← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

فيه المشعر بترجيحه وإلا فهو متردد، ووقع للشافعي ﵁ في بضعة عشر مكاناً، وهو دليل على علو شأنه علماً وديناً. (ش): تعارض القولين لمجتهد واحد بالنسبة إلى المقلدين كتعارض الأمارتين عند المجتهدين، فلذلك أعقبه بتعادل الأمارتين، وحاصله: أنه إذا نقل عن مجتهد قولان فإما أن يكونا في موضع واحد أو لا: الحالة الأولى: أن يكون في موضعين فإن علم المتأخر منهما فهو مذهبه، ويكون الأول مرجوعاً عنه، وذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا بد وأن ينص على الرجوع فلو لم ينص في الجديد على الرجوع عن القديم لم يكن رجوعاً، حكاه الرافعي في باب صلاة الجماعة، وإن جهل الحال حكي عنه القولان، ولا يحكم عليه بالرجوع إلى أحدهما بعينه، وإن كان أحدهما مرجوعاً عنه ظاهراً، قال الهندي: ولا يخفى عليك أنه لا يجوز العمل بأحدهما إذ ذاك قبل التبيين.

стр. 1437

الثاني: أن يكون في موضع واحد بأن يقول في هذه المسألة القولان، فإذا عقب أحدهما بما يشعر بترجيحه كقوله: وهذا أشبه ولو بالتفريع عليه، فيكون ذلك قولاً له، لأن قول المجتهد ليس غير ما يترجح عنده، وإن لم يكن شيئاً من ذلك فيدل على توقفه في المسألة لعدم ترجيح أحد الحكمين في نظره وقوله: (فيها قولان) يحتمل أن يريد احتمالين على سبيل التجويز لوجود أمارتين متساويتين، ولكن يريد بهما مذهبين لمجتهدين وعلى التقديرين لا ينسب إليه قول في المسألة لتوقفه فيها، وهذا قاله الإمام في (المحصول) وتابعه المصنف، وقال الآمدي: يجب اعتقاد نسبة أحدهما إليه، ورجوعه عن الآخر غير معين دون نسبتهما جميعاً، ويمتنع العمل بهما حتى يتبين، كالنصين إذا علمنا نسخ أحدهما غير معين، وكالراوي إذا اشتبه عليه ما رواه من شيئين وهذا أحسن من قول الإمام لكنه خلاف عمل الفقهاء، وفي المسألة رأي ثالث صار إليه القاضي وهو: أن له قولين وحكمهما التخيير قال إمام الحرمين في (التلخيص): وهذا بناه القاضي على اعتقاده أن مذهب الشافعي ﵁ تصويب المجتهدين، لكن الصحيح من مذهبه: أن المصيب واحد فلا يمكن منه القول بالتخيير، وأيضاً فقد يكون القولان بتحريم وإباحة ويستحيل التخيير بينهما واعلم أنه قد وقع الحالان للشافعي ﵁ لكن

стр. 1438

وقوعه في موضع واحد من غير تنبيه على ما يشعر (١٣٧/ز) بترجيح أحدهما قليل. نقل الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) عن القاضي أبي حامد المروزي أنه ليس للشافعي ﵁ ذلك إلا في بضعة عشر موضعاً وهو ستة عشر أو سبعة عشر، وهو دليل على علو شأنه. أما الحالة الأولى: فلدلالة على صرف عمره في النظر والمأخذ ولاج في الدقائق، وعلى دينه لإظهار الشيء يلوح له غير مبال بما صدر منه أولاً ولا واقف (٥٦/ك) عند كلام غبي ينسبه للتناقض في المقال، وقد عاب عليه القولين من قصر نظره عن مقاصده. وأما في الثانية: فإن المجتهد كلما زاد علماً وتدقيقاً كان نظره أتم تنقيحاً وتحقيقاً، وعلى دينه فلم يكن ممن إذا ظهر وجه الرجحان صمم على مقالته الأولى بل أبطل تلك وعدل إلى ما هو الأولى، وفائدة ذكر القولين من غير ترجيح، التنبيه على أن ما سواهما لم يترجح عنده، وأن هذين الاحتمالين لم يترجح أحدهما في نظره، فأطلق القولين بمعنى أن كل واحد منهما يمكن جعله قولاً لا أنهما معاً مذهبه، وقد

стр. 1439

وقع مثل ذلك عمر ﵁ في الشورى على ستة وحصر الخلافة فيهم؛ تنبيهاً على أن الاستحقاق منحصر فيهم، وأن غيرهم ليس أهلاً لذلك، ولم ينكر ذلك عليه أحد، بل اتبعوه، وفيه أيضاً التنبيه على المأخذ وانحصار جهتها في ذينك القولين، فإن قلت: فلا معنى لقولهم للشافعي ﵁ في هذه المسألة قولان، إذ هو متوقف غير حاكم بشيء، قلت: قال إمام الحرمين في (التلخيص): هكذا القول ولا نتحاشى منه وإنما وجه إضافته إلى الشافعي ﵁ ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الاشتباه فيهما. (ص): ثم قال الشيخ أبو حامد: مخالف أبي حنيفة منهما أرجح من موافقه، وعكس القفال. والأصح الترجيح بالنظر فإن وقف، فالوقف. (ش): قد سبق ترجيح أحد القولين على الآخر بتأخره أو بالإشعار بترجيحه وذكر هنا مرجحاً آخر وهو: ما إذا كان أحد القولين يوافق مذهب أبي حنيفة والآخر يخالفه فقال القفال: الموافق أولى، وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: المخالف أولى، فإن الشافعي ﵁ إنما خالفه لاطلاعه على دليل يقتضي المخالفة، والأول هو الأصح عند الشيخ محيي الدين النووي ﵀ في (شرح المهذب) و (الروضة) وهو بناء على طريقته في الترجيح في المذهب بالكثرة كالرواية، وهو

стр. 1440

ضعيف فإن الكثرة إنما يظهر تأثيرها في النقل، وأما الاجتهاد فالمعتبر فيه قوة الدليل لا جرم كان ما صححه المصنف هو الأصح، وقال بعضهم: تصوير هذا الفرع يحتاج إلى نظر، فإن أحد القولين فيه إما أن يكون قبل الآخر أو لا، فإن كان، فالعمل بالمتأخر، لأنه كالجديد بالنسبة إلى القديم، وإن كان فيما إذا قالهما معاً أو لم يعلم، فالتعليل بأنه ما خالف إلا بعد اطلاعه على مقتضى المخالفة يقتضي تقديم الموافقة، وينظر في السبعة عشر مسألة التي نص فيها على قولين معاً هل هي بهذه الصفة أعني: أحدهما يوافق أبا حنيفة والآخر يخالفه أم لا؟ وينتج من هذا البحث أنهم لم يطرحوا القديم فإن قول القفال يقتضي أن يكون متقدماً، فإن الشافعي ﵁ وافق أبا حنيفة في الاجتهاد ثم خالفه لظهور دليل يقتضي المخالفة. (ص): وإن لم يعرف للمجتهد قول في المسألة، لكن في نظيرها، فهو قوله المخرج فيها على الأصح لا ينسب إليه مطلقاً بل مقيداً، ومن معارضة نص آخر للنظير تنشأ الطرق. (ش): ذكر الشيخ أبو إسحاق أنه إذا نص الإمام في واقعة على حكم وفي

стр. 1441

الأخرى شبهها على خلافه لا يجوز نقل قوله من إحديهما إلى أخرى، وتخريجها على قول وأن ما يقتضيه قوله لا يجعل قولا له إلا إذا لم يحتمل، كقوله: تثبت الشفعة في الشقص من الدار، فيقال: قوله في الحانوت كذلك، قال الرافعي: والمعروف في المذهب خلاف ما قاله وإلى هذا الخلاف عبر المصنف بالأصح، وإذا قلنا بجواز التخريج فهل ينسب القول المخرج لذلك المجتهد؟ فيه وجهان، أصحهما المنع، لأنه ربما يذكر فرقاً ظاهراً لو رجع، ومأخذهما أن لازم المذهب هل هو مذهب؟ والمختار أنه ليس بمذهب، ولهذا قال الرافعي: الأولى أن يقال: هذا قياس قوله، أو قياس أصله، ولا يقال: هو قوله، وإليه أشار المصنف بقوله: ولا ينسب إليه مطلقاً بل مقيداً، وأشار بقوله: (من معارضة نص)، إلى سبب اختلاف الطرق في نقل المذهب: أن يجيب الشافعي ﵁ بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين، ولا يظهر ما يصلح للفرق بينهما فيختلف حينئذ الأصحاب، فمنهم من يقرر النصين ويتكلف فرقاً، ومنهم من ينقل جوابه في كل صورة إلى أخرى فيجعل في كل صورة منهما قولان منصوص ومخرج، والمنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه، وحينئذ فيقولون: قولان بالنقل والتخريج، أي نقل المنصوص من هذه الصورة إلى تلك وخرج فيها، وكذا بالعكس، والغالب في مثل هذا عدم إطباق الأصحاب على

стр. 1442

التخريج بل ينقسمون إلى فريقين: فريق مخرج وفريق يمنع ويستخرج فارقاً بينهما ليستند إليه، وهذا هو منشأ الخلاف في أن القول المخرج هل ينسب إليه. (ص): والترجيح تقوية أحد الطريقين. (ش): أي المتعارضين، على الآخر، ليعمل بالقوية، وهذه عبارة (المحصول)، وعبر في (المنهاج) بالأمارتين، عوض الطريقين واستحسنه المصنف في شرحه، إذ يمتنع الترجيح في غير الأمارتين الأمارتين فلا أدري لما خالفه هنا، وقد نازع الهندي في جعلهم الترجيح عبارة عن التقوية التي هي مستندة إلى الشارع أو المجتهد حقيقة وإلى ما به الترجيح مجازاً (١٣٨/ز) وهو غير ملائم له بحسب الاصطلاح، إذ هو في الاصطلاح عبارة عن نفس ما به الترجيح، فلا يجوز أن يجعل عبارة عن التقوية قلت: ولذلك قال أبو الحسين: هو الشروع في تقوية أحد الطريقين على الآخر وزاد صاحب (البديع) في الحد قوله: (وصفا) ليخرج الترجيح بدليل مستقل فلا يجوز لأنه يؤدي إلى انتقال إلى دليل آخر، إذ لا تعلق للثاني بالأول، بل هو مستقل بنفسه، فيكون تركا له وعدولاً إلى الثاني وهو معنى الانتقال.

стр. 1443

(ص): والعمل بالراجح واجب، وقال القاضي: إلا ما رجح ظنا، إذ لا ترجيح بظن عنده، وقال البصري: إن رجح أحدهما بالظن فالتخيير. (ش): ذهب الأكثرون إلى وجوب العمل بالراجح، سواء كان المترجح معلوماً أو مظنوناً، حتى أن المنكرين للقياس عملوا بالترجيح في ظواهر الأخبار، والمخالف فيه رجلان أحدهما القاضي أبو بكر؛ قال: لا يجوز العمل بالترجيح المظنون، قال: وأنا أقبل الترجيح المقطوع به كتقديم النص على القياس، وأما المظنون وهو الترجيح بالأوصاف والأحوال وكثرة الأدلة ونحوها فأرده وأخالف فيه، لأن الأصل المقرر أنه لا يجوز اتباع شيء من الظنون، لأنه عرضة الغلط، والخطأ، خالفنا هذا (٥٧/ك) في الظنون المستقل بأنفسها لإجماع الصحابة عليها والترجيح عمل بظن لا يستقل بنفسه دليلاً، فيبقى على الأصل في عدم اتباعه، وأجيب بأن الإجماع منعقداً أيضاً على وجوب العمل بالظن الذي لا يستقل كالمستقل.

стр. 1444

والثاني أبو عبد الله البصري أنكر التمسك بالترجيح، فقال: عند التعارض يلزم التخيير أو الوقف، ولا نرجح أحد الطرفين على الآخر وإن تفاوتا، قال الإمام في (البرهان) هذا حكاه القاضي عن البصري وهو الملقب بجعل، قال: ولم أر ذلك في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها، وقال: غيره إن صح عنه لم يلتفت إليه، فإنه مسبوق بإجماع الصحابة والأمة قاطبة بترجيح بعضهم على بعض الأدلة، وهذا معلوم بالضرورة ولا التفات لمن قاس عدم الترجيح في الأخبار على عدمه في الشهادات، فإن هذه مسألة من مسائل الاجتهاد، وقد قال بعضهم بالترجيح فيها، ومن أنكر فمستنده نوع من التعبد في الشهادات لا يكفي في غيرها. (ص): ولا ترجيح في القطعيات لعدم التعارض. (ش): الترجيح مختص بالدلائل الظنية، ولا جريان له في الدلائل اليقينية عقلية أو نقلية، لأن الترجيح فرع وقوع التعارض وهو غير متصور فيها، لأنه لو وقع لزم اجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما، وبحث الشيخ الهندي فيها بما حاصله أنه إن

стр. 1445

كان هذا دليلاً على منع تعارض القاطعين في نفس الأمر وليس الكلام فيه، وهو غير ممكن، وإن كان على المنع في الأذهان فممنوع، لأنه قد يتعارض عند المجتهد شيئان يعتقد أنهما دليلان يقينيان، ويعجز عن القدح في أحدهما، وإن كان يعلم بطلان أحدهما في نفس الأمر وحينئذ فيجوز بطريق الترجيح إليها بناء على هذا التعارض بالنظر في أحوال المقدمات والتراكيب، ويرجح بقلة المقدمات والتراكيب، وهذا طريق يقبله العقل ولا يدفعه ما ذكرتم، قلت: ولا سيما إذا قلنا العلوم تتفاوت. (ص): والمتأخر ناسخ. (ش): إن كان التاريخ معلوماً والمدلول قابل للنسخ، فالمتأخر ناسخ للمتقدم سواء كانا آيتين أو خبرين، أو أحدهما آية والآخر خبراً متواتراً، قال في (المحصول) فإن قلت فما قول الشافعي ﵁ هنا مع أن مذهبه أن القرآن لا ينسخ بالخبر المتواتر ولا بالعكس؟ قلت: القصد من هذه المسألة: أنه لو وقع لكان

стр. 1446

المتأخر ناسخاً للمتقدم والشافعي ﵁ يقول: لم يقع ذلك فليس بين مقتضى هذا وبين قول الشافعي ﵁ منافاة وأشار المصنف بقوله (وإن نقل المتأخر بالآحاد) إلى أن كون المتأخر ناسخاً للمتقدم إذا علم المتأخر بالقطع. (ص): إن نقل المتأخر بالآحاد عمل به لأن دوامه مظنون. (ش): أي: لأن الأصل فيه الدوام، وهذه المسألة ذكر الأبياري في (شرح البرهان) له فيها احتمالين أحدهما: المنع، لأنه يؤدي إلى إسقاط المتواتر بالآحاد، وهو ممنوع قال: والأظهر القبول، ولا يكون بمثابة استقلال قول العدول بنقل

стр. 1447

التواتر، وقال أبو العز في (المقترح): يكفي في التأخير نقل الآحاد، لأن السلف اكتفوا بذلك فإنا نعلم قطعاً أنه لو نقل الصديق تأخير آية حكموا بها على الأخرى، ولم يستريبوا مع أنه يمكن أن يقال: إن غلبة الظن بأنه ناسخ مرجح لأحد النصين على الآخر فيعمل بالراجح وهذا لا خفاء به. (ص): والأصح الترجيح بكثرة الأدلة والرواة. (ش): فيه مسألتان إحداهما: يجوز الترجيح بكثرة الأدلة، خلافاً للحنفية فإنها تفيد تقوية الظن والظنيين أقوى من الظن الواحد لكونه أقرب إلى القطع. الثانية: يرجح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة والخلاف فيه أضعف من الذي قبله، ولهذا وافق هنا بعض المخالفين ونقل صاحب (الميزان) من الحنفية

стр. 1448

المنع عن أكثر أصحابهم كالشهادة، ولأن خبر الواحد يحتمل أن يكون متأخراً فيكون ناسخاً فلا معنى للترجيح والكثرة، ونقل إمام الحرمين هنا عن بعض المعتزلة وقال: الذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد، ثم نقل أن القاضي قال: ما أرى تقديم الخبر بكثرة الرواة قطعياً والوجه فيه أن المجتهدين إذا لم يجدوا متمسكاً إلا الخبرين، واستوى رواتهما في العدالة والثقة وزاد أحدهما بعدد الرواة فالعمل به، قال: بهذا أقطع لأنا نعلم أن الصحابة ﵃ لو تعارض لهما خبران بهذه الصفة لم يعطلوا الواقعة بل كانوا يقدموا هذه قال: وأما إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما فالمسألة الآن ظنية (وهذا الذي ذكره القاضي حق، ويشبه أن لا يكون محل الخلاف إلا في الصورة التي جعلها ظنية) وأما في الأولى فلا مساغ له، نعم، لو اجتمع مزية الثقة وقوة العدد بأن روى أحد (١٣٩/ز) الخبرين ثقة، وروى الآخر جمع لا يبلغ آحادهم مبلغ راوي الخبر الآخر في الثقة والعدالة، فهذه صورة أخرى، وقد اعتبر بعض المحدثين مزية العدد وبعضهم مزية الثقة، قال إمام الحرمين: والمسألة لا تبلغ مبلغ القطع، والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة فإن الغلب= على الظن أن الصديق لو روى خبراً وروي جمع على خلافه لكان الصحابة يؤثرون رواية الصديق. انتهى.

стр. 1449

(ص): وأن العمل بالمتعارضين ـ ولو من وجه ـ أولى من إلغاء أحدهما ولو سنة قابلها كتاب ولا يقدم الكتاب على السنة، ولا السنة عليه خلافاً لزاعمهما. (ش): إنما يرجح أحد الدليلين على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما، فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح بل يصار إلى ذلك لأنه أولى من العمل بأحدهما دون الآخر، إذ فيه إعمال الدليلين، فالإعمال أولى من الإهمال ومثاله: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)).

стр. 1450

مع قوله: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) فيحمل الحظر على ما قبل الدباغ والإباحة على ما بعده، فيستعمل المتنان على الوجه الممكن، ولا نطرح أحدهما بالآخر وقوله: (ولو سنة) أي إذا تقابل ظاهر الكتاب وظاهر السنة سواء أمكن الجمع بينهما من وجه صرنا إليه وقيل: نحمله ونخصص ظاهره، فيقدم الكتاب، لأنه أرجح، ولحديث معاذ، وقيل: تقدم السنة، لأنها بيان ومثاله (٥٨/ك) قوله ﷺ في البحر: ((الحل ميتته)) فإنه عام في ميتة البحر مطلقاً،

стр. 1451

سواء خنزيره وغيره، مع قوله: ﴿أو لحم خنزير﴾ فإنه يقتضي تحريم كل لحم سوى خنزير البحر وغيره، فتعارض عموم السنة، والكتاب في الخنزير، فمنهم من يقدم الكتاب ويحرمه، ومنهم من يقدم السنة ويحلله، ومنهم من يقول: ننظر فإن أمكن الجمع ولو من وجه ـ جمعنا، وإلا قضينا بالتقابل ونقول: إذ ذاك نقدم الكتاب إن كانت السنة آحاداً، وإن كانت متواترة فسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى، وقد يقال: إن هذه المسألة عين المسألة السابقة في باب التخصيص أنه يخص عموم القرآن بخبر الواحد، ولهذا قال في (المستصفى) هناك: خبر الواحد إذا ورد مخصصاً لعموم القرآن، اتفقوا على جواز التعبد فيه بتقديم أحدهما على الآخر، لكن اختلفوا في وقوعه على أربعة مذاهب، فقال قوم بتقديم العموم، وبتقديم الخبر قوم، وبتقابلهما، والتوقف إلى ظهور دليل آخر، وقال قوم إن كان العموم مما دخله التخصيص بقاطع فقد ضعف فالخبر أولى، وإلا فالعموم أولى انتهى، لكن يلزم من هذا مع التكرار المناقضة، فإن المصنف اختار هناك التخصيص، وهنا التعارض، فلينظر (ص): فإن تعذر وعلم المتأخر فناسخ، وإلا رجع إلى غيرهما، وإن تقارنا

стр. 1452

فالتخيير إن تعذر الجمع والترجيح، وإن جهل التاريخ وأمكن النسخ رجع إلى غيرهما، وإلا فخير أن تعذر الجمع والترجيح. (ش): تعارض الدليلين إن أمكن معه العمل بكل منهما فقد سبق، وإن تعذر فإما أن يكون أحدهما متقدماً والآخر متأخراً، أو يتقارنا، أو يجهل التاريخ. الحالة الأولى: أن يعلم المتأخر فإن كان حكم المتقدم قابلاً للنسخ فالمتأخر ناسخ للمتقدم، سواء كانا معلومين أو مظنونين، وإن لم يقبل النسخ فإن كانا معلومين وهو مراد المصنف تساقطا، ويجب الرجوع إلى غيرهما، كذا قاله الإمام، واعترض عليه التقشواني بأن المدلول إذا لم يقبل النسخ يمتنع العمل بالمتأخر فلا يعارض المتقدم، بل يجب إعمال المتقدم كما كان قبل ورود المتأخر، وإن كانا مظنونين طلب الترجيح. الثانية: إن يتقارنا والحكم قابل للنسخ فحكمه التخيير إن أمكن لتعذر الجمع والترجيح، أما الجمع فلأن صورة المسألة أن يتعذر العمل بكل منهما، وأما الترجيح فلأن المعلوم لا يقبل الترجيح لا بحسب الإسناد، ولا بحسب الحكم، لجواز أن يكون الحكم حظراً أو مثبتاً أو شرعياً لأنه يقتضي طرح المعلوم بالكلية. الثالثة: أن يجهل التاريخ، فإن كان الحكم قابلاً للنسخ وجب الرجوع إلى غيرهما، لأنه يجوز في كل واحد منهما أن يكون هو المتأخر فيكون ناسخاً لحكم

стр. 1453

المتأخر وأن يكون هو المتقدم فيكون منسوخاً بالآخر، فلم يجز تقدم على الآخر فيجب الرجوع إلى غيرهما وإن لم يكن قابلاً للنسخ فحكمه حكم المتقارنين وقد علمته، وكان ينبغي للمصنف أن يحيل عليه. (ص): فإن كان أحدهما أعم فكما سبق. (ش): هذا إذا تساويا في العموم أو الخصوص، فإن كان أحدهما أعم من الآخر من وجه فقد سبق في آخر التخصيص أنه يصار إلى الترجيح، فلا حاجة إلى الإعادة.

стр. 1454

(ص): مسألة: يرجح بعلو الإسناد وفقه الراوي، ولغته، ونحوه، وورعه، وضبطه، وفطنته، ولو روى المرجوح باللفظ إلى آخره. (ش): ترجيح الأخبار، ويقع في سبعة أوجه. الأول: بحسب حال الراوي وذلك باعتبارات أولها: بكثرة الرواة وقد مر. ثانيها: بقلة الوسائط، وعلو الإسناد، لأن احتمال الخطأ فيما قلت وسائطه أقل (وما برحت الحفاظ والجهابذة تطلب علو) الإسناد وتفتخر به. ثالثها: بفقه الراوي: سواء كانت الرواية بالمعنى أو باللفظ، ومنهم من قال: إن روى باللفظ فلا يرجح بذلك والصحيح الأول، لأن للفقيه مزية التمييز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز بخلاف الجاهل.

стр. 1455

رابعها: أن يكون أحدهما عالماً باللغة والنحو، لأن العالم بهما يمكنه التحفظ عن مواقع الزلل، فكان الوثوق بروايته أكثر، قال الإمام: ويمكن أن يقال: هو مرجوح، لأن العالم بهما يعتمد على معرفته فلا يبالغ في الحفظ، والجاهل بهما يكون خائفاً يبالغ في الحفظ. خامسها: أن يكون أحدهما راجحاً على الآخر في وصف يغلب ظن الصدق كالورع، والضبط، والفطنة، ولذلك رجح أصحابنا رواية مالك وسفيان عن أبي حازم حديث ((زوجتكها بما معك من القرآن)) على رواية عبد العزيز بن أبي

стр. 1456

حازم وزائدة عن أبي حازم بلفظ ((ملكتكها)) لأن مالكاً وسفيان أعلم منهما وأوثق وأضبط، وقوله: (ولو روي (المرجوح) هو بالرفع، أي: يرجح بذلك، ولو كان الراجح بها روي بالمعنى (١٤٠/ز) والمرجوح روي) باللفظ وقد سبق ذكر الخلاف فيه في فقه الراوي. سادسها: حسن اعتقاد الراوي، فرواية غير المبتدع أولى من رواية المبتدع، كذا قطعوا به، وفيه احتمال إذا كانت بدعته بذهابه إلى أن الكذب كفر أو

стр. 1457

كبيرة فإن ظن صدقه أغلب. سابعها: شهرة عدالته، وفي معناه شهرته بالصفات السابقة من ورع، وفطنة، علم. ثامنها: كونه مزكى بالاختبار والممارسة فيقدم على من عرفت عدالته بالتزكية، لأن الخبر أضعف من المعاينة. تاسعها: كثرة المزكين للراوي، ولهذا قدمنا حديث بسرة في مس الذكر على حديث

стр. 1458

طلق. عاشرها: رواية معروف النسب راجحة على رواية مجهوله، قاله في (المحصول)، وقال الآمدي وابن الحاجب: يقدم مشهور النسب، وعلله الآمدي بأن احترازه عما يوجب نقيض منزلته المشهورة يكون أكثر، واختار المصنف أنه لا يرجح بشهرة النسب، ولهذا ضعفه، والأول أقوى، لأن من ليس بمشهور النسب قد يشاركه ضعيف في الاسم. حادي عاشرها: من صرح بتزكيته على من حكم بشهادته وعمل بروايته، وهذا تابع فيه الآمدي وغيره وقدم في (المنهاج) من ثبتت عدالته بعمل من روى عنه على ما راويه معدل بغير ذلك فالمراتب عنده ثلاثة: التعديل بالاختبار، ثم بالعمل، ثم بغير ذلك.

стр. 1459

ثاني عاشرها: حفظ المروى بأن يحكي لفظ النبي ﷺ ، والآخر ينقله في الجملة، كقول أبي محذورة: لقنني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشر= كلمة ويروي عبد الله (الأذان بلا ترجيع) لا يحكيه لفظاً (٥٩/ ك) عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. ثالث عشرها: بذكر السبب على من لم يذكره لزيادة الاهتمام من

стр. 1460

حاكي السبب بمعرفة ذلك الحكم. رابع عشرها: أن يكون أحدهما يعول على حفظه فيما يرويه، والآخر على كتابه، فالأول أولى، لما لعله يعتور الخط من نقص وتغيير، قال الإمام: وفيه احتمال، قال المصنف: وهذا الاحتمال بعيد، بل ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يحتج برواية من يعول كتابه، قال أشهب: سئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح أيؤخذ عنه الأحاديث؟ فقال: لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل. قلت: بل هذا الاحتمال قوي إذا كانت النسخة محفوظة عنده وهي بخط ضابط، أو يؤمن الحافظ، وما ذكره من تطرق النقض للخط، معارض بتطرق النسيان، والاشتباه إلى الحفظ دون الكتابة. خامس عشرها: بأن يكون أحدهما سمع شفاها والآخر من وراء حجاب، كرواية القاسم عن عائشة ﵂.

стр. 1461

أن بريرة عتقت وكان زوجها عبداً، رواه مسلم ـ على من روى أنه كان حراً، لأن عائشة ﵂ عمة القاسم، فسمع منها شفاها بخلاف الأسود. سادس عشرها: كونه من أكابر الصحابة لقربه من ـ غالباً ـ مجلس النبي

стр. 1462

صلى الله عليه وسلم، والمراد بالأكابر رؤساء الصحابة، لا الأكابر بالسن، وعن أحمد أنه لا يرجح بذلك ونظيره: كونه أكثر صحبة فيقدم، ولهذا قدموا خبر عائشة ﵂ في صحة صوم الجنب على رواية أبي هريرة ((أنه لا صوم له)) وإذا قلنا بتقديم رواية الأكابر على غير الأكابر فينبغي أن تقدم رواية الخلفاء الراشدين ﵃ على غيرهم، ولذلك كان: علي ﵁ يحلف

стр. 1463

الرواة ويقبل رواية الصديق ﵁ من غير تحليف. سابع عشرها: بكونه ذكراً يرجح على رواية المرأة، لأن الضبط مع الذكورة أشد، هذا ما رجحه المصنف، وهو ضعيف، والصواب ما قاله الأستاذ، أنه لا يرجح بها. وقال ابن السمعاني في (القواطع): إنه ظاهر المذهب ولم يذكر الأول إلا احتمال له وحكى الكيا الطبري= الاتفاق عليه، فقال: اعلم أننا لا ننكر تفاوتاً بين الذكور والإناث في جودة الفهم، وقوة الحفظ، ومع هذا كله لم يقل أحد: إن رواية الرجال مرجحة على رواية النساء، ولم نر أحداً من المتقدمين ذكره مع استقصائهم وجوه الترجيح، وكأن المانع من ذلك أن الذي يقتضي الترجيح يجب رجوعه إلى عين ما وقع الاحتجاج به ويظهر به التفاوت بين المتعارضين والتفاوت بين الذكور والإناث في قوة الحفظ أمر كلي، يرجع إلى الجنس، كما يقال: الفرس أعقل، وهذا النوع لا يظهر رجوعه إلى آحاد الجنس فلا يقع في التفاضل وقد يفرض امرأة أضبط من الرجل أو أحفظ فإذا لم يظهر التفاوت في غير الخبر لم ينظر إلى الجنس وإنما ينظر إليه في تمهيد الصواب، وذلك في الشرع كما فعل في شهادة النسوة مع الرجال، وهذا مقطوع به لا ريبة فيه، انتهى، وفي المسألة مذهب ثالث: التفصيل

стр. 1464

بين أن يكون المروى في أحكام النساء فيقدمن على غيرهن، لأن همتهن إلى حفظه أكثر وإن كان في أحكام غيرهن قدم، حكاه الأستاذ. ثامن عشرها: كونه حرا وهذا ضعيف كالذي قبله، قال ابن السمعاني: والحرية لا تأثير لها في قوة الظن. تاسع عشرها: كونه متأخر الإسلام، لأنه يحفظ آخر الأمرين، وكذا إذا كان أحدهما متأخر الصحبة ولذلك قدموا خبر أبي هريرة أن النبي ﷺ (سلم من اثنتين) وتكلموا على حديث ابن مسعود في الكلام في

стр. 1465

الصلاة وقدموا رواية ابن عباس في التشهد على رواية ابن مسعود، ونقل ابن السمعاني عن الحنفية أنه لا يقدم بهذا، لأن المتقدم قد دامت صحبته إلى حال وفاة النبي ﷺ فلا يكون للمتأخر ترجيح عليه قال وما قلناه أولى، لأن سماع المتأخر تحقق تأخيره، وسماع المتقدم يحتمل التقدم والتأخر، فما تأخر سماعه يتعين أن يكون أولى، ولهذا قال ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث

стр. 1466

فالأحدث انتهى، وأما ابن الحاجب، والهندي فجزما بتقديم رواية متقدم الإسلام وتابعا فيه الآمدي، وعلله بأنها تثير قوة الظن لزيادة أصالته في الإسلام، وتجرزه فيه ولكن الهندي ذكر هذا في الترجيح بما يرجع إلى نفس الراوي، ثم ذكر أواخر الباب فيما يرجع إلى الترجيح بأمر خارج أن متأخر الإسلام يقدم مطلقاً، وهذا منه رجوع إلى قول الجمهور. العشرون: كونه محتملاً= بعد التكليف، وهو يشتمل ما إذا لم يرو شيئاً إلا بعد بلوغه، يقدم على من لم يرو إلا في صباه، لأن البالغ أقرب إلى الضبط، وعلى من روى البعض في صباه، والبعض في بلوغه، لاحتمال أن هذا الحديث من المحتمل في الصبا، ويشمل تعبيره بالتكليف من روى حال الكفر أو حال الكفر والإسلام فإن من (١٤١/ز) لم يرو إلا في الإسلام يقدم عليه. الحادي والعشرون: كونه غير مدلس مقدم على رواية المدلس، أي: إن

стр. 1467

كان بحيث تقبل روايته، وإلا فليس هو من باب الترجيح، وكأن المصنف استغنى عن تقييده لذلك. الثاني والعشرون: كونه اشتهر باسم واحد مقدم على من اشتهر باسمين، لاحتمال أنه مجروح بأحدهما. الثالث والعشرون: كونه مباشراً للواقعة فإنه أعرف بالقصة من الآخر، ولهذا قدم الشافعي رواية أبي رافع في (نكاح النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1468

ميمونة حلالاً) على رواية ابن عباس ﵁ (أنه كان محرماً). الرابع والعشرون: كونه صاحب الواقعة كرواية ميمونة: (أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال) رواه مسلم. الخامس والعشرون: كونه راوياً باللفظ على الراوي بالمعنى، والمشكوك فيه كونه مروياً باللفظ أو المعنى حتى يرجح الحديث المشتمل على صيغة واحدة مروية

стр. 1469

بلفظها على ما كله مروي بالمعنى. السادس والعشرون: كونه لم ينكر الأصل رواية الفرع فيه، فيقدم على ما أنكره، مثل إنكار أبي معبد، ما حدث به عنه عمرو بن دينار من حديث ابن عباس ﵁ أنه كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير، وهذا إذا صمم على إنكاره، فإن لم يصمم، وحمل أمر شكه، في نفسه على النسيان فلا تظهر مرجوحيته وقد كانوا يحدثون بعد ذلك عن من روى

стр. 1470

عنهم، كما فعل سهيل في حديث ((القضاء باليمين مع الشاهد)) وقول المصنف: راوي الأصل، هي عبارة (المحصول) و (المنهاج)، وقال المصنف في شرحه الصواب زيادة في الراوي أو حذفه بالكلية. السابع والعشرون: (٦٠/ ك) كونه في الصحيحين مقدم على ما التزم فيه بالصحة في غيرها ولو كان على شرطهما، لأن لشهرتهما بتلقي الأمة لهما بالقبول

стр. 1471

ما ليس لغيرهما، وإن ساويهما في درجة الصحة، ولذلك قال الأستاذ وغيره: إن كل ما فيهما مقطوع به. (ص): والقول فالفعل فالتقرير فالفصيح لا زائد الفصاحة على الأصح، والمشتمل على زيادة، والوارد بلغة قريش، والمدني، والمشعر بعلو شأن الرسول ﷺ ، والمذكور فيه الحكم مع العلة، والمتقدم فيه ذكر العلة على الحكم وعكس النقشواني، وما كان فيه تهديد أو تأكيد، وما كان عموماً مطلقاً على ذي السبب إلا في السبب، والعام الشرطي على النكرة المنفية على الأصح، وهي على الباقي، والجمع المعرف على ما ومن، والكل على الجنس المعرف لاحتمال العهد قالوا: وما لم يخصص وعندي عكسه والأقل تخصيصاً، والاقتضاء على الإشارة والإيماء، ويرجحان على المفهومين، والموافقة على المخالفة، وقيل عكسه. (ش) الترجيح بحسب المتن يقع بأمور: أولها: كونه عن لفظ النبي ﷺ والآخر عن فعله, فالقول أولى لأن دلالة اللفظ غير مختلف فيه بخلاف دلالة الفعل؛ لأن ما يفعله النبي ﷺ يحتمل اختصاصه به, ولا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بمنفصل بخلاف اللفظ, فإنه متميز بنفسه.

стр. 1472

ثانيها: أن يكون عن فعله والآخر عن تقريره، فالفعل أولى، لأن دلالة التقرير على التشريع مختلف فيها، وتطرق الاحتمال إليها أشد منه في الفعل فكان راجحاً. ثالثها: فصاحة أحد اللفظين مع ركاكة الآخر، ومن الناس من لم يقبل الركيك، والحق قبوله، وحمله على أن الراوي رواه بلفظ نفسه. رابعها: قال قوم: يترجح الأفصح على الفصيح، لأن النبي ﷺ كان أفصح العرب فلا ينطق بغير الأفصح، والحق ـ وبه جزم في (المنهاج) ـ أنه لا يترجح به، لأن البليغ قد يتكلم بالأفصح والفصيح، لا سيما إذا كان مع ذوي لغة لا يعرفون سوى تلك اللفظة الفصيحة لقصد إفهامهم وإنما قال: (لا زائد الفصاحة) ولم يقل: لا الأفصح، كما قاله في (المنهاج) ـ لأن الأفصح: أن يكون في كلمة واحدة لغتان إحداهما أفصح من الأخرى، والأزيد فصاحة: أن يكون في كلمات منها الفصيح والأفصح، ولكن الأفصح فيها أكثر. خامسها: اشتمال أحدهما على زيادة لم يتعرض الآخر لها، لاشتماله على زيادة علم (كالتكبير في العيد سبعاً).

стр. 1473

مقدم على رواية (الأربع). سادسها: الخبر المشتمل على لغة قريش وأهل الحجاز راجح على ما ليس كذلك. سابعها: المدني مرجح على المكي، لأن المدنيات متأخرة عن الهجرة والمكيات متقدمة إلا قليلاً والقليل يلحق بالكثير. ثامنها: يرجح الخبر الدال على علو شأن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم على ما ليس كذلك لأنه يدل على تأخيره، فإن الزيادة العظمى في علو شأنه، وظهوره، كانت في آخر أيامه وقال الإمام: إن دل الأول على علو الشأن والثاني على الضعف ظهر تقديم الأول، أما إذا لم يدل الثاني لا على القوة ولا الضعف فمن أين يجب تقديم الأول عليه؟ ورد بأن المشعر بعلو الرسول ﷺ معلوم التأخير أو مظنونه، وما لم يشعر بذلك مشكوك فيه فليرجح الأول.

стр. 1474

تاسعها: المذكور فيه الحكم مع علته مقدم على ما لم يذكر فيه علته، لأن ذكر علته يدل على الاهتمام به كحديث: ((من بدل دينه فاقتلوه)) مقدم على حديث النهي عن قتل النساء لأنه نيط الحكم فيه بوصف الردة، وهو مناسب لا يختلف مناسبته بالنسبة إلى الرجال والنساء، ولفظ النساء لا وصف فيه فأمكن حمله على الحربيات، ومن هذا القبيل أن يكون أحدهما مقروناً بمعنى ظاهر في المناسبة والآخر بخلافه. عاشرها: المتقدم فيه ذكر العلة على الحكم أقوى من المتقدم فيه الحكم على العلة، وهذا لم يذكره الأصوليون هنا بل هو من زيادات المصنف، وهو بناء على أن الأول أقوى من الثاني، وهو ما قاله الإمام في (المحصول) في الكلام على الإيماء فقال: يشبه أن يكون تقدم العلة على الحكم أقوى وفي الإشعار بالعلية من الثاني، لأن الطرد واجب في العلل دون العكس، وعكس النقشواني الأمر معترضاً على الإمام بأنه إذا تقدم الحكم تطلب نفس السامع العلة فإذا سمع وصفاً معقباً بالفاء سكنت نفسه عن الطلب وركنت إلى أن ذلك هو العلة، وأما إذا تقدم معنى لم نعلم بعد حكمه، مثل السارق والسارقة، فالنفس تطلب الحكم، فإذا صار الحكم مذكوراً فبعد ذلك قد يكتفي في العلة بما سبق إن كان شديد المناسبة، مثل: ﴿والسارق والسارقة﴾ وقد لا يكتفي بل طلب العلة بعد ذلك بطريق آخر، بأن

стр. 1475

يقول: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ تعظيماً للمعبود، وأما فيما تأخر ذكر العلة فلا يجوز ذكر علة أخرى، قال: ولو (١٤٢/ز) ذكر عد مناقضاً، فكان الإشعار بالعلية على عكس ما قاله الإمام، كيف وترتب الحكم على الوصف عند الإمام يقتضي العلة، وإن لم يكن مناسباً، ويلزمهم أن يقولوا إشعار قول القائل: أما الطوال فأكرموهم، فالعلية أقوى من: أكرموا هؤلاء فإنهم طوال، وليس كذلك، لإمكان قول القائل في الأول: لم أجعل الإكرام علة دون الثاني، وأما قول القائل: إشعار العلة بالمعلول أقوى، فهذا لا يتأتى إلا في شيء عرف كونه علة قبل الكلام، أو قبل الحكم، أما ما إذا كانت العلة فيه مستنبطة من ذلك الكلام فلا يتأتى فيه ما ذكر. حادي عاشرها: ما فيه تهديد على ما لا يكون كذلك كقوله: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم). ثاني عاشرها: ما دلالته مؤكدة على ما ليس كذلك كقوله: ((أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل, فنكاحها باطل))
следующие страницы →