← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ وقوله ﵇: ((جعل رزقي تحت ظل رمحي﴾ ويطلق ويراد به ما يتغذى به لقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ والأول هو الحلال والثاني حراما=، وقال الإمام في (الرسالة النظامية): الرزق ينقسم إلى حلال وحرام وإلى ما لا يتصف بشيء منها كرزق البهائم، فأثبت واسطة. (ص) بيده الهداية والإضلال. (ش): أهل الحق على أنه تعالى بيده الهداية والإضلال، كما قال تعالى: ﴿يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ وهي من فروع خلق الأفعال والمعتزلة على منعهم بناء على أن العبد خالق وأن الهداية لا يصح أن تنسب إلى الحق إلا بمعنى أنه أعان عليها بخلق القدرة، وأن الله تعالى لا يضل أحداً وأنه لو أضله لظلمه، وإنما الضال أضل نفسه، والكتاب والسنة مشحونان بالرد عليهم، وقد قال تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ فسلبها عنه

стр. 1682

وأثبتها للباري وقال تعالى: ﴿وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾ وقال: ﴿صم بكم عمي﴾ قال الأئمة: سد عليهم أبواب الهدى، فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب: بما يسمعه بأذنه ويراه بعينه ويعقله بقلبه، وقال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ والمعتزلة يتأولون ذلك على أنه يهدي ويضل بفعل الألطاف أو منعها ثم إذا قيل لهم منع الألطاف إما أن يوجب الضلال فيلزمكم المحذور كما لو كان هو الخالق له، أو لا يوجبه، فلا يؤثر قالوا: منع اللطف واسطة بين ما ذكرتم وهو أنه مرجح للضلال غير موجب له، وإنما الموجب له اختيار العبد وفعله، وحينئذ يقال لهم: الموجب له فعل المكلف وحده أو مع منع اللطف، الأول باطل، لأنه إنما فعل شيئا يرجح وقوعه فاستحال استقلاله به بعد ذلك، فتعين الثاني وهو أن الموجب فعل العبد مع منع اللطف فيلزمكم إيقاع المقدور بين قادرين، وإن لم ينسب إلى الله من الجور الذي يفرون منه تعذر تأثيره في الفعل بمنع اللطف، أو يقال لهم: العبد هو الموجب الكامل للفعل أو يشاركه فيه منع اللطف ويعود ما ذكرنا، وهذا تحقيق مع المعتزلة في البحث وتضييق لخناقهم ومن غريب ما وقع في الآية الأخيرة أن الزمخشري لما رآها قاصمة لأصله قال: قد

стр. 1683

قطع الله وهم المجبرة بقوله: ﴿واتبع هواه﴾ يعني: لما عطف بالواو ولم يعطف بالفاء، وهو يعني بالمجبرة أهل السنة، وهو في هذا متابع لابن جني فإنه ذكره في كتابه (المحتسب) وقال بأن المطاوعة لا تكون إلا بالفاء نحو: كسرته فانكسر، قال: ومن هذا تبين في قوله ﴿أغفلنا﴾ أن المراد: صادفنا قلبه خاليا كما يقال أبخلته وأجبنته وليس المعنى جعلناه غافلا، وإلا لقيل (٩٧/ك): فاتبع هواه بالفاء ونحن نقول: قطع الله وهم القدرية بقوله ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾

стр. 1684

وبما تلوناه من الآية (١٧٧/ز) والمعنى: ولا تطع شقيا خلقنا من الإغفال واتبع هو هواه بالإغفال فالإضلال من الله تعالى واتباع الهوى من العبد، ونقول لابن جني والزمخشري: ليس اتباع الهوى مطاوعا لـ (أغفلنا) بل المطاوع لـ (أغفلنا) غفل وإن فعل المطاوعة لا يجب عطفه بالفاء بدليل قوله: ﴿فاستجبنا له فنجيناه﴾ وفي موضع آخر: ﴿فاستجبنا له ونجيناه﴾. (ص) خلق الضلال والاهتداء وهو الإيمان. (ش) كما أنه سبحانه بيده الهداية والإضلال فهو الخالق لهما وهما من فعله وخلقه وإنما ينسبان إليه من هذه الجهة، وقد قال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ قال البيهقي: وهذه الآية كما هي حجة في الهداية والإضلال فهي حجة في خلق الهداية والضلال، لأنه قال: يشرح ويجعل، وذلك يوجب الفعل والخلق والهداية عندنا حقيقة في الاهتداء وهو الإيمان، فكل ما صار المكلف به مؤمنا فهو الهداية وما لا يصير فليس بهداية، كما قال تعالى: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد﴾ وقد تكون

стр. 1685

الهداية بمعنى الدعوة كقوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ وبهذه لا يصير مهتديا بدليل قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ وكذا قوله: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ وعند المعتزلة: أن الهداية حقيقة في هذا الثاني وأن الله تعالى هدى الكافر بأن نصب له ما يصير به مهتديا كما تقول: هديت زيداً الطريق إذا جعلت الاهتداء له بإرشادك وإن لم تكن خالقا، فكذلك الله تعالى يهدي الكافر لكنه ما اهتدى وأضل عنه، وتعلقوا بقوله تعالى ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ ويدل على أنه ليس حقيقة في هذا الثاني نفيه في قوله تعالى: ﴿ليس عليك هداهم﴾ لأن دعاءهم كان واجبا عليه وإنما الذي لا يجب عليه خلق الإيمان في قلوبهم، ورد عليهم أصحابنا بأن الهدى ضربان: هدى دعاء وبيان وهدى إرشاد وعرفان، فالذي حصل لثمود الأول لا الثاني وإلا استحال تخلف أثره عن مؤثره ومخالفة مخبره لخبره وقد قال تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتدي﴾.

стр. 1686

قال: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ وقال: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ فدل على أنا الهدى الذي هو الإرشاد خاص بالمؤمنين وعلى هذا قوله تعالى: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء﴾ فخص الهداية وعم الدعوة فدل على أن الهدى بفضله والضلال بقدره كل ذلك مستند إلى سابق علمه، وهذا من القواصم للمعتزلة، وقولهم: إنه لم يضلهم إلا بعد أن أضلوا أنفسهم - مردود، فإن إضلالهم أنفسهم مكسوب لهم، فهو مخلوق لله تعالى على ما عرف، ولأنه إذا قيل في العرف: فلان هداه لم يتبادر الذهن إلى غير خلق الهدى الإرشادي، وكذلك إذا قيل: أضله الله والتبادر إلى الفهم علامة الحقيقة، وذكر الآمدي أن الخلاف هذه المسألة لغوي لا معنوي. (ص) والتوفيق خلق القدرة الداعية إلى الطاعة، وقال إمام الحرمين: خلق الطاعة. (ش) اختلف أئمتنا في معنى التوفيق فقال الأشعري وأكثر الأصحاب: خلق القدرة على الطاعة، أي: يهيئه لموافقة أمر الله وقال إمام الحرمين: خلق

стр. 1687

الطاعة فإن بها تصير موافقا للأمر وإنما صار إلى ذلك، لأنه رأى أن القدرة الحادثة لا تؤثر في متعلقها فلم يكن لها أثر في حصول الوفاق والامتثال قال الآمدي: والأول أوفق للوضع اللغوي، إذ الموافقة إنما هي بالطاعة وبخلق القدرة الحادثة يكون التهيؤ للموافقة ضرورة حصول الموافقة عنده وعدم حصولها عند عدمه وإن لم تكن القدرة الحادثة مؤثرة في الاتحاد وإنما خالف الإمام لعدم تأثير القدرة في الطاعة لكنه أبعد عن الوضع اللغوي من حيث إن الطاعة بها الموافقة لا التهيؤ للموافقة والبحث لفظي. (ص) والخذلان ضده. (ش) أي: فيجيء الخلاف في أنه خلق القدرة على المعصية وخلق المعصية والأول أوفق للعرف اللغوي: فإنه لغة: المنع من درك المراشد وخلق القدرة على الكفر إذا قارن الكفر مانعا من درك المراشد فكان ذلك خذلان. (ص) واللطف ما يقع عنده صلاح العبد أخرة.

стр. 1688

(ش) اللطف في عرف المتكلمين كما قاله الآمدي ما يقع صلاح المكلف عنده بالطاعة والإيمان دون فساده بالكفر والعصيان، واختلفوا فيا وراء ذلك، فقالت المعتزلة: إنه لا يتخصص بشيء دون شيء، بل كل ما علم الله أن صلاح العبد فيه فهو لطف به، ثم قد يكون ذلك بفعل الله تعالى بخلق القدرة للعبد وقد يكون من فعل المكلف نفسه كنظره لما يجب عليه ويوصله إلى تحصيلة وإليه ميل القاضي أبو بكر بل ذهب الأشعري وأكثر أئمتنا إلى أنه مخصوص بشيء وهو خلق القدرة على فعل الصلاح والإيمان والطاعة، قال: والبحث فيه لفظي. (ص) والختم والطبع والأكنة: خلق الضلال في القلب. (ش) لما سبق في الهداية وخلاف المعتزلة أيضا والتزموا أن يكون تعالى قد هدى من أضله، لأنه دعاه وبين له فعد الجبائي وابنه إلى أنه سمة على القلب يعلم الله تعالى بها الملائكة حال الكفار فيذموهم ويلعنوهم فيكون ذلك سببا للكفر وقال الكعبي: على معنى قطع اللطف عن الكفار فإنه علم عدم إيمانهم وهذا لا

стр. 1689

يخرجهم عما التزموه من اجتماع الهدى والضلال على واحد وهو باطل اتفاقا ولنا أن خلق الضلال في القلوب مانع من الإيمان يعني: أنه يتعذر (٩٨/ك) الجمع بينهما والختم والطبع والأكنة في اللغة موانع على الحقيقة فلا وجه للعدول عنها، وقد قيل لطاوس عن رجل من القدرية: إنه فقيه فقال: إبليس أفقه منه، لأنه قال ﴿رب بما أغويتني﴾ والقدرية تقول: لا يغوي الله أحدا، وقد روى أصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوادء في قلبه فإذا تاب ونزع واستعتب صقل قلبه وإن زاد زادت حتى يغلق قلبه فذلك الران الذي قال الله: ﴿بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ قال الترمذي: حسن صحيح، وقال محمد بن جرير الطبري: أخبر ﷺ : ((إن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع فلا يكون للإيمان إليها مسلك ولا للكفر منها مخلص)) فذلك هو الختم والطبع على ما

стр. 1690

تدركه الأبصار ليس الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها، (١٧٨/ز) ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى القلب إلا بعد فضه الختم. (ص) والماهيات مجعولة وثالثها إن كانت مركبة. ش: أخذ المصنف هذا من الصحائف فإنه حكى مذاهب: أحدها: أها مجعولة وعزاه للمحققين. والثاني: المنع، ونسبه للفلاسفة والمعتزلة. والثالث: التفصيل بين المركبة وغيرها، فالمركبة مجعولة دون البسيطة وقد أغمض على كثير من الناس حقيقة هذه المسألة والمراد منها، وقد يسر الله تعالى بحلها، فأقول: معنى هذه المسألة أن المعدومات الممكنة قبل دخولها الوجود هل تأثير الفاعل في جعلها ذوات أو في جعل تلك الذوات موجودة، وأصل هذا الخلاف يرجع لمسألتين: إحداهما: الخلاف في المعدوم هل هو شيء فإن المعتزلة لما قالوا: إن ماهية المعدوم ثابتة في العدم ولا تأثير للصانع فيه إذا أوجده إلا في إعطاء صنعه الوجود لتلك الماهيات، قالوا: إن الماهيات غير مجعولة بل المجعول جعلها موجودة، وقالوا: لو كانت متجددة لكان تجددها بإحداث محدث لكن وقوعها بالفاعل محال، وبيانه أن ما يتحقق بسبب غيره يلزم من فرض عدم ذلك الغير عدم ذلك الأثر، فلو كان الجوهر جوهرا والسواد سوادا لأجل سبب منفصل، لزم عند عدم ذلك السبب المنفصل أن يخرج الجوهر عن كونه جوهرا والسواد عن كونه سوادا وذلك محال،

стр. 1691

فامتنع استناد تقرر الماهية إلى جعل جاعل واتحاد موجود ومذهب أصحابنا أن المعدوم ليس بشيء ولا ذات ولا ثابت فلهذا صاروا إلى أن الماهيات مجعولة بجعل الله وقالوا: إن القادر كما يجعل الماهية موجودة فهو يجعل الماهية ماهية، والحجة التي استند إليها المعتزلة في امتناع وقوع الماهية بالفاعل هي بعينها تقتضي امتناع وقوع الوجود بالفاعل، فإنه لو وقع الوجود بالفاعل لزم عند تقدير عدم الفاعل ذلك أن يخرج الوجود عن كونه موجودا وهو محال، ولأجل ما بيناه من المأخذ استشكل بعضهم مذهب ابن سينا، فإنه وافق الفلاسفة على أنها غير مجعولة مع تصريحه بأن العدم ليس بشيء فقال: وهذا مشكل، لأن الماهية إذا لم تكن ثابتة حال العدم استحال أن تكون غير مجعولة لأنها حينئذ إذا صارت ثابتة مع الوجود في الخارج إن لم يفتقر إلى مؤثر لزم ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح، وإن افتقرت إلى مؤثر صارت مجعولة والفرض خلافه، ولا مخلص غير هذا إلا بأن يدعى أن المراد من كونه الماهية غير مجعولة: أن جاعل الماهية بعينه الجاعل لها موجودة ووجه المذهب الثالث المفصل بين البسيط كالجوهر والمركب كالسواد الملتئم من اللونية ومن مانعية البصر فالأول غير مجعول نظرا إلى نفي حقيقته، لأن الجوهر جوهر وجد الغير أم لا، والثاني مجعول، لأنه لا يكون سوادا بالاعتبار الأعم لذاته بل لمقدماته إذا قطع النظر عن مقدماته لا يكون السواد سوادا، ولا شك أن الجزء غير الكل فالمركبات إذا مجعولة.

стр. 1692

الثانية: أن الماهيات هل هي مقررة بذواتها أم لا؟ فالجمهور قالوا: إنها ليست متقررة بذواتها فيلزم أن يكون تقريرها بغيرها والمعتزلة قالوا: إنها متقررة بذواتها فامتنع تأثير الفاعل في ذلك فاشدد بهذا يديك فلا تجد أحدا وضحه هكذا، وظهر به على المصنف مناقضة، فإنه ذكر هذه المسألة فيما يجب اعتقاده، وذكر مسألة المعدود ليس بشيء فيما لا يضر جهله والصواب الأول، ولهذا أشار الإمام الرازي إلى أن القول بأنها غير مجعولة يلزم منه إنكار الصانع فقال في مسألة إثبات الصانع: زعم جمهور المعتزلة والفلاسفة أن تأثير المؤثر يكون في وجود الأمر لا في ماهيته وهو باطل، لأن الوجود لا ماهية له فلو امتنع أن يكون للقادر تأثير في الماهية لامتنع أن يكون له تأثير في الوجود. (ص) أرسل الرب تعالى رسله بالمعجزات الباهرات. ش: مما يجب اعتقاده بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما علم بالتواتر من وقوع المعجزات الظاهرة والآيات الباهرة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولو لم يرسل الرسل لم تقم حجته على خلقه كما قال تعالى ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾. وتحقيق هذا: أن حجة الله تعالى على ضربين: خفية يستقل بعلمها وظاهرة يشاركه في العلم بها خلقه، فالأولى قائمة على الخلق بدون الرسل، لأنه

стр. 1693

سبحانه حكم عدل، والثانية لا تقوم بدون الرسل وهي أقوى الحجتين وأظهرهما لينقطع عذر الكافر، ثم يترتب على هذا أن العقل لا حكم له، إذ لو كان له حكم لما توقف قيام حجة الله تعالى على البعث، والمنكرون للنبوة طوائف من الفلاسفة وغيرهم، لإنكارهم جميع ما يتوقف عليه البعثة ككون الإله مختارا عالما بالجزئيات (٩٩/ك) ونزول الملك والوحي، وإنكارها بقول الأنبياء من الحشر والجنة والعقاب. ومنهم البراهمة محتجين بأن ما جاء به النبي إن كان حسنا فلا حاجة إلى النبي وإن كان قبيحا فلا يقبله سواء جاء به النبي أم لا والجواب أنه قد يوجد في الحوادث ما لا يحكم العقل فيها بشيء فتحتاج إلى دفع النزاع، وهذا إنما ذكرناه تنزيلا مع عقولهم وإلا فهم أهون على الله من مكالمتهم. (ص) وخص محمدا ﷺ بأنه خاتم النبيين.

стр. 1694

ش: لقوله تعالى: ﴿وخاتم النبيين﴾ وفي الصحيحين: قوله ﷺ : ((لا نبي بعدي)) والإجماع على ذلك، ولم يخالف منه إلا فرقة من الفلاسفة زعموا أن النبوة مكتسبة، وفي هذا القول من الشناعة والخروج من الملة ما يكفر قائله، وفي (ذم الكلام) للهروي: أنكروا على ابن حبان قوله:

стр. 1695

النبوة العلم والعمل، وحكموا عليه بالزندقة وهجر وكتب فيه إلى الخليفة فأخرج إلى سمرقند وأما ما رواه ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار): ((غير أنه لا نبي بعدي إن شاء الله)): فهذه الزيادة موضوعة قال الحاكم في (الإكليل): وضعها محمد بن سعيد المصلوب ولو صحت فهي محمولة على عيسى ﷺ وتأولها ابن عبد البر في (التمهيد) على الرؤيا، لأنه لم يبق بعده من أجزاء النبوة غيرها.

стр. 1696

(ص) المبعوث إلى الخلق أجمعين. ش: لقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ وقوله ﷺ : ((بعثت إلى كل أحمر وأسود)) والمكلف من الخلق ثلاثة: الجن والإنس والملائكة، فأما (١٧٩/ز) بعثه للجن فلأنهم قصدوه وسمعوا منه القرآن وأخذوا عنه الشرائع، وقال: ((لكم كل عظم وما لم يذكر اسم الله عليه ونهى عن الاستنجاء بالعظم)) لذلك ذكر الإمام فخر الدين الرازي في تفسير سورة البقرة الإجماع على شمول رسالته للجن وأما دخول الملائكة في دعوته ﷺ فذكر البيهقي في الباب الرابع من (شعب الإيمان) أن النبي ﷺ أرسل إلى الجن والإنس دون الملائكة، ونقله عن الحليمي ولم ينكره وهي مسألة وقع النزاع فيها بين فقهاء مصر مع فاضل درس عندهم، وقال: لا هم الملائكة ما دخلت في دعوته فقاموا عليه وقد ذكر فخر الدين في تفسير سورة

стр. 1697

الفرقان الدخول محتجا بقوله تعالى: ﴿ليكون للعالمين نذيرا﴾ والملائكة داخلون في هذا العموم. (ص) المفضل على جميع العالمين. ش: لقوله ﷺ : ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) ونقل الإمام في تفسيره الإجماع عليه واستثنوه من الخلاف في التفضيل بين الملك والبشر. (ص) وبعده الأنبياء. ش: يتضمن أمرين: أحدهما: أفضلية نبينا ﷺ على سائر الأنبياء واحتج بعضهم على أفضلية الأنبياء بقوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فهو

стр. 1698

مأمور بالاقتداء بجميعهم وفعل ما فعلوه ولا بد أنه امتثل والواحد إذا فعل مثل ما فعل الجماعة كان أفضل منهم، قال الطوفي: ويحكى أن هذه المسألة وقعت في زمن ابن عبد السلام فقال: إنه ﵇ كان أفضل من كل واحد منهم، لأنه أفضل من جميعهم فتمايل جماعة من علماء عصره على تكفيره فعصمه الله منهم وأما حديث النهي عن التفضيل بين الأنبياء فقال البيهقي في (دلائل النبوة): إنما هي في مجادلة أهل الكتاب في تفضيل نبينا ﵇ على أنبيائهم، لأن المفاضلة إذا وقعت بين أهل دينين مختلفين لم يؤمن أن يخرج أحدهما إلى الازدراء بالآخر فيكفر بذلك فأما تطلب ذلك ليعرف الشيء بما هو عليه فالمنع منه، قال: وهذا قول الحليمي وغيره. الثاني: أن الأنبياء ﵈ أفضل البشر بعده ﷺ وهذا مما لا خلاف فيه، وما يعزى إلى بعض الصوفية من تفضيل الولي، فقد تأوله هو وغيره بأن كل نبي ولي قطعا وهو من حيث إنه ولي أفضل من حيث إنه نبي لأن ولايته وجهته إلى الخلق. وفي هذا من النزاع والشناعة ما لا يخفى وقال والد

стр. 1699

المصنف في بعض تعاليقه: غلط بعض من ينسب إلى الصوفية في هذه الأعصار فزعم أن الولاية أعلى، لأنها نسبة العبد من الله تعالى، وهذا جهل من قائله خفي عليه أن النسبة في النبي ﷺ أكمل، وفي الرسول أكمل وإنما يصح ما قال هذا الجاهل لو لم يكن في الرسول والنبي بعد حصة الولاية كمال آخر، وهيهات قد عمي بصر هذا القائل عن ذلك، فلو نظر إلى خصائص الأنبياء والكمالات الحاصلة لهم فوق الأولياء لأبصر الأولياء في الحضيض الأسفل وإن كانوا على خير، وأخذ بحجز الكمال الذي للأنبياء. (ص) ثم الملائكة ﵈. ش: أما تفضيل الأنبياء على الملائكة فهو عقيدة الأشعري وجمهور أصحابه وهو أحد أقوال أبي حنفية فيما ذكره شمس الأئمة، لاجتماع العصمة مع التركيب المعرب للنوائب التي يجب الصبر عليها، والشهوات التي يجب الصبر عنها ومن أحسن الأدلة قوله تعالى بعد ذكر جماعة من الأنبياء: ﴿وكلا فضلنا

стр. 1700

على العالمين﴾ والملائكة من العالمين فدل على أنهم أفضل منهم، وقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن﴾ وأراد بني آدم، لأن الملائكة لا يجازون بل هم خدم أهل الجنة وقال الشيخ عز الدين: خير البرية أي خير الخليقة، والملائكة من جملة الخليقة لا يقال: الملائكة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن هذا اللفظ مخصوص في عرف الشرع بمن آمن من البشر فلا يندرج فيه الملائكة بعرف الاستعمال. انتهى. وما ذكرنا أحسن ولأن بهم قامت حجة الله على خلقه بخلاف الملائكة حتى قال تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾ ولأن آدم ﷺ أبا البشر سجد له الملائكة والمسجود له أفضل من الساجد ثم من الأنبياء من هو أفضل من آدم ﷺ ولأن الناس في الموقف إنما يستشفعون بالأنبياء لا بالملائكة، وذهب المعتزلة إلى تفضيل الملائكة، واختاره القاضي أبو بكر (١٠٠/ك) والأستاذ أبو إسحاق والحافظ أبو عبد الله الحاكم، والحليمي والإمام الرازي في (المعالم) وأبو شامة المقدسي من المتأخرين وقال البيهقي في (شعب الإيمان) وقد روى أحاديث المفاضلة بين الملك والبشر، وقال: ولكل دليل ووجه، ثم قال:

стр. 1701

والأمر فيه سهل وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو به واستفدنا منه أنه لا يجب ذلك في العقيدة خلاف ما يقتضيه صنيع المصنف، وأن في المسألة قولا ثالثا بالوقف وإليه صار إلكيا في تعليقه وحكى صاحب (التعرف) قولا رابعا: أن مذهبهم السكوت عن التفاضل بينهم وقالوا: الفضل لمن فضله الله تعالى وليس ذلك بالجوهر ولا بالعمل، ولم يروا أحد الأمرين أوجب من الآخر بخبر ولا عقل وليست المسألة مما كلفنا الله تعالى بمعرفة الحكم فيها، فليفوض إلى الله تعالى ويعتقد أن الفضل لمن فضله الله تعالى، ونقل بعضهم قولا خامسا: أن خواص البشر أفضل من خواص الملائكة وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر وعزاه للمحققين والظاهر أنه تنقيح مناط الخلاف وإليه يشير كلام المصنف، فإنه جعل المسألة بين الأنبياء والملائكة، لا بين البشر والملائكة وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني في كتابه (التوجيه): اتفقوا على أن العصاة من المؤمنين دون الأنبياء والملائكة، فأما المطيعون فاختلفوا في المفاضلة بينهم وبين الملائكة على قولين وقال ابن يونس في (مختصر الأصول) بعد ذكر القولين وقال (١٨٠/ز) الأكثرون

стр. 1702

منا: المؤمن الطائع أفضل من الملائكة، وقيد الإمام في الأربعين الملائكة بالسماوية وقال ابن منير: مذهب أهل السنة أن الرسول أفضل من الملك باعتبار الرسالة لا باعتبار عموم الأوصاف البشرية، ولو كانت البشرية بمجردها أفضل من الملائكة لكان كل بشر أفضل من الملائكة معاذ الله، وقال الشيخ عز الدين في (القواعد): إن فاضل بينهم مفضل من جهة تفاوت الأجساد التي هي مساكن الأرواح فلا شك أن أجساد الملائكة أفضل، فإن أجسادهم من نور، وأجساد البشر من لحم ودم، وإن فاضل بينهم أراوح البشر وأرواح الملائكة مع قطع النظر عن الأجساد فأرواح الأنبياء أفضل وقال في موضع آخر: وأما أرواحهم وإن كانت أعرف بالله وأكمل أحوالا من أحوال البشر فهم أفضل من البشر وإن استوت الأرواح في ذلك فقد فضلوا على البشر بالأجساد وفضل البشر من نعيم الجنان والنظر إلى الديان، قال: ولا شك أن للبشر طاعات لم تثبت مثلها للملائكة كالجهاد والغزو، ومخالفة الهوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على البلايا والمحن والرزايا وقد ثبت أنهم يرون ربهم ويبشرهم بإحلال رضوانه عليهم ولم يثبت مثل هذا للملائكة وقال في موضع آخر: لا يفضل الملائكة إلا هجام

стр. 1703

بنى التفضيل على حالات توهمها، ولا شك أن القليل من أعمال الأعرف خير من الكثير من أعمال العارف ثم قال: وليس لأحد أن يفضل أحدا على أحد ولا أن يسوي أحدا بأحد حتى يقف على أوصاف التفضيل والتساوي، وذكر الإمام فخر الدين أن الخلاف في التفضيل بمعنى أنهما أكثر ثوابا على الطاعات ورد بذلك احتجاج الفلاسفة على أفضلية الملائكة فإنها نورانية علوية، والجسمانية ظلمانية سفلية، وقال: هذا لم يلق محل النزاع وهذا يزيل الإشكال في المسألة. (ص): والمعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدث مع عدم المعارضة والتحدي: الدعوى. ش: لما قدم الإرسال بالمعجزات احتاج إلى تعريفها ولأن ظهورها طريق إلى معرفة صدق النبي وسميت بذلك لما فيها من تعجيز الذين معهم التحدي عن المقابلة بمثلها قال الإمام في الرسالة النظامية: تسميتها بذلك تجوز، فإن المعجز في الحقيقة خارق، ولكن سميت بذلك، لأنه تبين بها أن من ليس نبيا يعجز عن الإتيان بما يظهره الله تعالى على النبي فقوله: (أمر) جنس يشمل الخارق وغيره، وإنما عبر به لشموله القول والفعل والإعدام، لأن المعجز قد يكون إيجادا وإعداما

стр. 1704

كما لو تحدى بأن يعدم جبلا فينعدم وكمنع إحراق النار ولهذا قال بعضهم: فعل أو ما يقوم مقامه، لأن العدم ليس بفعل وقوله: (خارق للعادة) فصل، لأنه نزل من الله تعالى منزله التصديق بالقول، وأما ما لا يكون خارقا للعادة كطلوع الشمس كل يوم، فلا يكون دالا على الصدق وإلا لادعى كل كاذب أنه نبي، وألبس علينا النبي والمتنبي وعلم من إطلاقه أنه لا يشترط في الخارق أن يكون معينا، ونقل الآمدي فيه الاتفاق وقوله: (مقرون بالتحدي) أي دعوى النبوة أي يشترط أن لا تتقدم المعجزة على دعواه ولا تتأخر، لتخرج الكرامات لأنها لا تكون مع التحدي، ويرج الإرهاص وهو العلامة الدالة على بعثة النبي ﷺ قبل البعثة كالنور الذي ظهر من جبين عبد الله أبي النبي ﷺ وقوله: مع عدم المعارض أي يشترط العجز الآتيان= بمثلها من الخلق ليخرج السحر والشعبذة وليس المراد عدم مطلق المعارضة فإنه قد يدعي المعارضة بما لا تصح المعارضة به بل المراد اشتراط نفي ما يصح أن يكون معارضا.

стр. 1705

قال الآمدي ووجه اشتراط كون المبعوث إليه متعذرا عليه المعارضة: أنه لو لم يكن كذلك لكان مساويا لمن ليس بنبي في ذلك، ويخرج المعجز عن كونه نازلا من الله منزلة التصديق، قال: وهل يشترط أن يكون المعارض مماثلا لما أتي به الرسول؟ ينظر: فإن كان تحديه بخارق معين وأن أحدا لا يقدر على الإتيان بالخارق فأكثر أصحابنا اشترطوا المماثلة والذي اختاره القاضي: أنها غير مشروطة، قال الآمدي: وهو الحق لتبيين المخالفة فيما ادعاه، وهذا القيد وارد على تعريف المصنف ويرد عيه أيضا الخارق المكذب كما لو أنطق جمادا أو أحيا ميتا فأخبر أنه كاذب فاجتنبوه فإنه لا يدل على صدقه على الصحيح، كما قاله أبو إسحاق الشيرازي وجزم به إمام الحرمين في (الرسالة النظامية)، فلو كان تصديقا للهزل يخرج هذا ولعله إنما لم يذكره لأنه يختار قول من قال: إن ذلك لا يقدح لأنه خارق ظهر على وفق دعواه وكذلك التكذيب من (١٠٢/ك) الأمور المعتادة، والحق كما قاله صاحب (الصحائف): إنه قادح لأن خلق المعجز لتصديق النبي وهذا ينافيه وجعل الأبياري في (شرح البرهان) للخارق المكذب صورتين: أحدهما: أن يدعي أن آيته أن ينطق فينطق بكذبه. والثانية: أن يتحدى بإحياء ميت فيحيى ويكذبه. وأما الأولى فمتفق على أنها لا تكون معجزة لأنه بمثابة ما لو قال الذي أنه رسول: آية صدقه أن يكلم الملك رعيته على خلاف عادته ثم يستدعي ذلك من الملك فيقول هو كاذب فيما قال، فلا يشك الحاضرون في كونه لم يصدقه في نطقه إن كان خارقا لعادته، وأما الثانية ففيها نظر، إذ يمكن أن يحتج المدعي بأن

стр. 1706

الخارق قد وجد ولما حيي هذا صار من جملة المعاندين، والمختار أنه لا يكون مصدقا في ذلك، وزاد بعضهم قيدا آخر وهو زمن التكليف، لأن ما يقع في القيامة من الخوارق ليس بمعجز، لأن الآخرة ليست دار تكليف قاله الأستاذ أبو إسحاق وقال الأستاذ في كتاب الحدود: والمعجز كل أمر دل على صدق مدعي النبوة، وقيل: أمر خارق للعادة يظهر على وفق مدعي النبوة زمان التكليف مقترنا بالتحدي في دعوى النبوة على جهة الابتداء متضمنا لتصديقه ولهذا قلنا: إن المعجز لا يكون ظهوره على أيدي الكذابين لأن المعجز ما دل على الصدق فيستحيل وجوده على يد الكذاب. فيخرج بقولنا: يظهر على مدعي (١٨١/ز) النبوة ما يظهر من جنس المعجزات لا على مدعي النبوة فليس بمعجزة كالكرامات وخرج بزمن التكليف خرق العادة في القيامة، قال: ومعنى أن يتحدى بها أن يقول: لا يقدر على ذلك أحد وإن كان في قدرة أحد ما يظهر على يدي فهاتوا ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قل فأتوا بسورة مثله﴾ ﴿قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾ وقوله على جهة الابتداء يخرج من مضى في وقتنا هذا إلى بلد بعيد عن الإسلام وقرأ عليهم وتحداهم به، وادعى النبوة فلا يدل على صدقه مع وجود الشرائط كلها، لأنه ما أتى به (لا على) وجه الابتداء. وقوله متضمنا لصدقه، يخرج ما لو قال: آية صدقي أن هذه الأسطوانة تتكلم فتكلمت غير أنها قالت: إنه كاذب فلا يدل على صدقه على الصحيح وقول المصنف: والتحدي الدعوى، أي دعوى النبوة مخالف ما سبق عن الشيخ أبي إسحاق في تفسير التحدي. وقيل: التحدي لغة: المماراة

стр. 1707

والمنازعة فحصل من كلامه أن شروط المعجزة أربع: كونها خارقة للعادة, والعجز عن الإتيان بمثلها من الخلق، واقترانها بدعوى الرسول، وأن لا تتقدم على دعواه ولا تتأخر، ويعلم مما سبق ما يزيد على ذلك وزاد بعضهم كونها مطابقة لدعواه وأن يحد لها وقتا قريبا فتقع في الوقت الذي حد. ص: والإيمان تصديق القلب ولا يعتبر إلا مع التلفظ بالشهادتين من القادر، وهل التلفظ شرط أو شطر؟ فيه تردد. ش: الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع قال الأشعري: التصديق بكل ما علم بالضرورة مجيء الرسول به، لأن منكر الاجتهاديات لا يكفر إجماعا، وتابعه أكثر المتكلمين كالقاضي أبي بكر والأستاذ أبي إسحاق، وعلم من هذا أن الإيمان الشرعي من قبيل العلوم، والمخالف فيه المعتزلة فإنهم جعلوه من قبيل الأعمال حيث فسروه بالعبادات قال الأشاعرة: ولا يكفي مجرد التصديق بالقلب مع القدرة على الإقرار باللسان ولا ينتفي الكفر إلا بهما، لأن القول مأمور به كالعقد قال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله﴾ الآية. وقال ﵊: ((أمرت أن أقاتل

стр. 1708

الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) فلا بد من العقد والقول جميعا، وعلى هذا فالتلفظ شرط لا ركن، فمن صدق بقلبه ولم يتلفظ بالشهادتين إن عجز عن التلفظ لخرس أو اقتران منية قبل التمكن منه فهو من الناجين وإن قدرعليه بأن عرض عليه التلفظ وأبى لم ينفعه التصديق القلبي بالاتفاق كأبي طالب وإن لم يعرض عليه أو لم يتفق له التلفظ ومات مصدقا بقلبه فالجمهور على أن مجرد التصديق لا ينجيه والحالة هذه ومال الغزالي إلى أنه ينجيه وقال: كيف يعذب من قلبه مملوء بالإيمان وهو المقصود الأصلي؟ غير أنه لخفائه ينط الحكم بالإقرار الظاهر، وعلى هذا فهو مؤمن عند الله تعالى غير مؤمن في أحكام الدنيا، وهذا كما في المنافق لما وجد منه الإقرار باللسان دون التصديق كان مؤمنا في أحكام الدنيا كافرا عند الله، وهذا هو ظاهر كلام شيخه في (الإرشاد) أيضا، ومن حجته أن حقيقة الإيمان التصديق وأنه عمل القلب ومنهم من فصل فقال: من صدق بقلبه ثم اخترم قبل اتساع وقته للتلفظ بالشهادتين فهو محكوم بإيمانه، وأما من صدق بقلبه وطالت مهلته ولم يتلفظ

стр. 1709

فلا لتفريطه وينبغي تنزيل كلام الإمام الغزالي على هذا، ويشهد له عبارته في (الاقتصاد) حيث قال: من عرف الله بالدليل ومات عقب معرفته حكم له بالإيمان انتهى. وذهب أكثر السلف إلى أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان ونقل عن الشافعي ﵁ وأبي حنيفة ﵀ وعلى هذا فالتلفظ ركن له وماهية الإيمان مركبة من الثلاثة، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: شرط أو شطر فعلى قول المتكلمين شرط وعلى قول السلف شطر ويدل على أن الإقرار جزء الإيمان ظواهر النصوص الدالة على كون كلمة الشهادة من الإيمان وبأن النبي ﷺ لم يعتبره إلا بها، ويجيء من كلام الغزالي السابق مذهب ثالث: وهو أن اللفظ واجب من الواجبات الإيمانية لا جزء له ولا شرط، وحديث جبريل يدل له حيث جعل الإسلام: شهادة وأعمالا والإيمان تصديقا واعتقادا ولم يذكر اللفظ إلا في الشرائع الإسلامية، واحتج الأولون على أن

стр. 1710

الأعمال ليست جزءا من حقيقة الإيمان وإلا لكان تقييد الإيمان بالطاعة متكررا، وهو باطل لقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ ولما صح جعل القلب محلا (١٠٣/ك) للإيمان إذ الطاعات ليست جميعها من أفعال القلوب لكنه باطل بقوله تعالى: ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾ ولأن من صدق ومات قبل أن يشتغل بطاعة مؤمن بالإجماع، ولأن جبريل سأل النبي ﷺ عن الإيمان فأجابه بالتصديق المجرد، وهو قوله: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)) أي أن تصدق بذلك والمذكور في جواب ما هو، يكون كمال الحقيقة المسؤول عنها. وصارت المعتزلة إلى أن الإيمان هو الطاعات أعني امتثال الواجبات واجتناب المنهيات واحتجوا بنحو ما سبق من إطلاق الإيمان على الأعمال ونحن لا ننكر ذلك، إنما النزاع في أنه لا يطلق الإيمان إلا ويراد به الأعمال ولا دليل عليه، وقال الآمدي الحق في هذه المسألة غير خارج عن مذهب الشيخ، وهو أن الإيمان التصديق وأن التصديق من أقوال النفس أو من ضرورته المعرفة وكأنه يشير إلى أن الخلاف لفظي، وفيه نظر، وفروع هذا الأصل كثيرة.

стр. 1711

منها أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقص أم لا، فإن قلنا: حقيقته التصديق المجرد لم يقبلهما، وإن: قلنا التصديق مع العمل قولا وفعلا قبلهما، لأن القول والفعل جزء الإيمان وهما يقبلان الزيادة والنقص وقد يقال على الأول: الإيمان هو التصديق الاعتقادي لا العلمي. والاعتقاد يقبل التفاوت قوة وضعفا أو بحسب قوله للتشكيك وعدمه. ومنها تكفير تارك الصلاة والزكاة والحج ونحوهم من العبادات مع الاعتراف بوجوبها إن قلنا: إن هذه الأعمال ركن من الإيمان انتفى بتركها لأن الجملة تنتفي بانتفاء جزأيها، وإن قلنا: ليست (١٨٢/ز) ركنا فيه فهو باق بعدها كما كان قبلها في حقيقته وإن فات بتركها كماله الوصفي. تنبيه: وقع بين جمع من المتأخرين نزاع في تفسير التصديق المعتبر في الإيمان هل هو التصديق الذي قسم العلم إليه وإلى التصوير في علم المنطق وغيره والظاهر أنه هو حاصله إذعان وقبول لوقوع النسبة أو لا وقوعها، ولهذا يسميه ابن سينا

стр. 1712

تسليما وهو يوضح المقصود وأن من جعله مغايراً للتصديق المنطقي قد وهم وحصوله للكفار ممنوع، فإن قيل: فعلى هذا يكون من المتكسبات دون الأفعال الاختيارية فكيف يصح الأمر بالإيمان؟ قلت: باعتبار اشتماله على الإقرار وعلى صرف القوة وترتيب المقدمات ودفع الموانع، واستعمال الفكر في تحصيل تلك الكيفية ونحوه من الأفعال الاختيارية كما يصح الأمر بالعلم والتيقن ونحوه، وذكر بعضهم أن التصديق أمر اختياري وهو نسبة الصدق إلى المخبر اختياراً حتى لو وقع في القلب صدق المخبر ضرورة من غير أن ينسبه إليه اختيارا لم يكن تصديقا ونحن إذا قطعنا النظر عن فعل اللسان لا يفهم من نسبة الصدق إلى المتكلم إلا قبول حكم الإذعان إليه. ص: الإسلام أعمال الجوارح ولا تعتبر إلا مع الإيمان. ش: الإسلام لغة بمعنى الاستسلام وشرعا أعمال الجوارح كما فسره النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇، وهو أدل دليل على التغاير بينهما ولا يعتبر إلا مع الإيمان، أي بأن يوجد معه تصديق بالقلب وهذا كقوله فيما سبق في الإيمان لا يعتبر إلا مع النطق بالشهادتين والحاصل أن وجود كل منهما

стр. 1713

شرط في صحة الاعتداد بالآخر، فمن تحقق منه الإيمان القلبي، ولم ينطق بالشهادتين لم يعتد بإيمانه إلا على ما سبق عن الإمام الغزالي، وكذلك من تحقق إسلامه، ولم يتصف بالتصديق المعتبر فلا اعتداد بإسلامه بالإجماع، لكنه يجرى عليه حكم الإسلام عند فرض خفاء العلم بعدم إيمانه، بخلاف الأول ومن هنا نشأ الخلاف في أن لفظ الإيمان هل يطلق على الإسلام بالوضع الشرعي وبالعكس حتى يكون اللفظان حقيقة في كل واحد منهما بالاشتراك أولا، والصحيح التغاير، فالإيمان: التصديق وهو عمل القلب وأعمال الجوارح شرط فيه، والإسلام: التزام العمل بالأركان الخمسة وذلك عمل بالجوارح ويشهد لذلك حديث جبريل فإنه لما سأل عن الإيمان وعن الإسلام أجابه ﵊ عن كل واحد منهما بحقيقته، وكذلك حديث سعد (قوله يا رسول) الله ﷺ ما لك لم تعط فلانا، فوالله إني لأراه مؤمنا فقال ﷺ : ((أو مسلم)) وأجابوا عن حديث وفد

стр. 1714

عبد القيس حيث فسر فيه الإيمان بما فسر به الإسلام في حديث جبريل غير الحج وزاد عطاء والحسن بأنه إطلاق مجازي لارتباط أداء أحدهما بالآخر، وفي ذلك جمع بين الأحاديث ولهذا قال تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ فتبين أنه ليس في قلوبهم تصديق الرسول ولكنهم أظهروا القبول مخافة ولم يحكوا خلافا في أن الإيمان شرط في الإسلام أو شطر.

стр. 1715

ص: والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ش: قاله النبي ﷺ في حديث جبريل، وقصد المصنف الجمع بين الحقائق الثلاثة المذكورة فيه لقوله في آخره: ((هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)) فالإيمان مبدأ والإسلام وسط، والإحسان كمال، والدين الخالص شامل للثلاثة، ومن يحقق مقام الإحسان لم يقع منه عصيان ولا خلل في الطاعة، فإنه إذا هم بمعصية وعلم أن الله يراه كف ورجع لحصول البرهان الآجلي عنده، وإنما العبد يزهل عن نظر الله تعالى أو يكون جاهلا فيظن أن الله تعالى بعيد منه فيقع في المعصية، وإذا علم العبد أن سره موضع نظر الله تعالى منه وجب عليه تصفية سره لمولاه ونفسه مما يكره الله أن يراه حتى يكون كالمرآة المجلوة لتجلي النظر من الله فيه، وهناك يشرف على مقام القرب فيصير سمعه وبصره وجاءته السعادة من كل جانب. واعلم أن بعضهم فسر الإحسان بالإخلاص قال: وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام وفيما قاله نظر، فإن الحديث تضمن تفسير الإحسان بما هو فوق الإخلاص وهو مشاهدة لعزة المعبود حال (١٠٤/ك) التعبد وذلك يوجب تحسين العبادة بالإخلاص وغيره. ص: والفسق لا يزيل الإيمان. ش: اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج من الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها، وخالف في ذلك طائفتان، الخوارج فقالوا: يكفر بذلك والمعتزلة فقالوا: لا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر والصحيح أنه مؤمن

стр. 1716

مطيع بإيمانه عاص بفسقه وليس بين الإيمان والكفر وساطة، لأنا فسرنا الإيمان بالتصديق وإنما قالت المعتزلة ليس بمؤمن ولا كافر بناء على تفسيرهم له بالطاعات فتتحقق الواسطة، لأن من صدق الرسول وترك شيئا من العبادات لا يكون مؤمنا ولهذا سموه منزلة بين المنزلتين قال الراغب في (الذريعة) وردت الشريعة بإطلاق اسم الإيمان على من أظهره من غير فحص عن قائله بخلاف ما ادعاه المعتزلة فإنه لا يصح إطلاق اسم المؤمن عليه ما لم يختبر في الأصول الخمسة انتهى وفي هذا فائدة وهو أن الرجل ليس بمعتزلي العقيدة خلافا لما يتوهمه كثير من الناس ولنا قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى﴾ الآية. فسماهم مؤمنين مع إثبات البغي من إحداهما وحكى ابن عقيل عن أحمد

стр. 1717

رواية أنه يخرج بالفسق من الإيمان إلى الإسلام وروي عن ابن عباس لقوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) واستشكل مذهب السلف فإنهم جعلوا الإيمان عبارة عن الثلاثة السابقة ثم إذا فات العمل مع بقاء التصديق لا يسمونه كافرا بل هو مؤمن والحقيقة تنتفي بانتفاء جزئها كذا قاله الإمام في المعالم ولم يجب عنه، وقال: إن المعتزلة طردوا أصلهم ويمكن أن يجاب (١٨٣/ز) بحمل كلامهم على الإيمان الكامل عبارة عن المجموع المذكور فإن لفظ الإيمان يطلق على أصله الذي هو التصديق مع الإقرار، وعلى المجموع المركب من أصله وفرعه كما تسمى الشجرة المتناولة لأصلها وحده، وله مع أغصانها وقد يتوسع فيطلق لفظ الإيمان على الفروع كما في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس.

стр. 1718

ص: والميت مؤمنا فاسقا تحت المشيئة إما أن يعاقب ثم يدخل الجنة وإما أن يسامح بمجرد فضل الله أو مع الشفاعة. ش: المعتزلة كما جعلوه منزلة بين منزلتين قالوا: إذا مات على فسقه فهو مخلد في النار وقال أهل السنة: إنه تحت المشيئة لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لما يشاء﴾ ولا يجوز أن يفرض في خبر الله خلف وفي الصحيح: ((من أصاب شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له وإن ستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه)) ثم التعذيب لا يكون مؤبدا بدليل أخبار الشفاعة، قال البيهقي: والأحاديث تواترت في أن المؤمن لا يخلد في النار بذنوبه غير أن القدر الذي يبقى فيها غير معلوم، والذي تلحقه الشفاعة ابتداء حتى لا يعذب أصلا غير معلوم، والذنب خطره عظيم وشأنه جسيم وربنا غفور رحيم وعقابه شديد أليم، وأنكرت المعتزلة الشافعة بناء على أصلهم الفاسد أن

стр. 1719

العبد يستوجب العقوبة بالمعصية وأنه لا يجوز العفو عنه وقد روى الدارقطني مرفوعا وموقوفا على أنس: (من كذب بالشفاعة لم يكن له فيها نصيب) وهذه الشفاعة بعد قطع الصراط وهي إجازة الصراط، ويلزم منها النجاة من النار، وكلام القاضي عياض مصرح بأن هذه الشفاعة لا تختص بنبينا ﷺ وجوز الشيخ محيي الدين النووي ﵀ اختصاصها به، ولم يرد تصريح بالاختصاص، وعليك أن تتأمل هذه المسألة مع قول المصنف فيما سبق إلا أن يغفر. ص: وأول شافع وأولاه حبيب الله سيدنا محمد المصطفى ﷺ . ش: لما في الصحيحين من طرق: ((أنا أول شافع وأول مشفع)) وهذه

стр. 1720

الشفاعة لأهل الجمع في تعجيل الحساب والإراحة من طول الوقوف والغم، وهي الشفاعة العظمى وهي المراد بالمقام المحمود قال البيهقي: ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ وهي مختصة بنبينا محمد ﷺ ولم ينكرها أحد، وفي (صحيح مسلم): ((اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وتأخير الدعوة الثالثة إلى يوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇) وله ﷺ بعد ذلك شفاعات: أحدها: في قوم يدخلون الجنة بغير حساب جعلني الله منهم بجاهه ﷺ قال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: وهي مختصة به قال ابن دقيق العيد: لا أعلم الاختصاص فيها أو عدمه. ثانيها: في أقوام استوجبوا النار كما سبق وفي صحيح مسلم: ((وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا)). ثالثها: فيمن يدخل النار من الموحدين وفي الصحيحين: ((إن الله يخرج
следующие страницы →