← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

إحداهما: أن يبدل ذلك الوصف الخاص بوصف عام ثم ينقضه عليه. الثانية: أن لا يفعل ذلك، بل يعرض عن ذلك الذي أسقطه بالكلية، ويذكر صورة النقض، ومثاله: قولنا في إثبات صلاة الخوف، صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كصلاة الأمن، فيقول المعترض: خصوص كونها صلاة ملغى لا أثر له، لأن الحج كذلك، وليس بصلاة فلم يبق إلا الوصف العام، وهو كونها عبادة وينقضه، فهذا كسر، ثم هو بالخيرة بين أمرين: إما أن يأتي بكسره على الصورة الأولى فيلزمه بالتعليل بكونها عبادة، ويقول: كأنك قد قلت عبادة إلى آخر ما ذكرت، ويلزمك صوم الحائض فإنه عبادة يجب قضاؤها، ولا يجب أداؤها، بل يحرم، وأما على الصورة الثانية، فيقول: إذا أسقط وصف الصلاة الذي هو أحد أوصاف علتك، فلم يبق إلا قولك: يجب قضاؤها إلى آخره، وليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه بدليل الحائض، وقد ظهر لك أنه نقض يرد على المعنى، وبذلك صرح ابن الحاجب في الاعتراضات، وإن كان هنا سماه النقض المكسور، واختار، أنه لا يبطل، وهو اسم لا يعرفه الجدليون فإنهم لا يعرفون إلا الكسر،

стр. 1297

وهو أن يبين عدم التأثير، وذكر الآمدي أن الأكثرين على أن الكسر لا يقدح، وليس كذلك (فقد ذكر) أستاذ أرباب الجدل أبو إسحاق الشيرازي وتبعه ابن السمعاني وغيره أن الأكثر أنه قادح وهو كما قال، لأنه نقض، فالكلام فيه كالكلام في النقض سواء بسواء، والشيخ الهندي قال: الكسر نقض يرد على بعض أوصاف العلة وذلك هو ما عبر عنه الآمدي بالنقض المكسور، ثم قال الهندي: وهو مردود عند الجماهير (إلا إذا بين الخصم إلغاء القيد، قال المصنف (١١٥/ ز): ونحن لا نعني بالكسر إلا إذا بين، أما إذا لم يبين فلا خلاف في أنه) مردود، كيف وهو كلام غير موجه؟ وكل ما كان كذلك فهو رد على قائله. فائدة: قال الشيخ في (المهذب) لو ماتت الأمهات أو بقي منها دون النصاب ونتجت تامة وجبت الزكاة، وقال الأنماطي ينقطع الحول بموت كل الأمهات، قال الشيخ: وينكسر عليه بأم الولد فإن يثبت لولدها حكمها في الاستيلاد مع بقائها حتى تعتق بموت السيد كما تعتق هي بموته، ولو ماتت قبل السيد لم

стр. 1298

يبطل هذا الحكم في حق الولد، وإن بطل في حقها. (ص): ومنها العكس وهو انتفاء الحكم لانتفاء العلة فإن ثبت مقابله فأبلغ وشاهده قوله ﷺ : ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) في جواب: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟. (ش): ما ذكره المصنف في التعريف ذكره ابن الحاجب وغيره وقال الهندي: إنه الأولى، قال: وإنما قلنا لانتفاء العلة ولم نقل: لانتفاء علته، لأنه يقتضي أن يشعر بانتفاء جميع علته، ولا نزاع في أن العكس بهذا المعنى يضر وعرفه في (المنهاج) تبعاً للإمام في (المحصول): بحصول مثل هذا الحكم في صورة أخرى لعلة تخالف العلة الأولى، ورده الهندي بأنه ليس من شرط العكس أن يحصل مثل ذلك الحكم في صورة أخرى، بل لو حصل في تلك الصورة بعينها لعلة أخرى كان ذلك عكساً أيضاً وهو أبلغ في قياس العكس، وإليه أشار المصنف بقوله: فإن ثبت مقابله فأبلغ واستشهد له بقوله ﷺ حين عدد لأصحابه

стр. 1299

وجوه الصدقة: ((وفي بضع أحدكم صدقة)) قالوا: يا رسول الله! أو يأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام)) يعني أكان يعاقب؟ قالوا: نعم قال: ((فكذلك إذا وضعها في حلال يؤجر)) فجعل النبي ﷺ نقيض حكم الوطء المباح وهو الإثم في غيره، وهو الوطء الحرام لافتراقهما في علة الحكم، وهو كون هذا مباحاً وهذا حراماً. (ص): وتخلفه قادح عند مانع علتين. (ش): لأنه حينئذ لا يكون للحكم إلا دليل واحد فينتفى عند انتفاء العلة لانتفاء الحكم عند انتفاء دليله، فإن قلنا: لا يجوز فليس بقادح، وهذا البناء ذكره القاضي أبو بكر والجمهور وجعله في (المنهاج) بالتفسير السابق مبنياً على منع تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين، وبناؤه ظاهر لأن النوع باق (٣٥/ك) فيه. (ص): ونعني بانتفائه انتفاء العلم أو الظن إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. (ش): أي لا يلزم من انتفاء الدليل على شيء انتفاؤه عن نفسه، بل انتفاء العلم

стр. 1300

به فقط، فلا يلزم من انتفاء الدليل على وجود الصانع انتفاء الصانع. (ص): ومنها عدم التأثير أي أن الوصف لا مناسبة فيه ومن ثم اختص بقياس المعنى وبالمستنبطة المختلف فيها. (ش): عرف عدم التأثير بكون الوصف لا مناسبة فيه، أي لثبات الحكم ولا نفيه، ووجهه أن التأثير، وهو إفادة الوصف أثره، فإذا لم يفده فهو عدم التأثير، وعرفه في (المحصول) و (المنهاج) بثبوت الحكم بدون الوصف وتعريف المصنف أعم ويبنى على هذا التفسير أن هذا السؤال إنما يقدح في قياس المعنى دون الشبه، والطرد وفي المستنبطة المختلف فيها دون المنصوصة أو المستنبطة المجمع عليها. واعلم أن الوصف إنما يكون عديم التأثير (إذا لم يفد فائدة أصلاً، فإن كان فيه فائدة دفع النقض بأن يشير إلى أن الفرع حال مما يمنع ثبوت الحكم فيه أو إلى اشتمال الفرع على شرط الحكم فلا يكون عديم التأثير) كقوله: في التبييت صوم مفروض، فافتقر إلى التبييت قياساً على القضاء فإن كونه مفروضاً يتحقق به شرط اعتبار النية في الفرع، وهو صوم رمضان، وأنه خال عما يمنع، ثبوت التبييت فيه،

стр. 1301

ويندفع به النقض بالنفل إذ لو قال: صوم فافتقر إلى التبييت لا ينتقض بالنفل، لأنه صوم ولا يفتقر إليه، مع أن فرضية الصوم بالنسبة إلى تبييت النية طردي لا مناسبة فيه. (ص): وهو أربعة. (ش): عدم التأثير ينقسم إلى أربعة أقسام: ما لا تأثير له مطلقاً، وما لا تأثير له في ذلك الأصل، وما اشتمل على قيد لا تأثير له، وما لا يظهر فيه شيء عن ذلك، ولكن لا يطرد في محل النزاع، فعلم من ذلك عدم تأثيره، ولكل قسم اسم. (ص): في الوصف بكونه طردياً. (ش): الأول عدم التأثير في الوصف بكونه طردياً، كقولهم في الصبح صلاة لا تقصر فلا يقدم أذانها كالمغرب لأن عدم القصر في نفي التقديم طردي لا مناسبة له ولا شبه، ولذلك كان الحكم الذي هو منع تقديم الأذان على الوقت موجوداً فيما قصر من الصلوات ويرجع حاصله إلى سؤال المطالبة بالدلالة على كون العلة علة. (ص): وفي الأصل مثل مبيع غير مرئي فلا يصح كالطير في الهواء فيقول لا أثر لكونه غير مرئي، فإن العجز عن التسليم كاف وحاصله معارضة في الأصل. (ش): الثاني عدم التأثير في ذلك الأصل بأن يقع الاستغناء عنه بوصف آخر

стр. 1302

كقولنا في بيع الغائب: بيع مرئي فلا يصح كالطير في الهواء بجامع عدم الرؤية، فيقول الخصم لا أثر لكونه غير مرئي، فإن العجز عن التسليم في الطير كاف بأمارة الحكم فكونه غير مرئي وإن ناسب نفي الصحة لا تأثير له هنا، كذا أطبقوا على هذا المثال، وأنه قادح، وقال القاضي أبو الطيب الطبري في تعليقه في الكلام على بيع الغائب: لنا أنه باع عيناً لم ير منها شيئاًَ فلا يصح كما لو باع النوى في التمر، فإن قيل: قولكم: لم ير منها شيئاً لا تأثير له، لأن بعض النوى إذا كان ظاهراً يراه، وبعضه غير ظاهر، فإن البيع لا يصح، فالجواب: أنه ليس من شرط التأثير أن يكون موجوداً في كل موضع، وإنما يكون وجود التأثير في موضع واحد، وتأثيره في بيع البطيخ واللوز فإنه يرى بعضها ويكون بيعها صحيحاً، وقال الإمام في البرهان: عدم التأثير في الأصل هو تقييد علة الأصل بوصف لا أثر لأصله في الأصل كقول الشافعي ﵁ في منع نكاح الأمة الكتابية: أمة كافرة فلا تنكح كالأمة المجوسية فلا أثر للرق في الأصل، قال: والمحققون على فساد العلة بذلك وقيل بصحتها إذ للرق على الجملة أثر في المنع وشبهه بالشاهد الثالث المستظهر به وهو ضعيف، إذ الثالث منهي لوقوعه، وكذا عند تعذر أحد الشاهدين بخلاف (١١٦/ز)

стр. 1303

الرق ثم نبه الإمام على أن ذلك الوصف إذا لم يكن له أثر ولا عرض فيه، فهو لغو ولا يبطل العلة لاستقلالها مع حذف القيد، وهو قول المصنف: وحاصله معارضة في الأصل أي بإبداء علة أخرى، وهو العجز عن التسليم، ولذلك بناه بانون على التعليل بعلتين. (ص): وفي الحكم وهو أضرب لأنه إما أن لا يكون لذكره فائدة كقولهم في المرتدين مشركون أتلفوا مالا في دار الحرب فلا ضمان كالحربي، ودار الحرب عندهم طردي فلا فائدة لذكره، إذ من أوجب الضمان أوجبه وإن لم يكن في دار الحرب، وكذا من نفاه فيرجع إلى الأول لأنه يطالب بتأثير كونه في دار الحرب أو تكون له فائدة ضرورية كقول معتبر العدد في الاستجمار بالأحجار: عبادة متعلقة بالأحجار ولم يتقدمها معصية فاعتبر فيها العدد كالجمار فقوله لم يتقدمها معصية عديم التأثير في الأصل والفرع لكنه مضطر إلى ذكره لئلا ينتقض بالرجم، أو غير ضرورية فإن لم تغتفر الضرورية لم يغتفر وإلا فتردد مثاله

стр. 1304

الجمعة صلاة مفروضة فلم يفتقر إلى إذن الإمام كالظهر فإن مفروضه حشو إذ لو حذف لم ينتقض بشيء لكنه ذكر لتقريب الفرع من الأصل بتقوية الشبه بينهما إذ الفرض بالفرض أشبه. (ش): الثالث عدم التأثير في الحكم المعلل وهو أضرب. أحدها: أن لا يكون لذكره فائدة، أي ولا تأثير له أصلاً لا في الأصل ولا في الفرع ووجه تسميته عدم التأثير في الحكم: أنه لا مدخل له في الحكم ولا تعلق له به، مثاله: قولهم في المرتدين: مشركون أتلفوا مالا في دار الحرب فلا ضمان عليهم كالحربي، ودار الحرب عندهم طردي فلا فائدة في ذكره، فإن من أوجب الضمان أوجبه مطلقاً، ومن نفاه نفاه مطلقاً، سواء كان في دار الحرب أم غيرها فيرجع إلى القسم الأول، لأنه مطالب بتأثير كونه في دار الحرب، إذ لا تأثير للوصف بالنسبة إلى الحكم المذكور في القسمين فلا فرق بينهما.

стр. 1305

الثاني: أن لا يكون له تأثير فيها، ولكن لذكره فائدة ضرورية، كقول من اعتبر العدد في الاستجمار بالأحجار عبادة متعلقة بالأحجار لم يتقدمها معصية (فاعتبر فيها العدد كرمي الجمار في الحج، فقوله لم يتقدمها معصية) عديم التأثير في الأصل والوصف، والمعلل مضطر إلى ذكره إذ لو حذفه لانتقضت عليه بالرجم فإنه عبادة تتعلق بالأحجار ولا يعتبر فيها العدد، وهو كالذي قبله في رجوعه إلى الأول فلا فرق. الثالث: أن يكون له فائدة، لكل المعلل لا يضطر إليه ويسمى الحشو، فإن اغتفر له ذكر ما اضطر إليه اغتفر له هذا وإلا ففيه خلاف مثاله، قولنا في الجمعة تصح بغير إذن الإمام لأنها صلاة مفروضة فلم تفتقر إقامتها إلى إذنه كالظهر، فنقول: هذا قيد زائد لا لإثبات الحكم بل لتقريب الفرع من الأصل وتقوية الشبه بينهما إذ الغرض (٣٦/ك) بالفرض أشبه من غيره. (ص): الرابع في الفرع مثل زوجت نفسها (بغير كفء فلا يصح كما لو زوجت) من غير كفء وهو كالثاني إذ لا أثر للتقييد بغير الكفء ويرجع إلى المناقشة في الفرض وهو تخصيص بعض صور النزاع بالحجاج والأصح جوازه، وثالثها بشرط البناء أي بناء غير محل الفرض عليه.

стр. 1306

(ش): الرابع عدم التأثير في الفرع من جهة أن الوصف لا يطرد في جميع صور النزاع، كقولنا: في ولاية المرأة: زوجت نفسها من كفء فلا يصح كما لو زوجت من غير كفء، فالتزويج من غير كفء وإن ناسب البطلان إلا أنه لا اطراد له في صورة النزاع إذ النزاع فيمن زوجت نفسها مطلقاً فبان أن الوصف لا تأثير له في الفرع المتنازع فيه، وحاصله كالثاني، أي من حيث إن حكم الفرع هنا إلى غير الوصف المذكور فيه كما أن حكم في الأصل= في القسم الثاني مضاف إلى غير الوصف المذكور، وهو في ذلك متابع لابن الحاجب في مختصره الصغير، لكنه قال في الكبير إنه كالثالث، وقيل إنه الصواب، وقوله: ويرجع إشارة إلى أن قبول هذا مبنى الفرض فمن منع جواز الفرض في الدليل رده، ومن لم يمنع من ذلك قبله، والفرض تخصيص بعض الصور النزاع بالدليل كما إذا قال المسؤول عن نفوذ عتق

стр. 1307

الراهن: أفرض الكلام في العسر أو عن من زوجت نفسها أفرض فيمن زوجت من غير كفء فإذا خصص المستدل تزويجها نفسها من غير الكفء بالدليل فقد فرض دليله في بعض صور النزاع وفيه مذاهب: أحدها: المنع منه وهو قول ابن فورك وقال: من شرط الدليل أن يكون عاماً لجميع مواقع النزاع ليكون دفعاً لاعتراض الخصم مطابقاً للسؤال. والثاني: وهو الذي عليه الجمهور الجواز، لأنه قد لا يساعده على الكل أو يساعده غير أنه لا يقدر على دفع كلام الخصم بأن يكون كلامه في بعض الصور أشكل، فيستفيد من الفرض غرضاً صحيحاً وليس منه ما يوجب فساد الجواب، فإن من يسأل عن الكل فقد سأل عن البعض وقال ابن الحاجب: إن كان الوصف المجهول في الفرض طرداً فمردود وإلا فمقبول وقال ابن التلمساني: الوجه أن يقال: قد يستفاد بالفرض تضييق مجاري الاعتراض على الخصم، وهو من مقصود الجدل أو وضوح التقرير، ولهذا المعنى عدل الخليل ﵊ في تقرير الاستدلال على النمرود بالأثر على المؤثر من صورة إن الله يحيي ويميت لما اشتبه

стр. 1308

عليه إلى أوضح منها عند النمرود فقال: ﴿إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ الآية. الثالث: يجوز بشرط البناء، أي: بناء ما خرج عن محل الفرض إلى محل الفرض واختلفوا في طريق البناء، فقيل: يكفيه فيه أن يقول: إذا ثبت الحكم في بعض الصور لزم القول بثبوته في الباقي ضرورة إذ لا قائل بالفرق، وقيل: لا يكفيه ذلك بل يحتاج إلى رد ما خرج عن محل الفرض إلى محل الفرض لجامع صحيح كما هو قاعدة القياس، وقيل: إن كان الفرض في صورة السؤال فلا يحتاج إلى البناء، وإن عدل في الفرض إلى غير محل السؤال فعند ذلك لا بد من بناء على السؤال على محل الفرض بطريق القياس. (ص): ومنها القلب وهو دعوى أن ما استدل به في المسألة على ذلك الوجه عليه لا له إن صح، ومن ثم أمكن معه تسليم صحته، وقيل هو تسليم للصحة مطلقاً، وقيل: إفساد مطلقاً.

стр. 1309

(ش): قوله: في المسألة. أي: في تلك المسألة بعينها (ليخرج ما يدل عليه في غير تلك المسألة التي استدل هو به عليها فلا يسمى قلباً وقوله على ذلك الوجه ليخرج ما يدل عليه (١١٧/ز) في تلك المسألة لكن على غير ذلك الوجه مثل: أن يستدل المستدل بنص بطريق الحقيقة، والمعترض يستدل به عليه في تلك المسألة بطريق التجوز، وكان ينبغي إسقاط قوله: لا له، ولهذا قال الآمدي: قلب الدليل: هو أن يبين القلب، أن ما ذكره المستدل يدل عليه لا له أو يدل عليه وله قال: والأول قل ما يتفق له مثال في الأقيسة، ومثله بالمنصوص من استدلال الحنفي في توريث الخال بقوله ﵊ ((الخال وارث من لا وارث له)) فأثبت إرثه عند

стр. 1310

عدم وارث غيره، فيقول المعترض: هذا يدل عليك لا لك، إذ معناه نفي توريث الخال بطريق المبالغة أي: الخال لا يرث كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة له، أي: ليس الجوع زاداً ولا الصبر حيلة، والثاني: وهو يدل على المستدل وله، إما أن يتعرض القالب فيه لتصحيح مذهب نفسه كمسألة الاعتكاف أو إبطال مذهب المستدل صريحاً كمسح الرأس أو التزاماً كمسألة الخيار، وقول

стр. 1311

المنصف: إن صح أي على تقدير الترك ولهذا يمكن مع القلب تسليم صحة الدليل (وقيل: هو تسليم للصحة مطلقاً) أي تسليم لأن الجامع دليل صحيح، وإنما اختلفوا في أنه دليل للمستدل أو عليه، وقيل: إنه إفساد العلة مطلقاً، وتبين أنه لا يصح التعلق بها لواحد منهما لأن الشيء الواحد، لا يجوز أن يعتبر بالشيء وضده. واعلم: أن الخلاف هكذا لا يوجد صريحاً، وإنما المصنف أخذ الأول من ظاهر قول من سمى القلب معارضة، فإن المعارضة لا تفسد العلة، بل تمنع من التعلق بها إلى أن يثبت رجحانها من خارج، وأخذ الثاني: من قول بعض أصحابنا: القلب شاهد زور كما يشهد لك يشهد عليك، وقول ابن السمعاني توجيه سؤال القلب: أن يقال: إذا علق على العلة ضد ما علقه المستدل من الحكم، فلا يكون أحد الحكمين أولى من الآخر، ويبطل تعلقها بهما قلت: كذا ذكره

стр. 1312

المصنف في (شرح المختصر) أنه استنبط الخلاف من ذلك، وقال الإمام في (البرهان): ذهب ذاهبون إلى رده لكون ما جاء به القالب ليس مناقضاً لما صرح به المعلل بل كالمعارضة الجامدة، وقيل: بقبوله لكون العلة وقلبها مشتملين على حكمين يستحيل الجمع بينهما، فهو مناقض للمقصود، قال: ولا يمكن القالب أن يعتقد صحة قلبه لكون قياس العلل قلباً له بل هو عنده من باب معارضة الفاسد بالفاسد بخلاف المعارضة إذ قد تكون صحيحة لترجيحها على قياس المعلل، ونازعه بعضهم في ذلك وقال: ربما كان القلب أرجح من قياس المعلل فيكون صحيحاً فهو كالمعارضة، وقد أشار الإمام فيما بعد إلى ذلك، وقال النيلي في جدله القسم الأول من القلب، وهو ما يدل على (٣٧/ك) المستدل لا له من قبل الاعتراضات ولا يتجه إلى قبوله خلاف، وأما الثاني وهو ما يدل على المستدل من وجه آخر كمثال الاعتكاف، ومسح الرأس، وبيع الغائب، فاختلفوا فيه هل هو اعتراض أو معارضة؟ فزعم قوم أنه معارضة، لأن المعترض يعارض دلالة المستدل بدلالة أخرى فحقيقة المعارضة موجودة فيه، وذكر لهذا الخلاف فوائد منها: أنه إذا قيل معارضة جازت الزيادة في علته كقوله في بيع الغائب: عقد معاوضة مقتضاه التأبيد، فلا ينعقد على خيار الرؤية

стр. 1313

كالنكاح، وإن قيل: هو اعتراض لم تجز الزيادة، انتهى. والفرق بين المعارضة والاعتراض أن المعارضة كدليل مستقل فلا يتعذر بدليل المستدل، بخلاف الاعتراض فإنه منع للدليل فتمتنع الزيادة عليه إذ يكون كالكذب على المستدل حيث يقول ما لم يقل ومنها إن قلنا: معارضة جاز قلبه من المستدل كما يعارض العلة كما سيأتي في بيع الفضولي، ومن قال: إنه اعتراض لم يجز ذلك، لأنه منع والمنع لا يمنع، ومنها إن قلنا: (إنه معارضة جاز أن يتأخر عن المعارضة لأنه كالجزء منها وإن قلنا) اعتراض لم يجز ووجب تقديمه عليها، لأن المنع مقدم على المعارضة، ومنها إن قلنا: معارضة قبلنا فيها الترجيح، وإن قلنا: اعتراض فلا، لأن المعارضة تقبل الترجيح كالدليل المبتدأ، والمنع لا يقبل الترجيح. (ص): وعلى المختار فهو مقبول معارضة عند التسليم قادح عند عدمه، وقيل: شاهد زور لك وعليك. (ش): أي إذا قلنا: إنه لا يفسد العلة، فإن كان لتسليم صحة الدليل فهو معارضة بقياس بجامع المستدل وأصله فيجاب عنه بالترجيح، وإن لم يكن فهو اعتراض قادح قال علماؤنا: المعارضة قد تكون لعلة أخرى وهي ما عدا القلب، وقد تكون لعلة المستدل نفسها وهي القلب، وتسمى مشاركة في الدليل، وقال الهندي: يمتاز القلب عن مطلق المعارضة بأمرين لا غير: أحدهما: أنه لا يمكن فيه الزيادة في العلة، وسائر المعارضات يمكن. وثانيهما: أنه لا يمكن منع وجود العلة في الفرع والأصل، لأن أصل القالب

стр. 1314

وفرعه هما أصل المستدل وفرعه ويمكن ذلك في سائر المعارضات وقول المصنف: وقيل: شاهد زور هو القول الذي حكاه أولاً بالإفساد. (ص): وهو قسمان الأول لتصحيح مذهب المعترض إما مع إبطال مذهب المستدل صريحاً كما يقال في بيع الفضولي: عقد في حق الغير بلا ولاية فلا يصح كالشراء، فيقال: عقد فيصح كالشراء أولاً مثل لبث فلا يكون بنفسه قربة كوقوف عرفة، فيقال: فلا يشترط فيه الصوم كعرفة). (ص): القلب لتصحيح مذهب المعترض ضربان: أحدهما: أن يدل مع ذلك على بطلان مذهب المستدل بالصراحة، كقولنا: في بيع الفضولي عقد في حق الغير بلا ولاية ولا نيابة فلا يصح، قياساً على ما إذا اشترى شيئاً لغيره بغير إذنه، فيقول الخصم: أنا أقل هذا الدليل، فأقول: تصرف في مال الغير بلا ولاية ولا نيابة فلا يقع عن أضافة =إليه كالشراء فإن الشراء لم يصح لمن أضيف له وهو المشتري له بل صح للمشتري وهو الفضولي.

стр. 1315

والثاني: أن لا يدل مع ذلك على إبطال مذهب المستدل صريحاً كقول الحنفي في الاعتكاف: لبث في محل مخصوص فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة، وغرضه التعرض لاشتراط الصوم فيه، ولكنه لم يتمكن من (١١٨/ز) التصريح باشتراطه إذ لو صرح به لم يجده أصلاً، فيقول الشافعي: لبث في محل مخصوص فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة، فقد تعرض للعلة بتصريحه بنقض المقصود وقد تكلم إمام الحرمين في هذا المثال، وقال: الصوم عبادة مستقلة، فوقوعه شرطاً بعيداً وليس تعبداً، فإن الإيمان مقصود في نفسه، وهو شرط في كل عبادة (ص): الثاني لإبطال مذهب المستدل بالصراحة عضو وضوء فلا يكفي أقل ما يطلق عليه الاسم كالوجه، فيقال: فلا يتقدر غسله بالربع كالوجه، أو بالالتزام عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالعوض كالنكاح فيقال: فلا يشترط خيار الرؤية كالنكاح. (ش): القلب لإبطال مذهب المستدل ضربان: ضرب بالصراحة وضرب بالالتزام فالأول كقولك في مسح الرأس عضو وضوء فلا يكتفى فيه بأقل ما ينطلق عليه اسم المسح كغيره (من أعضاء الوضوء، فيقول الشافعي فلا يتقدر بالربع)

стр. 1316

كغيره. والثاني: كقوله في بيع الغائب، عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالعوض كالنكاح، فيقول الشافعي: فلا يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح فقد تعرض لإبطال مذهب المستدل بالالتزام، لأنه أبطل لازم الصحة وهو خيار الرؤية لأن من قال في بيع الغائب بالصحة، قال بخيار الرؤية، فالخيار لازم للصحة، فإذا انتفى اللازم، وهو خيار الرؤية انتفى الملزوم وهو الصحة. (ص): ومنه ـ خلافاً للقاضي ـ قلب المساواة مثل طهارة بالمائع، فلا تجب فيها النية كالنجاسة، فيقول: فيستوي جامدها ومائعها كالنجاسة. (ش): يلحق بالقسم الآخر نوع يقال له قلب المساواة وهو أن يكون في الأصل قسمان. أحدهما: منتف في الفرع باتفاق الخصمين، والآخر متنازع فيه بينهما فإذا أراد أن يثبته في الفرع قياساً على الأصل فيقول المعترض تجب التسوية بينهما في

стр. 1317

الفرع بالقياس على الأصل، ويلزم من وجود التسوية في الفرع عدم ثبوته فيه كقولهم في نية الوضوء: طهارة بالماء فلا يفتقر إلى النية كإزالة النجاسة، فنقول يستوي جامدها ومائعها في النية كإزالة النجاسة، وقد اختلف فيه فذهب الأكثرون منهم الأستاذ أبو إسحاق وإمام الحرمين، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى قبوله أيضاً وذهب القاضي أبو بكر، وابن السمعاني وطائفة ممن قبل أصل القلب إلى رده، لأنه لا يمكن التصريح فيه بحكم العلة، فإن الحاصل في الأصل نفي، وفي الفرع إثبات، ألا ترى المستدل يعتبر الوصفين في الأصل، والمعترض لا يعتبرهما، بمقتضى القلب، والأول هو المختار عند المصنف، فإن القياس على الأصل إنما هو حيث عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه، فلا يضر كونه في الأصل الصحة، وفي الفرع عدمها، إذ هذا الاختلاف غير مناف لأصل الاستواء الذي جعل جامعاً.

стр. 1318

(ص): ومنها: القول بالموجب وشاهده ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ في جواب ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع كما يقال في المثقل: قتل بما يقتل غالباً فلا ينافي القصاص كالإحراق، فيقال: سلمنا عدم المنافاة، ولكن لم قلت يقتضيه وكما يقال: التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص كالمتوسل إليه، فيقال مسلم، ولكن لا يلزم إبطال مانع انقضاء الموانع ووجود (٣٨/ك) الشرايط والمقتضى. (ش): الموجب بفتح الجيم أي القول بما أوجبه دليل المستدل، واقتضاه، أما الموجب بكسرها فهو الدليل المقتضي للحكم، وهو غير مختص بالقياس ومنه الآية الكريمة، أي صحيح ما يقولونه من أن الأعز يخرج الأذل والنزاع باق فإن العزة لله ولرسوله فالله ورسوله يخرجانكم، وتعريف المصنف له: بتسليم الدليل تبع فيه ابن الحاجب.

стр. 1319

وقال بعضهم: ينبغي أن يقال: تسليم مقتضى الدليل لأن تسليم الخصم، إنما هو لمقتضى الدليل وموجبه، لا لنفس الدليل إذ الدليل ليس مراداً لذاته، بل لكونه وسيلة إلى معرفة المدلول وهو أقسام. أحدها: أن يستنتجه ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملازمه، كقولنا في القتل بالمثقل، قتل بما يقتل غالباً، فلا ينافي وجوب القصاص كالإحراق، فيقول المعترض: عدم المنافاة ليست محل النزاع ولا تقتضيه، وأنا أقول بموجب ما ذكرته، وإنما النزاع في وجوب القصاص، وهو ليس عدم المنافاة ولا ملازمة. الثاني: تستنتجه إبطال ما يتوهم أنه مأخذ مذهب الخصم، كقولنا في القتل بالمثقل أيضاً التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه، فيقول الخصم: أنا أقول بموجب هذا الدليل وأن التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، ولكن لا يلزم من ذلك وجوب القصاص الذي هو محل النزاع، إذ لا يلزم من إبطال كون التفاوت في الوسيلة مانعاً، انتفاء كل مانع لوجوب القصاص، فلا يلزم وجود جميع شرايطه، ووجود مقتضيه، فيجوز أن لا يجب القصاص لمانع آخر آو لفوات شرط، أو لعدم المقتضى.

стр. 1320

(ص): والمختار تصديق المعترض في قوله: ليس هذا مأخذي. (ش): لأنه أعرف بمذهبه، وقيل: لا يصدق إلا ببيان مأخذ آخر، إذ ربما كان ذلك مأخذه، ولكنه يعاند قصداً لإيقاف كلام خصمه، والصحيح الأول، كيف؟ وإنا لو أوجبنا عليه إبداء المأخذ فإن ملكنا المستدل من إبطاله لزم قلب المستدل معترضاً، والمعترض مستدلاً وإن لم نملكه فلا فائدة في إبداء المأخذ لإمكان ادعائه ما لا يصلح ترويجاً لكلامه. (ص): وربما سكت المستدل عن مقدمة غير مشهورة مخافة المنع فيرد القول بالموجب. (ش): من أنواع القول بالموجب أن يسكت عن الصغرى، وهي غير مشهورة كقول الشافعي في افتقار الوضوء إلى النية، ما ثبت أنه قربة فشرطه النية كالصلاة وسكت عن قوله والوضوء قربة مخافة المنع فيرد القول بالموجب، أي فيقول المعترض: أنا أقول بموجب ما ذكرته، ولكن مقدمة واحدة لا تنتج، فلا يثبت

стр. 1321

مدعاك، فلو ذكرها فقال: والوضوء قربة، وكلما ثبت كونه قربة شرط النية كالصلاة، فينتج أن الوضوء شرط النية فلا يرد عليه إلا منع الصغرى (١١٩/ز) أو الكبرى، فيقول: لا نعلم أن الوضوء قربة، ويكون حينئذ منعاً للصغرى لا قولاً بالموجب، وإنما قال: غير مشهورة، لأنها لو كانت مشهورة كانت بمنزلة المذكورة فيمتنع، أو كانت متفقاً عليها فلا يتأتى المنع أصلاً وإن صرح بذكرها. فائدة: جعله القلب من مفسدات العلة ذكره الآمدي والهندي، ووجهوه بأنه إذا كان تسليم موجب ما ذكره من الدليل لا يرفع الخلاف علمنا أن ما ذكره ليس بدليل الحكم، ونازع المصنف في (شرح المنهاج) فيه، وقال: هذا التقرير يخرج لفظ القول بالموجب عن إجرائه على قضيته، بل الحق أن القول بالموجب تسليم له وهذا ما اقتضاه كلام الجدليين، وإليهم المرجع في ذلك، وحينئذ لا يتجه عده من مبطلات العلة، قلت: وبه صرح إمام الحرمين في (البرهان) فقال متى تحقق انقطع المستدل، وليس اعتراضاً في الحقيقة لاتفاق الخصمين فيه على صحة العلة، وإنما ينشأ من اعتناء المعلل بالموجب.

стр. 1322

(ص): ومنها القدح في المناسبة وفي صلاحية إفضاء الحكم إلى المقصود، وفي الانضباط وفي الظهور، وجوابها بالبيان. (ش): هذه أربعة قوادح في العلة، وإنما جمعها المصنف في موضع واحد لاختصاصها بالمناسبة. أولها: القدح في المناسبة هو إبداء مفسدة راجحة أو مساوية لما مر أن المناسبة تنخرم بالمعارضة، وهذه المسألة عين تلك، فلا فرق وإنما أعيدت لتعداد صور القوادح وجوابه: بيان رجحان تلك المصلحة على تلك المفسدة تفصيلاً أو إجمالاً. ثانيها: القدح في صلاحية إفضائه إلى المصلحة المقصودة من شرع الحكم له كما لو علل حرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب المؤدي إلى الفجور فإذا تأبد التحريم انسد باب الطمع المفضي إلى مقدمات الهم، فيقول المعترض، بل سد باب النكاح أفضى إلى الفجور والنفس مائلة إلى الممنوع، وجوابه: بيان أن التأبيد يمنع عادة من ذلك لانسداد باب الطمع، فيصير بتطاول الأمر وتماديه كالطبيعي بحيث لا يبقى المحل مشتهى كالأمهات. ثالثها: كون الوصف غير منضبط مثل الجرح يجعل علة للفطر، والمشقة في القصر، والزجر في التعذير فإنها لا تتميز، وتختلف بالأشخاص والأحوال والزمان، ولا يمكن تعيين القدر المقصود منها، وجوابه: ببيان أنه منضبط إما بنفسه كما يقول في المشقة والمضرة: إنه منضبط عرفاً، وإما بوضعه كالمشقة في السفر والزجر بالحد.

стр. 1323

ورابعها: كون الوصف غير ظاهر كالرضى في العقود، والقصد في الأفعال الدالة على الإزهاق في وجوب القصاص فإن الحكم الشرعي خفي، والخفي لا يعرف الخفي، وجوابه: أن يبين ظهوره بصفة ظاهرة كضبط الرضى بما يدل عليه من الصيغ، وضبط القصد بفعل يدل عليه عادة كاستعمال الجارح والمثقل، ولما اشتركت هذه القوادح في أن جوابها بالبيان بالمعنى السابق جمع المصنف في الجواب بذلك. (ص): ومنها الفرق، وهو راجع إلى المعارضة في الأصل أو الفرع، وقيل إليهما معاً والصحيح أنه قادح، وإن قيل: إنه سؤالان. (ش): من القوادح في العلة الفرق بين الأصل والفرع فينقطع به الجمع كقول الحنفي في التبييت (٣٩/ك) صوم عين فيتأدى بالنية قبل الزوال كالنفل فيقال: ليس المعنى في الأصل ما ذكرت، بل إن النفي يبنى على السهولة، فجاز بنية متأخرة بخلاف الفرض، وهو في التحقيق راجع إلى سؤال المعارضة في الأصل أو الفرع فحكمه رداً وقبولاً حكمها، واستغنى المصنف بذلك عن التعرض لتعريفه،

стр. 1324

وفي جواب المستدل عنه وعند كثير من المتقدمين: هو معارضة في الأصل والفرع معاً، حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقاً وذكر إمام الحرمين أنه وإن اشتمل على معارضة، لكن ليس المقصود منه المعارضة، وإنما الغرض منه المناقضة للجمع، فالكلام في الفرق وراء المعارضة وخاصيته وسر نفيه تناقض أصل الجمع، وقد رده من يقبل المعارضة، وأشار بقوله: والصحيح إلى أنه اختلف في قبوله على قولين: أحدهما: أنه مردود فلا يكون قادحاً وعزاه ابن السمعاني للمحققين، وقال: إنه ليس مما يمس العلة التي نصبها المعلل بوجه ما ووجهه غيره بأن الوصف الواقع فرقاً إن استقل بالمناسبة فهو علة أخرى ولا تناقض بينهما، وإن لم يستقل، بل كان محل المصلحة، فلا حاجة إلى هذه الزيادة، بل المستقل هو المعتبر وأصحهما: أنه مقبول لأنه على أي وجه ورد يوهن غرض المستدل من الجميع، ويبطل مقصوده، وذكر الشيخ أبو إسحاق في (الملخص): أنه أفقه شيء يجري في النظر، وبه يعرف فقه المسألة،

стр. 1325

وذكر إمام الحرمين أنه الذي عليه جماهير الفقهاء لأن شرط علة الخصم خلوها من المعارض، والحق أنه إن كان معارضة في الفرع فهو قادح قطعاً، وإن كان في الأصل انبنى على التعليل بعلتين: فمن منع رآه اعتراضاً قادحاً وإلا للزم تعدد العلة، ومن لم يمنعه لم ير ذلك قادحاً، إذ لا امتناع في إبداء معنى آخر، واجتماع علتين القدر المشترك والتعيين الخاص وقوله: وإن قيل إنه سؤالان، إشارة إلى الخلاف في أنه سؤال واحد أو سؤالان فقال ابن سريج: إنه سؤالان لاشتماله على معارضة علة الأصل بعلة، ثم معارضة علة الفرع بعلة مستنبطة في جانب الفرع، وقيل: سؤال واحد لاتحاد المقصود منه، هو قطع الجمع فإن قلنا بهذا: فهو مقبول قطعاً، وإن قلنا: سؤالان ففي قبوله خلاف فمنهم من منعه لجمعه بين أسئلة مختلفة المراتب، فإنه منع لعلة الأصل، فهو سؤال مستقل وإبداء لعلة أخرى موجودة في الأصل، وهو المعارضة في الأصل، وموجودة في الفرع وهي المعارضة في الفرع، وكل واحد منها سؤال مستقل فلا وجه للجمع فينبغي أن يورد كل سؤال على حياله، والصحيح (١٢٠/ز) القبول، وجاز الجمع بينهما لأنه أضبط للغرض، وأجمع لشعب الكلام، وقال إمام الحرمين: حاصل القول في مذهب الجدليين يؤول إلى ثلاثة مذاهب: أحدها: رده، وإنما يستمر مع القول برد المعارضة في الأصل والفرع وهو

стр. 1326

مذهب ساقط. والثاني: ويعزى إلى ابن سريج واختاره الأستاذ أبو إسحاق أن الفرق ليس سؤالاً على حياله، وإنما هو معارضة معنى الأصل بمعنى، ومعارضة الفرع بعلة مستقلة، ومعارضة العلة بعلة مقبولة وإن تردد في معارضة. والثالث: وهو المختار عندنا وارتضاه كل من ينتمي إلى التحقيق أنه صحيح مقبول، وإن اشتمل على معنى معارضة الأصل ومعارضة علة الفرع بعلة، فليس المقصود منه المعارضة، بل مناقضة الجمع إذا علمت هذا فالقائل بأنه سؤالان لم يقبله على أنه فرق بل معارضة، فكلام المصنف ينخدش بهذا. (ص): وأنه يمتنع تعدد الأصول للانتشار، وإن جوز علتان. (ش): القائلون بأنه من القوادح اختلفوا في أنه هل يجب على الفارق نفيه عن الفرع فمنهم: من أوجبه لأن قصده افتراق صورتين، وقيل: لا يجب، وقيل: بالتفصيل إن صرح في أفراد الفرق بالافتراق بين الأصل والفرع فلا بد من نفيه عنه، وإن لم يصرح بل قصد المعارضة، ودليله غير تام فلا، وقال المقترح: إنه أقرب إلى الصواب، هذا إذا كان المقيس عليه واحداً منهما وهو المختار عند المصنف، وإن جوزنا علتين، ومنهم من جوز ذلك لما فيه من تكثير الأدلة هو أقوى في إفادة الظن. (ص): قال المجيزون: ثم لو فرق بين الفرع وأصله منها كفاه وثالثها

стр. 1327

إن قصد الإلحاق بمجموعها (ثم في اقتصار المستدل على جواب أصل واحد قولان). (ش): المجوزون للتعداد اختلفوا في أنه إذا فرق المعترض بين واحد وبين الفرع هل يكفيه ذلك أم لا؟ والأصح كما قاله الهندي: الاكتفاء، لأن إلحاق الفروع بتلك الأصول بأسرها غرض المستدل وإلا لم يعدده، وهو غير حاصل ضرورة أنه لم يكن ملحقاً بالأصل الذي فرق المعترض بينه وبين الفرع فلم يكن ملحقاً به بأسرها. والثاني: لا يكفيه بل يحتاج إلى أن يفرق بين الفرع وبين كل واحد من تلك الأصول ثم اختار الهندي تفصيلاً. ثالثاً: وهو أنه إن كان غرض المستدل من الأقيسة المتعددة إثبات المطلوب بصفة الرجحان، وغلبة الظن المخصوص، فالفرق المذكور قادح في غرضه ومحصل لغرض المعترض، وإن كان غرضه إثبات أصل المطلوب أو إثباتها برجحان ما فيها في قياس واحد أو التزامه سليماً عن الفرق لم يقدح ذلك في غرضه، ولا يحصل به غرض المعترض.

стр. 1328

(ص): ومنها فساد الوضع بأن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم كتلقي التخفيف من التغليظ والتوسيع من التضييق والإثبات من النفي مثل: القتل جناية عظيمة فالتكفير كالردة. (ش): ينبغي أن تعرف أولاً وضع القياس حتى تسهل معرفة فساد وضعه، فإن معرفة الضد تعين على معرفة الضد الآخر، وصحة وضع القياس أن يكون (٤٠/ك) على هيئة صالحة، بحيث يترتب عليه ذلك الحكم المطلوب إثباته، وحينئذ ففساد الوضع أن يكون على هيئة غير صالحة لأن يترتب عليه ذلك الحكم، سواء كان على هيئة تصلح لأن يترتب عليه ضد ذلك الحكم من النفي أو الإثبات أو التخفيف أو التغليظ كما إذا كان المذكور في القياس وصفاً مشعراً بضد ذلك الحكم أو لم يصلح لذلك أيضاً كما إذا كان المذكور في القياس وصفاً لا يصلح للعلية كالطردي فمثال تلقي التخفيف من التغليظ: قول الحنفي القتل العمد جناية عظيمة فلا يجب فيه الكفارة، كما في غيره من الكبائر نحو الردة والفرار من

стр. 1329

الزحف، فإن كونه جناية عظيمة يناسب التغليظ لا التخفيف، ومثال التوسيع من التضييق: كقولهم في أن الزكاة على التراخي مال وجب على وجه الإرفاق لدفع الحاجة، فكان على التراخي كالدية على العاقلة، فإن كونه وجب لدفع الحاجة يقتضي أن يكون واجباً على الفور لا التراخي ومثال الإثبات من النفي: قولنا في بيع المعاطاة في المحقرات: بيع لم يوجد فيه سوى الرضى فوجب أن لا ينعقد كما في غير المحقرات، فإن حصول الرضى مما يناسب الانعقاد لا عدمه.

стр. 1330

(ص): ومنه كون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم. (ش): أي أن المقيس عليه يشعر بنقيض الحكم كقول الحنفي في تنجيس سؤر السباع: سبع ذو ناب فكان سؤره نجساً كالكلب فيقول: علقت على العلة ضد مقتضاها لأن كونه سبعاً علة للطهارة بدليل أنه ﷺ دعي إلى دار قوم فأجاب دون دار آخرين، فقال: ((إن في دراهم كلباً)) قيل: وفي دار الذين أجبتهم هرة، فقال: ((الهرة سبع)) فجعل السبع علة للطهارة. واعلم أن ابن الحاجب لم يذكر لفساد الوضع غير هذا القسم فكأن المصنف

стр. 1331

قصد التنبيه على الاعتراض عليه في اقتصاره على نوع منه، وتفسيره الكل بالجزء، وقال إمام الحرمين في (البرهان): فساد الوضع نوعان: أحدهما: بيان أن القياس مخالف لمتمسك تقدم عليه لمخالفة النص. والثاني: أن يشعر المعنى بنقيض الحكم، وهو أوضح فساداً من الطرد. (ص): وجوابهما بتقرير كونه كذلك. (ش): أي جواب النوعين بتقرير المدعى أما في الأول: فلأنه قد يكون للوصف وجهتان يناسب بإحداهما التغليظ، والأخرى التخفيف، وأما الثاني فبأن يمنع كون علته تقتضي نقيض ما علق عليه، أو نسلم ذلك، ولكن تبين وجود مانع في أصل المعترض. (ص): ومنها فساد الاعتبار بأن يخالف نصاً أو إجماعاً، وهو أعم من فساد الوضع وله تقديمه على المنوعات وتأخيره. (ش): النص يشمل الكتاب والسنة، مثال ما خالف الكتاب: (١٢١/ز) قولنا: في التبييت صوم مفروض فلا يصح بنية من النهار كالقضاء، قال: هذا فاسد الاعتبار لمخالفة قوله تعالى: ﴿والصائمين والصائمات﴾ فإنه يدل على أن كل من صام يحصل له الأجر العظيم وذلك يستلزم الصحة.

стр. 1332

ومثال ما خالف السنة: قولنا: لا يصح السلم في الحيوان لأنه عقد يشتمل على الضرر فلا يصح كالسلم في المختلطات فيقال: هذا فاسد الاعتبار لمخالفته ما روي أنه ﷺ رخص في السلم ومثال ما خالف الإجماع، قول الحنفي: لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته لأنه يحرم النظر إليها كالأجنبية فيقال: هذا فاسد الاعتبار لمخالفته الإجماع السكوتي وهو أن علياً

стр. 1333

رضي الله عنه غسل فاطمة ﵂. واعلم أن اقتصار المصنف على تفسيره المخالفة بالنص أو الإجماع غير واف بحقيقته، بل منه كما قال الهندي وغيره: أن يكون أحد مقدماته مخالفاً للنص أو الإجماع، أو كان الحكم مما لا يمكن إثباته بالقياس كإلحاق المصراة، بغيرها من المعيب في حكم الرد وعدمه ووجوب بدل لبنها الموجود في الضرع، لأن هذا القياس مخالف لصريح النص الوارد فيها، أو كان تركيبه مشعراً بنقيض الحكم المطلوب سمي بذلك لأن اعتبار القياس مع مخالفته النص أو الإجماع اعتبار له مع دليل أقوى

стр. 1334

منه، وهو اعتبار فاسد لحديث معاذ فإنه أخر الاجتهاد عن النص وقوله: (وهو أعم جواب= عن سؤال مقدر، وهو أن هذا النوع يؤول إلى ما قبله لاشتراكهما في أنه اجتهاد في مقابلة النص فما وجه تميزه عنه، وأجاب بأن بينهما عموم وخصوص مطلقاً، وهذا أعم فإن من جملة أقسام فاسد الاعتبار: كون تركيبه مشعراً بنقيض الحكم المطلوب، وهذا قاله الجدليون في ترتيب الأسئلة، قالوا: يقدم بعد الاستفسار سؤال فساد الاعتبار، لأنه نظر في فساد القياس من حيث الجملة، وهو قبل النظر في تفصيله، ثم سؤال فساد الوضع لأنه أخص من فساد الاعتبار، لأن فساد وضع القياس يستلزم عدم اعتبار القياس لأنه قد يكون بالنظر إلى أمر خارج عنه.

стр. 1335

واعلم أن الأعمية ذكرها الصفي الهندي أيضاً، ولكن ظاهره على تفسيره فساد الاعتبار بما ذكرنا، وأما على تفسير المصنف لمخالفة النص أو الإجماع، وتفسير فساد الوضع بأن لا يكون على الهيئة الصالحة، وبأن يعتبر الجامع في نقيض الحكم فهذا يقتضي أن فساد الوضع أعم فلينظر، وللمستدل تقديم هذا السؤال على سؤال المنوعات لأنه لما كان فاسد الاعتبار أغنى ذلك عن منع مقدماته، وله أن يؤخره لأن المستدل يطالب أولاً بتصحيح مقدمات ما ادعاه من صحة القياس، فإذا قام به فبعد ذلك إن أمكن إثبات مقتضاه أثبت وإلا رد لعدم اعتباره.
следующие страницы →