Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
فروعها وفوائدها، وهذا ما عليه الجدليون، واختاره البيضاوي، وقيل: بترجيح المركبة، وقيل: هما سواء، وفي (التلخيص) لإمام الحرمين: قال القاضي: ولعله الصحيح، وقال في (البرهان): قدم بعضهم البسيطة على المركبة، لكثرة فروعها ولقلة الاجتهاد فيها، وهو باطل، فإن إطلاق القول بأن الوصف الواحد أكثر فروعاً لا يصح (١٤٧/ز) فقد يكون أقل وقد يكون قاصراً، نعم، إن فرضنا من أصل واحد فالمفردة أكثر فروعاً وينبني على التعليل بعلتين.
الحادي والعشرون: يقدم القياس الذي علته بمعنى الباعثة على الذي علته بمعنى الأمارة، لأن قبول الطاعة عليه أسرع، كذا ذكره ابن الحاجب قال المصنف في شرحه: (ولقائل أن يقول: العلة أبداً إما بمعنى الباعث، أو الأمارة، أو المؤثر، على ما سبق الخلاف فيه، أما القول بأنها تارة بمعنى الباعث وتارة بمعنى الأمارة، فلم يقل به أحد، وكأن مراده أن ذات التأثير والتخيل أرجح من التي لا يظهر لها معنى قلت: مراده: يرجح بالجامع الباعث على ما الجامع الأمارة للاتفاق على صحة التعليل بالوصف الباعث والخلاف في الأمارة، وهذا نظير ما لو كان إحداهما اسماً والأخرى وصفاً، فالصفة أولى من الاسم، لأن الأصح أن الاسم
стр. 1507
لا يجوز أن يكون علة. قاله ابن السمعاني.
الثاني والعشرون: تقدم المطردة المنعكسة على التي لا تنعكس، لأن الأولى أغلب على الظن.
الثالث والعشرون: يقدم ما تكون العلة فيه مطردة فقط ـ أي: غير منعكسة ـ على ما تكون العلة فيه منعكسة فقط، أي: غير مطردة، لأن اعتبار الاطراد متفق عليه بخلاف الانعكاس.
الرابع والعشرون: رجح قوم العلة المتعدية على القاصرة، وعكس آخرون منهم الأستاذ، وذهب القاضي إلى أنه لا ترجيح بقصور ولا تعدية، واختاره ابن السمعاني، وحكى الأقوال الثلاثة إمام الحرمين وهي عنده لا تقع، لأنها من باب اجتماع علتين لحكم، ومن قال بوقوع ذلك فلا حاجة إلى الترجيح عنده إذ يقول بهما، وأما من لا يرى اجتماع العلتين فجمهورهم على ترجيح المتعدية لإفادتها، واحتج من رجح القاصرة بشهادة (٦٦/ك) النص لها في جميع مواردها، فالتمسك بها أمن من الخطأ، ومنع القاضي ترجيح المتعدية بالفائدة، وقال: لا ترجيح
стр. 1508
بالفائدة وإنما ينشأ الترجيح من مثار دليل صحتها، وعدم الفائدة لا تبطلها ولا يقدح في عليتها وهو قبحه، واختار الإمام ترجيح المتعدية لو وقع ذلك، قال: لوجداننا في الفرع وصفاً مناسباً مستنداً إلى أصل، ومال الغزالي إلى ترجيح القاصرة فإنها أوفق للنص، قال وترجيح المتعدية ضعيف عند من لا يفسد القاصرة لا بكثرة الفروع بل وجود أصل الفروع لا تبين قوة في ذات العلة قلت: ولو رجح المتعدية بأنها متفق عليها والقاصرة مختلف فيها لم يبعد.
الخامس والعشرون: إذا كان إحداهما أكثر فروعاً والأخرى قليلة، ففي ترجيح إحداهما على الأخرى قولان، ومن رجح المتعدية رجح الكثيرة الفروع على القليلة، واختاره الإمام على أصله السابق في أنا متى وجدنا في بعض الفروع معنى صحيحاً مستنداً إلى أصل، فلا يترك لعدم غيره، وإذا رجحنا بكثرة الفروع فإذا كانت القليلة الفروع لها نظائر تساوي في عدتها كثرة الفروع فهل تقوم كثرة النظائر مقام كثرة الفروع؟ فيه نظر، وقد عقد الإمام لها مسألة.
стр. 1509
(ص): والأعرف من الحدود السمعية على الأخفي، والذاتي على العرضي والصريح والأعم، وموافقة نقل السمع واللغة، ورجحان طريق اكتسابه.
(ش): لما انتهى من وجوه الترجيح في الأدلة ختم بالترجيح في الحدود، وهي إما عقلية كتعريف الماهيات، وإما سمعية لثبوتها من الأحكام، وهو المقصود هنا، وهو إما باعتبار اللفظ، أو بحسب أمر خارج، فالأول يترجح الحد بمعرف أعرف عند السامع على الحد بمعرف أخفى، لأن الأول أفضى إلى مقصود التعريف من الثاني، ويترجح الحد بالذاتي على الحد بالعرضي، لأن الأول يوجب تصور كونه المطلوب بخلاف الثاني ويرجح بالألفاظ الصريحة على غيرها، وبكون أحدهما أعم على الآخر لفائدته المتكثرة، وقيل يرجح الأخص للاتفاق على ثبوت مدلوله الأخص، والاختلاف في ثبوت مدلول الأعم من الزيادة، ومدلوله متفق عليه أولى من المختلف فيه.
والثاني: يرجح الحد الموافق للنقل الشرعي أو اللغوي على غير الموافق لهما،
стр. 1510
لأنه أغلب على الظن صحته من غيرها، ويرجح الحد برجحان طريق اكتسابه على الحد الذي يكون طريق اكتسابه مرجوحاً بأن كان طريق أحدهما قطعياً والآخر ظنياً، وإنما يترجح أحدهما على الآخر بهذا الطريق، لأن الحد السمعي لما كان متلقى من النقل، وطريق النقل قابلة للقوة والضعف جرى الترجيح فيه بحسب ترجيح الطرق بعضها على بعض.
(ص): والمرجحات لا تنحصر، ومثارها غلبة الظن وسبق كثير فلم نعده.
(ش): يشير إلى تقديم بعض أنواع المفاهيم على بعض، وسبق في بحث المفهوم، وإلى تقديم الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي، وسبق في بحث الحقيقة، وإلى تعارض ما يخل بالفهم كالمجاز والاشتراك، وإلى تعارض القول والفعل، وسبق في بحث السنة، وإلى دخول الفاء في كلام الشارع أو الراوي الفقيه وغيره، وسبق في مسالك العلة، وإلى تقديم بعض أنواع المناسب على بعض، وسبق في فصل المناسبة وغير ذلك.
стр. 1511
الكتاب السابع: في الاجتهاد
ش: إنما أخر عن الجميع، لأن الاجتهاد متوقف على معرفة الأدلة وعلى معرفة التعادل والتراجيح.
ص: الاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم.
ش: الاجتهاد لغة: بذل الوسع فيما فيه كلفة، قال الماوردي: مأخوذ من جهاد النفس وكدها في طلب المراد، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف والمراد بالاستفراغ: بذل تمام الطاقة بحيث تحس النفس بالعجز عن المزيد وهو جنس والفقيه احتراز عن المقلد، وقال: لتحصيل ظن، لأنه لا اجتهاد في القطعيات
стр. 1512
ولم يحتج لتقييد الحكم بالشرعي كما فعل ابن الحاجب لأنه قد دل عليه الفقيه وإلا لم يكن لذكر الفقيه في الحد معنى، وقد يورد عليه اجتهاد النبي ﷺ ، فإنه لا يسمى فقيها عرفا، ولعدم الإذن فيه، إلا أن يقال: المحدود اجتهاد (١٤٨/ز) الفقيه لا مطلق الاجتهاد وقال الماوردي: بذل المجهود في طلب المقصود، ونسب ابن أبي هريرة للشافعي ﵁ أن الاجتهاد: هو القياس. وليس كذلك بل التبس عليه كلامه في (الرسالة)، فإنه قال: معنى الاجتهاد معنى القياس أي أن كلا منهما يتوصل به إلى حكم غير منصوص عليه.
ص: والمجتهد الفقيه، وهو البالغ العاقل، أي ذو ملكة يدرك بها العلوم وقيل: العقل نفس العلم: ضرورية.
ش: علم بهذا التعريف ركنا الاجتهاد.
وهما المجتهد والمجتهد فيه، فالمجتهد هو الفقيه ثم أخذ في شروطه فاستطرد بالعاقل، لذلك الخلاف في تعريف العقل، وذكر فيه ثلاث مقالات:
أحدها: أنه ملكة، أي: هيئة راسخة يدرك بها العلوم وهو معنى قول غيره: قوة طبيعية يفصل بها بين حقائق المعلومات.
والثاني: أنه نفس العلم، وهو قول الأشعري، وحكاه الأستاذ أبو إسحاق عن
стр. 1513
أهل الحق، وأنهم قالوا بترادف العقل والعلم وإن اختلف الناس في العقول لكثرة العلوم وقلتها.
والثالث: أنه بعض العلوم الضرورية وهو قول القاضي أبي بكر وتابعه جمع من أصحابنا، كابن الصباغ وسليم الرازي، فخرجت العلوم الكسبية، لأن العاقل يتصف بكونه عاقلا مع انتفاء العلوم النظرية، وإنما قلنا: بعضها، لأنه لو كان جميعها لوجب أن يكون الفاقد للعلم بالمدركات، لعدم الإدراك المتعلق بها، غير عاقل، قال القاضي عبد الوهاب: فقلت له: أفتخص هذا النوع من الضرورة بوصف؟ فقال: يمكن أن يقال ما صح معه الاستنباط ونقل القشيري في (المرشد) عنه أنه قال: لا أنكر ورود العقل في اللغة بمعنى العلم، فإنهم يقولون: عقله وعلمه
стр. 1514
بمعنى، ولكن غرضي أن أبين العقل الذي ربط به التكليف.
ص: فقيه النفس (٦٧/ك)
ش: هذا شرط آخر وهو سجية النفس بالفقه، وهي: أن تكون عنده قوة الفهم على التعرف بالجمع والتفريق، والترتيب، والتصحيح، والإفساد، فإنه ملاك الصنعة، كذا قاله الأستاذ أبو إسحاق، قال: ومن كان موصوفا بالبلادة وبالعجز عن التصرف، لم يكن من أهل الاجتهاد وما أحسن قول الغزالي: إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة يسمعها - فليس بفقيه، حكاه الهمداني في طبقات الحنفية.
ص: وإن أنكر القياس وثالثا إلا الجلي.
ش: هذا ألحقه المصنف بخطه على الحاشية، وأشار بذلك إلى أن منكري القياس يعدون من المجتهدين حتى يعتبر خلافهم، وهذه المسألة تخرج من كلام الناس فيها مذاهب:
أحدها: اعتبار خلافهم مطلقا، وهو ظاهر كلام أصحابنا في (الفروع) ولهذا يذكر الشيخ أبو حامد والماوردي، والقاضي أبو الطيب وغيرهم خلافهم في كتب الفقه ويحاججونهم.
والثاني: المنع مطلقا، وهو قول القاضي أبو بكر، وتابعه إمام الحرمين،
стр. 1515
وقالا: هم في الشرع كمنكري البداية في العقول، فلا أثر لخلافهم ولا وفاقهم.
والثالث: إن أنكروا القياس الجلي لم يعتد بخلافهم، وإلا اعتد، وهو ظاهر كلام ابن الصلاح وغيره، وهو المختار وقال الأبياري في (شرح البرهان): إن كانت المسألة مما تتعلق بالآثار والتوقيف واللفظ اللغوي، وليس للقياس فيها مجال - فلا يصح أن ينعقد الإجماع دونهم، إلا على قول من يرى أن الاجتهاد قضية واحدة لا تتجزأ، فإن قلنا بالتجزئ فلا يمتنع أن يقع النظر في نوع هم فيه محققون.
ص: والعارف بالدليل العقلي والتكليف به.
ش: شرط الغزالي والإمام الرازي: كونه عارفا بدليل العقل، أي: البراءة الأصلية ويعرف أنا مكلفون بالتمسك به ما لم يرد دليل ناقل من نص أو إجماع أو غيرهما قال الهندي: ولم يذكرا فيه القياس، فإن كان ذلك بناء على أنه متفرع
стр. 1516
من الكتاب والسنة فالإجماع والعقل أيضا كذلك، فكان يجب أن لا يذكراهما وإن كان ذلك بناء على أنه ليس بمدرك، فكونه حجة ينفي ذلك، بل هو أيضا مدرك من المدارك فينبغي أيضا أن يكون المجتهد عارفا به وبأنواعه وأقسامه وشرائطه المعتبرة وطرق عليته.
ص: ذو الدرجة الوسطى لغة وعربية وأصولا وبلاغة.
ش: أما اعتبار اللغة والعربية فلأن شرعنا عربي، فلا يمكن التوصل إليه إلا بفهم كلام العرب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولو أن المصنف عبر بدل العربية بالنحو لكان أحسن لشموله الإعراب والتصريف، وأشار بقوله (الدرجة الوسطى) إلى أنه لا يشترط في ذلك بلوغه إلى حد الأصمعي والخليل
стр. 1517
وسيبويه بل يكفي عرفانه بأوضاع العرف، بحيث يميز العبارة الصحيحية عن الفاسدة والراجحة عن المرجوحة، فإنه يجب حمل كلام الله وكلام رسوله ﷺ على ما هو الراجح، وإن كان عكسه مرجوحا جائزا في كلام العرب، وقال الأستاذ: فأما الحروف التي يختلف عليها المعاني فيجب فيه التبحر والكمال ويكتفى بالتوسط فيما عداها، وأما اللغة فيجب فيها الزيادة على التوسط حتى لا يشذ عنه المستعمل في الكلام في غالب اللغة، وأما اعتبار أصول الفقه فلأن به يقوى على معرفة الأدلة وكيفية الاستنباط، وكلما كان أكمل في معرفته، كان منصبه أتم وأعلى في الاجتهاد، وأما اعتبار معرفة البلاغة فلأن الكتاب والسنة في الذروة العليا من الإعجاز فلا بد من معرفة الإعجاز، ومواقعه وأساليبه ليتمكن بذلك من الاستنباط.
ص: ومتعلق الأحكام من كتاب وسنة، وإن لم يحفظ المتون.
ش: (متعلق) بفتح اللام بخط المصنف، أي: لا بد له من معرفة كتاب الله قالوا: ولا يشترط معرفة جميعه، بل ما يتعلق بالأحكام، وذكر أنها خمسمائة آية
стр. 1518
وكأنهم أرادوا بالمطابقة وإلا فغالب القرآن - بل كله - لا يخلو عن مستنبط حكم لمن وهب له، قالوا: ولا يشترط حفظها بل يكفي أن يكون عارفا بمواقعها حتى يطلب منها الآية التي يحتاج إليها عند نزول الواقعة، ولا بد له من معرفة سنة رسول الله ﷺ ولا يشترط أيضا معرفة جميعها، بل ما (١٤٩/ز) يتعلق بالأحكام ثم لا يشترط حفظها، بل معرفة مواقعها حتى يطلب منها عند الحاجة إليها.
ص: وقال الشيخ الإمام: هو من هذه العلوم ملكة له، وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها، بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع ويعتبر، قال الشيخ الإمام: لإيقاع الاجتهاد لا لكونه صفة فيه كونه خبيرا بمواقع الإجماع كي لا يخرقه.
ش: ما سبق من الشروط يعتبر لكونه صفة في المجتهد، وذكر شروطا أخرى وهي في الحقيقة شروط لإيقاع الاجتهاد واستعماله لا لصفة راجعة إليه فلهذا فصلها المصنف عما قبلها، ونقل ذلك عن والده، وفي كلام الغزالي ما يشير إليه، فإنه ميز هذه عما قبلها، وجعلها متممة للاجتهاد ولم يدرجها في
стр. 1519
شروطه الأصلية، فمنها: أن يعرف مواقع الإجماع، أي: حتى لا يفتي بخلافه ولكنه لا يلزمه حفظ جميع مواقعه، بل كل مسألة يفتي فيها، فينبغي أن يعلم أن فتواه ليست مخالفة للإجماع، إما بأن يعلم موافقته مذهب عالم، أو بأن تكون الواقعة متولدة في العصر ليس لأهل الإجماع فيها خوض.
ص: والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، وشرط المتواتر والآحاد والصحيح والضعيف وحال الرواة، وسير الصحابة، ويكفي في زماننا الرجوع إلى أئمة ذلك.
ش: ومنها: كونه خبيرا بالناسخ والمنسوخ، مخافة أن يقع في الحكم المنسوخ والمتروك، ولا يشترط حفظ ذلك جميعا، بل كل واقعة يفتي فيها بآية أو حديث، فينبغي أن يعلم أنه ليس من جملة المنسوخ، كما تقدم في الإجماع، ومنها معرفته بأسباب النزول في النصوص الأحكامية، ليعلم الباعث على الحكم، وقد يقتضي التخصيص (٦٨/ك) به أو يفهم به معناه، ومنها معرفة شرط المتواتر والآحاد ليقدم الأول
стр. 1520
عند التعارض ومنها: معرفة الصحيح والضعيف، ليحتج بالصحيح ويطرح الضعيف، ومنها: حال الرواة في القوة والضعف، ليتميز المقبول عن المردود. وقال الشيخ أبو إسحاق والغزالي وغيرهما، ويعول في ذلك على قول أئمة الحديث كأحمد والبخاري ومسلم والدارقطني، وأبي داود ونحوهم، لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم كما نأخذ بقول المقومين في القيم، ومنها: معرفة جملة أحكام الصحابة وفتاويهم.
ص: ولا يشترط علم الكلام وتفاريع الفقه والذكورة والحرية، وكذا العدالة على الأصح.
стр. 1521
ش: عدم اشتراط علم الكلام، قاله الأصوليون، وقال الرافعي: عد الأصحاب من شروط الاجتهاد معرفة أصول العقائد قال الغزالي: وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم، ولا يشترط معرفتها على طريق المتكلمين، وبأدلتهم التي يحررونها انتهى. وكان بعض مشايخنا ينازع في نسبة الاشتراط للأصحاب، وقال: لم أر في كتبهم ذلك. ومنها: لا يشترط تفاريع الفقه، وكيف يحتاج إليها والمجتهد هو الذي يولدها ويحكم فيها؟ فإذا كان الاجتهاد نتيجة فلو شرط فيه لزم الدور، وعن الأستاذ أبي إسحاق: يشترط الفقه، ولعله أراد ممارسته وإليه مال الغزالي فقال: إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسته فهو طريق يحصل الدربة في هذا الزمان، ولم يكن الطريق في زمن الصحابة ذلك. ومنها: لا يعتبر في صحة الاجتهاد أن يكون رجلا ولا أن يكون حرا، ولا أن يكون عدلا، وإنما تعتبر العدالة في الحكم
стр. 1522
والفتوى فلا يجوز استفتاء الفاسق، وإن صح استفتاء المرأة والعبد، ولا يصح الحكم إلا من رجل عدل، فصار= شروط الفتيا أغلظ من شروط الاجتهاد بالعدالة، لما تضمنه من القبول يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص، لأن ذلك في جواز التمسك بالظاهر المجرد عن القرائن والكلام هنا في اشتراط معرفة المعارض أي بعد ثبوت كونه معارضا، ولهذا قال في (المحصول): يشترط أن يعرف الأدلة التي تقتضي تخصيص العموم في الأعيان، وهو المسمى بالتخصيص، أو في الأذهان وهو النسخ، والذي يقتضي تعميم الخاص وهو القياس، وحينئذ يجب أن يكون عارفا بشرائط القياس ليميز ما يجوز عما لا يجوز، ولكن الأبياري في (شرح البرهان) أجرى الكلام على ظاهره، وحكى الخلاف السابق في باب العموم هنا وأن ذلك جار في كل دليل مع معارضه، وإلى أي وقت يبحث فيه الخلاف السابق في باب العموم، وهذا هو الظاهر، وبه يعلم تناقض (المحصول) ومن تبعه.
стр. 1523
ومنها: أن يعرف من حال المخاطب أنه يعني باللفظ ما يقتضيه ظاهره إن تجرد عن القرينة المعينة، وإن كان معه قرينة فما تقتضيه القرينة، وإلا لما حصل الوثوق بشيء من الأحكام (١٥٠/ز) لجواز أن يقال: إنه عنى بالخطاب الذي يدل ظاهره على حكم، أو خبر، أو وعد، أو وعيد غير ظاهره، مع أنه لم ينبه عليه، فيجب على المجتهد أن يبحث عن القرينة إلى أن يغلب على الظن وجودها أو عدمها فيعمل بمقتضاها إن وجدها، وإلا فما يقتضيه ظاهر اللفظ.
ص: دونه مجتهد المذهب وهو المتمكن من تخريج الوجوه على نصوص إمامه، ودونه مجتهد الفتيا وهو المتبحر المتمكن من ترجيح قول على قول آخر.
ش: اجتماع تلك العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع، وقد انقطع الآن، ودونه في الرتبة مجتهد المذهب وهو من ينتحل مذهب إمام من الأئمة وعرف مذهبه وصار حاذقا فيه بحيث لا يشذ عنه شيء من أصول مذهبه ومنصوصاته فإذا سئل عن حادثة، إن عرف لصاحبه نصا أجاب وإلا اجتهد فيها على مذهبه وخرجها على أصول صاحبه، وادعى ابن أبي الدم أن هذا النوع قد انقطع في هذه الأعصار كالذي قبلها، ودونهما في المرتبة مجتهد الفتيا وهو المتبحر في المذهب المتمكن من ترجيح قول على آخر، وهذا أدنى المراتب، وما بقي بعده إلا العامي ومن في معناه.
стр. 1524
ص: والصحيح جواز تجزؤ الاجتهاد.
ش: أي يجوز أن يقال: رجل منصب الاجتهاد وفي بعض المسائل دون بعض وفي فن دون فن، فإذا ظهر له ترجيح في شيء قال به، وإذا لم يظهر له قلد، لأنه لو لم يتجزأ لعلم المجتهد جميع الأحكام ومداركها وقد سئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: لا أدري، وقيل: لا يجوز لتعلق البعض بالبعض وهو ممنوع.
стр. 1525
ص: وجواز الاجتهاد للنبي ﷺ (٦٩/ك) ووقوعه وثالثها في الآراء والحروب فقط.
ش: اختلف في النبي ﷺ هل كان يجوز له الاجتهاد فيما لا نص فيه فذهب الجمهور إلى جوازه، وقال الواحدي في (البسيط) إنه
стр. 1526
مذهب الشافعي ﵁ وعزاه إلى سائر الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ولا حجة للمانع في قوله تعالى: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ فإن القياس على النصوص بالوحي اتباع للوحي، ثم منهم من قال بوقوعه وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب ومنهم من أنكر وقوعه وتوقف فيه جمهور المحققين وذهب أبو علي وابنه أبو هاشم إلى أنه لم يكن متعبدا به وشذ قوم فقالوا بامتناعه عقلا، كما حكاه القاضي كما في (التخليص) لإمام الحرمين ومنهم
стр. 1527
من جوزه في أمور الحروب دون الأحكام الشرعية وادعى القرافي أن محل الخلاف في الفتاوى، وأن الأقضية يجوز فيها من غير نزاع، ويشهد له ما رواه أبو داود عن أم سلمة، قالت أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست، فقال: ((إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه)) واحتج المانعون بأن: الاجتهاد إنما يسوغ عند فقد النص، والأنبياء لا يفقدونه لتمكنهم من استطلاع الوحي، وأجيب: بأنه إذا لم يأتهم الوحي في الواقعة فهم كغيرهم في البحث عن معاني النصوص، إلا أنهم يفارقون غيرهم في العصمة من الخطأ.
ص: والصواب أن اجتهاده ﵊ لا يخطئ؟
ش: إذا جوزنا الاجتهاد على النبي ﷺ فالصواب أنه لا يخطئ
стр. 1528
اجتهاده وهذا هو الحق، وعليه جرى البيضاوي وهو خير من قول ابن الحاجب لا يقر على خطأ فإن الذي يعتقده عدم وقوع الخطأ فيه البتة، ويقال لمن جوزه بشرط عدم التقرير: أليس يصدق صدور الخطأ المضاد لمنصب النبوة، ويلزمك محال من الهذيان، وهو أن يكون بعض المجتهدين في حال إصابته أكمل من المصطفى ﷺ في تلك الحالة معاذ الله!
ص: وأن الاجتهاد جائز في عصره ﷺ وثالثها بإذنه صريحا قيل: أو غير صريح، ورابعها للبعيد، وخامسها للولاة.
ش: الكلام في هذه المسألة في مقامين أحدهما: في الجواز وفيه مذاهب:
أحدها: يجوز مطلقا وهو المختار عند الأكثرين
стр. 1529
إمكان النص لا يضاد الاجتهاد وإنما الذي يضاد نفس النص.
والثاني: المنع مطلقا، وهو ههنا أظهر منه المسألة التي قبلها، لأن مراجعة النبي ﷺ أسهل من طلب النبي ﷺ ذلك بالوحي الذي قد يتأخر.
والثالث: إن ورد الإذن بذلك جاز، وإلا فلا، ثم منهم من نزل السكون على المنع منه مع العلم بوقوعه منزلة الإذن، ومنهم من اشترط صريح الإذن.
والرابع: يجوز للغائبين مطلقا بخلاف الحاضرين لأن الغائب لو أخر الحادثة إلا لقائه لفاتت المصلحة بل حكى الأستاذ أبو منصور الإجماع في الغائب.
стр. 1530
والخامس: يجوز للغائبين عنه من القضاة والولاة، كعلي ومعاذ لما بعثهما إلى اليمن، دون الحاضرين، كذا حكاه الغزالي والآمدي قال الإمام: والخوض في هذه المسألة قليل الفائدة، لأنه لا ثمرة له في الفقه، واعترضه الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وقال: في مسائل الفقه ما ينبني عليه، لو شك في نجاسة الإناءين ومعه ماء طاهر بيقين غيرهما ففي جواز الاجتهاد وجهان أصحهما: نعم وهو قول من يجوز في زمنه، والثاني: المنع، وتابعه المصنف في (شرح المنهاج)، وفيه نظر.
ص: وأنه وقع وثالثها لم يقع للحاضر ورابعها: الوقف.
ش: المقام الثاني: في الوقوع، وفيه مذاهب:
أحدها: وقوعه من مجتهدي الصحابة في حضوره وغيبته ظنا، قال ابن الحاجب: وهو المختار، قيل: ولم يقل أحد: إنه وقع قطعا لكن لما ذكر الهندي أدلة الوقوع قال: فإن قلت: هذه أخبار آحاد لا يتمسك بها فيما نحن فيه، لأنها من المسائل العلمية، قال: قلنا: وإن كانت أخبار آحاد، لكن تلقتها الأمة بالقبول
стр. 1531
فجاز أن يقال: إنها تفيد القطع، للاتفاق عليه.
والثاني: لم يقع.
والثالث: لم يقع لحاضر.
والرابع: الوقف، واختاره البيضاوي ونسبه للأكثرين.
والخامس: الوقف في حق الحاضرين، وأما الغائبون فالظاهر وقوع تعبدهم به ولا قطع. ولا شك أن الأدلة في هذه (١٥١/ز) المسألة متعارضة وأحاديث موافقة عمر ﵁ ربه ﵎. تشهد للوقوع من الحاضرين.
стр. 1532
ص: مسألة: المصيب في العقليات واحد، ونافي الإسلام فخطيء آثم كافر، وقال الجاحظ والعنبري: لا يأثم المجتهد، قيل: مطلقا، وقيل: إن كان مسلما. وقيل: زاد العنبري: كل مصيب، أما المسألة التي لا قاطع فيها فقال الشيخ والقاضي أبو يوسف ومحمد وابن سيرين: كل مجتهد مصيب ثم قال الأولان: حكم الله تابع لظن المجتهد، وقال الثلاثة: هناك ما لو حكم لكان به ومن ثم قالوا أصاب اجتهاداً لا حكما، وابتداء لا انتهاء، والصحيح وفاقا للجمهور: أن المصيب واحد ولله تعالى قبل الاجتهاد، قيل: لا دليل عليه، والأصح: أن عليه أمارة، وأنه مكلف بإصابته، وأن مخطئه لا يأثم بل يؤجر، أما الجزئية التي فيها قاطع فالمصيب فيها واحد وفاقا، وقيل: على الخلاف ولا يأثم المخطئ على الأصح، ومتى قصر مجتهد أثم وفاقا.
ش: اعلم أن النسخ ههنا اختلفت والذي استقر عليه المصنف ما أثبته هنا، وهي مقصودة، لأن المصيب واحد أو متعدد، والمسائل قسمان: عقلية وغير عقلية، أما العقلية: فالمصيب فيها واحد، ومن لم يصادف الواقع هو آثم وإن بالغ في النظر، سواء كان مدركه عقليا، كحدوث العالم وخلق الأفعال، أو شرعيا كعذاب القبر أما نافي الإسلام كاليهود والنصارى فهم مخطئون آثمون كافرون وخالف
стр. 1533
الجاحظ والعنبري فقالا: لا يأثم المجتهد، ثم اختلف النقل عنهم فمنهم من أطلق ذلك فشمل سائر الكفار والضلال، ومنهم من شرط (٦٩/ك) الإسلام وهذا هو اللائق بهما، وقال القاضي في (مختصر التقريب): إنه أشهر الروايتين عن العنبري وقال ابن قتيبة: سئل عن أهل القدر وأهل الإجبار، فقال: كل
стр. 1534
مصيب فهؤلاء قوم عظموا الله وهؤلاء قوم نزهوا الله وقال الكيا الهراسي: ذهب العنبري إلى أن المصيب في العقليات واحد، ولكن ما تعلق بتصديق الرسل وإثبات حدوث العالم والصانع، فالمخطئ فيه غير معذور، وأما ما تعلق بالقدر والجبر وإثبات الجهة ونفيها، فالمخطئ فيه معذور، ولو كان مبطلا في اعتقاده بعد الموافقة في تصديق الرسل والتزام الملة، وبنى على ذلك أن الخلق ما كلفوا إلا باعتقاد تعظيم الله تعالى، وتنزيهه من وجه، ولذلك لم يبحث الصحابة عن معنى الألفاظ الموهمة للتشبيه علما منهم بأن اعتقادهم لا تجر حرجا.
القسم الثاني: المسائل غير العقلية وهي التي ليست أصلا من أصول الشرع المجمع عليه، فينقسم إلى ما ليس عليه برهان (وإلى ما عليه برهان) وإلى الأول أشار بقوله: أما المسألة التي لا قاطع فيها، فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر، والقاضي أبو يوسف
стр. 1535
ومحمد بن الحسن وابن سريج: كل مجتهد مصيب، ثم اختلف هؤلاء فقال الأولان - وهما الشيخ والقاضي -: حكم الله تابع لظن المجتهد، فما ظنه كان حكم الله في حقه، وقال الثلاثة أبو يوسف، ومحمد، وابن سريج، في أصح الروايات عنه مقالة تسمى بالأشبه وهي أن في كل حادثة أمر ما لو حكم الله لم يحكم إلا به، قال في (المنخول): وهذا حكم على الغيب، ثم هؤلاء القائلون بالأشبه يعبرون عنه بأن المجتهد مصيب في اجتهاده مخطئ في الحكم، أي: إذا صادف خلاف ما لو حكم لم يحكم إلا به، وربما قالوا مخطئ انتهاء لا ابتداء هذا آخر تفاريع القول بأن كل مجتهد مصيب.
стр. 1536
وقال الجمهور - وهو الصحيح - المصيب واحد، وقال ابن السمعاني في (القواطع): إنه ظاهر مذهب الشافعي ﵁ ومن حكى عنه غيره فقد أخطأ ولله تعالى في كل واقعة حكم سابق على اجتهاد المجتهدين، وفكر الناظرين ثم اختلفوا أعليه دليل أم هو كدفين يصيبه من شاء الله تعالى ويخطئه من شاء؟ والصحيح أن عليه أمارة واختلف القائلون بأن عليه أمارة في أن المجتهد هل هو مكلف بإصابة الحق أو لا؟ لأن الإصابة ليست في وسعه والصحيح الأول، ثم اختلفوا فيما إذا أخطأ الحق هل يأثم، والصحيح لا يأثم بل له أجر على ما قاله
стр. 1537
صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد)) ومن تفاريع هذا أنه على ماذا يؤجر، ولم يتعرض المصنف له، وقال في المنع: المختار أنه يؤجر على بذل وسعه لا على نفس الخطأ لأنه ليس من صنعه وأما إذا أصاب فله أجران: أحدهما على بذله الوسع، وهذا كما في المخطئ والثاني يحتمل أن يقال: إنه على نفس الصواب، فإن قيل: أليس أنه ليس من صنعه؟ قلنا: قد يثاب المرء على ما ليس من صنعه، وإنما هو من آثار صنعه، ولا كذلك الإثم، ويحتمل أن يقال: إنه على كونه سن سنة حسنة يقتدي بها من يتبعه من المقلدين ومن هنا نقول: المخطئ لا يؤجر على اتباع المقلدين له بخلاف المصيب، لأن مقلد المصيب قد اهتدى به، لأنه صادق الهدى، وهو الحق على: ((ولأن يهدي الله بك واحدا خير لك من حمر النعم)) بخلاف المخطئ فإن مقلده لم يحصل على شيء، غاية الأمر سقوط الحق عنه باعتبار ظنه، أما حصول ثواب زائد ففيه نظر
стр. 1538
وقد استدل على أن كل مجتهد ليس مصيبا (بأن القائل كل مجتهد مصيب) إن كان مصيبا صحت مقالته هذه لمطابقة خبره مخبره، وإن كان مخطئا فقد اختلف كلية دعواه به نفسه، فليس كل مجتهد مصيبا.
القسم الثاني: ما فيه قاطع وإليه الإشارة بقوله: أما الجزئية التي فيها قاطع فالمصيب فيها واحد بالإجماع وإن دق مسلك ذلك القاطع وقيل: على الخلاف في التي قبلها وهو غريب ثم إذا أخطأ نظره، فإن لم يقصر وبذل المجهود في طلبه ولكن تعذر عليه الوصول إليه، فهل يأثم؟ فيه مذهبان: وأصحهما. المنع: والثاني: نعم وهو قول من يقول: إن المخطئ فيما لا قاطع فيه يأثم، وبعض من يوافق هناك على أنه لا يأثم فلذلك كان القول بأنه يأثم (هنا أقوى من القول بأنه يأثم) حيث لا قاطع، ولهذا عبر بلفظ: الأصح هنا، ولفظ: الصحيح هناك إشارة إلى أن هذا له وجه من الصحة، ومقابل ذلك فاسد، وكلام المصنف جازم بأنه مخطئ في هذه الحالة، وقال الغزالي: النص قبل أن يبلغه ليس حكما في حقه فليس مخطئا حقيقة ولهذا لا نقول في أهل قباء في صلاتهم (١٥٢ز) لبيت المقدس، قبل أن يبلغهم الخبر بتحويل القبلة: إنهم مخطئون إذ ذاك ليس حكما في حقهم قبل
стр. 1539
بلوغه لعدم تقصيرهم ثم قال الغزالي: إذا ثبت هذا في مسألة فيها نص، فالتي لا نص فيها كيف يتصور خطأ المجتهد فيها؟ وقوله: ومن قصر، أي: وإن قصر في الاجتهاد فآثم وفاقا سواء في ذات القطع وغيرها، وعبارة ابن الحاجب: مخطئ آثم، وحذف المصنف لفظ: مخطئ لأنه إن أراد: مخطئ في الحكم فلسنا على يقين من ذلك، إذ يحتمل أنه أخطأ وأنه أصاب، ولكنه يأثم لتقصيره، وقد يكون مع ذلك أصاب كواجد دفين، وإن أراد: مخطئ في نفس الاجتهاد فلا كلام فيه.
فائدة: من صوب المجتهد شرط في ذلك: أن لا يكون مذهب الخصم مستندا إلى دليل ينقض الحكم المستند إليه، قاله الشيخ عز الدين.
ص: مسألة: لا ينقض الحكم في الاجتهاديات وفاقا، فإن خالف نصا أو ظاهرا جليا ولو قياسا أو حكم بخلاف اجتهاده أو حكم بخلاف نص إمامه غير مقلد غيره حيث يجوز النقض.
ش: لا يجوز نقض حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية، لا من الحاكم - إذا تغير اجتهاده. ولا من غيره باتفاق (٧/ك) إذ لو جاز النقض لجاز نقض النقض
стр. 1540
ويتسلسل وذلك يؤدي إلى عدم الوثوق بحكم الحاكم، وهو معنى قول الفقهاء في الفروع: ولا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد، وهذا إذا كان حكمه لم يتبين أنه خالف قطعيا فإن خالف قاطعا من كتاب، أو سنة متواترة، أو إجماع، أو ظاهر جلي، أعم من أن يكون مفهوم الموافقة الأولوي أو القياس الجلي - نقض، لأن ذلك مقطوع، مقدم على المظنون، وهنا أمران:
أحدهما: أنه قد يتوهم من عدم النقض في الاجتهاد أن الثاني لا أثر له، وليس كذلك، ولهذا قال الشيخ عز الدين في (القواعد): لو اجتهد ثم بان خلاف ظنه، فإن تبين ذلك بظن يساويه أو ترجح عليه أدنى رجحان، فإن تعلق به حكم ينقض وبنى على اجتهاده الثاني فيما عدا الأحكام المبنية على الاجتهاد الأول، وإن لم يتعلق به حكم وبنى على ما أدى إليه اجتهاده ثانيا إلى أن يستوي الظنان، فيجب التوقف على الأصح. الثاني: محل قولنا: إن النص يبطل حكم الاجتهاد إذا كان النص المخالف موجودا قبل الاجتهاد فإن كان النص حادثا بعد الاجتهاد - ويتصور هذا في عصر النبي ﷺ فالحكم بالاجتهاد السابق نافذ، قاله الماوردي في باب التيمم من (الحاوي) وأشار المصنف بقوله:
стр. 1541
(إن حكم بخلاف اجتهاده) إلى أنه ينقض حكمه في صورتين إن كانا في الاجتهاديات:
إحداهما: لو حكم المجتهد على خلاف اجتهاد نفسه، كان حكمه باطلا سواء قلد غيره أم لا، لأنه يجب عليه العمل بظنه.
الثانية: إذا حكم مقلد بخلاف قول إمامه، انبنى على أنه هل يجوز له تقليد غيره؟ فإن قلنا: لا يجوز بل عليه اتباع مقلده، فينتقض وإن جوزنا تقليد من شاء فلا، كذا قاله ابن الحاجب وغيره.
وأما تقييد المصنف هذه المسألة بما إذا لم يقلد غيره فسهو أصله أن الغزالي قال: إذا معنا من قلد أن يقلد غيره، وفعل وحكم بقوله فينبغي أن لا ينفذ قضاؤه لأنه في ظنه أن إمامه أرجح ونقله عنه الرافعي إلا أنه حذف لفظة (ينبغي) فأوهم أنه منقول لا بحث، واختصره النووي ﵀ في (الروضة) فحذف التعليل فأوهم أن المسألة فيمن قلد غير إمامه، سواء كان لدليل ساقه بحيث يظن أن الحق مع
стр. 1542
غيره في تلك المسألة أم لا، بل لمجرد صده عن إمامه، وإنما هي في الثاني، أما الأول فلا يقال فيه: إن في ظنه أن إمامه أرجح فحذف التعليل أوهم التعميم وتابعه المصنف وزاد التصريح بكونه غير مقلد، وإنما هي فيما إذا قلد غير إمامه، فهو في الحقيقة وهم ثالث على وهمين سابقين.
ص: ولو تزوج بغير ولي ثم تغير اجتهاده فالأصح تحريمها عليه، وكذا المقلد يتغير اجتهاد إمامه.
ش: في نقض الاجتهاد مسألتان:
إحداهما: المجتهد إذا أدى اجتهاده (إلى حكم في حق نفسه ثم تغير اجتهاده كما إذا أدى اجتهاده) إلى صحة النكاح بغير ولي، ثم تغير اجتهاده إلى أنه باطل فالمختار عند ابن الحاجب التحريم مطلقا، وحكاه الرافعي عن الغزالي، ولم ينقل غيره.
الثاني: إن لم يصل به حكم وحرم، وإن اتصل لم يحرم، لئلا يلزم نقض الاجتهاد بالاجتهاد وهو ما جزم به البيضاوي والهندي أما لو نكحها حنفي بغير
стр. 1543
ولي، ثم زوجها وليها ثانيا بشافعي مجتهد يعتقد بطلان النكاح الأول، والمرأة مترددة بين دعوتيهما قال إمام الحرمين في (التلخيص): القائلين بأن المصيب واحد صاروا في مثل هذه الصورة إلى الوقف حتى يترافعان إلى القاضي، فينزلهما على اعتقاد نفسه وحكم الله عليها حينئذ دال ومنهم من قال تسلم (إلى الزوج) الأول فإنه نكحها نكاحا يعتقد صحته وهو السابق، قال: والذي عندنا أنه يجتهد فيها المجتهد، وما أدى إليه اجتهاده فهو حكم الله من وقف، أو تقديم، أو غيرهما.
الثانية: إذا أفتى المجتهد على وفق اجتهاده العامي ثم تغير اجتهاده فعلى الخلاف السابق وقال الهندي: إن اتصل به حكم قبل تغير اجتهاده فكما سبق في المجتهد وإن لم يتصل به فاختلفوا فيه والأولى التحريم، كما في المجتهد في حق نفسه، ومنهم من لم يوجبه، لأنه يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد، وهو ضعيف، لأن زوال ذلك الحكم ليس بطريق النقض، بل لزوال شرطه وهو بقاء المجتهد عليه
стр. 1544
ص: ومن تغير اجتهاده أعلم المستفتي ليكف ولا ينقض معموله.
ش: المجتهد إذا أفتى بشيء ثم تغير اجتهاده لزمه إعلام المستفتي ليكف وقضية كلام المصنف اللزوم مطلقا قبل العمل وبعده، والمنقول في (الروضة) في الأقضية أنه يلزم إعلامه قبل العمل، وكذا بعده حيث يجب النقض ونقل ابن السمعاني في (القواطع) أنه إن كان عمل به لم يلزمه إعلامه، وإن لم يكن عمل به فينبغي أن يعرفه إن تمكن منه، لأن العامي إنما يعمل به لأنه قول المفتي، ومعلوم أنه ليس قوله في تلك الحالة التي يريد أن يعمل به فيها، ومن أطلقه المصنف من أنه لا ينقض ما عمله موجه بأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وبه يعلم تقييد هـ بما إذا كان القول الثاني في محل الاجتهاد، أما إذا كان بدليل قاطع فيجب نقضه لا محالة، وقد صرح الصيمري وغيره من أصحابنا بهذا التفصيل.
стр. 1545
ص: ولا يضمن المتلف إن تغير لا لقاطع.
ش: إذا عمل بفتواه في إتلاف ثم بان أنه أخطأ فإن لم يخالف لقاطع لم يضمن لأنه معذور (١٥٣/ز) وإن خالف لقاطع، فأطلق المصنف التضمين ونقل الشيخ محيي الدين النووي عن الأستاذ أبي إسحاق: إذا كان أهلا للفتوى وإلا لم يضمن لأنه= المستفتي مقصر ولم يحتج المصنف إلى هذا القيد، لأن الكلام في المجتهد، وقال النووي: ينبغي أن يخرج على قولي الغرور أو يقطع بعدم الضمان مطلقا، إذا لم يوجد منه إتلاف ولا ألجأ إليه بإلزام.
ص: مسألة: يجوز أن يقال: لنبي ومجتهد: احكم بما تشاء فهو صواب، ويكون مدركا شرعيا ويسمى التفويض وتردد الشافعي ﵁ (٧٢/ك) قيل: في الجواز، وقيل: في الوقوع وقال ابن السمعاني: يجوز للنبي ﷺ دون العالم، ثم المختار لم يقع.
ش: الحكم المستفاد من العباد على أضرب:
أحدها: ما جاء في طريق التبليغ عن الله تعالى، وهذا يختص بالرسل
следующие страницы →