Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
ذلك وعلى أكثر منه قلت: وإنما لم يفصل له إدريس ﵊ الجواب هكذا لأنه معاند ولهذا عاقبه على هذا السؤال بنخس العين، وهو عقوبة كل سائل مثله وشمل إطلاق المصنف القدرة على القبيح والمخالف فيه النظام، قال: القبيح محال على الله تعالى
والمحال غير مقدور عليه قال الإمام وأهل السنة قالوا: إن الله تعالى قادر على كل ممكن ولا قبيح إلا ما قبحه الله تعالى.
ص: ما علم أنه يكون أراده وما لا فلا.
ش: مذهب أهل السنة أن الإرادة تابعة للعلم، وكل ما علم الله وقوعه وكل ما علم الله تعالى عدم وقوعه لا يريد وقوعه وذهبت المعتزلة إلى أن الإرادة توافق الأمر فكل ما أمر الله تعالى به ويريده وإن لم يقع وابتنى على هذا أن الله تعالى يريد لكائنات خيرها وشرها طاعتها ومعصيتها عندنا وعندهم لا يريد الشر والمعصية سواء وقعت أم لا، ويريد الخير والطاعة وقعت أو لا، وقالوا: إنه لا يقال: إنه يريد أن لا يكون شيء والإرادة عندهم لا تتعلق بالمعدوم وضعفه أصحابنا بقوله تعالى: ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة﴾ وقالوا: إن الله تعالى يريد الطاعات وإن لم تقع لأن إرادتها كمال، ويكره المعاصي وإن وقعت، لأن إرادتها نقصان، ومن الدليل أن الله تعالى لا يريد إيمان الكفار، قوله تعالى: ﴿ولو شئنا
стр. 1612
لآتينا كل نفس هداها﴾ ولكن الخلاف أن الإرادة عندهم توافق الأمر وعندنا توافق العلم، فعلى هذا إيمان أبي جهل مأمور به وغير مراده عندنا وكفره منهى= عنه ومراد= عندهم الأمر بالعكس فلزمهم تخلف إرادته تعالى، عن مراده، قال الأشعري: ولو أراد ما لا يقع لكان نقصا في إرادته لكلالها عن النفوذ فيما تعلقت به وتوسط بعض المتأخرين بما يرفع الخلاف فقال: الإرادة قسمان: إرادة أمر وتشريع (١٦٥/ز) وإرادة قضاء وتقدير، فالأول إنما يتعلق بالطاعة دون المعصية سواء وقعت أم لا، لقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾.
والثانية: شاملة لجميع الكائنات محيطة بجميع الحادثات طاعة ومعصية كما قال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ وقوله: ﴿إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ وقول من قال: مراد الله من الخلق ما هم عليه صحيح بهذا المعنى، لا بالمعنى الأول، والحكم يجري على وفق هاتين الإرادتين، فمن نظر إلى الأعمال بهما كان بصيرا ومن نظر إلى القدر كان دون الشرع أو عكس فهو أعور، كقول مشركي قريش: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ فاعتقدوا أن كل ما شاء الله كونه ووقوعه فقد رضيه وليس كذلك وإنما أراده كونا لا شرعا ولهذا قال بعده: ﴿قل فلله الحجة
стр. 1613
البالغة﴾ أي: على خلقه، حتى أرسل إليهم الرسل بشرائعه وهم يعاقبهم على مخالفة أمره وإرادته الشرعية، وإن وافق ذلك إرادته القدرية، فإذا قال العبد: تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب، كان بمنزلة قول المريض: قد تقدمت الإرادة بالمرض فلا أتألم، وهذا مع جهالته فاعتلاله بالقدر ذنب ثان يعاقب، وإنما اعتل بالقدر إبليس حيث قال: ﴿بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض﴾ وتابعه شيعته المشركون فقالوا: ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ فأما آدم ﵊ فقال: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وأما قوله لموسى عليهما الصلاة والسلام: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني وقول النبي ﷺ : ((فحج آدم موسى)) فإنما صح الاحتجاج لوقوعه بعد التوبة وارتفاع اللوم عنه، فهو إخبار منه بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الجور وإنما المذموم الاحتجاج بالقدر ومع الإصرار على الذنب على أن
стр. 1614
بعضهم قال: لم يلمه على المعصية وإنما لامه على المصيبة التي نالت ذريته بخروجهم من الجنة ونزولهم دار الابتلاء والمحنة، فذكر الخطيئة تنبيها على سبب تلك المصيبة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب.
ص: بقاؤه غير مستفتح ولا متناه.
ش: الذي عليه الجماهير من أئمتنا أن القدم والبقاء يرجعان في حق الله تعالى إلى استمرار الوجود في الماضي إلى غير غاية، وفي المستقبل إلى غير نهاية، وذهب الغزالي إلى أنهما من أوصاف النفي، وأنهما يرجعان إلى نفي عدم سابق وإلى نفي عدم لاحق وإن هذه الأسماء بحسب إضافة الوجود في الذهن إلى الماضي والمستقبل، ولا يدخل في الزمان إلا المتغير بواسطة التغيير (٨٥/ك) والرب تعالى منزه عن التغيير فلا يلحقه الزمان، لأنه كان قبل خلق الزمان، وذهب عبد الله بن سعيد إلى أن الباري قديم بقدم، وهو صفة زائدة على وجوده، وقدمه قدم لنفسه وللموصوف به، وباق ببقاء وأن بقاءه لنفسه وللموصوف به، والحق أنهما ليستا بصفتين زائدتين على الوجود وإلا لزم قدم القدم وبقاء البقاء.
стр. 1615
ص: لم يزل بأسمائه وصفات ذاته ما دل عليها فعله من قدرة وعلم وحياة وإرادة أو التنزيه عن النقص من سمع وبصر وكلام وبقاء.
ش: مذاهب الناس في الصفات ثلاثة: ذهب أهل الحق إلى إثبات الصفات وأنها زائدة على مفهوم الذات ويجمعها قول الشاطبي رحمه الله تعالى:
حي عليم قدير والكلام له ... باق سميع بصير ما أراد جرى
وأرجعها المصنف إلى ما يدل عليها فعله أو يقتضي التنزيه، وأرجعها الشيخ عز الدين في (القواعد) إلى ما يتعلق بغيره تأثيرا كالقدرة وإلى ما يتعلق بغيره من غير كشف وتأثير كالكلام، وأعمها تعلقا الكلام والعلم، وأخصها السمع ويتوسطها البصر. الثاني: قول الفلاسفة وقدماء المعتزلة: نفي الصفات وأنه لا صفة هناك ثبوتية زائدة ويقولون: لو ثبت لزم التركيب في الذات ولا نزاع بينهم في أن لله تعالى أسماء وصفات لكن بعض من جمع بين الحديث والفلسفة كابن حزم
стр. 1616
ينكر لفظ الصفات وطعن في الحديث الذي في الصحيحين من صفة الرحمن مطنعا غير مقبول وجوزوا إطلاقها عليه لغة، وقالوا: إنها تسميات تنبئ عن ضروب من الإضافات فلا يقال: عالم ولا قادر، ولكن يقال: ليس بجاهل ولا عاجز، وبالغوا في نفي الكثرة عنه حتى قالوا: إن وجوده وجود محض ولا ماهية ولا حقيقة له يضاف وجوده إليها، ثم اختلفوا فقال بعضهم: معنى كونه عالما قادرا، أنه ليس بعاجز ولا جاهل ولا ميت، وكذلك سائرها ويسمون السلبية وقال آخرون: هو كذلك لمعان ليست موجودة ولا معدومة هي مشتقة من المعاني الثبوتية سموها أحوالا كالعالمية والقادرية والحيية، وهي كونه عالما قادرا حيا.
الثالث: قول متأخري المعتزلة كأبي هاشم وغيره: نفي حقائق هذه الصفات وإثبات أحكامها فقالوا: عالم لذاته لا يعلم، وكذا الباقي تعلقا بأن الصفة غير الموصوف، فلو كان له صفات للزم تعدد القديم، وقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث
стр. 1617
ثلاثة﴾ ويقولون بثبوت العالمية والقادرية له بناء على أنها نسب وإضافات لا وجود لها في الخارج بخلاف العلم والقدرة والحياة فإنها حقيقة، ولنا أن الله تعالى أثبت هذه الصفات لنفسه في كتابه العزيز فوجب القول بها مع أنه يستحيل إثبات موجود بهذه الأوصاف مع نفي هذه الصفات وإذا لزم إثباته بهذه الأوصاف لزم إثبات هذه الأوصاف له، قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ وقال: ﴿وسع كل شيء علما﴾ وقوله تعالى: ﴿إن الله هو الرازق ذو القوة المتين﴾ فأثبت القوة لنفسه وهي القدرة وأثبت العلم، فدل على أنه عالم بعلمه وقادر بقدرته، ولأنه لو جاز عالم لا علم له لجاز علم ولا عالم به، كما أنه لو جاز فاعل لا فعل له لجاز فعل لا فاعل قال: ﴿أنزله بعلمه﴾ ﴿وسع ربي كل شيء علما﴾ ولا شك أن العالم من قام به العلم هو وصف ثبوتي وأيضا ﴿فعال لما يريد﴾ (١٦٦/ز) مع أن الفعل مشتق من المصدر وهو الإرادة وقد وجد الفعل المشتق، فوجب أن تكون الإرادة المشتق منها موجودة، إذا ثبت هذا في العلم والإرادة وجب مثله في باقي الصفات، إذ لا قائل بالفرق وأما احتجاج الخصم بأنه لو كان عالما بعلم قائما بذاته زائد على مفهومها قديم لزم تعدد القديم، وأنه يلزم منه افتقار الذات إلى غيرها في كمالها وهما محالان فجوابه:
стр. 1618
أن المحال إنما هو تعدد الذوات القديمة لا الذات والصفات وكذلك افتقار الذات إلى غيرها في وجودها هو المحال لا في غير وافتقارها إلى غير خارج عنها قائم بها لا ينفك عنها مع أن الحال الذي ادعاه أصحاب الأحوال لا موجودا ولا معدوما غير معقول، قال البيهقي: فإن قالوا فيقولون: إن علمه قديم وهو قديم قيل: من أصحابنا من لا يقول ذلك مع إثباته أزليا، ومنهم من يقول ذلك ولا يجب به الاشتباه لأن القديم هو المتقدم في وجوده والوجود لا يوجب الاشتباه عند أحد فكذلك المتقدم في الوجود لا يوجب الاشتباه. فإن قالوا: لو كان له علم لم يخل إما أن يكون هو أو غيره أو بعضه، قيل: هذه دعوى، بل ما قيل من علم لا يجوز أن يقال هو هو لاستحالة أن يكون العلم عالما ولا أن يقال غيره لاستحالة مفارقته له ولا بعضية لأنه ليس الوجوب متبعضا. انتهى.
واعتمد المتأخرون في تعددها على الإجماع فإن الأمة مجمعة على قولين: أحدهما: إثبات صفات متعددة والآخر نفيها والتزام اتحاد الذات فمن ادعى قولا ثالثا حكم فيه بإثبات صفة واحدة ثبوتا مناف للصفات المختلفة فقد خرق الإجماع وعلى هذا عول القاضي في (الهداية) والإمام في (الشامل) وحاصله: أنه إذا قضى العقل بثبوت زائد على الذات وهو مدلول التأثير والأحكام والتخصيص وأوجبت اللغة أن مدلول التأثير يسمى قدرة ومدلول الأحكام يسمى علما، ومدلول التخصيص
стр. 1619
يسمى إرادة وأجمعت الأمة على أن الذات ليست علما ولا قدرة ولا إرادة وانعقد الإجماع أن ذلك الزائد يستحيل أن ينوب منوب الصفات المختلفة وجب الحكم بتعدد ذوات هذه المدلولات وأنها صفة زائدة على الذات، ومنهم من سلك طريق إثبات الأحوال واعتبار الغائب بالشاهد وفيها طول.
تنبيهات - الأول: اتفقت الأشاعرة على السبع (٨٦/ك) واختلفوا في الثامن وهو البقاء فأثبته الأشعري والجمهور وقالوا: إنه صفة زائدة على الذات قائمة بها فهو باق ببقاء قائم بذاته كباقي الصفات وجرى عليه المصنف وذهب القاضي وإمام الحرمين وجمهور المعتزلة والإمام فخر الدين ووالده والبيضاوي إلى نفي تلك الصفة وقالوا: إن بقاء الله تعالى عين ذاته أي إنه باق لذاته لا لبقاء لأن البقاء لو كان موجودا وللزم أن يكون باقيا فحينئذ يكون ببقاء آخر وبتسلسل وأجيب بأن بقاء الله
стр. 1620
تعالى وقدمه باقيان بذاتيهما لا ببقاء قائم بهما، لأن قيام الصفة بالصفة محال، قال الإمام فخر الدين: وهذا يلتفت على أمرين. أحدهما: أن استمرار الذات هل هو مفهوم زائد على الذات أو ليس صفة زائدة عليها؟
والثاني: أن الجوهر في الزمان الثاني هل يحتاج إلى معنى يقتضي وجوده في الزمان الثاني أم لا؟ فمن الناس من أثبته وسماه البقاء والحق أنه محال.
الثاني: أنهم اتفقوا على إثبات الصفات الموهمة التي ورد بها الشرع كالعين والوجه واليد للقدرة أو النعمة وقيل: إنها صفات أخرى قائم بذات الله تعالى
стр. 1621
وقال البيهقي: لله تعالى صفات خبرية كالوجه واليد طريق إثباتها ورود خبر الصادق بها فنثبتها ولا نكيفها قال ابن القشيري: واختلفوا في جواز صفة أخرى خبرية لتعارض قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((أسألك بكل اسم هو لك= أو استأثرت به في علم الغيب عندك)).
الثالث: لك أن تسأل عن الفرق بين المذهب الثاني والثالث أعني مذهب الفلاسفة والمعتزلة، وما الفرق بين من نفى الصفة ونفى حكم الصفة، ووجهه أن الحكم وهو عالم قادر ثبت بالنص وعلم الضرورة دينا، وإثبات صفة العلم والقدرة لا تستند إلى ثبوتها بالنص، وإنما تثبت بالدليل، وليس كذلك، ولهذا عدها بعضهم مما ثبت بالصيغة لأن عالما لم توضع إلا لمن له العلم لا لمن أدرك فقط. فيكون على هذا من الثابت بنص الكتاب وعلى هذا جرى أبو الوليد بن رشد فقال: لا فرق بين من قال ليس لله علم ومن قال: ليس بعالم.
الرابع: إنما قال المصنف: لم يزل ولم يقل قديمة، لأن هذه الصفات للرب عند المتقدمين من أصحابنا لا يقال لها قديمة، لأن القديم عندهم
стр. 1622
هو بقدم فلا يجوز أن يقوم بالصفات قدم، بل هي أزلية كذا حكاه ابن القشيري في (المرشد) قال: وعند أبي الحسن صفات ذات الرب قديمة ومنع أن يكون القديم قديما بقدم بل القديم قديم لنفسه.
الخامس: تحرز بصفات ذاته عن صفات فعله كالخالق والرازق فإنها حادثة عند الأشعري، وهي فيما لا يزال ولا يصح وصفه بها في الأزل فإن الخالق حقيقة هو الذي صدر الخلق منه فلو كان قديما لزم قدم الخلق وصارت الحنفية وغيرهم إلى القول بقدمها ولا يجوز أن يحدث له صفة لم يستحقها فيما لم يزل، وأنه لم يستحق اسم
стр. 1623
الخالق لخلقه الخلق، وإن أريد بالخالق القادر على الخلق لم يبق في قدمه خلاف قال البيهقي: وأبى المحققون من أصحابنا أن يقولوا: إنه لم يزل خالقا ولكن يقولون: خالقنا لم يزل رازقا لم يزل قادرا على الخلق والرزق لأنه لم يخلق في الأزل ثم خلق، وإذا سمي خالقا بعد وجود الخلق لم يوجب ذلك تغيرا في ذاته كما أن الرجل إذا سمي أبا بعد أن لم يسم به لا يوجب ذلك تغيرا في نفسه، ومن أصحابنا من قال بجواز القول بأنه لم يزل خالقا رازقا على معنى أنه يخلق ويرزق انتهى وأشار الغزالي إلى أنه لا خلاف بين المسلمين في وصف الله تعالى بالخالقية (١٦٧/ز) والرازقية في الأزل بالقوة لا بالفعل والحقيقة وكذا بقية الصفات المؤثرة، ووصفه بها عند خلق العالم بالفعل والحقيقة، وقولنا: إن الله تعالى خالق في الأزل بمنزلة قولنا السيف قاطع في الغمد وظن بعض الحنفية أنه أراد الإطلاق المجازي فقال لا يصح إطلاق ذلك في أسماء الله تعالى، لأن المجاز يقبل النفي.
السادس: اعترض بعضهم على الأشعرية في قولهم في الصفات: ليست هي هو ولا هو غيرها وقال: وقعوا في صريح التناقض وهذا كلام من لم يفهم حقيقة الغيرين وهو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود أو عدم وهذه الصفات الكريمة لا تقبل ذلك فلا يقال: هي غيره ولا هو غيرها وعبر بعض الأصحاب عن ذلك فقال بأن الصفات ليست هي ذاته ولا غير ذاته فإن الغيرين هما ذاتان ليست إحداهما الأخرى والصفات وإن كانت زائدة على الذات فلا تكون مغايرة لها بهذا المعنى.
стр. 1624
ص: وما صح الكتاب والسنة من الصفات يعتقد ظاهر المعنى وينزه عند سماع المشكل ثم اختلف أئمتنا أنؤول أم نفوض منزهين مع اتفاقهم على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح.
ش: ذكر هذا عقيب صفات الذات لينبه على أن الصفات لا تنحصر فيما ذكر، وإنه قد ورد صفات أخرى موهمة كما سبق والقصد أن كل ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من الصفات اللائقة بجلاله، نعتقد ظاهر المعنى وما ورد فيهما من المشكل مما ظاهره الاتصاف بالحدوث والتغير كقوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك﴾ وقوله ﷺ : ((ينزل ربنا كل ليلة)) فإنا ننزه عند سماعه عما لا يليق به.
وللعلماء فيه مذهبان مشهوران فمنهم من يفوض عمله إلى الله تعالى ويسكت عن التأويل بشرط الجزم بالتنزيه والتقديس واعتقاد عدم إرادة الظواهر المفضية للحدوث والتشبيه، وهذا مذهب السلف رحمهم الله
стр. 1625
تعالى ولهذا يقفون على قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ثم يبتدئون ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ وقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف فقولهم: كما جاءت رد على المعطلة، وقولهم بلا كيف رد على المشبهة ومنهم من يقول بالتأويل وهو مذهب الخلف وشرطوا كون التأويل لإيفاء بجلال الله تعالى وكون المؤول متسعا في لغة العرب ولهذا قال (٨٧/ك) بعضهم: مذهب السلف اسلم ومذهب الخلف أعلم، أي أحوج إلى مزيد من العلم واتساع فيه وكان إمام الحرمين يتأول أولا ثم رجع في آخر أمره وحرم التأويل ونقل إجماع السلف عليه، فقال في (الرسالة النظامية): والذي نرتضيه رأيا وندين لله تعالى به عقدا اتباع سلف الأمة فالأولى الاتباع وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع
стр. 1626
الصحابة ﵃ فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها مع أنهم كانوا لا يألون جهادا في ضبط قواعد المسألة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر متبوعا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وقال ابن القشيري في تفسيره: تعلق قوم باختيار الجهل في ذلك مع دعوى الأخذ بالظاهر ولا يخفى أن الظاهر التشبيه في كل لفظ يوهم التشبيه، فإن اعترف هؤلاء بأنهم لا يشبهون فقد تركوا الظاهر بالضرورة وعند ترك الظاهر فلا مانع من تكلف تأويل ممكن واحتج ابن عطية للمتأولين بأن الكل أجمعوا على تأويل قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ أن معناه بقدرته وعلمه وإحاطته قال: وهذه آية أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وأنها تخرجه عن معنى لفظها المعهود، قال: وتأولهم هذا حجة عليهم في غيره وقال الشيخ عز الدين في بعض فتاويه: وطريق
التأويل بشرطه أقربهما إلى الحق، لأن الله تعالى إنما خاطب العرب بما يعرفونه وقد نصب الأدلة على مراده من آيات كتابه لأنه قال: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ وقال لرسوله ﷺ : ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ وهذا عام في جميع آيات القرآن فمن
стр. 1627
وقف على الدليل فقد أفهمه الله تعالى مراده من كتابه وهو أكمل ممن لم يقف على ذلك إذ لا ﴿يستوي الذين يعملون والذين لا يعلمون﴾ وتوسط صاحبه ابن دقيق العيد في عقيدة له فقال: يقول في الألفاظ المشكلة منزه عما لا يليق بجلاله ويقول: إنها حق وصدق على الوجه الذي أراده قال: ومن أول شيئا منها فإن كان تأويله قريبا على ما يقتضيه لسان العرب ويفهم في مخاطباتها لم ينكر عليه، ولم نبدعه، وإن كان تأويله بعيدا توقفنا عنه واستبعدناه ورجعناه إلى القاعدة في الإيمان بمعناه والتصديق به على الوجه الذي أريد مع التنزيه وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهراً مفهوما من تخاطب العرب قلنا به، وأولناه من غير توقيف كما في قوله تعالى: ﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ فنحمله على حق الله وما يجب له أو على قريب من هذا المعنى ولا يتوقف فيه، وكذلك قوله ﷺ : ((قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن)) فحمله على أن إرادة القلب واعتقاد أنه مصرفه بقدرة الله تعالى وما يوقعه في القلوب وكذا سائر الأمور الظاهرة المعنى المفهوم عند سماعها ممن يعرف كلام العرب انتهى ولا مزيد على حسنه لكن إذا أول على المعهود من كلام العرب فيشترط أن لا يقطع بأنه هو المراد، فالله أعلم بمراده، بل نقول: يجوز أن يكون المراد كذا، وقد يرجح بالقرائن المحتفة باللفظ ونحوه وقول المصنف: مع اتفاقهم على أن جهلنا به لا يقدح، أي لأن الإيمان الإجمالي كاف فيه كما في الإيمان بما أنزل الله من الشرائع وأرسله من الرسل
стр. 1628
وكذلك يؤمن بالمتشابهات على الإجمال وإن لم يتعين المراد بها على التفصيل.
ص: القرآن كلامه غير مخلوق.
ش: القرآن لفظ مشترك يطلق ويراد به المقروء وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى وليست من قبيل الحروف والأصوات، ويدل عليه قول السلف قاطبة القرآن كلام الله تعالى وهو غير مخلوق، قال علي ﵁: (ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت القرآن) وكما يعقل متكلما ولا مخارج (١٦٨/ز) له ولا أدوات كذلك يعقل كلاما ليس بحروف ولا أصوات.
والدليل عليه: أن كلامه صفة موجودة والحروف إن كانت كتابة فهي أجسام وإن كانت حركات أدوات فهي أعراض ومحال قيام الأجسام والأعراض بالباري تعالى عن ذلك، ويلزم القائل بذلك القول بخلق القرآن.
ويطلق ويراد به العبادات الدالة على الصفة القديمة التي هي القراءة ومنه قوله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ أي قراءته أو ليس للقرآن قرآن آخر: ﴿فإذا
стр. 1629
قرأناه فاتبع قرآنه﴾ أي: قراءته وهو قوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ وقوله: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن﴾ أي القراءة ومنه حديث: ((ما أذن لله لنبي كإذنه لنبي حسن الصوت يتغن بالقرآن)) ومعناه بالقراءة ويدل عليه قول السلف القرآن معجزة رسول الله ﷺ ويستحيل أن يكون القديم معجزة إذ لا اختصاص للصفة الأزلية ببعض المتحدين وسمى الرب تعالى الصلاة قرآنا لاشتمالها على القراءة فقال تعالى: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ معناه: إن صلاة الفجر، فإن قالوا: ﴿اخلع نعليك﴾ كلام الله وتقدير الاتصاف به قبل خلق موسى ﵊ خلق من القول.
قلنا: الكلام الأزلي يتعلق بمتعلقه تعلق العلم الأزلي ويجري مجراه عند تجدد المتجددات وإذا لم يمتنع ثبوت هذه الصفة والكليم معدوم عن علمنا لم يمتنع ثبوت الكلام الأزلي، ومن ثم أحالت المعتزلة ثبوت الأمر من غير مأمور، بناء على أصلهم أن لا كلام إلا العبارات، وهذه الشبهة بعينها هي شبهة القائل بخلق
стр. 1630
القرآن فإنه قال: لو كان كلامه غير مخلوق لكان لم يزل مخبرا بأنا أرسلنا نوحا ولم يزل موسل ولم يقل بعد فلزم أن يكون كذبا وقد عارضهم الأصحاب منهم البيهقي بأنه قد قال: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر﴾ ولم يقل بعد فيلزم أن يكون كذبا، فإن قالوا: معناه: سيقول، قيل: كذلك قوله: ﴿إنا أرسلنا نوحا﴾ في أزله قبل الرسالة مخبر أنه سيرسله فإذا أرسله صار خبرا عن إرساله أنه وقع من غير أن يحدث خبرا كما أن علمه بأنه سيكون علمه الدنيا بأنه كائن وإذا كان لم يحدث علم إنما حدث المعلوم والمخبر عنه دون العلم والخبر واعلم أن الناس في كلام الله (٨٨/ك) تعالى ثلاثة فرق: أهل السنة
стр. 1631
يقولون: إن كلامه تعالى معنى نفساني قائم بذاته تعالى قديم منزه عن الحرف والصوت وما يأتينا من الحروف والأصوات الدالة عليه على لسان الرسل حادث ولكن نتجنب إطلاق هذا الاسم عليه أدبا إلا عند الحاجة إلى البيان لمتعلم، ويطلق أن كلام الله تعالى منزل غير مخلوق تأسيا بالسلف الصالح حذرا من إيهام نفي الكلام الأزلي، والفرقة الثانية المعتزلة: لا يثبتون كلام النفس.
والثالث الحشوية: القائلون بأنه يتكلم بحرف وصوت قائم بذاته، وهم قسمان: قسم يلتزمون حلول الحوادث بذاته تعالى الله عن قولهم، وشرذمة يقولون الحروف والأصوات قديمة، وهؤلاء لا يفهمون ما يقولون، لأنا نعلم ضرورة وحسا بأن الكاف قبل النون ولا يجتمعان في زمن واحد، ثم يلزمهم ما يلزم النصارى في اعتقادهم أن صفة من صفات الله القديمة وجدت المسيح، أما كلامه أو علمه فأثبتوا قدمه وكفرهم جميع المسلمين وتبرؤوا عنهم وبينوا أن الصفة الواحدة يستحيل أن
стр. 1632
توجد في موصوفين، كما لا يصح أن يوجد جوهر واحد في مكانين وكيف يستقيم بعد ذلك أن يقال: إن صفة الله أي هي كلامه القديم وجدت في المصاحف والمحدثات بل هو أشر من قول النصارى لقصرهم ذلك على المسيح وحده وهم يقولون: إن كلام الله تعالى وجد في أكثر المخلوقات، ولقد كثر تشنيعهم على الأشاعرة في هذه المسألة ولو تنبهوا لسر مقالتهم لعلموا أنها أشنع: إذا علمت هذا فتضمن كلام المصنف مسألتان:
إحداهما: أن القرآن هو الكلام القائم بالذات المقدسة، ولهذا لو حلف بالقرآن انعقدت يمينه حملا له على الكلام القديم، وأبو حنيفة حمله على الألفاظ ولم يحكم بانعقاد يمينه قال الشيخ عز الدين في (القواعد): وهو الظاهر من استعمال اللفظ وهو منازع فيه، فإن القرآن إذا أطلق لم يفهم منه غير كلام الله، ولهذا لو سئلنا عن القرآن مخلوق أم لا؟ أجبنا بأنه غير مخلوق قال الحليمي: وقوله تعالى: ﴿وما هو بقول شاعر﴾ وفي سورة أخرى: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ فإنما معناه: لقول تلقاه عن رسول كريم أو سمعه عنه أو نزل به عليه،
стр. 1633
وقد قال في آية أخرى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ فأثبت أن القرآن كلامه ولا يجوز أن يكون كلامه وكلام جبريل معا فدل على أن معناه ما قلنا.
الثانية أنه بالمعنى الأول غير مخلوق ولا محدث لأنه كلام الله وكلام الله تعالى صفته ويستحيل اتصاف القديم بالمحدث، وقد قال تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام﴾ الآية، وما يمتنع نفاذه قديم ولأن الله تعالى ذكر الإنسان في ثمانية وعشرين موضعا، وقال: إنه مخلوق، وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ولم يقل: إنه مخلوق ولما جمع بينهما في الذكر نبه على ذلك حيث قال: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان﴾ وقد روي من وجوه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قرآنا عربيا غير ذي عوج﴾ وقال غير مخلوق وقال البويطي عن الشافعي: إنما خلق الله تعالى كل شيء بكن فلو كانت كن مخلوقة فمخلوق خلق مخلوقا قال الأئمة: ولو كان كن الأول
стр. 1634
مخلوقا فهو مخلوق بأخرى وأخرى إلى ما لا يتناهى وهو مستحيل وقال سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾: إن الأمر القرآن ففصل بين المخلوق والأمر، ولو كان الأمر مخلوقا لم يكن لتفصيله معنى، قال ابن عيينة: فرق بين الأمر والخلق فمن جمع بينهما فقد كفر أي من جعل الأمر الذي هو قوله من خلقه فقد كفر وأما أن القرآن هو الآمر فلقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا﴾ وروي هذا الاستنباط عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي وأحمد بن سنان وغيرهم من الأئمة، وذكر البيهقي بإسناد صحيح عن عمرو بن دينار قال
стр. 1635
سمعت مشيختنا منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق قال ومشيخته جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس وابن عمر وجابر وابن الزبير وأكابر التابعين، ثم قال: وروينا هذا القول عن الليث بن سعد وسفيان (١٦٩/ز) وابن المبارك وحماد بن زيد وابن مهدي والشافعي ﵁ وأحمد بن
стр. 1636
حنبل وأبي عبيدة والبخاري ومشيخة جلة سواهم وإنما أحدث هذه البدعة الجعد بن درهم فذبح= خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى قلت: وكان الإجماع منعقدا عليه حتى جاء الجبائي وزعم أنه
مخلوق على معنى أنه مقدر، وتبعه ابنه ومعتزلة البصرة ونقل عن داود الظاهري إنه محدث وليس بمخلوق
стр. 1637
وينسب للبخاري، وفهمها ابن بطال من تنويهه في آخر كتابه وقد هجر الإمام أحمد داود لما بلغه ذلك عنه، ومنعه من الدخول عليه، وقال البيهقي في مناقب الإمام أحمد: يحتمل أن يكون داود تكلم في الفرق بين التلاوة والمتلو كما كان محمد بن إسماعيل البخاري يذهب إليه فنسبه محمد بن يحيى الذهلي إلى رأي جهم وكلاهما بريء منه، ثم استدل شعيب بن إبراهيم قال: قرئ على أبي سليمان مسألة الاعتقاد فقال فيها: كلام الله غير مخلوق ولا مجعول ولا
стр. 1638
محدث، وحكى عن داود أنه قال: أما الذي في اللوح المحفوظ فغير مخلوق، وأما الذي بين الناس فمخلوق قال الذهبي في (الميزان): وهذا أول شيء على جهله بالكلام فإن جماهيرهم لم يفرقوا بين الكلامين في أن الكل حادث، وإنما يقولون: القائم بالذات المقدسة غير مخلوق، لأنه من علمه تعالى والمنزل إلينا محدث كما قال تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ والقرآن كيف تلي أو كتب أو سمع فهو وحي الله فإن قيل: فقد سبق أن القرآن يطلق بمعنيين فهل يجوز على المعنى الثاني وهو القراءة أن يقال: إنه مخلوق؟ قلنا: لا يجوز لما فيه من الإيهام المؤدي إلى الكفر، وإن كان المعنى صحيحا بهذا الاعتبار، كما أن الجبار في أصل اللغة هي النخلة الطويلة، ويمتنع أن يقال: الجبار مخلوق مريدا بها النخلة لما فيه (٨٩/ك) من الإيهام ولا يمتنع أن يقال: القراءة مخلوقة لزوال الإشكال.
(ص) على الحقيقة لا المجاز مكتوب في مصاحفنا محفوظ في صدورنا مقروء بألسنتنا.
стр. 1639
ش: الجار والمجرور في قوله: على الحقيقة - متعلق بما بعده من اسم المفعول في مكتوب ومحفوظ ومقروء، فلهذا قطعه عما قبله لئلا يتوهم أنه متعلق بالذي قبله ودليل ما قال قوله تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أتوا العلم﴾ وقوله ﷺ : ((لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو)) مخافة أن يناله العدو، والمعنى أن القرآن مكتوب إلى آخره، أي: إنما يقال بهذا التقييد ولا يطلق عليه غير مقيد لما فيه من الإيهام كما لا يقال: إن الله تعالى في المسجد وفي القلوب إلا على التقيد بأن الله تعالى معبود في المسجد معلوم في القلوب مذكور بالألسن لاستحالة وجوده في الجهات فذلك حكم كلامه ووضحه بعضهم فقال: معنى قولنا إن القرآن مكتوب في المصحف محفوظ في الصدور: أن الكتابة التي يكون كلام الله بها مكتوبا في المصحف لا نفس الكلام الموجود بذاته، وكذلك الحفظ له لا نفس واحد من هذه المعاني مع زيادات أضيفت له حتى لا يعرف إذا ذكر إلا ذلك المعنى مع هذه الزيادات، ولا يذهب وهم السامع إلى من كان في أصل اللغة قبل اقتران هذه الزيادات به، وقد كثر التشنيع على
стр. 1640
الأشعري ﵀ في قوله: إن الألفاظ التي في المصحف دالة على كلام الله تعالى لا غير كلام الله تعالى ورد بإجماع السلف على ما بين دفتي المصحف كلام الله تعالى، والأصحاب المحققون يقولون: للقرآن حقيقتان: حقيقة عقلية وحقيقة شرعية فحقيقته الشرعية كلام الله غير مخلوق وهذا هو موضع إجماع السلف ولم يتكلم فيه الأشعري وحقيقته العقلية أن هذه الألفاظ دالة على كلام الله تعالى وليست عين لقيام الدليل العقلي على قدم الكلام ولئلا يلزم كون القرآن مخلوقا وهذا موضع كلام الأشعري مع أنه لا يسوغ إطلاق هذا اللفظ لمنافاته الحقيقة الشرعية، وإنما هو بحث عن الحقيقة العقلية ليعلم كيف هو، وقصد بذلك الجمع بين الأدلة وهي الطريقة المثلى فإنه إن لم يجمع بين العقل والشرع على القطع وقع في مخالفة العقل
بالجملة أو الشرع بالجملة، ونظيره تقسيم الإرادة إلى كونية وشرعية فتمسك بهذا التقرير فإنه من أعظم ما يستفاد في هذا المضيق، وحاصله أن القرآن يطلق على القائم بالنفس وهو كلام الله حقيقة لغوية وعقلية، وعلى هذا المكتوب في المصحف والمحفوظ والمقروء كما سبقت أدلته، وهذه إنما أجمعت عليه الأمة ولم يريدوا أن عين الكلام القديم حال في الورق والصدور لاستحالته بل إن في مصاحفنا كتابة دالة عليه وفي صدورنا حفظا له وفي ألسنتنا قراءة له كما قال تعالى: ﴿النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ فالنبي ﷺ على الحقيقة مكتوب في التوراة ومعناه أن في التوراة كتابة دالة عليه لا أن نفسه مدرجا في التوراة، وكما يقال: الدار مكتوبة في الصك، وكما
стр. 1641
أن الله تعالى معلوم بعلومنا مذكور بألسنتنا معبود في مساجدنا غير حال فيها، ولهذا منع بعضهم إطلاق كونه في المصحف حتى يقول: إنه مكتوب فيه دفعا لوهم الحلول ولم يتحاشاه الجمهور تمسكا بقوله تعالى: ﴿إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون﴾ وعلم من ذلك أن القرآن غير المقروء والتلاوة غير المتلو، وخالفت الحشوية فزعموا أن القراءة هي المقروء وهذا من غباوتهم فإن القراءة كسب العبد يثاب عليها إذا كانت مندوبة ويعاقب عليها، إذا كانت حراما والثواب والعقاب إنما يتعلق بفعل المكلف، ولا يعلق كذلك بالكلام الأزلي، قال الآمدي: ولم يخالف في أن القراءة غير المقروء والكتابة غير المكتوبة إلا النجار من المعتزلة
стр. 1642
والحشوية مع زيادة القول بالقدم، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: القراءة والمقروءة شيئان متغايران، وهذا معلوم لكل عاقل أنصف ولم يسلك طريق التجاهل والمكابرة لأن المقروء ولم يزل موجودا ولا يزال، والقراءة لم تكن فكانت، لأنه من المحال تقدير وجود قراءة ولا قارئ لها كتقدير فعل ولا فاعل له، وقد نبه الباري على ذلك بقوله تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله﴾ وكان يجري مجرى قوله:
﴿إن الذين قالوا ربنا (١٧٠/ز) الله﴾ وقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ أفترى القول هو الرب والرب هو القول والأكل هو المال والمال هو الأكل؟ فإذا لم يصح ذلك أن تكون التلاوة هي الكتاب والكتاب هو التلاوة، بل يجب أن تكون التلاوة معنى غير الكتاب فالتلاوة فعل العبد والكتاب هو المقروء الذي هو الكلام الأزلي وبيان ذلك أن حال الصفة حال الموصوف فإذا لم يستحيل أن يكون الموصوف معلوما لنا مذكورا معبودا مع كونه قديما لا يوجب ذلك القرب منه ولا الاتصال ولا الحلول، كذلك الصفة التي هي الكلام القديم يستحيل أن يكون مقروءا لنا محفوظا مكتوبا ولا يوجب ذلك الحلول، قال: وكلام الله تعالى فيما لم يزل قديما غير منزل ولا مقروءا ولا مكتوب= ولا محفوظ=، فلما خلق الخلق وبعث النبي ﷺ وأوحى إليه منزلا محفوظا مسموعا مكتوبا مسموعا وذلك لا يوجب بغير حاله كما أن القديم لم يكن في الأزل معبودا ولا مسجودا له ولا معلوما للخلق فلما أوجد الخلق وعلموه وعبدوه وذكروه كان معلوما لهم معبودا مذكورا ولم يوجب ذلك بغير حاله كذلك ههنا.
стр. 1643
فإن قيل: يلزمكم على هذا أن تقولوا: اللفظ بالقرآن مخلوق، وقد ذكر قوام السنة في كتابه (الحجة): أن أول من قال بالألفاظ وقال: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة حسين الكرابيسي فبدعه الإمام أحمد ووافقه على تبديعه علماء الأمصار وأطال في الاستدلال.
قلت: قد ذكر البيهقي في (مناقب أحمد) أن هذا المروي عنه في اللفظ يوهم أنه كان لا يفرق بين التلاوة التي هي كسب وبين المتلو الذي هو كلام الله
стр. 1644
قال: وقد حكاه عنه عبد الله ولده مقيدا فقال: سمعت أبي يقول: من قصد إلى القرآن بلفظ أو غير ذلك يريد به مخلوق (٩٠/ك) فهو جهمي قال: فدل على أنه إنما أنكر قوله من زعم أن المتلو المقروء مخلوق وكره الكلام في اللفظ لكيلا يجعل ذلك ذريعة إلى القول بخلق القرآن ثم أسند عن الحاكم عن الأصم عن الصغاني سمعت
стр. 1645
محمد فوران أبا محمد صاحب أحمد أنه سأله جماعة من أصحاب أحمد أن يطلب منه خلوة يسأله فيها عن أصحابنا الذين يفرقون بين اللفظ والمحكي، قال: فطلب منه ذلك فقال: القرآن كيف تصرف غير مخلوق فأما أفعالنا فمخلوقة قلت: يا أبا عبد الله فاللفظية تعدهم جهمية إذا تذرعوا باللفظ إلى القول بخلق القرآن قال: لا، الجهمية يقولون: القرآن مخلوق، قال البيهقي: فهذا يدل على أنه إنما جعل اللفظية جهمية إذا تذرعوا باللفظ إلى القول بخلق القرآن، وبان أن أحمد لا يخالف أصحابنا المتكلمين، وإنه لا خلاف في الحقيقة بين أصحاب الحديث في القرآن. انتهى. ولقد نفس كربة في الفائدة النفيسة نفس الله عني وعنه يوم القيامة ثم هنا.
تنبيهات: أحدها: أنه قد يستشكل وصف القرآن بهذه الصفات أعني: كونه قديما ومتلوا ومحفوظا ومقروءا لإيهامه قيام الشيء الواحد بعدة أشياء وينحل هذا الإشكال بتحقيق مراتب الوجود وهي أربع: وجود في الأعيان ووجوده في الأذهان ووجود في البنيان ووجود في البيان فكلام الله تعالى باعتبار وجوه العيني وهو الموجود الحقيقي - قائم بالذات المقدسة غير منفصل عنها ولا قائم بغيرها، وباعتبار وجوده الذهني محفوظ في صدورنا، وباعتبار وجوده البنياني متلو بألسنتنا وباعتبار وجوده البياني مكتوب في مصاحفنا، وهو غير حال بحقيقته النفسية لا في صدورنا
стр. 1646
ولا في ألسنتنا ولا في مصاحفنا ولا قائم بشيء من ذلك، وإلا لزم قيام صفة الخالق بالمخلوق، فالقائم على الحقيقة.
بالتالي للقرآن هو الدال على كلام الله تعالى ويقال له أيضا: كلام الله لدلالته عليه، قال تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ ونهيه ﷺ عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم وفي هذا جمع بين الأدلة والخصم ألغى بعضهما مع ارتكابه ما يسوغ عقلا.
الثاني: إنما قال المصنف: لا لمجاز مع قوله قبله على الحقيقة، لأن الحقيقة تطلق ويراد بها كنه الشيء كقولنا: الجوهر والمتحيز وهذا هو محل نظر المتكلمين إذا قالوا: حقيقة كذا، أرادوا كنهه ويراد مقابل المجاز كما تقول: حقيقة الأسد الحيوان المفترس، وهذا محل نظر الأصوليين ومقصوده أن القرآن بالحقيقة العقلية هو الكلام النفسي وهذه الحقيقة لا يقال لمقابلها مجاز بل قد تكون أيضا حقيقة ولكن باعتبار آخر وهو اعتبار اللغة أو الشرع أو العرف، لأن الحقائق عند الأصوليين ثلاث وهو بالحقيقة اللغوية يقال: على النفس أيضا وعلى الألفاظ الدالة عليه بل الألفاظ أمس به، لأن النفس ليس بلفظ والحقيقة اللغوية لفظ، فلو قال على الحقيقة وسكت لأوهم أن المراد الحقيقة العقلية التي يعنيها المتكلمون وليست كذلك لأن تلك هي الكلام النفسي فاحتاج أن يقول لا المجاز لتبين أن المراد إنما هو الحقيقة اللغوية.
стр. 1647
الثالث: إن مسألة الكلام أعظم مسألة في الكلام وعظمة الكلام على قدر عظمة المتكلم، قال بعضهم: ومثاله من عالم الشهادة الشمس، الذي ينتفع الخلق بشعاعها ووهجها، ولا قدرة لأحد من الخلق أن يقرب من جرمها أن لو وجد إلى ذلك سبيلا، فمن قائل بأن لا حرف ولا صوت لما عظم عليه أن يحضر، ومن قائل حرف وصوت لما عز عليه أن يغيب ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ والطريق الأعدل ترك الخوض في ذلك والاقتداء بأصحاب سيدنا رسول الله ﷺ فإنهم لم يخوضوا في ذلك ولا يخفى أن العبد إذا قال: القرآن كلام الله تعالى واعتقد وجوب الانقياد إليه ولا متعرض إلى قدم وحدوث لا يضر بذلك، فإن تعرضت لذلك ثار عليك خصمك فكفرك وكفرته ثم تناقضتما فتواددتما وتواكلتما وتصاهرتما فلم يحريا في العمل على مقتضى العلم فتؤثمان جميعا بالإثم، وما أشبهكما بما أتاهم كتاب من سلطان فأخذوا يتشاجرون في أن الكتاب كيف خطه وكيف عباراته وأي شيء فيه من الفصاحة، وصرفوا همتهم عن الابتداء لما ندبوا إليه، وأما السلف فمن خاض فيه فإنما فعله للضرورة والابتلاء بأهل الأهواء، وقد أمن من المحذور في هذه الأعصار بحمد الله تعالى.
(ص) يثيب على الطاعة ويعاقب إلا أن يغفر غير الشرك على المعصية.
ش: تقديره: ويعاقب على المعصية إلا أن يعفو غير الشرك (١٧١/ز) قال الشيخ أبو إسحاق: ومعنى الثواب إيصال النفع إلى المكلف على طريق الجزاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فأثابهم الله بما قالوا﴾ أي: جزاهم وقد يعبر به عن العقوبة
стр. 1648
لقوله تعالى: ﴿مثوبة عند الله﴾ وعن الجزاء: ﴿هل ثوب الكفار﴾ ومعنى العقاب: إيصال الألم إلى المكلف على طريق الجزاء، والدليل على اتصاف الباري بذلك أنه وعد على صالحهما وأوعد على سيئهما فهو ينجز وعده ويحقق وعيده، لأنه صادق وخبره صدق وحصول العفو في بعض صور الوعيد لا ينافي صدق خبره، لأن ذلك من قبيل تخصيص العموم وهو يدخل في الأخبار، وبهذا يظهر بطلان من جوز الخلف في الوعيد، وعد ذلك من الكرم مستشهدا بقول الشاعر:
وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
اللهم إلا أن يريد بالخلف في الوعيد تخصيصه فيصح المعنى، ويبقى النزاع معه في تسمية ذلك خلفا، وجواز إطلاقه في حق الله، إذا علمت ذلك فالإثابة على
стр. 1649
الطاعة بالإجماع لكن عندنا فضلا منه وعند المعتزلة وجوبا، ومن لطيف أدلتنا قوله تعالى: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ فإن العطية إما أن تكون بعوض أو بغير عوض، والتي بلا عوض الإرث والهبة ونحوهما فلما ذكر الإرث كان تصريحا بنفي العوضية، وقال تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا﴾ وقوله: ﴿ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين﴾ وأما العقاب على المعصية فإن كانت المعصية شركا وهو واقع لا محالة لا يدخله عفو لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ وإن كانت غير شرك فعندنا: يجوز العفو عنه سمعا وعقلا، وصارت المعتزلة إلى جوازه عقلا وامتناعه سمعا، وقالوا: عذاب الفاسق مؤبدا وافترى بعض المبتدعة فنسبه للشافعي ﵁ وقد قال في كتاب السير من (الأم) ممن انهزم عن الصف
стр. 1650
(٩١/ك) بغير عذر: إنه باء بغضب من الله إلا أن يغفر الله له.
وقال أبو علي بن أبي هريرة فيما حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه: وهذا دليل على بطلان قول من زعم أن الشافعي ﵁ يرى مذهب الاعتزال ولنا: أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به يعني مع عدم التوبة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، يجب أن يكون مع التوبة أيضا بظاهر التقرير بين الشرك وغيره فأفاد ذلك جواز غفرانه لكل معصية دون الشرك وقوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ وقوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ وقوله ﷺ : ((أتاني جبريل فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة)) قلت: ((وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق)) رواه البخاري ومسلم وإنما ذكر الزنا والسرقة لينبه على ارتكاب حق الله تعالى وحق العباد وأجمعت الأمة على ثبوت الشفاعة للنبي ﷺ وهو دليل على جواز العفو والغفران، واحتج الخصم بآيات الوعيد كقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾ ﴿وأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هو المأوى﴾ ﴿ونذر الظالمين فيها
следующие страницы →