يلاق موضوع المسألة فإن هذا ليس من المرسل الذي لم يعتبر، بل مما دل الدليل على اعتباره، فإن قول القائل: هذا سفك دم معصوم يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر حفظ الكلي على الجزئي، وأن حفظ أصل الإسلام عن اصطلام الكفار، أهم في مقصود الشرع، فقد رجعت المصلحة (٢٩/ك) فيه إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصوداً بالنص والإجماع، فليس هذا خارجاً من الأصول، لكنه لا يسمى
قياساً بل مصلحة مرسلة، إذ القياس له أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا لدليل واحد بل بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال تسمى لذلك مصلحة مرسلة، قال الغزالي، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف فيها، بل نقطع بكونها حجة، وحيث جاء خلاف فهو عند تعارض مصلحتين ومقصودين فيرجح الأقوى ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحاً لكلمة الكفر، والشرب لأن الحذر من سفك دم أشد من هذه الأمور، ولا يباح به الزنا لأنه في مثل محذور الإكراه.
(ص): مسألة المناسبة تنخرم بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية خلافاً للإمام.
(ش): لا خلاف أن الوصف إذا اشتمل على المصلحة الخالية عن المفسدة، والراجحة عليها يكون مناسباً ويعتبر تناسبه، وأما إذا اشتمل على مفسدة تلزم من الحكم راجحة على المصلحة أو مساوية لها، هل تنخرم مناسبته بترك المفسدة فيه
стр. 1262
مذهبان:
أحدهما - واختاره ابن الحاجب والصفي الهندي -: نعم.
والثاني - وبه جزم الإمام والبيضاوي: المنع والمراد بانخرامها وبطلانها: هو ما لا يقضي العقل بمناسبتها للحكم إذ ذاك، فلا يكون لها أثر في اقتضاء الأحكام لأنه يلزم خلو الوصف عن استلزام المصلحة، وذهابها عنه، فإن ذلك لا يكون معارضاً، واعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة، يتحقق على قول من يمنع تخصيص العلة، وأما من يجوزه ويجوز إحالة انتفاء الحكم على تحقيق المانع المعارض مع وجود المقتضى فلا بد له من الاعتراف بالمناسبة سواء كانت المصلحة مرجوحة أو مساوية، وإلا لكان انتفاء الحكم لانتفاء المناسبة، لا لوجود المانع المعارض، ومن الفروع المرتبة هذه المسألة لو سلك السائر الطريق البعيد لا لغرض لا يقصر لانخرام المناسبة.
стр. 1263
(ص): السادس الشبه منزلة بين المناسب والطرد، وقال القاضي: هو المناسب بالتبع.
(ش): جعله المصنف بين منزلتين لأنه يشبه المناسب الذاتي من حيث التفات الشارع إليه، ويشبه الوصف الطردي من حيث إنه غير مناسب، ويتميز عن الطردي بأن وجوده كالعدم بخلاف الشبه فإنه معتبر في بعض الأحكام، ويتميز عن المناسب بأن مناسبته عقلية، وإن لم يرد شرع كالإسكار في التحريم بخلاف الشبه، وهذا مما لا خلاف فيه، وإن أكثر الأصوليون والجدليون في تعاريفه وقد اعترف إمام الحرمين بأنه لا يتحرر فيه عبارة مستمرة في صناعة الحدود، وقال القاضي: إنه
стр. 1264
المناسب بالتبع، أي بالالتزام كالطهارة لاشتراط النية فإن الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط النية لكن تناسبها من حيث إنها عبادة، والعبادة مناسبة لاشتراط النية، وقال بعض الجدليين: الأوصاف ثلاثة وصف علم مناسبته فلا كلام فيه، ووصف لم تعلم مناسبته، وينقسم إلى ما علم عدوله عن المناسبة وهو الطردي وإلى ما لم يعلم عدوله عن المناسبة وهو الشبه.
(ص): ولا يصار إليه مع إمكان قياس العلة إجماعاً فإن تعذرت فقال الشافعي ﵁ حجة، وقال الصيرفي والشيرازي: مردود.
(ش): أجمع الناس كما قاله القاضي في (التقريب) على أنه لا يصار إلى القياس الشبه مع إمكان قياس العلة، فإن تعذر قياس العلة، ولم يصادف في محل الحكم إلا الوصف الشبهي، وهو محتمل للمناسبة فاختلفوا فيه، فظاهر مذهب الشافعي قبوله لأنه يغلب على الظن عليته حينئذ، فإنا بين أمور ثلاثة: إما أن نقول لا علة لهذا الحكم وهو مستحيل، فإن الحكم لا بد أن يكون مشروعاً لحكمة، وإما أن نقول العلة غير هذا وهذا وإن كان ممكناً لكنا لم نصادفه، فتعين الثالث وهو أن العلة هذا الوصف الشبهي وكان قدماء الأصحاب يستعملونه في المناظرات
стр. 1265
وحكي عن الحليمي والأستاذ أبي إسحاق أنه حجة إذا انضم إليه السبر، قال ابن السمعاني: وقد أشار الشافعي ﵁ إلى الاحتجاج به في مواضع من كتبه لقوله في إيجاب النية في الوضوء كالتيمم طهارتان كيف يفترقان ورده القاضي أبو بكر والصيرفي وأبو إسحاق المروزي (١١٠/ز) وأبو إسحاق الشيرازي.
ونازع في صحة القول به عن الشافعي ﵁ وقال: إنما أراد قياس العلة، وأنه يرجح أحد العلتين في الفرع بكثرة الشبه ثم اختلف القائلون
стр. 1266
بقياس الشبه فمنهم من اعتبره مطلقاً ومنهم من شرط في اعتباره أن يجتذب الفرع أصلان فيلحق بأحدهما بغلبة الأشباه، ويسمونه قياس غلبة الأشباه، وهو ما يدل عليه نص الشافعي في (الأم).
(ص): وأعلاه قياس غلبة الأشباه في الحكم والصفة، ثم الصوري، وقال الإمام المعتبر حصول المشابهة لعلة الحكم أو مستلزمها.
(ش): لا شك أن رتب الشبه عند القائل به متفاوتة، فأعلاه قياس غلبة الأشباه وهو أن يتردد الفرع بين أصلين، ويشبه أحدهما في أكثر الأحكام،
стр. 1267
فيلحق به وعليه اعتمد الشافعي ﵁ في إيجاب القيمة في قتل العبد ما بلغت، لأنه يشبه الأموال في أكثر الأقسام ويشبه الأحرار في قليل منها، فوجب اعتبار الكثير ومنهم من يعتبر الأشباه الحكمية ثم الراجعة إلى الصفة، ومنهم من يسوي بينهما، ثم شبه الصورة كقياسنا الخيل على البغال والحمير في سقوط الزكاة، وقياسهم في حرمة اللحم، وقال الإمام في (المحصول): المعتبر حصول المشابهة فيما يظن أنه علة الحكم، أو مستلزم لعلته سواء كان ذلك في الصورة، أو في الحكم عملاً بموجب الظن واعلم أن ظاهر كلام المصنف أن هذه المراتب من القائلين بحجيته، وليس كذلك فإن الشافعي ﵁ لا يقول بالشبه الصوري كما بينه ابن برهان وغيره.
стр. 1268
(ص): السابع الدوران: وهو أن يوجد الحكم عند وجود وصف وينعدم عند عدمه، قيل: لا يفيد، وقيل قطعي، والمختار وفاقاً للأكثر ظني.
(ش): إنما قال (عند وجود وصف) ولم يقل بوجود وصف كما عبر في (المنهاج) وغيره لئلا يوهم المناسبة والكلام في الدوران المجرد المناسبة، والمراد من كون الحكم يوجد عند وجود الوصف وكونه يحال تعذره إما (٣٠/ ك) حقيقة أو تقديراً، وإن تقدم عليه في التصوير حتى تدخل حركة الأصبع فإنها ملازمة لحركة الخاتم، ومثال الحرمة مع وصف الإسكار في العصير، فإنه إذا وجد فيه الإسكار حرم، وإذا عدم وصار خلاً عدمت الحرمة،
стр. 1269
وفيه مذاهب:
أحدها: أنه لا يفيد بمجرد ظن العلة ولا القطع بها لجواز أن يكون الوصف الدائر ملازماً للعلة لا نفسها، إلا أن يدل دليل على أن هذا الوصف معتبر في إثبات الحكم فحينئذ يكون حجة، وهو قول القاضي وأبي الطيب الطبري، واختاره ابن السمعاني والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب.
والثاني: يفيد القطع بها ونقل عن بعض المعتزلة.
والثالث: أنه يفيد الظن بها وعليه الأكثر منهم القاضي والإمام الرازي قال: ونعني بالدوران الذي يقيم دليلاً على أنه ليس من دوران العلة مع المعلول، فإن قيل الاطراد وحده لا يكفي والعكس غير معتبر شرعاً قلنا: المجموع غيرهما.
стр. 1270
فائدة: نص ابن الحاجب والحريري وغيرهما على أنه لا يجوز أن يأتي بالفعل مطاوعاً لفعل لازم، وقولهم: انعدم الشيء وانفسد وانضاف لحن، فلو قال المصنف: وينتفي عند انتفائه لاستقام.
(ص): ولا يلزم المستدل بيان نفي ما هو أولى منه.
(ش): لا يجب على المستدل نفي ما هو أولى منه بالعلة، لأنه من قبل نفي المعارض، ولا يجب على المستدل بيان نفي المعارض وعلى من يدعي وصفاً آخر إبداؤه بخلاف الشبه كما سبق، هذا ما أطبق عليه الجدليون معتلين بأنه لو لزم المستدل ذلك للزمه بيان السلامة على سائر القوادح، وأن لا يبقى للخصم كلام، وينتشر الكلام ويخرج عن الضبط، وذهب القاضي أبو بكر إلى أنه يلزمه ذلك، قال الغزالي في (شفاء الغليل): وكان من عادة القاضي في المناظرة ذلك فكان يستقصي في
стр. 1271
أول الأمر كل ما يتوهم تعلق الخصم به بطريق السبر ويبطله بحيث كان لا يبقي للخصم متعلقاً، قال وهذا بعيد في حق المناظر لما ذكرنا، متجه في حق المجتهد، إذ على المجتهد تمام النظر لتحل له الفتوى، وليس على المعلل الارتقاء مرتبة من مراتب النظر إلى أن ينزل عنه إلى مرتبة أخرى بالمعاونة والمناظرة فتحصلنا على ثلاثة مذاهب.
(ص): فإن أبدى المعترض وصفاً آخر ترجح جانب المستدل بالتعدية، وإن كان متعدياً إلى الفرع ضر عند مانع العلتين أو إلى فرع آخر طلب الترجيح.
(ش): لو أبدى المعترض وصفاً آخر مثل الأول تعادلا، وترجح جانب المستدل بأن دورانه موافق لتعدية الحكم، والوصف الحادث قاصر، وهو بناء على أن المتعدية أرجح من القاصرة، وأن المتعدي إلى فروع أولى من المتعدي إلى فرع واحد، فإن كان الوصف الذي أبداه المعترض متعدياً إلى الفرع المتنازع فيه انبنى على التعليل بعلتين، فإن منعنا ضر وإلا فلا، إذ يجوز اجتماع معرفين على معرف واحد، وإن كانت علته متعدية إلى فرع آخر غير صورة النزاع تعادلا وطلب الترجيح من خارج، أما إذا كان الوصف الذي أبداه المعترض مناسباً، والأول غير مناسب قدم قطعاً.
فائدة: استدل المالكية على طهارة الكلب بأن الحياة علة للطهارة، فإن الشاة ما دامت حية فهي طاهرة، فإذا زالت الحياة زالت الطهارة، واعترض على الدوران بالمزكى والجلد المدبوغ، فأجابوا: بأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضاً فالزكاة والدباغ علتان للطهارة، خلفتا الحياة، وأقوى من إيراد المزكى والمدبوغ إيراد السمك والجراد، فإنه لا يتجدد فيها سوى الموت، ولا يمكن إحالة طهارتهما على شيء آخر
стр. 1272
يخلف الحياة.
(ص): الثامن الطرد: وهو مقارنة الحكم للوصف والأكثر على رده، قال علماؤنا: قياس المعنى مناسب والشبه تقريب، والطرد تحكم وقيل: إن قارنه فيما عدا صورة النزاع أفاد وعليه الإمام وكثير، وقيل: تكفي المقارنة في صوره وقال الكرخي: يفيد المناظر دون الناظر,
(ش): ما عرف به الطرد ذكره القاضي فقال: المقارن للحكم إن ناسب بالذات فهو المناسب أو بالتبع فهو الشبه، وإن لم يناسبه مطلقاً فهو الطرد، وإنما لم يصرح المصنف بنفي المناسبة لأنه معلوم مما قبله ومثاله: قول بعضهم في إزالة النجاسة بنحو خل مائع لا تبنى القنطرة عليه فلا يجوز إزالة النجاسة به كالدهن، وقولهم: في عدم نقض الوضوء بمس الذكر: طويل مشقوق فأشبه البوق وقولهم
стр. 1273
في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر كالصوف فأشبه الخروف وظاهر كلام المصنف اعتبار المقارنة في جميع الصور ولهذا قال صاحب (البديع): قيل: إنه الموجود عند (١١١/ز) الوجود ولكن الذي في (المنهاج) اعتبار المقارنة فيما سوى صورة النزاع، فيقول: يثبت فيها إلحاقاً للفرد بالأعم الأغلب وعزاه في (المحصول) للأكثرين، قال: وبالغ بعضهم فقال يكفي الاقتران في صورة واحدة وهو ضعيف ثم فيه مذاهب:
أحدها: أنه مردود مطلقاً، وعليه الجمهور كما قاله إمام الحرمين وغيره فإنه لا يفيد علماً ولا ظناً فهو تحكم قال القاضي والأستاذ من طرد عن غرة فجاهل، ومن مارس الشريعة واستجازه فهازئ بالشريعة، قال: ومثل الحليمي فساد الوضع والمخيل والطرد.
стр. 1274
فالأول: كمن تنسم نسيماً بارداً فقال: وراءه حريق.
والثاني: كمن رأى دخاناً فقال: وراءه حريق، والثالث كمن رأى غباراً فقال: وراءه حريق، وما حكاه المصنف عن علمائنا هو الذي أورده ابن السمعاني في (القواطع) فقال: قياس المعنى: تحقيق والشبه تقريب والطرد تحكم ثم قال: فقياس المعنى ما يناسب الحكم ويستدعيه، ويؤثر فيه، والطرد عكسه، والشبه أن يكون فرع تجاذبه أصلان فيلحق بأحدهما بنوع شبه مقرب، أي يقرب الفرع من الأصل في الحكم المطلوب من غير تعرض لبيان المعنى، وهو حسن.
الثاني: إن قارن الحكم في جميع صور حصوله غير صورة النزاع أفاد العلية وإلا فلا، واختاره الإمام في (المحصول)، وقال: إنه قول كثير من فقهائنا.
والثالث: أنه حجة مطلقاً ولا يشترط ذلك بل تكفي المقارنة ولو في صورة واحدة.
والرابع: قول الكرخي: إنه يفيد المناظر دون المجتهد، قال في (البرهان): وقد
стр. 1275
ناقص إذ المناظرة بحث عن المآخذ الصحيحة فإذا كان مذهبه أنه لا يصلح مأخذاً فهذا مراد خصمه في الجدل وليس في الجدل ما يقبل مع الاعتراف بأنه باطل.
(ص): التاسع تنقيح المناط: وهو أن يدل ظاهراً على التعليل (٣١/ك) بوصف فيحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد، ويناط بالأعم أو تكون أوصاف فيحذف بعضها ويناط بالباقي.
(ش): التنقيح لغة: التخليص والتهذيب، يقال نقحت العظم ـ إذا استخرجت مخه والمناط ما نيط به الحكم أي علق عليه، والمناط اسم للعلة من حيث ارتباط الحكم بها يقال: نيطت به الأمور إذا علقت به وهو الاجتهاد في تعيين السبب الذي أناط الشارع الحكم به، وأضافه إليه وهو قسمان:
أحدهما: أن يرد ظاهر في التعليل بوصف ينحذف ذلك الوصف بخصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد ويناط بالأعم، وهذا كما فعل مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى في حديث المجامع.
стр. 1276
فإنهما حذفا خصوص الوقاع واجتهدا فعلقا الكفارة بوصف عام وهو مطلق الإفطار.
والثاني: أن يدل لفظ ظاهر على التعليل بمجموع أوصاف، فيحذف بعضها عن درجة الاعتبار إما لأنه طردي أو لثبوت الحكم على بقية الأوصاف بدونه، ويناط بالباقي فهو بمنزلة لفظ عام أخرج بعضه وبين المراد به بالاجتهاد، كتعيين وقاع المكلف لاعتبار الكفارة من الأوصاف المذكورة في حديث الأعرابي من كونه أعرابياً أو كون الموطوءة زوجة أو أمة، أو في قبلها، وكونه شهر تلك السنة فإنها كلها طردية حاشا الوقاع في نهار رمضان، وحذف مالك وأبو حنيفة خصوص الوقاع وأوجبا الكفارة في الأكل والشرب، ولا بد لهما من دليل على الحذف، وتنقيح المناط قال به أكثر منكري القياس حتى إن أبا حنيفة ينكر القياس في الكفارة واستعمل تنقيح المناط فيها، وسماه استدلالاً، وحاصله تأويل ظاهر بدليل قال ابن التلمساني، واعتراف منكري القياس بهذا النوع بناء على مسألة أخرى، وهي أن النص على
стр. 1277
التعليل نص على التعميم أم لا فمن قال: نعم اعترف بهذا وأنكر القياس.
(ص): أما تحقيق المناط فإثبات العلة في آحاد صورها كتحقيق أن النباش سارق وتخريجه مر.
(ش): عادة الجدليين يتعرضون للفرق بين الثلاثة تنقيح المناط، تحقيق المناط، وتخريج المناط، وقد عرفت التنقيح، وأما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع، وتختلف في وجوده في صورة النزاع فتحقق وجودها مثاله أن يقال أخذ المال خفية علة القطع وهو موجود في النباش والحياء علة الاكتفاء للبكر في تزويجها بالسكوت، وهو موجود فيمن زالت بكارتها بغير نكاح، وهل يشترط القطع بتحقيق المناط أم يكتفى فيه بالظن؟ حكى ابن التلمساني فيه أقوالاً ثالثها الفرق بين أن تكون ذات العلة وصفاً شرعياً أو وصفاً حقيقياً أو عرفياً، إن كان شرعياً جاز إثباته بطريق الظنون وإن كان عقلياً أو عرفياً فلا بد من القطع بوجوده، قال: وهذا أعدل الأقوال وأما تخريج المناط فقد مر أي في مسلك المناسبة، وهو الاجتهاد في استنباط علة الحكم الثابت بنص أو إجماع من غير تعرض لبيان
стр. 1278
علته لا بالصراحة، ولا بالإيماء، كقوله: ((لا تبيعوا البر بالبر)) فإنه ليس فيه ما يدل على أن العلة الطعم لكن المجتهد نظر فاستنبطها فكأنه أخرج العلة من خفاء، فلذلك سمي تخريج المناط بخلاف تنقيح المناط فإنه لم يستخرجها لكونها مذكورة في النص بل نقح النص، وأخذ منه ما يصلح للعلية، وترك ما لا يصلح.
(ص): العاشر إلغاء الفارق كإلحاق الأمة بالعبد في السراية وهو الدوران والطرد ترجع إلى ضرب شبه إذ تحصل الظن في الجملة ولا تعين جهة المصلحة.
(ش): إلغاء الفارق هو بيان أن الفرع لم يفارق الأصل إلا فيما لا يؤثر فيلزم اشتراكهما في المؤثرة، هو بالضد من قياس العلة فإن القياس هناك عين جامعاً بين الأصل والفرع وعين هنا الفارق بينهما، وكما أن السبر عين هناك الجامع، فالسبر عين هنا الفارق، فإذا تعين بحيث لا يبقى فارق آخر فحينئذ يبحث عما بين له، والذي يسبر أن الفارق لا أثر له، هو أن يكون طرداً محضاً أو ملغى، فإن حصل ذلك عن دليل قاطع، فالإلحاق بمعلوم وإلا فمظنون مثال: المقطوع به: النهي عن البول في الماء الراكد يعطي أن صب البول من كوز في معناه، وكذلك صب
стр. 1279
غير البول من النجاسات، وقد خص بعض النظار هذا النوع بالقياس في معنى الأصل والمظنون بنفي الفارق، والأمر فيه قريب، ونحو منه قوله ﷺ : ((من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه)) فالأمة في معناه، وقد تخيل قوم أن هذا من قبيل المعلوم، وليس كذلك، لاحتمال أن يلاحظ الشرع (١١٢/ز) في عتق العبد أنه إذا أعتق استقل بنفسه في الجهاد والجمعة وغيرهما مما لا مدخل للمرأة فيه، لكن الأظهر فيه أن المقصود التخلص من موت الرق وإحياؤه بالحرية فهو إذن ظاهر قوي وفسر في (المنهاج) تنقيح المناط: بالغاء الفارق: نحو لا فارق بين العبد والأمة في سراية العتق فوجب استواؤهما فيه، والتحقيق التغاير بينهما، وإنما أخره عن تنقيح المناط إذا لم يعتضد بظاهر في التعليل بمجموع أوصاف واعتضد به تنقيح المناط، نعم قد يكون السبر الدال على نفي الفارق قاطعاً والفارق المحقق طرداً محضاً
стр. 1280
فبلغ نفي الفارق رتبة المؤثر بدليل قاطع، وبين في غير المؤثر بدليل ظاهر كما سبق.
(ص): خاتمة: ليس تأتي القياس بعلية وصف ولا العجز عن إفساده دليل عليته على الأصح فيهما.
(ش): هذان طريقان ظن بعض الأصوليين أنهما يفيدان العلية ختم المصنف بهما.
أحدهما: أن يقال: هذا الوصف على تقدير عدم عليته لا يتأتى معه ذلك
فوجب أن يكون علة ليمكن الإتيان (. .) (١) بالمأمور به، وهو دور لأن تأتي القياس متفق على ثبوت العلة فلو أثبتنا العلة (. .) (٢) ثبوت العلة عليه، ولزم الدور.
الثاني: عجز الخصم عن إفساد كون الوصف علة دليل على كونه علة، بدليل أن المعجزة، من أقوى الأدلة، وإنما انتهضت دليلاً على صدق رسول الله ﷺ لعجز الناس عن معارضتها، وإذا كان العجز دليلاً في المعجزة التي هي عصام الأدلة فبطريق الأولى ما نحن فيه، وهو فاسد لأنه ليس جعل العجز عن الإفساد على الصحة أولى من جعل العجز على التصحيح دليلاً على الإفساد، وليس نظيراً لعجزه لأن العجز هناك من الخلق، وهنا من الخصم وحده فمن أين له أن سائر الناس كذلك.
(ص): القوادح.
(ش): مراده بالقوادح ما يقدح في الدليل بجملته سواء العلة وغيرها.
стр. 1281
(ص): منها تخلف الحكم عن العلة وفاقاً للشافعي ﵁ وسماه النقض، وقالت (٣٢/ك) الحنفية: لا يقدح وسموه تخصيص العلة، وقيل: في المستنبطة، وقيل: عكسه، وقيل: يقدح إلا أن يكون لمانع أو فقد شرط وعليه أكثر فقهائنا، وقيل: يقدح إلا أن يرد على جميع المذاهب كالعرايا وعليه الإمام، وقيل: يقدح في الحاضرة، وقيل في المنصوصة: إلا بظاهر عام، والمستنبطة إلا لمانع أو فقد شرط، وقال الآمدي: إن كان التخلف لمانع أو فقد شرط أو في معرض الاستثناء أو كانت منصوصة بما لا يقبل التأويل لم يقدح.
(ش): النقض وجود المدعى علة مع تخلف الحكم عنه، وفي (المحصول) هو وجود كالعلة، ولا حكم، لا وجود الحكم ولا علة فيه مذاهب:
أحدها: أنه يقدح مطلقاً بناء على أن شرط العلة الاطراد وعزاه المصنف
стр. 1282
للشافعي ﵁ لكن قال الغزالي في (شفاء الغليل): إنه لا يعرف له فيها نص، وعمدة المصنف فيما نقله ابن السمعاني في (القواطع) أن ذلك مذهب الشافعي ﵁ وجميع أصحابه إلا القليل منهم قال:
وهو قول كثير من المتكلمين وقالوا: تخصيصها نقض لها ونقضها يتضمن إبطالها وعلى هذا فالفرق بينها وبين اللفظ العام حيث جاز تخصيصه: أن العام لغة يجوز إطلاقه على بعض ما تناوله فإذا أورد لم ينافه، وأما العلة المستنبطة فإنها منتزعة بالقياس من الأصل ومقتضاه الاطراد هكذا رأيته في كتاب القفال الشاشي وهو صحيح.
والثاني: لا يقدح وهو المشهور عن الحنفية ولا يسمونه نقضاً بل تخصيص العلة لكن ابن السمعاني عزاه للعراقيين منهم وادعى أبو زيد أنه مذهب أبي حنيفة
стр. 1283
وأصحابه قال وأما الخراسانيون منهم فقالوا بالأول، حتى قال أبو منصور الماتريدي: تخصيص العلة باطل، ومن قال بتخصيصها فقد وصف الله تعالى بالسفه والعبث، فأي فائدة في وجود العلة ولا حكم.
والثالث: يقدح في المستنبطة دون المنصوصة، ومثلوا تخصيص المنصوصة بقوله ﷺ : ((إنما ذلك دم عرق)) مع القول بعدم النقض بالخارج
стр. 1284
النجس من غير السبيلين، فإنه تخصيص لعلة منصوصة، ومثلوا تخصيص المستنبطة بقولنا: القتل العمد العدوان علة القصاص مع القول بعدم استيفائه في قتل الأب.
الرابع: عكسه هكذا حكاه المصنف تبعاً لابن الحاجب، لكن قال في شرحه: إن مراده لا يقدح في المستنبطة إذا كان لمانع أو عدم شرط دون المنصوصة.
الخامس: يقدح إلا أن يكون لمانع أو فقد شرط فلا يقدح مطلقاً سواء العلة المنصوصة والمستنبطة، واختاره البيضاوي والهندي.
السادس: يقدح إلا أن يرد على سبيل الاستثناء ويعترض على جميع المذاهب كالعرايا، وعزاه المصنف للإمام والذي في (المحصول)، أنه إن تخلف لمانع لم يقدح وإلا قدح، ثم قال: فإن كان وارداً على سبيل الاستثناء هل يقدح؟ قال قوم: لا يقدح سواء كانت العلة معلومة أو مظنونة، أما المعلومة فلأنا نعلم أن من لم يقدح على جناية لم
стр. 1285
يؤاخذ بضمانها، ثم هذا لا ينقض بضرب الدية على العاقلة، وأما المظنونة فالتعليل بالطعم فإنه لا ينقض بمسألة العرايا فإنها وردت على سبيل الاستثناء رخصة، قال الإمام: واعلم أنا إنما نعلم ورود النقض على سبيل الاستثناء إذا كان لازماً جميع المذاهب مثل مسألة العرايا فإنها لازمة على جميع العلل ـ كالقوت والكيل والمال والطعم، وإنما قلنا إن الواردة على مورد الاستثناء لا يقدح في العلة، لأن الإجماع لما انعقد على أن حرمة الربا لا تعلل إلا بأحد الأمور الأربعة ومسألة العرايا واردة عليها أربعتها فكانت هذه المسألة واردة على علة قطعنا بصحتها والنقض لا يقدح في مثل هذه العلة، وأما أنه هل يجب الاحتراز عنه في اللفظ؟ فقد اختلفوا فيه والأولى الاحتراز عنه انتهى.
والسابع: إن كانت علة حظر لم يجز تخصيصها وإلا جاز حكاه القاضي عن بعض المعتزلة.
والثامن: يقدح في المنصوصة إلا إذا كان بظاهر عام، وإنما قال بظاهر، لأنه لو كان بقاطع لم يتخلف الحكم عنه، وإنما قال عام لأنه لو كان خاصاً بمحل الحكم لم يثبت التخلف وهو خلاف المقدر، والحاصل يجوز في النص الظني، ولو قدر مانع أو فوات شرط ولا يجوز في القطعي، أي لا يمكن وقوعه.
стр. 1286
وأما المستنبطة: فيجوز في صورتين لا يقدح فيهما، وهما ما إذا كان التخلف لمانع أو انتفاء شرط، ولا يجوز في صورة واحدة فيقدح فيها (١١٣/ز) وهي ما إذا كان التخلف دونهما وهو مختار ابن الحاجب.
والتاسع: إذا كان التخلف لمانع أو فقد شرط أو في معرض الاستثناء أو كانت منصوصة بما لا يقبل التأويل لم يقدح وإلا قدح وهو رأي الآمدي، فإن قيل كيف يقبل النص التأويل؟ قلت: مراده بالنص ما هم أعم من الصريح والظاهر ولا يخفى قبول الظاهر للتأويل.
فائدة معرض: بكسر الميم وفتح الراء.
(ص): والخلاف معنوي لا لفظي خلافاً لابن الحاجب ومن فروعه التعليل بعلتين والانقطاع وانخرام المناسبة بمفسدة وغيرها.
(ش) زعم إمام الحرمين في (البرهان) وابن الحاجب وغيرهما أن الخلاف في
стр. 1287
هذه المسألة لفظي لا فائدة فيه، لأن من جوز تخصيص العلة، ومن لم يجوزه اتفقوا على اقتضاء العلة للحكم لا بد فيه من عدم المخصص، وسلموا أن المعلل لو ذكر القيد في ابتداء التعليل لاستقامت العلة، فلم يبين الخلاف إلا ذلك القيد العدمي، هل يسمى جزء العلة أم لا؟ ورد الإمام في (المحصول) هذه المقالة.
وقال: إذا فسرنا العلة بالداعي أو الموجب لم نجعل العدم جزءاً من العلة بل كاشفاً عن حدوث جزء العلة، ومن يجوز التخصيص لا يقول ذلك، وإن فسرنا العلة بالأمارة ظهر الخلاف في المعنى أيضاً، لأن من أثبت العلة بالمناسبة يبحث عن ذلك القيد العدمي، فإن وجد فيه مناسبة صحح العلة وإلا أبطلها، ومن يجوز التخصيص لا يطلب المناسبة البتة، من هذا القيد العدمي، وذكر المصنف لها فوائد منها: أن يترتب عليها مسألة التعليل بعلتين، وقد سبقت.
ومنها: انقطاع الخصم، وأنه لا تسمع منه بعد ذلك دعوى أنه إنما أراد بالعموم الخصوص، وباللفظ المطلق ما وراء محل النقض، لأنه يشبه الدعوى بعد الإقرار فلا يسمع إلا ممن له قدرة على الإنشاء في الوصفين، والقائلون بجواز التخصيص يقبلون دعواه، كذا قال المصنف، وفيه نظر، فإن إمام الحرمين قال في (البرهان) إذا ذكر لفظ مقتضياً عموم العلة فورد نقض فقال: اخصص لفظي، نظر فإن كان النقض مبطلاً لم يقبل فيه التخصيص، وإن كان غير مبطل فمن الجدليين من جعله منقطعاً إذا لم يف بظاهر لفظه، قال: والمختار لا يكون منقطعاً، لكنه خالف الأحسن، إذ كان ينبغي له أن يشير إليه فيقول هذه علة ما لم يستثن (٣٣/ك).
(ص): وجوابه منع وجود العلة أو انتفاء الحكم إن لم يكن انتفاؤه مذهب المستدل وعند من يرى نفي الموانع بيانها.
(ش): جواب النقض بوجوه.
أحدها: منع وجود العلة في محل النقض بناء على وجود قيد مناسب أو مؤثر في العلة، وهو غير حاصل في صفة النقض، كما لو قيل في الحلي: مال معد للاستعمال مباح فلا يجب فيه الزكاة كثياب البذلة، فإن نقض بالمعد لاستعمال محرم أو مكروه فدفعه واضح لأنه غير معد لاستعمال مباح.
ثانيها: يمنع انتفاء الحكم عن صورة النقض إذا لم يكن انتفاؤه مذهب
стр. 1288
المستدل، فأما إذا كان مذهباً للمستدل فقط أو مذهباً له وللمعترض لم يكن ذلك.
ثالثها: أن يبين المعلل مانعاً من ثبوت الحكم في صورة النقض فيدفع النقض بذلك عند من يجعل تخلف الحكم لمانع لا يقدح.
ورابعها: وكان ينبغي للمصنف ذكره: دفعه بورود صورة النقض على سبيل الاستثناء فإنه مانع عند من يجعله غير قادح.
(ص): وليس للمعترض الاستدلال على وجود العلة عند الأكثر للانتقال،
стр. 1289
وقال الآمدي ما لم يكن دليل أولى بالقدح.
(ش): إذا منع المستدل وصف العلة في صورة النقض فهل يمكن المعترض من الاستدلال على وجودها فيه مذاهب:
أحدها: وعليه الأكثر منهم الإمام الرازي وأتباعه: لا، لأنه انتقال من مسألة قبل تمامها إلى أخرى.
وثانيها: نعم، لأن فيه تحقيقاً للنقض فكان من متمماته.
وثالثها: قال الآمدي: إنه يمكن ما لم يكن للمعترض دليل أولى بالقدح من النقض، فإن أمكنه القدح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا.
وحكى ابن الحاجب:
رابعاً: يمكن ما لم يكن حكماً شرعياً، وإنما لم يحكه المصنف لقوله في شرح المختصر: إنه لا يوجد لغيره، وهو عجب، فلم يذكر الإمام أبو منصور البروي تلميذ محمد بن يحيى في كتاب (المقترح) غيره، فقال: إن كان حكماً شرعياً كما لو علل الحنفي في مسألة المضمضة بأنه عضو يجب غسله عن الخبث، فيجب في الجنابة،
стр. 1290
فإذا نقض تعليله بالعين فله منع وصف العلة بأن العين لا يجب غسله من الخبث فليس للمعترض أن يثبت عليه وجوب غسل العين من الخبث فإنه وضع للكلام، في مسألة أخرى استدلالا من الابتداء، وإن كان وصف العلة أمراً حقيقياً فله ذلك كما إذا علل الحنفي مسألة الأجرة بأنه عقد على منفعة فلا يملك عوضه بنفس العقد كالمضاربة، فإذا انتقض بالنكاح منع ورود النكاح على المنفعة قلنا إثباته بالدليل انتهى وجرى عليه شارحه الإمام أبو العز جد ابن دقيق العيد لأمه فقال: لأن الأمر الحقيقي يمكن الاستدلال عليه لقربه من الأحكام الشرعية إذا كانت مختلفة فهي في مظنة تشعب الظنون، والوصف الحقيقي يكون في الغالب من جهة عدم تصور حقيقة=.
(ص): ولو دل على وجودها بموجود في محل النقض ثم منع وجودها فقال ينتقض دليلك فالصواب أنه لا يسمع لانتقاله من نقض العلة إلى نقض دليلها.
(ش): ولو دل المستدل (على وجود العلة في محل التعليل بدليل موجود في محل النقض، ثم منع بعد ذلك وجودها في صورة النقض) فقال المعترض:
стр. 1291
ينتقض دليلك على العلة، لم يسمع منه عند الجدليين، لأنه انتقال من نقض العلة بنفسها إلى نقض دليلها، مثاله قول الحنفي في التبييت آتي بمسمى الصوم فصح كما في النفل، واستدل على وجود العلة بالإمساك مع النية، فيقول المستدل: لا نسلم وجود العلة فيما إذا نوى بعد الزوال فيقول ينتقض دليلك الذي استدللت به على وجود العلة في محل التعليل ومقابل الصواب احتمال ابن الحاجب بجواز الانتقال لأن المعترض في مكان دفع العلة فليكن له القدح فيها تارة وفي دليلها أخرى، ولا يكون انتقالاً ممنوعاً.
(ص): وليس له الاستدلال على تخلف الحكم في الأصح وثالثها إن لم يكن طريق أولى.
(ش): لو منع المستدل تخلف الحكم عن العلة، فإن كان عدم الحكم في صورة النقض مجمعاً عليه أو مذهبه لم يسمع منعه وإلا سمع، وإذا سمع منعه فهل يتمكن المعترض من إقامة الدليل على تخلف الحكم؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: نعم إذ به يتحقق نقض العلة.
وثانيها: المنع لما فيه من قلب القاعدة بانقلاب المستدل معترضاً والمعترض مستدلاً وعليه أكثر النظار.
стр. 1292
وثالثها: يتمكن من ذلك ما لم يكن له (١١٤/ز) طريق (أولى بالقدح في كلام المستدل من ذلك، أما إذا كان له طريق) آخر أفضى إلى المقصود فلا.
(ص): ويجب الاحتراز منه على المناظر مطلقاً وعلى المناظر إلا فيما اشتهر من المستثنيات فصار كالمذكور، وقيل يجب مطلقاً، وعلى الناظر إلا في المستثنيات مطلقاً.
(ش): إذا قلنا: إن النقض يقدح فهل يجب على المستدل الاحتراز في دليله منه ابتداء؟ على مذاهب.
أحدهما: وعزاه الهندي للأكثرين لا يجب، لأن المستدل مطالب بذكر الدليل فقط، وليس ذلك إلا في الوصف أو حكمته، وأما نفي المانع فمن قبل دفع المعارض فلم يجب كما في سائر المعارض.
والثاني: يجب مطلقاً لأنه مطالب بالمعرف للحكم وليس هذا الوصف فقط، بل هو مع عدم المانع.
والثالث: يجب إلا في الصور المستثناة من القاعدة كالعرايا، والمختار عند
стр. 1293
المصنف الوجوب، لكنه قيده بقيد حسن، وهو أن لا يكون مشتهراً وإلا فالمشتهر منزل منزلة المذكور، فلا حاجة للتصريح به، وجعل محل الخلاف في المجتهد الناظر، أما المناظر فيجب الاحتراز منه مطلقاً، وقال صاحب (المقترح): إن كانت صورة النقض مستثناة، فالاتفاق لم يكلف الاحتراز عنها، وإن اتفق الخصمان على أنها مستثناة فإن كان اعتماده على إيماء النص في ثبوت القول بالتعليل فلا يجوز أن يتحرز إلا بوصف يشهد له الإيماء، وإن كان بطريق الاستنباط فلا فرق بينهما عند الاعتذار إلا بوصف هو موجود في صورة النقض حتى يصلح كونها مانعاً فيكون تأويلاً لدلالة تخلف الحكم من الوصف، ولا يلزم الاحتراز ابتداء، بل إن ورد عليه النقض احترز عنه.
(ص): ودعوى صورة معينة أو مبهمة أو نفيها ينتقض بالإثبات أو النفي العامين وبالعكس.
(ش): المقصود من هذا التنبيه على ما يتجه من النقوض، ويستحق الجواب، وما ليس كذلك.
اعلم: أن المقصود من ثبوت الحكم إما إثباته ونفيه معاً أو أحدهما، فإن كان الأول ولم يتعرض له المصنف وجب أن يكون الحكم مطرداً ومنعكساً مع علته، كالحد مع المحدود، فمتى ثبت عند عدمه أو عدم عند وجوده، توجه عليه النقض، وإن كان الثاني فالمدعى إما ثبوت الحكم أو نفيه، وكل منهما، إما أن يكون في بعض الصور أو جميعها، وإذا كان في بعض الصور فإما أن يكون في (٣٤/ك) صورة معينة أو مبهمة، فهذه أربعة أقسام داخلة في كل من القسمين، أعني ثبوت الحكم أو نفيه
стр. 1294
في صورة أو ثبوته أو نفيه مطلقاً، والحاصل أن الحكم إذا ثبت في صورة معينة كقولنا (زيد كاتب، أو في صورة غير معينة كقولنا) إنسان ما كاتب، فالثبوت في هاتين الصورتين يناقضه النفي العام، كقولنا: لا شيء من الإنسان كاتب، وكذلك قولنا: زيد ليس بكاتب، أو إنسان ما ليس بكاتب، يناقضه كل إنسان كاتب، وإذا ادعينا الثبوت العام كقولنا: كل إنسان كاتب، ناقضه النفي عن صورة معينة، كقولنا: زيد ليس بكاتب، أو مبهم كقولنا: إنسان ما ليس بكاتب، وكذلك إذا ادعينا النفي العام كقولنا: لا شيء من الإنسان بكاتب, ناقضه الثبوت في صورة معينة، كقولنا: زيد كاتب أو مبهمة، كقولنا: إنسان ما كاتب فعلم أن الثبوت في الصورة المعينة أو المبهمة يناقضه النفي العام، وبالعكس، وأن النفي غير صورة معينة أو مبهمة يناقضه الإثبات العام وبالعكس.
(ص): ومنها الكسر قادح على الصحيح، لأنه نقض المعنى وهو إسقاط وصف من العلة إما مع إبداله كما يقال في الخوف صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كالأمن، فيعترض بأن خصوص الصلاة ملغى فليبدل العبادة ثم ينقض بصوم الحائض، أو لا يبدل فلا يبقى علة إلا يجب قضاؤها وليس كل ما يجب قضاؤه يؤدى دليله الحائض.
стр. 1295
(ش): اختلف في تعريف الكسر ففي (المنهاج) أنه عدم تأثير أحد جزأي العلة ونقض الآخر المؤثر، وهو قضية كلام الإمام، وعبر الآمدي وابن الحاجب عن هذا بالنقض المكسور وهو تعبير حسن، وجعلا الكسر إبداء الحكمة بدون الحكم، قال الآمدي: وهو نقض على العلة دون ضابطها وقال الأكثرون من الأصوليين والجدليين: الكسر عبارة عن إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة وخارجه عن الاعتبار، أي يتبين أن أحد جزأي العلة لا أثر له، على هذا جرى المصنف، قال الشيخ أبو إسحاق في (الملخص): هو سؤال مليح، والاشتغال به ينتهي إلى بيان الفقه، وتصحيح العلة، واتفق أكثر أهل العلم على صحته، وإفساد العلة به، ويسمونه النقض من طريق المعنى، والإلزام من طريق الفقه وأنكر ذلك طائفة من الخراسانيين انتهى، ولهذا صححه المصنف، وذكر للكسر صورتين:
стр. 1296
إحداهما: أن يبدل ذلك الوصف الخاص بوصف عام ثم ينقضه عليه.
الثانية: أن لا يفعل ذلك، بل يعرض عن ذلك الذي أسقطه بالكلية، ويذكر صورة النقض، ومثاله: قولنا في إثبات صلاة الخوف، صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كصلاة الأمن، فيقول المعترض: خصوص كونها صلاة ملغى لا أثر له، لأن الحج كذلك، وليس بصلاة فلم يبق إلا الوصف العام، وهو كونها عبادة وينقضه، فهذا كسر، ثم هو بالخيرة بين أمرين: إما أن يأتي بكسره على الصورة الأولى فيلزمه بالتعليل بكونها عبادة، ويقول: كأنك قد قلت عبادة إلى آخر ما ذكرت، ويلزمك صوم الحائض فإنه عبادة يجب قضاؤها، ولا يجب أداؤها، بل يحرم، وأما على الصورة الثانية، فيقول: إذا أسقط وصف الصلاة الذي هو أحد أوصاف علتك، فلم يبق إلا قولك: يجب قضاؤها إلى آخره، وليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه بدليل الحائض، وقد ظهر لك أنه نقض يرد على المعنى، وبذلك صرح ابن الحاجب في الاعتراضات، وإن كان هنا سماه النقض المكسور، واختار، أنه لا يبطل، وهو اسم لا يعرفه الجدليون فإنهم لا يعرفون إلا الكسر،
стр. 1297
وهو أن يبين عدم التأثير، وذكر الآمدي أن الأكثرين على أن الكسر لا يقدح، وليس كذلك (فقد ذكر) أستاذ أرباب الجدل أبو إسحاق الشيرازي وتبعه ابن السمعاني وغيره أن الأكثر أنه قادح وهو كما قال، لأنه نقض، فالكلام فيه كالكلام في النقض سواء بسواء، والشيخ الهندي قال: الكسر نقض يرد على بعض أوصاف العلة وذلك هو ما عبر عنه الآمدي بالنقض المكسور، ثم قال الهندي: وهو مردود عند الجماهير (إلا إذا بين الخصم إلغاء القيد، قال المصنف (١١٥/ ز): ونحن لا نعني بالكسر إلا إذا بين، أما إذا لم يبين فلا خلاف في أنه) مردود، كيف وهو كلام غير موجه؟ وكل ما كان كذلك فهو رد على قائله.
فائدة: قال الشيخ في (المهذب) لو ماتت الأمهات أو بقي منها دون النصاب ونتجت تامة وجبت الزكاة، وقال الأنماطي ينقطع الحول بموت كل الأمهات، قال الشيخ: وينكسر عليه بأم الولد فإن يثبت لولدها حكمها في الاستيلاد مع بقائها حتى تعتق بموت السيد كما تعتق هي بموته، ولو ماتت قبل السيد لم
стр. 1298
يبطل هذا الحكم في حق الولد، وإن بطل في حقها.
(ص): ومنها العكس وهو انتفاء الحكم لانتفاء العلة فإن ثبت مقابله فأبلغ وشاهده قوله ﷺ : ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) في جواب: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟.
(ش): ما ذكره المصنف في التعريف ذكره ابن الحاجب وغيره وقال الهندي: إنه الأولى، قال: وإنما قلنا لانتفاء العلة ولم نقل: لانتفاء علته، لأنه يقتضي أن يشعر بانتفاء جميع علته، ولا نزاع في أن العكس بهذا المعنى يضر وعرفه في (المنهاج) تبعاً للإمام في (المحصول): بحصول مثل هذا الحكم في صورة أخرى لعلة تخالف العلة الأولى، ورده الهندي بأنه ليس من شرط العكس أن يحصل مثل ذلك الحكم في صورة أخرى، بل لو حصل في تلك الصورة بعينها لعلة أخرى كان ذلك عكساً أيضاً وهو أبلغ في قياس العكس، وإليه أشار المصنف بقوله: فإن ثبت مقابله فأبلغ واستشهد له بقوله ﷺ حين عدد لأصحابه
стр. 1299
وجوه الصدقة: ((وفي بضع أحدكم صدقة)) قالوا: يا رسول الله! أو يأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام)) يعني أكان يعاقب؟ قالوا: نعم قال: ((فكذلك إذا وضعها في حلال يؤجر)) فجعل النبي ﷺ نقيض حكم الوطء المباح وهو الإثم في غيره، وهو الوطء الحرام لافتراقهما في علة الحكم، وهو كون هذا مباحاً وهذا حراماً.
(ص): وتخلفه قادح عند مانع علتين.
(ش): لأنه حينئذ لا يكون للحكم إلا دليل واحد فينتفى عند انتفاء العلة لانتفاء الحكم عند انتفاء دليله، فإن قلنا: لا يجوز فليس بقادح، وهذا البناء ذكره القاضي أبو بكر والجمهور وجعله في (المنهاج) بالتفسير السابق مبنياً على منع تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين، وبناؤه ظاهر لأن النوع باق (٣٥/ك) فيه.
(ص): ونعني بانتفائه انتفاء العلم أو الظن إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.
(ش): أي لا يلزم من انتفاء الدليل على شيء انتفاؤه عن نفسه، بل انتفاء العلم
стр. 1300
به فقط، فلا يلزم من انتفاء الدليل على وجود الصانع انتفاء الصانع.
(ص): ومنها عدم التأثير أي أن الوصف لا مناسبة فيه ومن ثم اختص بقياس المعنى وبالمستنبطة المختلف فيها.
(ش): عرف عدم التأثير بكون الوصف لا مناسبة فيه، أي لثبات الحكم ولا نفيه، ووجهه أن التأثير، وهو إفادة الوصف أثره، فإذا لم يفده فهو عدم التأثير، وعرفه في (المحصول) و (المنهاج) بثبوت الحكم بدون الوصف وتعريف المصنف أعم ويبنى على هذا التفسير أن هذا السؤال إنما يقدح في قياس المعنى دون الشبه، والطرد وفي المستنبطة المختلف فيها دون المنصوصة أو المستنبطة المجمع عليها.
واعلم أن الوصف إنما يكون عديم التأثير (إذا لم يفد فائدة أصلاً، فإن كان فيه فائدة دفع النقض بأن يشير إلى أن الفرع حال مما يمنع ثبوت الحكم فيه أو إلى اشتمال الفرع على شرط الحكم فلا يكون عديم التأثير) كقوله: في التبييت صوم مفروض، فافتقر إلى التبييت قياساً على القضاء فإن كونه مفروضاً يتحقق به شرط اعتبار النية في الفرع، وهو صوم رمضان، وأنه خال عما يمنع، ثبوت التبييت فيه،