← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

مطيع بإيمانه عاص بفسقه وليس بين الإيمان والكفر وساطة، لأنا فسرنا الإيمان بالتصديق وإنما قالت المعتزلة ليس بمؤمن ولا كافر بناء على تفسيرهم له بالطاعات فتتحقق الواسطة، لأن من صدق الرسول وترك شيئا من العبادات لا يكون مؤمنا ولهذا سموه منزلة بين المنزلتين قال الراغب في (الذريعة) وردت الشريعة بإطلاق اسم الإيمان على من أظهره من غير فحص عن قائله بخلاف ما ادعاه المعتزلة فإنه لا يصح إطلاق اسم المؤمن عليه ما لم يختبر في الأصول الخمسة انتهى وفي هذا فائدة وهو أن الرجل ليس بمعتزلي العقيدة خلافا لما يتوهمه كثير من الناس ولنا قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى﴾ الآية. فسماهم مؤمنين مع إثبات البغي من إحداهما وحكى ابن عقيل عن أحمد

стр. 1717

رواية أنه يخرج بالفسق من الإيمان إلى الإسلام وروي عن ابن عباس لقوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) واستشكل مذهب السلف فإنهم جعلوا الإيمان عبارة عن الثلاثة السابقة ثم إذا فات العمل مع بقاء التصديق لا يسمونه كافرا بل هو مؤمن والحقيقة تنتفي بانتفاء جزئها كذا قاله الإمام في المعالم ولم يجب عنه، وقال: إن المعتزلة طردوا أصلهم ويمكن أن يجاب (١٨٣/ز) بحمل كلامهم على الإيمان الكامل عبارة عن المجموع المذكور فإن لفظ الإيمان يطلق على أصله الذي هو التصديق مع الإقرار، وعلى المجموع المركب من أصله وفرعه كما تسمى الشجرة المتناولة لأصلها وحده، وله مع أغصانها وقد يتوسع فيطلق لفظ الإيمان على الفروع كما في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس.

стр. 1718

ص: والميت مؤمنا فاسقا تحت المشيئة إما أن يعاقب ثم يدخل الجنة وإما أن يسامح بمجرد فضل الله أو مع الشفاعة. ش: المعتزلة كما جعلوه منزلة بين منزلتين قالوا: إذا مات على فسقه فهو مخلد في النار وقال أهل السنة: إنه تحت المشيئة لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لما يشاء﴾ ولا يجوز أن يفرض في خبر الله خلف وفي الصحيح: ((من أصاب شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له وإن ستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه)) ثم التعذيب لا يكون مؤبدا بدليل أخبار الشفاعة، قال البيهقي: والأحاديث تواترت في أن المؤمن لا يخلد في النار بذنوبه غير أن القدر الذي يبقى فيها غير معلوم، والذي تلحقه الشفاعة ابتداء حتى لا يعذب أصلا غير معلوم، والذنب خطره عظيم وشأنه جسيم وربنا غفور رحيم وعقابه شديد أليم، وأنكرت المعتزلة الشافعة بناء على أصلهم الفاسد أن

стр. 1719

العبد يستوجب العقوبة بالمعصية وأنه لا يجوز العفو عنه وقد روى الدارقطني مرفوعا وموقوفا على أنس: (من كذب بالشفاعة لم يكن له فيها نصيب) وهذه الشفاعة بعد قطع الصراط وهي إجازة الصراط، ويلزم منها النجاة من النار، وكلام القاضي عياض مصرح بأن هذه الشفاعة لا تختص بنبينا ﷺ وجوز الشيخ محيي الدين النووي ﵀ اختصاصها به، ولم يرد تصريح بالاختصاص، وعليك أن تتأمل هذه المسألة مع قول المصنف فيما سبق إلا أن يغفر. ص: وأول شافع وأولاه حبيب الله سيدنا محمد المصطفى ﷺ . ش: لما في الصحيحين من طرق: ((أنا أول شافع وأول مشفع)) وهذه

стр. 1720

الشفاعة لأهل الجمع في تعجيل الحساب والإراحة من طول الوقوف والغم، وهي الشفاعة العظمى وهي المراد بالمقام المحمود قال البيهقي: ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ وهي مختصة بنبينا محمد ﷺ ولم ينكرها أحد، وفي (صحيح مسلم): ((اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وتأخير الدعوة الثالثة إلى يوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇) وله ﷺ بعد ذلك شفاعات: أحدها: في قوم يدخلون الجنة بغير حساب جعلني الله منهم بجاهه ﷺ قال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: وهي مختصة به قال ابن دقيق العيد: لا أعلم الاختصاص فيها أو عدمه. ثانيها: في أقوام استوجبوا النار كما سبق وفي صحيح مسلم: ((وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا)). ثالثها: فيمن يدخل النار من الموحدين وفي الصحيحين: ((إن الله يخرج

стр. 1721

قوما من النار بالشفاعة)) وصحح الحاكم حديث: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) وقال: هذه شفاعة فيها قمع للمبتدعة المفرقة بين الشفاعة لأهل الصغائر والكبائر قال البيهقي: وهذه يشاركه فيها غيره من الأنبياء والملائكة والصديقين، وقد قيل: إنه مخصوص بها من بينهم. ورابعها: في زيادة الدرجات في أهل الجنة. خامسها: التخفيف عن بعض الكفار وهي من خصائصه كما في أبي طالب وأبي لهب. وسادسها: التخفيف من عذاب القبر ففي رواية أنه ﷺ قال: ((إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرزفه عنهما ما دام هذان

стр. 1722

الغصنان رطبين)). ص: ولا يموت أحد إلا بأجله. ش: أما غير المقتول فبالإجماع وأما المقتول فكذلك عند أهل الحق وصادف قتله الأجل المضروب له ولم يتضمن القتل قطع أجله، فلو قدر عدم قتله لمات، ولا فرق بين قتله وموته حتف أنفه إلا أن السبب في القتل اختياري وفي الموت اضطراري ووافقنا من المعتزلة الجبائي وابنه، وذهب الباقون من المعتزلة إلى (١٠٥/ك) أن القاتل قطع أجله المضروب له، وأنه مات بغير أجله، ثم اختلفوا في أنه لولا القتل لكان يعيش أو يموت بفعل الله تعالى على قولين، ولنا قوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ وقد نهى الله تعالى المؤمنين عن مثل قول المعتزلة ونسبه إلى الكفر بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا﴾ وأما قوله ﷺ : ((من سره أن يبسط له في

стр. 1723

رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) وينسأ أي يؤخر، والأثر الأجل لأنه تابع الحياة، فقال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: فيه أجوبة: أصحها: أن هذه الزيادة بالبركة في عمره والتوفيق للطاعات وصيانة أوقاته عن الضياع، وقيل: بالنسبة لما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ فيظهر لهم أن عمره ستون إلا أن يصل رحمه فيزداد أربعين، وأما بالنسبة إلى علم الله تعالى وما علم أنه سيقع فالزيادة مستحيلة، وقيل: المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت وأما حديث: ((أن المقتول يتعلق بقاتله يوم القيامة ويقول ربي ظلمني وقتلني وقطع أجلي)) فرواه الطبراني وقد تكلم في سنده، ولو صح حمل على مقتول سبق في علم الله أنه لو لم يقتل لكان يقسم له أجلا زائدا. تنبيه: قيل: الخلاف في هذه المسألة لفظي لأنه لا خلاف بيننا وبينهم أنه لا يجوز وجود شيء بخلاف ما قد علم الله تعالى، ولا خلاف أيضا أن كل وقت يموت المكلف فيه فإن الله تعالى قادر على أن يبقيه (١٨٤/ز) ولا يميته، ذكره

стр. 1724

القاضي أبو يعلى في (المعتمد). ص: والنفس باقية بعد موت البدن. ش: هذا مبني على أن النفس غير البدن وهو المعروف وأشار الإمام في (المطالب) إلى شذوذ فيه لا اعتداد به، وقال: إن الكتاب والسنة مملو بالتغاير إذا علمت هذا فبقاء النفس بعد فناء الأبدان إما في السعادة أو الشقاوة وهو قول أهل الحق لقوله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ والذائق لا بد أن يبقى بعد المذوق، وقوله تعالى: ﴿كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق﴾ الآية وهو نص في بقاء الأرواح وسوقها إلى الله تعالى يومئذ وقوله: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ الآية فإنه لا يقال برجوعها إلا لما هو موجود، وظاهر الآية أن هذه أحوالهم بعد الموت على الاتصال وقوله تعالى: ﴿أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون﴾ وقوله تعالى: ﴿قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي﴾ والقول لا يصح إلا من حي، وقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم﴾ وفي الصحيح: (كان النبي ﷺ يزور القبور ويسلم عليهم) والأحاديث فيه كثيرة، فوجب القول به ومن جهة العقل: أن النفس

стр. 1725

بمثابة الساكن في الدار فإذا هدمت الدار لم يلزم موت الساكن فيها وبطلانه في هذا معلوم بالضرورة، وإنما جاءت الشبهة من اعتقاد أنها سارية في البدن فسبق حينئذ الوهم إلى موته بموت البدن، ونحن نقول: إنما هي جوهر مجرد ليس بينه وبين البدن مناسبة إلا من جهة الحيز وذلك لا يقتضي عدم الجوهر ولا يغير حاله، ولأنها لو ماتت بموت البدن لضعفت بضعفه واختلت اختلاله واللازم منتف فالملزوم مثله، ولم تخالف فهي إلا الفلاسفة بناء على إنكارهم الميعاد الجسماني ومن اعترف بالميعاد لزمه القول ببقاء النفس قال الإمام في (المعالم): وطريقنا في إطباق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عليه ونحن نجري معهم بالإقناعات العقلية، فإن عندهم الرياضة الشديدة تلوح للنفس الأنوار ويكشف لها العيان مع أنه يضعف البدن جدا وكل ما كان يضعف البدن آكد كانت قوة النفس أكمل فوجب عقلا بقاؤها بعد فناء البدء=، وقال بعض المحققين: اتفق العقلاء كلهم على إثبات حياة بعد الموت وأما كون الإنسان مطلقا بعد الموت له وجود وبقاء وإدراك وشعور وعلوم لذات هي جوهر روحاني فالمتشرعون على إثباته وأن نوع الإنسان بذاته الحقيقية ثابت باق بعد اضمحلال جسده، وأما مخالفة الفلاسفة فالظاهر أنهم إنما تكلموا فيما هو موضوع علمهم وهو ذات الإنسان الظاهرة وقالبه الطين المركب من العناصر الأربعة ويكون الروح الحيواني الحامل للغذاء الكائن لتنمية الأعضاء ومبدأ علمهم فيما دون فلك القمر من الفيض الناري وغايته النظر في الروح الحيواني، وذلك كله من عوالم الأجساد الكثيفة فليس لهم علم فيما وراء ذلك لا نفيا ولا إثباتا، إلا أن يجهل جاهل منهم فينفي ما بعد ذلك وليس هو من دأبه، إنما حكمه أن ينفي العلم بما وراء ذلك لا أن يعلم النفي

стр. 1726

به، وبينهما فرق إذ الأولى سالبة والثانية معدولة، ويجهل من ينقل عنهم إذا لم يثبتوا شيئا وراء ذلك أنهم يقولون بنفيه وذلك غفلة من ناقله وعلى مثل هذه الجهالة ينقلون عنهم عدم الحشر الجسماني وحقيقة مذهبهم ما قلناه، إنهم لا يتعرضون لشيء من ذلك لا نفيا ولا إثباتا ومن اطلع على حقيقة علمهم علم ذلك علما ظاهرا ولهذا كان المنقول عن رئيسهم جالينوس أنه من الموافقين في المعاد الجسماني وهذا من وفائه لقانون علمه وتبحره فيه، قال: وهذه نكتة ينبغي أن يتنبه لها، والمقصد الإعلام بقيام الإجماع من سائر الملل على إثبات ذلك شرعا ولم يتكلم فيه الفلاسفة. ص: وفي فنائها عند القيامة تردد قال الشيخ الإمام: والأظهر لا تفنى أبدا. ش: هذا التردد لوالد المصنف ذكره في تفسيره فقال: إذا قلنا: إن الأرواح تبقى وهو الحق فهل يحصل لها عند القيامة فناء ثم تعاد فتوفي بظاهر قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ (١٠٥/ك) أو لا بل يكون من المستثنين في قوله تعالى: ﴿إلا من شاء﴾ والأقرب أنها لا تفنى من المستثني كما قيل في الحور العين

стр. 1727

واعلم أن الحليمي وغيره نصروا القول بأن الاستثناء للشهداء لحديث رواه زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه سأل جبريل ﵇ فقال: ((من الذي لم يشأ الله أن يصعقوا قال: هم شهداء الله)) وقال ابن العربي إنه صحيح، وقال القرطبي: إنه أولى ما في المسألة

стр. 1728

لأنه نص وضعف الحليمي قول من زعم أن الاستثناء لأجل بعض الملائكة لأنهم ليسوا من سكان السماوات والأرض، لأن العرش فوق السماوات فلم يدخلوا في الآية، وهذا لا يدخل فيه الولدان والحور العين، في الجنة لأن الجنة فوق السماوات والآية في سكان السماوات وقال غيره: الصحيح أنه لم يرو في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل. ص: وفي عجب الذنب قولان وقال المزني الصحيح يبلى وتأول الحديث. ش: حجة من قال لا يبلى بل يبقى إلى يوم يبعث فيركب منه وهو المشهور ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب)) وهو بفتح العين وإسكان الجيم وآخره باء وقد تبدل الباء ميما وحكى اللحياني تثليث العين

стр. 1729

فيهما حكى ذلك أبو الطيب اللغوي عنه فتحصل ست لغات وفسروه: بأنه عظم كالخردلة في أصل الصلب عند العجب وهو رأس العصعص وفي صحيح ابن حبان قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: ((مثل حبة خردل منه ينشأ)) وحجة من قال يبلى: ظاهر قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ وهو قول المزني وتأول الحديث فقال: خلق الله الخلائق لا غيره فمنه ما خلق بعضه ببعض ومنه ما أفنى بعضه ببعض، ومنه ما أنشأه لا ببعض وأفناه لا ببعض، وقد حكم الله تعالى بالموت على جميع خلقه فقال: ﴿يتوفاكم ملك الموت﴾ فإذا (١٨٥/ز) لم يبق إلا ملك الموت توفاه الله تعالى بلا ملك موت، فغير مستنكر أن يكون كذلك يفني الله تعالى الإنسان بالتراب فإذا لم يبقى إلا عجم الذنب أفناه الله تعالى بلا تراب كما أمات ملك الموت بلا ملك الموت. انتهى. ولا يشكل عليه رواية مسلم الأخرى: ((إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا منه يركب يوم القيامة)) قالوا: أي عظم يا

стр. 1730

رسول الله؟ قال: ((عجم الذنب)) لأنه ليس في الحديث تعرض إلا لعدم فنائه بالأرض، والمزني يقول به وليس فيه تعرض لفنائه بغير الأرض، والكلام فيه وقد وافقه ابن قتيبة وقال: إنه آخر ما يبلى من الميت ولم يتعرضوا لوقت فناء العجب هل هو عند فناء العالم أو قبل ذلك وكلاهما محتمل، والأقوى في النظر أنه لا يبلى عملا بظاهر الحديث، ويشهد له ما صح في الحديث ((إنه ينزل من السماء ماء فتنبتون منه كما ينبت البقل)) وقال تعالى: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج﴾ وقد قال بعض العلماء: إن عجب الذنب بالنسبة إلى الإنسان كالبذر بالنسبة إلى جسم النبات، ولهذا قال تعالى: ﴿كذلك الخروج﴾ فإن قيل: فما فائدة إبقاء هذا العظم دون سائر الجسد؟ أجاب ابن عقيل فقال: لله في هذا سر لا نعلمه، لأن من ينحت الوجود من العدم لا يحتاج إلى أن يكون لفعله شيء يبنى عليه ولا خميرة، فإن علل هذا فيجوز أن يكون الباري سبحانه جعل ذلك للملائكة علامة على أنه يحيي كل إنسان بحواهره بأعيانها ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم من كل شيء ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هذا جزء منها، كما أنه لما أمات عزيرا وحماره أبقى عظام الحمر وكساها ليعلم أن هذا المنشأ ذلك الحمار لا غير ولولا إبقاء شيء

стр. 1731

لجوزت الملائكة أن تكون الإعادة للأرواح إلى أمثال الأجساد لا إلى أعيانها. ص: وحقيقة الروح لم يتكلم عليها سيدنا محمد ﷺ فتمسك عنها. ش: هذه طريقة المحتاطين كالجنيد ﵁ فإنه قال: الروح شيء استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود لقوله تعالى: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ وعلى ذلك جرى خلق من أئمة التفسير كالثعالبي وابن عطية قال الشيخ شهاب الدين السهروردي بعد ذكره كلام الناس في الروح: وكان الأولى الإمساك عن ذلك والتأديب بأدب النبي ﷺ وذكر ما قاله الجنيد، قلت: وعليه حملوا قوله تعالى: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ ولم يأمره أن يبينه لهم، وأما المتكلمون على الروح فأجابوا عن هذه الشبهة بوجوه: أحدها: أن اليهود قد قالوا إن أجاب عنها فليس بنبي وإن لم يجب فهو صادق

стр. 1732

فلم يجب لأن الله تعالى لم يأذن فيه ولا أنزل عليه بيانه في وقته تأكيدا لمعجزته وتصديقا لما تقدم من وصفه في كتبهم لا لأنهم لا يمكن الكلام فيه. وثانيهما: أنهم سألوا النبي ﷺ سؤال تعجيز وتغليظ إذ كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان وجبريل وملك آخر يقال له الروح وصف من الملائكة والقرآن وعيسى ابن مريم، فقصد اليهود أن يسألوه فبأي شيء أجابهم، قالوا: ليس هذا فجاء الجواب مجملا كما سألوه مجملا، فإن أمر ربي تصديق على كل واحد من مسميات الروح وقال عبد الجليل القصري في (شعب الإيمان) - وكان من ذوي المعارف والأحوال - اختلف الناس في معرفة الروح فقيل: لا تعلم أصلا، لقوله تعالى: ﴿من أمر ربي﴾ قال: وقائل هذا أراد أنه (١٠٦/ك) لا يعرف ولا يحاط بمقداره وأما إنكار معرفته أصلا من جميع الوجوه فذلك جهل عظيم ممن قاله، فإنه معروف بالوجود بالضرورة قال: والآية التي احتج بها حجة عليه فإن الجواب بقوله: ﴿من أمر ربي﴾ على حسب السؤال عن الروح بقول اليهود: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فأجابهم بمن ولم يسألوه عن وجوده

стр. 1733

فيقول: نعم أو لا، ولا كيف هو كالأجسام أم على صفة كذا، ولو كان لأجابهم بصفته كما أجاب ربه حين سألوه عنه فنزل ﴿قل هو الله أحد﴾ قال: والروح أمر من أمر الله والأمر هو الصادر عن الإرادة: فالروح إرادة منه أن تكون على هذه الصورة فهو كلمة الله وذكر الشيخ شهاب الدين السهروردي إمساك الصوفية وخوض غيرهم في الروح ثم قال: ويجوز أن يكون كلامهم في ذلك بمثابة التأويل لكلام الله تعالى حيث حرم تفسيره وجوز تأويله، إذ لا يسوغ القول في التفسير إلا نقلا، وأما التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل وهو ذكر ما تحتمل الآية من غير القطع بذلك قال: وإذا كان كذلك فللقول فيه وجه وعمل، ونوزع في ذلك: بأن هذا ظاهر إذا لم يكن في الآية ما يمنع القول فيها لكن ظاهرها المنع من السؤال عن الروح والخوض في طلب العلم بها بدليل قوله: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ أي فاجعلوا حكم الروح من الكثير الذي لم تؤتوه ولا تسألوا عنه، فإنه سر من أسراري ومنهم من حمل قوله تعالى: ﴿من أمر ربي﴾ على أن المراد به كون الروح من عالم الأمر وهو عالم الغيب، وعالم الملكوت، ومقابله عالم الخلق الذي هو عالم الشهادة وعالم الملك وحمل قوله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ على العالمين المذكورين وأراد بعالم الأمر عالم المجردات لأنها وجدت بمجرد الأمر الذي هو قول (كن) ومقابله الجسمانيات وإذا كان الروح من باب الأمر فقد انفتح باب الكلام فيها فذهب كثير من الصوفية إلى أنها ليست بجسم ولا عرض بل هو جوهر مجرد قائم بنفسه، غير متحيز، وله تعلق خاص بالبدن للتدبير والتحريك، غير داخل في البدن ولا خارج عنه وهذا هو رأي الفلاسفة وذهب جمهور المتكلمين إلى أنه جسم لطيف قال إمام الحرمين: مشتبك

стр. 1734

بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود (١٨٦/ز) الأخضر قال النووي في (شرح مسلم): إنه الأصح عند أصحابنا وذهب كثير منهم إلى أنه عرض وإنه هو الحياة التي صار البدن بوجودها حيا، قال السهروردي: ويرد على هذا الأخبار الدالة على أنه جسم لما ورد فيه من الهبوط والعروج والتردد في البرزخ والعرض لا يوصف بهذه الأوصاف ونقلهم عن الصوفية الإمساك مرادهم الأقدمون وإلا فقد تكلم عليها المتأخرون فقال الشيخ العارف أبو الحسن الشاذلي ﵁: من ظن أن علم الروح وغيره مما ذكر ومما لم يذكر لم تحط به الخاصة من

стр. 1735

العلماء أهل البدء الأعلى فقد وقع في عظمتين: تجهيل أولياء الله إذ وصفهم بالقصور عن ذلك وظن بربه أنه منعهم وكيف يجوز أن يطلق على مخصوص؟ ويسري به التكذيب إلى القدرة والشرع بقوله عن اليهود أو عن العرب كما تضمن الخلاف ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ فما الدليل لك منها على جهل الصديقين وأهل خاصة الله العليا؟ والكشف عن هذا أن السؤال يقع بأربعة أحرف: بهل، وكيف، ولم، ومن، فـ (هل) يقع السؤال بها عن الشيء أموجود هو أو معدوم و (كيف) يقع السؤال بها عن الشيء و (لم) عن علته، وليس في الآية شيء من ذلك، فإنك إن قلت: فيها معنى (هل) فهل يقتضي: هذا الروح موجود أو معدوم؟ وقد عرفنا وجوده من قبل ولولا ذلك ما قال: يسألونك عن الروح، فثبت أنهم عرفوا وجوده فبطل هذا، وليس فيها سؤال عن الحال، كيف هو؟ ولا سؤال عن العلة لم كذا وكذا؟ ولو كان سؤالهم عن هذين لما قنعوا بقوله: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ فثبت أن السؤال إنما هو عن الشيء من أين هو؟ بدليل الجواب والبيان الظاهر الشافي بقوله تعالى: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ إذ الرسول ﵇ عالم بما سألوا عنه فأجاب عن الله سبحانه بذلك كما تقول آدم نسألك عنه وفهم المسؤول السؤال فقال: آدم من تراب فإذا رضي الجواب قنع، وليس يرجع العدو إلا بفهم عظيم من الحق العظيم الذي لا مرد له، فكيف يزعم الزاعم أنه لا يعرف ولا يجوز أن يعرف؟ فقد أوجب الله علينا معرفته ولا مثل له ولو ضيعناها كنا كفارا أو عصاة، فكيف بموجود ومخلوق أمثاله كثيرة؟ هذا عين الجهل أن يقال: لا يجوز أن يعرف من له المثل والنظير وهو روح، ويوجب معرفة من لا شبيه له ولا نظير، والذي نقول به: إن لله تعالى أسرارا لا يسع فيها الوهم ولا يليق بها الكتم لوضوحها وشدة

стр. 1736

ظهورها انتهى. وحاصله أن المقدار الذي ينبغي أن يطلب من يعرف الروح إنما هو عالمه ومن أين هو، فأوجب الشيخ معرفة مثل هذا من الروح وهو كون الحياة والحركة والعقل مثلا تابعا لها لا معرفة حقيقتها، وإنما عرف الآية فيها عالما فقط أعني من أين هي؟ ولم يقع الجواب بتعريف الحقيقة، وفرق الغزالي بين عالم الخلق وعالم الأمر فإن ما يقع عليه مساحة وتقدير وهي الأجسام وعوارضها من عالم الأمر، والخلق هنا بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد وما لا كيفية له ولا تقدير له يقال له: أمر رباني، وأرواح البشر والملائكة من عالم الأمر فعالم الأمر عبارة عن الموجودات الخارجة عن الحس والخيال والجهات والمكان (١٠٧/ك) والتحيز قال: ولا يتوهم من هذا أن الروح قديم بل هو مخلوق بمعنى أنه محدث، وقد نسب القاضي ابن العربي هذا إلى الصوفية واستنكر قولهم العالم عالمان: عالم الخلق وعالم الأمر، وأن الروح من عالم الأمر وقال: إنهم تلقوه من الفلاسفة ومقصود الفلاسفة منه: أن الخلق ما كان كماً مقدرا والأمر ما لم يكن مقدرا، والروح عندهم لا يكون محدثا، قال: وقد أوضحنا أن العالم وكل ما سوى الله مخلوق داخل في الكمية،

стр. 1737

وقال: ويقال: هذا القول تحليقا على مذهب الحلولية واعتصاما بمذهب النصارى في عيسى، وعجب من حكاية الغزالي له، قال: وتسور القاضي عليها وأبان أنها مخلوقة بالدليل وأشار إلى أنها عرض ومال الجويني إلى أنها جسم تعويلا على ظواهر الشرع فيما أضاف إليها من الأفعال والانتقال والأكل من الجنان، ومال جماعة إلى أنها تفارق البدن، وهي عرض متقوم بجزء من الجسم يضاف إليه هذه الأوصاف كلها التي تسحيل على الأعراض، لعل النبي ﷺ إنما أشار إلى هذا بقوله في الصحيح: ((كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب)) قال ولما تعارضت هذه الأعراض المشار إليها توقف قوم عنها والمتحصل من ذلك كله أمران: أحدهما: أنها بالدليل القاطع العقلي مخلوق ويكفر جاحد ذلك. والثاني: أنها بالدليل القاطع السمعي باقية لا فناء لها، ثم النظر بعد في أنها جوهر أو عرض فمحل اجتهاد، والأقوى أنها عرض فإن التحامل على الألفاظ وتأويلها، وصرفها إلى المجاز أقرب في النظر من الاضطراب في الأدلة العقلية التي

стр. 1738

توجب أنها لا تقوم بنفسها. قلت: وصنف الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن منده كتابا في الروح والنفس ذكر فيه عن الإمام محمد بن نصر المروزي إجماع المسلمين على أن الروح التي في ابن آدم مخلوقة وإنما يذكر القول بقدمها عن بعض غلاة الرافضة والمتصوفة وقال إمام الحرمين في (الرسالة النظامية): إنه جمع فيه كتابا سماه كتاب (النفس)، وأنه يشتمل على قريب من ألف ورقة. (ص) وكرامات الأولياء حق، قال القشيري: ولا ينتهون إلى نحو ولد دون والد. (ش) كون الكرامات حقا هو قول أهل الحق، وقال أبو تراب النخشبي: من لا يؤمن بها فقد كفر، ولعله يرى تكفير المبتدعة، والدليل على الجواز أنه لا يلزم

стр. 1739

من فرضه محال، والدليل على الوقوع قصة أصحاب الكهف ولم يكونوا أنبياء بالإجماع وكذلك كرامات مريم ﵍ متواترة ولم تكن نبية عند الجمهور لقوله تعالى: ﴿وأمه صديقة﴾ ولو كانت نبية لما عدل عن ذكرها بالوصف الأعلى إلى ما لم يبلغ ذلك لأن درجة النبوة (١٨٧/ز) أعلى من درجة الصديقية إجماعا وادعى الشيخ محيي الدين النووي الإجماع على عدم ثبوتها وليس كما قال، فقد نقل القرطبي في تفسيره كونها نبية عن الجمهور، ويشهد له أن الملائكة خاطبتها بالوحي قال تعالى: ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك﴾ ولأن الله تعالى ذكرها مع الأنبياء في سورة الأنبياء والذي أوقع الشيخ محيي الدين النووي ﵀ في ذلك إمام الحرمين في (الإرشاد) فإنه ادعى الإجماع على عدم نبوة أهل الكهف ثم قال: وكذلك مريم فظن الشيخ الإجماع فيها أيضا وليس كذلك، وينبغي أن يكون مراده أنها ليست نبية لا دعوى الإجماع ونقل ابن حزم عن ابن فورك والأشعري أنه كان يقول في النساء أربع نبيات وتوقف بعض

стр. 1740

المحققين في صحة هذا النقل عنه قال: فإن صح فلعله مع حديث: ((ولم يكمل من النساء إلا أربع)) ولم يسمع تفصيل الحديث فإنه ذكر فيهن خديجة وفاطمة ولا يمكن القول بأنهن نبيات، والقول بنبوة مريم إنما يقوى إذا فسرنا النبي بمن يوحى إليه، وأطلقنا فأما إذا قيدنا بأمر خاص وهو الوحي بالشريعة كما فسره الحليمي فلا وإنما أطلت في هذا الموضع لأني رأيت من نسب إلى الأشعرية القول بنبوتها من غير تحقيق إذا علمت هذا فقد استفاض في العالم وقوع الخوارق من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ولم يزل شأن الأنبياء والصديقين التصديق بها، وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: ((بينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفت فقالت: إني لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث)) فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم فقال

стр. 1741

النبي ﷺ : ((آمنت بهذا وأبو بكر وعمر وما هما)) ثم (وحلية الأنبياء) لأبي نعيم (والصفوة) لأبي الفرج وغيرهما مجموع لذلك. وكذلك الآجري في كتابه (براهين الصالحين) والمنكرون لها كلها المعتزلة ومنهم من نقل عنهم إنما أنكروا خرق العادات وتأولوا ما جرى لمريم ﵍ ونحوه بأنه كان إرهاصا لنبوة عيسى، يعني تأسيسا وهو بالصاد المهملة مأخوذ من الرهص وهو السياق الأول من الحائط فيكون من مقدمات النبوة ومعجزاتها وما جرى في زمن نبي كإحضار الذي عنده علم من الكتاب لعرش بلقيس جعلوه

стр. 1742

معجزة لذلك النبي مستندين في ذلك إلى أن تجويزه لغير الأنبياء يؤدي إلى التباس النبي بغيره. وأجيب بالفرق بين المعجزة والكرامة بأن الأنبياء مأمورون بإظهارها والتحدي بها بخلاف الكرامة ويتميز النبي عنه بدعوى النبوة، وقيل: باختيار الخارق وقيل غير ذلك، ثم القائلون بالكرامات اختلفوا هل تعم سائر الخوارق أم يختص ذلك بما لم يظهر معجزة لنبي؟ فالجمهور على التعميم وذهب بعض أصحابنا إلى أن كل ما وقع معجزة لنبي لا يصح أن يقع كرامة لولي كإحياء الموتى وقلب العصا حية وفلق البحر ونحوه وهذا هو مذهب الأستاذ أبي إسحاق، وبه يظهر غلط الإمام فخر الدين (١٠٨/ك) وغيره ممن نقل عنه إنكاره على الإطلاق كالمعتزلة والذي رأيته في كتبه التصريح بإثباتها إلا أنها لا تبلغ مبلغ المعجزات الخارقة للفرق بينها وبين

стр. 1743

المعجزة، قال: وكل ما كان تقديره معجزة لنبي لا يجوز ظهور مثله كرامة لولي، قال: وإنما مبالغ الكرامات: إجابة دعوة أو موافاة ماء في بادية في غير موضع المياه، ونحو ذلك مما لا ينحط عن خرق العادات، وهذا حكاه عنه إمام الحرمين والآمدي في أبكار الأفكار، وهذا هو عين ما نقله المصنف عن القشيري فقال في (الرسالة): إن كثيرا من المقدورات يعلم اليوم قطعا أنه لا يجوز أن تظهر كرامة لولي لضرورة أو لشبه ضرورة يعلم ذلك منها حصول إنسان لا من أبوين وقلب جماد بهيمة، وأمثال هذا يكثر. انتهى وإلى قلب الجماد أشار المصنف بقوله: نحو يتعجب منه في أمرين: أحدهما: مغايرته بين هذا القول وقول الأستاذ كما فعله في (منع الموانع) ولهذا لم ينقله هنا عن الأستاذ مع أنه أقدم منه وأحق بالذكر. وثانيهما: اعتقاد أن هذا قيد في الجواز لمن أطلقه فقال في (منع الموانع الكبير): وبهذا يصح أن قولهم ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ليس على عمومه، وأن قول من قال: لا تفارق المعجزة الكرامة إلا بالتحدي ليس على وجهه. قلت: وليس كما ظن، بل الذي قاله القشيري مذهب ضعيف والجمهور على خلافه وقد أنكروا على القشيري حتى ولده أبو نصر في كتابه (المرشد) فقال:

стр. 1744

قال بعض الأئمة ما وقع معجزة لنبي لا يجوز تقدير وقوعه كرامة لولي كقلب العصا ثعبانا وإحياء الموتى والصحيح تجويز جملة خوارق العادات كرامة للأولياء هذا لفظه، وذكر إمام الحرمين في (الإرشاد) مثله وتابعه شراحه، وقال الشيخ محيي الدين النووي ﵀ في (شرح المسلم) في باب البر والصلة: إن الكرامات تجوز بخوارق العادات على جميع أنواعها ومنعه بعضهم وادعى أنها تختص بمثل إجابة دعاء ونحوه وهذا غلط من قائله وإنكار للحس، بل الصواب جريانها بقلب الأعيان ونحوه. انتهى وقال المقترح بعد حكاية مذهب الأستاذ وغيره، وهؤلاء زعموا أن قول النبي ﷺ : ((لا يأتي أحد بمثل ما أتيت به)) يمنع وقوع شيء من معجزات الأنبياء على أيدي الأولياء لئلا يؤدي إلى تكذيب من ثبت صدقه، وهذا يندفع فإن تحدي النبي مقيد بأنه لا يظهر ما أتي به على يد من يبغي معارضته ومناقضته ولا على مفتر كذاب، والدليل عليه أن ظهور جنس واحد من المعجزات على يد شخص لا يقدح في ثبوت معجزة من ظهر على يده من ذلك الجنس قبله، وفي المسألة مذهب ثالث صار إليه ابن بطال في (شرح البخاري): وهو التفصيل بين زمان الأنبياء وما بعدهم فقال في حديث خبيب لما

стр. 1745

أسر رئي يأكل من قطف عنب وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة) قال ابن بطال: فهذا يمكن أن يكون آية لله تعالى على الكفار وبرهانا (١٨٨/ز) لنبيه ﷺ من أجل ما كانوا عليه من تكذيبه، فأما من يدعي اليوم مثل هذا بين ظهراني المسلمين فليس لذلك وجه، إذ المسلمون قد دخلوا في دين الله أفواجا فأي معنى لإظهار الآية عندهم؟ لا سيما وقد يشكك به المرتاب القائل: إذا جاء ظهور هذه الخوارق على يد غير النبي فكيف نصدقها من نبي؟ فلو لم يكن في هذا القول إلا رفع الارتياب عن قلوب أهل النقص، والجهل لكان قطع الذريعة واجبا ولا معنى لها في الإسلام بعد تأصله إلا أن يكون مما لا يخرق عادة ولا يقلب عينا مثل إكرام الله عبده بإجابة دعوة في أمر عسير ودفع بأس نازل ونحوه قال أخبرني أبو عمران الفقيه الحافظ بالقيروان أنه أوقف أبا بكر بن الطيب الباقلاني

стр. 1746

على تجويزه لهذه المعجزات وقال: أرأيت إن قالت لنا المعتزلة: إن برهاننا على تصحيح مذهبنا وما ندعيه من المسائل المخالفة لكم هو ظهور هذه الآية على يدي رجل صالح منا، قال أبو عمران: فأطرق عني ومطلني بالجواب ثم أقبضته في مجلس آخر فقال لي: كل ما اعترض من هذه الأشياء من أمر الدين أو السنن أو ما عليه صحيح العلم فلا يقبل أصلا على أي طريق جاء، وهذا آخر ما رجع إليه ابن الطيب. قلت: وقد وقفت للقاضي أبي بكر على تصنيف في مجلد سماه (البيان في الفرق بين المعجزات والكرامات والسحر والشعوذة) قال في خطبته كان بعض أصحابنا المغاربة ذكر لنا من إنكار شيخنا أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵀ للكرامات فلم يثبت عليه عندنا ولعله إن قال ذلك فإنما أنكر منه ما يجب إنكار مثله، فإنا لا نجيز الكرامات للصالحين لجميع الأجناس وبمثل سائر آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام أو لعله أنكر ذلك لمثل من لا يجوز ظهوره على مثله لأن في فضل علمه وما نعرفه من دينه واطلاعه ما يبعد عندنا خلافه في هذا الباب. انتهى، وما صار إليه ابن بطال قد حكاه القاضي أبو الفرج النهرواني في كتابه (الجليس

стр. 1747

الصالح) فقال: وكان أبو بكر بن الأخشاذ من جملة المعتزلة يجيز الكرامات إذا أبديت على وجه يرجع إلى النبي ﷺ والشهادة بصحة رسالته قال: ورأيت من شاهدته من نظار المعتزلة يجيز إظهاره للصالحين وعلى أيدي الأبرار المخلصين، قال ومن المتكلمين من أجاز ظهورها على يد من يدعي الربوبية على وجه الفتنة وتغليظ المحنة كالمروي في أمر الدجال ولا يجيز ذلك على مدعي النبوة لما فيه من فساد الأدلة. انتهى. فروع: تقع الكرامة باختيار الولي وطلبه على الصحيح عند أصحابنا المتكلمين، وقيل: لا تقع باختيارهم وطلبهم، قال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: وقال أصحاب القاضي: الكرامة لا تشهد بالولاية على القطع لئلا (١٠٩/ك) يأمن العواقب وقال: هيبته كخوفه وقد بشر ﷺ العشرة بالجنة، قال الشيخ شهاب الدين السهروردي: ومن ظهر على يده شيء من الخوارق وهو على غير الالتزام ليزداد يقينه في مطاوي الانكسار والحياء. وذلك الانكسار والانفعال هو غاية الاتصال فيقول بعضهم الاستسلام عند التلاقي جرأة والانبساط في محل الأنس عزة، واللياذ بالهرب من علم الدنو وصلة.

стр. 1748

تنبيه: إنما لم يعرف المصنف الكرامة، لأن تعريفها يعلم من تعريف المعجزة فيما سبق. ص: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة. ش: أي بشيء من الذنوب، كذا جعله القصري من شعب الإيمان وأورد فيه حديث: ((ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا يكفر بذنب ولا يخرج من الإيمان بعمل)) قال: فجعل الكف عن أهل التوحيد أصلا من أصول الإيمان، ومن لا يري ذلك فهو من أهل الزيغ والضلال الذين يكفرون بالذنب غلوا في تعظيم الذنب حتى خرجوا عن الحد لكن في كتاب (التوبيخ والتنبيه): للحافظ أبي محمد بن حبان: سئل الإمام أحمد بن حنبل عن حديث ((لا نكفر أحدا من أهل التوحيد بذنب)) فقال: موضوع لا أصل له، كيف بحديث

стр. 1749

النبي ﷺ : ((من ترك صلاة فقد كفر))؟ وفي صحة هذا عن أحمد نظر، فإن معناه ثابت في الصحيحين عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال لهم في بيعة النساء: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه)) وروى البيهقي بسند صحيح إلى جابر (١٨٩/ز) بن عبد الله أنه سئل: هل كنتم تسمون من الذنوب كفرا أو شركا أو نفاقا؟ قال: معاذ الله! ولكنا نقول: مؤمنين مذنبين وأما حديث ((من ترك الصلاة فقد كفر)) فلم يكن إجراؤه على ظاهره لمعارضة ما ذكرنا، فلا بد من تأويله إما على أنه يعامل معاملة المرتد في وجوب القتل ولهذا خص الصلاة بالذكر كما قاله البيهقي وإما

стр. 1750

على أن تركها أول بداية الكفر، لأن اعتبار ذلك يؤدي إلى جحدها، فأطلق عليه اسم النهاية، كما قال ابن حبان في صحيحه قالوا: لو كان ترك الصلاة كفرا لما أمر الشارع بقضائها وجعله كفارة دون تجديد إيمان. إذا علمت هذا فههنا أمران: أحدهما: في بيان المراد بهذه العبارة وقد قال والد المصنف رحمهما الله تعالى: يعني هذه العبارة إنا لا نكفر بالذنوب التي هي المعاصي كالزنا والسرقة وشرب الخمر خلافا للخوارج حيث كفروهم أما تكفير بعض المبتدعة بعقيدة تقتضي كفره حيث يقتضي الحال القطع بذلك أو ترجيحه، فلا يدخل في ذلك وهو خارج بقولنا: بذنب، غير أني أقول شيئا وهو أنه ما دام الإنسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فتكفره صعب، وما يعرض في قلبه بدعة إن لم تكن مضادة لذلك لا يكفر، وإن كانت مضادة فإذا فرضت غفلته عنها واعتقاده للشهادتين، مستمر، فأرجو أن ذلك يكفيه في الإسلام وأكثر أهل الملة كذلك ويكون كمسلم ارتد ثم أسلم، إلا أن يقال: ما كفر به لا بد في إسلامه من توبته عنه فهذا محل نظر، وجميع هذه العقائد التي يكفر به أهل القبلة قد لا يعتقد بها صاحبها إلا عن بحثه فيها لشبهة تعرض له أو مجادلة أو غير ذلك، وفي أكثر الأوقات يغفل عنها وهو ذاكر للشهادتين، لا سيما عند الموت انتهى. وفيما قاله نظر لأن الحكم منسحب عليه وإن لم يستحضره كما تجرى أحكام الإسلام على المسلم وإن لم يكن مستحضر الأركان، وأما ذكره أولا فينازع فيه كلام لابن القشيري حيث

стр. 1751

جعل ذلك في العقائد فقال في (المرشد): فمن كان من أهل القبلة وانتحل شيئا من البدع كالمجسمة والقدرية وغيرهم هل يكفر؟ للأصحاب فيه طريقان وكلام الأشعري يشعر بهما وأظهر مذهبيه ترك التكفير وهو اختيار القاضي، ومن قال قولا أجمع المسلمون على تكفير قائله أو فعل فعلا أجمعوا على تكفير فاعله كفرناه وإلا فلا. والطريقة الثانية: تكفير المتأولين، ومثال المسألة من قال: إن الله ليس بعالم كفر بإجماع الأمة على تكفيره، ومن قال: هو عالم وليس له علم فهذا موضع الخلاف إذ لا إجماع هنا بخلافه ثم من قال بتكفير المتأولين يلزمه أن يكفر أصحابه في نفي البقاء أيضا كما يكفر في نفي العلم وغيره من المسائل المختلف فيها، قال: وإذا لم يكفر فلا أقل من التفسيق والتضليل، ومن أصحابنا من لا يرى التفسيق أيضا، قال: وهذه الطريقة التي هي نفي التكفير مبنية على أن الشيء الواحد يجوز أن يكون معلوما (١١٠/ك) من جهة مجهولا من وجه آخر. انتهى. الثاني: أن معنى هذه العبارة نقلوها عن الإمام الشافعي ﵁ وأبي حنيفة ﵀ والأشعري: فأما أبو حنفية فصح عنه التصريح به وكذلك الأشعري قال في كتاب (المقالات): إن المسلمين اختلفوا بعد نبيهم ﷺ في أشياء ضلل بعضهم بعضا وتبرأ بعضهم عن بعض، فصاروا فرقا شتى إلا أن الإسلام يعم جميعهم انتهى، وقال الشيخ عز الدين في (القواعد): رجع الأشعري عند موته عن تكفير أهل القبلة، لأن الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوفات، وقال: اختلفنا

стр. 1752

في عبارة، والمشار إليه واحد وقال القاضي ابن العربي: اختلف العلماء في إكفار المتأولين على قولين، فذهب شيخ السنة وإليه صنعو= القاضي في أشهر قوليهما أن الكفر يختص بالجاحد والمتأول ليس بكافر، وأما الشافعي ﵁ فأخذ ذلك من قوله: لا أرد شهادة أهل البدع والأهواء إلا الخطابية فإنهم

стр. 1753

يعتقدون جواز الشهادة لأوليائهم على أعدائهم زورا، وقال بعضهم: هذا لا يدل على إطلاق عدم التكفير، إذ لا يلزم من عدم تكفير أهل البدع والأهواء عدم التكفير مطلقا فإن مخالفة الحق في الديانات تارة توجب البدعة والضلال، وتارة توجب الكفر، والمخالف في الأول هو المسمى بأهل البدع والأهواء دون الثاني. قلت: وقد صح عن الشافعي ﵁ إطلاق القول بتكفير القائل بخلق القرآن لكن جمهور أصحابه أولوه على كفران النعمة كما قاله النووي وغيره وحكى ابن المنذر عن الشافعي ﵁ أن القدري لا يستتاب ذكره القاضي عياض في (الشفاء) وأما مالك وأحمد فقد نقل عنهما ما يوهم الخلاف في ذلك، وقال ابن العربي: من أعظم أصول الإيمان القدر فمن أنكره فقد كفر نص عليه مالك ﵀ فإنه سئل عن نكاح القدرية فقال: قد قال الله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ وقال القاضي عياض: أكثر قول مالك وأصحابه ترك القول بتكفيرهم لكن يؤدبون ويستتابون وأما أحمد فنقل عنه القاضي عياض تكفيرهم وقال: إن عليه أكثر السلف ونقل عنه تكفير تارك الصلاة وإن اعتقد وجوبها، واحتج بعضهم على عدم التكفير بقوله صلى الله عليه

стр. 1754

وسلم: ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما)) ولأنا لو كفرناه كفرنا بعض أصحابنا في نفي البقاء ونحوه، ولأن الكفر عبارة عن إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول ﷺ وليس المراد بالضرورة: ضرورة العقل بل إنه لشهرته والاتفاق عليه كالضروري كالصلاة والزكاة، وعلى هذا فلا نكفر أحدا من أهل القبلة، لأن كونهم جاحدين لما جاء به الرسول ﷺ غير معلوم بالضرورة بل بالنظر أي لم يشتهر اشتهارا يصير به كالضروري. ولم يتفق عليه وهذا تحقيق جيد بين على تفسير المتكلمين الإيمان بما علم أنه من دين سيدنا محمد ﷺ بالضرورة فسبق تقريره وقد قال القاضي في كتابه المسمى (بإكفار المتأولين) أما مسائل الوعد والوعيد والرؤية وخلق الأفعال وبقاء الأعراض والتولد وشبهها (١٠٩/ك) من الدقائق فالمنع، من إكفار المتأولين فيها أوضح، إذ ليس في الجهل بشيء من ذلك جهل بالله تعالى ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل منها شيئا، وقد نقله عنه القاضي عياض وغيره.

стр. 1755

قلت: ولعل هذا مأخذ الشيخ عز الدين في فتياه أنه لا يكفر مثبت الجهة قال: ولا مبالاة بمن كفرهم لمزاحمته لما عليه الناس، وحمل بعضهم كلام القاضي السابق فيمن جهل شيئا منها، أما من قال بجملته وكان علمه به على خلاف ما هو عليه أهل السنة فجهله هذا جهل مركب فهو أشد من جهله بسيطا، وأطلق الآمدي في التكفير حكاية قولين ثم قال: والحق التفصيل وهو إن كان من البدع المضللة والأقوال الممكنة يرجع إلى اعتقاد وجود غير الله تعالى وحلوله في بعض الأشخاص كالنسبة لبعض غلاة الشيعة، أو إلى إنكار الرسالة أو إلى استباحة المحرمات فلا نعرف خلافا بين المسلمين في التكفير به وأما ما عدا ذلك من المقالات المختلفة فلا يمتنع أن يكون معتقدها مبتدعا غير كافر وذلك لأنه لو توقف الإيمان على أمر غير التصديق بالله تعالى ورسوله وما جاء به من معرفة المسائل المختلف فيها في أصول الديانات كما عددناه لكان الواجب على النبي ﷺ أن يطالب الخلق بمعرفته كالشهادتين، ولم ينقل ذلك وجرى عليه الصحابة والتابعون فالجهل به لا يكون كفرا انتهى. والأول يخرج بقول المصنف: عن أهل القبلة فإن صاحب هذه المقالات ليس منها، لكن حصره التكفير فيما ذكره ممنوع، بل من أنكر ما يعلم مجيء الرسول به ضرورة في الحشر والعلم بالجزئيات وحدوث العالم ونحوه، لا شك في تكفيره واعلم أنه وقع في كلام الطحاوي زيادة مذهب في هذه العقيدة واستغنى المصنف عنه بأنه إن لم يكن بذنب لم يقع كلام في التكفير.
следующие страницы →