Полный текст (1 929 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أصحابنا، أنه إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها ثمَّ نسيها، طلاقاً رجعياً، أنه لا يحال بينه وبين وطئهن، وله وطء أيتهن شاء، وإذا وطئ واحدة انصرف الطلاق إلى صاحبتيها، ولا حاجة لنقله عن ابن هبيرة، ففي الرافعي في باب الشك في الطلاق عن صاحب (الشامل) وغيره: أنا إذا قلنا: الوطء تعيين كما هو المرجح للزوج وطء أيتهما شاء وإنما يمتنع من الوطء إذا لم يجعله تعييناً.
تنبيه: أهمل الْمُصَنِّف مسألة (المنهاج) إحداكما طالق حرمتا، إما أنه رأى دخولها في التي قبلها، أعني: اختلاط المنكوحة بالأجنبية، ولا فارق بينهما، إلا أن إحدى المرأتين في ذلك ـ وهي الأجنبية ـ محرمة في نفس الأمر، وكل واحدة منهما في إحداكما على حد سواء، أو رأى أنها أولى بالتحريم من صورة تطليق المعينة، ثمَّ نسيانها التي ذكرها، لكن هناك الطلاق موقوف، وهنا اتصل بمحل ثمَّ التبس.
ص: (مسألة: مطلق الأمر لا يتناول المكروه، خلافاً للحنفية، فلا
стр. 177
تصح الصلاة في الأوقات المكروهة وإن كانت كراهة تنزيهئ، وهو الصحيح).
ش: هذه المسألة أصل الصلاة في الدار المغصوبة التي اقتصر المصنفون على ذكرها وأهملوا أصلها، وكان العكس أجدر، ووجه كونه لا يتناول المكروه أنه مطلوب الترك، والمأمور مطلوب الفعل، فيتناقضان، والخلاف على هذه الحالة حكاه ابن السمعاني في (القواطع) وهو عمدة في الحكاية عن الحنفية، لكونه كانَ حنفياً ثمَّ تشفع، فقالَ: الفعل بوصف الكراهة لا يتناوله الأمر المطلق، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يتناوله، والخلاف يظهر فائدته في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ فعندنا لا يتناول الطواف بغير طهارة ولا الطواف منكوساً، وعلى مذهبهم يتناوله، فإنَّهم وإن اعتقدوا كراهية هذا الطواف، ذهبوا إلى أنه
стр. 178
دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشرعي، وعندنا لا يدخل ولا جواز لمثل ذلك في الطواف، قالَ: وهذا المثال على أصلهم يتصور، فأما عندَنا فإنا لا نقول: إن ذلك طواف مكروه، بل لا طواف أصلاً، لقيام الدليل على أن الطهارة شرط فيه كالصلاة، على أن الطواف على هيئة مخصوصة، لا توجد إذا طاف منكوساً قالَ: وحجتنا أن الأمر يفيد الوجوب حقيقة، والندب والإباحة مجازاً، فما ليس بواجب ولا مندوب ولا مباح لا يتصور أن يتناوله الأمر، وأشار الْمُصَنِّف بقوله: (فلا تصح): إلى أن من فروعها أَيْضاًً الخلاف في صحة الصلاة في الأوقات المكروهة، وما صرح به من تصحيح البطلان، وإن قلنا: إنها كراهة تنزيه هو كذلك، فإنا وإن قلنا إنها كراهة تنزيهية على وجه قطع الثديجي، فإنَّ الصلاة تبطل على المرجح المفرع على الوجهين جميعاً، ولهذا قالَ في (الروضة) في الكلام على الماء المشمس، إنه كراهة تنزيه لا يمنع من صحة الطهارة، وقالَ في دقاقها: احترزت بهذا القيد عما يكره تنزيها ويمنع من الصحة، كالصلاة في الوقت المكروه، لكن قد استشكل
ذلك، إذ كيف يقال: إن العبادة لا تنعقد، ومع ذلك فعلها جائز، معَ أن الإقدام على العبادة التي لا تنعقد حرام بالاتفاق، لكونه تلاعباً (٣١ ب) وقالَ الشيخ نجم الدين في (المطلب): الحق عندَي أن الصلاة في الوقت المكروه لا تنعقد، وإن كانت غير محرمة؛ لأنَّ كلامنا في صلاة نفل لا سبب لها، والمقصود منها إنما هو طلب الأجر، وتحريمها أو كراهيتها يمنع حصوله، وما لا يترتب عليه مقصوده باطل، كما تقرر من قواعد الشريعة، وقد يرد على إطلاق الْمُصَنِّف الصوم المكروه، كتخصيص يوم الجمعة، فإنَّه منهي عنه نهي تنزيه، وظاهر كلامهم أنه ينعقد إلا أن يدعى أنه لأمر خارج، ولك أن تبحث عن قول الْمُصَنِّف: (مطلق الأمر) وعدوله عن عبارة ابن السمعاني: (الأمر المطلق).
стр. 179
ص: (أما الواحد بالشخص له جهتان كالصلاة في المغصوب، فالجمهور: تصح ولا يثاب، وقيل: يثاب، والقاضي والإمام: لا تصح، ويسقط الطلب عندَها: وأحمد: لا صحة ولا سقوط).
ش: الواحد بالشخص إن لم يكن له إلا جهة واحدة، فلا خلاف في امتناع كونه مأموراً به منهياً عنه، إلا إن جوزنا تكليف ما لا يطاق؛ لأنَّ المأمور به يمتنع تركه بمقتضى الأمر، ومقتضى النهي: المنع من فعله، والجمع بينَهما جمع بينَ المتنافين، وإن كانَ له جهتان فهل يَجُوز أن يؤمر به من وجه وينهى عنه من وجه؟ كالصلاة في المغصوب؟ فقال الجمهور: يصح؛ لأنَّ تعدد الجهات موجب للتغاير لتعدد الصور،
стр. 180
وجعلوا اختلاف الجهتين كاختلاف المحلين؛ لأنَّ كل واحدة من الجهتين منفكة عن الأخرى، واجتماعهما إنما وقع باختيار المكلف، فليسا بالمتلازمين، فلا تناقض، وذهب طائفة إلى أنه لا يصح، ثمَّ افترقوا فرقتين: ففرقة قالت: لا يسقط بها الفرض. وهو منقول عن أحمد وفرقة ذهبت إلى السقوط، ونقله المصنف
стр. 181
عن القاضي أبي بكر والإمام الرَّازِيّ، وفي كل منهما نظر، وعبارة المحصول في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة: وإن لم تكن مأموراً بها، إلا أن الفرض يسقط عندَها لا بها؛ لأنَّا بينا بالدليل امتناع ورود الأمر بها، والسلف أجمعوا على أن الظلمة لا يؤمرون، بقضاء الصلاة المؤداة في الدور المغصوبة، ولا طريق إلى التوفيق بينَهما إلا بما ذكرناه، وهو مذهب القاضي أبي بكر، انتهى.
وقالَ الصفي الهندي: الصحيح أن القاضي إنما يقول بذلك لو ثبت القول بصحة الإجماع على سقوط القضاء، فأما إذا لم يثبت ذلك فلا نقول بسقوط القضاء بها وعندها، انتهى.
ولا إجماع معَ خلاف أحمد وطائفة، وممن منع الإجماع: إمام الحرمين وابن السمعاني وغيرهما.
وقد حكى القاضي حسين في تعليقته في باب صلاة المسافر وجهين لأصحابنا: أحدهما لا تصح للمعصية.
والثاني تصح لأنَّ المعصية ليست في عين الصلاة، بل للمقام في أرض الغير، انتهى.
وأما قول المصنف: (ولا يثاب)، فهذه من مسائل الفقه، نقلها النَّوَوِيّ في (شرح المهذب) عن القاضي أبي منصور ابن أخي ابن الصباغ فقال في فتاواه التي جمعها عن عمه: المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة ولا ثواب فيها، قالَ القاضي أبو منصور، رأيت أصحابنا بخراسان اختلفوا فمنهم من أبطل صلاته قالَ: وذكر شيخنا ـ يعني ابن الصباغ ـ في كتابه (الشامل) أنه ينبغي حصول الثواب عندَ من
стр. 182
صَحَّحَهُا، قالَ القاضي: وهو القياس، انتهى، فقول المصنف: (وقيل: يثاب)، هو احتمال ابن الصباغ (٣٢ أ).
ص: (والخارج من المغصوب تائباً آت بواجب، وقالَ أبو هاشم: لا، آت إلى محرم، وقالَ إمام الحرمين: هو مرتبك في المعصية معَ انقطاع تكليف النهي عنه، وهو دقيق).
ش: (تائباً) منصوب على الحال، وقوله: (آت بواجب) خبر قوله: (والخارج) أي: لا تحريم فيه، وإن وجد منه اعتباران: الشغل والتفريغ؛ لأنَّه لا يمكن إلا بالشغل، وقالَ أبو هاشم: خروجه كلبثه؛ لأنَّه يتصرف في ملك الغير بغير إذنه، وذلك قبيح لعينه، (فهو منهي عنه بهذا الاعتبار، ومأمور به؛ لأنَّه
стр. 183
انفصال عن المكث، وبناه على الفاسد في الحسن والقبح، ولكنه أخل بأصله الآخر، وهو منع التكليف بالمحال، فإنَّه قالَ: لو خرج عصى، ولو مكث عصى، فحرم عليه الشيء وضده جميعاً، وقالَ إمام الحرمين: هو مأمور بالخروج، وإنما يعصي بما تورط به من العدوان السابق، وقالَ: وهو مرتبك في المعصية لحكم الاستصحاب معَ انقطاع تكليف النهي، واستبعده ابن الحاجب وضعفه الغزالي لاعترافه بانتفاء النهي، فالمعصية إلى ماذا تستند؟
قلت: وهو نظير قول الفقهاء فيمن ارتد ثمَّ جن ثمَّ أفاق وأسلم: إنه يجب قضاء صلوات أيام الجنون لاستصحاب حكم معصية الردة عليه، والمرتبك هو المشتبك الذي لا يمكنه أن يخلص.
ص: (والساقط على جريج يقتله إن استمر، وكفؤه، إن لم يستمر وقيل: يتخير، وقالَ إمام الحرمين: لا حكم فيه، وتوقف الغزالي).
ش: إنما ذكر هذه عقيب ما سبق؛ لأنَّ إمام الحرمين قالَ: إن غرضه يظهر بمسألة ألقاها أبو هاشم، فحارت فيها عقول الفقهاء وهي أن من توسط جمعاً من الجرحى وجثم على صدر واحد منهم، وعلم أنه لو بقي لأهلكه، ولو انتقل لهلك آخر، قالَ: لم أحصل فيها من قول الفقهاء على ثبت، والوجه القطع بسقوط التكليف عنه معَ استمرار حكم سخط الله تعالى وغضبه، وقد سأله الغزالي عن هذا، فقالَ: كيف تقول: لا حكم، وأنت ترى أن لا تخلو واقعة عن حكم؟ فقالَ:
стр. 184
حكم الله أن لا حكم، قالَ الغزالي: فقلت له: لا أفهم هذا، قالَ الأبياري: وهذا أدب حسن، وتعظيم للمشايخ؛ لأنَّ هذا تناقض، وإذ لا حكم: نفي عام، فكيف يتصور ثبوت الحكم معَ نفيه على العموم؟ فهذا لا يفهم، لا لعجز السامع عن الفهم، بل لكونه غير مفهوم في نفسه، انتهى، وللإمام أن يقول: لا حكم: بمعنى انتفاء الأحكام الخمسة، والبراءة الأصلية حكم الله، ولا تخلو واقعة عن حكم بهذا الاعتبار، ومثله قول النحاة: ترك العلامة علامة، فكذلك نفي الحكم حكم بهذا الاعتبار، ويشهد له ما بينا، ذكره الشيخ عز الدين، وقالَ في (المنخول) المختار أن لا حكم لله فيه، فلا نؤمر بمكث ولا انتقال، وقالَ في آخر الكتاب: حكم الله فيه أن لا حكم، هذا ما قاله الإمام ولم أفهمه بعد، انتهى.
وذكر في هذا الكتاب احتمالين: أحدهما: أنه يمكث، فإنَّ الانتقال فعل مستأنف.
الثاني: يتخير، وكلام المصنف يوهم أن هذين القولين لغيره،
стр. 185
وفرض الشيخ عز الدين في قواعده المسألة: الساقط على أطفال، وقالَ: قيل: ليس في هذه المسألة حكم شرعي وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها، ولم نر الشريعة (٣٢ ب) تخير بينَ هاتين المفسدتين، قالَ: فلو كانَ بعضهم مُسْلِماً، وبعضهم كافراً، فهل يلزمه الانتقال إلى الكافر؛ لأنَّ قتله أخف مفسدة؟ الأظهر عندَي لزومه؛ لأنَّا نجوز قتل أولاد الكفار عندَ التترس بهم، حيث لا يَجُوز مثل ذلك في أطفال المسلمين. انتهى ولا يخفى أن هذا التردد في الطفل الكافر المعصوم دمه، فإنَّ كانَ حربياً، فلا شك في لزوم الانتقال إليه، ويحتمل ـ على بعد ـ طرده فيه.
ص: (مسألة: يَجُوز التكليف بالمحال مطلقاً ومنع أكثر المعتزلة والشيخ أبو حامد، والغزالي، وابن دَقِيقِ العِيدِ ما ليس ممتنعاً، لتعلق العلم بعدم وقوعه، ومعتزلة بغداد والآمدي: المحال لذاته، وإمام الحرمين: كونه مطلوباً لا ورود صيغة الطلب).
ش: القول بالجواز هو مذهب جماهير الأصحاب. وقوله: (مطلقاً)، أي: سواء امتنع لذاته، وهو ما يلزم من تصوره المحال كالجمع بينَ الضدين، كالتكليف بالفعل معَ استمرار المانع، واحتج الشيخ الأشعري في كتاب الوجيز على القائلين باستحالته بقوله تعالى: ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ فقالَ: لو كانَ ذلك محالاً لما استقام الابتهال إلى اللهِ بدفعه.
والثاني: امتناعه مطلقاً، وبه قالَ أكثر
стр. 186
المعتزلة، وساعدهم كثير من أئمتنا، كما قاله ابن القشيري في المرشد، لكن مأخذهم يختلف، فمأخذ المعتزلة في المنع التفريع على أصلهم في القبح العقلي؛ لأنَّه يقبح في العقلي، وعندنا لا يقبح من اللهِ تعالى شيء، وإنما مأخذ المنع أن الفعل والترك لا يصحان من العاجز فبطل تقدير الوجوب، ونقله المصنف عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني والغزالي، وهو فيه تابع للصفي الهندي، لكن سيأتي عن الغزالي التفصيل، وكلامه في (المستصفى) يصرح به، وزاد المصنف عن ابن دَقِيقِ العِيدِ، قالَ في شرح المنهاج: إنه صرح به في شرح العنوان، لكن عبارة شرح العنوان: المختار عندَنا عدم جواز التكليف بالمحال، ثمَّ قالَ: والذي نمنعه المحال لنفسه لا المحال لغيره، فكأن المصنف نظر صدر الكلام دون آخره، وحينئذ فهنا قول الآمدي الذي نقله بعده، نعم، وافقهم من المتأخرين الأصفهاني شارح المحصول، واحتج بأن قيام حقيقة الطلب النفساني من العالم بالاستحالة لذاته أو لغيره ـ محال، قالَ: والقضية بديهية، فإنَّ انفصل عن هذا بأن حقيقة الطلب غائباً غير حقيقة الطلب
стр. 187
شاهداً ـ لزم فساد قاعدة كلام النفس وإثباتها، وأشار بقوله: (ما ليس ممتنعاً) إلى أن محل الخلاف في المتعذر عادة سواء كانَ معه التعذر العقلي أم لا، أمَّا التعذر عقلاً لتعلق علم الله تعالى به فأجمعوا على جوازه، وقد كلف الله الثقلين أجمعين بالإيمان معَ قوله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ لكن في هذا الاستثناء خدش من جهة أنه إنما يأتي على القول بأن ما تعلق العلم بعدمه، مستحيل، وليس ذلك متفقاً عليه، وقد ذهب قوم منهم الغزالي في المنخول: إلى أن الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه، لا يسمى مستحيلاً؛ لأنَّه في ذاته جائز الوقوع، فلا تتغير حقيقته بالعلم، وقد أقدر الله الكفار على الإيمان، وعلم أنهم يمتنعون معَ القدرة، فكان كما علم، فلم ينقلب المقدور (٣٣ أ) معجوزاً
بسبب علمه.
والثالث إن كانَ ممتنعاً لذاته لم يجز، وإلا جاز، واختاره الآمدي، وادعى أن الغزالي مال إليه.
والرابع: قول إمام الحرمين وحكاه عنه ابن القشيري في المرشد، إن أريد بالتكليف بالمحال: طلب الفعل، فهو محال من العالم باستحالة وقوع المطلوب، وإن أريد ورود الصيغة وليس المراد بها طلباً، مثل قوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ فغير ممتنع،
стр. 188
واختاره الغزالي في المنخول، وهو في الحقيقة تنقيح مناط، ففي جعل المصنف له مذهباً رابعاً، نظر، ولهذا قالَ ابن برهان: الخلاف على هذا لفظي، بخلافه على قول المعتزلة، ومن ثمَّ حاول بعض المتأخرين نفي الجواز عن الأشعري، وزعم أن الذي جوزه ورود صيغة مضاهية لصيغة الأمر والغرض منها تعجيز وتبيين حلول العقاب الذي لا محيص عنه وليس المراد طلباً واقتضاء ويخرج مما ذكرناه مناقشات على كلام المصنف ونزيد هنا أمرين.
أحدهما: قوله: (ما ليس ممتنعاً، لتعلق العلم بعدمه) أي: هذا موضع النزاع، أمَّا الممتنع لذلك فأجمع الكل على جوازه، وهذا تابع فيه ابن الحاجب، وليس بمسلم كما بينته في (الدرر على المنهاج والمختصر) وقد ظن بعضهم أن عبارة المصنف منعكسة، وهو غلط، بل هي الصواب كما بيناه.
ثانيا: لك أن تسأل عن الفرق بينَ المذهب الثاني والثالث وإنهما واحد، وإنما اختلفت العبارة؛ لأنَّ الإيمان من الكفار، الذي علم الله أنهم لا يؤمنون ـ مستحيل، لكن استحالته ليست لذاته بل نظراً لتعلق العلم بالكفر، فهو ممتنع لغيره، ولهذا قالَ المصنف في قول ابن الحاجب: والإجماع على صحة التكليف بما علم الله أنه لا يقع ـ: (إن هذا ضرب من الممتنع لغيره، وحينئذ فيرجع هذا القول إلى التفصيل بينَ الممتنع لذاته ولغيره، وغاية ما يلمح في الفرق بينهما، أن الثالث: يَجُوز الممتنع لغيره
стр. 189
في نوع خاص وهو ما تعلق بعدمه لكن يلزم من هذا إثبات قول في الممتنع لغيره بالتفصيل بينَ ما تعلق العلم بعدمه وبين غيره، ولم يذكره أحد من المصنفين، وإن كانَ كلامهم يقتضيه، وقد يتوقف فيه، وما وجه الفرق، ويشهد لذلك نقل إمام الحرمين في (الشامل) عن معتزلة بغداد أنه يصح أن يؤمر بإيقاع فعل في وقت، معَ العلم بأن العبد سيمنع منه، قالَ: وهو لا جوزو الأمر بما علم الله نسخه، والموقع للمصنف في هذا الكلام، الصفي الهندي، لكن الهندي كالمتوقف في صحة الإجماع، فلهذا ساغ منه حكاية التفصيل فإنَّه قالَ: المشهور عن المعتزلة منع التكليف بالمحال مطلقاً، غير أن بعضهم نقل أن الفرق كلها أجمعوا على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون من الممكنات عقلاً وعلى وقوعه شرعاً، كالتكليف بالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل إلا بعض الثنوية، قالَ: فإنَّ صح هذا النقل يجب أن يفصل بينَ ما يكون محالاً بسبب تعلق العلم بعدم وقوعه، وبين ما لا يكون كذلك، فنسب إليهم امتناع التكليف بالشيء دون امتناعه مطلقاً، ثمَّ قالَ: ومنهم من فصل بينَ أن يكون محالاً لذاته، وبين ما لا يكون كذلك فاختار التكليف بالثاني دون الأول، وإليه ذهب بعض معتزلة بغداد، قالُوا: يَجُوز أن يكلف الله العبد بالفعل في وقت علم الله تعالى أن يكون ممنوعاً منه. انتهى (٣٣ ب).
ص: (والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات).
ش: القائلون بالجواز اختلفوا في وقوعه، والذي يتحصل منه مذاهب: الوقوع مطلقاً، وعدمه مطلقاً وحكاه الإمام في (الشامل) عن الجمهور، والثالث التفصيل بينَ الممتنع لذاته، كقلب الحقائق معَ بقاء الحقيقة الأولى فيمتنع، وأما الممتنع لغيره فيَجُوز، وهو ظاهر اختيار الإمام في (الشامل) وجرى عليه صاحب (المنهاج)
стр. 190
وغيره، واعترض عليه المصنف في شرحه تبعاً للنور الأردبيلي، فقالَ: إنه يفهم منه وقوع الممتنع لغيره مطلقاً والحق فيه التفصيل أيضاًً، فإنَّ كانَ مما قضت العادة بامتناعه كحمل الصخرة العظيمة للرجل النحيف ـ فحكمه حكم الممتنع لذاته في الجواز وعدم الوقوع، وأما ما امتنع، لتعلق العلم به، فذاك ليس محل النزاع بل هو واقع الإجماع وهذا وارد على إطلاقه.
ص: (مسألة: الأكثر أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في صحة التكليف).
ش: أي بالمشروط، بل يصح التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط، خلافاً لأهل الرأي والمراد بـ (الشرط الشرعي) ما يتوقف عليه صحة الشيء شرعاً كالوضوء للصلاة فخرج ما يتوقف عليه وجوده عقلاً كالتمكن من الأداء الزائل بالنوم والفهم من الخطاب الزائل بالغفلة والنسيان فإنَّ حصوله شرط في صحة التكليف، وقد سبق، وقد استشكل الفرق بينَهما وبين المسألة السابقة في مقدمة الواجب، فإنَّها إذا وجبت وجب تحصيل الشرط فما فائدة ذكر هذه المسألة؟ قلت: الكلام في حصول الشرط الشرعي بالنسبة إلى الصحة، فعندنا لا يتوقف صحة التكليف على حصوله، ومسألة المقدمة بالنسبة إلى الواجب نفسه إذا توقف على أمر آخر من شرط أو غيره،
стр. 191
هل يوجب المقدم، فهما غيران لا تعلق لأحدهما بالآخر.
ص: (وهي مفروضة في تكليف الكافر بالفروع).
ش: أي وإن كانت أعم منه، لكن الخلاف في هذه المسألة، هذا أصله، وقد نازع الصفي الهندي في ترجمتها بما ذكره المصنف، فإنَّ المحدث يكلف بالصلاة إجماعاً، وقضية هذه الترجمة طرد الخلاف فيه ولأجل هذا ذكر المصنف أن المراد بها خاص بقوله: (وهي مفروضة في تكليف الكافر).
ص: (والصحيح وقوعه، خلافاً لأبي حامد الإسفراييني وأكثر الحنفية مطلقاً ولقوم في الأوامر فقط، ولآخرين فيما عدا المرتد).
стр. 192
ش: ذهب الأَئِمَّة الثلاثة إلى أنهم مخاطبون مطلقاً في الأوامر والنواهي وخالف الخنفية، وساعدهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني منا، وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في أصوله قولاً للشافعي.
والثالث: أن النواهي متعلقة بهم دون الأوامر لإمكان الانتهاء معَ الكفر بخلاف المأمور، فإنَّ شرطه القربة، ونقله صاحب اللباب من الحنفية عن أصحابهم، وأغرب الشيخ صدر الدين بن الوكيل في كتاب (النظائر) فحكى عن بعض الأصحاب عكس هذا المذهب، وتابعه
стр. 193
العلائي في (الفوائد) وهذا لا يعرف، بل قالَ الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه في الأصول وصاحبه البندنيجي في باب قسم الصدقات من تعليقه: إن الخلاف في تكليفهم بالأوامر، وأما المعاصي فمنهيون عنها بلا خلاف من المسلمين، فكيف يثبت لنا قول بأنهم مكلفون بالأوامر دون النواهي؟.
والرابع: أن المرتد مكلف دون غيره، لإلزامه أحكام الإسلام، حكاه القاضي عبد الوهاب، ولهذا يجب
стр. 194
عليه قضاء ما فاته زمن ردته، وزيف، فإنَّ مأخذ المنع فيهما سواء، وهو الجهل باللهِ وبعضهم يجعل الخلاف (٣٤ أ) في الأصلي، ويقول: المرتد مكلف بلا خلاف وفيه نظر.
فائدة قالَ الشيخ عز الدين في (القواعد): إن قيل: لم وجه الله تعالى الخطاب إلى العاصي معَ علمه بأنهم لا يطيعونه؟ قلنا: أحسن ما قيل في ذلك: أن توجه الخطاب إلى الأشقياء الذين لا يمتثلون، ليس طلباً على الحقيقة، وإنما هو علامة وضعت على شقاوتهم وأمارة نصبت على تعذيبهم.
ص: (قال الشيخ الإمام: والخلاف في خطاب التكليف وما يرجع إليه من الوضع، لا الإتلافات والجنايات وترتب آثار العقود).
ش: أطلق الأصوليون الخلاف السابق وهو يوهم أن القائل بتكليفهم يقول: إن كل حكم ثبت في حق المسلمين، ثبت في حقهم أيضاًً، وأن من لا يقول بذلك لا
стр. 195
يثبت في حقهم شيئاً من فروع الأحكام، قالَ والد المصنف رَحِمَه اللهُ تعالى وليس كذلك، بل الخطاب قسمان: خطاب تكليف وخطاب وضع، فخطاب التكليف بالأمر والنهي هو محل الخلاف، وليس كل تكليف أيضاًَ بل هو في غير ما يعلم اختصاصه بالمؤمنين أو بعضهم، وإنما المراد العمومات التي شملتهم لفظا، هل يكون الكفر مانعاً من تعلقها بهم أو لا؟ وأما خطاب الوضع فمنه ما يكون سبب الأمر والنهي ككون الطلاق سبباً لتحريم الزوجة، فهذا من محل الخلاف، والفريقان مختلفان في أنه هل هو سبب في حقهم أيضاً؟ ومنه كون إتلافهم وجنايتهم سبباً في الضمان، وهذا ثابت في حقهم إجماعاً، بل ثبوته في حقهم أولى من ثبوته في حق الصبي، وكذلك كون العقول على الأوضاع الشرعية سبباً فيه كما في البيع والنكاح وغيرهما، وهذا لا نزاع فيه، وفي ترتب الأحكام الشرعية عليه في حقهم كما في حق المسلم، وكذا كون الطلاق سبباً للفرقة، فإنَّها تثبت إذا قلنا بصحة أنكحتهم والخلاف في ذلك لا وجه له، ويشهد أن أبا حنيفة قالَ بصحة أنكحتهم معَ قوله بعد تكليفهم بالفروع، قلت: بل كلام الأصحاب على إطلاقه ولا وجه لهذا التفصيل ولا يصح دعوى الإجماع في الإتلاف والجناية، بل الخلاف جار في الجميع، وقد حكى الرافعي عن الأستاذ أبي إسحاق: أن الحربي إذا قتل المسلم، أو أتلف عليه مالاً، ثمَّ أسلم، أنه يجب ضمانها، إذا قلنا إن الكفار مكلفون بالفروع، وحكاه العبادي في الطبقات عنه فيما إذا صارَ ذمياً والجمهور أنه لا يضمن ونقلوا وجهين أيضاًً، فيما لو دخل الكافر الحرم وقتل صيداً هل يضمن؟
стр. 196
أصحها: نعم، قالَ صاحب (الوافي) وهما شيئان بالوجهين في تمكينه من المسجد إذا كانَ جنباً ـ يعني نظراً لعقيدته ـ بل قالَ الإمام في الأساليب من كتاب (السير): إن الكفار إذا استولوا على مال المسلمين، فلا حكم لاستيلائهم، وأعيان الأموال لأربابها وكأنهم في استيلائهم وإتلافهم كالبهائم، قالَ: وبنى بعضهم هذه المسألة على الخلاف في تكليفهم بالفروع، وقالَ: هم منهيون عن استيلائهم، وقول الشيخ: بل ثبوته في حقهم أولى من ثبوته في حق الصبي ـ ممنوع كانسحاب حكم الإسلام على الصبي بخلافهم، ولهذا قطعوا في الصبي بالضمان، وأجرى الخلاف عليهم ترغيباً في الإسلام، ومن هنا صحح أبو حنيفة أنكحتهم، وإن لم يكلفهم بالفروع، وأشار الإمام في (النهاية) إلى أن الشافعي خرج عن قياس مذهبه في تكليفهم بالفروع حيث صحح أنكحتهم، وقاعدة مذهبه أن لا يستتبع عقائدهم، ولهذا (٣٤ ب) نفى الضمان عمن يريق خمر الذمي، ولكنه تركه في النكاح للأخبار، وأنه خصه ترغيباً لهم في الإسلام، وقالَ الغزالي في (البسيط) مضعفاً للقول بفساد أنكحتهم: هذا يجر إلى أن لا نوقع طلاقهم، ولا يتجاسر عليه فقيه. قلت: قد تجاسر عليه الحسن البصري وقتادة وربيعة الرأي ومالك، قالُوا: ليس طلاقهم بطلاق، وهذا قدح في دعوى النسخ، والإجماع على نفوذ الطلاق، ولذلك قالَ الحنفية: لا يصح ظهار
стр. 197
الذمي بناء على أنهم غير مكلفين بالفروع.
ص: (مسألة: لا تكليف إلا بفعل، فالمكلف، به في النهي: الكف، أي: الانتهاء، وفاقاً للشيخ الإمام، وقيل: فعل الضد، وقالَ قوم: الانتفاء، وقيل: يشترط قصد الترك).
ش: لا خلاف أن المكلف به في الأمر الفعل، وأما المكلف به في النهي ففيه أربعة مذاهب أصحها عندَ ابن الحاجب وغيره: أنه كف النفس عن الفعل، والكف فعل.
الثاني: وينسب للجمهور: أنه فعل ضد المنهي عنه، فإذا قالَ: لا تتحرك، فمعناه: افعل ضد الحركة.
الثالث، وبه قالَ أبو هاشم: انتفاء الفعل فالمكلف به في هذا المثال، نفس ألا تفعل، وهو عدم الحركة، وكأن الجمهور نظروا إلى حقيقة ما هو مكلف به، وأبو
стр. 198
هاشم نظر إلى المقصود، وهو إعدام دخول المنهي عنه في الوجود، والمختار عندَ المصنف ـ تبعاً لوالده رحمهما الله تعالى ـ الأول، وحرر العبارة عنه فقالَ: إن مطلوبه الكف، أي: الانتهاء، فإذا قلت: لا تسافر، فقد نهيته عن السفر والنهي يقتضي الانتهاء لأنَّه مطاوعه، يقال: نهيته فانتهى، والانتهاء: هو الانصراف عن المنهي عنه، وهو الترك، قالَ: واللغة والمعقول يشهدان له، وفرق بينَ قولنا: لا تسافر وبين قولنا: أقم فإنَّ أقم أمر بالإقامة من حيث هي، فقد لا يستحضر معها السفر، وأن لا تسافر: نهي عن السفر، فمن أقام قاصداً ترك السفر يقال فيه انتهى عن السفر، ومن لم يخطر السفر له بالكلية، لا يقال له انتهى عن السفر والانتهاء أمر معقول وهو فعل، ويصح التكليف به، وكذلك في جميع النواهي الشرعية، كالزنا والسرقة والشرب ونحوها، المقصود في جميعها الانتهاء عن تلك الرذائل، ومن لازم ذلك الانتهاء التلبس بفعل ضد من أضداد المنهي عنه، قالَ: فالعبارة المحررة أن يقال: المطلوب بالنهي الانتهاء، فيلزم من الانتهاء فعل ضد من أضداد المنهي عنه، والعبارة المنقولة عن الجمهور مختلفة فإنَّ النهي قسيم الأمر، والأمر: طلب الفعل فلو كانَ النهي طلب فعل الضد لكان أمراً، ولكان النهي من الأمر، وقسيم الشيء لا يكون قسماً منه.
стр. 199
[[[سقط صـ ٢٩٣]]]
(الدلائل والأعلام) بأن الواجب على الإنسان في المنهيات إذا ذكرها، اعتقاد تحريمها، وهو على أول الحال من الاعتقاد والكف، وقول المصنف: (وقيل: يشترط قصد الترك) هذا قول غريب، إن أجري على ظاهره، حتى يأثم إذا تركه ولم يقصد الترك (٣٥ أ) وإنما يتجه هذا في حصول الثواب وهي مسألة أخرى، ثمَّ رأيت في (المسودة) لابن تَيْمِيَّةَ ما نصه، وقيل: إن قصد الكف معَ التمكن من الفعل أثيب، وإلا فلا ثواب ولا عقاب، انتهى.
وقد قالَ القاضي حسين في باب صفة الصلاة من تعليقه: الشرعية تشتمل على الأوامر والنواهي، فما كانَ من النواهي لا يحتاج إلى صحة تركها إلى النية، وما كانَ من الأوامر لا يصح امتثاله بدون النية.
انتهى.
وإذا قلنا: يشترط قصد الترك، فهل يحتاج إلى نية خاصة في الجزئيات أو يكفي نية عامة لكل منهي عنه، فيه نظر.
ص: (والأمر عندَ الجمهور بتعلق الفعل قبل المباشرة بعد دخول وقته
стр. 200
إلزاماً، وقبله إعلاماً).
ش: النقول في هذه المسألة مضطربة، فقال القاضي في مختصر التقريب: الفعل مأمور به في حال حدوثه، ثمَّ قالَ المحققون من أصحابنا: الأمر قبل حدوث الفعل المأمور به أمر إيجاب وإلزام، ولكنه يتضمن الاقتضاء والترغيب، وإذا تحقق الامتثال فالأمر يتعلق به، ولكنه لا يقتضى ترغيباً معَ تحقق المقصود، وذهب بعض من ينتمي إلى التحقيق، إلى أنه إنما يؤمر به حال المباشرة، وإذا تقدم عليه، فهو أمر إنذار، وإعلام بحقيقة الوجوب عندَ الوقوع، قالَ: وهذا باطل، انتهى.
وهذا الذي زيفه هو الذي يدل عليه صريح نقل الإمام الرَّازِيّ عن الأصحاب كما قالَ الصفي الهندي قالَ: ونقل إمام الحرمين في مذهب أصحاب الشيخ، ما يقتضي أنه ليس بمأمور به قبل حدوثه، وهو الذي يقتضيه أصلهم أن الاستطاعة معَ الفعل لا قبله، لكن أصلهم الآخر ـ وهو جواز تكليف المحال ـ يقتضي جواز الأمر بالفعل حقيقة قبل الاستطاعة، فعلى هذا يكون المأمور مأموراً قبل التلبس بالفعل، والمأمور به مأموراً به قبل حدوثه، لكن لعلهم فرعوا هذا في استحالته، أي وإن قالُوا بجوازه، لكنهم قالُوا ذاك بناء على عدم وقوعه، ونقل الكل عن المعتزلة، أي أن الفعل إنما يصير مأموراً به عندَهم قبل حدوثه لا عندَه، بل عندَه ينقطع تعلق التكليف، به، وهو اختيار إمام
стр. 201
الحرمين، وهو موافق لأصلهم في أن الاستطاعة قبل الفعل، وأن تكليف مالا يطاق، غير جائز، ونقل بعضهم، كالآمدي: أن الناس اتفقوا على جواز كون الفعل مأموراً به قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا، وعلى امتناع كون ذلك وقت حدوثه، فأثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة، وبه يشعر كلام الغزالي، وهذا صريح في أن الخلاف بينَ معظم الأصحاب والمعتزلة في المأمور، والمأمور إنما هو في وقت التلبس والحدوث لا قبله، والنقل الأول يقتضي تحققه فيهما، فبينهما تناقض، ولا يجمع بينَهما بأن يقال: إن الأول تفريع منهم على استحالة تكليف المحال، والثاني على جوازه ـ لأنَّه يقتضي جواز كون الفعل مأموراً به بعد حدوثه، وهذا الناقل نقل امتناعه وفاقاً، والتحقيق أنه قبل المباشرة مكلف بإيقاع الفعل في الزمن المستقبل، وامتناع الفعل في هذه الحالة بناء على عدم علته التامة، لا ينافي كون الفعل مقدوراً ومختاراً له، بمعنى صحة تعلق إرادته وقصده إلى إيقاعه، وإنما الممتنع تكليف ما لا يطاق، بمعنى أن يكون الفعل مما لا يصح تعلق قدرة (٣٥ ب) العبد به، وقصده إلى إيجاده، وبهذا يندفع قولهم: إن الفعل تدور علته التامة ممتنع، ومعها واجب، فلا
تكليف إلا بالمحال؛ لأنَّ في الأول تكليفاً بالمشروط عندَ عدم الشرط، وفي الثاني تكليفاً بتحصيل الحاصل.
ص: (والأكثر: يستمر حال المباشرة، وقالَ إمام الحرمين والغزالي: ينقطع).
стр. 202
ش: ما حكاه عن الأكثر سبق نقل الآمدي أنه عن الأصحاب، وقالَ ابن برهان: إنه قول أهل السنة، وقالت المعتزلة: ينقطع تعلق التكليف به واختاره الإمام والغزالي؛ لأنَّ حقيقة الأمر الاقتضاء والطلب، والحاصل لا يطلب، وجوابه أنه غير مقتضي حال الإيقاع، ولكنه معَ هذا مأمور به، بمعنى أنه طاعة وامتثال، وهذا لا يخالف فيه أحد.
ص: (وقالَ قوم: لا يتوجه إلا عندَ المباشرة، وهو التحقيق.
ش: هذا القول هو اختيار الإمام فخر الدين والبيضاوي وغيرهما ونسبه المصنف إلى الأشعري، قالَ: وقول إمام الحرمين: إن هذا المذهب لا يرتضيه لنفسه عاقل مؤول، للعلم بأنه لا يطلق مثل هذه العبارة على من دون الشيخ، وذلك أنه ألزم الشيخ تحصيل الحاصل، ثمَّ قالَ: يقال في الحادث: هذا هو الذي أمر به المخاطب، فأما أن يستمر القول في تعلق الأمر به طلباً واقتضاء معَ حصوله، فلا يرتضى هذا لنفسه عاقل، ومراده بالمذهب الذي لا يرتضيه لنفسه عاقل، إيجاب تحصيل الحاصل الذي ألزم الشيخ به، وهو يعرف أن الشيخ لا يقوله ولا غيره، ووجه
стр. 203
ما ادعاه المصنف من التحقيق في هذا المذهب، أمور منها: أن الأمر يتناول زمان إمكان الفعل، لامتناع التكليف بالواجب والممتنع، وزمان وقوع الفعل زمان إمكانه، فإنَّه ليس زمان امتناعه، لامتناع وقوع الفعل في زمن امتناعه، وليس زمان وجوبه الذاتي قطعاً، فإنَّ كانَ له وجوب فيه، كانَ ذلك الوجوب وجوبا بشرط المحمول أي: بشرط وجوده، وأنه لا يمتنع، أمَّا حال وقوعه أو قبله وفاقاً، فلو كانَ الوجوب بشرط المحمول مانعاً من التكليف، لم يكن المأمور مأموراً أصلاً، فثبت أن زمان الوقوع زمان إمكانه، فوجب أن يتناول الأمر إياه.
ومنها: أنه قبل المباشرة مشغول بالضد، فهو مكلف بترك الضد، فلا يكون مكلفاً بالفعل في تلك الحالة وإلا لاجتمع النقيضان، وكان تكليفاً بما لا يطاق، ولأنَّه لو كانَ كذلك لم يكن ممتثلاً إلا في مدة الحال وذلك محال، ولأن الله تعالى لا يكلف بشيئين في حالة واحدة، ولهذا قلنا عندَ كل جزء، هو مكلف به، وقبله وبعده ليس مكلفاً به؛ لأنَّه يلزم أن يكون مكلفاً بالشيء وضده في حالة واحدة، بل كلما انقضى جزء يقتضي تكليفه به، وكلما دخل في جزء كلف به إلخ، فإنَّ قلت: فعلى هذا لا يصح أن يعاقب على ترك الفعل بل على فعل الضد، قلنا: بل يعاقب على ترك الفعل وعدمه، صح ترك فعل الضد حين تحصيل المباشرة، فإنَّ قلت: ما فررت منه وقعت فيه، وهو أنه كيف يكون مكلفاً بالشيء وضده ـ.
قلت: لا نسلم: بل هو في هذه الحالة، مكلف بالترك، وهو الإعدام فما كلف بشيءٍ آخر ولا يجيء (٣٦ أ) هذا الإعدام إلا بالمباشرة من الفعل، وهذا جزء من الفعل الذي هو الواجب، ولا يقال: إن هذا مقدمة الواجب فصح قولهم: إن الأمر قبل المباشرة، محال.
ص: (فالملام قبلها على التلبس بالكف المنهي عنه).
ش: هذا جواب سؤال مقدر تقديره، أنه يلزم من القول بأنه لا يتوجه إلا عندَ
стр. 204
المباشرة سلب التكاليف، وأن المكلف لا يعطي بترك مأمور؛ لأنَّه إن أتى به كانَ ممتثلاً، وإن لم يأت به كانَ معذوراً لعدم التكليف.
وجوابه، أنه لا يلزم؛ لأنَّا نلومه على التلبس بالكف، والكف عندَنا فعل، وهو حرام، فقد باشر الترك، فتوجه عليه التكليف، فالحرمة حال مباشرة الترك، والعقاب ليس إلا على الترك، وهذا من النفائس، وقد أشار إليه إمام الحرمين في مسألة: تكليف ما لا يطاق.
ص: (مسألة: يصح التكليف ويوجد معلوماً للمأمور أثره معَ علم الآمر، وكذا المأمور في الأظهر انتفاء شرط وقوعه عندَ وقته، كأمر رجل بصوم يوم، علم موته قبله، خلافاً لإمام الحرمين والمعتزلة، أمَّا معَ جهل الآمر فاتفاق).
ش: المكلف به إذا كانَ وقوعه مشروطاً بشرط يتحقق انتفاؤه عندَ وقته، هل يصح التكليف به؟ أمَّا معَ العلم فله حالتان.
الأولى: أن يعلم الآمر انتفاءه دون المأمور، كأمر الله تعالى رجلاً بصوم غد، معَ علمه بموته قبله، فذهب الجمهور إلى أنه يصح، ومنعه إمام الحرمين والمعتزلة، ومنشأ الخلاف أن فائدة التكليف هل هي الامتثال فقط، أو
стр. 205
الابتلاء أيضاًً، فعلى الأولى لا يصح، وعلى الثاني يصح، ومن فوائده الفرعية: أن المجامع في نهار رمضان، إذا مات أو جن في أثناء النهار، هل يجب في تركته الكفارة فعلى الأول نعم، وعلى الثاني لا؛ لأنَّه لم يكن مأموراً للعلم بانتفاء شرط وقوعه عندَ وقته.
الثانية: أن يعلم المأمور انتفاء الشرط أيضاًً، وإليه أشار بقوله: (أولا) وكذا المأمور في الأظهر، فالمختار عندَ المصنف الصحة، وهذا مما خالف فيه الأصوليين، فإنَّهم أطبقوا على المنع، وفرقوا بينَهما بانتفاء فائدة التكليف ونقل الصفي الهندي عليه الاتفاق، إلا على رأي من يقول بتكليف مالا يطاق ومستند المصنف في خلافهم قول الفقهاء فيمن علمت أنها تحيض أثناء النهار: يجب عليها افتتاح النهار بالصوم ـ قالَ: ويقرب منه ـ وهو عكسه ـ من نذر الصوم يوم قدوم زيد، وتبين أنه يقدم غداً، فنوى الصوم من الليل أجزأه عن نذره على الصحيح، ولم يقولوا: إنه يجب عليه، بل اختلفوا في الإجزاء كما رأيت ونظير عدم الوجوب فيه الوجوب في الحائض، قالَ: ولا يعكر على هذا أن الصحيح فيمن نذر الصيام يوم مقدم زيد، أنه يلزمه الصوم من أول اليوم، ويقال كما تبين بقدوم زيد في أثناء النهار وجوب الصوم
стр. 206
من أوله، فكذلك تبين نظيره بأن الحيض تحريمه من أوله؛ لأنَّا نقول: هذا التبين إنما هو بعد ظهور الوقت المقتضي في مسألة النذر، والمانع في مسألة الحيض وقبل ظهورهما لا أثر لهما سوى تحقق أنهما يظهران أم لا، فقد تبين تحقق التكليف علماً، وإن أمكن الاحترام قبل ذلك، ثمَّ إذا ورد العجز أو الموت أو النسخ لم يتبين أنه لم يكن مأموراً، بل نقول: انقطع التكليف (٣٦ ب) قلت: وهذا الذي اختاره المصنف ولم ينقله عن أحد، قد ذكره الشيخ مجد الدين ابن تَيْمِيَّةَ في (المسودة الأصولية) فقال بعد ذكر الخلاف في الحالة: وينبغي على مساق هذا أن نجوزه، وإن علم المأمور أنه يموت قبل الوقت، كما تجوز توبة المجبوب من الزنا، والأقطع من السرقة، ويكون فائدته العزم على الطاعة بتقدير القدرة، قالَ: وليست هذه المسألة مبنية على تكليف خلاف المعلوم، ولا على تكليف ما لا يطاق، وإن كانَ لها به ضرب من التعلق، لكن تشبه النسخ قبل التمكن؛ لأنَّ ذلك رفع للحكم بخطاب، وهذا رفع للحكم بتعجيز وقد نبه
ابن عقيل على ذلك، وينبني على أنه قد يأمر بما لا يريد، انتهى.
وأما معَ جهل الآمر بعدم وقوع الشرط، كأمر السيد عبده بخياطة الثوب في الغد، فيصح بالاتفاق، كذا قاله المصنف تبعاً لابن الحاجب، لكن قالَ الصفي الهندي: في كلام بعضهم إشعار بخلاف فيه، إذا علمت هذا فقول المصنف: (ويوجد معلوماً
стр. 207
أثره) أي: التكليف، أي حالة اتصال الخطاب به، ولا يتوقف علمه بذلك على مضي زمن يمكن فيه الامتثال، وأتى بذلك لينبه على قصور عبارة المختصر، فإنَّه نصب الخلاف في الصحة، وهو في الحقيقة خلاف في تحقيق الوجوب على المكلف، ولهذا ترجم الأكثرون المسألة: أنه هل يعلم المأمور كونه مأموراً قبل التمكن من الامتثال أو لا، حتى يمضي عليه زمن الإمكان.
قال: فالفعل الممكن بذاته، إذا أمر الله به عبده فسمع الأمر في زمن لم يفهمه في زمن يليه، هل يعلم إذ ذاك أنه مأمور، معَ أن من الجائز أن يقطعه عن الفعل قاطع: عجز أو موت، أو يكون شاكاً في ذلك؛ لأنَّ التكليف مشروط بسلامة العاقبة وهو لا يتحققها؟ أصحابنا على الأول، فيرون تخفيفاً مستفاداً من صيغة الأمر، وإنما الشك من رافع يرفعه المستقر، والقوم على العكس، قالَ: ويلزمهم ألا يوجد منه عبادة لحصول الشك، فلا يصح لهم عمل، وأقول هنا مسألتان.
إحداهما: بالنسبة إلى المأمور، أن الأمر إذا اتصل به ولا مانع، فيعلم علماً قطعياً، أنه مأمور في الحال، وكذا في الأزمنة المستقبلة بشرط بقائه على صيغة التكليف، وقالت المعتزلة: لا يصح علمه بتوجه الأمر عليه إلا بعد الامتثال، أو مضي زمن يسعه معَ تركه.
الثانية: بالنسبة إلى الأمر، هل يصح ورود الأمر المقيد بشرط علم الآمر عدم وقوعه؟ وهي مبنية على ما قبلها، فمن قالَ: إن الآمر يعلم كونه مأموراً قبل التمكن، جوز وروده، ومن لم يقل به لم يَجُوزه إلا أن الخلاف هنا لا يختص بما علم عدم وقوعه، بل يجري خلاف المعتزلة في المعلوم الوقوع أيضاًً، فحاصل مذهبهم: إحالة تصور الأمر بشرط في حق الله تعالى، سواء علم وقوعه، أو عدم وقوعه، فظهر بذلك قصور عبارة ابن الحاجب والمصنف وغيرهما، حيث ترجموا المسألة ببعض أفرادها، فأوهموا موافقتهم في معلوم الوقوع، ولزم من ذلك نسبة ابن الحاجب للتناقض حيث ادعى الإجماع في خلاف المعلوم، أنه يصح التكليف به، وهنا حكى الخلاف
стр. 208
فيه، وسلم المصنف في شرحه السؤال، وجمع بينَهما بما لا يشفى (٣٧ أ) وإذا عرفت حقيقة المسألة، زال الاضطراب فإنَّها ليست موضوعة فيما علم انتفاء شرط وقوعه، بل في أنه هل يصح تكليف الله عبده بشرط أم لا؟ فالمعتزلة يقولون: إن ذلك محال سواء علم وقوعه أو علم عدم وقوعه؛ لأنَّه معَ العلم بالوقوع لا يكون شرطاً وإلا لكان ذكره عبثاً، ومع العلم بعدم الوقوع، لا يكون أمراً إلا على رأي بعض من يَجُوز تكليف ما لا يطاق، وقول المصنف: يلزمهم بطلان العبادات لعدم الجزم، فغير لازم؛ لأنَّ الشك ليس في نفس العبادة، بل في بقائه إلى فراغها، وساغ له الإقدام عليها معَ ذلك استصحاباً بالأصل السلامة، ولهذا قالَ أبو الحسين في (المعتمد): قالَ أصحابنا: إنما يجب التأهب للصلاة لثبوت أمارة بقائه سالماً إلى وقتها فوجب عليه لهذه الأمارة التحرز من ترك ما لا يؤمن وجوبه.
ص: (خاتمة: الحكم قد يتعلق بأمرين على الترتيب، فيحرم الجمع أو يباح أو يسن).
ش: مثال الأول: أكل المذكى والميتة لعذر الاضطرار المبيح للميتة، ومثال الثاني: الوضوء والتيمم، كذا قالَ في (المحصول) وغلط، فإنَّ التيمم معَ وجود الماء لا يصح، والإتيان بالعبادة الفاسدة حرام، وإن استعمله لا على قصد العبادة فلا يكون تيمماً وقالَ القرافي: مراده صورة التيمم، أمَّا التيمم الشرعي المبيح
стр. 209
للصلاة، فلا تتصور حقيقته معَ الوضوء؛ لأنَّه حينئذ غير مشروع، قلت: ويمكن تصويره على رأي ابن سريج في الماء المختلف في طهوريته كالمستعمل والنبيّذ، الذي يَجُوز أبو حنيفة الطهارة به، فإنَّه نص في كتاب الودائع على أنه يتوضأ به ويتيمم خروجاً من الخلاف ومثله قول أبي حنيفة في سؤر الحمار: إن لم يجد غيره توضأ به وتيمم.
стр. 210
ومثال الثالث: خصال الكفارة المرتبة، كذا قالَ في (المحصول) وفي كون الجمع بينها سنة يحتاج إلى دليل، ولم يذكره الفقهاء، بل في تصويره نظر، فإنَّه إذا كفر بالعتق مثلا ثمَّ صام، فقد سقطت الكفارة بالأولى، فلا ينوي بالثانية الكفارة لعدم بقائها عليه، وينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم؟
ص: (وعلى البدل كذلك).
ش: أي هذه الأشياء كما تكون في المرتب تكون في المخير، ومثل الإمام وغيره، المحرم الجمع: تزويج المرأة من كفأين والمباح: ستر العورة بثوبين، والمندوب: بالجمع بينَ خصال كفارة الحنث، وفيه ما سبق في الكفارة المرتبة.
[الكتاب الأول: في الكتاب]
ص: (الكتاب الأول: في الكتاب ومباحث الأقوال: الكتاب: القرآن، والمعني به هنا: اللفظ المنزل على مُحَمَّد ﷺ للإعجاز بسورة منه، المتعبد بتلاوته).
ش: لما كانَ الكتاب أصلاً لسائر الأدلة الشرعية، قدم البحث عنه على البحث عن سائرها، والألف واللام فيه للغلبة؛ لأنَّ المراد به الذي يتعارفه المسلمون، المقابل للسنة، فيقال: الكتاب والسنة، فقوله: (الكتاب القرآن) هو قولنا:
стр. 211
الإنسان البشر، والقمح البر، وقوله: (والمعني) إشارة إلى أن القرآن يطلق تارة ويراد به مدلول اللفظ، وهو المعنى القائم بالنفس، وذلك محل نظر المتكلمين وأخرى ويراد به الألفاظ الدالة على ما في النفس، قالَ تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ والمسموع هو العبارات، وهذا محل (٣٧ ب) نظر الأصوليين والفقهاء والنحاة وغيرهم، فقوله: (اللفظ) كالجنس، فيخرج به النفسي، وإنما عبر به دون القول، وإن كانَ القول أخص من اللفظ فإنَّه لا يتناول غير المستعمل ـ لأنَّ القصد هنا التنصيص على أن البحث عن الألفاظ، ولو أتي بالقول لم يفهم ذلك، وقوله: (المنزل) فصل أول، يخرج اللفظ غير المنزل، وقوله: (على مُحَمَّد ﷺ ، فصل ثان، يخرج المنزل على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، و (للإعجاز)،ـ فصل ثالث، يخرج المنزل لا للإعجاز كالأحاديث، كذا قالُوا، وساعدهم قول الحليمي في المنهاج: علوم القرآن توجد في السنة إلا الإعجاز، فإنَّه من خصائص الكتاب، ولهذا جوزوا رواية الحديث بالمعنى، وينبغي أن يكون مرادهم: أن
стр. 212
الأحاديث لم تنزل للإعجاز، أي لقصده، فإنَّها لا تخلو عنه، كيف وهو القائل: ((أوتيت جوامع الكلم)) وبذلك يؤول قول الحليمي، وقوله: (بسورة منه) من تتمة الفصل الثالث، وهو بيان للواقع لا الإخراج، والمعنى فيه: أن الإعجاز واقع بسورة منه، فلو أطلق (المنزل للإعجاز) لأوهم أن الإعجاز بكله، وليس كذلك، ولا ينبغي أن يتوهم أنه فصل رابع يخرج ما نزل للإعجاز، ولكن لا بسورة منه، فإنَّ ذلك لم يوجد، أعني كلاماً نزل للإعجاز على مُحَمَّد ﷺ لا بسورة منه، و (المتعبد
بتلاوته) فصل رابع يخرج منسوخ التلاوة، مثلا، وقوله: (بسورة) يقتضي أنها أقل ما وقع التحدي به، لقوله تعالى: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مثله﴾ لكن قوله تعالى: ﴿فليأتوا بحديث مثله﴾ يقتضي الإعجاز بآية.
стр. 213
ص: (ومنه البسملة في أول كل سورة غير (براءة) على الصحيح).
ش: هي آية من أول الفاتحة بلا خلاف عندَنا، وكذا فيما عداها من باقي السورة سوى (براءة) على أظهر قولي الشافعي، والثاني: ليست من القرآن بالكلية ونسبه بعضهم للأئمة الثلاثة، وهو مقابل الصحيح في كلام المصنف، وعمدتنا ثبوتها في شواذ المصحف أول كل سورة، وأجمع الصحابة على أنه لا يكتب في المصحف ما ليس بقرآن، وأن ما بينَ الدفتين كلام الله تعالى، قاله القاضي الحسين، والغزالي، والنَّوَوِيّ، وغيرهم، وهو أحسن الأدلة، وإذا قلنا بأنها من القرآن، فالمشهور أنها آية كاملة، وفي قول: بعض آية، وحكى ابن الرفعة وجهاً، إن كانَ الحرف الأخير من السورة قبله ياء ممدودة كالبقرة، فالبسملة آية كاملة منها،
стр. 214
وإن لم يكن كـ ﴿اقتربت الساعة﴾ فبعض آية، وعلم من قوله: (أول كل سورة) أنها آية منها، والمخالف فيه أبو بكر الرَّازِيّ، من الحنفية إلى أنها آية مفردة، أنزلت للفصل بينَ السور، حكاه عنه ابن السمعاني في (الاصطلام) وسيأتي عن رواية الرَّبِيع، عن الشافعي ما يقتضيه، نعم ظاهر كلام المصنف يقتضي أنها من القرآن على سبيل القطع كسائر القرآن، وهو وجه مرجوح، حكاه الماوردي والإمام وغيرهما، قالَ الماوردي: والجمهور على أنها آية حكماً لا قطعاً لاختلاف العلماء فيها، ومعنى حكماً: أنه لا تصح الصلاة إلا بها في أول الفاتحة، وضعف الإمام قول من قالَ: إنها قرآن على سبيل القطع، وقالَ: هذه غباوة عظيمة من قائله؛ لأنَّ ادعاء العلم حيث لا قاطع، محال، وصحح النَّوَوِيّ أنها قرآن على سبيل الحكم،
стр. 215
واستدل إلى أنه لا يكفر (٣٨ أ) بالإجماع، ولو كانت على سبيل القطع لكفر، وبنوا على هذا الخلاف أنه هل يقبل في
إثباتها خبر الواحد؟ إن قلنا: آية حكماً فنعم كسائر الأحكام، وإن قلنا: قطعاً، فلا كسائر القرآن، وكان شيخنا بهاء الدين بن عقيل ـ رَحِمَه اللهُ تعالى يقول: الذي يظهر أن إثباتها قرآناً لا يكون إلا بقاطع كغيرها، ويَجُوز كونه خبر الواحد الذي احتفت به القرائن وهو إجماعهم على كتبها في المصاحف كلها بقلم القرآن، وعدم تكفيرنا فيها لكون القطع ناشئاً عن ثبوت الخبر المحتف بالقرائن، وهذا لم يحصل للنافي، على أن العمراني حكى في زوائده عن صاحب (الفروع) أنا إذا قلنا: إنها من الفاتحة قطعاً كفرنا نافيها، وفسقنا تاركها، ولكن المعروف الأول، قالَ ابن السمعاني: وقولهم: لو كانت قرآنا لنقلت بدليل يفيد القطع ـ مردود؛ لأنَّا نريد بكونها من القرآن في رأس كل سورة عملاً لا علماً، ونظيره الحجر هو من البيت بدلائل لا توجب العلم، بل توجب العمل، وهو الطواف عليه، وسائر الكعبة قبلة بدليل مقطوع يوجب العلم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال،
следующие страницы →