← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

ما ليس لغيرهما، وإن ساويهما في درجة الصحة، ولذلك قال الأستاذ وغيره: إن كل ما فيهما مقطوع به. (ص): والقول فالفعل فالتقرير فالفصيح لا زائد الفصاحة على الأصح، والمشتمل على زيادة، والوارد بلغة قريش، والمدني، والمشعر بعلو شأن الرسول ﷺ ، والمذكور فيه الحكم مع العلة، والمتقدم فيه ذكر العلة على الحكم وعكس النقشواني، وما كان فيه تهديد أو تأكيد، وما كان عموماً مطلقاً على ذي السبب إلا في السبب، والعام الشرطي على النكرة المنفية على الأصح، وهي على الباقي، والجمع المعرف على ما ومن، والكل على الجنس المعرف لاحتمال العهد قالوا: وما لم يخصص وعندي عكسه والأقل تخصيصاً، والاقتضاء على الإشارة والإيماء، ويرجحان على المفهومين، والموافقة على المخالفة، وقيل عكسه. (ش) الترجيح بحسب المتن يقع بأمور: أولها: كونه عن لفظ النبي ﷺ والآخر عن فعله, فالقول أولى لأن دلالة اللفظ غير مختلف فيه بخلاف دلالة الفعل؛ لأن ما يفعله النبي ﷺ يحتمل اختصاصه به, ولا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بمنفصل بخلاف اللفظ, فإنه متميز بنفسه.

стр. 1472

ثانيها: أن يكون عن فعله والآخر عن تقريره، فالفعل أولى، لأن دلالة التقرير على التشريع مختلف فيها، وتطرق الاحتمال إليها أشد منه في الفعل فكان راجحاً. ثالثها: فصاحة أحد اللفظين مع ركاكة الآخر، ومن الناس من لم يقبل الركيك، والحق قبوله، وحمله على أن الراوي رواه بلفظ نفسه. رابعها: قال قوم: يترجح الأفصح على الفصيح، لأن النبي ﷺ كان أفصح العرب فلا ينطق بغير الأفصح، والحق ـ وبه جزم في (المنهاج) ـ أنه لا يترجح به، لأن البليغ قد يتكلم بالأفصح والفصيح، لا سيما إذا كان مع ذوي لغة لا يعرفون سوى تلك اللفظة الفصيحة لقصد إفهامهم وإنما قال: (لا زائد الفصاحة) ولم يقل: لا الأفصح، كما قاله في (المنهاج) ـ لأن الأفصح: أن يكون في كلمة واحدة لغتان إحداهما أفصح من الأخرى، والأزيد فصاحة: أن يكون في كلمات منها الفصيح والأفصح، ولكن الأفصح فيها أكثر. خامسها: اشتمال أحدهما على زيادة لم يتعرض الآخر لها، لاشتماله على زيادة علم (كالتكبير في العيد سبعاً).

стр. 1473

مقدم على رواية (الأربع). سادسها: الخبر المشتمل على لغة قريش وأهل الحجاز راجح على ما ليس كذلك. سابعها: المدني مرجح على المكي، لأن المدنيات متأخرة عن الهجرة والمكيات متقدمة إلا قليلاً والقليل يلحق بالكثير. ثامنها: يرجح الخبر الدال على علو شأن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم على ما ليس كذلك لأنه يدل على تأخيره، فإن الزيادة العظمى في علو شأنه، وظهوره، كانت في آخر أيامه وقال الإمام: إن دل الأول على علو الشأن والثاني على الضعف ظهر تقديم الأول، أما إذا لم يدل الثاني لا على القوة ولا الضعف فمن أين يجب تقديم الأول عليه؟ ورد بأن المشعر بعلو الرسول ﷺ معلوم التأخير أو مظنونه، وما لم يشعر بذلك مشكوك فيه فليرجح الأول.

стр. 1474

تاسعها: المذكور فيه الحكم مع علته مقدم على ما لم يذكر فيه علته، لأن ذكر علته يدل على الاهتمام به كحديث: ((من بدل دينه فاقتلوه)) مقدم على حديث النهي عن قتل النساء لأنه نيط الحكم فيه بوصف الردة، وهو مناسب لا يختلف مناسبته بالنسبة إلى الرجال والنساء، ولفظ النساء لا وصف فيه فأمكن حمله على الحربيات، ومن هذا القبيل أن يكون أحدهما مقروناً بمعنى ظاهر في المناسبة والآخر بخلافه. عاشرها: المتقدم فيه ذكر العلة على الحكم أقوى من المتقدم فيه الحكم على العلة، وهذا لم يذكره الأصوليون هنا بل هو من زيادات المصنف، وهو بناء على أن الأول أقوى من الثاني، وهو ما قاله الإمام في (المحصول) في الكلام على الإيماء فقال: يشبه أن يكون تقدم العلة على الحكم أقوى وفي الإشعار بالعلية من الثاني، لأن الطرد واجب في العلل دون العكس، وعكس النقشواني الأمر معترضاً على الإمام بأنه إذا تقدم الحكم تطلب نفس السامع العلة فإذا سمع وصفاً معقباً بالفاء سكنت نفسه عن الطلب وركنت إلى أن ذلك هو العلة، وأما إذا تقدم معنى لم نعلم بعد حكمه، مثل السارق والسارقة، فالنفس تطلب الحكم، فإذا صار الحكم مذكوراً فبعد ذلك قد يكتفي في العلة بما سبق إن كان شديد المناسبة، مثل: ﴿والسارق والسارقة﴾ وقد لا يكتفي بل طلب العلة بعد ذلك بطريق آخر، بأن

стр. 1475

يقول: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ تعظيماً للمعبود، وأما فيما تأخر ذكر العلة فلا يجوز ذكر علة أخرى، قال: ولو (١٤٢/ز) ذكر عد مناقضاً، فكان الإشعار بالعلية على عكس ما قاله الإمام، كيف وترتب الحكم على الوصف عند الإمام يقتضي العلة، وإن لم يكن مناسباً، ويلزمهم أن يقولوا إشعار قول القائل: أما الطوال فأكرموهم، فالعلية أقوى من: أكرموا هؤلاء فإنهم طوال، وليس كذلك، لإمكان قول القائل في الأول: لم أجعل الإكرام علة دون الثاني، وأما قول القائل: إشعار العلة بالمعلول أقوى، فهذا لا يتأتى إلا في شيء عرف كونه علة قبل الكلام، أو قبل الحكم، أما ما إذا كانت العلة فيه مستنبطة من ذلك الكلام فلا يتأتى فيه ما ذكر. حادي عاشرها: ما فيه تهديد على ما لا يكون كذلك كقوله: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم). ثاني عاشرها: ما دلالته مؤكدة على ما ليس كذلك كقوله: ((أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل, فنكاحها باطل))

стр. 1476

فإنه راجح على ما ترويه الحنفية: ((الأيم أحق بنفسها من وليها)) ولو سلم دلالته على المطلوب، وشمل كلامه ما لو استويا في إفادة الظن لكن تأكد أحدهما بدلالة سياق فهو راجح على عين المتأكد. ثالث عشرها: العام إذا ورد على سبب خاص وعارضه عام مطلق فإن تعارضا فيما عدا صورة السبب، فالعام المطلق أرجح للخلاف في تعميم الوارد على سبب صرح به أصحابنا.

стр. 1477

قال إمام الحرمين: فإن قلنا إنه عام فهو عموم ضعيف، لتعين محل النص وهو السبب، ومتى امتاز أحد الظاهرين بقوة، ترجح، قالوا: وهو كما لو أجرينا: ((من بدل دينه فاقتلوه)) على عمومه وفسرنا نهيه عن (٦١/ك) قتل النساء بالحربيات، وأما إذا تعارضا في صورة السبب، فالعام في السبب يقدم، لأنا إن قلنا: إن الوارد على سبب يختص به فظاهر، لأنه حينئذ يكون خاصاً، والخاص يقدم على العام، وإن لم نقل به فكذلك، لأن دلالته على السبب الذي ورد عليه أقوى، ولهذا لا يجوز تخصيصه بالنسبة إليه. واعلم: أن ما ذكره المصنف من التفصيل متعين، وقد أشار إليه ابن الحاجب وصرح به أصحابنا منهم: سليم الرازي في (التقريب) وشارحو لمع الشيخ أبي إسحاق ووجهوه بأن العام الذي لم يرد أدل فيما عدا صورة السبب، ولم يقف

стр. 1478

الهندي على هذا نقلاً فذكره بحثا. رابع عشرها: العام الشرطي، أي: الذي في معرض الشرط، كأي، ومن وما ـ راجح على النكرة المنفية، فإن الأول فيه معنى التعليل فيكون أدل على المقصود بما ليس بمعلل، وحينئذ فإلغاء العام الشرطي يوجب إلغاء السببية الحاصلة بالشرط، وإلغاء العام غير الشرطي لا يوجب غير إلغاء العموم مفسدة أخرى، فكان أولى لذلك، وهذا ما قطع به ابن الحاجب وغيره، ويؤيده قول (المحصول) هناك: إن عموم الأول: بالوضع، والثاني بالقرينة، وجزم الهندي هنا بتقديم النكرة المنفية على غيرها من أنواع العموم، ولم يوجهه، وقد يوجه بقوة دلالتها من جهة بعد التخصيص فيها، فإن قال: لا رجل في الدار، وكان فيها واحد، يعد خلفاً في الكلام بخلاف غيرها من أنواع العموم، فإنه بخروج واحد من أفراده لا يعد خلفا، بل يحمل على التخصيص ويجيء قول ثالث: إنهما سواء، فإن الإمام في (البرهان) هناك سوى بين العام الشرطي والنكرة المنفية في معنى العموم، وادعى القطع بأن العرب وضعتها كذلك. واعلم: أن ابن الحاجب قال: والعموم الشرطي على النكرة المنفية وغيرها، وإنما حذف المصنف غيرها، لأنه يؤخذ من طريق أولى، وقوله: وهي أن النكرة المنفية تقدم على باقي العمومات كالمعرف باللام، والمضاف وغيرها، ولهذا قيل:

стр. 1479

إن دلالة النكرة على العموم بالوضع، واتفقوا في الباقي على أنه بالقرينة وقوله: (والجمع المعرف على من وما) مراده غير الشرطيتين بأن يكونا للاستفهام ولا بد من هذا القيد وإلا لتناقض كلامه، فإنه قدم أن الشرطي أعلاها، فكيف يكون في الرتبة الثالثة؟ وحاصله أن الجمع المعرف راجح على (ما ومن) لإمكان حمل (من وما) على واحد وعدم إمكان حمل المجموع على واحد، فكان المخصوص في من وما أقرب، وقوله: (والكل) أي: الجمع المعرف، وما ومن، راجح على اسم الجنس المعرف باللام، لأن الثلاثة لا تحتمل العهد أو تحتمله على بعد، بخلاف اسم الجنس، فإنه يحتمل العهد احتمالاً قريباً، ولذلك قال أكثر المحققين: إنه لا يفيد العموم. خامس عشرها: يقدم العام الذي لم يخصص على العام الذي خص، لأن الذي دخله التخصيص صار مجازاً لإزالته عن تمام مسماه والاختلاف في حجيته بخلاف الأول، فإن حقيقة ولم يختلف في حجيته، هكذا قالوا، قال المصنف:

стр. 1480

وعندي عكسه، يعني لأنه إذا كان الغالب أن كل عام مخصص، أو أنه ما من عام إلا وقد خصص، فالعمل بالمخصوص أولى، لأنه التحق بالغالب، فاطمأنت إليه النفس، ولم تنتظر بعده تطرق التخصيص إليه، بخلاف الباقي على عمومه فإن النفس لا تستيقن ذلك وهذا الاحتمال سبقه إليه الهندي فمال إلى العكس، قال لأن الخصوص راجح من حيث كونه خاصاً بالنسبة إلى ذلك العام الذي لم يدخله التخصيص، والخاص أولى من العام، فكان ما دخله التخصيص أولى.

стр. 1481

سادس عشرها: ما قل تخصيصه على ما كثر، وينبغي أن يجيء فيه الاحتمال السابق. سابع عشرها: دلالة الاقتضاء راجحة على دلالة الإشارة لترجيحها بقصد المتكلم، وعلى دلالة الإيماء لتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به فيه بخلاف الإيماء وقوله: (ويرجحان) أي: دلالة الإشارة والإيماء على دلالة المفهومين، أي: مفهوم الموافقة والمخالفة أما مفهوم المخالفة فللاتفاق على دلالة الاقتضاء والخلف في المخالفة، وأما في الموافقة فلجواز أن لا يكون المسكوت أولى أو مساويا، وقول المصنف: (المفهومين) أوضح من قول ابن الحاجب: المفهوم.

стр. 1482

ثامن عشرها: إذا كان أحدهما يدل بمفهوم الموافقة والآخر بمفهوم المخالفة، فالأول مقدم على الثاني، لأن الأول متفق عليه والثاني مختلف فيه، منهم من يرجح مفهوم المخالفة، واختاره الهندي، لأن فائدته تأسيسه بخلاف مفهوم الموافقة فإنه للتأكيد. (ص): والناقل عن الأصل عند الجمهور، والمثبت على النافي (١٤٣/ز) وثالثها: سواء، ورابعها: إلا في الطلاق والعتاق، والنهي على الأمر، والأمر على الإباحة، والخبر على الأمر والنهي، وخبر الحظر على الإباحة، وثالثها: سواء، والوجوب والكراهة على الندب، والندب على المباح في الأصح، ونافي الحد، خلافاً لقوم والمعقول معناه، والوضعي على التكليفي في الأصح. (ش): الترجيح باعتبار مدلول الخبر يقع بأمور: أحدها: كون أحدهما مقرراً لحكم الأصل، والآخر ناقل، فالجمهور على أنه يجب ترجيح الناقل: لأنه يفيد حكماً شرعياً ليس في الآخر كحديث: ((من مس ذكره فليتوضأ)) مع حديث ((هل هو إلا بضعة منك)) وذهب الإمام والبيضاوي وغيرهما إلى ترجيح المقرر، لأن حمل الحديث على ما لا يستفاد إلا

стр. 1483

من الشرع أولى من حمله على ما يستقل العقل بمعرفته، والتحقيق أنه إن تقرر حكم الناقل مدة في الشرع عند المجتهد، وعمل بموجبه ثم نقل له المقرر، وجهل التاريخ فههنا يرجح المقرر، لتضمنه العمل بالخبرين بالناقل في زمان والمقرر بعد ذلك، وإن كان الثابت بمقتضى البراءة الأصلية، ونقل الخبران، فههنا يتعارضان ويرجع إلى البراءة الأصلية، على أن القاضي عبد الجبار قال: إن تقديم الناقل أو المقرر على الخلاف ليس من باب الترجيح بل من النسخ لكنه ضعيف، وإلا لم يصح رفعه إلا بما يصح رفع الحكم الشرعي. ثانيها: كون أحدهما مثبتاً والآخر نافيا، وهما شرعيان، كخبر بلال وأسامة في الصلاة في الكعبة،

стр. 1484

فالمثبت مقدم على النافي عند الفقهاء لزيادة علمه، وعكس قوم، وقال القاضي عبد الجبار: يتساويا، لأن المثبت إن كان معه زيادة علم، فالنافي يعتضد بالأصل فتعارضا، ورابعها: يقدم النافي إلا في الطلاق والعتاق، وهذا أخذه المصنف من قول ابن الحاجب: إن الخبر الموجب للطلاق والعتاق راجح على المزيل لهما، لموافقته النفي الأصلي، قال: وقد يعكس فيقدم (٦٢/ك) النافي للطلاق والعتق، وهو رأي قوم: ويجيء من كلام (المستصفى) مذهب خامس: أنهما لا يتعارضان لامتناع التعارض بين الفعلين لاحتمال وقوعهما في حالين فلا يكون بينهما تعارض، وإنما قيدت المسألة بالشرعي، لأن النفي الأصلي هو عين المسألة السابقة في الناقل والمقرر. ثالثها: كون أحدهما أمراً والآخر نهياً، فالنهي أولى، لأن طلب الترك فيه أشد من طلب الفعل في الأمر، ولهذا قال كثير من المحققين ـ ممن قال الأمر لا يفيد

стр. 1485

التكرار أن النهي يفيده. رابعها: كون أحدهما أمراً والآخر مبيحاً فالأمر أولى، لأنه أحوط، ولأن فيه حمل كلام الشرع على الحكم التكليفي، فإن المباح لا تكليف فيه، وقيل: المبيح أولى ورجحه الهندي، لأنه لو رجح الأمر لزم منه تعطيل المبيح بالكلية، وترجيح المبيح فيه تأويل الأمر بصرفه عن ظاهره، والتأويل أولى من التعطيل. خامسها: كون أحدهما أمراً والآخر خبراً، فالخبر أولى، لأن دلالته على الثبوت والتحقيق أقوى من دلالة غيره عليه، ولأنه لو لم يقل به لزم الخلف في خبر الشارع، وبه يعلم أن صورة المسألة في الخبر المحض ليخرج ما صيغته خبر ومعناه فكالأمرين.

стр. 1486

سادسها: كون أحدهما خبراً والآخر نهياً لما سبق. سابعها: خبر الحظر على الإباحة للاحتياط وقيل العكس، لأنهما حكمان شرعيان، وفي ثالث: يستويان، ورجحه في (المستصفى)، وحكاه الهندي عن أبي هاشم وعيسى بن أبان. ثامنها: كون أحدهما يقتضي الوجوب، والآخر الندب فالوجوب أولى لما ذكرنا. تاسعاً: كون أحدهما يقتضي الكراهة والآخر الندب، فالكراهة أولى لما ذكرها. عاشرها: كون أحدهما يقتضي الندب والآخر يقتضي الإباحة، فالندب أولى، قال الهندي: ويمكن أن نرجح الإباحة بكونه متأيداً بالأصل في جانب الفعل والترك وبكونه أعم وأسهل من حيث إنه مفوض إلى خيرة المكلف، ومن حيث إنه لا

стр. 1487

احتمال في الصيغة الدالة عليه، بخلاف الندب فإنه يثبت بصيغة الأمر، وفيها الاحتمال، ولهذا الاحتمال عبر المصنف بالأصح. حادي عاشرها: النافي للحد على الموجب له، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وفي وجه لأصحابنا أنهما سواء، ورجحه الغزالي، لأن الشبهة تؤثر في ثبوته شرعاً، ألا ترى أنه يثبت بخبر الواحد والقياس مع الشبهة فيهما ولأن الحد إنما يسقط بالشبهة إذا كانت في نفس الفعل يبيحه قوم ويحظره قوم، كالوطء في نكاح بلا ولي وليس هنا اختلاف في نفس الفعل، وإنما تعارض الخبران فيه فكانا سواء، وقد يظن أن الخلاف لفظي، فإن القائل بالتساوي يؤول قوله لتقديم النافي، فإنهما يتعارضان فتساقطا ويرجع إلى غيرهما إن كان هناك دليل شرعي، وإلا بقي الأمر على الأصل، فيلزم نفي الحد، والصواب أنه معنوي، فإن الأول يقول: نفي الحد بالحكم الشرعي، والآخر يقول: بالبقاء على العدل الأصلي.

стр. 1488

ثاني عاشرها: كون أحدهما يثبت حكماً معقول المعنى والآخر غير معقول، فالأول أولى، لأن انقياد المكلف له أكثر فيكون أسرع إلى القبول، وأفضى إلى الوقوع، فيكون حصول مقصود الشارع أتم، ولأنه أكثر فائدة، لأنه يلحق علته بالقياس بخلاف غير المعقول. ثالث عاشرها: المثبت للحكم الوضعي أولى من المثبت للحكم التكليفي، لأن الوضعي لا يتوقف على ما يتوقف عليه التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه وتمكنه من الفعل، فكان أولى، وقيل: بالعكس، حكاه الهندي، لأنه مقصود بالذات ولأنه الأكثر من الأحكام فكان أولى. (ص): والموافق دليلا آخر، وكذا مرسلاً أو صحابياً أو أهل المدينة أو الأكثر في الأصح، وثالثها: في موافق الصحابي إن كان حيث ميزه النص كزيد في الفرائض، ورابعها: إن كان أحد الشيخين مطلقاً، وقيل إلا أن يخالفهما معاذ في الحلال والحرام، أو زيد في الفرائض ونحوهما، قال الشافعي ﵁: وموافقة زيد في الفرائض فمعاذ فعلي، ومعاذ في أحكام غير الفرائض فعلي: (ش): ترجيح الخبر بالأمور الخارجية يقع بأمور: أحدها: بموافقة أحدهما لدليل آخر من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، والآخر غير موافق، فالموافق أولى ولهذا قدمنا حديث عائشة ﵂ في

стр. 1489

التغليس على حديث رافع في الإسفار لموافقته قوله تعالى: ﴿حافظوا على (١٤٤/ ز) الصلوات﴾ ومن المحافظة: إيقاعها أول الوقت. ثانيها: موافقة أحدهما لخبر مرسل وإن لم يقل بحجيته، لأن التعاضد أقوى

стр. 1490

في النفس، ولهذا عمل الشافعي ﵁ بالمرسل إذا عضده مرسل، وألحق به الغزالي ما إذا عضده خبر مردود عنده لكن قال به بعض العلماء، قال: فهذا مرجح لكن بشرط أن لا يكون قاطعاً ببطلان مذهب القائلين به، بل يرى ذلك في محل الاجتهاد. ثالثها: بموافقته لقول صحابي، أي: لم ينتشر، فإن انتشر وسكت عليه الآخرون، وقلنا إنه إجماع ـ صار قاطعاً وسقط الظن في مقابلته، وفيه خلاف سنذكره. رابعها: بموافقته لعمل أهل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وإن لم يقل إن إجماعهم حجة كما قدمنا رواية (إفراد الإقامة) على رواية

стр. 1491

أبي محذورة تعليمه الإقامة سبع عشرة كلمة على أنه صح عن أبي محذورة وأولاده دوام إفراد الإقامة، قال البيهقي: وهو يضعف رواية شفعها أو يدل على أن الأمر صار إلى إفرادها، وذكر إلكيا الطبري هذا الترجيح بالنسبة للرواية، فقال: حديث ينقل بمكة وآخر ينقل بالمدينة، تقدم رواية المدينة من حيث إن الهجرة تراخت، وإن اتفقت له غزوات إلى مكة. خامسها: بموافقة الأكثر إذا كان الآخر لا يجوز خفاؤه عليهم، لأن الأكثر يوفق للصواب ما لا يوفق له الأقل، هذا ما جزم به كثيرون، ومنع آخرون منهم الغزالي من حصول الترجيح به، لأنه لا حجة في قول الأكثر، ولو شاع الترجيح بمذهب بعض المجتهدين لانسد باب الاجتهاد على البعض الآخر، والتحقيق أنه إن لم يكن في مقابلة الأكثر إلا شذوذ رجح به لأنه إجماع على أحد القولين، بل هو من باب تقديم الدليل على ما ليس بدليل إن قلنا بحجيته، وإن ينته إلى هذه الحالة فلا ترجيح بالكثرة وفي موافقة الصحابي مذاهب. أحدها: يرجح به كما سبق. والثاني: لا، بناء على عدم حجيته.

стр. 1492

والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك الصحابي ممن شهد له الشرع بمزية المدرك في ذلك الفن أم لا، فإن لم يشهد له الشرع كان قوله كقول غيره من الأئمة وإن شهد له كزيد (٦٣/ك) في الفرائض رجح به، ونسبه إمام الحرمين للشافعي ﵁. والرابع: يرجح بموافقة أحد الشيخين أبي بكر أو عمر ﵄. والخامس: يرجح بعمل أحد الشيخين إلا أن يخالفهما معاذ في الحلال والحرام أو زيد في الفرائض ونحوها، وهو أقرب من الثالث، فإن المأخذ تمييزهما بالنص وأصحاب القول الرابع يقولون: قوله ﷺ : ((أفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأقضاكم علي)) خطاب شفاهي لمخاطبين لم يكن فيهم أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ﵃ فلم يدخلوا فيه، فلم يلزم كون من ذكر أرجح من الثلاثة فيما ذكر، وهذا هو الظاهر، قال الشافعي ﵁ وإذا كان نصان أحدهما أعم أخذ بالأخص فالنص على أن زيداً أفرض أخص من النص على أن معاذاً أعلم بالحلال والحرام، فيرجح قول زيد في الفرائض على معاذ، ومعاذ على علي وعلي على غيره، لأنه جاء: ((أفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم علي)) والقضاء أعم من الكل، فالشهادة لزيد أخص من الجميع وبعده معاذ وبعدهما علي، فهي ثلاث مراتب، هكذا حكاه إمام الحرمين عن الشافعي ﵁، ثم قال: فإن اعتضد بقول الشيخين ﵄ فهي مرتبة رابعة أعم من الشهادة لعلي ﵁ لاحتمال أن يكون إنما أشار إلى الخلافة، وإبداء الطاعة لهما، قال: ثم قال: الشافعي ﵁: قول علي

стр. 1493

رضي الله عنه في القضاء كقول زيد في الفرائض، وقول معاذ في التحليل والتحريم ـ في غير الفرائض ـ كقول زيد في الفرائض، والحاصل: أنه في غير الفرائض يرجح معاذ ثم علي، وهو راجع إلى المقصود من خصوص الشهادة وعمومها فإن الشهادة لعلي ﵁ أعم من الشهادة لزيد ﵁ إذ الحلال والحرام يكون في المواريث وغيرها، ـ والشهادة لزيد في الفرائض أخض الشهادات، فإذا عارض قول علي ﵁ قول معاذ ﵁ في الحلال والحرام، قدم قول معاذ، وإذا عارض قول معاذ في الفرائض قول زيد قدم قول زيد، وإذا عارض قول معاذ قول علي ﵁ في القضاء في غير الفرائض قدم قول علي ﵁ وإذا عارض قول معاذ في الحلال والحرام قول زيد في غير الفرائض قدم قول معاذ. (ص): والإجماع على النص، وإجماع الصحابة ﵃ على غيرهم، وإجماع الكل على ما خالف فيه العوام، والمنقرض عصره، وما لم يسبق بخلاف على غيرهما. (ش): هذه المسائل في ترجيح بعض الإجماعات على بعض، وقدم أولاً أنه يرجح الإجماع على النص كتاباً كان، أو سنة متواترة، لأن النسخ مأمون فيه، وإذا تعارض إجماعان قدم المتقدم منهما على ما بعده كالصحابة على التابعين، والتابعين على تابعيهم، وهكذا، لأنهم أعلى رتبة وأقرب إلى زمن النبي ﷺ المشهود لهم بالخيرية، ثم ذكر أن الإجماع المتفق عليه أولى من

стр. 1494

المختلف فيه، فعلى هذا: الإجماع المشتمل على قول كل الأمة من المجتهدين والعوام أولى من الإجماع الذي يشتمل على قول المجتهدين فقط، ولك أن تقول: هذا يخالف ما قرره المصنف في باب الإجماع أنه لم يخالف أحد في عدم اعتبار قول العامة، وإجماع المنقرض عصرهم على من لم ينقرض للاتفاق على حجية الأول بخلاف الثاني، وكذا إجماع من لم يسبق بخلاف على المسبوق، للخلاف فيه، وبخط المصنف على الحاشية وقيل: المسبوق أولى، وقيل: سواء، ومنه يعرف الترجيح في بقية الإجماعات، قال الهندي ـ متابعاً لابن الحاجب ـ: واعلم أن هذه المسألة لا تتصور في الإجماعين القاطعين، لأنه لا ترجيح بين القاطعين، ولأنه لا يتصور التعارض بينهما وإنما يتصور في الظنيين، وما قالاه

стр. 1495

ممنوع، فإن تعارض الإجماعين في نفس الأمر مستحيل، سواء كانا ظنيين أم قطعيين، وظن تعارض الإجماعين ممكن، سواء كانا في القطعي أم في الظني. (ص): والأصح تساوي المتواترين من كتاب أو سنة (١٤٥/ز)، وثالثها السنة، لقوله : ﴿لتبين﴾. (ش): في تعارض المتواترين من كتاب أو سنة، وهما في الدلالة على رتبة واحدة، مذاهب: ـ أصحها: تساويهما، لأن الكل من عند الله. والثاني: تقدم الكتاب فإنه المنقول عن عمل الصحابة. والثالث: تقدم السنة، لقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ وحكى إمام الحرمين الأقوال ورجح الأول وضعف الثاني بالتعذر، والثالث بأنه ليس الخلاف في السنة المفسرة، وإنما الخلاف في السنة المعارضة، وهو جواب صحيح، وإنما قيد المصنف المتواتر من كتاب أو سنة، ليخرج المتواتر من سنته، فإنما يتساويان قطعاً. (ص): ويرجح القياس بقوة دليل حكم الأصل، وكونه على سنن القياس، أي: فرعه من جنس أصله.

стр. 1496

هذا باب تراجيح الأقيسة وهو الغرض الأعظم من باب التراجيح وفيه اتساع الاجتهاد وهو يقع بأربعة أشياء، وهي: أصله، وفرعه، والعلة، وخارج عن ذلك. الأول: بحسب حكم الأصل، وذكر فيه قسمين، أحدهما: بحسب قوة دليله، وهو يشمل صوراً، منهما: أن يكون أحد القياسين دليله مقطوع به والآخر بخلافه، فالقطعي أولى، ومنها: كون أحدهما دليله نطق والآخر مفهوم، فما عرف بالنطق أولى فيكون المتفرع منه أقوى، ومنها: أن دليل أحدهما عموماً لم يخص والآخر عموماً مخصص، فما لم يدخله التخصيص أولى كما سبق، ومنها: أن يكون أصل إحدى العلتين قد نص بالقياس عليه وأصل الآخر لم ينص بالقياس عليه، فما ورد النص بالقياس عليه أولى، ومنها: أن يثبت حكم أصل أحدهما. القسم الثاني: القياس الذي حكم أصله غير معدول به عن سنن القياس ـ راجح على الذي حكم أصله معدول عنه، والمراد بكونه على سنن القياس أن يكون أصل أحدهما من جنس الفرع المتنازع فيه دون أصل الآخر، فيرجح ما هو من جنسه، لأنه على سننه، صرح به القاضيان: أبو الطيب، والماوردي، والشيخ أبو

стр. 1497

إسحاق وابن السمعاني وغيرهم مثل قياسنا ما دون أرش الموضحة في تحمل العاقلة إياه، فهو أولى من قياسهم ذلك على غرامات الأموال في إسقاط التحمل، لأن الموضحة من جنس ما اختلف فيه فكان على سننه، والجنس بالجنس أشبه، كما تقول: قياس الطهارة على الطهارة أولى من قياسها على ستر العورة. قلت: وإنما احتاج المصنف لهذا التفسير، لأن من شرط الأصل أن لا يكون مخالفاً لسنن القياس. (ص): والقطع بالعلة أو الظن الأغلب، وكون مسلكها أقوى، وذات أصلين على ذات أصل، وقيل: لا ـ وذاتية على حكمية، وعكس السمعاني (٦٤/ك)، لأن الحكم بالحكم أشبه، وكونها أقل أوصافاً، وقيل عكسه، والمقتضية احتياطاً في الفرض وعامة الأصل، والمتفق على تعليل أصلها، والموافقة الأصول على موافقة أصل واحد، قيل: والموافقة علة أخرى إن جوز علتان، وما ثبتت علته بالإجماع فالنص القطعيين، فالظنيين، فالإيماء، فالسبر، فالمناسبة، فالشبه، فالدوران، وقيل: النص فالإجماع، وقيل: الدوران فالمناسبة وما قبلها وما بعدها وقياس المعنى على الدلالة، وغير المركب عليه إن قبل، وعكس الأستاذ، والوصف الحقيقي، فالعرفي، فالشرعي الوجودي، فالعدمي البسيط،

стр. 1498

فالمركب، والباعثة على الأمارة، والمطردة المنعكسة، ثم المطردة فقط على المنعكسة فقط، وفي المتعدية والقاصرة أقوال، ثالثها: سواء، وفي الأكثر فروعاً قولان. (ش): الثاني يعود إلى علة حكم الأصل ويقع بأمور. أحدها: أن يكون بالقطع بالعلة، أي: يكون وجود علة أحد القياسين مقطوعاً به بخلاف علة الآخر، فما وجود علته في أصله قطعي أولى، لكونه أغلب على الظن بصحة القياس، وكذلك ما يكون وجود العلتين في أصل القياس ظنياً ولكن وجودها في أصل أحد القياسين أغلب على الظن من وجود العلة الأخرى في أصل القياس الآخر فالأغلب على الظن أولى. ثانيها: يرجح القياس الذي مسلك علته قطعي، من إجماع أو نص، دال على علته، على القياس الذي مسلك علته ظني. ثالثها: أن تكون إحدى العلتين مردودة إلى أصل واحد، والأخرى مردودة إلى أصول أو أصلين، فذات الأصلين أولى، ومن أصحابنا من قال: هما سواء، قال ابن السمعاني: والأول أصح، لأن ما كثرت أصوله كان أولى، وحكاه في (المستصفى) عن قوم، ثم قال: وهذا يظهر إن كان طريق الاستنباط مختلفاً، فإن كان مساوياً فهو ضعيف، ولا يبعد أن يقوى ظن مجتهد فيه، ويكون كثرة

стр. 1499

الأصول ككثرة الرواة للخبر، مثاله: إذا تنازعا في أن يد السوم لم يوجب الضمان، فقال الشافعي ﵁ علته أنه أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق وعداه إلى المستعير، وقال الخصم: بل علته أنه أخذ ليتملك فيشهد لعلة الشافعي ﵁ يد الغصب، ويد المستعير من الغاصب، ولا يشهد لعلة أبي حنيفة ﵀ إلا يد الرهن، ولا يبعد أن يغلب رجحان علة الشافعي ﵁ عند مجتهد ويكون كل أصله كأنه شاهد آخر، وكذلك الربا إذا علل بالطعم يشهد له الملح، وإذا علل بالقوت لم يشهد، فلا يبعد أن يكون من المرجحات، فحصل أربعة مذاهب، رابعها: إن اختلف مسلك التعليل في كل أصل رجح به، وإن اتحد مرجع الأصول فلا. رابعها: أن تكون إحداهما صفة ذاتية والأخرى صفة حكمية، فالذاتية أولى، لأنها ألزم وقيل: الحكمية، وصححه ابن السمعاني، لأن الحكم بالحكم أشبه فيكون الدليل عليه أولى، وفي (المستصفى): إذا كان إحدى العلتين حكماً ككونه حراماً أو نجساً، والآخر حسياً ككونه قوتاً أو مسكراً، زعموا أن رد الحكم إلى الحكم أولى حتى إن تعليل الحكم بالرق والحرية أولى من تعليله بالتمييز والعقل، وتعليله بالتكليف أولى من تعليله بالإنسانية، وهذا من المرجحات الضعيفة. انتهى.

стр. 1500

خامسها: أن تكون إحداهما أقل أوصافاً والأخرى أكثر أوصافاً، فالقليلة أولى، لأنها أسلم، وقيل: الكثيرة أولى، لأنها أكثر شبهاً بالأصل. سادسها: أن تكون إحداهما تقتضي احتياطاً في الغرض والأخرى لا تقتضيه، فالأولى أولى، لأنها أكثر شبهاً بالأصل وهذا ذكره ابن السمعاني في (القواطع) وبخط المصنف الفرض (بالفاء) وإنما ذكره ابن السمعاني: الغرض بالغين المعجمة. سابعها: أن تكون إحداهما تعم حكم أصلها والأخرى تخص حكم أصلها، كتعليل الربا في البر بالطعم بعد ثبوت الربا في جميع البر قليله وكثيره، وتعليله بالكيل ينفيه ثبوت الربا فيما لا يكال من البر، وهو القليل، فيترجح التعليل بالطعم، لأنه عم حكم أصله، على التعليل بالكيل، لأنه خص حكم أصله. ثامنها: أن تكون إحداهما مأخوذة من أصل متفق على تعليله والأخرى من

стр. 1501

أصل مختلف في تعليله، فالأولى أولى. تاسعها: أن تكون علة إحداهما على وفق (١٤٦/ز) الأصول الممهدة في الشريعة دون الأخرى فترجح الأولى لشهادة كل واحد من تلك الأصول لاعتبار تلك العلة، وقوله: (قيل والموافقة) يشير إلى خلاف حكاه ابن السمعاني أن انضمام علة إلى علة أخرى يوجب رجحان تلك العلة أي: إن جوزنا التعليل بعلتين، قال: والأصح أنها لا تترجح بذلك، لأن الشيء لا يتقوى إلا بصفة توجد في ذاته، أما بانضمام غيره إليه فلا تقوي الدليل علة المحسوسات، فكذلك العلل لا يتصور تقويتها بانضمام علة أخرى إليها، وإنما تتقوى بوجود صفة فيها، ولهذا قلنا: إن الشهادة لا تترجح بكثرة العدد. عاشرها: ما ثبت علته بالنص، لأن النقل يقبل النسخ، والتخصيص، والتأويل، بخلاف الإجماع، وهذا ما نقله الإمام في (المحصول)، ثم قال: ويمكن أن يقدم النص على الإجماع، لأن الإجماع فرع عن النص يتوقف ثبوته على الأدلة القطعية، والأصل تقدم الفرع على علته، وعلى هذا جرى صاحب (الحاصل) و (المنهاج) وقوله: (والقطعي) أي: إذا استوى الإجماع والنص في القطع في المتن والدلالة، كان ما دليله الإجماع راجحاً لما ذكرنا، ودونهما إذا كانا ظنيين

стр. 1502

بأن كان أحدهما نصاً ظنياً والآخر إجماعاً ظنياً، فما كان دليله الإجماع راجحاً أيضاً، لما ذكره أن الدليل القطعي يقبل النسخ والتخصيص بخلاف الإجماع، قال الهندي: وهذا صحيح بشرط التساوي في الدلالة، فأما إذا اختلفا في ذلك فالحق أنه يتبع فيه الاجتهاد، فما تكون إفادته للظن أكثر فهو أولى، فإن الإجماع وإن لم يقبل النسخ والتخصيص، لكن ربما تضعف دلالته على المطلوب بالنسبة إلى الدلالة القطعية، فقد ينجبر النقص بالزيادة وقد لا ينجبر، فيتبع فيه الاجتهاد. حادي عشرها: ما ظهرت علته بالإيماء راجح على ما ظهرت علته بالطرق العقلية، لاستناد الظن فيه إلى سبب خاص، هذا إن (٦٥/ك) لم يشترط المناسبة في الوصف المومئ إليه، فإن شرطناه فاللائق به ترجيح بعض الطرق العقلية عليه كالمناسبة لاستقلالها بإثبات العلية، بخلاف الإيماء، والإمام نقل اتفاق الجمهور على تقديم الإيماء على غيره مطلقاً من غير فصل، ثم قال: وفيه نظر، لأن الإيماء لم يوجد فيه لفظ يدل على العلية فلا بد وأن يكون الدال على عليته أمر آخر سوى اللفظ، وهو إما المناسبة، أو الدوران، أو السبر، وإذا ثبت أن الإيماء لا يدل إلا بواسطة أحد هذه الثلاثة كانت هي الأصل، والأصل ـ لا محالة أقوى ـ من الفرع، فكان كل واحد من هذه الثلاثة أقوى من الإيماء.

стр. 1503

ثاني عشرها: يرجح ما ثبت علية وصفه بالسبر على ما ثبتت علته بالمناسبة، لإفادته لظن العلية ونفي المعارض، بخلاف المناسبة، فإنها لا تدل على نفي المعارض، وهذا ما اختاره الآمدي وابن الحاجب، ومنهم من قدم المناسبة، والخلاف في غير المقطوع به فإن العمل بالمقطوع متعين وليس من قبيل الترجيح، وإنما النزاع في السبر الذي بعض مقدماته قطعي أكثر من الظن الحاصل بالمناسبة، فهو أولى، وإلا فهما متساويان أو المناسبة أولى. ثالث عشرها: المناسبة تقدم على النسبة، قال إمام الحرمين: وأدنى المعاني في المناسبة يرجع على أعلى الأشباه. رابع عشرها: يرجح الثابت علية وصفه بالشبه على الثابت علية وصفه بالدوران لضعف الظن في الدوران، كذا جزم به المصنف، لكن ذكر إمام الحرمين في كلامه على ترتيب الأقيسة أن ما ثبت بالطرد والعكس، مقدم على غيره من الأشباه لجريانه مجرى الألفاظ ويجوز أن يحمل قوله فالدوران ما ثبتت علته

стр. 1504

بالدوران مقدم على ما ثبتت علته بالطرد، إن قلنا إنه من المسالك وقوله: (وقيل النص فالإجماع) هو قول البيضاوي وقد سبق في الحادي عشر، وقوله: (وقيل الدوران فالمناسبة) أي: قدم بعضهم الدوران على المناسبة، محتجاً بأن المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية، وهذا ضعيف فإن العلل الشرعية أمارات، والعقلية عند القائل بها موجبة، فلا يمكن اعتبار هذه بتلك. خامس عشرها: يقدم قياس المعنى على قياس الدلالة وهذا يرجع إلى تقديم المناسبة على الشبه. سادس عشرها: يقدم غير المركب على المركب للاختلاف فيه، كما سبق في شروط حكم الأصل، ولهذا قال المصنف: (إن قبل) لأنه رجح هناك أن مركب الأصل ومركب الوصف لا يقبلان، وعكس الأستاذ، وقال إمام الحرمين: وهو من أكبر المركبين للمركب. سابع عشرها: يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة

стр. 1505

الحكمة على غيره، ولهذا أطلقه، فشمل تقديمه على القياس المعلل بنفس الحكمة للإجماع من القياسين على صحة التعليل بالمظنة، فيرجح التعليل بالسفر الذي هو مظنة المشقة على التعليل بنفس المشقة، وعلى القياس المعلل فيه بوصف اعتباري، أو وصف حكمي كقولنا في المني: مبتدأ خلق بشر، فأشبه الطين، مع قولهم: مانع يوجب الغسل فأشبه الحيض. ثامن عشرها: يقدم التعليل بالوصف العرفي على الوصف الشرعي، لأن العلة الشرعية بمعنى الأمارة، والعرفي مناسب. تاسع عشرها: يرجح الوجودي على العدمي، كقولنا في السفرجل: مطعوم، فكان ربوياً كالبر، مع قولهم ليس بمكيل ولا موزون، وهذا إذا كان الحكم وجودياً والعلة وجودية فإنه يرجح على ما كانا عدميين كما مثلناه، وعلى ما إذا كان أحدهما عدمياً، أما إذا كان الحكم عدمياً والعلة ثبوتية أو العكس فقال الإمام الرازي وأتباعه: إنه مرجوح بالنسبة إلى ما إذا كانا عدميين، واعتلوا بالمشابهة بين التعليل بالعدمي والعدمي. العشرون: يقدم التعليل بالبسيط على التعليل بالمركب، لأن البسيطة تكثر

стр. 1506

فروعها وفوائدها، وهذا ما عليه الجدليون، واختاره البيضاوي، وقيل: بترجيح المركبة، وقيل: هما سواء، وفي (التلخيص) لإمام الحرمين: قال القاضي: ولعله الصحيح، وقال في (البرهان): قدم بعضهم البسيطة على المركبة، لكثرة فروعها ولقلة الاجتهاد فيها، وهو باطل، فإن إطلاق القول بأن الوصف الواحد أكثر فروعاً لا يصح (١٤٧/ز) فقد يكون أقل وقد يكون قاصراً، نعم، إن فرضنا من أصل واحد فالمفردة أكثر فروعاً وينبني على التعليل بعلتين. الحادي والعشرون: يقدم القياس الذي علته بمعنى الباعثة على الذي علته بمعنى الأمارة، لأن قبول الطاعة عليه أسرع، كذا ذكره ابن الحاجب قال المصنف في شرحه: (ولقائل أن يقول: العلة أبداً إما بمعنى الباعث، أو الأمارة، أو المؤثر، على ما سبق الخلاف فيه، أما القول بأنها تارة بمعنى الباعث وتارة بمعنى الأمارة، فلم يقل به أحد، وكأن مراده أن ذات التأثير والتخيل أرجح من التي لا يظهر لها معنى قلت: مراده: يرجح بالجامع الباعث على ما الجامع الأمارة للاتفاق على صحة التعليل بالوصف الباعث والخلاف في الأمارة، وهذا نظير ما لو كان إحداهما اسماً والأخرى وصفاً، فالصفة أولى من الاسم، لأن الأصح أن الاسم

стр. 1507

لا يجوز أن يكون علة. قاله ابن السمعاني. الثاني والعشرون: تقدم المطردة المنعكسة على التي لا تنعكس، لأن الأولى أغلب على الظن. الثالث والعشرون: يقدم ما تكون العلة فيه مطردة فقط ـ أي: غير منعكسة ـ على ما تكون العلة فيه منعكسة فقط، أي: غير مطردة، لأن اعتبار الاطراد متفق عليه بخلاف الانعكاس. الرابع والعشرون: رجح قوم العلة المتعدية على القاصرة، وعكس آخرون منهم الأستاذ، وذهب القاضي إلى أنه لا ترجيح بقصور ولا تعدية، واختاره ابن السمعاني، وحكى الأقوال الثلاثة إمام الحرمين وهي عنده لا تقع، لأنها من باب اجتماع علتين لحكم، ومن قال بوقوع ذلك فلا حاجة إلى الترجيح عنده إذ يقول بهما، وأما من لا يرى اجتماع العلتين فجمهورهم على ترجيح المتعدية لإفادتها، واحتج من رجح القاصرة بشهادة (٦٦/ك) النص لها في جميع مواردها، فالتمسك بها أمن من الخطأ، ومنع القاضي ترجيح المتعدية بالفائدة، وقال: لا ترجيح

стр. 1508

بالفائدة وإنما ينشأ الترجيح من مثار دليل صحتها، وعدم الفائدة لا تبطلها ولا يقدح في عليتها وهو قبحه، واختار الإمام ترجيح المتعدية لو وقع ذلك، قال: لوجداننا في الفرع وصفاً مناسباً مستنداً إلى أصل، ومال الغزالي إلى ترجيح القاصرة فإنها أوفق للنص، قال وترجيح المتعدية ضعيف عند من لا يفسد القاصرة لا بكثرة الفروع بل وجود أصل الفروع لا تبين قوة في ذات العلة قلت: ولو رجح المتعدية بأنها متفق عليها والقاصرة مختلف فيها لم يبعد. الخامس والعشرون: إذا كان إحداهما أكثر فروعاً والأخرى قليلة، ففي ترجيح إحداهما على الأخرى قولان، ومن رجح المتعدية رجح الكثيرة الفروع على القليلة، واختاره الإمام على أصله السابق في أنا متى وجدنا في بعض الفروع معنى صحيحاً مستنداً إلى أصل، فلا يترك لعدم غيره، وإذا رجحنا بكثرة الفروع فإذا كانت القليلة الفروع لها نظائر تساوي في عدتها كثرة الفروع فهل تقوم كثرة النظائر مقام كثرة الفروع؟ فيه نظر، وقد عقد الإمام لها مسألة.

стр. 1509

(ص): والأعرف من الحدود السمعية على الأخفي، والذاتي على العرضي والصريح والأعم، وموافقة نقل السمع واللغة، ورجحان طريق اكتسابه. (ش): لما انتهى من وجوه الترجيح في الأدلة ختم بالترجيح في الحدود، وهي إما عقلية كتعريف الماهيات، وإما سمعية لثبوتها من الأحكام، وهو المقصود هنا، وهو إما باعتبار اللفظ، أو بحسب أمر خارج، فالأول يترجح الحد بمعرف أعرف عند السامع على الحد بمعرف أخفى، لأن الأول أفضى إلى مقصود التعريف من الثاني، ويترجح الحد بالذاتي على الحد بالعرضي، لأن الأول يوجب تصور كونه المطلوب بخلاف الثاني ويرجح بالألفاظ الصريحة على غيرها، وبكون أحدهما أعم على الآخر لفائدته المتكثرة، وقيل يرجح الأخص للاتفاق على ثبوت مدلوله الأخص، والاختلاف في ثبوت مدلول الأعم من الزيادة، ومدلوله متفق عليه أولى من المختلف فيه. والثاني: يرجح الحد الموافق للنقل الشرعي أو اللغوي على غير الموافق لهما،

стр. 1510

لأنه أغلب على الظن صحته من غيرها، ويرجح الحد برجحان طريق اكتسابه على الحد الذي يكون طريق اكتسابه مرجوحاً بأن كان طريق أحدهما قطعياً والآخر ظنياً، وإنما يترجح أحدهما على الآخر بهذا الطريق، لأن الحد السمعي لما كان متلقى من النقل، وطريق النقل قابلة للقوة والضعف جرى الترجيح فيه بحسب ترجيح الطرق بعضها على بعض. (ص): والمرجحات لا تنحصر، ومثارها غلبة الظن وسبق كثير فلم نعده. (ش): يشير إلى تقديم بعض أنواع المفاهيم على بعض، وسبق في بحث المفهوم، وإلى تقديم الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي، وسبق في بحث الحقيقة، وإلى تعارض ما يخل بالفهم كالمجاز والاشتراك، وإلى تعارض القول والفعل، وسبق في بحث السنة، وإلى دخول الفاء في كلام الشارع أو الراوي الفقيه وغيره، وسبق في مسالك العلة، وإلى تقديم بعض أنواع المناسب على بعض، وسبق في فصل المناسبة وغير ذلك.
следующие страницы →