Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
يفيد زيادة الظن أصلاً، لأن الفرع لا يؤكده أصله بخلاف ما إذا كانا متغايرين.
الثانية: أن يكون ذلك الحكم المنصوص عليه مخالفاً للقياس فيمتنع مطلقاً، وإلا لزم تقديم القياس على النص، وقوله: إلا لتجربة يعني لا فائدة للقياس، ولا يعمل به لكنه قياس صحيح في نفسه، ولهذا نقول: إذا تعارض النص والقياس فالنص مقدم، وإنما يتعارضان عند صحتهما، وفائدته حينئذ التمرين ورياضة الذهن في المسائل لا غير.
(ص): ولا متقدما على حكم الأصل وجوزه الإمام عند دليل آخر.
(ش): من الشروط أن لا يتقدم على حكم الأصل كقياس الوضوء على التيمم في النية لأن التعبد بالتيمم إنما ورد بعد الهجرة، وكان التعبد بالوضوء قبلها
стр. 1157
وإنما شرط ذلك لئلا يلزم ثبوت حكم الفرع قبل ثبوت العلة لتأخير الأصل وفصل أبو الحسين في (المعتمد) وتابعه الإمام الرازي (٩٣/ز) وأتباعه قالوا: إذا تقدم حكمه فإن لم يدل على ثبوت حكمه إلا القياس على ذلك الأصل، لم يصح، لأنه لا يجوز، أن لا يكون لنا على الحكم دليل في الحال، وإن دل على حكم الفرع دليل متقدم لم يبطل ذلك القياس، لأنه يجوز أن يدلنا الله تعالى على الحكم بأدلة مترادفة، ألا ترى أن المعجزات تتواتر بعد المعجزة المقارنة لابتداء الدعوة ولك أن تقول الكلام في تفرعه عن الأصل المتأخر، وذلك لا يمكن سواء كان عليه دليل غيره أم لا؟ قلت: ولم يحفظ المصنف في هذه المسألة خلافاً سوى تفصيل الإمام، وقد أطلق ابن الصباغ في العدة امتناع هذا الشرط، وجوز أن يكون الحكم عليه
стр. 1158
أمارات متقدمة ومتأخرة، قال: فإن الدليل على الشيء يجوز تأخيره عن ثبوته، ولهذا معجزات النبي ﷺ منها ما قارن نبوته، ومنها ما تأخر عنه، ويجوز الاستدلال على نبوته بما نزل من القرآن بالمدينة فكذا في الأحكام المظنونة.
(ص): ولا يشترط ثبوت حكمه بالنص جملة خلافاً لقوم.
стр. 1159
(ش): منهم أبو هاشم حيث شرطوا ثبوته بالنص في الجملة لا التفصيل، ويطلب بالقياس تفصيله، فلولا العلم بورود ميراث الجد جملة لما جاز القياس في توريثه مع الإخوة والجمهور على أنه ليس بشرط فإن العلماء قاسوا أنت علي حرام تارة على الطلاق فتحرم وتارة على الظهار فيوجب الكفارة، وتارة على اليمين فيكون إيلاء، ولم يوجد النص في الفرع جملة ولا تفصيلاً.
(ص): ولا انتفاء نص أو إجماع يوافقه خلافاً للغزالي والآمدي.
(ش): أي لا يشترط انتفاء نص، ويكون فائدة القياس زيادة معرفة العلة أو الحكم، وفائدة النص ثبوت الحكم، فإن قيل: ما هذا من قول المصنف قبله، وأن
стр. 1160
لا يكون منصوصاً فالجواب أن ذلك في الفرع نفسه يشترط أن لا يكون منصوصاً عليه، إذ لا يبقى للقياس فائدة، وههنا في أنه لا يكون منصوصاً على شبهه وفرق بين شبه الشيء والشيء.
(ص): الرابع العلة قال أهل الحق المعرف، وحكم الأصل ثابت بها لا بالنص خلافاً للحنفية، وقيل: المؤثر بذاته، وقال الغزالي بإذن الله وقال الآمدي: الباعث.
(ش): لم يحك المصنف خلافا ًفي ركنية العلة، وفيه خلاف شاذ حكاه ابن السمعاني أنه يصح القياس من غير علة إذا لاح بعض الشبه وهو باطل، وقد اختلفوا في تعريف العلة على أقوال:
стр. 1161
أحدها: وهو قول السنة أنها المعرف للحكم، أي بأن تكون دالة على وجود الحكم وليست بمؤثرة، لأن المؤثر هو الله تعالى، فقيل لهم: المعرف هو النص، فأجابوا: بأن الوصف معرف لفرد آخر غير الأصل، وحكم الأصل أي المعلل ثابت بالعلة المشتركة بينه وبين الفرع عند أصحابنا، وقالت الحنفية بالنص وإنما ذكر المصنف هذه المسألة بعد هذا التعريف لينبه على توهم ابن الحاجب وغيره أن أصحابنا ذكروا هذا على أنها بمعنى الباعث، وليس كذلك، بيانه أن الأصحاب لما قالوا:
стр. 1162
إنه ثابت بالعلة، قيل لهم: هذا لا يتأتى إلا إذا فسرت العلة بالمؤثر أو الباعث، فإن كونه منصوصاً عليه حينئذ لا ينافي أن يكون معللاً بهذا المعنى، أما إذا فسرت بالمعرف فكونه منصوصا عليه ينافي التعليل بهذا المعنى، وعلى هذا جرى ابن الحاجب وقال: إنما عنت الشافعية أنها بمعنى الباعث، وليس كما قال، وإنما دعاه إلى ذلك أنه يجعلها فرعاً للأصل أصلاً للفرع خوفاً من لزوم الدور، فإنها مستنبطة من النص فلو كانت معرفة له وهي إنما عرفت به جاء الدور، ونحن لا نفسرها بالباعث، بل بالمعرف، وليس معنى كونها معرفاً إلا أنها نصب أمارة يستدل بها المجتهد على وجدان الحكم إذا لم يكن عارفاً به، ويجوز أن يتخلف في حق العارف كالغيم الرطب أمارة على المطر، وقد يتخلف، وتخلف التعريف بالنسبة إلى العارف لا يخرج الأمارة عن كونها أمارة، فوضح أن العلة هي المعرف في الأصل والفرع، وليس الدور بلازم، وقالت الحنفية: ثابت بالنص، فإن أرادوا أن النص إنشاء الحكم فخطأ، لأن الحاكم في الحقيقة هو الناص، وإن أرادوا أنه عرفه فهو إنما يعرف من عرفت منه، أما من عرف من العلة فلم يعرفه، هذا حاصل ما قرره المصنف وما أنكره على ابن الحاجب في نقله عن الأصحاب ممنوع، فإن الغزالي قد ذكره فقال بعد نقله عن الأصحاب إن الحكم يضاف إلى العلة وهو نزاع لا تحقيق تحته، فإنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم فنقول: إن الحكم يضاف إلى الخمر والنبيذ بالنص لكن إضافة الحكم إليه معلل بالشدة بمعنى أن باعث الشرع على التحريم هي الشدة، ونازعه العبدري وقال: إنما الباعث على وضعها أمارة حفظ العقول لا الشدة، وأما ما قاله المصنف أولاً فيخالف كلام الهندي فإنه قال: فسروا العلة بالمعرف لا بمعنى أنها تعرف حكم الأصل، فإن ذلك يعرف بالنص، بل حكم الفرع، لكن يخدشه ما هو المشهور من قول أصحابنا، لأن حكم الأصل تعلل بالعلة بينه وبين الفرع مع أنه غير معرف بها، وقال في المسألة
الخلافية إن عنى بالعلة المؤثر أو الباعث، فلا شك أن كونه منصوصاً عليه لا ينافي أن يكون معللاً بالعلة بهذا المعنى، وعليه ينزل قول أصحابنا: إن الحكم
стр. 1163
المنصوص عليه ثابت بالعلة ولا أظن أن الخصم ينكره، وإن عنى بالعلة المعرف فلا شك أن كونه منصوصاً عليه ينافي التعليل بالعلة بهذا المعنى، والخصم إنما ينكر كونه معللاً بالعلة بهذا المعنى، وأصحابنا لا ينكرون ذلك فلا خلاف، ـ ثم إن الآمدي وابن الحاجب والهندي ذكروا أنه لا خلاف في المعنى بل هو لفظي، وليس كما قالوا، بل له فوائد كثيرة منها: التعليل بالقاصرة والخلاف فيها يصح ترتيبه على هذا الأصل فإن أصحابنا لما أثبتوا الحكم في محل النص بالعلة لم تعر القاصرة عن فائدة فاعتبرت، والحنفية لما أثبتوا الحكم في محل النص به عرت القاصرة عن فائدة (٩٤/ز) لأن أثرها لم يظهر في محل النص ولا في غيره، فلم يعتبر القول.
الثاني: أنها بمعنى المؤثر بذاته لا بجعل الله تعالى، وهو قول المعتزلة بناء على قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين.
стр. 1164
الثالث: أنها المؤثرة لا بذاتها ولا لصفة ذاتية ولكن بجعل الشارع إياها مؤثرة، وهو قول الغزالي، وزيفه الإمام بأن الحكم قديم والعلة حادثة والحادث لا يؤثر في القديم وبنى البحث على أنه هل يعقل تأثير من غير أن يكون المؤثر مؤثراً بذاته أو بصفة قائمة به أو لا يعقل ذلك؟ وعلى هذا تبنى مسألة خلق الأفعال فأصحابنا ينكرون تأثير العبد في فعله، ويقولون الصادر عنه فعل الله تعالى، والمعتزلة يقولون بتأثيره بذاته أو بصفة، وشذوذ منا توسطوا فقالوا بمثل كلامهم هنا في السببية ويلزمهم.
стр. 1165
والرابع أنها الباعث على التشريع، بمعنى أنه لا بد وأن يكون الوصف مشتملاً على مصلحة صالحة، وأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب، وهو مأخذ القائلين بأن الرب ﵎ يعلل أفعاله بالأغراض، والمنصوص عند الأشرعية خلافه، فإن الرب تعالى لا يبعثه شيء على شيء، وقال الإمام تقي الدين أبو العز المقترح، من فسر العلة بالباعث للشارع على الحكم والحاملة أو الداعية، إن أراد به إثبات غرض حادث له فهو محال قررنا بطلانه في علم التوحيد، وإن أراد به أن يعقبها حصول الصلاح في العادة فسميت باعثة تجوزاً فهذا لا
стр. 1166
يجوز إطلاقه على الباري تعالى، لما فيه من الإيهام بالمحال، إلا أن يتحقق إذن من الشارع في إطلاقه ولا سبيل إليه.
(ص): وقد تكون دافعة أو رافعة أو فاعلة الأمرين.
(ش): الوصف المجعول علة ثلاثة أقسام:
الأول: يكون دافعاً للحكم فقط، كالعدة فإنها دافعة لحل النكاح إذا وجدت في ابتدائه وليست رافعة له إذا وجدت في أثنائه، فإن الموطوءة بشبهة تعتد وهي باقية على الزوجية.
الثاني: أن يكون رافعاً للحكم فقط كالطلاق فإنه يرفع حل الاستمتاع ولكن لا يدفعه، إذ الطلاق لا يمنع وقوع نكاح جديد.
الثالث: أن يكون رافعاً دافعاً كالرضاع، فإنه يمنع من ابتداء النكاح ومن دوامه إذا طرأ، وإنما كانت موانع النكاح تمنع في الابتداء والدوام لتأبدها واعتضادها بكون الأصل في الأوضاع هو الحرمة.
(ص): ووصفاً حقيقاً ظاهراً منضبطاً أو عرفياً مطرداً وكذا في الأصح لغوياً أو حكماً شرعياً، وثالثهما إن كان المعلول حقيقاً.
(ش): العلة باعتبار ذاتها تارة تكون وصفاً حقيقاً وتارة تكون شرعياً وتارة تكون لغويا، وتارة تكون عرفياً، ولا يخلو معلوم بوضع علة عن هذه الأقسام، ووجه
стр. 1167
الحصر فيها هو أن ما لم يعلم لا يخلو إما أن يتوقف العلم به على وضع أم لا فإن لم يتوقف على وضع وإخبار فهو المسمى في الاصطلاح وصفاً حقيقياً وهو الذي يعقل باعتبار نفسه، وما يتوقف على وضع إما أن يكون الواضع الشرع أو غيره.
فالأول: الحكم الشرعي.
والثاني: إن كان العرب فاللغوي، أو من بعدهم فالعرفي.
أما الوصف الحقيقي فلا خلاف في التعليل به إذا اشتمل على ما ذكره المصنف كقولنا: مطعوم فيكون ربوياً، والطعم يدرك بالحس، وهو أمر حقيقي أي لا تتوقف معقوليته على معقولية غيره، فاحترز بالظاهر عن الخفي، والمنضبط عن غيره، وما خلا منها سيذكر الخلاف فيه، والمراد بالمنضبط أن يتميز عن غيره، وأما الأوصاف العرفية وهي الشرف والخسة، والكمال والنقص، فيجوز التعليل بها حيث أمكن كما في الكفاءة وغيرها، فإن الشرف يناسب التعظيم والتكريم والإهانة، والخسة تناسب ضد هذه الأحكام، ويشترط أن يكون مطردا أي لا يختلف باختلاف الأوقات، فإنه إن لم يكن كذلك لجاز أن لا يكون ذلك العرف حاصلاً باختلاف الأوقات، فإنه إن لم يكن كذلك لجاز أن لا يكون ذلك العرف حاصلاً في زمان الرسول ﷺ وحينئذ لا يجوز التعليل به وهي من مسائل (المحصول).
стр. 1168
وأما بالأمر الغوي كقولنا في النبيذ: إنه مسمى الخمر، فيحرم كالمنعصر من العنب وأما الشرعي فذهب الأكثرون، إلى تجويز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي، كتعليل حرمة بيع الكلب بنجاسته لأن العلة هي العرف، فلا بدع في جعل الحكم معرفاً للآخر، وقيل: يمتنع لأنه معلول فكيف يكون علة، وعلى الأصح فلو كان الحكم حقيقياً فهل يجوز تعليله بالحكم الشرعي؟ على قولين حكاهما في (المحصول)، وأصحهما كما قاله الهندي وغيره الجواز، لأن المراد من العلة المعرف ولا يبعد أن يكون الحكم الشرعي يعرف الحكم الحقيقي، وفي المسألتين يتحصل ثلاثة
стр. 1169
مذاهب ومثال الحقيقي قولنا في إثبات الحياة في الشعر بأنه يحرم بالطلاق ويحل بالنكاح فيكون حياً كاليد.
(ص): أو مركباً وثالثها لا تزيد عن خمس.
(ش): تنقسم العلة باعتبار كميتها إلى الوصف الواحد، ولا خلاف في التعليل به، وإلى المركبة من أوصاف، والتعليل به جائز عند المعظم، فإنا نعلل القصاص بوجود القتل العمد العدوان الذي لا شبهة فيه، وهذه أوصاف مناسبة فلا يبعد أن تكون الهيئة الاجتماعية ينشأ عنها الحكم، وقيل: يمتنع لأنه يفضي إلى تخلف المعلول عن العلة العقلية، أو تحصيل الحاصل وهما محالان، وفي المسألة قول ثالث غريب: إنه لا تزيد الأوصاف على خمسة، وعزاه صاحب (الخصال) إلى الجرجاني من الحنفية،
стр. 1170
وحكاه أبو إسحاق وغلط قائله، وأما الإمام فذكر أن الشيخ حكاه سبعة.
(ص): ومن شروط الإلحاق بها اشتمالها على حكمة تبعث على الامتثال وتصلح شاهداً لإناطة الحكم، ومن ثم كان مانعها وصفاً وجودياً يخل بحكمتها.
(ش): وجه اشتراط اشتمالها على الحكمة ظاهر، وقوله: تبعث (١٥/ك) على الامتثال، فيه بيان للمراد بقول الفقهاء: الباعث على الحكم كذا أنهم لا يريدون بعث الشارع بل إن العلة باعثة للمكلف على الامتثال، مثاله: حفظ النفوس فإنه علة باعثة على القصاص (٩٥/ز) الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع، فحكم الشرع لا علة باعثة عليه، لأنه قادر أن يحفظ النفوس، بدون ذلك بخلاف المكلف فإذا انقاد المكلف امتثالاً لأمر الله تعالى إلى حفظ النفوس، كان لهم أجران، أجر على القصاص، وأجر على حفظ النفوس وكلاهما مأمور به من جهة الله تعالى أحدهما: بقوله: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ والثاني: بالإيماء من قوله
стр. 1171
تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ وقوله: (ومن ثم كان مانعها) أي مانع العلة وهو مراد الأصوليين بمانع السبب فإنهم جعلوا من خطاب الوضع الحكم على الوصف بالمانع وقسموه إلى قسمين مانع الحكم وقد ذكره المصنف في صدر الكتاب ومانع السبب وذكره المصنف هنا، وهو منعه لسبب الحكم لحكمة تخل بحكم السبب كالدين المانع للزكاة عند القائل به، فإن الدين وصف مانع لسبب الحكم، والحكم وجوب الزكاة، والسبب هو الاستغناء عن قدر النصاب، فالدين مانع من الاستغناء الذي هو السبب ومنعه كذلك لحكمة هي احتياج مالكه إليه، وهذه الحكمة تخل بحكم السبب في وجوب الزكاة، فإن الحكمة التي لأجلها
стр. 1172
وجبت الزكاة في ذلك النصاب وهي الاستغناء أزالها الدين، فإن المديون ليس مستغنياً عن النصاب الذي ملكه.
(ص): وأن تكون ضابطاً لحكمة وقيل: يجوز كونها نفس الحكمة، وقيل إن انضبطت.
(ش): لفظ الحكمة يطلق في استعمالهم لمعنيين.
أحدهما: بإزاء المصلحة المقصودة لشرع الحكم.
والثاني: بمعنى الوصف الضابط لها إذا كان خفياً وهذا مجازاً، لأنه ضابط الحكمة لا نفس الحكمة من باب تسمية الدليل باسم المدلول، فأما الحكمة بالمعنى الأول فلا يصح نصبها أمارة الحكم، إذ هي متأخرة عن الحكم في الوجود، فكيف يعرف الشيء بما لا يوجد إلا بعد وجوده، وكيف يعلل الحكم بفرع ثبوته؟ وأما بالمعنى الثاني فيمتنع التعليل بها لخفائها واضطرابها فإن كان الوصف الحقيقي مستقلاً كانت مظنته مستقلة هكذا قاله المقترح وحاصل ما ذكره المصنف في جواز التعليل بالحكمة ثلاثة مذاهب.
أحدها: وهو الأصح عند الإمام: الجواز.
стр. 1173
والثاني: المنع.
والثالث: التفصيل.
فإن كانت ظاهرة منضبطة بحيث يجوز ربط الحكم بها جاز التعليل بها، وإلا فلا، واختاره الهندي وصححه ابن الحاجب لأنا نعلم قطعاً أنها هي المقصود للشارع، وإنما عدل عن اعتبارها لمانع خفائها واضطرابها فإذا زال المانع جاز اعتبارها.
(ص): وأن لا تكون عدما في الثبوتي وفاقاً للإمام وخلافاً للآمدي.
(ش): مثاله: بيع الآبق باطل لعدم القدرة على التسليم، وقد صار كثيرون إلى امتناعه، فإنه لا يناسب الحكم ولا يشعر به، فإن المناسبة، ما تقتضيه مصلحة عادة، والعادة مطردة في أن الإنسان لا يقنع بالنفي المحض، ووجهه بعض الجدليين: بأن العدم طرد، والتعليل بالطرد ممتنع، قال: ولو قال الشارع أثبت حكم كذا لعدم كذا ـ كان للتأقيت بمعنى إذا انعدم فاعرفوا ثبوت الحكم لا للتعليل فإنه غير صالح للتعليل، وجوزه آخرون لجواز كون العدم مظنة لمعنى مناسب فصح أن يكون علته،
стр. 1174
ووجهه الإمام في الرسالة البهائية بتوجيه حسن فقال: الوصف إذا كان ضابطاً لمصلحة يلزم حصول المفسدة عند ارتفاعها، فكان عدم ذلك الوصف ضابطاً لتلك المفسدة، فيكون ذلك العدم مناسباً للحرمة، قال المقترح، والصحيح الأول، لأن العدم لا يصلح أن يكون مظنة، لأنه إما أن يكون مطلقا ًأو مضافاً، فالعدم المطلق نسبته إلى كل الأحكام متساوية ضرورة، فلا مطمع في جعله مظنة لمعين ـ وإن كان مضافاً وهو عدم أمر ما فهذا الذي قدر عدمه إن كان وجوده منشأ مصلحة فلا يناسب تعليق الحكم على عدمه، وإن كان وجوده منشأ مفسدة فهو تابع ولا بد من مقتضى، وإن لم يكن منشأ شيء فلا فرق بين وجوده وعدمه، ونبه على أنه ليس المراد بالوجود المشترط الذات المتحققة كما يريده الأصوليون، بل هو أمر تعليقي أو نسبي أو إضافي، إذا علمت هذا فنسبة المصنف المنع للإمام والجواز للآمدي معكوس وهو سبق قلم، فإن الإمام قال في (المحصول): يجوز التعليل بالعدم خلافاً لبعض الفقهاء، وقال الآمدي في (الإحكام): المختار أن العدم لا يصلح أن يكون علة بمعنى الباعث، وعول في دليله على أن العلة أمر وجودي، لأن (لا علة) أمر عدمي، ولا يقال: فالإمام اختار في المعالم المنع، لأنا نقول لم يختر الآمدي الجواز على أن في ثبوت الخلاف بينهما نظراً، لعدم تواردهما على محل واحد، فإن الإمام بناه على رأيه أن العلة بمعنى المعرف، وهو بهذا التفسير
لا ينبغي أن يقع فيه خلاف، إذ لا امتناع في أن يكون العدم علة للموجود، والآمدي بناه على أنها بمعنى الباعث.
стр. 1175
وذكر ابن التلمساني بناء هذه المسألة على تخصيص العلة فمن منع التخصيص جوز هنا، ومن جوز التخصيص يقول العلة ضابط المصلحة والعدم لا شيء والمصلحة شيء.
تنبيه: أهمل المصنف أن يكون العدم جزءاً من العلة، وقد (ذكر هذا) ابن الحاجب والخلاف فيه كالخلاف في أصل المسألة، فلو قال: وأنه لا تكون عدما هي أو أجزاؤها، لكان أشمل، والعجب من المصنف كيف أسقط المسألة في (شرح المختصر) وهي ثابتة في (المختصر الكبير) و (الصغير)؟ وجعل ـ أعني المصنف ـ ما جعله ابن الحاجب دليلاً لهذه المسألة دليلاً لمسألة التعليل بالمحل وهو عجيب، وكلام ابن الحاجب في الكبير مصرح بخلافه.
(ص): والإضافي عدمي.
стр. 1176
(ش): الوصف الإضافي: هو ما يعقل باعتبار غيره كالأبوة والبنوة والتقدم والتأخر والمعية والقبلية والبعدية، وسيأتي في المباحث الكلامية الخلاف في الإضافيات هل هي وجودية أو عدمية؟ فإذا قلنا عدمية وهو المختار، فهل يجوز التعليل بها؟ والعلة بمعنى الأمارة أم لا؟ فيه خلاف مفرع على الأمر العدمي هل يجوز أن يكون علة للأمر الوجودي أم لا؟ ووجه التفريع ظاهر فمن منع هناك منع هنا لاستوائها في العدم في الخارج، وإنما يفترقان (١٦/ك) في أن الإضافة وجودها ذهني فقط، أي موجود في الأذهان مقدرة في الأعيان، والأوصاف العدمية عدم مطلقاً في الذهن والخارج.
(ص): ويجوز التعليل بما لا يطلع (٩٦/ز) على حكمته، فإن قطع بانتفائها في صورة فقال الغزالي وابن يحيى، يثبت الحكم فيها للمظنة وقال الجدليون: لا.
(ش): يجوز التعليل بما لا يطلع على حكمته لأنه لا يخلو عنها في نفس الأمر، وليس التعبدي عبارة عما لا علة له، بل عما لا نعلم علته، فينظر لذلك، وما لا تعقل فيه المناسبة نسميه أمارة، فإن قطع بانتفائها في بعض الصور: كاستبراء الصغيرة، فإن الاستبراء شرع لتيقن براءة الرحم وهو مفقود في الصغيرة، فقال الغزالي رحمه الله
стр. 1177
وصاحبه محمد بن يحيى: يثبت له الحكم للمظنة، فإن الحكم قد صار معلقاً بها، وذهب الجدليون إلى أنه لا يثبت لانتفاء الحكمة فإنها روح العلة واقتصار المصنف في نقل الخلاف عمن ذكر هو باعتبار الممكن في نظر الأصوليين، وإلا فالخلاف في هذه المسألة ثابت بين الأصحاب فإنهم قالوا: يكره لمن قام من نوم وشك في طهارة يده غمسها في الإناء قبل غسلها ثلاثاً فلو تيقن طهارتها فلا يكره له الغمس قبل الغسل، وقال إمام الحرمين: يكره، وإن كان قد علق الغسل في الخبر على توهم النجاسة، وقال: يجوز أن يكون للتوهم ثم يعم ما وجد منه ذلك، وما عدم كالعدة شرعت لبراءة الرحم في موضع يعلم فيه البراءة قال الشاشي في (المعتمد)
стр. 1178
والمذهب الأول، لأنه علق على علة، معلومة وهي توهم النجاسة، وما علق على معنى معلوم قصر عليه، ولا يلحق به ما لم يوجد المعنى فيه، هذا هو الأصل في العلل، قال: وقد أبعد المزني في تشبيهه بالعدة، وإلحاقه بالنجاسة المحققة أولى، فإنها تؤثر في المنع من غمس اليد في الإناء، ثم لا يثبت هذا الحكم فيه إذا كانت النجاسة متوهمة، أو يجعل توهم النجاسة كتحققها كما قال أحمد في المنع، ويلحق ذلك بالعدة، فإذا لم يلحق حال توهم النجاسة بالعدة في وجوب المنع فلأن يلحق حال تحقق الطهارة في الاستحباب بالعدة أولى، والعدة فيها ضرب من التعبد، وحال تحقق البراءة حالة نادرة فألحقت بالغالب، لعدم إمكان الضبط، وتيقن الطهارة ليس بنادر والأصل طهارة اليد انتهى، ومن أمثلة المقطوع بانتفائها أيضاً: ما لو قال أنت طالق في آخر حيضتك أو مع آخر حيضتك
فهل هو سني أو بدعي؟
стр. 1179
وجهان:
أصحهما: سني ونسبه الإمام في النهاية للقياسين.
والثاني: بدعي قال الإمام: وهذا القائل يعتضد بالرجوع إلى التوقف بالتعبد. انتهى.
ومأخذ الأول: أن الحكم في تحريم طلاق الحائض تطويل العدة، وهو مقطوع بانتفائه في هذه الصورة فلا يثبت الحكم.
ومأخذ الثاني: أن الحكمة وإن انتفت فالعلة وهي الحيض ثابتة فيعلق بها، وليس معنى قول الإمام بالتعبد أنه لا علة له، ولا يخفى أن العلة الحيض فقد يكون الشيء متعبداً من وجه معقولاً من وجه، وطلاق الحائض من ذلك، فمن علقه بمسمى الحيض، فقد قضى بالتعبد من حيث إرادته الحكم على هذا الاسم سواء وجد معه تطويل العدة أم لا، وكل من تعلق بالمظنة شرط اشتمالها على الحكمة، وهذا هو الجاري على المعنى، واعلم أن أصحابنا ذكروا خلافاً في باب صلاة العيد أن ما فعله النبي ﷺ لمعنى وزال هل تبقى سنيته أم لا؟ على وجهين كالرمل ونحوه، وليس هو هذا الخلاف المذكور هنا، لأنا حيث قلنا تبقى سنيته
стр. 1180
فلا بد له من علة، وهو جار على قولنا: يجوز تعليل الحكم الواحد في حال بعلة وفي أخرى بغيرها.
(ص): والقاصرة منعها قوم مطلقاً، والحنفية إن لم تكن بنص أو إجماع والصحيح جوازها، وفائدتها معرفة المناسبة، ومنع الإلحاق، وتقوية النص، قال الشيخ الإمام: وزيادة الأجر عند الامتثال لأجلها.
(ش): العلة القاصرة وهي التي لم تتعد عن محل النص بل مقتصرة عليه إن عرفت عليتها بنص أو إجماع جاز التعليل بها، ونقل الاتفاق عليه جماعة منهم القاضي أبو بكر لكن القاضي عبد الوهاب طرد فيها الخلاف الآتي وإليه أشار بقوله: منعها قوم مطلقاً وإن عرفت عليتها بغيرهما كتعليل الربا في النقدين بجوهريتهما، فذهب الحنفية إلى بطلانها، وذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة إلى
стр. 1181
الصحة لأنها مناسبة للحكم فيصح، والمانعون قالوا: لو كانت صحيحة كانت مفيدة لكنها غير مفيدة، لأن الحكم في الأصل ثابت بغيرها، وليس لها فرع إذ هي قاصرة، وهذا منقوض بالقاصرة بنص أو إجماع، فإن الخصم وافق على تجويزه فلو صح ما قالوه كان النص عليها عبثاً، والإجماع عليها خطأ، وبأن الفائدة غير منحصرة فيما ذكرتم من إثبات الحكم بها، بل لها فوائد، فقول المصنف: فائدتها هو جواب عن سؤال الخصم وذكر لها أربع فوائد.
أحدها: معرفة حكمة الحكم فيكون أدعى إلى القبول والانقياد مما لا تعلم مناسبته، ونازع المقترح في هذه الفائدة بأن مشروعية حكم السببية لم يكن لذلك،
стр. 1182
بل للتعريف فماذا ينفع النظر في فوائد لم يشرع لها الشيء.
ثانيها: أنها تفيد منع حمل الفرع على الأصل كما أن المتعدية تفيد إثبات الحمل فإنه إذا علمنا أنها قاصرة امتنع القياس عليه.
ثالثها: أنها تزيد النص قوة ويتعاضدان، ذكره القاضي أبو بكر وغيره، قال: وكذلك سبيل كل دليلين اجتمعا في مسألة، فيكون الحكم ثابتاً بالعلة والنص معاً، وينبغي أن يحمل هذا على ما إذا كان النص ظاهراً فيمكن أن يقال: إنها تقوي الظاهر وتعصمه من التأويل، فكأنها باقية في محل النصوصية منه متعدية إلى ما يقبل التأويل، أما إذا كان بقاطع فلا تقوية إذن، وقد صرح بذلك الإمام في (البرهان).
رابعها: إن المكلف يقصد الفعل لأجلها فيحصل له أجران: أجر قصد الفعل للامتثال وأجر قصد الفعل لأجلها فيفعل المأمور به لكونه أمراً وللعلة، ذكره والد المصنف،
стр. 1183
وظهر بهذه الفوائد بطلان قول أبي زيد الحنفي، إنها لا تفيد علماً ولا عملاً.
(ص): ولا تعدى لها عند كونها محل الحكم (٩٧/ز) أو جزأه الخاص أو وصفه اللازم.
(ش): علة الحكم إما محله الذي يثبت فيه أو جزء ماهيته الخاص، أو وصفه اللازم للموصوف.
فالأول: كقولنا: الذهب ربوي لكونه ذهباً، فإن علة ذلك الحكم ذلك المحل، وكذلك علة حرمة الخمر كونه معتصراً من العنب.
стр. 1184
الثاني: كونه معتصراً فقط.
والثالث: كالنقدية في الذهب والفضة (١٧/ك) فإنه وصف لازم لهما، ومثله في (المستصفى) بالصغر يعني في الولاية عليه، وفيه نظر لأنه يزول بالكبر، فأشبه الشدة المسكرة في العروض، وهذه الثلاثة لا تكون إلا في العلة القاصرة، لاستحالة وجود خصوصية المحل أو جزئه الخاص أو وصفه اللازم له في غيره، وإما أن يكون جزء العام المشترك بينه وبين غيره لا يكون إلا في المتعدية، كتعليل إباحة البيع بكونه عقد معاوضة فعقد المعاوضة من حيث إنها جنسه جزء له لا يختص به، وعلم من كلامه جواز التعليل بمحل الحكم جزئه الخاص، وهو قول الأكثرين، وقال الهندي: الخلاف فيه مبني على جواز التعليل بالقاصرة، فإن جوز ذلك جوز هذا وإن منع منع، وقال الأصفهاني شارح (المحصول): ذهب
стр. 1185
الأكثرون إلى جواز التعليل بالمحل وبجزئه، وقيل يمتنع فيهما، وقيل: يجوز بالجزء دون المحل ومختار الإمام: يجوز التعليل بالمحل في القاصرة دون المتعدية، وقد يقال: لا حقيقة لهذا المذهب، لأن العلة بالمحل هي القاصرة، وإطلاق الأول وإن أطلق فهو مخصوص بها فكيف يصح التفصيل.
(ص): ويصح التعليل بمجرد الاسم اللقب، وفاقاً لأبي إسحاق الشيرازي وخلافاً للإمام، وأما المشتق فوفاق، وأما نحو الأبيض فشبه صوري.
(ش): للتعليل بالاسم ثلاث صور:
أحدها: اسم اللقب، كما لو عللنا كون النقدين ربويين بأن اسمهما ذهب وفضة، قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): يجوز أن يكون وصف العلة صفة كالطعم في البر واسماً كقولنا: تراب وماء، وقيل: لا يجوز أن يكون الاسم علة، وهو خطأ، لأن كل معنى جاز أن يعلق الحكم عليه من جهة النص، جاز أن يستنبط من النص، ويعلق الحكم عليه كالصفات والأحكام، وأما الإمام في (المحصول)
стр. 1186
فقال: اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم كتعليل تحريم الخمر بأن العرب سمته خمراً، فإنا نعلم بالضرورة أن هذا اللفظ لا أثر له، فإن أريد به تعليله بمسمى هذا الاسم من كونه مخامراً للعقل، فذلك تعليل بالوصف لا بالاسم فتحصل طريقان:
أحدهما: القطع بالمنع.
والثانية: إثبات خلاف، والصحيح الجواز، وهو الذي صححه ابن السمعاني وغيره وقد استعمله الشافعي ﵁ فقال في بول ما يؤكل لحمه: لأنه بول فأشبه بول الآدمي وذكر صاحب (الخصال) من الحنابلة: أن الإمام أحمد نص على التعليل به أيضاً.
الثانية: اسم اشتق من فعل كالسارق والقاتل فيجوز جعله علة، وحكاية المصنف فيه الاتفاق، ممنوع، ففي (التقريب) لسليم الرازي حكاية قول بمنع الاسم
стр. 1187
مطلقاً لقباً ومشتقاً.
الثالثة: اسم اشتق من صفة كالأبيض والأسود، وقال ابن السمعاني فهذا من علل الاشتباه الصورية، فمن احتج بالشبه الصوري احتج به.
تنبيه: لك أن تسأل عن مسألة الفرق بين العلة القاصرة والتعليل بالمحل والتعليل بالاسم، والجواب: أن العلة القاصرة أعم من المحل لأن المحل ما وضع له اللفظ كالخمر والبر، والقاصرة وصف اشتمل عليه محل النص لم يوضع له اللفظ كالنقدية، فكل محل علة قاصرة وليس كل علة قاصرة محلاً، وأما الفرق بين المحل والاسم فقيل من وجهين.
أحدهما: أن المراد بالاسم الجامد الذي لا ينبئ عن صفة مناسبة، فيصح إضافة الحكم إليها بخلاف الخمر الدال على التخمير المناسب للتحريم، وهذا يشكل بالبر، فإنه يجوز التعليل به وهو جامد.
والثاني: أن يكون المراد التعليل بالتسمية نحو: حرمت الخمر لتسميتها خمراً، والتفاضل في البر لتسميته براً ونحوه، إذ التسمية لا تأثير لها بخلاف المعنى المستفاد من المحل بإشارة وتنبيه، وربما التفت الكلام ههنا إلى الاسم والمسمى، ثم قال: هما واحد أو متغايران، والمراد المسمى الذي هو مدلول الاسم فحكمه حكم سائر العلل، إن كان مؤثراً أو مناسباً علل به وإلا فلا، ومن أراد الاسم الذي هو اللفظ لم يعلل به قطعاً.
стр. 1188
(ص): وجوز الجمهور التعليل بعلتين، وادعوا وقوعه وابن فورك والإمام في المنصوصة دون المستنبطة ومنعه إمام الحرمين شرعاً مطلقاً وقيل: يجوز في التعاقب، والصحيح القطع بامتناعه عقلاً مطلقاً للزوم المحال من وقوعه كجمع النقيضين.
(ش): يجوز تعليل الحكم الواحد نوعاً المختلف شخصاً بعلل مختلفة، وفاقاً، كتعليل إباحة قتل زيد بردته وعمرو بالقصاص، وخالد بالزنا، أما الواحد بالشخص فلا خلاف في امتناع تعليله بعلل عقلية، وأما بعلل شرعية كتحريم وطء الحائض المعتدة المحرمة، فعلى مذاهب:
أحدهما: وعليه الجمهور: جوازه مطلقاً ووقوعه فإن اللمس والبول والغائط والمذي يثبت بكل واحد منها الحدث، والقصاص والردة يثبت بكل منهما القتل، وكذلك إذا أرضعت صغيرة لبن زوجة أخيك وأختك، حرمت لكونك خالها وعمها دفعة، ويخرج المانع كل صورة على أنها أحكام متعددة كقولهم في القتل بأسباب: أن أشخاص القتل متعددة، وإن اتحد النوع بمحل، فإن القتل في صورة واحدة محال تعدده، إذ هو إزهاق الروح، وصورة العم والخال يدفع كل إشكال.
الثاني: المنع مطلقاً، واختاره الآمدي ونقله عن القاضي وإمام الحرمين.
стр. 1189
والثالث: يجوز في المنصوصة دون المستنبطة وهو رأي الأستاذ ابن فورك، واختاره الإمام وأتباعه.
والرابع: يجوز عقلاً ولكنه يمتنع شرعاً، وهو ما نقله ابن الحاجب (٩٨/ز) عن إمام الحرمين، وقال الصفي الهندي: إنه الأشهر عنه، يعني: بخلاف نقل الآمدي وعليه جرى المصنف، فإنه الموجود في (البرهان) حيث قال: ليس ممتنعاً عقلاً وتسويغاً، ونظراً إلى المصالح الكلية لكنه ممتنع شرعاً، وحاصله أنه جائز عقلاً لكنه لم يقع قط، وذكر أنه تصفح الشريعة فلم يجد ذلك، وقال: إن المختلفين في المسائل يختلفون في العلل كاختلافهم في الحكم كمسألة الربا هذا مع أنه في كتب الفروع قال في تدبير المستولدة: إنه يصح، ويكون لعتقها يوم موت السيد سببان، لكنه اعترف بأنه لا أثر لبقاء التدبير، وكأنه إنما منع اجتماع علتين معرفان أو مؤثران، فحيث لا يحصل التأثير لم يجتمع، وهل يجري هذا الخلاف في التعليل (١٨/ك) بعلتين سواء كانا متعاقبين
стр. 1190
أو معاً، أو هو مختص بالمعية؟ كلام ابن الحاجب يقتضي الأول، والصواب عند المصنف الثاني، ولهذا ضعفه، بقوله: وقيل يجوز في التعاقب، واحتج عليه بأنه يلزم من شموله حالة التعاقب أن يكون في الأمة من يمنع أن اللمس والمس مثلاً ليسا بعلتين وإن وجد أحدهما بمفرده بل لا علة إلا واحد فقط، فلا يكون للحدث مثلاً غير علة واحدة، وهذا لا يقوله أحد، ثم الصحيح عند المصنف القطع بامتناعه عقلاً.
(ص): المختار وقوع حكمين بعلة إثباتاً كالسرقة للقطع والغرم، ونفياً كالحيض للصوم والصلاة وغيرهما، وثالثها: إن لم يتضاداً.
(ش): في تعليل الحكمين بعلة مذاهب:
أصحها: الجواز، سواء الإثبات كالسرقة، فإنها تناسب القطع زجراً للسارق حتى لا يعود، وتناسب التغريم جبراً لصاحب المال، وفي النفي كالحيض يناسب المنع من الصلاة والصوم وغيرهما من الأحكام كالطواف وقراءة القرآن، ومس المصحف.
стр. 1191
والمذهب الثاني: المنع مطلقاً.
والثالث: الجواز إن لم يتضادا كالحيض لحرمة الصوم والصلاة دون ما إذا تضاداً، كما يكون مبطلاً لعقد مصححاً لآخر كالتأبيد في الإجازة والبيع.
(ص): ومنها أن يكون ثبوتها متأخراً عن ثبوت حكم الأصل خلافاً لقوم.
(ش): أي: من أهل العراق كما قاله القاضي عبد الوهاب كما يقال فيما أصابه عرق الكلب: أصابه عرق حيوان نجس فيكون نجساً كلعابه فيمنع كون عرق الكلب نجساً فيقال: لأنه مستقذر، فإن استقذاره إنما يحصل بعد الحكم بنجاسته وقال الهندي: الحق الجواز إن أريد بالعلة المعرف، وإن أريد بها الموجب أو الباعث فلا.
(ص): ومنها أن لا تعود على الأصل بالإبطال.
стр. 1192
(ش): لأن العلة فرع هذا الحكم، والفرع لا يرجع إلى إبطال أصله، وإلا يلزم أن يرجع إلى نفسه بالإبطال، ولهذا ضعف مأخذ الحنفي في تأويله حديث: ((في أربعين شاة شاة))، أي: قيمة شاة، لأن القصد دفع الحاجة بالشاة أو القيمة، فإنه يلزم منه أن لا تجنب الشاة عينا فإن غير الشاة ليست بشاة، قال السهروردي: وأنصف أمير المتأخرين، يعني: الغزالي ﵀، فقال: ليس هذا دافعاً للنص وإنما يلزم أن لو جوزوا الترك مطلقاً إما إلى بدل فلا تخرج الشاة عن كونها واجبة، فإن من أدى خصلة من خصال الكفارة المخير فيها فقد أدى واجباً وإن كان الوجوب يتأدى بغيرها، فهذا موضع الوجوب لا إسقاط له، وأما تخصيص الشاة بالذكر فيجوز أن يكون لكثرة الوجود عندهم، كتخصيصهم الاستنجاء بذكر الحجر مع الجواز بالمدر، أو لسهولة الأداء على المالك، قلت: فيه رفع للنص من حيث إبطال تعلق الزكاة
стр. 1193
بالعين، ونقلها إلى الذمة، ولئن سلم أنه لا يتضمن الإبطال لكنه يتضمن التغيير ولا يجوز تغير حكم النص بعلته لا سيما ومبنى الزكاة على التعبد.
(ص): وفي عودها بالتخصيص لا التعميم قولان.
(ش): الخلاف في عودها بالتخصيص ليس هو الخلاف في تخصيص العموم بالقياس كما توهمه بعضهم، لأن ذلك في قياس نص خاص إذا قابل عموم نص آخر، وهذا معناه أن العلة المستنبطة من أصل عام من كتاب أو سنة، هل يشترط أن لا تعود على أصلها بالتخصيص؟ فيه قولان للشافعي ﵁ مستنبطان من اختلاف قوليه في نقض الوضوء بلمس المحارم.
أحدهما: لا ينقض نظراً إلى أن العلة مظنة الاستمتاع لا سيما إذا فسر الملامسة في الآية بالجماع فهذه العلة عادت على الأصل بالتخصيص.
والثاني: ينتقض تمسكاً بالعموم، وكذلك ورد النهي عن بيع اللحم
стр. 1194
بالحيوان، وعمومه يقتضي عدم الفرق بين المأكول وغيره، والمعنى يقتضي تخصيصه بالمأكول لأنه بيع الربوي بأصله وما ليس بربوي لا مدخل له في النهي وللشافعي ﵁ في بيعه بغير المأكول قولان مأخذهما هذا الأصل، والأصح المنع تمسكاً بالعموم وإنما لم يرجح شيئاًَ من القولين لأن الأصحاب لم يطردوا فيه ترجيحاً بل في بعض الصور يخصونه بالمعنى كالمحارم، وفي بعضها لا يخصونه كاللحم بالحيوان، وذكر الهندي في (الرسالة السيفية) أن القولين هما القولان في تخصيص العلة فقال: ما استنبط من الحكم يجب أن لا يبطله بالكلية لأنه فرعه، وإن اقتضى تخصيصه ففيه خلاف مبني على تخصيص العلة لأن التخصيص مناف، والفرع لا ينافي أصله ثم قال: قيل المستنبطة لا يجوز أن تكون مخصصة للكتاب والسنة المتواترة وهو بناء على أنه لا يجوز تخصيصهما بالقياس ومذهبنا صحته، وذكر في موضع آخر أن ما ثبت علته بالإيماء وهو ترتيب الحكم على الوصف لا يجوز أن يستنبط منه تخصيص الحكم قطعاً، وإن جوز ذلك في غيره وهو مصرح بتخصيص الخلاف بالعلة المنصوصة، وجزم في (المستصفى) بأن العلة إذا عكرت على الأصل بالتخصيص لا تقبل، واستثنى ما إذا سبق المعنى إلى الفهم فيجوز أن
стр. 1195
يكون قرينة مخصصة للعموم، قال: أما المستنبطة بالتأمل ففيه نظر، وأما عودها (٩٩/ز) على الأصل بالتعميم فمحل وفاق، وهو غالب الأقيسة، كاستنباط ما يشوش الفكر من قوله ﷺ : ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) قال القاضي أبو الطيب الطبري: وأجمعوا على أنه ليس لنا علة تعود على أصلها بالتعميم إلا هذا المثال وذلك جائز بالإجماع وفيما قاله نظر.
(ص): وأن لا تكون المستنبطة معارضة بمعارض مناف موجود في الأصل، قيل: ولا في
следующие страницы →