، وكان العكس أجدر، ووجه كونه لا يتناول المكروه أنه مطلوب الترك، والمأمور مطلوب الفعل، فيتناقضان، والخلاف على هذه الحالة حكاه ابن السمعاني في (القواطع) وهو عمدة في الحكاية عن الحنفية، لكونه كانَ حنفياً ثمَّ تشفع، فقالَ: الفعل بوصف الكراهة لا يتناوله الأمر المطلق، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يتناوله، والخلاف يظهر فائدته في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ فعندنا لا يتناول الطواف بغير طهارة ولا الطواف منكوساً، وعلى مذهبهم يتناوله، فإنَّهم وإن اعتقدوا كراهية هذا الطواف، ذهبوا إلى أنه
стр. 178
دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشرعي، وعندنا لا يدخل ولا جواز لمثل ذلك في الطواف، قالَ: وهذا المثال على أصلهم يتصور، فأما عندَنا فإنا لا نقول: إن ذلك طواف مكروه، بل لا طواف أصلاً، لقيام الدليل على أن الطهارة شرط فيه كالصلاة، على أن الطواف على هيئة مخصوصة، لا توجد إذا طاف منكوساً قالَ: وحجتنا أن الأمر يفيد الوجوب حقيقة، والندب والإباحة مجازاً، فما ليس بواجب ولا مندوب ولا مباح لا يتصور أن يتناوله الأمر، وأشار الْمُصَنِّف بقوله: (فلا تصح): إلى أن من فروعها أَيْضاًً الخلاف في صحة الصلاة في الأوقات المكروهة، وما صرح به من تصحيح البطلان، وإن قلنا: إنها كراهة تنزيه هو كذلك، فإنا وإن قلنا إنها كراهة تنزيهية على وجه قطع الثديجي، فإنَّ الصلاة تبطل على المرجح المفرع على الوجهين جميعاً، ولهذا قالَ في (الروضة) في الكلام على الماء المشمس، إنه كراهة تنزيه لا يمنع من صحة الطهارة، وقالَ في دقاقها: احترزت بهذا القيد عما يكره تنزيها ويمنع من الصحة، كالصلاة في الوقت المكروه، لكن قد استشكل
ذلك، إذ كيف يقال: إن العبادة لا تنعقد، ومع ذلك فعلها جائز، معَ أن الإقدام على العبادة التي لا تنعقد حرام بالاتفاق، لكونه تلاعباً (٣١ ب) وقالَ الشيخ نجم الدين في (المطلب): الحق عندَي أن الصلاة في الوقت المكروه لا تنعقد، وإن كانت غير محرمة؛ لأنَّ كلامنا في صلاة نفل لا سبب لها، والمقصود منها إنما هو طلب الأجر، وتحريمها أو كراهيتها يمنع حصوله، وما لا يترتب عليه مقصوده باطل، كما تقرر من قواعد الشريعة، وقد يرد على إطلاق الْمُصَنِّف الصوم المكروه، كتخصيص يوم الجمعة، فإنَّه منهي عنه نهي تنزيه، وظاهر كلامهم أنه ينعقد إلا أن يدعى أنه لأمر خارج، ولك أن تبحث عن قول الْمُصَنِّف: (مطلق الأمر) وعدوله عن عبارة ابن السمعاني: (الأمر المطلق).
стр. 179
ص: (أما الواحد بالشخص له جهتان كالصلاة في المغصوب، فالجمهور: تصح ولا يثاب، وقيل: يثاب، والقاضي والإمام: لا تصح، ويسقط الطلب عندَها: وأحمد: لا صحة ولا سقوط).
ش: الواحد بالشخص إن لم يكن له إلا جهة واحدة، فلا خلاف في امتناع كونه مأموراً به منهياً عنه، إلا إن جوزنا تكليف ما لا يطاق؛ لأنَّ المأمور به يمتنع تركه بمقتضى الأمر، ومقتضى النهي: المنع من فعله، والجمع بينَهما جمع بينَ المتنافين، وإن كانَ له جهتان فهل يَجُوز أن يؤمر به من وجه وينهى عنه من وجه؟ كالصلاة في المغصوب؟ فقال الجمهور: يصح؛ لأنَّ تعدد الجهات موجب للتغاير لتعدد الصور،
стр. 180
وجعلوا اختلاف الجهتين كاختلاف المحلين؛ لأنَّ كل واحدة من الجهتين منفكة عن الأخرى، واجتماعهما إنما وقع باختيار المكلف، فليسا بالمتلازمين، فلا تناقض، وذهب طائفة إلى أنه لا يصح، ثمَّ افترقوا فرقتين: ففرقة قالت: لا يسقط بها الفرض. وهو منقول عن أحمد وفرقة ذهبت إلى السقوط، ونقله المصنف
следующие страницы →