← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

(إن حكم بخلاف اجتهاده) إلى أنه ينقض حكمه في صورتين إن كانا في الاجتهاديات: إحداهما: لو حكم المجتهد على خلاف اجتهاد نفسه، كان حكمه باطلا سواء قلد غيره أم لا، لأنه يجب عليه العمل بظنه. الثانية: إذا حكم مقلد بخلاف قول إمامه، انبنى على أنه هل يجوز له تقليد غيره؟ فإن قلنا: لا يجوز بل عليه اتباع مقلده، فينتقض وإن جوزنا تقليد من شاء فلا، كذا قاله ابن الحاجب وغيره. وأما تقييد المصنف هذه المسألة بما إذا لم يقلد غيره فسهو أصله أن الغزالي قال: إذا معنا من قلد أن يقلد غيره، وفعل وحكم بقوله فينبغي أن لا ينفذ قضاؤه لأنه في ظنه أن إمامه أرجح ونقله عنه الرافعي إلا أنه حذف لفظة (ينبغي) فأوهم أنه منقول لا بحث، واختصره النووي ﵀ في (الروضة) فحذف التعليل فأوهم أن المسألة فيمن قلد غير إمامه، سواء كان لدليل ساقه بحيث يظن أن الحق مع

стр. 1542

غيره في تلك المسألة أم لا، بل لمجرد صده عن إمامه، وإنما هي في الثاني، أما الأول فلا يقال فيه: إن في ظنه أن إمامه أرجح فحذف التعليل أوهم التعميم وتابعه المصنف وزاد التصريح بكونه غير مقلد، وإنما هي فيما إذا قلد غير إمامه، فهو في الحقيقة وهم ثالث على وهمين سابقين. ص: ولو تزوج بغير ولي ثم تغير اجتهاده فالأصح تحريمها عليه، وكذا المقلد يتغير اجتهاد إمامه. ش: في نقض الاجتهاد مسألتان: إحداهما: المجتهد إذا أدى اجتهاده (إلى حكم في حق نفسه ثم تغير اجتهاده كما إذا أدى اجتهاده) إلى صحة النكاح بغير ولي، ثم تغير اجتهاده إلى أنه باطل فالمختار عند ابن الحاجب التحريم مطلقا، وحكاه الرافعي عن الغزالي، ولم ينقل غيره. الثاني: إن لم يصل به حكم وحرم، وإن اتصل لم يحرم، لئلا يلزم نقض الاجتهاد بالاجتهاد وهو ما جزم به البيضاوي والهندي أما لو نكحها حنفي بغير

стр. 1543

ولي، ثم زوجها وليها ثانيا بشافعي مجتهد يعتقد بطلان النكاح الأول، والمرأة مترددة بين دعوتيهما قال إمام الحرمين في (التلخيص): القائلين بأن المصيب واحد صاروا في مثل هذه الصورة إلى الوقف حتى يترافعان إلى القاضي، فينزلهما على اعتقاد نفسه وحكم الله عليها حينئذ دال ومنهم من قال تسلم (إلى الزوج) الأول فإنه نكحها نكاحا يعتقد صحته وهو السابق، قال: والذي عندنا أنه يجتهد فيها المجتهد، وما أدى إليه اجتهاده فهو حكم الله من وقف، أو تقديم، أو غيرهما. الثانية: إذا أفتى المجتهد على وفق اجتهاده العامي ثم تغير اجتهاده فعلى الخلاف السابق وقال الهندي: إن اتصل به حكم قبل تغير اجتهاده فكما سبق في المجتهد وإن لم يتصل به فاختلفوا فيه والأولى التحريم، كما في المجتهد في حق نفسه، ومنهم من لم يوجبه، لأنه يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد، وهو ضعيف، لأن زوال ذلك الحكم ليس بطريق النقض، بل لزوال شرطه وهو بقاء المجتهد عليه

стр. 1544

ص: ومن تغير اجتهاده أعلم المستفتي ليكف ولا ينقض معموله. ش: المجتهد إذا أفتى بشيء ثم تغير اجتهاده لزمه إعلام المستفتي ليكف وقضية كلام المصنف اللزوم مطلقا قبل العمل وبعده، والمنقول في (الروضة) في الأقضية أنه يلزم إعلامه قبل العمل، وكذا بعده حيث يجب النقض ونقل ابن السمعاني في (القواطع) أنه إن كان عمل به لم يلزمه إعلامه، وإن لم يكن عمل به فينبغي أن يعرفه إن تمكن منه، لأن العامي إنما يعمل به لأنه قول المفتي، ومعلوم أنه ليس قوله في تلك الحالة التي يريد أن يعمل به فيها، ومن أطلقه المصنف من أنه لا ينقض ما عمله موجه بأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وبه يعلم تقييد هـ بما إذا كان القول الثاني في محل الاجتهاد، أما إذا كان بدليل قاطع فيجب نقضه لا محالة، وقد صرح الصيمري وغيره من أصحابنا بهذا التفصيل.

стр. 1545

ص: ولا يضمن المتلف إن تغير لا لقاطع. ش: إذا عمل بفتواه في إتلاف ثم بان أنه أخطأ فإن لم يخالف لقاطع لم يضمن لأنه معذور (١٥٣/ز) وإن خالف لقاطع، فأطلق المصنف التضمين ونقل الشيخ محيي الدين النووي عن الأستاذ أبي إسحاق: إذا كان أهلا للفتوى وإلا لم يضمن لأنه= المستفتي مقصر ولم يحتج المصنف إلى هذا القيد، لأن الكلام في المجتهد، وقال النووي: ينبغي أن يخرج على قولي الغرور أو يقطع بعدم الضمان مطلقا، إذا لم يوجد منه إتلاف ولا ألجأ إليه بإلزام. ص: مسألة: يجوز أن يقال: لنبي ومجتهد: احكم بما تشاء فهو صواب، ويكون مدركا شرعيا ويسمى التفويض وتردد الشافعي ﵁ (٧٢/ك) قيل: في الجواز، وقيل: في الوقوع وقال ابن السمعاني: يجوز للنبي ﷺ دون العالم، ثم المختار لم يقع. ش: الحكم المستفاد من العباد على أضرب: أحدها: ما جاء في طريق التبليغ عن الله تعالى، وهذا يختص بالرسل

стр. 1546

صلوات الله عليهم وسلامه وهم فيه مبلغون فقط. والثاني: المستفاد من اجتهادهم وبذلهم الوسع، وهو من وظائف علماء الأمة، وفي جوازه للنبي ﷺ خلاف سبق. الثالث: ما يستفاد بطريق تفويض الله تعالى إلى نبي أو عالم، بمعنى أن يجعل له أن يحكم بما شاء في مثله، ويكون ما يجيء به هو حكم الله تعالى الأزلي في نفس الأمر، لا بمعنى أن يجعل له أن ينشئ الحكم، فهذا من خصائص الربوبية وإنما الكلام في هذه المسألة في أنه هل يجوز أن يفوض إليه بحكم حادثة إلى رأي نبي أو عالم؟ فيقول: احكم بما شئت، فما صدر منك فهو حكمي في عبادي، ويكون إذ ذاك قوله من جملة المدارك الشرعية فذهب جمهور المعتزلة إلى منعه، وجوزه الباقون، وقال أبو علي الجبائي في أحد قوليه: يجوز ذلك للنبي دون العالم واختاره ابن السمعاني، قال: وذكر الشافعي ﵁ في (الرسالة) ما يدل عليه وتردد الشافعي ﵁ واختلف أصحابنا فقال الإمام: تردد في الجواز وقال الجمهور تردد في الوقوع مع الجزم بالجواز، ثم إذا قلنا: بالجواز

стр. 1547

فالمختار عند ابن الحاجب وغيره أنه لم يقع ولهذا لم يذكر المصنف المسألة في باب الاستدلال وإن ذكرها البيضاوي فيه وجزم بوقوعه موسى بن عمران من المعتزلة. ص: وفي تعليق الأمر باختيار المأمور تردد. ش: هذه المسألة ذكرها هنا استطراداً للتنظير وإنما محلها باب الأوامر ووجه المنع التضاد، فإن الأمر يقتضي الجزم (بالفعل والتخيير) ينافيه ووجه الجواز كما في خصال الكفارة فإن الواجب منها واحد ثم إن الله تعالى خير المكلف في ذلك، (ويشبه أن الخلاف في أمر الإيجاب كما يقتضيه التقييد السابق، أما أمر الندب فلا مضادة، وفي صحيح البخاري (الأمر بالركعتين، قبل المغرب ثلاثا وقال في الثالثة: ((إن شاء)).

стр. 1548

ص: مسألة: التقليد: أخذ قول الغير من غير معرفة دليله. ش: كذا ثبت في النسخة الأولى بخط المصنف وقوله (أخذ) جنس يشمل أخذ الإنسان بقول ثقة وبقول غيره، ومعنى الأخذ: تلقية= بالاعتقاد إما مع العمل به أو لا مع العمل، فكم من مقلد يعتقد وهو لا يعمل بما يعتقده، إما لفسق أو لغيره وقد أخذ إمام الحرمين على من أخذ القول قيدا في الحد، لأنه ليس من شرط المذهب أن يكون قولا، وقال: ينبغي الإتيان بلفظ يعمهما ولهذا يرجع المصنف عن هذا الحد الذي هنا وضرب عليه بخطه وكتب: التقليد أخذ المذهب من غير معرفة دليله وهذا الذي قاله الإمام غير وارد، لأن القول يطلق

стр. 1549

على الرأي والاعتقاد إطلاقا وتعارفا، وساغ ذلك حتى صار كأنه حقيقة عرفية، وحينئذ فلا فرق بين القول والمذهب، وقد قال صاحب (المحكم) المذهب المعتبر الذي يذهب إليه إذا علمت هذا، فالأخذ: جنس وقوله: المذهب، فصل خرج به غير المذهب من أقوال وأفعال لقائليها وفاعليها، لا على أنها مذاهب لهم دعاهم إليها اجتهادهم إما لكونها ليست من مسائل الاجتهاد بل مما علم من الدين بالضرورة، أو لكونها خارجة عن مسائل الدين، أو لغير ذلك، والمذهب يعم القول والفعل. وقوله: (من غير معرفة). فصل خرج به الأخذ مع المعرفة، فذاك مجتهد إن عرف حق المعرفة وإلا فهو في رتبة التقليد وإن حوم على فهم المأخذ، ولهذا تراهم يقولون: أخذ الشافعي ﵁ بقول مالك أو بقول أبي حنيفة (رحمهما الله تعالى) في مسائل سبقاه إلى القول بها، والضمير في قوله: (دليله) عائد على الغير أي: دليل الغير، فعلم بذلك أن المعنى: من غير معرفة المقلد الآخذ دليل الآخر القائل وعدل عن قول المختصر والإحكام بغير حجة، إلى معرفة دليله، ليشمل

стр. 1550

الأخذ بقول من قوله حجة، ولا يجوز عليه الخطأ وتسمية هذا تقليدا شائع، وأما رجوع المجتهد إلى مثله - حيث يجوز - فهو رجوع عامي إلى مجتهد في الحقيقة لأنه لا اجتهاد له في تلك المسألة التي تبعه فيها، وأما رجوع القاضي إلى البينة فيحتمل أن يكون تقليدا ويحتمل أن لا يكون لأنه نصاب شرعي وحجة، إذا نهضت لم تقبل التغيير، إلا إن تبين أنها لم تنهض لفقد شرط ونحوه، وكذلك الرجوع إلى خبر الواحد يحتمل أن لا يكون تقليدا، نعم صرح ابن القاص في (التخليص) بأن قبول خبر الواحد وقبول البينة تقليد وتبعه شراح (التلخيص) القفال وغيره، وجزم الرافعي في باب استقبال القبلة بعكسه في قبول الخبر، وقال: ليس من التقليد في شيء وحكى ابن السمعاني فيه وجهين، فإن قيل: قد ظهر معنى قوله (من غير معرفة دليله) وعدوله عن قول غيره، من غير حجة لكنه ناقض بعد ذلك حيث قال بعد حكاية مذهب الشيخ: في إيمان المقلد والتحقيق: إن كان أخذ بقول الغير بغير حجة، وفي هذا تعريف للتقليد بأنه: أخذ قول الغير بغير حجة، قلنا: هنا دقيقة هي من دقائق هذا الكتاب، وهي أن إيمان المقلد الذي حكى عن الشيخ صحته إنما هو إيمان مقلد من يجوز عليه الخطأ بخلاف مقلد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإن ذلك إما أن لا يسمى مقلدا فيخرج بقوله التقليد، أو يسمى فيخرج بقوله من غير

стр. 1551

حجة، لأنه حجة في نفسه، وهو قدم اختيار أنه يسمى بذلك، وحينئذ فيحسن إذا فرض الكلام في تقليد من يجوز عليه الخطأ أن يقال: من غير حجة، ولما كان كلامه هناك في إيمان المقلد يختص بمقلد من يجوز عليه الخطأ تعين أن يقول من غير حجة ليخرج مقلد رسول الله ﷺ فإن ذلك أصح الإيمان وأقواه وقال ابن الصلاح: وهو قبول قول من يجوز عليه الاحتراز عن الخطأ بغير الحجة على عين ما قبل قوله فيه، واحترز بقيد الاحتراز عن الرجوع إلى قول رسول الله ﷺ والإجماع (٧٣/ك) وبقيد: بغير الحجة على عين ما قبل قوله فيه عن استفتاء العامي، وقبول القاضي البينة وقضية كلام المصنف أنه تقليد. تنيبه: (١٥٤/ز) سبق في أول الكتاب في تقسيم الإدراك، أن الاعتقاد القابل للتغير إن طابق فصحيح وسماه الإمام الرازي: تقليدا، وقال: إنه الاعتقاد المطابق لا الموجب واعترض عليه بأنه الموجب وهو التقليد، وهذا فاسد لأنه أراد بالموجب ما كان عن برهان حسي، أو عقلي أو مركب منهما، واعتقاد المقلد خارج عن ذلك، وحينئذ فالتقليد يطلق باعتبارين المذكور هنا أحدهما. ص: ويلزم غير المجتهد، وقيل: يشترط تبين صحة اجتهاده، ومنع الأستاذ التقليد في القواطع، وقيل لا يقلد عالم، وإن لم يكن مجتهدا. ش: غير المجتهد يشمل صورتين: العامي في العرف والمخالف فيه معتزلة بغداد قالوا: يجب عليه الوقوف على طريق الحكم، ولا يرجع إلى العالم إلا لتنبيه على

стр. 1552

أصولها وفصل الجبائي فقال: يجوز في المسائل الاجتهادية دون ما عداها كالعبادات الخمسة. الثانية: العالم الذي يتسامى عن رتبة العامة، فالمختار أنه كالعامي أيضا، فيلزمه تقليد المجتهد أي: في الفروع، وإن كان غير المجتهد عالما بغير ما قلد فيه، وقيل: يلزم العالم التقليد بشرط أن يتبين له صحة اجتهاد من يقلده، فيما قلده فيه بدليل يدل على صحة ذلك الاجتهاد، وإلا فلا يلزمه وما رجحه المصنف قال ابن الحاجب: إنه المختار محتجا بقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ وكاد ابن حزم يدعي الإجماع على النهي عن التقليد وحكى من كلام مالك والشافعي رحمهما الله تعالى وغيرهما ذلك، قال: ولم يزل الشافعي ﵁ في جميع كتبه ينهى عن تقليده وتقليد غيره، هكذا رواه المزني عنه وقال الصيدلاني:

стр. 1553

إنما نهى الشافعي ﵁ عن التقليد لمن يبلغ رتبة الاجتهاد فأما من قصر عن هذه الرتبة فليس له إلا التقليد، ويقال في معارضة كلام ابن حزم: وقد قال القاضي أبو بكر: ليس في الشريعة تقليد، فإن حقيقة التقليد: قبول القول من غير حجة ودليل، فكما أن قول الرسول ﵊ مقبول لقيام المعجزة الدالة على صدقه فكذلك قبول أخبار الآحاد وأقوال المفتين والحكام مقبول بالإجماع؛ لقيام الدليل الشرعي على وجوب العمل به، فنزل أقوال المفتين الظنية في وجوب العمل عليهم بالإجماع منزلة أخبار الآحاد والأقيسة عند المجتهدين في المصير إليها بالإجماع وقال الأستاذ: لا تقليد في القواطع التي هي أصول الشريعة وسياتي ومنهم من قال: لا يجوز للعالم التقليد وإن لم يكن مجتهدا بل يجب عليه معرفة الحكم بدليله، لأن له صلاحية المعرفة بخلاف العامي هنا أولى من الخلاف في العامي، والخلاف الصرف لكونه عالما ببعض الظنون. ص: أما ظان الحكم باجتهاده فيحرم عليه التقليد وكذا المجتهد عند الأكثر، وثالثها: يجوز للقاضي، ورابعها: يجوز تقليد الأعلم، وخامسها: عند ضيق الوقت، وسادسها: فيما يخصه. ش: الحالة الثالثة: إن بلغ المكلف رتبة الاجتهاد، فإن كان قد اجتهد في المسألة، ووضح في ظنه وجه الصواب لم يقلد غيره بالاتفاق وإن لم يكن قد اجتهد فيها فاختلفوا على مذاهب: أحدها: المنع من التقليد مطلقا وهو قول الجمهور.

стр. 1554

والثاني: التجويز مطلقا، وعليه سفيان الثوري وأحمد وإسحاق. والثالث: يجوز للقاضي دون غيره. والرابع: يجوز تقليده الأعلم منه ولا يجوز لمساويه ودونه، وإليه ذهب محمد بن الحسن. والخامس: فيما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد فيه دون ما لا يفوت وهو رأي ابن سريج. والسادس: فيما يخصه دون ما يفتي به غيره، وحكى ابن الحاجب سابعا وعزاه إلى الشافعي: لا يقلد إلا صحابي أرجح من غيره من الصحابة، فإن استووا تخير وهو

стр. 1555

يعزى للقديم قال الهندي: وقضيته أنه لا يجوز للصحابة تقليد بعضهم بعضا. ص: مسألة: إذا تكررت الواقعة وتجدد ما يقتضي الرجوع ولم يكن ذاكرا للدليل الأول - وجب النظر قطعاً وكذا إن لم يتجدد لا إن كان ذاكرا وكذا العامي يستفتي ولو مقلد ميت ثم تقع تلك الحادثة هل يعيد السؤال؟ ش: إذا تكررت الواقعة نظر، فإن تجدد ما يوجب رجوعه ولم يكن ذاكرا للدليل وجب تجديد النظر قطعا، لأنه لا ثقة ببقاء الظن وهو مراد المصنف بالقطع عند أصحابنا وإلا فقد حكى الأصوليون قولا أنه لا يجب في هذه الحالة بناء على أن الغالب على ظنه أن المأخذ الذي تمسك به قوي، فلا يلزم استئناف الاجتهاد وإن لم يتجدد له ما يقتضي رجوعه فإن لم يكن ذاكرا للدليل فكذلك يلزمه أن يجتهد ثانيا، فإن أدى اجتهاده إلى الأول فظاهر، وإن أدى إلى خلافه لزمه، وإن كان ذاكرا لم يلزمه قطعا، وكذا العامي يستفتي المجتهد وتقع له الواقعة. ثانيا: هل يلزمه أن يعيد السؤال ثانيا؟ فيه وجهان لأصحابنا، وأصحهما: نعم، لاحتمال تغير الاجتهاد وقطع به القاضي أبو الطيب في تعليقه والوجهان فيما إذا عرف استناد الجواب إلى الرأي والقياس أو شك والمقلد حي فإن

стр. 1556

عرف استناد الجواب إلى نص أو إجماع فلا حاجة إلى السؤال ثانيا قطعا، ذكره الرافعي قال: وكذا لو كان المقلد ميتا وجوزناه وهو ظاهر في أنه لا يلزمه في الميت قطعا فما اقتضاه كلام المصنف من جريان الخلاف فيه منتقد. ص: مسألة: تقليد المفضول، ثالثها: المختار يجوز لمعتقده فاضلا أو مساويا ومن ثم لم يجب البحث عن الأرجح، فإن اعتقد رجحان واحد منهم تعين. ش: هل يجوز للمقلد أن يقلد المفضول من المجتهدين وإن قدر على تقليد الفاضل؟ فيه مذاهب: المشهور الجواز، وذهب أحمد وابن سراج إلى تعين الأرجح، واختاره القاضي الحسين وابن السمعاني وفي ثالث: يجوز لمن يعتقده فاضلا أو مساويا واختاره المصنف (٧٤/ك) قال: ولهذا لا يجب البحث عن الأرجح كما لا يلزمه طلب الدليل، وابن سريج يخالف في ذلك ويوجب البحث عليه، لأنه

стр. 1557

يجب عليه تقليده فوجب عليه عرفانه فإن اعتقد رجحان واحد فنقل الرافعي عن الغزالي أنه لا يجوز تقليد غيره، وإن قلنا لا يجب عليه البحث عن الأعلم إذا لم يعتقد اختصاص أحدهم بزيادة علم، قال النووي رحمه الله تعالى وهذا وإن كان ظاهرا ففيه نظر، لما ذكرناه من سؤال آحاد الصحابة مع وجود أفاضلهم. ص: والراجح علما فوق الراجح ورعا في الأصح. ش: لأنه لا تعلق لمسائل الاجتهاد بالورع، ولهذا يقدم في الإمامة في الصلاة ولأن الظن الحاصل بقوله أكثر، ومقابل الأصح تقديم الأورع، ويحتمل التخيير. ص: ويجوز تقليد الميت خلافاً للإمام، وثالثها: إن فقد، ورابعها: قال الهندي: إن نقله مجتهد في مذهبه. ش: يجوز تقليد الميت سواء وجد حيا مجتهدا أو لا، أما إذا كان فقد المجتهدون فلا خلاف فيه عند المصنف وإن وجد مجتهد فإن كان دون الميت فيحتمل أن يقال: يقلد الميت لأرجحيته ويحتمل أن يقال: الحي لحياته، ويحتمل أن يقال -وهو الأظهر-: يجوز تقليد كل منهما لتعارض المرجحين، ثم الجمهور على الجواز وفيه (١٥٥/ز) يقول الشافعي ﵁: المذاهب لا تموت بموت أربابها.

стр. 1558

والثاني: المنع مطلقا، وعزاه في (المنخول) لإجماع الأصوليين واختاره الإمام الرازي ومن تأمل كلام (المحصول) علم أن الإمام يمنع التقليد مطلقا، ومن فهم عنه خلاف ذلك وعزاه إليه فقد غلط، وقوله: (وثالثها): هذا هو القول المفصل والمصنف قطع به، وحمل إطلاق المطلقين على فقدان حي مماثل للميت أو راجح وأما إذا فقد مطلقا فكيف يترك الناس هملا ولا حامل لهم. قوله ورابعها: هذا حكاه الهندي فقال: ومنهم من فصل بين أن يكون

стр. 1559

الحاكي أهلا للمناظرة ومجتهدا في ذلك المذهب الذي يحكي عنه فيجوز، وإلا فلا، ثم قال: هذا أظهر، قال المصنف وهذا التفصيل غير واقع في محل النزاع، لأن الكلام فيما إذا ثبت أنه مذهب الميت، فإن فرض أن الناقل بحيث لا يوثق بنقله فهما وإن وثق به نقلا، تطرق عدم الوثوق بفهمه إلى عدم الوثوق بنقله، وصار عدم قبوله لعدم صحة المذهب عن المنقول إليه، لا لأن الميت لا يقلد فليس التفصيل واقعا، غير أن عذر الشيخ الهندي أنه لم يعقد المسألة لتقليد الميت كما فعل الإمام. ص: ويجوز استفتاء من عرف بالأهلية أو ظن باشتهاره بالعلم والعدالة وانتصابه والناس مستفتون ولو قاضيا وقيل: لا يفتي قاض في المعاملات. ش: القائلون بوجوب الاستفتاء اتفقوا على جواز استفتاء من عرف بالعلم والعدالة أو ظن باشتهاره بذلك، أو رآه منتصبا للفتوى والناس مستفتون معظمون له، ولا يجوز له استفتاء من لم يغلب على ظنه أهليته، وإنما وجب عليه ذلك، ولأنه بمنزلة نظر المجتهد في الأمارات، ومن كان أهل الفتوى وهو قاض فهو كغيره على الصحيح، وقيل: له أن يفتي في العبادات وغيرها مما لا يتعلق بالأحكام، وفي الأحكام وجهان، وقال ابن المنذر:

стр. 1560

يكره فتواه في الأحكام دون غيرها. ص: لا المجهول. ش: اختلفوا في جواز استفتاء من لا يعرفه المستفتي بعلم ولا جهالة، ولا بفسق ولا عدالة، والمختار عدم جوازه، بل ربما يجب القطع به، قال الهندي: والخلاف فيه في غاية البعد لو صح الخلاف، لأن العلماء وإن اختلفوا في قبول المجهول حاله في الرواية والشهادة، فلوجود ما يقتضي المنع من الفسق ظاهرا وهو الإسلام الوازع عن الفسق والمعصية، وليس يوجد في مجهول الحال ما يقتضي حصول العلم ظاهرا، ولا سيما العلم الذي يحصل به رتبة الإفتاء كيف واحتمال العامية راجح على احتمال العالمية، لكون العامية أصلا وهي أغلب أيضا، بخلاف العالمية فإنها على خلاف الأصل، وهي قليلة وعند هذا أظهر أنه لو تردد في عدالته دون علمه فربما يتجه الخلاف في جواز الاستفتاء منه، وأنه لا يجوز قياس المجهول علمه على المجهول عدالته لظهور الفارق. ص: والأصح وجوب البحث عن علمه والاكتفاء بظاهر العدالة وبخبر الواحد. ش: إذا لم يعرف علمه وجب البحث عنه بسؤال الناس، وقيل: لا يجب ويكفي الاستفاضة بين الناس، وهو الراجح في الروضة، ونقله عن الأصحاب وإن لم يعرف عدالته، قال الرافعي: ذكر الغزالي فيه احتمالين:

стр. 1561

أحدهما: أن الحكم كذلك. وأشبههما: الاكتفاء، لأن الغالب من حال العلماء العدالة بخلاف البحث عن العلم فليس الغالب من الناس العلم قال النووي رحمه الله تعالى: هذان الاحتمالان وجهان ذكرهما غيره وهما في المستور وهو: الذي ظاهره العدالة: ولم يختبر باطنه وإذا وجب البحث، فذكر الغزالي أيضا احتمالين في أنه يفتقر إلى عدد التواتر أم يكفي إخبار عدل أو عدلين، أصحهما الثاني قال النووي رحمه الله تعالى: والمنقول خلافهما، فالذي قاله الأصحاب: إنه يجوز استفتاء من استفاضت أهليته، وقيل: لا يكفي للاستفاضة ولا التواتر بل إنما يعتمد قوله أهل الفتوى، لأن الاستفاضة والشهرة من العوام لا وثوق بها فقد يكون أصلها تلبيسا وأما التواتر فلا يفيد العلم إذا لم يستند إلى معلوم محسوس، والصحيح الأول، لأن إقدامه عليها إخبار منه بأهليته، لأن الصورة فيمن يوثق بدينه وقال الشيخ أبو إسحاق: يقبل في أهليته خبر عدل واحد. (قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا محمول على من عنده معرفة يميز بها المتلبس من غيره ولا يعتمد في ذلك خبر) آحاد العامة لكثرة ما يتطرق إليه من التلبيس في ذلك.

стр. 1562

ص: وللعامي سؤاله عن مأخذه استرشادا ثم عليه بيانه إن لم يكن خفيا. ش: قال ابن السمعاني يجوز (٧٥/ك) للعامي أن يطالب العالم بدليل الجواز لأجل احتياطه لنفسه، ويلزم العالم أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعا به لإشرافه على العلم بصحته، ولا يلزمه إن لم يكن مقطوعا به، لافتقاره إلى اجتهاد يقصر عنه فهم العامي. ص: مسألة: يجوز للقادر على التفريع والترجيح - وإن لم يكن مجتهدا - الإفتاء بمذهب مجتهد اطلع على مأخذه واعتقده، وثالثها: عند عدم المجتهد، ورابعها: وإن لم يكن قادرا لأنه ناقل. ش: لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق مراتب. أحدها: أن يصل إلى رتبة الاجتهاد المقيد فيستقل بتقرير مذهب إمام معين كما هي صفة أصحاب الوجوه فيجوز الإفتاء قطعا. ثانيها: من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس، حافظ للمذهب، قادر على التفريع والترجيح هل له الإفتاء في ذلك المذهب؟ فيه أقوال: أصحها: يجوز والثاني: المنع، والثالث: عند عدم المجتهد، والرابع: يجوز مطلقا وإن لم

стр. 1563

يكن قادرا على التفريع والترجيح، لأنه ناقل: أما العامي إذا عرف حكم حادثة بدليل، فليس له الفتيا بها، وقيل: يجوز وقيل: إن كان نقليا جاز وإلا فلا، وقيل: إن كان دليلها من الكتاب والسنة جاز، وإلا فلا. ص: ويجوز خلو الزمان عن مجتهد خلافا للحنابلة مطلقا، ولابن دقيق العيد: ما لم يتداع الزمان بتزلزل القواعد، والمختار: لم يثبت وقوعه. ش: المختار عند الأكثرين أنه يجوز خلو عصر من الأعصار عن الذي يمكن تفويض الفتوى إليه، سواء كان مجتهدا مطلقا أم مجتهدا في مذهب المجتهد، لقوله ﷺ : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا)) ومنع منه الحنابلة محتجين بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله)) وأجيب: بأنه لا يدل على نفي الجواز، بل لو دل فإنما يدل على (١٥٦/ك) عدم الوقوع، واختار الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في (شرح العنوان) مذهب الحنابلة

стр. 1564

لكن إلى الحد الذي ينتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان وقال في خطبة (شرح الإلمام) والأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة والأمة الشريفة لا بد فيها من سالك إلى الحق على وضح المحجة إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى، ويتتابع بعده ما لا يبقى معه إلا قدوم الأخرى، ومراده بالأشراط الكبرى طلوع الشمس من مغربها مثلا ونحوه، وقد يوجه ما اختاره من أنه لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد لئلا يلزم اجتماع الأمة على ترك الاجتهاد الذي هو فرض على الكفاية، وله أن يحمل الحديث السابق ((حتى إذا لم يبق)) على ما قبل ذلك وقال والده العلامة مجد الدين في كتابه (تلقيح الأفهام) عز المجتهد في هذه الأعصار وليس ذلك لتعذر حصول آلة الاجتهاد، بل لإعراض الناس في اشتغالهم عن الطريق المفضية إلى ذلك. واعلم أن هذا الذي نقله عن ابن دقيق العيد قد أشار إليه إمام الحرمين في باب الإجماع من (البرهان) لما تكلم عن انحطاط علماء العصر عن مبلغ التواتر، فقال: والذي نرتضيه وهو الحق أنه يجوز انحطاطهم بل يجوز شغور الزمان عن العلماء وتعطيل الشريعة وانتهاء الأمر إلى الفترة، وهذا نستقصيه في كتاب الفتوى

стр. 1565

إن شاء الله تعالى. انتهى. وهكذا قال ابن برهان في (الأوسط) هناك: إن كلام الخصم يقتضي أن فتور الشريعة لا يجوز وهذا محال، لأن صاحب الشرع قد أخبر بفتور الشريعة واندرس أعلامها فقال: ((لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول لا إله إلا الله)) وقال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا وإنما يقبضه بقبض العلماء)) والمختار عند المصنف: أنه يجوز لكن لم يقع، وأدلة الحنابلة تدل على عدم الوقوع. ص: وإذا عمل العامي بقول مجتهد فليس له الرجوع عنه، وقيل: يلزمه العمل بمجرد الإفتاء، وقيل: بالشروع في العمل، وقيل: إن التزمه، وقال ابن السمعاني: إن وقع في نفسه صحته، وقال ابن الصلاح: إن لم يوجد مفت آخر، فإن وجد تخير بينهما. ش: إذا عمل العامي بقول مجتهد في حادثة فليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها بالإجماع، نقله ابن الحاجب والهندي وغيرهما، وأما قبل العمل فقيل: يلزمه بمجرد الإفتاء، لأنه في حقه كالدليل بالنسبة إلى المجتهد: (وقيل: يلزمه إذا أخذ في العمل وهو احتمال لابن السمعاني، وقيل: لا يلزمه العمل

стр. 1566

به إلا بالتزامه) وقيل: يلزمه إذا وقع في نفسه وحقيقته حكاه ابن السمعاني وقال في الآخر: إنه أقوى الأوجه وقال ابن الصلاح: الذي تقتضيه القواعد أنه إن لم يجد سواه تعين عليه الأخذ بفتياه، ولا يتوقف ذلك على التزامه ولا سكون نفسه إلى حجيته، وإن وجد فإن استبان أن الذي أفتاه هو الأعلم الأوثق، لزمه بناء على تقليد الأفضل، وإن لم يتبين لم يلزمه وقال النووي في (الروضة): المختار ما نقله الخطيب وغيره إن لم يكن هناك مفت آخر لزمه بمجرد فتواه وإن لم تسكن نفسه. وإن كان هناك آخر لم يلزمه بمجرد إفتائه، إذ له أن يسأل غيره وحينئذ فقد يخالفه فيجيء فيه الخلاف السابق في اختلاف المفتين. ص: والأصح جوازه في حكم آخر. ش: إذا منعناه من تقليد غيره في تلك الحادثة، فهل يجوز له أن يقلد غيره في وقائع أخرى؟ فمنهم من منعه مطلقا ومنهم من جوزه مطلقا، وفي (المختصر): أنه المختار ومنهم من فصل بين عصر الصحابة والتابعين، وبين عصر الأئمة الذين

стр. 1567

تقررت فيهم المذاهب، يجوز في الأول دون الثاني، وإليه ميل إمام الحرمين. ص: وأنه يجب التزام مذهب معين يعتقده أرجح أو مساويا ثم ينبغي السعي في اعتقاده أرجح. ش: هل يجب على العامي أن ينتحل مذهبا معينا ابتداء، وإن لم يوجد منه تقليد لأحد؟ فيه وجهان حكاهما ابن برهان (٧٦/ك). أحدهما: لا، فعلى هذا هل له تقليد من شاء أو يبحث عن أشد المذاهب؟ فيه وجهان، كالبحث عن الأهلية. والثاني: وبه قطع إلكيا أنه يجب عليه، فعلى هذا يلزمه أن يختار مذهبا يقلده في كل شيء وليس له التمذهب بمجرد التشهي، قال النووي رحمه الله تعالى: هذا كلام الأصحاب والذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء لكن من غير تلقط الرخص، ولعل من منعه لم يثق بعدم تلقطه وقال الهندي: الخلاف في المسألة السابقة يجري هنا لكن بالترتيب فإن قلنا في الأول لا يجب عليه تقليده، فلأن لا يجب عليه تقليد مذهب معين ابتداء بطريق أولى، وإن قلنا هناك يجب تقليده، فههنا وجهان. وهذا يعكس على المصنف، فإنه صحح في الأول الجواز وههنا الوجوب، وقوله: ثم ينبغي السعي

стр. 1568

في اعتقاد أنه أرجح، أي: من حيث الاحتمال، وهذا لا يخالف قوله فيما سبق ومن ثم لم يجب البحث عن الأرجح، لأن الانبغاء ليس على سبيل الوجوب. ص: ثم في خروجه عنه، ثالثهما: لا يجوز في بعض المسائل. ش: إذا التزم مذهب معينا فهل يمتنع الخروج عنه؟ اختلفوا فيه، فمنهم من جوزه وهو الأصح في الرافعي، بناء على أن التزامه بمذهب معين غير ملزم فلا يلزمه ذلك، ومنهم من منع، لأنه لما التزم مذهبا معينا (صار لازما له، كما لو التزم مذهبه في حكم واقعة، ومنهم من قال: إنه كالعامي الذي لم يلتزم مذهبا معينا) فكل مسألة عمل فيها بقول إمام ليس له تقليد غيره، وكل مسألة لم يعمل فيها بقوله فلا مانع فيها من تقليد غيره. ص: والأصح أنه يمتنع تتبع الرخص، وخالف أبو إسحاق المروزي. ش: حيث جوزنا له الخروج عنه، فشرطه أن لا يتتبع الرخص بأن يختار من

стр. 1569

كل مذهب، ما هو الأهون عليه، وإلا فيمتنع قطعا، وقال بعض المحتاطين: من بلي بوسواس أو شك أو قنوط أو يأس، فالأولى أخذه بالأخف والرخص لئلا يزداد ما به (ويخرج عن الشرع، ومن كان قليل الدين كثير التساهل أخذ بالأثقل والعزيمة لئلا يزداد ما به) فيخرج إلى الإباحة وكلام المصنف يقتضي أن أبا إسحاق يجوز تتبع الرخص وهو ممنوع فقد رأيت في (فتاوى الحناطي): من تتبع الرخص قال أبو إسحاق المروزي يفسق، وقال ابن أبي هريرة: لا يفسق (١٥٧/ز) هكذا حكاه عنه الرافعي في الأقضية. (وقال الشيخ نجم الدين البالسي ﵀: تفسيقه مع القول بإصابة كل مجتهد مشكل، أما إذا جعلنا المصيب واحداً ففيه نظر، من حيث إن اختياره الأهون يشعر بانحلال وتساهل، لكنه معارض بأن العدالة ثابتة، واختياره الأهون يحتمل أن يكون على وجه يشعر بانحلال ويحتمل خلافه، فالفسق مع الشك في مقتضيه ممنوع. قلت: احتمال خلاف الانحلال بعيد، لأن التتبع يقتضيه وذلك للعدالة)

стр. 1570

ص: مسألة: اختلف في التقليد في أصول الدين وقيل: النظر فيه حرام. وعن الأشعري: لا يصح إيمان المقلد، وقال القشيري: مكذوب عليه، والتحقيق: إن كان آخذا لقول الغير بغير حجة مع احتمال شك أو وهم فلا يكفي وإن كان جزما فيكفي خلافا لأبي هاشم. ش: لما انتهى من المباحث المتعلقة بأصول الفقه وما يتبعها من علم النحو، والبيان والجدل، شرع في المباحث المتعلقة بالعقائد وهي أصول الدين، وقسمها إلى ما هو علمي وعملي، أي: يجب اعتقاده ولا تصح العقيدة إلا به، ومنها ما هو (علمي لا عملي) أي: لا يجب معرفته في العقائد، وإنما هو من رياضات العلم ولقد أحسن في التمييز بينهما، وذكر في الثاني جملة من علم الحكمة والطبيعي، وجميع المسائل الاعتقادية تنقسم إلى مسائل المبدأ ومسائل المعاد، ففي الأولى: يتبين العلم بالصانع تعالى وصفاته وأفعاله، وأسمائه، وفي الثانية: يتبين العلم بالحشر والنشر والصراط والميزان وسائر أحوال الآخرة، فنقول: أصول الدين: علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى، وما يجب له ويمتنع من الصفات وأحوال الممكنات والمبدأ والمعاد على قانون الإسلام، ويسمى علم الكلام لأن أول مسألة

стр. 1571

دارت فيه مسألة الكلام، وقد اختلف في التقليد فيه على مذاهب: أحدها: -وهو قول الجمهور -المنع، للإجماع على وجوب المعرفة ولقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ فأمر بالعلم بالوحدانية، والتقليد لا يفيد العلم وقد ذم الله تعالى التقليد في الأصول، وحث عليه في الفروع، فقال في الأصول: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ وحث على السؤال في الفروع بقوله تعالى: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ والثاني: الجواز، ونقل عن العنبري وغيره، لإجماع السلف على قبول

стр. 1572

كلمتي الشهادة من الناطق بها، ولم يقل أحد لهم هل نظرت أو تبصرت بدليل؟ والثالث: يجب التقليد وأن النظر والبحث فيه حرام، والقائل بهذا المذهب طائفتان: طائفة ينفون النظر ويقولون إذا كان المطلوب في هذا العلم، والنظر لا يفضي إليه فالاشتغال به حرام، وطائفة يعترفون بالنظر ولكن يقولون: ربما أوقع النظر في هذا العلم في الشبه فيكون ذلك سبب الضلال وقد زل بسببه طائفة من العقلاء فتحريم الاشتغال به لأجل ذلك، وقد يتوهم أن هذا مذهب الشافعي ﵁ وغيره من السلف، لنهيهم عن علم الكلام والاشتغال به، ولا شك أن منعهم منه ليس هو لأنه ممنوع مطلقا، كيف وقد قطع أصحابه بأنه من فروض الكفايات؟ وإنما منعوا منه لمن لا يكون له قدم صدق في مسائل التحقيق فيؤدي إلى الارتياب والشك والكفر وذلك البيهقي في (شعب الإيمان) هذا قال: وكيف يكون الذي يتوصل به إلى معرفة الله تعالى وعلم صفاته ومعرفة رسله، والفرق بين النبي الصادق والمتنبي مذموما أو مرغوبا عنه؟. ولكنهم لإشفاقهم على الضعفة أن يبلغوا ما يريدون منه فيضلوا نهوا عن الاشتغال به وقد بسط الحليمي الكلام على تعلمه إعداداً لأعداء الله تعالى، وقال غيره: إن القصد من هذا الخلاف أن الواجب هل هو من فروض الأعيان فلا يجزئ العوام صحيح الاعتقاد بالتقليد أو من فروض الكفايات إذا قام به العلماء سقط عن غيرهم؟ وهو الصحيح

стр. 1573

كسائر علوم الشريعة (٧٧/ك) ونقل عن الأشعري: أن إيمان المقلد لا يصح وأنه يقول بتكفير العوام وأنكره الأستاذ أبو القاسم القشيري، وقال: هذا كذب وزور من تلبيسات الكرامية، على العوام فإنهم يقولون: الإيمان الإقرار المجرد، ومن لا يقول: الإيمان: الإقرار، انسد عليه طريق التمييز بين المؤمن والكافر، لأنه إنما فرق بينهما بالإقرار وعند الأشعري: الإيمان: هو التصديق والظن بجميع عوام المسلمين أنهم يصدقون الله تعالى في أخباره، فأما ما ينطوي عليه العقائد فالله تعالى أعلم به، انتهى. وقال غيره من أئمتنا: لو صح عنه فإنما أراد به من اختلج في قلبه شيء من صدق السمعيات القطعية، من حدوث العالم، أو الحشر أو النبوة، وجب أن يجتهد في إزالته بالدليل العقلي، فإن بقي على ذلك لم يصح إيمانه، وقال الأستاذ أبو منصور في (المقنع): أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون عارفون

стр. 1574

بالله تعالى وأنهم حشو الجنة للأخبار والإجماع فيه، لكن منهم من قال: لا بد من نظر عقلي في العقائد، وقد حصل لهم منه القدر الكافي، فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه وحدوث الموجودات، وإن عجزوا عن التعبير عنه على اصطلاح المتكلمين، والعلم بالعبارة على زائد لا يلزمهم، وكذا نقل إلكيا في تعليقه إجماع الأصحاب على أنهم مؤمنون، وإنما الخلاف في أنهم عارفون بالأدلة وإنما قصرت عباراتهم عن أدائها، أو أنهم مؤمنون غير عالمين فإن العلم معرفة المعلوم على وجه لا يمكن الانفكاك عنه، وإذا جرت شبهة لا يرتاع لها، وهذا منتف في حقهم، وإن قيل: كيف يكونون مؤمنين غير عارفين؟ قلنا: لأن الله لم يوجب عليهم غير هذا القدر، فإن النبي ﷺ كان يكتفي من الأعراب بالتصديق مع العلم بقصورهم عن معرفة النظر والأدلة. قلت: وفي (صحيح مسلم) عن معاوية بن الحكم في الأمة السوداء التي أراد عتقها وسأل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك، فقال: ((ائتني بها)) فجاءت فقال لها: ((أين الله؟)) فقالت: في السماء، قال: ((من أنا؟)) قالت: أنت رسول الله قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) وهذا دليل على الاكتفاء بالشهادتين في صحة العقد وإن لم يكن عن نظر (١٥٨/ز) واستدلال، بل اكتفى بما فطرت عليه، فإنه ﵊ لم يسألها من أين علمت ذلك؟ قال النووي ﵀ في شرحه: وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور وكذلك قوله صلى الله

стр. 1575

تعالى عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) ولم يقل: حتى يستدلوا أو ينظروا، وإنما يقع النظر بعد النطق بالشهادتين، وقال ابن عبد السلام في قواعده وقد ذكر ما يجب من معرفة الله: اعتقاد ذلك واجب في حق العامة وهو قائم مقام العلم في حق الخاصة لما في تكليفهم ذلك من المشقة الظاهرة للعامة، وقال صاحب (الصحائف): من اعتقد أركان الدين تقليدا فإن اعتقد مع ذلك جواز شبهة فهو كافر، ومن لم يعتقد ذلك فاختلفوا فيه، فقيل: مؤمن وإن كان عاصيا بترك النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة أدلة قواعد الدين، وهو مذهب الأئمة الأربعة والأوزاعي والثوري وكثير من المتكلمين، وقيل: لا يستحق اسم المؤمن إلا بعد عرفان الأدلة وهو مذهب الأشعري، انتهى. وما ذكره المصنف من التحقيق

стр. 1576

هو تنقيح مناط للخلاف السابق، وحاصله: أن التقليد يطلق تارة بمعنى قبول قول الغير بلا حجة، وتارة بمعنى: الاعتقاد الجازم، لا لموجب، فالتقليد بالمعنى الأول قد يكون ظنا أو وهما كما في تقليد إمام في فرع من الفروع مع تجويز أن يكون الحق في خلافه، ولا شك أن هذا لا يكفي في الإيمان عند الأشعري وسائر الموحدين، وينزل عليه مقصود الأشعري إيمان مقلد لا يصح أن يثبت عنه، وأما التقليد بالمعنى الثاني فلم يقل أحد من الأئمة إنه لا يكفي في الإيمان إلا أبو هاشم من المعتزلة كذا حكاه المصنف عن والده وكذا نقله الآمدي في (الأبكار)؛ فقال: وصار أبو هاشم إلى أن من لا يعرف الله تعالى بالدليل فهو كافر، لأن ضد المعرفة النكرة، والنكرة كفر، وأصحابنا يجمعون على خلافه، وإنما اختلفوا فيما إذا كان الاعتقاد موافقا للمعتقد، من غير دليل ولا شبهة فمنهم من قال: إن صاحبه مؤمن عاص بترك النظر الواجب، ومنهم من اكتفى بمجرد الاعتقاد الموافق للمعتقد وإن لم يكن عن دليل وسماه علما، وعلى هذا فلا يلزم من وجوب المعرفة بهذا التفسير وجوب النظر. ثم قال المصنف: إن الإنسان إذا مضى عليه زمن لا بد أن يحصل عنده دليل وإن لم يكن على طريقة أهل الجدل فإن فرض تصحيح

стр. 1577

جازم ولا دليل عنده فهو الذي ينكره أبو هاشم ولعله المنسوب للأشعري، والصحيح أنه ليس بكافر، وأن الأشعري لم يقل بذلك، نعم اختلف أهل السنة في عصيانه والأصح عند أبي حنيفة أنه مطيع وعند آخرين أنه عاص، وهو الخلاف في وجوب النظر، وأقول من منع التقليد وأوجب الاستدلال لم يرد التعمق في طرق المتكلمين بل اكتفى بما لا يكاد يخلو عنه من نشأ بين أظهر المسلمين كالاستدلال بالمصنوع على الصانع، ويحكى عن بعض الأعراب أنه قيل له: بما عرفت ربك؟ فقال: البعر يدل على البعير وآثار الخطا يدل على المسير فهيكل علوي وجوهر سفلي لم لا يدلان على العليم الخبير؟ وهذا هو الموافق لطريقة السلف، فكل من وجد في نفسه إيمانا جازما بما ذكرناه وكان صدره منشرحا وقلبه مطمئنا كفاه ذلك في استحقاق اسم الإيمان سواء اتضحت له الطرق التي حصل له ذلك بها أم لا، أحسن التعبير عنها أم لا، فإن قيل: كيف يمكن حصول الإيمان الجازم لمن لا يعرف الدليل؟ قيل: إذا حصل في الذهن مقدمات ضرورية وتآلفت من غير قصد تآلفا صحيحا أنتجت العلم وإن كان العالم بالنتيجة (٧٨/ك) لو سئل عنها كيف حصلت له؟ ما اهتدى لذلك ألا ترى أن من تواتر عنده شيء حتى أورث له العلم به يجد نفسه عالما به، وإن كان لا يستحضر أفراد المخبرين له ولا أخبارهم كما نجد أنفسنا عالمين بالأمم السالفة ولا نستحضر السبب الذي علمنا به ذلك، وبهذا يتضح كون الصحابة ﵃ لم ينقل عنهم اعتناء بهذه القوانين، مع الاتفاق على أنهم أقوى الخلق بعد النبيين إيمانا. والله تعالى يغنينا عن عقائدنا بأنواره ويكشف حجاب قلوبنا عن حقائق أسراره. فائدة: قال ابن عبد السلام في (القواعد): إذا بلغ المكلف وليس له اعتقاد

стр. 1578

صحيح لزمه النظر بحسب الإمكان فإن مات قبل إمكان النظر من غير تقصير فلا معصية ولا عذاب، وإن أخر النظر فمات قبل مضي زمان يتسع مثله للنظر فهو عاص بالتأخير، وهل يعذب كافر؟ فيه نظر واحتمال. ص: فليجزم عقده بأن العالم محدث. ش: العالم بفتح اللام هل هو مشتق من العلم أو العلامة؟ لأنه علامة على وجود صانعه، قولان: ينبني عليهما أن العالم يعم جميع الكائنات أو يختص بذوي العلم منه، والأصح عمومه، قال ابن أبي الربيع: وكونه من العلامة أقوى، لأن اسمه يكون مأخوذا من صفته، وإذا أخذ من العلم يكون اسمه مأخوذا من صفة غيره وهو العلم الحاصل عن النظر فيه. انتهى. وهو عند المتكلمين كل موجود سوى الله ومنهم من قال: سوى الله وصفاته. والأول يقول: لا يحتاج إلى هذا فإن إطلاق اسم الله تعالى اسم له بجميع صفاته قاله إليكا، وكذا قال الآمدي: الصفات الوجودية لله تعالى خارجة من قولنا: كل موجود سوى الله تعالى فإن الصفات ليست غير الله على ما تقرر عند الأشعري وللمتكلمين في بيان أنواع العالم تقسيم إجمالي: وهو أن

стр. 1579

الموجود الممكن أما أن يكون متحيزا أو صفة للمتحيز، أو لا متحيزا ولا صفة للمتحيز فهذا أقسام ثلاثة. الأول: المتحيز وهو إما أن يكون قابلا للقسمة وهو الجسم، أو لا يكون قابلا لها، وهو الجوهر الفرد، ثم الجسم إما أن يكون من الأجسام العلوية وهي الأفلاك الكواكب وما ثبت بالشرع كالعرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح والقلم والجنة، وإما أن يكون من الأجسام السفلية، وهي إما بسيطة أو مركبة، أما البسيطة فهي: العناصر الأربعة: كرة الأرض كرة الماء وكرة الهواء وكرة النار، وأما المركبة فهي: المعادن والنبات والحيوان على كثرة أقسامها. والثاني: وهو الذي يكون صفة (١٥٩/ز) للمتحيز: هو الأعراض وذكروا منها ما يقرب من أربعين جنسا. والثالث: وهو ما ليس بمتحيز ولا صفة له، هو الأرواح، وهي أما سفلية أو علوية، والسفلية إما خيرة، وهو صالحو الجن، أو شريرة خبيثة وهم مردة الشياطين وأما العلوية، فهي إما متعلقة بالأجسام وهي: الأرواح الفلكية، وأما غير متعلقة بالأجسام وهي: الأرواح المطهرة المقدسة، قالوا: فهذه إشارة إلى تقسيم موجودات العالم ولو أن الإنسان يكتب ألف مجلد في شرحها لما وصل إلى أول مرتبة من مراتبها، وهذا العالم بجملته علويه وسفليه جواهره وأعراضه - محدث، أي: بمادته وصورته، كان عدما فصار موجودا وعليه إجماع أهل الملل ولم يخالف إلا

стр. 1580

الفلاسفة ومنهم: الفارابي، وابن سينا قالوا: إنه قديم بمادته وصورته وقيل: قديم المادة محدث الصورة وحكى الإمام في (المطالب) قولا رابعا بالوقف وعدم القطع وعزاه لجالينوس فإنه قال في مرض موته: اكتب عني أني ما عرفت أن العالم محدث أو قديم وأني ما عرفت أن النفس هو المزاج أو شيء غيره، قال: ولهذا طعن به عليه، وقيل: إنه خرج من الدنيا كما دخل حيث لم يعرف حقيقة هذه الأشياء.
следующие страницы →