← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

قصد التنبيه على الاعتراض عليه في اقتصاره على نوع منه، وتفسيره الكل بالجزء، وقال إمام الحرمين في (البرهان): فساد الوضع نوعان: أحدهما: بيان أن القياس مخالف لمتمسك تقدم عليه لمخالفة النص. والثاني: أن يشعر المعنى بنقيض الحكم، وهو أوضح فساداً من الطرد. (ص): وجوابهما بتقرير كونه كذلك. (ش): أي جواب النوعين بتقرير المدعى أما في الأول: فلأنه قد يكون للوصف وجهتان يناسب بإحداهما التغليظ، والأخرى التخفيف، وأما الثاني فبأن يمنع كون علته تقتضي نقيض ما علق عليه، أو نسلم ذلك، ولكن تبين وجود مانع في أصل المعترض. (ص): ومنها فساد الاعتبار بأن يخالف نصاً أو إجماعاً، وهو أعم من فساد الوضع وله تقديمه على المنوعات وتأخيره. (ش): النص يشمل الكتاب والسنة، مثال ما خالف الكتاب: (١٢١/ز) قولنا: في التبييت صوم مفروض فلا يصح بنية من النهار كالقضاء، قال: هذا فاسد الاعتبار لمخالفة قوله تعالى: ﴿والصائمين والصائمات﴾ فإنه يدل على أن كل من صام يحصل له الأجر العظيم وذلك يستلزم الصحة.

стр. 1332

ومثال ما خالف السنة: قولنا: لا يصح السلم في الحيوان لأنه عقد يشتمل على الضرر فلا يصح كالسلم في المختلطات فيقال: هذا فاسد الاعتبار لمخالفته ما روي أنه ﷺ رخص في السلم ومثال ما خالف الإجماع، قول الحنفي: لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته لأنه يحرم النظر إليها كالأجنبية فيقال: هذا فاسد الاعتبار لمخالفته الإجماع السكوتي وهو أن علياً

стр. 1333

رضي الله عنه غسل فاطمة ﵂. واعلم أن اقتصار المصنف على تفسيره المخالفة بالنص أو الإجماع غير واف بحقيقته، بل منه كما قال الهندي وغيره: أن يكون أحد مقدماته مخالفاً للنص أو الإجماع، أو كان الحكم مما لا يمكن إثباته بالقياس كإلحاق المصراة، بغيرها من المعيب في حكم الرد وعدمه ووجوب بدل لبنها الموجود في الضرع، لأن هذا القياس مخالف لصريح النص الوارد فيها، أو كان تركيبه مشعراً بنقيض الحكم المطلوب سمي بذلك لأن اعتبار القياس مع مخالفته النص أو الإجماع اعتبار له مع دليل أقوى

стр. 1334

منه، وهو اعتبار فاسد لحديث معاذ فإنه أخر الاجتهاد عن النص وقوله: (وهو أعم جواب= عن سؤال مقدر، وهو أن هذا النوع يؤول إلى ما قبله لاشتراكهما في أنه اجتهاد في مقابلة النص فما وجه تميزه عنه، وأجاب بأن بينهما عموم وخصوص مطلقاً، وهذا أعم فإن من جملة أقسام فاسد الاعتبار: كون تركيبه مشعراً بنقيض الحكم المطلوب، وهذا قاله الجدليون في ترتيب الأسئلة، قالوا: يقدم بعد الاستفسار سؤال فساد الاعتبار، لأنه نظر في فساد القياس من حيث الجملة، وهو قبل النظر في تفصيله، ثم سؤال فساد الوضع لأنه أخص من فساد الاعتبار، لأن فساد وضع القياس يستلزم عدم اعتبار القياس لأنه قد يكون بالنظر إلى أمر خارج عنه.

стр. 1335

واعلم أن الأعمية ذكرها الصفي الهندي أيضاً، ولكن ظاهره على تفسيره فساد الاعتبار بما ذكرنا، وأما على تفسير المصنف لمخالفة النص أو الإجماع، وتفسير فساد الوضع بأن لا يكون على الهيئة الصالحة، وبأن يعتبر الجامع في نقيض الحكم فهذا يقتضي أن فساد الوضع أعم فلينظر، وللمستدل تقديم هذا السؤال على سؤال المنوعات لأنه لما كان فاسد الاعتبار أغنى ذلك عن منع مقدماته، وله أن يؤخره لأن المستدل يطالب أولاً بتصحيح مقدمات ما ادعاه من صحة القياس، فإذا قام به فبعد ذلك إن أمكن إثبات مقتضاه أثبت وإلا رد لعدم اعتباره.

стр. 1336

(ص): وجوابه الطعن في سنده أو المعارضة له أو منع الظهور أو التأويل. (ش): للجواب عن هذا السؤال طرق منها: الطعن في النص الذي ادعى أن القياس على خلافه إما بمنع صحته لضعف إسناده، وإما بمنع دلالته ولهذا أطلق ابن الحاجب الطعن وقيده المصنف (٤١/ك) بالسند، وحمله في شرحه كلام ابن الحاجب عليه وليس كذلك. ومنها: المعارضة بنص آخر مثله حتى يتساقطا، فيسلم قياسه. ومنها: منع ظهور دلالته ما يلزم منه فساد القياس. ومنها: إن سلم ظهوره أن يدعي أنه مؤول بدليل يرجحه على الظاهر، وهذا الذي ذكره المصنف ليس للحصر.

стр. 1337

فمنها: القول بالموجب بأن يبقيه على ظاهره، ويدعي أن مدلوله لا ينافي القياس، وغير ذلك. (ص): ومنها منع علية الوصف ويسمى المطالبة بتصحيح العلة، والأصح قبوله. (ش): من القوادح منع كون الوصف علة، وهو من أعظم الأسئلة لعمومه في كل ما يدعى عليته، ويسمى المطالبة بتصحيح العلة بل إذا أطلق في عرفهم المطالبة لم يفهم سواه، ومتى أريد غيره ذكر مقيداً قيل المطالبة بكذا، واختلف فيه فقيل لا يقبل وإلا أدى إلى الانتشار وعدم الضبط، والأصح نعم وإلا أدى الحال إلى اللعب في التمسك بكل وصف طردي. (ص): وجوابه بإثباته. (ش): جواب هذا السؤال بأن يثبت المستدل علية الوصف بأحد المسالك من

стр. 1338

الإجماع أو النص والمناسبة والسبر غيره. (ص): ومنه منع وصف العلة كقولنا في إفساد الصوم بغير الجماع الكفارة للزجر عن الجماع المحذور في الصوم فوجب اختصاصها به كالحد فيقال: بل عن الإفطار المحذور منه. (ش): من جملة المنوع القوية منع وصف العلة، كقولنا: في إفساد صوم رمضان بالأكل والشرب: لا يوجب الكفارة لأنها شرعت زجراً عن ارتكاب الجماع الذي هو محذور الصوم، فوجب أن يختص به كالحد، فيقول المعترض: لا نسلم أن الكفارة شرعت زجراً عن الجماع الذي هو محذور الصوم لخصوصيته بل زجراً عن الإفطار الذي هو محذور الصوم، وهو شامل للموضعين أعني الجماع والإفطار.

стр. 1339

(ص): وجوابه تبيين اعتبار الخصوصية، وكأن المعترض ينقح المناط والمستدل يحققه. (ش): جوابه أن يبين أن ذلك الوصف حاصل في العلة، لأنه ﵊ رتب الكفارة على الجماع، لأن الأعرابي لما سأله عن ذلك، أوجب عليه الكفارة فكان نازلاً منزلة قوله: جامعت في نهار رمضان فكفر، وترتب الحكم على الوصف يشعر بالعلية، فوجب أن تكون العلة هي الجماع بخصوصيته لا الإفطار بعمومه، لأنه ترتب على عموم الإفطار، وكأن المعترض ينقح المناط لأنه حذف خصوص الجماع، وأناط بالأعم وهو الإفطار: والمستدل يحققه، أي يحقق وصف الخصوصية المتنازع فيه، ولك أن تقول: كل منهما من مسالك العلة وذلك يؤدي إلى التوقيف للتعارض، وجوابه أن التحقيق يترجح لأنه يرفع النزاع. (ص): ومنع حكم الأصل، وفي كونه قطعاً للمستدل مذاهب ثالثها: قال: الأستاذ: إن كان ظاهراً وقال الغزالي: يعتبر (١٢٢/ز) عرف المكان، وقال أبو إسحاق الشيرازي لا يسمع. (ش): مثال منع حكم الأصل: قول الشافعي: الخل مائع لا يرفع حكم الحدث، فلا يزيل حكم النجاسة كالدهن، فيقول الحنفي: لا أسلم الحكم في

стр. 1340

الأصل: فإن الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة، واختلفوا في أن هذا بمجرده، هل يكون قطعاً للمستدل؟ على مذاهب: أصحها: ليس قطعاً له، لأنه منع مقدمة من مقدمات القياس، فيمكن إثباته كسائر المقدمات. والثاني: ينقطع لأنه انتقال من حكم الفرع إلى حكم الأصل فلا يتم مقصوده فينقطع. والثالث: إن كان المنع جلياً بحيث يعرفه أكثر الفقهاء صار منقطعاً في بناء الفرع عليه، لأنه بنى المختلف فيه على المختلف فيه وإن كان المنع خفياً لا يعرفه إلا الخواص فلا، وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق، نقل ابن برهان في (الأوسط) عنه أنه استثنى من الجلي ما إذا تقدم منه في صدر الاستدلال بهذه الشريطة بأن يقول:

стр. 1341

إن سلمت، وإلا نقلت الكلام إليه فلا يعد منقطعاً وهذا وارد على نقل المصنف. والرابع: يتبع في ذلك عرف المكان فإن عدوه منقطعاً فذاك وإلا لم ينقطع، قالوا: وللجدل عرف ومراسم في كل مكان فيتبع، ونقل عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أن سؤال المنع لا يسمع ولا يجب عليه ذكر الدلالة على الحكم أيضاً، بل له أن يقول: أنا قست على أصلي، وهو بعيد، لأن القياس على أصل غير ثابت حكمه عند الخصم لا بطريق الاعتقاد ولا بطريق الدلالة على علية، لا ينهض دليلاً على الخصم، نعم يستقيم ذلك إذا فرع على مذهب نفسه، لكن لا يتصور في ذلك منع، ولا تسليم وما نقله المصنف عن الشيخ أبي إسحاق تابع فيه ابن الحاجب وغيره، ولكن الموجود في الملخص له سماع المنع، ثم كان ينبغي أن يعكس فيحكي الخلاف في أنه هل يسمع أم لا؟ وإذا قلنا: بالسماع فهل ينقطع أم لا؟ (ص): فإن دل عليه لم ينقطع المعترض على المختار، بل له أن يعود ويعترض. (ش): إذا قلنا إن المنع يسمع وعلى المستدل إقامة الدليل عليه، فإذا أقام الدلالة، فقيل ينقطع المعترض بمجرد الدلالة لأن اشتغاله بالاعتراض على دليل المنع خارج عن المقصود الأصلي، والمختار أنه لا ينقطع، بل للمعترض أن يعود ويعترض على دليل المنع محل المنع، إذ لا يلزم من وجود صورته دليل صحته. (ص): وقد يقال: لا نسلم حكم الأصل، سلمنا ولا نسلم أنه مما يقاس فيه، (سلمنا ولا نسلم أنه معلل، سلمنا ولا نسلم أن هذا الوصف علته، سلمنا ولا نسلم وجوده فيه) سلمنا ولا نسلم أنه متعد، سلمنا ولا نسلم وجوده في الفرع.

стр. 1342

(ش): هذه سبع اعتراضات، ثلاثة تتعلق بالأصل، ثلاثة بالعلة وواحدة بالفرع، وعلم من إيرادها هكذا وجوب الترتيب، لأنه المناسب للترتيب الطبيعي فيقدم من الاعتراضات ما يتعلق بالأصل من منع حكمه أو كونه مما لا يقاس عليه، أو ليس بمعلل وغيره، ثم بعده العلة لأنها كمستنبطة منه فتكون فرعاً عليه فيمنع وجودها في الأصل، أو كونه غير متعد أو ظاهر أو منضبط، ثم بعد ما يتعلق بالفرع لانبنائه عليهما كمنع وجود العلة في الفرع، ومخالفة حكمه حكم الأصل وسؤال القلب وغيره. (ص): (فيجاب بالدفع بما عرف من الطرق) ومن ثم عرف جواز إيراد المعارضات من نوع، وكذا من أنواع وإن كانت مترتبة أي يستدعي تاليها تسليم متلوه، لأن تسليمه تقديري، وثالثها التفصيل (٤٢/ك). (ش): علم مما سبق أمران. أحدهما: الترتيب وقد ذكرناه. وثانيهما: جواز إيراد المعارضات، وتفصيل القول بأنها كانت من نوع واحد بأن يورد نقوضاً كثيرة، أو معارضات في الأصل والفرع، فيجوز بلا خلاف، ولا يلزم منه تناقض، ولا انتقال من سؤال إلى آخر، بل الكل بمنزلة سؤال واحد، وإن كانت من أنواع مختلفة كالمنع والمطالبة والنقض والمعارضة نظر، فإن كانت غير مرتبة أي لا يستدعي تاليها تسليم متلوه كالنقض مع عدم التأثير فإن كلا منهما يقدح

стр. 1343

في أن الوصف ليس بعلة ولا ترتيب بينهما إذ يجوز أن يقال: ما ذكرت من الوصف ليس بعلة لأنه منقوض أو غير مؤثر، فالجمهور على جواز التعدد لما سبق، ومنع منه أهل سمرقند للانتشار وأوجبوا الاقتصار على سؤال واحد، قال الهندي: ويلزمهم ذلك في النوع الواحد، ولهم أن يفرقوا فإن الانتشار في المختلفة أكثر منه في المتفقة، فلا يلزم من ذلك المنع عند الكثرة المنع عند القلة، وإن كانت مرتبة، أي يستدعي تاليها تسليم متلوه كالمعارضة مع منع وجود الوصف في الأصل، فإن المعارضة إنما تكون بعد تسليم وجود الوصف في الأصل، فالجمهور على المنع لما فيه من التسليم المتقدم، فإن السؤال الثاني يتضمن تسليم الأول، والثالث يتضمن تسليم الثاني، وهلم جرا، لأنك تقول: لا نسلم ثبوت الحكم في الأصل، ولئن

стр. 1344

سلمناه، فلا نسلم أن العلة فيه ما ذكره ففي الآخر تسليم الأول فتعين الآخر للجواب، فلا يستحق ما قبله الجواب، والمختار الجواز قال الهندي وهو الحق وعليه العمل في المصنفات، لأن التسليم ليس بتحقيقي بل تقديري، ومعناه ولو سلم الأول فالثاني وارد وذلك لا يستلزم التسليم في نفس الأمر، وعلى هذا فيجب ترتيب الأسئلة، وإلا كان إيرادها بلا ترتيب منعاً بعد تسليم، فإنك لو قلت: لا نسلم أن الأصل معلل بكذا فقد سلمت ضمناً ثبوت الحكم، فكيف تمنعه بعد؟ ومن هذا الخلاف في المسألتين، أعني في الأنواع المترتب وغيرها يجمع مذاهب. ثالثها: التفصيل فيجوز في المترتبة، ويمنع في غيره. (ص): ومنها اختلاف الضابط في الأصل والفرع لعدم الثقة بالجامع وجوابه: بأن القدر المشترك أو بأن الإفضاء سواء، لا إلغاء التفاوت. (ش): حاصل (١٢٣/ز) هذا السؤال يرجع إلى منع وجود علة الأصل في الفرع، مثاله: قولنا في شهادة الزور بالقتل: تسببوا بالشهادة إلى القتل عمداً فوجب عليهم القصاص كالمكره فيقول المعترض: الضابط في الفرع الشهادة، وفي

стр. 1345

الأصل الإكراه، فلا يتحقق التساوي بينهما في ضبط الحكمة، فلا يصح الإلحاق ولم يحك المصنف تبعاً لابن الحاجب خلافاً في كونه قادحاً، وحكى أبو العز في (شرح المقترح) في قبوله قولين، قال: ومدار الكلام فيه ينبني على شيء واحد وهو أن المعتبر في القياس القطع بالجامع أو ظن وجود الجامع كاف، وينبني على ذلك القياس في الأسباب، فمن اعتبر القطع منع القياس فيها، إذ لا يتصور عادة القطع بتساوي المصلحتين، فلا يتحقق جامع بين الوصفين باعتبار يثبت حكم السببية بكل واحد منهما، ومن اكتفى بالظن صحح ذلك، إذ يجوز تساوي المصلحتين، فيتحقق الجامع، ولا يمنع القياس ولم يذكر المصنف اختلاف جنس المصلحة، كما فعل ابن الحاجب بهذا السؤال عنه، لأن تعدد الضابط في الأصل والفرع تارة يكون مع اتحاد المصلحة، وتارة يكون مع اختلافها، فإذا قدح مع الاتحاد فلأن يقدح مع اختلاف الجنس في التأثير فإنه يحصل جهتين في التفاوت، جهة في كمية المصلحة ومقدارها، وجهة في إفضاء ضابطها إليها، فالتساوي يكون أبعد. وجوابه بأن يبين أن الجامع هو عموم ما اشترك فيه الضابطان بين التسبب المضبوط عرفاً، وإما بأن يبين أن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود مثل: إفضاء ضابط الأصل إليه أو أرجح وهو معلوم من اقتصار المصنف على

стр. 1346

المساواة من باب أولى، وقوله ولا إلغاء التفاوت أي لا يفيد قوله إن التفاوت في الصورتين ملغى، مراعاة لحفظ النفس كما ألغي التفاوت بين قطع الأنملة إذا أسرى إلى النفس، وقطع الرقبة في وجوب القصاص لحفظ السبب، وإن كان قطع الرقبة أشد إفضاء، وإنما لم يفده ذلك لأنه من إلغاء تفاوت القابل إلغاء كل تفاوت. (ص): والاعتراضات راجعة إلى المنع. (ش): قال الجدليون: الاعتراضات ترجع إلى المنع في المقدمات أو المعارضة في الحكم لأنه متى قصد الجواب عنها تم الدليل، ولم يبق للمعترض مجال فيكون ما سواهما من الأسئلة باطلاً، فلا يسمع، وقال المصنف: لقائل أن يقول كلها راجعة إلى المنع وحده، لأن المعارضة منع العلة عن الجريان. قلت: وهذا صار إليه بعض الجدليين، فقال: إن المعارضة ترجع إلى المنع فعلى هذا تكون سائر الاعتراضات ترجع إلى المنع، واستثنى بعضهم الاستفسار لأنه طلب بيان المراد من اللفظ ويمكن رجوعه إلى المنع، لأن الكلام إذا كان مجملاً لا يحصل غرض المستدل إلا بتفسيره، فالمطالبة بتفسيره يستلزم منع تحقق الوصف، ومنع لزوم الحكم عنه.

стр. 1347

(ص): ومقدمها الاستفسار وهو طلب ذكر معنى اللفظ حيث غرابة أو إجمال. (ش): هو استفعال من الفسر وهو لغة: طلب الكشف والإظهار، ومنه التفسير لأنه يفسر عن باطن الألفاظ، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف فأما الغرابة فتارة تكون بحسب الاصطلاح، بأن يذكر في القياس الفقهي لفظ الدور والتسلسل والهيولي والمادة والمبدأ، والغاية ونحوه من اصطلاح المتكلمين، فيقول مثلاً: في شهود القتل إذا رجعوا لا يجب القصاص، لأن وجوب القصاص تجرد مبدؤه عن غاية مقصودة فوجب أن لا يثبت، فإن لفظ المبدأ، والغاية باصطلاح المتكلمين أشبه منهما باصطلاح الفقهاء، إلا أن يعلم من خصمه معرفة ذلك فلا غرابة، وتارة يكون

стр. 1348

بحسب الوضع (٤٣/ك) بذكر وحشي الألفاظ، كقوله: لا يحل السيد يعني الذئب فيقال: ما تعني بذلك، وأما الإجمال، فلأنه لا يفيد معنى معيناً، مثل أن يقول يجب على المطلقة أن تعتد بالأقراء فيقول، ما تعني بالأقراء، وقول المصنف: حيث غرابة أو إجمال لا ينحصر في ذلك، وقد قال القاضي: ما ثبت فيه الاستبهام صح عنه الاستفهام، حكاه ابن الحاجب في مختصره الأكبر عنه، وإنما كان هذا مقدم الاعتراضات لأنه إذا لم يعرف مدلول اللفظ استحال منه المنع أو المعارضة، وكان شيخنا عماد الدين الإسنوي ﵀ يقول: في كون الاستفسار من جملة الاعتراضات: نظر، إذ الاعتراض: عبارة عما يخدش به كلام المستدل،

стр. 1349

والاستفسار ليس من هذا القبيل، بل هو معرف المراد، ومبين له ليتوجه عليه السؤال، فإذا هو طليعة السؤال، وليس بسؤال، قلت: وحكى الهندي عن بعض المتأخرين من الجدليين أنه أنكر هذا السؤال. (ص): والأصح أن بيانهما على المعترض ولا يكلف بيان تساوي المحامل، ويكفيه أن الأصل عدم تفاوتهما. (ش): على المعترض بيان اشتمال اللفظ على إجمال أو غرابة ليصح منه الاستفسار فتثبت، الغرابة بعدم شهرته لغة أو شرعاً، وإجماله بصحة وقوعه على متعدد، وقيل بل على المستدل، لأن شرط الدليل عدم إجماله أو غرابته فليكن عليه، والصحيح الأول، لأن الأصل، عدم الإجمال والغرابة، فليبرهن عليه المعترض، ولا يكلف بيان تساوي المحامل، أي تساوي إطلاق اللفظ على المعاني المتعددة من المقصودة وغيره لأنه يعسر عليه ذلك، وقوله: ويكفيه أي في البيان أن يقول:

стр. 1350

التفاوت بينهما يستدعي ترجيحاً بأمر والأصل عدم ذلك الأمر وهذا تابع فيه ابن الحاجب فإنه قال: إنه جيد، وفي (جودته نظر فإنا لا نسلم أن الأصل عدمه، بل وجوده لأن ذلك الأمر المرجح هو الأصل عدم الإجمال) والأصل وجوده فإذا ثبت أن الأصل عدم الإجمال فيثبت مقابله، وهو الظهور، فتسقط جودة هذا الدليل ويبقى سؤال الاستفسار وارداً. (ص): فيبين المستدل عدمهما أو يفسر اللفظ بمحتمل قيل: وبغير محتمل، وفي قبول دعواه (١٢٤/ ز) الظهور في مقصده دفعاً للإجمال لعدم الظهور في الآخر خلاف. (ش): جواب المستدل أن يبين عدم الإجمال والغرابة بطريقه فيثبت ظهور اللفظ في مقصده بالنقل عن أهل اللغة أو الشرع أو بالعرف، أو يفسره بمحتمل في اللغة أو العرف، فإن فسره بما لا يحتمل ذلك، وهي المسألة المعروفة بالعناية، فقد: قيل يقبل لأن غاية الأمر أنه ناطق بلغة جديدة قال الجوادي: وهو الحق

стр. 1351

والأصح عند كثيرين المنع لأن مخالفة ظاهر اللفظ من غير قرينة بعيد عن الإرشاد، والمناظرة ينبغي أن تكون على وجه يحسم مادة العناد، وفي قبوله فتح باب لا ينسد ولو قال المستدل الأصل خلاف الإجمال فيلزم ظهور اللفظ فيما قصدت لأنه غير ظاهر في معنى آخر اتفاقاً إذ هو مجمل عندك، وعندي ظاهر فيما ادعيته دون غيره فقد صوبه بعض الجدليين دفعاً للإجمال، ومنعه آخرون: لأنه لا يلزم من عدم ظهوره في الآخر ظهوره في مقصوده، لجواز عدم الظهور فيهما جميعاً. (ص): ومنها التقسيم: وهو كون اللفظ بين أمرين أحدهما: ممنوع والمختار وروده. (ش): التقسيم في الاصطلاح، تردد اللفظ بين احتمالين متساويين أحدهما: مسلم لا يحصل المقصود، والآخر ممنوع وهو يحصل المقصود، وأهمل المصنف

стр. 1352

تبعاً لابن الحاجب كون الممنوع هو المحصل للمقصود ولا بد له منه، لأن كلاهما لو كانا مسلمين يحصلان المقصود أو لا يحصلانه لم يكن للتقسيم معنى لأن المقصود حاصل على التقديرين أو غير حاصل على التقديرين، نعم لو كانا يحصلان المقصود ويرد على أحدهما من القوادح بخلاف ما يرد على الآخر، كان من التقسيم أيضاً لأنه له حينئذ غرضاً صالحاً في التقسيم. مثاله: أن يستدل على ثبوت حصول الملك للمشتري في زمن الخيار بأنه وجد سبب ثبوت الملك للمشتري، فوجب أن يثبت وتبين وجود السبب بالبيع الصادر من الأهل المضاف إلى المحل، فيعترض بأن بالسبب مطلق البيع، أو البيع المطلق الذي لا شرط فيه، والأول ممنوع، والثاني مسلم، لكنه مفقود في صورة

стр. 1353

النزاع، ضرورة أنه مشروط بالخيار. وقول المصنف: متردد بين أمرين (أي على السواء، إذا لو كان ظاهراً في أحدهما وجب تنزيله على ما هو الظاهر فيه وقوله (بين أمين) ليس لشرط، بل إن كان متردداً بين ثلاثة فصاعداً جاز، كما لو استدل في المرأة بأنها بالغة عاقلة، فيصح منها إنكاح، كالرجل، فيقول المعترض: ما الذي تعني بالعاقلة؟ التي لها التجربة، أو التي لها حسن الرأي والتدبير، أو التي لها عقل غريزي، والأول والثاني ممنوع، والثالث مسلم، ولكن لم يكف، إذ للصغيرة عقل غريزي، ولا يصح منها النكاح، ثم اختلفوا في هذا الاعتراض، فقيل: لا يرد، وسؤال الاستفسار كان، والمختار وروده لكن بعدما يبين المعترض الاحتمالين.

стр. 1354

(ص): وجوابه أن اللفظ موضوع ولو عرفا أو ظاهر ولو بقرينة في المراد. (ش): جواب هذا السؤال بأمور: أحدها: أن يبين أن اللفظ موضوع لهذا المعنى المقصود إثباته بالنقل عن أئمة اللغة، أو بالاستعمال، فإنه دليل الحقيقة. ثانيها: إن لم يمكن دعوى ذلك ادعى أنه ظاهر بحسب عرف الاستعمال كما في الألفاظ الشرعية والعرفية العامة والمجازات الراجحة بعرف الاستعمال. ثالثها: أن يدعي ظهور أحد احتمالي اللفظ بسبب ما انضم إليه من القرينة من لفظ المستدل إن كان هناك قرينة لفظية وإلا فيدعي قرينة عقلية أو حالية. فائدة: لا نظن أن المصنف أهمل التركيب فقد تقدم في شروط حكم الأصل: أنه راجع إلى منع حكم الأصل أو منع العلة أو وجودها، ولا التعدية، وتعدد الوضع واختلاف جنس المصلحة لرجوعها إلى المعارضة، فإنها معارضة خاصة. (ص): ثم المنع لا يعترض الحكاية بل الدليل، إما قبل تمامه لمقدمة منه أو بعده: والأول إما مجرد أو مع المستند كلا نسلم ولم لا يكون كذا أو إنما يلزم كذا، لو كان كذا وهو المناقضة فإن احتيج لانتفاء المقدمة فغصب لا يسمعه المحققون، والثاني إما مع منع دليل بناء على تخلف حكمه، فالنقض

стр. 1355

الإجمالي، أو مع تسليمه والاستدلال بما ينافي ثبوت المدلول فالمعارضة فيقول: ما ذكرت وإن دل فعندي ما ينفيه وينقلب مستدلاً. (ش): لما أنهى القوادح شرع في شرح ألفاظ يتداولها أهل الجدل، وذكر لها ضابطاً، وهو: أن المنع في الدليل إما أن يمنع قبل تمامه لمقدمة من مقدماته، أو بعده والأول إما أن يكون مجرداً عن المستند أو مع المستند وهو المناقضة، ولهذا قال الجدليون: المناقضة منع مقدمة الدليل سواء ذكر معنى المستند أو لم يذكر، قالوا: ومسند المنع هو ما يكون المنع مبنياً عليه لقوله: لا نسلم كذا أو لم لا يكون كذا، أو لا نسلم لزوم كذا وإنما يلزم هذا أن لو كان كذا، وأشار بقوله: وإن احتيج إلى تفسير الغصب أي غصب منصب التعليل، فهو عبارة عن تصدي المعترض لإقامة دليل على فساد مقدمة من مقدمات الدليل، وهو غير مسموع عند النظار لاستلزامه الخبط في البحث، نعم يتوجه ذلك من المعترض بعد إقامة المستدل الدليل على تلك المقدمة. والثاني: أي وهو المنع بعد تمامه، فإما أن يكون مع منع الدليل بناء على تخلف حكمه فهو النقض الإجمالي وإنما قيده بالإجمالي، لأن الجدليين عرفوا النقض: بتخلف الحكم عن الدليل ثم قسموه إلى إجمالي وتفصيلي فالإجمالي هو تخلف الحكم عن الدليل بالقدح في مقدمة من مقدماته (على التعيين والتفصيلي: هو تخلف الحكم عنه في مقدمة معينة من مقدماته) وإما أن يكون مع تسليم الدليل والاستدلال مما ينافي ثبوت المدلول فهو المعارضة فهي تسليم للدليل وممانعة لدلالته

стр. 1356

(١٢٥/ز) وعلم منه أن المعارضة إنما تكون بعد تسليم الدليل، فلا يسمع منه بعدها منع، فضلاً عن سؤال الاستفسار، وتوجهه أن يقول المعترض: ما ذكره من الدليل، وإن دل على ما يدعيه فعندي ما ينفيه، أو يدل على نقيضه ويثبته بطريقته، وأشار بقوله: فينقلب مستدلاً، إلى الخلاف في قبوله فلم يقبله بعضهم لما فيه من انقلاب دست المناظرة ضرورة إذ يصير المستدل معترضاً والمعترض مستدلاً، ولأن وظيفة المعترض الهدم لا البناء والصحيح قبوله، لأنها بناء بالعرض، هدم بالذات، والمستدل مدع بالذات معترض بالعرض والمعترض عكسه، فصارا كالمتخالفين مثاله: المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالوجه فيعارضه قائلاً مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخفين. (ص): وعلى الممنوع الدفع بدليل فإن منع ثانياً فكما مر وهكذا وهلم إلى إفحام المعلم إن انقطع بالمنوع أو إلزام المانع بالانتهاء إلى ضروري أو يقيني مشهور. (ش): (على المعلل وهو الممنوع دفع الاعتراض عنه بدليل ولا يكفيه المنع المجرد، فإن ذكر دليله، ومنع) ثانياً فكما سبق.

стр. 1357

وهكذا إلى أن ينتهي الأمر إما إلى الإقحام أو الإلزام، والإفحام عندهم عبارة عن انقطاع المستدل بالمنع أو المعارضة، والالتزام: عبارة: عن انتهاء دليل المستدل إلى مقدمات ضرورية أو يقيني مشهور، يلزم المعترض الاعتراف به ولا يمكنه جحده فينقطع بذلك، فإذا الإلزام من المستدل للمعترض، والإفحام من المعترض للمستدل. (ص): خاتمة: القيام مع الدين، وثالثها حيث يتعين. (ش): الأقوال الثلاثة غريبة جداً وقد ظفرت بها في المعتمد لأبي الحسين فقال: وأما كون القياس دين الله فلا ريب فيه إذا عنى أنه ليس ببدعة، وإن أريد غير ذلك فعند الشيخ أبي الهذيل، لا يطلق عليه، وذلك لأن اسم الدين يقع على من هو ثابت مستمر، وأبو علي الجبائي يصف ما كان واجباً منه بذلك وبأنه إيمان دون ما كان منه ندباً، والقاضي عبد الجبار يصف بذلك واجبه ومندوبه، وكلام المصنف ظاهر في ترجيح مقالة عبد الجبار والحق إن عنوا الأحكام المقصودة لأنفسها بالوجوب والندب فليس القياس كذلك، فليس بدين، وإن عنوا ما تعبدنا

стр. 1358

به فهو دين. (ص): ومن أصول الفقه خلافاً لإمام الحرمين. (ش): شبهته أن أصول الفقه: أدلته، وأدلته إنما تطلق على المقطوع بها والقياس لا يفيد إلا الظن، وهذا ممنوع لأن القياس، قد يكون قطعياً، سلمنا لكن لا نسلم أن أصول الفقه عبارة عن أدلته فقط وهذا ممنوع سلمنا لكن لا نسلم أن الدليل لا يقع إلا على المقطوع به. (ص): وحكم المقيس، قال ابن السمعاني يقال: إنه دين الله تعالى وشرعه ولا يجوز أن يقال: قاله الله تعالى.

стр. 1359

(ش): قال ابن السمعاني يقال: إنه دين الله تعالى أو دين رسول ﷺ ولا يجوز أن يقال: قول الله تعالى أو قول رسوله ﷺ . (ص): ثم هو فرض كفاية يتعين على مجتهد احتاج إليه. (ش): القياس فرض كفاية مع تعدد المجتهدين، وفرض عين على من تعين عليه الاجتهاد مع ضيق الوقت، ومندوب فيما يجوز حدوثه، ولم يحدث بعد كغيره من الأدلة الشرعية، لا سيما، وقد ورد قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ وقوله تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ والاعتبار اعتبار الشيء بغيره واجراء حكمه عليه والاستنباط إخراج المعنى المودع في النص، وقول معاذ: أجتهد برأيي عند فقد الكتاب والسنة وإن كان خبر واحد تكلم في سنده، لكن العلماء تلقوه بالقبول. (ص): وهو جلي وخفي، فالجلي: ما قطع فيه بنفي الفارق أو كان

стр. 1360

احتمالاً ضعيفاً، والخفي خلافه، وقيل: الجلي هذا، والخفي: الشبه، والواضح بينهما، وقيل الجلي الأولى، والواضح المساوي، والخفي الأدون. (ش): القياس ينقسم باعتبار القوة والضعف إلى جلي، وخفي، فالجلي ما قطع فيه بنفي الفارق أو كان احتمال الفارق فيه ضعيفاً، مثال الأول (٤٥/ك) إلحاق الأمة بالعبد في التقويم على العتق، وكقياس الصبية على الصبي في الأمر بالصلاة، فإنا نقطع بعدم اعتبار الشرع الذكورة والأنوثة فيه، ونقطع أن لا فارق سوى ذلك، ومثال الثاني: إلحاق العمياء بالعوراء في حديث المنع من التضحية بالعوارء ونقل ابن

стр. 1361

برهان أن فيهم من سمى الأول أجلى والثاني جلياً، والخفي: بخلافه فيهما، ومن أصحابنا من قسمه إلى ثلاثة أقسام: جلي وواضح وخفي، فالجلي الأولى، والخفي قياس الشبه، والواضح ما بينهما، وقيل: الجلي ما كان ثبوت الحكم في الفرع أولى من الأصل، والواضح ما كان مساوياً لثبوته في الأصل كالنبيذ مع الخمر، والخفي ما كان دونه كقياس اللينوفر على الأرز لجامع الطعم، وكونه ينبت في الماء وهذه أمور اصطلاحية. (ص): وقياس العلة ما صرح فيه بها، وقياس الدلالة ما جمع فيه بلازمها فأثرها فحكمها، والقياس في معنى الأصل الجمع بنفي الفارق.

стр. 1362

(ش): ينقسم باعتبار العلة إلى: قياس علة وقياس دلالة وقياس في معنى الأصل، لأنه إما أن يكون بذكر الجامع، أو بالغاء الفارق، إن كان بذكر الجامع فذلك الجامع إن كان هو العلة فهو قياس العلة، سمي بذلك لكون المذكور في الجمع بين الأصل والفرع يتضمن العلة، كقولنا في المثقل: قتل عمد عدواني فيجب فيه القصاص، كما في صورة الجارح، ويسمى في المنطق بالقياس الجلي، وقياس التمثيل، وفي علم الكلام برد الغائب إلى الشاهد، وإن كان الجامع وصفاً لازماً من لوازم العلة، وأثراً من آثارها أو حكماً من أحكامها فهو قياس الدلالة، سمي بذلك لكون المذكور في الجمع بينهما ليس عين العلة، بل شيء يدل عليها. فمثال الأول: قياس تحريم النبيذ على تحريم الخمر بجامع الرائحة الفائحة الملازمة للشدة، المطربة، وهي ليست نفس العلة، بل هي لازمة من لوازمها. ومثال الثاني: قولنا في المثقل قتل أثم به صاحبه من حيث كونه قتلاً فوجب أن يجب فيه القصاص كالجارح، فكونه آثماً به ليس هو نفس العلة، بل أثر من آثارها. (ومثال الثالث: قولنا في قطع الأيدي) باليد قطع فوجب كوجوب الدية عليهم فيكون واجباً كوجوب القصاص عليهم، كما لو قتل جماعة واحداً

стр. 1363

فوجوب الدية على المباشر ليس نفس العلة الموجبة للقصاص، بل هو حكم من أحكام العلة الموجبة للقصاص، بدليل اطرادها وانعكاسها، كما في القتل العمد، والخطأ وشبه العمد (١٢٦/ز)، وإن كان بإلغاء الفارق فهو قياس في معنى الأصل كإلحاق البول في الكوز، وصبه في الماء الدائم بالبول فيه، في النهي عنه، وقد سبق من المصنف تسميته تنقيح المناط، وهذه الأنواع متفق عليها بين القائلين بالقياس، لكن أبا الحسين في المعتمد لما حكى عن الشافعي ﵁ تقسيم القياس إلى ما تحقق فيه العلة، وإلى ما لم يتحقق كإيجابه الجمعة على من هو خارج المصر إذا سمع النداء، ثم قال ويبعد أن يستدل على الأحكام بطريق

стр. 1364

مستنبطة لا تحقق فيها للعلة، لأن العلة هي الطريق إلى الحكم، فما لا يتحقق لا يمكن التوصل فيه إلى الحكم، وقال إمام الحرمين في باب التراجيح: حكينا خلافاً فيما هو في معنى الأصل، هل يسمى قياساً، والمختار إن كان في اللفظ إشارة إليه فليس بقياس، كإلحاق الأمة بالعبد، وإلا فقياس، كإلحاق عرق الكلب بلعابه في التعدد والتعفير.

стр. 1365

الكتاب الخامس: في الاستدلال وهو دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس فيدخل الاقتراني والاستثنائي، وقياس العكس. (ش): لما انتهى الكلام في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكان الأئمة أجمعوا على أن الأدلة لا تنحصر فيها، وأنه ثم دليل شرعي غيرها، واختلفوا في تشخيصه من استصحاب واستحسان، وغيرها، عقد هذا الكتاب لذلك، وإنما أفردوه عما قبله، لأن تلك الأدلة قام القاطع عليها ولم يتنازع المعتبرون في شيء منها فكان قيامها لم ينشأ من اجتهادهم، بل أمر ظاهر، وأما المعقود في هذا الكتاب فهو شيء قاله كل إمام بمقتضى اجتهاده وإنما سمعوه استدلالاً، لأنه في وضع اللسان عبارة عن طلب الدليل، أو اتخاذه دليلاً كاستأجر أجيراً أي اتخذه كما تقول احتج بكذا، وعرفه في الاصطلاح بما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس

стр. 1366

والمراد بقوله ولا قياس أي شرعي بالمعنى الخاص لا نفي القياس مطلقاً وإلا يخرج عنه القياس الاقتراني والاستثنائي، وهذا خلاف عنده في الاستدلال، لا يقال: هذا تعريف بالمساوي في الجلاء والخفاء، لأنه عرف الاستدلال ببعض الأنواع وهو ما ليس بنصه إلى آخره، لدخول الاستدلال وغيره تحت العام وهو ذكر الدليل، ولا يجوز التعريف بالمساوي كما لا يعرف الإنسان بأنه ليس بحمار ولا فرس، للاستواء فيهما، لأنا نسلم تساويهما، فإن النص والإجماع والقياس كل منهما متقدم معلوم فصارت أعرف من الاستدلال فهو إذا تعريف للمجهول بالمعلوم. واعلم: أن هذا اصطلاح حادث، وقد كان الشافعي، ﵁ يسمي القياس استدلالا، لأنه فحص ونظر، ويسمي الاستدلال قياساً لوجود التعليل فيه حكاه أبو الحسين في (المعتمد) وقوله: (فيدخل فيه أي في هذا التعريف أمور منها القياس الاقتراني: وهو الذي لا تذكر النتيجة ولا نقيضها في المقدمتين وهو مراد المنطقيين بقولهم: قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر كقولنا

стр. 1367

العالم متغير وكل متغير حادث، فإنه متى سلم أن العالم متغير (وسلم أن كل متغير) حادث، لزم من هذا القول لذاته من غير واسطة قضية أخرى لزوماً ذهنياً، وإن كابر الخصم، وتلك القضية: العالم حادث، لأن وجود الملزوم يستلزم وجود اللازم، والتغيير (٤٦/ك) مستلزم للحدوث، وهو حجة في العقليات على المشهور، وفي الشرعيات: اختلف فيه فقيل: ليس بحجة إلا إذا تأيد بأحد الأدلة الأربعة كما يقال: لو كان القيء ناقضاً للطهارة لكان قليله ناقضاً لأن خروج النجس يوجب الانتقاض كما في السبيلين ومنها الاستثنائي: وهو ما تكون

стр. 1368

النتيجة أو نقيضها مذكوراً فيه كقولنا: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان ولكن ليس هذا بحيوان فليس بإنسان، قال الله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ والتقدير، والله أعلم (لو كان في خلق السماوات والأرض اجتماع آلهة لفسدتا لكن لم يتحقق الفساد، بل يقينا منتظمين، فلم يكن خالقهما آلهة وسمي هذا والذي قبله بالقياس العقلي، ويختص الاستثنائي بالشرطيات (ووضع المقدم أعني الملزوم فيه غير منتج، وكذا رفع التالي أعني اللازم) ورفع المقدم ووضع التالي غير منتج لاحتمال عموم اللازم، كما يقال: لو كان هذا إنساناً فهو حيوان، لكنه إنسان فهو حيوان، أو هذا ليس بحيوان فلا يكون إنساناً، أما لو قلت: فليس هذا بإنسان فلا ينتج أنه ليس بحيوان، وكذا لو قلت: هذا حيوان، فلا ينتج أنه إنسان، ولما قلنا من عموم اللازم، فالقياس إذاً لم ينتج في مادة من المواد لا نعتمد عليه في الإنتاج، مثال وضع المقدم، قوله تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاًَ﴾ أي لو جعلنا الرسول ملكاً لجعلناه في صورة رجل، وقد أنزل جبريل ﵇ في صورة دحية، وأخرى في صورة أعرابي، ولولا بيان محمد صلى الله عليه

стр. 1369

وسلم لالتبس عليهم الأمر، ومثال رفع التالي قوله تعالى: ﴿وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾ أي لو كان مع الله تعالى آلهة لأفنى كل ما خلقه الآخر، ولعلا بعضهم على بعض، ومنها قياس العكس وهو إثبات نقيض حكم الشيء في شيء آخر لافتراقهما في العلة، كقولنا في الصبح: لا تقصر شفع فلا تصير وتراً كما أن الوتر لا يصير شفعاً يعني صلاة المغرب، وحكى الشيخ أبو إسحاق في (الملخص): والاستدلال به وجهين لأصحابنا أصحهما وقال إنه المذهب أنه يصح، وقد استدل به الشافعي في عدة مواضع ويدل عليه أن الله تعالى دل على التوحيد بالعكس، قال تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ وهذه دلالة بالعكس فدل على أن ذلك طريق

стр. 1370

الأحكام: انتهى، وقد سبق من المصنف في العكس ذكر حديث: ((أيأتي أحدنا بضعه ويؤجر عليه)). (ص): وقولنا: الدليل يقتضي أن لا يكون كذا خولف في كذا لمعنى مفقود في صورة النزاع فيبقى على الأصل. (ش): الدليل الملقب بالنافي، كقولنا: الدليل يقتضي تحريم قتل الإنسان مطلقاً إلا أنا خالفناه في الأصل لمعنى يختص به، فيجب العمل بالدليل (١٢٧/ ز) النافي فيما عداه، وكقولنا في تزويج المرأة نفسها: الدليل النافي للصحة موجود، وما خولف لأجله مفقود فوجب استصحاب حكم الدليل وتقريره أن النكاح إذلال للمرأة في إرقاق، والإنسانية تأبى ذلك إظهاراً، لشرفها، وقد ظهر اعتبار ما ذكرناه في السفاح غير أنا خالفنا هذا الدليل فيما إذا صدر عن الرجل لكمال عقله وصحة نظره، وهذا مفقود في المرأة فوجب أن يبقى على مقتضى الدليل.
следующие страницы →