← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

ولا في ألسنتنا ولا في مصاحفنا ولا قائم بشيء من ذلك، وإلا لزم قيام صفة الخالق بالمخلوق، فالقائم على الحقيقة. بالتالي للقرآن هو الدال على كلام الله تعالى ويقال له أيضا: كلام الله لدلالته عليه، قال تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ ونهيه ﷺ عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم وفي هذا جمع بين الأدلة والخصم ألغى بعضهما مع ارتكابه ما يسوغ عقلا. الثاني: إنما قال المصنف: لا لمجاز مع قوله قبله على الحقيقة، لأن الحقيقة تطلق ويراد بها كنه الشيء كقولنا: الجوهر والمتحيز وهذا هو محل نظر المتكلمين إذا قالوا: حقيقة كذا، أرادوا كنهه ويراد مقابل المجاز كما تقول: حقيقة الأسد الحيوان المفترس، وهذا محل نظر الأصوليين ومقصوده أن القرآن بالحقيقة العقلية هو الكلام النفسي وهذه الحقيقة لا يقال لمقابلها مجاز بل قد تكون أيضا حقيقة ولكن باعتبار آخر وهو اعتبار اللغة أو الشرع أو العرف، لأن الحقائق عند الأصوليين ثلاث وهو بالحقيقة اللغوية يقال: على النفس أيضا وعلى الألفاظ الدالة عليه بل الألفاظ أمس به، لأن النفس ليس بلفظ والحقيقة اللغوية لفظ، فلو قال على الحقيقة وسكت لأوهم أن المراد الحقيقة العقلية التي يعنيها المتكلمون وليست كذلك لأن تلك هي الكلام النفسي فاحتاج أن يقول لا المجاز لتبين أن المراد إنما هو الحقيقة اللغوية.

стр. 1647

الثالث: إن مسألة الكلام أعظم مسألة في الكلام وعظمة الكلام على قدر عظمة المتكلم، قال بعضهم: ومثاله من عالم الشهادة الشمس، الذي ينتفع الخلق بشعاعها ووهجها، ولا قدرة لأحد من الخلق أن يقرب من جرمها أن لو وجد إلى ذلك سبيلا، فمن قائل بأن لا حرف ولا صوت لما عظم عليه أن يحضر، ومن قائل حرف وصوت لما عز عليه أن يغيب ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ والطريق الأعدل ترك الخوض في ذلك والاقتداء بأصحاب سيدنا رسول الله ﷺ فإنهم لم يخوضوا في ذلك ولا يخفى أن العبد إذا قال: القرآن كلام الله تعالى واعتقد وجوب الانقياد إليه ولا متعرض إلى قدم وحدوث لا يضر بذلك، فإن تعرضت لذلك ثار عليك خصمك فكفرك وكفرته ثم تناقضتما فتواددتما وتواكلتما وتصاهرتما فلم يحريا في العمل على مقتضى العلم فتؤثمان جميعا بالإثم، وما أشبهكما بما أتاهم كتاب من سلطان فأخذوا يتشاجرون في أن الكتاب كيف خطه وكيف عباراته وأي شيء فيه من الفصاحة، وصرفوا همتهم عن الابتداء لما ندبوا إليه، وأما السلف فمن خاض فيه فإنما فعله للضرورة والابتلاء بأهل الأهواء، وقد أمن من المحذور في هذه الأعصار بحمد الله تعالى. (ص) يثيب على الطاعة ويعاقب إلا أن يغفر غير الشرك على المعصية. ش: تقديره: ويعاقب على المعصية إلا أن يعفو غير الشرك (١٧١/ز) قال الشيخ أبو إسحاق: ومعنى الثواب إيصال النفع إلى المكلف على طريق الجزاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فأثابهم الله بما قالوا﴾ أي: جزاهم وقد يعبر به عن العقوبة

стр. 1648

لقوله تعالى: ﴿مثوبة عند الله﴾ وعن الجزاء: ﴿هل ثوب الكفار﴾ ومعنى العقاب: إيصال الألم إلى المكلف على طريق الجزاء، والدليل على اتصاف الباري بذلك أنه وعد على صالحهما وأوعد على سيئهما فهو ينجز وعده ويحقق وعيده، لأنه صادق وخبره صدق وحصول العفو في بعض صور الوعيد لا ينافي صدق خبره، لأن ذلك من قبيل تخصيص العموم وهو يدخل في الأخبار، وبهذا يظهر بطلان من جوز الخلف في الوعيد، وعد ذلك من الكرم مستشهدا بقول الشاعر: وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي اللهم إلا أن يريد بالخلف في الوعيد تخصيصه فيصح المعنى، ويبقى النزاع معه في تسمية ذلك خلفا، وجواز إطلاقه في حق الله، إذا علمت ذلك فالإثابة على

стр. 1649

الطاعة بالإجماع لكن عندنا فضلا منه وعند المعتزلة وجوبا، ومن لطيف أدلتنا قوله تعالى: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ فإن العطية إما أن تكون بعوض أو بغير عوض، والتي بلا عوض الإرث والهبة ونحوهما فلما ذكر الإرث كان تصريحا بنفي العوضية، وقال تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا﴾ وقوله: ﴿ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين﴾ وأما العقاب على المعصية فإن كانت المعصية شركا وهو واقع لا محالة لا يدخله عفو لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ وإن كانت غير شرك فعندنا: يجوز العفو عنه سمعا وعقلا، وصارت المعتزلة إلى جوازه عقلا وامتناعه سمعا، وقالوا: عذاب الفاسق مؤبدا وافترى بعض المبتدعة فنسبه للشافعي ﵁ وقد قال في كتاب السير من (الأم) ممن انهزم عن الصف

стр. 1650

(٩١/ك) بغير عذر: إنه باء بغضب من الله إلا أن يغفر الله له. وقال أبو علي بن أبي هريرة فيما حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه: وهذا دليل على بطلان قول من زعم أن الشافعي ﵁ يرى مذهب الاعتزال ولنا: أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به يعني مع عدم التوبة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، يجب أن يكون مع التوبة أيضا بظاهر التقرير بين الشرك وغيره فأفاد ذلك جواز غفرانه لكل معصية دون الشرك وقوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ وقوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ وقوله ﷺ : ((أتاني جبريل فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة)) قلت: ((وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق)) رواه البخاري ومسلم وإنما ذكر الزنا والسرقة لينبه على ارتكاب حق الله تعالى وحق العباد وأجمعت الأمة على ثبوت الشفاعة للنبي ﷺ وهو دليل على جواز العفو والغفران، واحتج الخصم بآيات الوعيد كقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾ ﴿وأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هو المأوى﴾ ﴿ونذر الظالمين فيها

стр. 1651

جثيا﴾ ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ والجواب: أن هذه عامة وأدلتنا خاصة، والخاص مقدم على العام، ولأن آيات العفو أكثر فكانت أغلب على الظن، ولا يلزم من ذلك الخلف في الوعيد لما سبق وتناظر أبو عمرو بن العلاء مع عمرو بن عبيد المعتزلي في هذه المسألة فقال أبو عمرو: الخلف في الوعد قبيح والخلف في الوعيد كرم وهو من مستحسنات العقول واستشهد بالبيت السابق وفيه ما ذكرنا قال الأبياري في (شرح البرهان): اختلفوا هل يصح العفو في الوعيد فمنعه أكثر المتكلمين، وقالوا: إذا كانت الصيغة عامة ولم يعذر يعذب تبينا التخصيص والتخصيص بيان لا رفع فبين أنه لم يكن في جملة ما اندرج في اللفظ، وإن كان خاصا لم يتصور العفو وإلا لانقلب العلم جهلا، وذهب بعضهم إلى الجواز محتجا بالبيت المشهور وهو ضعيف، ولا محل له عندي إلا أن يكون واضع اللغة جعل الوعيد يحتمل الشرط، أي إن شئت عاقبتك ولم يجعل لفظ الوعد

стр. 1652

كذلك وهذا أحسن بالإضافة إلى مكارم الأخلاق، فإن لم يكن للأمر كذلك فهو فاسد قطعا، وخلف في الكلام الأول وبدأ صراح وهو على الله تعالى محال. تنيبه: ذكر الإمام في (الرسالة النظامية) أن الإثابة على الطاعة ليست بالعوض بل هي كما لو قال السيد لعبده: إن فعلت كذا فأنت حر، ففعله عتق بقول سيده لا بحكم استحقاق اقتضاه عمله وكذلك الثواب ثابت قطعا بوعد الله والعقاب ثابت بوعيده. ص: وله إثابة العاصي وتعذيب الطائع وإيلام الدواب والأطفال. ش: لأنه متصرف في ملكه إن أثابهم فبفضله، وإن عاقبهم فبعدله قال أصحابنا: وليست المعصية علة العقاب والطاعة علة الثواب، إنما هما أمارتان جعلهما علمين لهما، إن كنت عاصيا عوقبت أو مطيعا أثبت، وأنكر المعتزلة ذلك بناء على أصلهم في التقبيح العقلي كيلا يظلمهم والظلم نقصان وهو على الله محال، وقال أصحابنا: بل مذهبهم يلزم النقص إذ لا يجب على الله حق، إذ لو وجب عليه حق لغيره لكان في قيده والتقييد بالإعباد نقص وهذا يشبه قلب الدليل، فإنه يدل عليهم لا لهم، قال الإمام في (الرسالة النظامية): ومما يقطع

стр. 1653

مادة خلافهم أن العبادات التي يقيمها العبد لا تفي بالنعم المتواترة عليه من ربه بإجزاء وهي تقع شكرا لأنعم الله بل لا تفي بأقلها فإذا وقعت شكرا عوضا عما تعجل من النعم فكيف يستمر في حكم العقل استحقاق الثواب على أعمال وقعت عوضا على نعيم يؤتاه العبد؟ قال: ثم قالوا: ليس على أهل الجنان شكر لنعيمها فإنها عوض أعمال العبد وليس للعوض عوض فمن أضل سبيلا ممن يوجب على الله تعالى ثواب أعمال العبد وهي عوض ما تنجز من النعم، ولم يوجب على العبد شكر الثواب غدا لكونه عوضا واحتج الشيخ عز الدين في (القواعد) بما ورد في الحديث الصحيح: ((إن الله يخلق في (١٧٢/ز) النار أقواما)) قال: وكذلك لاستبعاد في إثابة من لم يطع، ففي الحديث الصحيح: ((إن الله ينشئ في الجنة أقواما)) وكذلك في الحور العين وأطفال المسلمين وغيرهم ممن يتفضل عليهم من غير إثابة على عمل سابق، وليس هذا بدعا في إحسانه المبتدأ من غير عمل ومن اعترض زاد شقاؤه ويجاب عن اعتراضه بأن الربوبية ليست مقيدة بمصالح العبودية، وقد شاهدنا ما يبتلى به من لا ذنب له من الأطفال.

стр. 1654

فإن قيل: فعل بهم ذلك ليثيبهم قلنا هو قادر على ذلك من غير ابتلاء فإن منعوا القدرة سقطت مكالمتهم، وإن سلموا قلنا: فلماذا أضر بهم؟ فإن قال الشقي: إنما فعله ليدفع عنهم ضرر منته - فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه كان قادرا على أن لا يخلق لمنته ضررا. ثانيهما: أن منته شرف في الدارين ولا خروج لأحد عنها. ثالثهما: إن قدر في منة الرب ضرر تعالى الله عن ذلك فمفسدة ذلك الضرر أخف من المفاسد المذكورة بما لا يتناهى. تنبيه: ينبغي أن يعلم أن كلام أصحابنا في هذه المسألة إنما هو في الجواز العقلي الذي وقع فيه الكلام مع المعتزلة، فإنهم أجازوه عقلا لكن الشرع قد ورد للطائع بالوعد الكريم الذي لا يتصور خلفه والعاصي بالوعيد المتصور بالكرم خلفه والتعذيب بالنار بلا ذنب غير جائز في الحكمة، إذ الآخرة دار الجزاء لا دار التكليف حتى يتعلق بالإيلام عاقبة حميدة والجزاء بلا ذنب ظلم والعقل يمنع نسبته إلى الله تعالى والاقتصار وصف مجرد لم يدخل تحت القبح، فجاز، فقولهم: يجوز عقلا، أرادوا به: لو أخبر به الشرع لما أنكره العقل لا أن العقل يجوزه من غير قبح (٩٢/ك) فافهم ذلك من النفائس المغفل عنها (ص) ويستحيل وصفه بالظلم. ش: أي: شرعا وعقلا، أما شرعا فلقوله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال

стр. 1655

ذرة﴾ وقوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ وقوله تعالى: ﴿وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم﴾ ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ فيمدح بنفي الظلم عنه، فلا يجوز زواله عنه كما لا يجوز نفي ما أثبته لنفسه من النعوت والصفات، كذلك ما نفاه عنه من النقائص وفي الحديث الصحيح: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)). وأما عقلا فلأن الظلم إنما صار ظلما لأنه منهي عنه، ولا يتصور في أفعاله تعالى ما ينهى عنه، إذ لا يتصور له ناه، ولأن العالم خلقه وملكه، والمتصرف في ملكه يستحيل وصفه بالظلم، وأيضا فلا يتصور إلا على من يتصور في حقه الجهل، لأنه وضع الشيء في غير موضعه، وأما من أحاط علمه بالأشياء ومواقعها فلا، والمخالف في هذه المسألة القدرية: قالوا: إن القديم يصح منه الظلم لكن لا يظلم لكونه قبيحا قال الشيخ أبو إسحاق: وفي هذا إسقاط لما يشيعونه عن أهل الحق أنهم ينسبون إليه فعل القبائح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

стр. 1656

تنبيه: إنما ذكر المصنف هذه المسألة عقيب ما سبق لأنها كالجواب عما يعرض للخصم هناك من الشبهة ومن عجيب الاتفاق أن أبا الحسن الأشعري كان يقرر مذهب جده أبي موسى الأشعري ﵁ فإن أبا موسى تناظر هو وعمرو بن العاص في ذلك فقال عمرو: أن أجد أحدا أخاصم إليه ربي، فقال أبو موسى: أنا ذلك المحاكم إليه، فقال عمرو: أيقدر علي شيئا ثم يعاقبني عليه؟ قال: نعم، قال عمرو: ولم؟ قال: لأنه لا يظلمك فسكت عمرو ولم يحر جوابا. (ص) يراه المؤمنون يوم القيامة. ش: ثبت في الأحاديث الصحيحة أنهم يرون ربهم يوم القيامة لا يضامون في رؤيته، وفي لفظ: ((كما يرون القمر ليلة البدر)) قال صاحب (نهاية

стр. 1657

الغريب): قد يتخيل إلى بعض السامعين أن كاف التشبيه للمرئي، وإنما هي للرؤية وهي فعل الرائي ومعناه رؤية ينزاح عنها الشك كرؤيتكم القمر لأنه مأمون فيه. انتهى. وقد رواه بضعة عشر من الصحابة وأجمع عليه الكل واعتضد بظواهر القرآن فوجب اعتقاد ذلك، والعقل لا يمنعه، فإن مصححي الرؤية موجود يصح أن يرى ونفاة المعتزلة لاعتقادهم أن شرط المرئي أن يكون في جهة واتصال الشعاع بالمرئي والرب تعالى منزه عن الجهات، وهذا ممنوع وللناس في

стр. 1658

حقيقة رؤية المرئيات أربعة أقوال: أحدها: اتصال الشعاع، والثاني: انطباع صورة المرئي في الرطوبة الجليدية كانطباع الوجه في المرآة، والثالث: أنه نار تخرج من البصر فتدرك به المرئي وهذا يشبه الأول. الرابع: أنه علم يخلقه الله تعالى في نفس الرائي مقارنا للرؤية وهو مذهب المتكلمين فيقال لهم أولا: لم قلتم: إن رؤية الباري أو الرؤية مطلقا باتصال الشعاع ولم تنكرون أن يكون بخلق العلم في نفسه؟ وثانيا: أنه قد ثبت لنا رؤية لا باتصال الشعاع وهو قوله ﷺ : ((لا تختلفوا علي في الصلاة فإني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي)) وما ذاك إلا لخارق إلهي ومعجز نبوي أيد به كما كان يرى الثريا اثني عشر كوكبا وغيره يراها ستة أو سبعة وذلك لقوة حصرها في بصره خرقا للعادة، فجاز إذا كانت الآخرة محل

стр. 1659

خرق العادة أن يتجدد للمؤمنين خرق عادة يرون بها ربهم من غير انطباع ولا اتصال شعاع ولا جهة كالدود في وسطه البلورة يراها لا في جهة، وكرة العالم يراها الله وقد قام البرهان على أنها ليست في جهة على ما قيل، وقد وافقنا جمهور المعتزلة على أن الرب تعالى يرى نفسه فهذا مرئي ليس في جهة، ووافقونا على أنه يرى عباده فهذا مرئي ليس في جهة. واعلم: أن أهل السنة والمجسمة اتفقوا على أن الله تعالى يرى، والمعتزلة والمجسمة على أن شرط المرئي الجهة، ثم المعتزلة لما نفوا الجهة نفوا الرؤية، والمجسمة لم أثبتوا الجهة أثبتوا الرؤية والأشعريون توسطوا فأثبتوا الرؤية ونفوا أن تكون الجهة شرطا للمرئيات، ومعنى كونه مرئيا بالمعنى الذي أراده والوجه الذي قصده مع التنزيه عما لا يليق بالقديم، وللأشعري في ماهية الرؤية قولان: أحدهما أنه علم مخصوص ويعني بالمخصوص أنه يتعلق بالموجود دون العدم وثانيهما: أنه إدراك وراء العلم يقتضي تأثيرا في المدرك لا تأثيرا عنه وإلى هذا جنح كثير من أصحابنا فقالوا: إنه يحصل لنا علم برؤية العين كما في غيره من المرئيات مع تنزيهه عن الجهات والكيفيات وهو أمر زائد على العلم ووقع في كلام الإمام فخر الدين: أن معنى الرؤية حصول حالة في الانكشاف نسبتها إلى ذاته المخصوصة كنسبة الإبصار إلى المرئيات وهذا مؤول أو محمول على نفي العلم فإن ظاهره مذهب المعتزلة

стр. 1660

وقال الشيخ عز الدين في فتاويه: أما رؤية الرب في الآخرة فإنه يرى بالنور الذي خلقه في الأعين زائدا على نور العلم، فإن الرؤية تكشف ما لا يكشفه العلم ولو أراد الرب تعالى أن يخلق في القلب نورا مثل الذي خلقه في الأعين (١٧٣/ز) لما أعجزه ذلك بل لو أراد أن يخلق نور الأعين في الأيدي والأرجل لكان ذلك، ويحمل قوله ﵊: ((إنكم لن تروه بنور الأبصار أو بنور مثل الأبصار حتى تموتوا)) وقال بعض الأئمة: العين في الآخرة بمنزلة القلب في الدنيا والقلب يعلم ويرى ولكن لا يدرك إذ الإدراك غير الرؤية والرؤية غيره، فهو مرئي للقلب معلوم غير مدرك له وهكذا في القيامة مرئي للعين، غير مدرك لها أو جل أمره عن الإدراك إذ يؤذن بالاشتراك وهو سبحانه لا شريك له، ثم اعلم أن الرؤية لو كانت كما فهمه المعتزلة بواسطة الأشعة والحدقة لا تحدت= وما تفاوتت واختلفت وليس الأمر كذلك، بل الخلق متفاوتون في الرؤية على قدر تفاوتهم في رتب العبودية ومنازل القرب (٩٣/ك) فللأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الرؤية رتبة وللأولياء رتبة ولعوام المؤمنين رتبة ولولا تجنب القياس أمكن أن يقال: يراه المؤمنون يوم القيامة كما تراه الأولياء في الدنيا ولكن تكون تلك الرؤية باشتراك البصر والبصيرة ويصيران بطبع واحد وصفة واحدة، ويراه الأولياء كما يراه الأنبياء في الدنيا

стр. 1661

ويتفاوتون على هذا في رتبهم في النبوة والرسالة، ويراه خواص الأنبياء كما رآه نبينا صلى الله عليه وعليم وسلم ليلة المعراج، ويزداد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رتبة في الرؤية واحترز المصنف بقوله: (المؤمنون) عن الكفار فإنهم لن يروه، كما قال تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ وفيه رد على من زعم أنهم يرونه يوم القيامة زيادة في حسرتهم وعذابهم بفواته، والصحيح اختصاصه بالمؤمنين، لأنها كرامة ولقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ والمراد بالحسنى في قول الجمهور الجنة وبالزيادة الرؤية كما رواه مسلم عن صهيب مرفوعا: ((الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى)) فقد أفادت اللام وتقديم الخبر اختصاص المجزئ بها وهم المؤمنون وقال بعضهم: يرونه بأبصارهم بإرادته تعالى بلا

стр. 1662

كيف، فأصل الرؤية من العقائد وأما عملنا بكيفيتها فمن المتشابهات فيتوقف فيه، فيؤنس بأصل الرؤية ولا يشتغل بكيفيتها. تنبيهات الأول: جعل المصنف معرفة ذلك من عقائد الإيمان ذكره الخطابي وتأول عليه ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه وتؤمن بالبعث)) قال: فقوله: ((أن تؤمن بلقائه)) فيه إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة واستدرك البيهقي ذلك على الحليمي فقال: وعندي لو وقف الحليمي على هذا الحديث وتأول اللقاء فيه على ما تأوله الخطابي وجماعة، من أصحابنا لجعل الإيمان بلقاء الله تعالى وهو رؤيته، والنظر إليه شعبة من الإيمان. قلت: تأول بعض المحققين اللقاء على لقاء الأرواح لرب العالمين عقب الموت، والبعث الآخر على بعث الأشباح، ورد الأرواح إليها وهذا هو الأشبه لسياق

стр. 1663

الحديث. الثاني: زعم الشيخ عز الدين أن الملائكة لا يرون ربهم واحتج على ذلك بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وقد استثني= منه المؤمنون فبقي على عمومه في الملائكة الأبرار. الثالث: أنه الرؤية يوم القيامة تقع على أنها تارة تكون للامتحان كما سبق في الحديث المذكور عند قول المصنف: (واختلفوا هل يمكن علمها في الآخرة) وتارة تكون للكرامة كالتي في الجنة. (ص) واختلف هل تجوز الرؤية في الدنيا وفي المنام. ش: فيه مسألتان إحداهما: في جواز رؤية الله بالأبصار في الدنيا على جهة الكرامة للأولياء قولان للأشعري، حكاهما القشيري: أحدهما: يجوز، ولهذا اختلف الصحابة في رؤية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة المعراج وهو دليل على الجواز؛ إذ المحال لا يختلف فيه وأصحهما كما قاله القشيري وغيره - المنع لحصول الإجماع عليه، وخلاف الصحابة إنما كان في وقوع رؤية النبي ﷺ وليس الكلام فيها، وقد روى مسلم في

стр. 1664

كتاب الفتن عن عمر بن ثابت أنه أخبره أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال يوم حذر الناس الدجال: ((إنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن)) وقال: ((تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت)) وفي الحديث الصحيح: ((إن لله سبعة وسبعين حجابا من نور لو كشف واحدا منها أحرقت سبحات وجهه من أدركته)) قيل: وهذا الحديث مشترك الدلالة فهو دليل لمن أنكر الرؤية من حيث أخبر أنه لو كشف أحرق، ودليل لمن أثبتها إذ جعل الكشف

стр. 1665

معدوما وفاقاً للإحراق والإهلاك، فيكون ذلك إذا وردت الرؤية على محل قابل للفناء والهلاك، وقال القاضي عياض: مذهب أهل السنة الحق أنها غير مستحيلة في الدنيا بل ممكنة ثم اختلفوا في وقوعها ومن منعه تمسك بهذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وسبب المنع عنده أن قوى الآدميين في الدنيا لا يحملها كما لم يحملها موسى ﵊ وقال الأنصاري في (شرح الإرشاد): نقل جماعة الإجماع على أنها لا تحصل للأولياء في الدنيا وامتناعها بالسمع، وإلا فهي ممكنة بالعقل عند أهل الحق كما أنها حاصلة للمؤمن في الآخرة باتفاقهم، قال واختلاف الصحابة في الرؤية ليلة المعراج من أقوى الأدلة على جواز الرؤية لأن خلافهم كان في الوقوع لا في الجواز، ولو كان وقوعه مستحيلا لما اختلفوا في الجواز، واختاره الشيخان أبو عمرو بن الصلاح وأبو شامة المقدسي

стр. 1666

أنه لا يصدق مدعي رؤية الله في الدنيا يقظة فإن شيئا منع منه كليم الله موسى واختلف في حصوله لنبينا ﷺ كيف يسمح به لمن لا يصل إلى مقامهما؟ هذا مع قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فإن الجمهور حملوه على الدنيا جمعا بينه وبين أدلة الرؤية، قلت: والقشيري في كتابه (الإشارات) أجاب عن هذه الشبهة فقال: جوزه المحققون وإن لم ينل ذلك موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ولا يؤدي إلى تفضيل غيره عليه إذ كان له فضل النبوة، والرؤية نفسها لا تقتضي (١٧٤/ز) راحة ولا عقوبة ولكن الله تعالى أجرى العادة أن يخلف للمؤمن أعظم الدرجات بها. الثانية: هل يجوز أن يرى في المنام؟ اختلف فيه فجوزه معظم المثبتة للرؤية من غير كيفية وجهة مقابلة وخيال، وحكي عن كثير من السلف أنهم رأوه كذلك ولأن ما جاز رؤيته لا تختلف بين النوم واليقظة وصارت طائفة إلى أنه مستحيل لأن ما يرى في النوم خيال ومثال وهما على القديم محال، والخلاف في هذه المسألة عزيز قل من ذكره وقد ظفرت به في كلام الصابوني من الحنفية في عقيدته والقاضي أبي

стр. 1667

يعلى من الحنابلة في كتابه (المعتمد الكبير)، ونقل عن أحمد أنه قال: رأيت رب (٩٤/ك) العزة في النوم فقلت: يا رب، ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؟ قال: كلامي يا أحمد قلت: يا رب، بفهم أو بغير فهم، قال: بفهم وبغير فهم قال: وهذا يدل من مذهب أحمد على الجواز، قال: ويدل له حديث: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)) وما كان من النبوة لا يكون إلا حقا ولأن من صنف في تعبير الرؤيا ذكر فيه رؤية الله تعالى وتكلم عليه، قال ابن سيرين:

стр. 1668

إذا رأى الله أو رأى أنه يكلمه فإنه يدخل الجنة وينجو من هم كان فيه إن شاء الله تعالى. واحتج المانع بأنه لو كان رؤيته في المنام جائزة لجازت في اليقظة في دار الدنيا. والجواب: أن الشرع منع من رؤيته في الدنيا ولم يمنعه في المنام، وروى الحافظ شيرويه في كتاب (التجلي في المنامات) عن أبي الحسين بن محمد الضرير القزويني قال: يجوز رؤية الله تعالى في المنام كما تجوز رؤيته في الجنة لأن الروح التي ترى ذلك والروح لطيفة كلطافة أهل الجنة في الجنة، وقد ذكر رؤية الرب جل وعلا أهل الرؤيا في كتبهم وهو أفضل مسألة من مسائلهم محمد بن سيرين وغيره، وإنما لم يجوز الرؤية في المنام من لا يجوزها في الجنة، وهو قول المبتدعة والجهال من المذاهب، ثم ساق الحافظ ذكر من رأى الحق في المنام من الأئمة فذكر عدداً كثيرا في نحو جزء وسط، وبالغ ابن الصلاح في الإنكار على من يدعي ذلك، وقال النووي في (شرح مسلم): قال القاضي عياض: اتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام، وصحتها، وإن رآه الإنسان على صفة لا تليق

стр. 1669

بجلاله من صفات الأجسام لأن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى ولا يجوز عليه التجسيم، ولا اختلاف الحالات بخلاف رؤية النبي ﷺ في النوم فكانت رؤيته تعالى في النوم كسائر أنواع الرؤيا من التمثيل والتخييل، قال القاضي أبو بكر: رؤية الله تعالى في النوم أوهام وخواطر في القلب بامتثال لا يليق به عنها، وهي دلالات الرأي على أمور مما كان ويكون كسائر المرئيات وقال غيره من أهل هذا الشأن: وإذا قام الدليل العابر في رؤية الباري أنه هو المرئي لا تأويل له غيره كانت حقا وصدقا لا كذب فيها، لا في قول ولا فعل، وقال الغزالي في بعض مؤلفاته: السمع يجوز إطلاق ذلك في حق الله تعالى ونحن نقول بجواز إطلاق كل لفظ في حق الله تعالى صادق ولا نمنع منه إذا كان لا يوهم الخطأ عند السمع، وهذا لا يوهم رؤية الذات عند الأكثرين لكثرة تداول الألسنة، فإن فرض شخص توهم عنده خلاف الحق فلا ينبغي أن يطلق معه القول بل يفسر له معناه، كما يجوز لنا أن نقول: إنا نحب الله ونشتاق إليه ونريد لقاءه، وقد يسبق إلى فهم قوم من هذه الإطلاقات خيالات فاسدة، فيراعي في هذا حال المخاطب فيطلعه حيث لا إبهام ويجب الكشف عند الإبهام، قال: وعلى الجملة يعود الخلاف إلى إطلاق اللفظ وجوازه بعد حصول الاتفاق على المعنى أن ذات الله تعالى غير مرئية وأن المرئي مثال، فظن من ظن استحالة المثال في حق الله تعالى خطأ، بل يضرب الله الأمثال لصفاته وهو منزه عن المثل. انتهى.

стр. 1670

(ص) السعيد من كتبه في الأزل سعيدا، والشقي عكسه ثم لا يتبدلان ومن علم موته مؤمنا فليس بشقي. ش: اختلف في أن السعادة والشقاوة هل يتبدلان فيمكن أن يكون الشخص سعيدا ثم ينقلب والعياذ بالله تعالى شقيا وبالعكس، فذهب قوم إلى أنهما يتبدلان وعزي إلى أبي حنيفة وأكثر أهل الرأي والمعتزلة، فمن أتى بخصال الإيمان في الوقت كان مؤمنا على القطع ولا يراعى في ذلك العاقبة، وذهب آخرون إلى أنهما لا يتبدلان ومن هؤلاء من ضم إليهما الأجل والرزق، وذهب قوم إلى أن لله كتابين سوى أم الكتاب يمحو منهما ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب لا يغير منه شيء وهذا يروى عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، ونزلوا على قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ وأم كل شيء أصله فكان الكتاب الذي لا يغير منه شيء هو الأم والكتابان الأخيران يقبلان التغيير، والمختار عند المصنف القول الثاني وقال: إن كلام الشافعي ﵁ في خطبة (الرسالة) يقتضيه حيث قال: وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه قلت: وهذا أخذه الشافعي ﵁ من قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ وفروعه في الحج وغيره يدل عليه، قال علماؤنا: السعيد من ختم له بالحسنى والشقي مقابله، ولن ينفع من ساءت خاتمته تقدم قناطير من إيمان ولينتفع من حسنت خاتمته وقدم حبة خردل من إيمان، والكتاب والسنة يدلان على ذلك، قال الله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لمن خاف الله عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس

стр. 1671

وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود﴾ إلى قوله: ﴿غير مجذوذ﴾ وإنما أراد بالشقي من مات على كفره وبالسعيد من مات على إيمانه، فحكمه بعد ذلك على التعيين بما تقتضيه الموافاة وذكر الواحدي من رواية ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ((يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا السعادة والشقاوة والموت)) فهذا إن صح فهو نص، وصح من حديث عائشة ﵂ لما قالت في الصبي الميت: عصفور من عصافير الجنة (١٧٥/ز) لم يدركه ذنب فقال النبي ﷺ : ((أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا في أصلاب آبائهم)) فإن قيل: فإذا كان الأمر قديما فما فائدة الإيمان؟ قلنا: هذا قد سئل عنه النبي ﷺ لما سئل عن القدر ففي (صحيح مسلم) عن سراقة أنه قال: يا رسول الله أخبرنا عن ديننا هذا كأنا خلقنا له الساعة في أي شيء نعمل: أفي شيء ثبتت فيه

стр. 1672

المقادير وجرت فيه الأقلام أم في أمر (٩٥/ك) مستأنف؟ قال: ((بل فيما ثبت فيه المقادير وجرت فيه الأقلام)) قال سراقة: ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ : ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) وفي رواية: أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل أهل السعادة، وأما إن كان من أهل الشقاوة فيصير لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: ﴿فأم من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى﴾ فبين أن ما قدره يكون بالأسباب التي قدرها كما يقدر المريض العافية بالأدوية التي قدرها، قال البيهقي: ويصدق ذلك من القرآن أيضا ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ فدل على أن العبد إنما يتيسر لما خلق له، وأن التيسير إنما هو للحق الملك فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ويشبه أن يكون إنما يعتدوا بهذا النوع لتعلق خوفهم بالباطل المغيب عنهم فلا يتكلوا على ما يظهر من أعمالهم ورجائهم

стр. 1673

الظاهر البادي لهم فيرجون به حسن أحوالهم الخوف والرجاء مدرجا العبودية، فإن قلت: فما تقول في حديث ابن مسعود عن الصادق المصدوق صلى الله تعالى عليه وسلم: ((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع)) الحديث قلت: هو من أوضح أدلتنا إذ فيه: ((ثم يؤمر بأربع كلمات يكتب اسمه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)) فدل على أن هذه الأمور لا تتبدل ولا اعتبار بالأعمال بعدها، وأن الاعتبار بما يختم عليه، وأنه إنما يختم بما سبق كتابه فإن قلت: كيف سماه عمل أهل الجنة؟ قلت: جاء في رواية في الصحيحين ((فيما يبدو للناس)) وفي (جامع الترمذي) مرفوعا: ((فرغ ربك في العباد فريق في الجنة وفريق في السعير)) وأما قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ فقيل: مخصوصة بما ذكرناه لقوله بعدها: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ والظاهر أنها غير

стр. 1674

مخصوصة مع قولنا: بعدم تبدل السعادة والشقاوة لأنه سبحانه أخبر بأنه (يمحوا ما يشاء ويثبت) لأنه يمحو كل شيء ويثبته حتى يدعى التخصيص، والكلام في أن السعادة والشقاوة هل يشاء محوهما أو لا؟ فإذا قلنا: دخلا تحت المشيئة صح التخصيص؟ وقيل: المراد به النسخ وإذا ثبت ذلك (فأم الكتاب) أصله وهو الذي في الأزل في علم الله تعالى، وذلك لا يتغير ولا يتبدل، وأما ما في الكتابين الآخرين فيقبلان المحو والإثبات فقوله: من كتبه في الأزل، أشار به إلى أم الكتاب لأنه الذي في الأزل، وأما اللوح المحفوظ فحادث يمحو الله ما يشاء ويثبت، وكذلك الكتاب الآخر الذي أشار إليه ابن عباس وقال والد المصنف: من آمن ثم ختم له بالكفر، والعياذ بالله لم ينفعه ما مضى بالإجماع، لكن هل نقول: إن ذلك الإيمان الذي تقدم منه لم يكن إيمانا أو أنه أحبط بعد أن كان إيمانا؟ والأول قول

стр. 1675

الأشعري والأقرب الثاني، وقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾ ولكن مع هذا قد ينزل لعدم النفع منه منزلة المعدوم فيصح نفيه مجازا على أن الأول قريب أيضا، وحديث: ((إن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة)) فيما يبدو للناس قد يشهد له والناس للعموم فيدخل فيه العامل وغيره والله أعلم بالعبد منه بنفسه، فقد يكون الشخص يعتقد اعتقادا جازما عنده، وتلبس عليه بنفسه والله يطلع على أن ذلك الاعتقاد غير جازم أو جازم غير مطابق أو جازم مطابق ولكن قاربه ما يفسده فنسأل الله العافية فالخواطر القلبية كأمواج البحر لا يعلم دسائسها إلا الله والنفس لا يعلم منها إلا القليل. (ص) وأبو بكر ﵁ ما زال بعين الرضا. ش: هذه عبارة الشيخ الأشعري وهي واضحة لما سبق من عدم التبدل في السعادة والشقاوة وظن بعض الحنفية أن الأشعري يقول: إنه كان مؤمنا قبل البعث وليس كذلك، ومعنى قوله لم يزل بعين الرضا أنه بحالة غير مغضوب فيما عليه لعلم الله ، لأنه سيؤمن ويصير من خلاصة الأبرار، وهذا كما أنه إذا تلبس عبدك بعصيانك وأنت تعلم أنه سيعود إلى طاعتك ويصير من أخصائك فإنه في حال بعده على تعيين الرضا منك ولا تنقم عليه فعله ذلك لعلمك بما يؤول إليه حاله، وهذه العبارة المحفوظة عن الأشعري في حق الصديق ﵁ لم يحفظ

стр. 1676

عنه في حق غيره، وكان الشيخ السبكي ﵀ يقول: إنه لم يثبت عنه حالة كفر بالله تعالى وكان يقول: لعل حاله قبل البعث كحال ز يد بن عمرو بن نفيل وأقرانه، وبهذا يعلم السر في تخصيص الصديق ﵁ بالذكر عن غيره من الصحابة، وجاء عن سفيان الثوري ﵁ أنه قال (ما أحب الله عبدا فأبغضه وما أبغضه فأحبه، وإن الرجل ليعبد الأوثان وهو عند الله سعيد) رواه أبو نعيم في (الحلية) قال المحب الطبري في (أحكامه) يشير إلى ما تختم له السعادة لأن شقاوته عند الله حال عبادته غيره، نعوذ بالله من الخذلان

стр. 1677

فكفى بإبليس غيره، فإنه كان في الملائكة بالمكانة الرفيعة في الظاهر قبل خلق آدم ﷺ ثم بدا له ما لم يكن يحتسب ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ نسأل الله حسن الخاتمة. (ص) والرضى والمحبة غير المشيئة والإرادة فلا يرضى لعباده الكفر ولو شاء ربك ما فعلوه. ش: اختلف أصحابنا في أن الرضى والمحبة هل هي الإرادة؟ فذهب الجمهور - كما قاله الآمدي - إلى أنهما الإرادة، وذهب الباقون إلى المغايرة وهو ما أورده المصنف واحتجوا بأن الله تعالى يريد الكائنات ومن جملتها الكفر والفساد فيكو مريدا له، فلو كانت الإرادة هي المحبة (١٧٦/ز) والرضا لكان الباري محبا للفساد وراضيا للكفر وهو محال لقوله تعالى: ﴿والله لا يحب الفساد﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ وأجاب الأولون بأنه لا يرضى الكفر دينا شرعا بل يعاقب عليه أو يحمل العباد على الموفقين للإيمان، ولهذا شرفهم بالإضافة إلى نفسه كقوله: ﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾ وهو مخصوص للطائعين، وإنما غاير من غاير بينهما لأجل أن المعتزلة احتجوا بالآيات على أن الأمر والإرادة (٩٦/ك) سيان وعندنا متغايران التزم بعض أصحابنا في الجواب أنه يريد الكفر ولا يرضاه ولا يحبه، ففرقوا بين الرضى والمحبة

стр. 1678

والإرادة لذلك قال الشيخ أبو إسحاق في كتاب الحدود: والإرادة والمشيئة والرضى والمحبة بمعنى واحد، وإذا قلنا: إنه راض أو محب أو راحم، فمعناه يريد الإنعام عليهم وإدخالهم الجنة، وهكذا الكراهة والغضب يرجع إلى إرادة الانتقام وإنما يصفه كذلك، اتباعا لقوله تعالى ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ ﴿فعال لما يريد﴾ ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ ﴿يحبهم ويحبونه﴾ ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾ ﴿غضب الله عليهم﴾ وقيل: الرضى والمحبة معنى زائد على الإرادة فكل رضى إرادة ولا ينعكس وعلى هذا فالمعاصي بإرادته لا برضاه ومحبته، ويكون الرضى والمحبة من صفات الفعل لا من صفات الذات ويكون معنى المحبة من الله تعالى بعبده إحسانا مخصوصا من جملة النعم.

стр. 1679

(ص) هو الرزاق. ش: الرزاق في الحقيقة من فعل الرزق وهو الله تعالى كما قال ﴿إن الله هو الرزاق﴾ (ص) والرزق ما ينتفع به ولو حراما. ش: أي خلافا للمعتزلة فإنهم قالوا: لا يكون الرزق إلا حلالا، ومنعوا كون الحرام رزقا للعبد من الله تعالى بناء على أصلهم الفاسد في التقبيح العقلي وفسروا الرزق بما يملكه المرزوق وعلى قولهم يحتاج إلى رازق آخر لا سيما في زماننا الذي الغالب فيه الحرام فيلزمهم أن من لم يأكل من عمره إلا الحرام قد مات ولم يرزقه الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ ويلزمهم أن الدواب لا ترزق لأنها لا تملك، فلهذا فسر أصحابنا الرزق بما ينتفع به سواء كان ملكا له أم لا. مباحا أو حراما فإن العرف شائع بأن ما ينتفع به الحيوان فهو رزقه وما لم ينتفع به فليس برزقه وإن كان مملوكا له بل رزق من انتقل إليه وانتفع به فثبت أن اسم الرزق دائرمع النفع به وجودا وعدما فوجب أن يكون هو مدلوله.

стр. 1680

تنبيهات: الأول: وقع في بعض المجالس على لسان المعتزلة: الرزق مأمور بالإنفاق منه ولا شيء من المأمور به بحرام ينتج أن الرزق ليس بحرام، والمقدمة الأولى دليلها قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم﴾ والثانية: دليلها الإجماع، وحل هذه النكتة: أن الأولى فاسدة من جهة عدم التسوير بكل فلم يصح الإنتاج. الثاني: الرزق في إطلاق لسان الشرع على ما هو أعم من ذلك، ولهذا أطلق على العلوم والمواهب رزق، قال القرطبي: وفي السنة عند المحدثين السماع رزق يعنون به سماع الحديث، قال: وهو صحيح. قلت: ويدخل ذلك في عبارة الأصحاب فكل ما صح الانتفاع به فهو رزق، وهو مراتب أعلاها ما ذكرنا، وجعل القرطبي أعلاها ما يتغذى به، ولهذا اقتصر أبو منصور في عقيدته عليه، فقال: الرزق ما وقع الإغتذاء به ولا شك أن لفظ الرزق يطلق ويراد به ما أباحه الله تعالى للعبد أو ملكه إياه ولقوله تعالى:

стр. 1681

﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ وقوله ﵇: ((جعل رزقي تحت ظل رمحي﴾ ويطلق ويراد به ما يتغذى به لقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ والأول هو الحلال والثاني حراما=، وقال الإمام في (الرسالة النظامية): الرزق ينقسم إلى حلال وحرام وإلى ما لا يتصف بشيء منها كرزق البهائم، فأثبت واسطة. (ص) بيده الهداية والإضلال. (ش): أهل الحق على أنه تعالى بيده الهداية والإضلال، كما قال تعالى: ﴿يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ وهي من فروع خلق الأفعال والمعتزلة على منعهم بناء على أن العبد خالق وأن الهداية لا يصح أن تنسب إلى الحق إلا بمعنى أنه أعان عليها بخلق القدرة، وأن الله تعالى لا يضل أحداً وأنه لو أضله لظلمه، وإنما الضال أضل نفسه، والكتاب والسنة مشحونان بالرد عليهم، وقد قال تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ فسلبها عنه

стр. 1682

وأثبتها للباري وقال تعالى: ﴿وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾ وقال: ﴿صم بكم عمي﴾ قال الأئمة: سد عليهم أبواب الهدى، فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب: بما يسمعه بأذنه ويراه بعينه ويعقله بقلبه، وقال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ والمعتزلة يتأولون ذلك على أنه يهدي ويضل بفعل الألطاف أو منعها ثم إذا قيل لهم منع الألطاف إما أن يوجب الضلال فيلزمكم المحذور كما لو كان هو الخالق له، أو لا يوجبه، فلا يؤثر قالوا: منع اللطف واسطة بين ما ذكرتم وهو أنه مرجح للضلال غير موجب له، وإنما الموجب له اختيار العبد وفعله، وحينئذ يقال لهم: الموجب له فعل المكلف وحده أو مع منع اللطف، الأول باطل، لأنه إنما فعل شيئا يرجح وقوعه فاستحال استقلاله به بعد ذلك، فتعين الثاني وهو أن الموجب فعل العبد مع منع اللطف فيلزمكم إيقاع المقدور بين قادرين، وإن لم ينسب إلى الله من الجور الذي يفرون منه تعذر تأثيره في الفعل بمنع اللطف، أو يقال لهم: العبد هو الموجب الكامل للفعل أو يشاركه فيه منع اللطف ويعود ما ذكرنا، وهذا تحقيق مع المعتزلة في البحث وتضييق لخناقهم ومن غريب ما وقع في الآية الأخيرة أن الزمخشري لما رآها قاصمة لأصله قال: قد

стр. 1683

قطع الله وهم المجبرة بقوله: ﴿واتبع هواه﴾ يعني: لما عطف بالواو ولم يعطف بالفاء، وهو يعني بالمجبرة أهل السنة، وهو في هذا متابع لابن جني فإنه ذكره في كتابه (المحتسب) وقال بأن المطاوعة لا تكون إلا بالفاء نحو: كسرته فانكسر، قال: ومن هذا تبين في قوله ﴿أغفلنا﴾ أن المراد: صادفنا قلبه خاليا كما يقال أبخلته وأجبنته وليس المعنى جعلناه غافلا، وإلا لقيل (٩٧/ك): فاتبع هواه بالفاء ونحن نقول: قطع الله وهم القدرية بقوله ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾

стр. 1684

وبما تلوناه من الآية (١٧٧/ز) والمعنى: ولا تطع شقيا خلقنا من الإغفال واتبع هو هواه بالإغفال فالإضلال من الله تعالى واتباع الهوى من العبد، ونقول لابن جني والزمخشري: ليس اتباع الهوى مطاوعا لـ (أغفلنا) بل المطاوع لـ (أغفلنا) غفل وإن فعل المطاوعة لا يجب عطفه بالفاء بدليل قوله: ﴿فاستجبنا له فنجيناه﴾ وفي موضع آخر: ﴿فاستجبنا له ونجيناه﴾. (ص) خلق الضلال والاهتداء وهو الإيمان. (ش) كما أنه سبحانه بيده الهداية والإضلال فهو الخالق لهما وهما من فعله وخلقه وإنما ينسبان إليه من هذه الجهة، وقد قال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ قال البيهقي: وهذه الآية كما هي حجة في الهداية والإضلال فهي حجة في خلق الهداية والضلال، لأنه قال: يشرح ويجعل، وذلك يوجب الفعل والخلق والهداية عندنا حقيقة في الاهتداء وهو الإيمان، فكل ما صار المكلف به مؤمنا فهو الهداية وما لا يصير فليس بهداية، كما قال تعالى: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد﴾ وقد تكون

стр. 1685

الهداية بمعنى الدعوة كقوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ وبهذه لا يصير مهتديا بدليل قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ وكذا قوله: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ وعند المعتزلة: أن الهداية حقيقة في هذا الثاني وأن الله تعالى هدى الكافر بأن نصب له ما يصير به مهتديا كما تقول: هديت زيداً الطريق إذا جعلت الاهتداء له بإرشادك وإن لم تكن خالقا، فكذلك الله تعالى يهدي الكافر لكنه ما اهتدى وأضل عنه، وتعلقوا بقوله تعالى ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ ويدل على أنه ليس حقيقة في هذا الثاني نفيه في قوله تعالى: ﴿ليس عليك هداهم﴾ لأن دعاءهم كان واجبا عليه وإنما الذي لا يجب عليه خلق الإيمان في قلوبهم، ورد عليهم أصحابنا بأن الهدى ضربان: هدى دعاء وبيان وهدى إرشاد وعرفان، فالذي حصل لثمود الأول لا الثاني وإلا استحال تخلف أثره عن مؤثره ومخالفة مخبره لخبره وقد قال تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتدي﴾.
следующие страницы →