Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
ينفك أحدهما عن الآخر.
(ص): كحكمه بعد سماع وصف، وكذكره في الحكم وصفاً لو لم يكن علة لم يفد، وكتفريقه بين حكمين بصفة مع ذكرهما أو ذكر أحدهما أو شرط أو غاية أو استثناء أو استدارك، وكترتيب الحكم على الوصف، وكمنعه مما قد يفوت المطلوب.
(ش): الإيماء على خمسة أوجه:
أحدها: أن يحكم عقب علمه بصفة المحكوم عليه، وقد انتهى إليه المحكوم عليه حاله، كقول الأعرابي، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: ((أعتق رقبة)) رواه ابن ماجه وأصله في الصحيح فإنه دليل أن الوقاع علة للتكفير كأنه قال: إذا واقعت فكفر أو أعتق رقبة لكونك واقعت، إذ الأمر بالعتق ابتداء من غير ترتيب
стр. 1227
بعيد، وقد ثبت أن الوصف إذا رتب عليه الحكم في كلام الشارع بفاء التعقيب تحقيقاً، فإنه يكون علة، فكذلك، إذا رتب عليه بالفاء تقديراً.
ثانيها: أن يذكر الشارع في لفظه وصفاً لو لم يكن علة فيه لم يكن لذكره فائدة، فيدل على عليته إيماء، وإلا كان ذكره عبثاً، كقولك: إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرة، فقال ﵊: ((إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) وفي هذا الحديث جهتان يدلان على التعليل بما ذكرنا وتقديره: فإن.
стр. 1228
ثالثها: أن يفرق ﷺ بين شيئين في الحكم إما بذكر صفة فاصلة، فهو تنبيه على أن الوصف الفاصل هو الموجب للحكم الذي عرف به المفارقة، ثم تارة يذكر القسمان كقوله: ((للفرس سهمان، وللراجل سهم)) رواه البخاري وتارة يقتصر على ذكر أحدهما مثل: ((القاتل لا يرث)) رواه الترمذي فإنه تقرر أن القريب وارث، فإذا بان أن القاتل لا يرث علم أن القتل هو
стр. 1229
العلة في نفي الإرث، وإما أن يفرق بينهما بصيغة الشرط كقوله: إذا اختلف الجنسان، أو الغاية كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ أو الاستثناء ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾ أو الاستدراك كقوله تعالى (٢٤/ك) ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ فدل على أن التعقيد علة المؤاخذة، والمعتمد في هذا النوع على أنه لا بد للتفرقة من فائدة، وجعل الوصف سبب التفرقة فائدة، والأصل عدم غيره.
стр. 1230
رابعها: ترتيب (١٠٤/ ز) الحكم على الوصف، كذا أطلق المصنف، وفي (المنهاج) قيده بالفاء، وحسن ذلك منه، لأنه لم يذكر الفاء في قسم النص، وابن الحاجب ذكر الفاء في قسم النص، وجعل هذا من الإيماء لكن عبر عنه بقوله: ذكر وصف مناسب مع الحكم، ومثله بقوله ﷺ ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) فإنه فيه إيماء إلى أن الغضب علة، لأنه يشوش الفكر، والأحسن في هذا المقصود عبارة ابن الحاجب، والفرق بين العبارتين أن الوصف تارة يعتبر من جهة خصوصه، وتارة من جهة عمومه، وأن يشتغل تارة بكون الوصف مذكوراً، وتارة لا يكون.
فالأول: هو المعبر عنه بترتيب الحكم على الوصف، وقد سبقت أمثلته، والوصف فيها كلها مذكور، ولهذا جعلت من قسم الظاهر الملفوظ به.
والثاني: هو المعبر عنه بذكر الوصف المناسب مع الحكم فإنه يشعر بأن الغضب علة لكيلا، نعلم أن خصوص كونه غضباً لا مناسبة فيه، فيلزم أن يكون معتبراً من جهة عمومه، وهو كونه مشوشاً للفكر، وهذا الوصف غير مذكور لكنه مناسب، فيلزم أن يلحق به ما في معناه من الجوع والعطش وغيرهما: وظهر بهذا أن العلة في الحقيقة إنما هي التشويش لا الغضب خلافاً لما وقع في عبارة كثير من الناس، وقال الإمام فخر الدين: لا ملازمة بين التشويش والغضب، لأن التشويش إنما ينشأ عن الغضب الشديد لا عن مطلقه، لأن مطلق الغضب لا يمنع، فلا يصح للدلالة على العلية،
стр. 1231
والجواب: أن وصف الغضب مظنة التشويش الذي هو الحكمة، ولما كانت الحكمة التي هي تشويش الذهن غير منضبطة علق الحكم على مظنتها وهو الغضب كالسفر مع المشقة.
خامسها: إذا نهى عن فعل يمنع الإتيان به حصول ما تقدم وجوبه علينا، كان إيماء إلى أن علة ذلك النهي كونه مانعاً من الوجوب كقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ فإنه لما أوجب السعي ونهى عن البيع مع علمنا بأنه لو لم يكن المنهي عنه، لمنعه من السعي الواجب لما جاء ذكره في هذا الموضع لكونه يخل بالفصاحة، دل على إشعاره بالعلة، وقال القرافي: إنه يستفاد من السياق فإن الآية لم تنزل لبيان أحكام البياعات بل لتعظيم شأن الجمعة.
(ص): ولا يشترط مناسبة المومئ إليه عند الأكثر.
(ش): في اشتراط المناسبة في صحة علل الإيماء مذاهب:
أحدها: يشترط مطلقاً، واختاره الغزالي ﵀ لأن تصرفات العقلاء المستندة إلى التعليل لا تتعدى التعليل بالحكمة فلا يصح أكرم الجاهل وأهن العالم.
стр. 1232
الثالث: واختاره ابن الحاجب أن فهم التعليل من المناسبة كما في قوله: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) اشترطت المناسبة لامتناع فهم التعليل منه بدون فهم المناسبة، وإن لم يفهم التعليل منها لم يشترط الامتناع وجود المناسبة من غير فهم التعليل، واعلم أن هذا الخلاف إنما هو بالنسبة إلى أنه هل يشترط ظهور المناسبة، وإلا فلا بد منهما في نفس الأمر قطعاً للاتفاق على امتناع خلو الأحكام من الحكمة إما وجوباً أو تفضيلاً على الخلاف الكلامي.
(ص): الرابع: السبر والتقسيم، وهو: حصر الأوصاف في الأصل وإبطال ما لا يصلح فيتعين الباقي.
(ش): أي: العلية تسمى بذلك لأن الناظر في العلة يقسم الصفات ويختبر صلاحية كل واحدة منها للعلية، والسبر في اللغة: الاختبار، لا يقال: كان الأولى
стр. 1233
أن يقول: التقسيم والسبر لأنه يقسم ثم يسبر، لأنا نقول: ما ذكره أولى، وقولكم يقسم إلى آخره ـ صحيح لكنه ثاني سبر، لأنه يسبر المحل أولاً، هل فيه أوصاف أو لا؟ ثم يقسم ثم يسبر ثانياً، فيكون السبر والتقسيم علماً على السبر في الأصل، ويكون من القسمية بالمعطوف والمعطوف عليه.
(ص): ويكفي قول المستدل: بحثت فلم أجد، والأصل عدم ما سواها.
(ش): من طرق نفي العلة قول المستدل وهو أهل ثقة: بحثت فلم أجد سوى الأوصاف المذكورة، لأنه إذا كان عدلاً أهلاً للنظر غلب على الظن انتفاء ما سوى المذكور، أي: إلا أن يدل الدليل فإنه يحصل ظن الحصر فيما ذكره، فإن بين المعترض وصفاً آخر لزم المستدل إبطال كونه علة حتى يتم الاستدلال، هذا كله في حق المناظر، وحينئذ يكون الحكم بنفي وصف آخر مستنداً إلى الظن بعدمه لا إلى
стр. 1234
عدم العلم به.
(ص): والمجتهد يرجع إلى ظنه، فإن كان الحصر والإبطال قطعياً فقطعي، وإلا فظني.
(ش): متى كان الحصر في الأوصاف، ودليل بعضها قطعياً فتعليل الناظر بالوصف الباقي، وحكم المجتهد قطعي، وقوله: وإلا يشمل صورتين: أن يكونا ظنيين أو أحدهما ظني والآخر قطعي، فتعليل المناظر بالوصف الباقي وحكم المجتهد به ظني.
(ص): وهو حجة للناظر والمناظر عند الأكثر، وثالثاً إن أجمع على تعليل ذلك الحكم وعليه إمام الحرمين ورابعها للناظر دون المناظر,
(ش): الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وهو الظني، فإنه متى كان الحصر والإبطال قطعياً كان دليلاً قطعياً بلا خلاف، وإنما اختلفوا في الظني على مذاهب:
أحدها: أنه حجة مطلقة لأنه يثير غلبة الظن، واختاره القاضي أبو بكر وقال: إنه أقوى ما تثبت به العلل.
والثاني: ليس بحجة مطلقاً وحكاه في (البرهان) عن بعض الأصوليين.
стр. 1235
والثالث: حجة بشرط انعقاد الإجماع على تعليل حكم الأصل على الجملة واختاره إمام الحرمين، قال: فإذا أجمعوا على كون المحل معللاً فهنا يفيد السبر فإذا ما نفي علته أدى تقدير بطلانه وقد بطل غيره خطأ أهل الإجماع قيل له: فالقائسون بعض الأمة، قال: بل منكر القياس وليس من العلماء.
الرابع: أنه حجة للناظر دون المناظر (١٠٥/ز) واختاره الآمدي.
(ص): فإن أبدى المعترض وصفاً زائداً لم يكلف بيان صلاحيته للتعليل، ولا ينقطع المستدل حتى يعجز عن إبطاله.
(ش): إذا تم السبر بركنيه، وهو الحصر ظاهراً وإبطال سائر الأقسام، فللمعترض إبداء وصف آخر لم يدخل في حصر المستدل ويكفيه ذلك ولا يحتاج إلى بيان كونه علة أو صالحاً للتعليل، وعلى السابر إبطال التعليل به ولا يتم دليله إلا بذلك، وإلا فيحتمل أن تكون العلة ما أبداه المعترض، ولا يعد المستدل منقطعاً بمجرد بيان المعترض وصفاً آخر ما لم يعجز عن إبطاله، فإنه لم (٢٥/ك) يدع القطع
стр. 1236
بالحصر، بل جوز أن يكون ثم وصف آخر شذ عن سبره، فإذا ظهر فما لم يبطله لم يتعين ما استبقاه، وإنما لم يلزم من ذلك انقطاع المستدل فيما يقصده من التعليل بالوصف الباقي، إذ غايته منع مقدمة من مقدمات دليله، وقيل: ينقطع لأنه ادعى حصراً أظهر بطلانه، قال المصنف: وعندي أنه ينقطع إن كان ما اعترض به مساوياً في العلة لما ذكره في حصره وإبطاله لأنه ليس ذكر المذكور وإبطاله أولى من ذلك المسكوت عنه المساوي له، وإن كان دونه فلا انقطاع له لأن له أن يقول: هذا لم يكن عندي محتملاً البتة بخلاف ما ذكرته وأبطلته.
(ص): وقد يتفقان على إبطال ما عدا وصفين فيكفي المستدل التردد بينهما.
(ش): لو اتفق الخصمان على انحصار العلة في وصفين وإبطال ما عداهما لم يحتج المستدل إلى ذكر ما اتفقا على بطلانه في التقسيم، بل يردد بين الباقي ويثبت أن العلة أحدها، ولو قال: اتفقنا على أن هذا معلل، وأن العلة فيه أحد المعنيين، إما المعنى الذي ذكرته أنا الذي ذكرته أنت ومع علتي مرجح كذا، فقال القاضي أبو الطيب في مناظرته مع أبي الحسين
стр. 1237
القدوري: لا يكفي، فإن اتفاقي معك على أن العلة أحد المعنيين لا يكفي في الدلالة على صحة العلة، لأن إجماعنا ليس بحجة، وإنما تنهض الحجة بإجماع الأمة، وقال القدروي: يكفي ذلك لقطع المنازعة.
(ص): ومن طرق الإبطال بيان أن الوصف طرد ولو في ذلك الحكم كالذكورة والأنوثة في العتق.
(ش): أي من طرق إبطال كون بعض الأوصاف علة بيان أن الوصف طردي من جنس ما علم من الشارع إلغاؤه إما مطلقاً، أي: في جميع أحكام الشرع، كالطول والقصر، فإنه لم يعتبره في القصاص، ولا في الكفارة، ولا الإرث، والعتق، ولا التقديم للصلاة ولا غيرها، فلا يعلل به حكم أصلاً، أو بالنسبة إلى ذلك الحكم كالذكورة في أحكام العتق، إذ هي ملغاة فيه مع كونها معتبرة في الشهادة والقضاء وولاية النكاح والإرث، فلا يعلل بها شيء من أحكام العتق وقد ينازع في هذا
стр. 1238
بأن الشارع اعتبرها في حصول الأجر، فروى الترمذي: ((من أعتق عبداً مسلماً أعتقه الله من النار، ومن أعتق اثنين مسلمين أعتقه الله من النار)).
(ص): ومنها ألا تظهر مناسبة المحذوف ويكفي قول المستدل: بحثت فلم أجد موهم مناسبة، فإن ادعى المعترض أن المستبقى كذلك فليس للمستدل بيان مناسبته لأنه انتقال، ولكن يرجح سبره بموافقة التعدية.
(ش): من طرق الإبطال أن لا تظهر مناسبة الوصف المقصود حذفه بعد البحث، وإذا لم تظهر مناسبته سقط.
стр. 1239
عن درجة الاعتبار، ويكفي أن يقول المناظر: بحثت فلم أجد مناسبة بينه وبين الحكم لغلبة الظن بذلك، فإن ادعى المعترض أن الوصف المستبقى كذلك، لأني بحثت فلم أجد مناسبة بينه وبين الحكم تعارضا، وليس للمستدل بيان مناسبته، لأنه حينئذ انتقال من السبر إلى المناسبة لكن المستدل يحتاج إلى إثبات مرجح يترجح به سبره على سبر المعترض بأن يبين أن سبره موافق لتعدية الحكم.
وسبر المعترض قاصر، وهو بناء على أن المتعدية أرجح من القاصرة وهو المختار، وقد نازع بعضهم في الترجيح، لأن المعترض إذا قال: بحثت عن المستبقى فلم أجد له مناسبة فلا يخلو، إما أن يتعرض إلى نفي مناسبة المحذوف أيضاً أو يسكت، فإن كان الأول كما هو ظاهر كلام ابن الحاجب فكل منهما سبر لمحذوف والمستبقى سبره المعترض فلم يجده مناسباً والمستدل لم يسبره فكيف يرجح عدم السبر على السبر أو سبر واحد على سبرين، وكل منهما يكفيه: بحثت فلم أجده مناسباً، ويمكن الجواب على ثبوت مقدمة وهو أنه لما ثبت أن الأحكام معللة، وكان سبر المستدل يؤدي إلى ثبوت العلة، ويتعدى الحكم إلى الفرع، وسبر المعترض يؤدي إلى قصور الحكم على محله لعدم ظهور علته، كان سبر المستدل أولى، وإن كان الثاني وهو
стр. 1240
بيان عدم مناسبة المستبقى والسكوت، عن المحذوف، أو ادعى نقيضه للعلة، لأن المعترض حصر الأوصاف فقد تعارض السبران، فكيف يقدم سبر المستدل عليه، لا يقال: يمكن أن يكون الوصف المحذوف قاصراً والمستبقى متعدياً في سبر المستدل بخلاف المعترض فلذلك رجح سبر المستدل، لأنا نقول: المسألة عامة وهذا جزئي ولا يثبت الكلية بمثال جزئي.
(ص): الخامس: المناسبة والإخالة، ويسمى استخراجها تخريج المناط، وهو في الاصطلاح: تعيين العلة بإبداء مناسبة مع الاقتران والسلامة عن القوادح كالإسكار.
(ش): سميت بالإخالة لأنه بالنظر إليه يخال أنه علته أي: يظن، واستخراج المناط لأنه ابتداء ما نيط به الحكم، أي: علق عليه، وهو تعيين العلة، أي: في
стр. 1241
الأصل بإبداء مناسبة بينها، وبين الحكم مع اقتران الحكم للوصف والسلامة عن القوادح، فخرج بقوله: بإبداء المناسبة تعين العلة بالطرد، وهو ما عدي عن المناسبة، وكذا تعينها (١٠٦/ز) بالشبه، وابن الحاجب قال: من ذاتية الأصل ليخرجه، فإن مناسبته بالتبع، وقوله: مع الاقتران قيد زائد، زاده على ابن الحاجب وهو لبيان اعتبار المناسبة لا لتحقيق ماهيتها بدليل قولهم: المناسبة مع الاقتران دليل العلية، ولو دخل الاقتران في ماهية المناسبة لما صح هذا، وتمثيله بالإسكار في تحريم الخمر فإن تحريمه منصوص، وعلته غير منصوص عليها، ولكن استنبطها الأئمة بالنظر والاجتهاد، فإن الإسكار لكونه مزيلا للعقل المطلوب حفظه يناسب التحريم وألحقوا به النبيذ، وهذا هو الاستنباط القياسي الذي عظم الخلاف فيه وأنكره أهل الظاهر وغيرهم،
стр. 1242
وقيل في هذا التعريف دور، لأن معرفة إبداء المناسبة تتوقف على معرفة المناسبة، فكيف يعرف بها، وجوابه أن المناسبة المذكورة في التعريف لغوية بمعنى الملائمة، فلا دور،
(ص): ويتحقق الاستقلال بعدم ما سواه بالسبر.
(ش): أي ولا يكفي قوله بحثت فلم أجد، وإلا لزم الاكتفاء فيه بذلك ابتداء في مسألة خلافية، ولا قائل به بخلافه فيما سبق حيث اكتفي بذلك في جانب النفي لأنه لا طريق له سواه.
(ص): والمناسب الملائم لأفعال العقلاء عادة (٢٦/ك) وقيل ما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً وقال أبو زيد ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول، وقيل: وصف ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح كونه مقصوداً للشارع من حصول مصلحة أو دفع مفسدة.
(ش): للمناسب تعريفات.
أحدها: الملائم لأفعال العقلاء في العادة، أي ما يكون بحيث يقصد العقلاء تعقله على مجرى العادة لتحصيل مقصود مخصوص، كما يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة، وهذه الجبة تناسب هذه العمامة.
والثاني: ما يجلب نفعاً أو يدفع مضرة، والمراد بالنسبة للعبد لتعالي الرب عز
стр. 1243
وجل عن الضرر والانتفاع وعليه اقتصر في (المنهاج)، والإمام ذكر التفسيرين واختلافهما باختلاف قول الناس في تعليل أفعال الله تعالى فمن أباه قال بالأول، ومن قال به قال بالثاني، ولما كان الحق قول الأشعري عدم التعليل صدر المصنف به.
والثالث: قول أبي زيد، قال في (البديع): وهو أقرب إلى اللغة وبنى عليه امتناع الاحتجاج به على العلة في قيام المناظرة دون النظر، لإمكان أن يقول الخصم: هذا لا يتلقاه عقلي بالقبول، وليس الاحتجاج على تلقي عقل غيري له أولى من الاحتجاج على ذلك الغير بعدم تلقي عقلي له بالقبول، ومنهم من اعتنى به، وقال الحاكم: ليس عقله ولا عقل مناظره بل العقول السليمة والطباع المستقيمة فإذا عرض عليها وتلقته انتهض دليلاً على مناظره.
стр. 1244
والرابع: للآمدي وابن الحاجب بالظاهر المنضبط احتراز عن الوصف الخفي وما لا ينضبط فإنه لا يسمى مناسباً، (وما يصلح كونه مقصوداً) فاعل (يحصل) احتراز عن الوصف المستبقى في السبر والمدار في الدوران، وغيرهما من الأوصاف التي تصلح للعلية، ولا تكون متعددة بالمعنى المذكور، وهو حصول مصلحة أو دفع مفسدة وقوله: من حصول مصلحة أو دفع مفسدة بيان لما فيما يصلح، واعلم أن قوله: وصف، جرى على الغالب، وإلا فقد سبق أن العلة تكون حكماً شرعياً ووصف =عرفياً ولغوياً، فلو قال معلوم لعم ذلك.
(ص): فإن كان خفياً أو غير منضبط اعتبر ملازمه وهو المظنة.
(ش): الضمير إن كان يعود للوصف أي فإن كان الوصف الذي يحصل من ترتيب الحكم عليه المقصود خفياً أو غير منضبط لم يعتبر، لأنه لا يعلم به الحكم؟ فامتنع التعليل به فالطريق أن يعتبر ملازمه أي يعتبر وصف ظاهر منضبط ملازم الوصف الخفي الغير المنضبط أي يوجد بوجوده، ويعدم بعدمه، فيجعل معرفاً للحكم وهو المظنة أي مظنة المناسبة كالسفر للمشقة فإنه
стр. 1245
المناسب لترتيب الرخص واعتبارها في نفسها متعذر لعدم انضباطها فنيط الترخيص بملازمها وهو السفر.
(ص): وقد يحصل المقصود من شرع الحكم يقيناً أو ظناً كالبيع والقصاص، وقد يكون محتملاً سواء كحد الخمر أو نفيه أرجح كنكاح الآيسة للتوالد، والأصح جواز التعليل بالثالث والرابع، كجواز القصر للمترفه.
(ش): لحصول المقصود من شرع الحكم مراتب.
أحدها: أن يحصل يقيناً كالبيع فإنه إذا كان صحيحاً حصل منه الملك الذي هو المقصود يقيناً.
الثاني: أن يحصل ظناً كالقصاص للانزجار، فإن مشروعيته تقلل الإقدام على القتل، وليس قطعياً لتحقق الإقدام عليه من شرع القصاص كثيراً.
الثالث: أن يكون حصول المقصود من شرع الحكم ونفي الحصول منه
стр. 1246
متساويين، قال في البديع: ولا مثال له على التحقيق ويقرب منه ما مثل ابن الحاجب بالحد على الشارب لحفظ العقل، فإن حصول المقصود من ذلك مساو لنفيه، لأن كثرة المجتنبين له مساوية تقريباً لكثرة المقدمين عليه.
الرابع: أن يكون نفي المقصود من شرع الحكم أرجح من حصوله كنكاح الآيسة لمصلحة التوالد، فإنه وإن أمكن حصول الولد منها عقلاً، غير أنه بعيد عادة فكان نفي حصول المقصود في هذه الصورة أرجح من حصوله، فأما الأولان فظاهر كلام المصنف الاتفاق على الاعتبار بهما من القائلين بالمناسبة وهو كذلك، وأما الثالث والرابع، فقيل لا يعلل بهما، أما الثالث فلتردده بين حصول المقصود وعدمه من غير ترجيح، وكذا الرابع لرجحان نفي المقصود والأصح عنده وفاقاً لابن الحاجب الجواز، فإن السفر مظنة المشقة، وقد اعتبر، وإن انتفى الظن في الملك المترفه فدل على الاكتفاء في صحة التعليل لمجرد احتمال المقصود وقال في البديع: وأما الأخيران فاتفقوا على اعتبارهما إذا كان المقصود ظاهراً من الوصف في محال صور الجنس وإلا فلا.
(ص): فإن كان فائتاً قطعاً فقالت الحنفية: يعتبر، والأصح لا يعتبر سواء ما لا تعبد فيه كلحوق نسب المشرقي بالمغربية، وما فيه تعبد كاستبراء جارية اشتراها بايعها في المجلس.
стр. 1247
(ش): لو كان القصد من شرع الحكم فائتاً قطعاً في بعض الصور النادرة (١٠٧/ز) مع حصوله في غالب الصور كلحوق نسب المشرقي بتزويج مغربية توكيلاً فأتت بولد مع القطع بأن الولد ليس منه، وإن كان لحوق الولد بالزوج ظاهراً فيما عدا هذه الصورة كذلك صورة الاستبراء فإنا نعلم قطعاً عدم العلوق منه في الأولى وبراءة الرحم في الثانية فلا وجه لاعتباره لأن شرع الحكم مع انتفاء الحكمة لا يكون مفيداً وإنما أوجب أصحابنا الاستبراء، والحالة هذه بمجرد نقل الملك على ما عرف في الفقهيات، وهو يؤول إلى ضرب من التعبد، فلهذا غاير المصنف بينه وبين الأولى، وليستحضر قوله في شرائط العلة، فإن قطع بانتفائها إلى آخره، وتحقيقه مع هذا.
стр. 1248
(ص): والمناسب ضروري فحاجي فتحسيني، والضروري كحفظ الدين فالنفس فالعقل فالنسب فالمال والعرض.
(ش): المناسب إما أن يكون في محل الضرورة أو الحاجة، أو في محل الضرورة ولا الحاجة، بل كان مستحسناً في العادات، وهو التحسين، واستفيد من عطف المصنف بالفاء ترتيبها هكذا في التقديم عند التعارض، ومثال اجتماعها في وصف واحد وهو أن نفقة النفس ضرورية، والزوجة حاجية، والأقارب تتمية، وتكملة ولهذا فقد قدم الأول (٢٧/ك) فالأول الضروري، وهو أعلاها في إفادة ظن الاعتبار بما تضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة التي دعيت في كل مسألة، ووجه الحصر فيها مستفاد من العادة وهي المجموعة في قوله تعالى: ﴿على أن لا يشركن بالله ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن﴾ فحفظ الدين كقتل الكافر وعقوبة الداعين إلى البدع والنفس كالقصاص، والعقل كحد الشرب، والنسب كحد الزاني، والمال كعقوبة السارق والمحارب، هذا ما ذكره الأصوليون، وزاد المصنف سادساً ذكره الطوفي أيضاً وهو
стр. 1249
العرض ففي الصحيحين أنه ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)) الحديث وما من مصنف في الشرعيات إلا وفيه تحرم الأعراض، وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، وحفظه بحد القذف، أما كونه من الكليات فشيء آخر يحتمل أن يجعل في رتبة الأموال فيكون في مرتبة أدنى الكليات، وإليه يشير عطف المصنف إليه بالواو دون الفاء، ويحتمل أن يجعل فيما دونها، فيكون من الملحق بها، والظاهر أن الأعراض تتفاوت فيها ما هو في الكليات، وهي الأنساب، وهي أرفع من الأموال، فإن حفظ النسب بتحريم الزنا تارة وبتحريم القذف المؤدي إلى الشك المؤذي في أنساب الخلق
стр. 1250
ونسبهم إلى أهلهم أخرى، وتحريم الأنساب مقدم على الأموال وفيها ما هو دونها وهو ما هو من الأعراض غير الأنساب.
(ص): ويلحق به مكمله كحد قليل المسكر.
(ش): يلحق بالضروري مكمل الضروري كالمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب قليل المسكر، والحد عليه، ووجه كونه مكملاً أن الكثير من المسكر مفسد للعقل، ولا يحصل إلا بإفساد كل واحد من أجزائه فحد شارب القليل، لأن القليل متلف لجزء من العقل، وإن قل، ومثله: المبالغة في حفظ الدين بتحريم البدعة، وعقوبة المبتدع، والمبالغة في حفظ النسب بتحريم النظر والمس، والتعزير عليه.
(ص): والحاجي كالبيع والإجارة وقد يكون ضرورياً كالإجارة لتربية الطفل.
(ش): الثاني ما يكون في محل الحاجة كتجويز البيع والإجارة والقراض ونحوها فليست ضرورية، إذا لا يلزم من فواتها فوات شيء من الضرورات الخمس، لكن الحاجة داعية إليها،
стр. 1251
وادعى إمام الحرمين أن البيع ضروري فإن الناس لو لم يبادلوا ما بأيديهم لجر ذلك ضرورة فيلحق بمشروعية القصاص وقوله: وقد تكون أي قد يرقى بعضها إلى الضرورة وهذا نادر ولهذا أتى فيه بقد، ومثله تمكين الولي من شراء المطعوم والملبوس له.
(ص): ومكمله كخيار البيع.
(ش): يلحق بالحاجي مكمله كالخيار في البيع فإنه شرع للتروي، وإن كان أصل الحاجة حاصلة بدونه.
(ش): والتحسيني غير معارض القواعد كسلب العبد أهلية الشهادة، والمعارض كالكتابة.
(ش): الثالث التحسيني وهو قسمان.
стр. 1252
أحدهما: ما لا تعارضه قاعدة معتبرة كسلب أهلية الشهادة عن العبد، لأنه نازل القدر، والشهادة منصب شريف فلا يليق بحاله.
والثاني: ما يعارضها قاعدة معتبرة كالكتابة فإنها وإن كانت مستحسنة في العادات لكن احتمل الشرع فيها جزم قاعدة سهلة، وهي امتناع بيع الرجل ماله بماله.
(ص): ثم إن المناسب إن اعتبر بنص أو إجماع عين الوصف في عين الحكم فالمؤثر وإن لم يعتبر بهما، بل بترتيب الحكم على وفقه ولو باعتبار جنسه في جنسه فالملائم، وإن لم يعتبر فإن دل الدليل على إلغائه فلا يعلل به وإلا فهو المرسل.
(ش): الوصف بحسب شهادة الشرع له بالاعتبار وعدمه ينقسم ثلاثة أقسام:
стр. 1253
إما أن يعلم أنه اعتبره أو ألغاء، أو لا يعلم واحد منهما،
الأول: المعتبر وهو إما أن يعتبر عين الوصف في عين الحكم بنص أو إجماع، أو بترتيب الحكم على وفقه في أصل بنص أو إجماع، فالأول، هو المؤثر، سمي بذلك لظهور تأثيره فيهما، فإنه إذا ثبت بالنص أو الإجماع أن الوصف يؤثر لم يحتج إلى المناسبة حتى لو ثبت بهما أن إيلاج الفرج في الفرج المحرم يؤثر في وجوب الحد، ووجدنا هذا المعنى في اللائط حكمنا بالحد وإن لم نجد مناسبة حفظ الأنساب مثال اعتباره بالنص مس الذكر، فإن الشارع اعتبر عين مس المتوضئ ذكره في عين الحدث بنصه عليه في قوله: ((من مس ذكره فليتوضأ)) ومثال اعتباره بالإجماع
стр. 1254
الصغر، فإنه اعتبر عينه في عين ولاية المال بالإجماع وقول المصنف: (بنص أو إجماع) تابع فيه ابن الحاجب وغيره، وهو يخرج ما علم اعتباره بطريق الإيماء والتنبيه وحكى الهندي فيه خلافاً منهم من جعله قسيم المؤثر، ومنهم من جعله من قسيم الملائم.
الثاني: أن لا يعتبر عين الوصف في عين الحكم بالنص أو الإجماع، بل بترتيب (١٠٨/ز) الحكم على وفقه، فقط أن يثبت معه في المحل من غير نص ولا إجماع على كونه علة لعين الحكم المرتب عليه، وذلك صادق على ثلاث صور، أن يعتبر النص أو الإجماع عين الوصف في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنس الوصف في جنس الحكم، وهو الملائم سمي بذلك لكونه موافقاً لما اعتبره الشرع، وهذه المسألة مستفادة من قول المصنف وإن لم يعتبر بهما، ففاعل (يعتبر) هو ما سبق في قوله: عين الوصف في عين الحكم، وانتفاء هذا يصدق بالصور الثلاث وصرح منها بالثالث بلو لأنه أبعدها فإنه يكون في تعليل الأحكام بالحكمة التي لا تشهد لها أصول معينة، ومثلوه بحد القذف مع حد الشرب، فإن الشرب مظنة الافتراء، كما أن الخلوة بالأجنبية مظنة وطئها، فألحق حد الشرب بحد القذف إقامة للشرب مقام الافتراء الذي هو مظنة الافتراء، فقد أثر جنس المظنة في جنس
стр. 1255
الحرمة ومثال تأثير عين الوصف في جنس الحكم ثبوت ولاية النكاح على الصغير كما ثبتت ولاية المال لوصف الصغر، وهو واحد، والحكم الولاية وهو جنس فاعتبر عين الصغر في جنس الولاية، ومثال تأثير جنس الوصف في عين الحكم: المشقة فإنها جنس أثر في نوع، وهو إسقاط صلاة، أما في الحيض فبالكلية، وأما السفر فإسقاط (٢٨/ ك) شطر الرباعية، وهذه الأنواع متفاوتة، وتأثير النوع في الجنس مقدم على تأثير الجنس في النوع، وهو مقدم على تأثير الجنس في الجنس وقول المصنف: إن لم يعتبر بهما، يوهم اشتراط نفي اجتماعهما، وليس كذلك، غير أن وضوح أن كلا من النص والإجماع حجة بمفرده يزيل هذا الإبهام، وأيضاً فالضمير بين المتعاطفين بـ (أو) يجب إفراده.
الثاني: قد يعلم أن الشارع ألغاه فلا يعلل به بالاتفاق كقول بعضهم
стр. 1256
لبعض الملوك وقد سأله عن وقاعه في رمضان فأفتاه بصوم شهرين متتابعين وقال: لو أفتيته بالعتق لاستحقره في مقابلة شهوة الجماع لاتساع ماله، وانتهك حرمة الشرع كلما شاء، فكانت المصلحة في الصوم لينزجر، فهذا وإن كان مناسباً لكن الشرع ألغاء بإطلاقه لإيجاب الترتيب على كل مكلف من غير فرق بين المكلفين.
الثالث: أن لا يعلم أن الشرع اعتبره ولا ألغاه فهو المرسل، ويسمى بالمصالح المرسلة، فإن قيل يلزم على هذا أن يكون كل المرسل ملائماً، لأن كل مرسل لا بد أن يكون مشتملاً على مصلحة، وقد اعتبر الشارع جنس المصالح في جنس الأحكام قلنا: المراد بالوصف هنا الأقرب دون الأبعد فإن جنس المصالح يعتبر في جنس الأحكام وليس بملائم.
فائدة: قال الشيخ عز الدين في (الفوائد) ملك جارية لابن بإحبال الأمة مفسدة في حق الابن مصلحة الأب لا أعرف لها مشاهداً بالاعتبار.
стр. 1257
(ص): وقد قبله مالك مطلقاً، وكاد إمام الحرمين يوافقه مع مناداته عليه بالنكير، ورده الأكثر مطلقاً وقوم في العبادات، وليس منه مصلحة ضرورية كلية قطعية، لأنها مما دل الدليل على اعتبارها، فهي حق قطعاً واشترطها الغزالي، للقطع بالقول به لا الأصل القول به، قال: والظن القريب من القطع كالقطع.
(ش): الضمير في (قبله) عائد إلى أقرب مذكور، وهو مرسل، لأن المؤثر مقبول بالاتفاق والملغى مردود بالاتفاق، كما نقل ابن الحاجب، ومن ظن أن مالكاً يخالف فيه فقد أخطأ، وقد قال إمام الحرمين في كتاب (التراجيح): لا نرى التعلق عندنا بكل مصلحة، ولم ير ذلك أحد من العلماء، ومن ظن بمالك فقد أخطأ انتهى، وإنما الخلاف في المرسل بالتفسير السابق، وفيه مذاهب.
أحدها: المنع منه مطلقاً وعليه الأكثرون.
والثاني: قبوله مطلقاً لأنه يفيد ظن العلية، لأن الحكم إن ثبت لا العلة فهو بعيد، أو بعلة غير ظاهرة فكذلك فتعين هذه الظاهرة وهو المنقول عن مالك،
стр. 1258
وقول المصنف كاد الإمام يوافقه، يعني لاعتباره المصلحة في الجملة، لكنه لم يعتبر جنس المصلحة مطلقاً كمالك، بل قد بالغ في (البرهان) في الرد عليه، وقال: الذي ننكر من مذهبه تركه رعاية ذلك، وجريانه على استرساله في (الاستصواب) من غير اقتصاد، ونحن نعرض على مالك، واقعة نادرة لا يعهد مثلها، ونقول: لو رأى ذو نظر فيها جدع أنفه، أو اصطلام سيفه، وأبدى رأيه لا تنكره العقول صائراً إلى أن العقوبة شرعت لحسم الفواحش وهذه العقوبة لائقة بهذه النازلة للزمك التزام هذا لأنك تجوز لأصحاب الإيالات القتل في التهمة العظيمة، حتى نقل عنك الثقات أنك قلت: أقتل ثلث الأمة في استبقاء ثلثيها، ثم إنا نقول له ثانياً: لا يجوز التعلق بكل رأي فإن أبى ذلك لم نجد مرجعاً يفد عنه إلا ما ارتضاه الشافعي ﵁ من اعتبار المصالح المشبهة بما علم اعتباره، وإن لم يذكر ضابطاً، وصرح بأن كل ما لا نص فيه، ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي، واستصواب ذوي العقول، فهذا اقتحام عظيم، وخرج عن الضبط، ومصير إلى إبطال أبهة الشريعة، وأن كلا يفعل ما يرى ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان ولصيانة الخلق وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون.
стр. 1259
المذهب الثالث: التفصيل بين العبادات وغيرها مما يتعلق بالبيع والنكاح وفصل الخصومات في القصاص والحدود، وظهر فيه المعنى المناسب اعتبر، وما لا يظهر فيه وهو العبادات فلا يعلل فيها بالمعاني القريبة، وإن كانت ظاهرة، لأنا لم نعتمد على نفس المعنى بخلاف المعاملات، وهذا التفصيل قاله الأبياري في (شرح البرهان) وقال: إنه الذي يقتضيه مذهب مالك.
الرابع: إن كانت تلك المصلحة ضرورية كلية قطعية كتترس الكفار بأسارى المسلمين أعتبرت وإلا فلا، وهذه ثلاث قيود ضرورية أي لا يمكن تحصيلها بطريق آخر، كلية: أي راجعة إلى كافة الأمة، قطعية: أي حاصلة بشرع
стр. 1260
الحكم قطعاً ويقيناً، لا ظناً ولا تخميناً، واختاره البيضاوي وأخذه من الغزالي، فإنه قال (١٠٩/ز): يحصل قتالهم بهذا الطريق، وهو قتل من لم يذنب، لم يشهد له أصل معين فيقدح اعتبار هذه المصلحة باعتبار الأوصاف الثلاثة وهي كونها ضرورية قطعية كلية فليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم، فإنه لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة، فيعدل عنها، وليس في معناها، ما إذا لم يقطع بظفرهم فإنها ليست قطعية بل ظنية، وهذا منه إشارة إلى اعتبار القطع بحصول المصلحة ونازع المصنف في اشتراط القطع، وقد حكى الأصحاب في مسألة التترس وجهين من غير تصريح منهم باشتراط القطع وعللوا وجه المنع أن غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف، وهذا تصريح بجريان الخلاف في صورة الخوف ولا قاطع فيه، وقد يقال: إن المسألة في حالة القطع مجزوم باعتبارها، والخلاف إنما هو في حال الخوف، وقد صرح الغزالي بذلك في (المستصفى) فقال: إنما يجوز ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع وقول المصنف: وليس منه رد على الإمام والآمدي وغيرهم في قولهم إن الشافعي ﵁ لم يقل بالمرسل إلا في هذه المسألة وعلى تفصيل (المنهاج) فإنه لم
стр. 1261
يلاق موضوع المسألة فإن هذا ليس من المرسل الذي لم يعتبر، بل مما دل الدليل على اعتباره، فإن قول القائل: هذا سفك دم معصوم يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر حفظ الكلي على الجزئي، وأن حفظ أصل الإسلام عن اصطلام الكفار، أهم في مقصود الشرع، فقد رجعت المصلحة (٢٩/ك) فيه إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصوداً بالنص والإجماع، فليس هذا خارجاً من الأصول، لكنه لا يسمى
قياساً بل مصلحة مرسلة، إذ القياس له أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا لدليل واحد بل بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال تسمى لذلك مصلحة مرسلة، قال الغزالي، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف فيها، بل نقطع بكونها حجة، وحيث جاء خلاف فهو عند تعارض مصلحتين ومقصودين فيرجح الأقوى ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحاً لكلمة الكفر، والشرب لأن الحذر من سفك دم أشد من هذه الأمور، ولا يباح به الزنا لأنه في مثل محذور الإكراه.
(ص): مسألة المناسبة تنخرم بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية خلافاً للإمام.
(ش): لا خلاف أن الوصف إذا اشتمل على المصلحة الخالية عن المفسدة، والراجحة عليها يكون مناسباً ويعتبر تناسبه، وأما إذا اشتمل على مفسدة تلزم من الحكم راجحة على المصلحة أو مساوية لها، هل تنخرم مناسبته بترك المفسدة فيه
стр. 1262
مذهبان:
أحدهما - واختاره ابن الحاجب والصفي الهندي -: نعم.
والثاني - وبه جزم الإمام والبيضاوي: المنع والمراد بانخرامها وبطلانها: هو ما لا يقضي العقل بمناسبتها للحكم إذ ذاك، فلا يكون لها أثر في اقتضاء الأحكام لأنه يلزم خلو الوصف عن استلزام المصلحة، وذهابها عنه، فإن ذلك لا يكون معارضاً، واعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة، يتحقق على قول من يمنع تخصيص العلة، وأما من يجوزه ويجوز إحالة انتفاء الحكم على تحقيق المانع المعارض مع وجود المقتضى فلا بد له من الاعتراف بالمناسبة سواء كانت المصلحة مرجوحة أو مساوية، وإلا لكان انتفاء الحكم لانتفاء المناسبة، لا لوجود المانع المعارض، ومن الفروع المرتبة هذه المسألة لو سلك السائر الطريق البعيد لا لغرض لا يقصر لانخرام المناسبة.
стр. 1263
(ص): السادس الشبه منزلة بين المناسب والطرد، وقال القاضي: هو المناسب بالتبع.
(ش): جعله المصنف بين منزلتين لأنه يشبه المناسب الذاتي من حيث التفات الشارع إليه، ويشبه الوصف الطردي من حيث إنه غير مناسب، ويتميز عن الطردي بأن وجوده كالعدم بخلاف الشبه فإنه معتبر في بعض الأحكام، ويتميز عن المناسب بأن مناسبته عقلية، وإن لم يرد شرع كالإسكار في التحريم بخلاف الشبه، وهذا مما لا خلاف فيه، وإن أكثر الأصوليون والجدليون في تعاريفه وقد اعترف إمام الحرمين بأنه لا يتحرر فيه عبارة مستمرة في صناعة الحدود، وقال القاضي: إنه
стр. 1264
المناسب بالتبع، أي بالالتزام كالطهارة لاشتراط النية فإن الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط النية لكن تناسبها من حيث إنها عبادة، والعبادة مناسبة لاشتراط النية، وقال بعض الجدليين: الأوصاف ثلاثة وصف علم مناسبته فلا كلام فيه، ووصف لم تعلم مناسبته، وينقسم إلى ما علم عدوله عن المناسبة وهو الطردي وإلى ما لم يعلم عدوله عن المناسبة وهو الشبه.
(ص): ولا يصار إليه مع إمكان قياس العلة إجماعاً فإن تعذرت فقال الشافعي ﵁ حجة، وقال الصيرفي والشيرازي: مردود.
(ش): أجمع الناس كما قاله القاضي في (التقريب) على أنه لا يصار إلى القياس الشبه مع إمكان قياس العلة، فإن تعذر قياس العلة، ولم يصادف في محل الحكم إلا الوصف الشبهي، وهو محتمل للمناسبة فاختلفوا فيه، فظاهر مذهب الشافعي قبوله لأنه يغلب على الظن عليته حينئذ، فإنا بين أمور ثلاثة: إما أن نقول لا علة لهذا الحكم وهو مستحيل، فإن الحكم لا بد أن يكون مشروعاً لحكمة، وإما أن نقول العلة غير هذا وهذا وإن كان ممكناً لكنا لم نصادفه، فتعين الثالث وهو أن العلة هذا الوصف الشبهي وكان قدماء الأصحاب يستعملونه في المناظرات
стр. 1265
وحكي عن الحليمي والأستاذ أبي إسحاق أنه حجة إذا انضم إليه السبر، قال ابن السمعاني: وقد أشار الشافعي ﵁ إلى الاحتجاج به في مواضع من كتبه لقوله في إيجاب النية في الوضوء كالتيمم طهارتان كيف يفترقان ورده القاضي أبو بكر والصيرفي وأبو إسحاق المروزي (١١٠/ز) وأبو إسحاق الشيرازي.
ونازع في صحة القول به عن الشافعي ﵁ وقال: إنما أراد قياس العلة، وأنه يرجح أحد العلتين في الفرع بكثرة الشبه ثم اختلف القائلون
следующие страницы →