← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وذكر الأصوليون هذا من تفاريع القديم فالظاهر أنه حجة قديماً وجديداً، لأنه يفيد ظناً لا معارض له، قلت: ولا نقل عند المصنف ووالده في ذلك، وقد جزم به ابن الصباغ في كتاب الإيمان من كتابه المسمى بـ (الكامل) والإمام في (المحصول) في باب الأخبار وإذا قلنا إنه ليس بحجة فهل يجوز للمجتهد تقليده ينبني على أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد فإن جوزناه مطلقاً فتقليد الصحابي

стр. 1402

أولى، وإن منعناه ففي تقليد الصحابة ثلاثة أقوال للشافعي ﵀ ورضي عنه الجديد: أنه لا يجوز مطلقاً، الثاني: يجوز، والثالث وهو قديم: إن انتشر جاز وإلا فلا وأما غير المجتهد من العامة فهل يجوز لهم تقليده وهو مراد المصنف؟ فيه خلاف حكاه إمام الحرمين وقال: إن المحققين على الامتناع، وليس هذا، لأنهم دون المجتهد من غير الصحابة، فهم أجل قدراً بل لأن مذاهبهم لا يوثق بها فإنها لم تثبت حق الثبوت، كما تثبت مذاهب الأئمة الذين لهم أتباع وبهذا جزم ابن الصلاح في كتاب (الفتيا) وزاد أنه لا يقلد التابعين أيضاً ولا غيرهم ممن لم يدون مذهبه وأن التقليد يتعين للأئمة الأربعة دون غيرهم، لأن مذاهبهم انتشرت وانبسطت حتى ظهر منها تقييد مطلقها وتخصيص عامها، وأما غيرهم فنقلت عنهم الفتاوى مجردة، فلعل لها مكملاً أو مقيداً أو مخصصاً لو انبسط كلام

стр. 1403

قائله لظهر خلاف ما يبدو منه، بخلاف هؤلاء الأربعة فامتناع التقليد إذن لتعذر نقل حقيقة مذهبهم، وذهب غيرهم إلى أنهم يقلدون لأنهم قد نالوا رتبة الاجتهاد، وهم بالصحبة، يزدادون رفعة، قال المصنف: وهذا هو الصحيح عندي غير أني أقول: لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة، بل إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وفاقاً وإلا فلا لا لكونه لا يقلد بل لأن مذهبه لم يثبت حق الثبوت. قلت: الخلاف يتحقق من وجه آخر ذكره ابن برهان في (الأوسط) فقال: تقليد الصحابة مبني على جواز الانتقال في المذاهب فمن منعه منع تقليدهم، لأن فتاويهم لا يقدر على استحضارها في كل واقعة، وإلى العلة الأولى أشار المصنف بقوله: لارتفاع الثقة بمعرفة مذهبه إذ لم يدون والمأخذ الذي ذكره ابن برهان للمنع حسن أيضاً، وما ذكره في هاتين المسألتين أعني الحجة والتقليد قد صرح به الغزالي والرازي والآمدي، وغيرهم وأفردوا لكل حكم مسألة فتوهم صاحب (الحاصل)

стр. 1404

خلاف ذلك وخلط مسألة بمسألة وتابعه عليه البيضاوي فوقع في الغلط، ولا يلزم من كون قوله غير حجة أن لا يقلد ألا ترى إلى المقلدين غيرهم، فإنهم يقلدون وليست أقوالهم بحجة. (ص): وقيل حجة فوق القياس فإن اختلف صحابيان فكدليلين، وقيل: دونه، وفي تخصيصه العموم قولان، وقيل: حجة إن انتشر، وقيل: إن خالف القياس، وقيل: إن انضم إليه قياس تقريب، وقيل: قول الشيخين فقط وقيل: الخلفاء الأربعة، وعن الشافعي ﵀ ورضي عنه إلا علياً ﵁. (ش): يخرج مما سبق ثلاثة أقوال أحدها: أنه غير حجة مطلقاً. والثاني: غير حجة إلا في التعبدي. والثالث: غير حجة ولكن يصلح للتقليد. والرابع: عن القديم أنه حجة مطلقاً يقدم على القياس، وهو قول مالك وأكثر الحنفية وعلى هذا فإن اختلف صحابيان كان كدليلين تعارضا فيرجح أحدهما

стр. 1405

بدليل. والخامس: حجة دون القياس (٥١/ك) وعلى هذا فتخصيص العموم حكاهما الرافعي في الأقضية بلا ترجيح، أحدهما: الجواز لأنه حجة شرعية، والثاني: المنعئ= لأنه محجوج بالعموم وقد كانت الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم، قال المصنف: وهذه المسألة غير التي سبقت في باب التخصيص حيث قلنا: إن العام لا يخص بمذهب الراوي، ولو كان صحابياً، أي سواء كان قوله حجة أو لا، والمذكور هنا: أنا إن فرعنا على أن قوله حجة دون القياس ففي التخصيص به قولان، وهذا سواء كان الصحابي راوياً أم لا، قلت: لكن قوله في الأولى لا يخص به سواء كان قوله (١٣٢/ز) حجة أم لا فيه نظر، فإن الشيخ أبا إسحاق وغيره قالوا هناك: إن قلنا قوله ليس بحجة امتنع التخصيص به قطعاً، وإن قلنا: حجة، ففي التخصيص به وجهان، وإنما جعل المصنف الوجهين مفرعين على القول بأنه حجة دون القياس وإن أطلقهما مرة، لأنهما لو كانا مفرعين على أنه حجة فوق

стр. 1406

القياس لم يجز خلافه عندنا في التخصيص به، وإذا قطع الشافعي ﵁ وغيره من الأئمة قولهم بجواز التخصيص بالقياس فلئن يخص بما فوقه أولى. والسادس: إن انتشر ولم يخالف فهو حجة ونقله الأصوليون عن القديم، أيضاً، لكن قال ابن الصباغ في (العدة): إنما احتج الشافعي ﵁ بقول

стр. 1407

عثمان في الجديد في مسألة البراءة من العيوب، لأن مذهبه أنه إذا انتشر ولم يظهر له مخالف كان حجة، انتهى، واعترض الغزالي، وقال: السكوتي ليس بقول فأي فرق بين إن انتشر أو لا قال الهندي: والعجب منه فإنه تمسك بمثل هذا الإجماع في القطع على أن خبر الواحد والقياس حجة، ولعله إنما قال ذلك لاعتقاده أن حجته لو قيل بها ليس على طريق الإجماع بل بغيره وهو الحق، وحينئذ فلا يكون لسكوت الغير في حجته مدخل. والسابع: إن خالف القياس كان حجة، وإلا فلا، وقال ابن برهان في

стр. 1408

(الوجيز) إنه الحق البين، وإن نصوص الشافعي ﵀ ورضي عنه يدل عليه. والثامن: حجة إن انضم إليه قياس التقريب حكاه الماوردي قولاً للشافعي ﵁. والتاسع: قول الشيخين أبو بكر وعمر ﵄ حجة دون غيرهما. والعاشر: قول الخلفاء الأربعة حجة دون غيرهم وإذا تأملت هذه المذاهب عرفت أن بعضها ينظر إلى القائلين كهذا وما فعله، وبعضها إلى صفة القول كالثلاثة التي قبلهما. والحادي عشر: قول الخلفاء الأربعة إلا علياً، وهذا أخذوه من قول الشافعي ﵁ في الرسالة القديمة أن الصحابة إذا اختلفوا وفي أحد الطرفين أبو بكر

стр. 1409

أو عمر أو عثمان رجح ولم يذكر علياً فاختلف أصحابنا على ثلاثة أوجه حكاها القفال في أول شرح (التلخيص). أحدها: أن حكمة حكمهم وإنما تركه اختصاراً أو اكتفاء بذكر الأكثر، وهذا ما اختاره ابن القاص فقال: قاله يعني الشافعي ﵁ في أبي بكر وعمر وعثمان نصاً وقلته في علي تخريجاً. والثاني: إنما لم يذكره لأنه كان يرمى بالتشيع فأراد نفي الريبة عن نفسه، وهذا ساقط. والثالث: وصححه القفال وجماعة أنه إنما لم يذكره لأنه ليس في قوله من القوة والحجة، كما في قولهم: وليس ذلك لتقصير في قوته الاجتهادية معاذ الله بل قالوا: وسبب ذلك أن الصحابة كانوا كثيرين إذ ذاك، وكان الخلفاء الثلاثة تستشيرهم كما فعل أبو بكر ﵁ في مسألة الجدة وعمر رضي الله عنه

стр. 1410

في الطاعون وغير ذلك فكان قول كل منهم كقول أكثر الصحابة، ولما آل الأمر إلى علي ﵁ خرج إلى الكوفة، وما مات خلق من الصحابة ﵃ فلم يكن قوله كقولهم لهذا المعنى لا نقصان فيه كرم الله وجهه، ورضي عنه، وهذا ما حكاه المصنف هنا من الأقوال في هذه المسألة، وإذا نظرت كلامه فيما سيأتي في باب التراجيح حيث قال: وثالثها في موافق الصحابي إن كان. حيث ميزه النص كزيد إلى آخره يجتمع أقوال =آخر أحدها: أنه غير حجة

стр. 1411

ولا ترجيح به. وثانيها: غير حجة ولكن يصلح للترجيح. وثالثها: غير حجة ولا ترجيح فيه إلا أن يكون أحد الأربعة فيرجح به فقط. رابعها: يترجح بمن ميزه نص. (ص): أما وفاق الشافعي ﵀ زيداً ﵁ في الفرائض فلدليل لا تقليداً. (ش): لما بين أن الصحيح في المذاهب أن قول الصحابي لا يحتج به، استشعر سؤالاً، وهو أن الشافعي ﵁ نظر في مواضع اختلاف الصحابة في الفرائض، واختار مذهب زيد حتى تردد قوله: حيث ترددت الرواية عن زيد، وأجاب: بأن ذلك لم يكن تقليداً، ولكن رجح عنده مذهبه من وجهين. أحدهما: قول النبي ﷺ : ((أفرضكم زيد)). والثاني: قال القفال: ما تكلم أحد من الصحابة في الفرائض إلا وقد وجد له قول في بعض المسائل هجره الناس بالاتفاق إلا زيداً فإنه لم يقل بقول مهجور بالاتفاق. وذلك يقتضي الترجيح كالعمومين إذا وردا وقد خص أحدهما بالاتفاق دون

стр. 1412

الثاني، كان الثاني أولى واعترض الرافعي ﵀ بأنه إن رجح عنده مذهب زيد لدليل فهو اجتهاد وافق اجتهاده، وإن لم يكن عن دليل لم يخرج عن كونه تقليداً، والجواب: أنه لم يذهب إلى ما صار إليه إلا عن دليل لكنه استأنس بما يرجح عنده من مذهب زيد، وربما ترك به القياس الجلي في بعض الصور وعضض =قوله بالقياس الخفي، كما نقول في قول الواحد من الصحابة إذا اشتهر ولم يعرف له مخالف، فباعتبار الاستئناس قيل: إنه أخذ مذهب زيد، وباعتبار الاحتجاج، قيل: إنه لم يقلده. واعلم أن الشافعي ﵁ خرج في مواضع كثيرة من كتبه الجديدة بتقليد الصحابة، فقال في (الأم) في قتال المشركين، وكل من يحبس نفسه بالترهيب: تركنا قتله اتباعاً لأبي بكر يرحمه الله، ثم قال: وإنما قلنا: هذا اتباعاً لا قياساً، وقال في البويطي: لا يحل تفسير المتشابه إلا بسنة عن سيدنا رسول الله ﷺ أو خبر عن أصحابه أو عن واحد من أصحابه أو إجماع العلماء هذا لفظه. (ص): مسألة الإلهام إيقاع شيء في الصدر يثلج له الصدر يخص به الله تعالى بعض أصفيائه وليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوماً بخواطره خلافاً لبعض (٥٢/ ك) الصوفية. (ش): معنى يثلج: يطمئن، وهو بضم اللام وفتحها لغة ذكرها الجوهري،

стр. 1413

ويقال في ماضيه: بفتح اللام وجرها على اللغتين، ذكره الإلهام في هذا الباب لم يفعل أصحابنا، إنما ذكره الحنفية منهم أبو زيد وقد نقل ابن السمعاني كلامه في (القواطع) قال أبو زيد (١٣٣/ز): الإلهام ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال به ولا نظر في حجة، قال: والذي عليه جمهور العلماء أنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح له علمه بغير علم وقال بعض الجبرية: إنه حجة بمنزلة الوحي المسموع عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واحتج بقوله تعالى: ﴿ونفس وما سواها فألهمها

стр. 1414

فجورها وتقواها﴾ أي: عرفها بالإيقاع في القلب، وبقوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً﴾ وبقوله ﵊: ((اتقوا فراسة المؤمن)) وقوله ﵊ ((الإثم ما حاك في قلبك فدعه وإن أفتاك الناس وأفتوك)) فقد جعله ﵊ شهادة قلبه بلا حجة أولى من الفتوى، فثبت أن

стр. 1415

الإلهام حق وأنه وحي باطن إلا أن العبد إذا عصى الله وعمل بهواه حرم هذه الكرامة، وأما حجة أهل السنة فقوله تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ فألزمهم الكذب لعجزهم عن إظهار الحجة، والإلهام حجة باطنة لا يمكن إظهارها، وأنات الأمر بالنظر والاعتبار، ولم يأمر بالرجوع إلى القلب، وكذلك حديث معاذ بم يحكم، ولم يذكر فيه إلهام القلب، ولأن الإلهام قد يكون من الله تعالى ومن الشيطان ومن النفس ولا علامة قطعية على التعيين، وأما قوله: ﴿فألهمها فجورها﴾ أي عرفها طريق العلم قال ابن السمعاني: وإنكار أصل الإلهام لا يجوز، ويجوز أن يفعل الله تعالى ذلك بعبده بلطفه كرامة له، ويقول في التمييز بين الحق والباطل: والحق من ذلك أن كلما استقام على شرع النبي ﷺ ، ولم يكن في الكتاب أو السنة ما يرده فهو مقبول، وما لا فمردود، ويكون من تسويلات النفس، على أنا لا ننكر زيادة نور من الله تعالى كرامة للعبد، وزيادة نظر فأما أنه يرجع إلى قلبه في جميع الأمور كلها فقول لا

стр. 1416

نعرفه، قلت: وممن أثبته الإمام شهاب الدين السهروردي قال في بعض أماليه: هو علوم تحدث في النفوس المطمئنة الزكية، وفي الحديث: ((إن من أمتي محدثين مكلمين وإن عمر منهم)) وقال تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ أخبر أن النفوس ملهمة، فالنفس الملهمة علوماً لدنية هي التي تبدلت صفتها واطمأنت بعد أن كانت أمارة، ثم نبه على أمر حسن يرتفع به الخلاف، فقال: وهذا النوع لا تتعلق به المصالح العامة من عالم الملك والشهادة، بل تختص فائدته بصاحبه دون غيره، إذا لم يكن له ثمرة السراية إلى الغير على طريق العموم وإن كانت له فائدة تتعلق بالاعتبار على وجه خاص قال وإنما لم يكن له ثمرة السراية إلى الغير طريق العموم من مفاتيح الملك لكون محله النفس، وقربها من الأرض والعالم السفلي، بخلاف المرتبة الأولى، وهي الوحي الذي قام به الملك الملقى، لأنه محله القلب المجانس للروح الروحاني العلوي وقال في كتابه (رشف النصائح الإيمانية): قد غسلت بتوفيق الله كتاب ابن سينا المترجم (بالشفاء) نحو اثني عشر مجلداً بإذن شريف مقدس نبوي. فائدة: أهمل المصنف سد الذرائع عند المالكية وبسطه في (شرح المختصر).

стр. 1417

(ص): خاتمة قال القاضي حسين: مبنى الفقه على أن اليقين لا يرفع الشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير والعادة محكمة، قيل: والأمور بمقاصدها. (ش): زعم القاضي الحسين أن مبنى الفقه على هذه القواعد الأربع وزعم بعضهم أنه أهمل خامسة وهي: الأمور بمقاصدها، وقال الإسلام بني على

стр. 1418

خمس والفقه مبني على هذه واستحسنه بعضهم بأن الشافعي ﵁ قال يدخل في حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) ثلث العلم واعتذر آخرون عن القاضي الحسين في إهمالها لرجوعها إلى قاعدة: تحكم العادة كما سنبينه، والتحقيق أنه إن أريد رجوع الفقه إلى الخمس فتعسف، وقول جملي وقد رجعها الشيخ عز الدين إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد، ولو ضايقه مضايق لقال: أرجع الكل إلى اعتبار المصالح فإن درء المفاسد من جملتها وإن أريد الرجوع بوضوح تفصيلي فإنها تربوا على المائتين ثم المراد بها ما لا يخص باب من أبواب الفقه، وهو المراد هنا، ويسمى

стр. 1419

بالقاعدة في اصطلاح الفقهاء، وأما ما يخص بعض الأبواب فيسمى الضوابط، ولا بد من الإشارة إلى قول جملي في هذه القواعد فتقول: القاعدة الأولى: اليقين لا يرفع بالشك، وأصلها: ((لا ينصرفن حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) وله أمثلة أحدها: انتفاء الأحكام عن المكلفين يقين فلا يزال بالشك، بل بدليل مثبت له أو لسببه، إذ لا حكم إلا بالشرع، والدليل منطوق وحي والمنبت له مفهومه أو معقوله، والمثبت لسببه البينات والعيان نحو الزوال وآلات المواقيت. وثانيها: انتفاء الأفعال وعدم وقوعها من الإنسان يقين فلا يزال بالشك. وثالثها: ثبوت الأحكام عند قيام سببها المقتضي بيقين شرعي فلا يزال بالشك، بل بمانع يزيل بنفيه أصل عدمه، من أجل هذا لا يصرف اللفظ عن حقيقة من شمول عام، ووجوب مأمور، وحرمة منهي إلا لعارض أرجح، ولا يزول

стр. 1420

حكم فعل وضوء مثلاً إلا لناسخ فعل أخر كحدث وبهذا التقرير تبين أنه لا تختص هذه القاعدة بالفقه كما يوهمه كلام القاضي، بل تجرى في أصوله ويمكن رجوع غالب مسائل الفقه إلى هذه القاعدة إما بنفسها أو بدليلها، ولأجل هذه القاعدة كان الاستصحاب حجة، ولم يكن على المانع في المناظرة (٥٣/ك) دليل وكان القول قول نافي الوطء غالباً، ولو وجد الماء الراكد متغيراً، فإن علم أنه لطول المكث فطهور أو لنجاسة فنجس وإن أشكل فهو على أصل الطهارة، نص عليه في (الأم) والبويطي ولو رأى كلباً يلغ في ماء كثير فشك هل شرب منه حتى نقص عن القلتين أم لا؟ فهو على الكثرة ما لم يعلم نقصه، ويكون طاهراً ذكره الحاوي قال في البحر: وهو صحيح. القاعدة الثانية: الضرر يزال ولعلها شرط الفقه فإن مقصود الأحكام

стр. 1421

الفقهية مهمات جلب المنافع ودفع المضار، فالقسم الثاني كله وبعض الأول مثال لهذه القاعدة (١٣٤/ز) إذ يشمل الباب على حدود الجنايات وفصل الخصومات، فالحدود لدفع الضرر عن الضروريات الخمس الشرعية في كل مسألة المجموعة في آية الممتحنة فما سبق في المناسبة، فالشرك مضرة في الدين فيزال بقتال المشركين المحاربين والمرتدين ﴿حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ فلا يبقى إلا مسلم أو مسالم بهدنة أو بجزية، ومن حفظ الدين الانقيادي الملازم للإيمان الحقيقي تقرير مباني الإسلام المزيلة ضرر الغفلة والقسوة على الشهوات الحسية، والدعوات النفسية، ومنهم إيجاب تبليغ الرواة المزيل ضرر الدين ودراية الدين المزيل ضرر الشبه والشكوك، ومن ثم كان الإقامة بحجج الأصول من فرائض الكفايات، والسرقة مضرة في المال، ومثلها المحاربة والإتلافات والغصب والتفويت فيزال بقطع السارق والمحارب، وبضمان المتلفات والغصوب بأنواعها، وبالحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمفلس والراهن والعبد والمريض، فيما زاد على الثلث وسائر

стр. 1422

أنواع الحجر التي أنهيت إلى نحو الخمسين، والزنا مضرة في النسل، ومثله الاستفراش قبل تبين الحال، والإلحاق البهتاني والاتهام فيزال بحد الزاني رجما وجلداً، فإنه مع ذلك ينزجر أو يقل فساده، وبالعدد والاستبراء، وباللعان وتحريم خفي البهتان، وبدعوى النسب والإقرار به، والقتل وقد يفضي إلى قطع الأطراف، ونحوه مضرة في النفس تزال بالقصاص أو الدية، وبحل الميتة للمضطر وإتلاف المكره مالاً وتلفظه بالكفر والبهتان إن ضر في النسل فقد تقدم، أو في العرض فيزال ضرره بالتعزير أو بحد القذف، وزوال العقل مضرة في ذلك كله فيزال بتحريم المسكر وبالحد، والصيال على الدين أو المال أو البضع أو النفس أو الأطراف أو غير ذلك مضرة فيزال بدفع الصائل، وإن أتى على نفسه، وأما الخصومات المضرة في ذلك كله فيزال بأن يفصلها إمام مقسط فيعتمد الحق في الدعاوي والبينات والإقرار، قال بعضهم: فهذه القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد أو تقريرها بدفع المفاسد أو تخفيفها ويدخل فيها: (الضرر لا يزال بالضرر) ومن ثم لا تجب العمارة على الشريك في الجديد، وإذا وقع جريح على جرحى، وإذا وقع في نار ولم يمكنه

стр. 1423

الخلاص إلا بأن يرمي نفسه في ماء يموت فيه، وقطع السلعة التي يخاف منها ووجوب القصاص على المكره على القتل، وكذلك: (الضرورات تبيح المحظورات) بشرط عدم نقصانها عنها ومن ثم جاز، بل وجب أكل الميتة عند المخمصة. الثالثة: المشقة تجلب التيسير ومثالها موجود في العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات أما العبادات: فكون الصلاة خمساً فقط، وكون مجموعها سبعة عشر ركعة وتفريقها على أوقات الفراغ توسعاً، وإباحة الجمع والقصر فيها للمسافر واغتفار الفعل الفاحش في الصلاة للخائف، وكيف أمكنه لمن اشتد خوفه وإسقاطها بالأعذار من حيض أو صبى أو جنون، واشتراط الطهارة فيها عن نجاسة

стр. 1424

تفحش لا غير، والاكتفاء فيها بالتطهير برش في بول صبي أو إبقاء أثر إذا عسر زواله، وإخراج شعر المأكول ولبنه وأنفحته والمسك وقاربه، ونحو ذلك منها، واشتراط الوضوء في الأعضاء الأربعة دون جميع البدن وعند الحدث لا عند كل صلاة، وحصر الأحداث فيما يقل وجوده مع أنه أربعة فقط، والجنابة فيما ندر، وإقامة التراب بدل الماء في مواضعه، ومسح الخف والرأس مقام الغسل، وأحكام الحيض والاستحاضة وجعل المطهر الماء العام الموجود المتيسر الحصول، وعدم تنجيسه ببعض النجاسات، وعدم إفساده ببعض المغسولات والمغيرات وإعادة الطهورية إليه بعد سلبها باستعمال أو تنجس أو غير ذلك، والاكتفاء في القبلة بمجتهد

стр. 1425

البلد ومحاريب المسلمين وعدم اعتبارها في حق العاجز والخائف، ومسافر يتنفل، وفي عورة غير الحرة السرة والركبة، والعفو عن بعض الأفعال والأقوال، والاكتفاء بما يستطاع في أركان الصلاة وشروطها في الخوف والأمن وإسقاط الأعذار للجمعة والجماعة، وعدم مخاطبة الناقص بهما وندبية العبد، والاستسقاء والكسوفين دون إيجابها، وجعل الجنازة فرض كفاية، كل ذلك تيسير جلبه مشقة ما سوى ذلك، وتقريره تعالى نصب الزكوات مع اشتراط الحول، والسوم، وتقليل الواجب ورعاية العشر ونصفه، واعتبار المتمكن للأداء والضمان وما يعفى عنه من خيل ورقيق وعقار وغير ذلك وتعيين الأصناف المستحقين، وتجويز التعجيل والتوكل واستحباب صدقة التطوع الشاق تركها على سخي أو متقرب إلى الله تعالى، أو رقيق القلب رحمة من غير تقييد بجنس ولا قدر ولا مصرف ولا زمان ولا مكان وتقديره الصيام بشهر، وإلى الليل فقط، والعفو عما يشق وإباحة الفطر، وبالعذر واستحباب صيام التطوع، وكونه بنية من النهار وإباحة الخروج منه لمن يشاء وتوسيع القضاء وفدية لحواملهم ونحوه، وتقديره تعالى وجوب الحج بالاستطاعة والمواقيت بأماكنها المقاربة للحرم، وتقليل الأعمال، وتوسيع وجوبه، وتجويز النيابة فيه، وإباحة محظوراته بالعذر، وتقدير كفاراته، وتجويز التحلل بالإحصار والفوات وشبهه،

стр. 1426

وإيجابه تعالى الجهاد (٥٤/ك) على الكفاية، وفي السنة كلها مرة واحدة، وتجويز المتحرف للقتال والتحيز إلى فئة، والفرار لأكثر من الضعف وإحلال الغنائم، وتملك النساء والصبيان، وقبول الجزية ونحوه، وعفوه تعالى عن لغو اليمين وتكفيرها قبل الحنث، والتخيير بينها وبين المنذور لجاجاً، واستحبابه تعالى العتق والتدبير والكتابة من غير وجوب ولا تحريم، وإباحته تعالى الطيبات والتشبع منها، والتداوي حتى بالنجس ولبس غير النقدين والحرير الصرف وإباحة الذبائح من كل مناكح ونحوه، وأنواع الصيد وأما (١٣٥/ز) الأموال فإحلال الله تعالى البيع من غير إيجاب له وإطلاقه في الأماكن والأزمان، وإثبات الخيار فيه، ثم جعله لازماً، وإباحة الرد بالعيب وخلف الشرط، وتجويز الإقالة والتحالف، وتأجيل الثمن في أي جنس، وبأي قدر، والنهي عن العقود المؤدية وإباحة العرايا والقرض، والسلم والحوالة والرهن والصلح، والضمان وإحلاله الإجارة والعارية وتجويز عقد الإرفاق

стр. 1427

وجعلها غير لازمة كالوكالة والقراض والشركة العارية والوديعة، وشرعية الأوقاف والهبات والهدايا والمواريث والوصايا، وإحياء الموات واللقطة، ومن ذلك الشفعة والقسمة وما يوهم ضرراً، وأما النكاح فإباحته من غير إيجاب وإطلاقه في غير المحارم، وتجويز مثنى وثلاث ورباع ومن غير معاينة، وإطلاق الاستمتاع فيه، وتفويضه للأولياء، وتقرير أنكحة الكفار وتجويز فسخه بأسباب الفسخ وإطلاق الصداق في الجنس والقدر وتشطيره، وإسقاطه بالمفارقة، وإيجاب القسم وحسن المعاشرة، وإباحة الخلع والطلاق والرجعة ومطالبة الولي، وتحريم الظهار، وإعادة الحل للمظاهر بالكفارة، وإيجاب النفقات وجعلها على الموسر قدره وعلى المقتر قدره وأما الجنايات فبالعصمة في غير العمد المحض ورعاية المماثلة، وتحريم المثلة، وتجويز العفو وقتال البغات والإعلام بأنه تعالى لم يجعل شفاء فيما حرم، وإنما الخمر داء وأن التعريض ليس بقذف وجعل الإمامة والقضاء على الكفاية، واعتماد الظاهر ولو بالاجتهاد وإثابة من أخطأ دون تأثيمه ورد شهادة المتهم وقبول غيرها، واليمين

стр. 1428

مع الشاهد، ورجل مع امرأتين والنسوة الخلص في مواطن الحاجة ومن جعل الدية من هذا فقد وهم، لأنها زاجرة عن ضرر المجني عليه وجابرة ما فات عليه، والعفو عليها رافع ضرر القتل عن الجاني قال الأئمة، وقد تقوم الحاجة مقام المشقة في نظر عورة أو امرأة. القاعدة الرابعة: العادة تحكم وذكر القاضي الحسين أصلها من حديث ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)) والمعروف عند المحدثين في هذا: الوقف على ابن مسعود، والأحسن الاحتجاج بقوله ﷺ لهند: ((خذي من ماله ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف))

стр. 1429

وقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ وقال ابن السمعاني في (القواطع): والعرف في الآية ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم، وكذا قال ابن عطية: معناه بكل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة، وقال ابن ظفر في (الينبوع): ما عرفته العقلاء أنه حسن وأقرهم الشارع عليه فمنه الرجوع إلى العرف، والعادة في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية كصغر صبية وكبرها، وإطلاق ماء وتقييده، وكثرة تغيره وقلته، وغالب الكثافة ونادر العذر ودائمة، وقرب منزلة وبعدها، وطول فصل في السهو وقصره، وكثرة فعل أو كلام وقلته ومشقة احتراز من نجاسة مثلاً وسهولته، وقوة خف وضعفه وتكلب الجوارح وما

стр. 1430

يعد ساتراً وطيباً للمحرم، ومقابلاً بعوض في البيع، وعيناً وفضلاً بين المتعاقدين وثمن مثل، وكفء نكاح، وتهيؤ زفاف، وحفظ ماشية وزرع ومؤنة وكسوة وسكنى مثل، ومردود وظرف هدية وفرس غاز وما يليق بحال الشخص في متعة وفي عدواة برد الشهادة والحكم، ومنها الرجوع إليها في مقادير الحيض والنفاس، والطهر وأكثر مدة الحمل وسن اليأس، ومهر مثلها، ومنها الرجوع إليها في فعل غير منضبط رتبت عليه الأحكام كالقصر والإحياء والحد وإعراض عن معدن ومتحجر وضال، والإذن في الضيافات وإباحة نحو أكل وشرب دابة، ودخول بيت حميم والتبسط مع الأصدقاء، وما يعد قبضاً وإيداعاً وإعطاء وهدية وغصباً ومعروف المعاشرة، وتصرف الملاك، وانتفاع عارية، وحفظ وديعة وتجارة قراض ونحل ومساقاة، وصيغة إجارة، وصغار ذمي وناقض عهده وموجب لوث، ومنها الرجوع إليها في تخصيص عين أو فعل أو مقدار يحمل اللفظ عليه كألفاظ الأيمان والأوقات والوصايا والتعويضات، والدينار والدرهم والصاع والوسق، والقلة والأوقية، وكذا إطلاق النقود في المعاملات ينصرف إلى الغالب ومنه صحة المعاطاة بما يعده الناس بيعاً على المختار في الفتوى.

стр. 1431

الخامسة: الأمور بمقاصدها ودليلها قوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) فمنه العبادات لا يميزها عن العادات ولا يميز رتب بعضها عن بعض إلا النية، ولا يحصل الثواب غيرها، ومنه كتابات العقود، وكل أداء ملتبس ونحوه يفتقر إلى النية المميزة ولو كان من كافر، وأما كونها تقربة إلى الله تعالى من أنها موصلة إلى عبادة فتختص بالمسلمين، ومنها: أن المباحات كلها لا تتميز عن المعاصي إلا بالنية، وبما صارة= قربة بنية قبول رخصة الله والاستعانة بها ذكره، ومنها أن ما تميز بنفسه لا يحتاج إلى النية، ومن ثم لم يحتج الإيمان والعرفان والآذان والأذكار والقراءة إلى نية التقرب، بل يكفي مجرد القصد ليخرج الذاهل فإنه غير فاعل على الحقيقة، قال بعض مشايخنا المحققين: وإنما ترك القاضي الحسين هذه القاعدة لعلة الاستغناء عنها بأن العادة تحكم فغير المنوي من غسل وصلاة وكتابة مثلاً لا تسمى في العادة غسلاً ولا قربة ولا عقداً. [الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح] (ص): الكتاب السادس في (٥٥/ك) التعادل والتراجيح. (ش): لما انتهى الكلام في الأدلة المتفق عليها، والمختلف فيها وكان معرفة الأدلة من حيث هي لا بد معه (١٣٦/ز) في الاستدلال من شروط وهي كيفية الاستدلال بها عند التعارض، عقد هذا الكتاب لذلك، وأخرها عن الأدلة، لأنها صفات للأدلة فترتيبها متأخرة عنها.

стр. 1432

(ص): يمتنع تعادل القاطعين وكذا الأمارتين في نفس الأمر على الصحيح. (ش): التعادل بين القاطعين ممتنع عقليين كانا أم نقليين، وإلا ثبت مقتضيهما وهما نقيضان، وكذا بين القطعي والظني لانتفاء الظن عند القطع بالنقيض، وأما التعادل بين الأمارتين في الأذهان فصحيح وأما في نفس الأمر فمنعه الكرخي، والإمام أحمد، وجمع من أصحابنا لأنه يقتضي التخيير بين الحكمين والإجماع

стр. 1433

على بطلانه، وهل منعوه عقلاً أو شرعاً؟ فيه نظر وجوزه الباقون، وهو أن ينصب علامات متساويات في اقتضاء الظنين، وفصل الإمام الرازي فقال: إما أن يكون بين حكمين متناقضين والفعل واحد، أو بين فعلين متنافيين، والحكم واحد، فالأول ككون الفعل الواحد واجباً وحراماً ومباحاً، فيجوز، ولكنه غير واقع شرعاً، إذ لا يمكن العمل بهما ولا تركهما، وبأحدهما تحكم، والتخيير بين مباح ومحرم، إذن في الترك وهو ترجيح عين أمارة الإباحة وهو تحكم، والثاني جائز كوجوب التوجه إلى جهتين قد غلب على الظن أنهما جهتا القبلة، ونقح الشيخ عز الدين في قواعده فقال: لا يتصور في الظنون تعارض كما لا يتصور في العلوم، وإنما يقع التعارض بين أسباب الظنون، قال وإذا تعارضت أسباب الظنون فإن حصل الشك لم يحكم بشيء، وإن وجدنا الظن في أحد الطرفين حكمنا به، لأن ذهاب مقابله يدل على ضعفه، وإن كان كل منهما مكذباً للآخر تساقطا لتعارض الخبر والشهادتين، وإن لم يكذب كل منهما صاحبه عمل به على حسب الإمكان كدابة عليها راكبان، نحكم بها لهما، لأن كل من اليدين لا تكذب الأخرى.

стр. 1434

(ص): فإن توهم التعادل فالتخيير، أو التساقط، أو الوقف، أو التخيير في الواجبات أو التساقط في غيرها، أقوال. (ش): إذا جوزنا تعادلهما فاختلفوا في حكمه عند وقوعه على مذاهب. أحدها: التخيير وهو اختيار القاضي أبي بكر منا وأبي علي، وأبي هاشم من المعتزلة. وثانيها: التساقط، ويجب الرجوع إلى غيرها وهو البراءة الأصلية وهو مذهب كثير من الفقهاء. وثالثها: الوقف كالبينتين المتعارضتين. والرابع: إن وقع التعادل بالنسبة إلى الواجبات، فالتخيير، إذ لا يمتنع التخيير في الشرع بينهما، كمالك مائتين من الإبل يجب أن يخرج ما شاء من الحقاق وبنات اللبون.

стр. 1435

عند من يجعل الخيرة للمالك، وإن وقع بالنسبة إلى حكمين متناقضين، كالإباحة والتحريم، فحكمه التساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية، وقضية إطلاق المصنف جريان هذا الخلاف فيما إذا وقع هذا التعادل للإنسان في عمل نفسه أو للمفتي، وقال الهندي: جريان قول الوقف في عمل نفسه بعيد جداً، إذ الوقف فيه لا إلى غاية تنتظر أو لا يرجى منه ظهور الرجحان، وإلا لم تكن مستثناة بخلاف التعادل الذهني فإنه يتوقف فيه إلى أن يظهر المرجح وقوله: (فإن توهم) أحسن من قول غيره: (فإن ظن) الظن للطرف الراجح ولا يوجد ذلك وإنما هو بالنسبة إلى ظن المجتهد. (ص): وإن نقل عن مجتهد قولان متناقضان فالمتأخر قوله وإلا فما ذكر

стр. 1436

فيه المشعر بترجيحه وإلا فهو متردد، ووقع للشافعي ﵁ في بضعة عشر مكاناً، وهو دليل على علو شأنه علماً وديناً. (ش): تعارض القولين لمجتهد واحد بالنسبة إلى المقلدين كتعارض الأمارتين عند المجتهدين، فلذلك أعقبه بتعادل الأمارتين، وحاصله: أنه إذا نقل عن مجتهد قولان فإما أن يكونا في موضع واحد أو لا: الحالة الأولى: أن يكون في موضعين فإن علم المتأخر منهما فهو مذهبه، ويكون الأول مرجوعاً عنه، وذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا بد وأن ينص على الرجوع فلو لم ينص في الجديد على الرجوع عن القديم لم يكن رجوعاً، حكاه الرافعي في باب صلاة الجماعة، وإن جهل الحال حكي عنه القولان، ولا يحكم عليه بالرجوع إلى أحدهما بعينه، وإن كان أحدهما مرجوعاً عنه ظاهراً، قال الهندي: ولا يخفى عليك أنه لا يجوز العمل بأحدهما إذ ذاك قبل التبيين.

стр. 1437

الثاني: أن يكون في موضع واحد بأن يقول في هذه المسألة القولان، فإذا عقب أحدهما بما يشعر بترجيحه كقوله: وهذا أشبه ولو بالتفريع عليه، فيكون ذلك قولاً له، لأن قول المجتهد ليس غير ما يترجح عنده، وإن لم يكن شيئاً من ذلك فيدل على توقفه في المسألة لعدم ترجيح أحد الحكمين في نظره وقوله: (فيها قولان) يحتمل أن يريد احتمالين على سبيل التجويز لوجود أمارتين متساويتين، ولكن يريد بهما مذهبين لمجتهدين وعلى التقديرين لا ينسب إليه قول في المسألة لتوقفه فيها، وهذا قاله الإمام في (المحصول) وتابعه المصنف، وقال الآمدي: يجب اعتقاد نسبة أحدهما إليه، ورجوعه عن الآخر غير معين دون نسبتهما جميعاً، ويمتنع العمل بهما حتى يتبين، كالنصين إذا علمنا نسخ أحدهما غير معين، وكالراوي إذا اشتبه عليه ما رواه من شيئين وهذا أحسن من قول الإمام لكنه خلاف عمل الفقهاء، وفي المسألة رأي ثالث صار إليه القاضي وهو: أن له قولين وحكمهما التخيير قال إمام الحرمين في (التلخيص): وهذا بناه القاضي على اعتقاده أن مذهب الشافعي ﵁ تصويب المجتهدين، لكن الصحيح من مذهبه: أن المصيب واحد فلا يمكن منه القول بالتخيير، وأيضاً فقد يكون القولان بتحريم وإباحة ويستحيل التخيير بينهما واعلم أنه قد وقع الحالان للشافعي ﵁ لكن

стр. 1438

وقوعه في موضع واحد من غير تنبيه على ما يشعر (١٣٧/ز) بترجيح أحدهما قليل. نقل الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) عن القاضي أبي حامد المروزي أنه ليس للشافعي ﵁ ذلك إلا في بضعة عشر موضعاً وهو ستة عشر أو سبعة عشر، وهو دليل على علو شأنه. أما الحالة الأولى: فلدلالة على صرف عمره في النظر والمأخذ ولاج في الدقائق، وعلى دينه لإظهار الشيء يلوح له غير مبال بما صدر منه أولاً ولا واقف (٥٦/ك) عند كلام غبي ينسبه للتناقض في المقال، وقد عاب عليه القولين من قصر نظره عن مقاصده. وأما في الثانية: فإن المجتهد كلما زاد علماً وتدقيقاً كان نظره أتم تنقيحاً وتحقيقاً، وعلى دينه فلم يكن ممن إذا ظهر وجه الرجحان صمم على مقالته الأولى بل أبطل تلك وعدل إلى ما هو الأولى، وفائدة ذكر القولين من غير ترجيح، التنبيه على أن ما سواهما لم يترجح عنده، وأن هذين الاحتمالين لم يترجح أحدهما في نظره، فأطلق القولين بمعنى أن كل واحد منهما يمكن جعله قولاً لا أنهما معاً مذهبه، وقد

стр. 1439

وقع مثل ذلك عمر ﵁ في الشورى على ستة وحصر الخلافة فيهم؛ تنبيهاً على أن الاستحقاق منحصر فيهم، وأن غيرهم ليس أهلاً لذلك، ولم ينكر ذلك عليه أحد، بل اتبعوه، وفيه أيضاً التنبيه على المأخذ وانحصار جهتها في ذينك القولين، فإن قلت: فلا معنى لقولهم للشافعي ﵁ في هذه المسألة قولان، إذ هو متوقف غير حاكم بشيء، قلت: قال إمام الحرمين في (التلخيص): هكذا القول ولا نتحاشى منه وإنما وجه إضافته إلى الشافعي ﵁ ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الاشتباه فيهما. (ص): ثم قال الشيخ أبو حامد: مخالف أبي حنيفة منهما أرجح من موافقه، وعكس القفال. والأصح الترجيح بالنظر فإن وقف، فالوقف. (ش): قد سبق ترجيح أحد القولين على الآخر بتأخره أو بالإشعار بترجيحه وذكر هنا مرجحاً آخر وهو: ما إذا كان أحد القولين يوافق مذهب أبي حنيفة والآخر يخالفه فقال القفال: الموافق أولى، وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: المخالف أولى، فإن الشافعي ﵁ إنما خالفه لاطلاعه على دليل يقتضي المخالفة، والأول هو الأصح عند الشيخ محيي الدين النووي ﵀ في (شرح المهذب) و (الروضة) وهو بناء على طريقته في الترجيح في المذهب بالكثرة كالرواية، وهو

стр. 1440

ضعيف فإن الكثرة إنما يظهر تأثيرها في النقل، وأما الاجتهاد فالمعتبر فيه قوة الدليل لا جرم كان ما صححه المصنف هو الأصح، وقال بعضهم: تصوير هذا الفرع يحتاج إلى نظر، فإن أحد القولين فيه إما أن يكون قبل الآخر أو لا، فإن كان، فالعمل بالمتأخر، لأنه كالجديد بالنسبة إلى القديم، وإن كان فيما إذا قالهما معاً أو لم يعلم، فالتعليل بأنه ما خالف إلا بعد اطلاعه على مقتضى المخالفة يقتضي تقديم الموافقة، وينظر في السبعة عشر مسألة التي نص فيها على قولين معاً هل هي بهذه الصفة أعني: أحدهما يوافق أبا حنيفة والآخر يخالفه أم لا؟ وينتج من هذا البحث أنهم لم يطرحوا القديم فإن قول القفال يقتضي أن يكون متقدماً، فإن الشافعي ﵁ وافق أبا حنيفة في الاجتهاد ثم خالفه لظهور دليل يقتضي المخالفة. (ص): وإن لم يعرف للمجتهد قول في المسألة، لكن في نظيرها، فهو قوله المخرج فيها على الأصح لا ينسب إليه مطلقاً بل مقيداً، ومن معارضة نص آخر للنظير تنشأ الطرق. (ش): ذكر الشيخ أبو إسحاق أنه إذا نص الإمام في واقعة على حكم وفي
следующие страницы →