Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
جعل ذلك في العقائد فقال في (المرشد): فمن كان من أهل القبلة وانتحل شيئا من البدع كالمجسمة والقدرية وغيرهم هل يكفر؟ للأصحاب فيه طريقان وكلام الأشعري يشعر بهما وأظهر مذهبيه ترك التكفير وهو اختيار القاضي، ومن قال قولا أجمع المسلمون على تكفير قائله أو فعل فعلا أجمعوا على تكفير فاعله كفرناه وإلا فلا.
والطريقة الثانية: تكفير المتأولين، ومثال المسألة من قال: إن الله ليس بعالم كفر بإجماع الأمة على تكفيره، ومن قال: هو عالم وليس له علم فهذا موضع الخلاف إذ لا إجماع هنا بخلافه ثم من قال بتكفير المتأولين يلزمه أن يكفر أصحابه في نفي البقاء أيضا كما يكفر في نفي العلم وغيره من المسائل المختلف فيها، قال: وإذا لم يكفر فلا أقل من التفسيق والتضليل، ومن أصحابنا من لا يرى التفسيق أيضا، قال: وهذه الطريقة التي هي نفي التكفير مبنية على أن الشيء الواحد يجوز أن يكون معلوما (١١٠/ك) من جهة مجهولا من وجه آخر. انتهى.
الثاني: أن معنى هذه العبارة نقلوها عن الإمام الشافعي ﵁ وأبي حنيفة ﵀ والأشعري: فأما أبو حنفية فصح عنه التصريح به وكذلك الأشعري قال في كتاب (المقالات): إن المسلمين اختلفوا بعد نبيهم ﷺ في أشياء ضلل بعضهم بعضا وتبرأ بعضهم عن بعض، فصاروا فرقا شتى إلا أن الإسلام يعم جميعهم انتهى، وقال الشيخ عز الدين في (القواعد): رجع الأشعري عند موته عن تكفير أهل القبلة، لأن الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوفات، وقال: اختلفنا
стр. 1752
في عبارة، والمشار إليه واحد وقال القاضي ابن العربي: اختلف العلماء في إكفار المتأولين على قولين، فذهب شيخ السنة وإليه صنعو= القاضي في أشهر قوليهما أن الكفر يختص بالجاحد والمتأول ليس بكافر، وأما الشافعي ﵁ فأخذ ذلك من قوله: لا أرد شهادة أهل البدع والأهواء إلا الخطابية فإنهم
стр. 1753
يعتقدون جواز الشهادة لأوليائهم على أعدائهم زورا، وقال بعضهم: هذا لا يدل على إطلاق عدم التكفير، إذ لا يلزم من عدم تكفير أهل البدع والأهواء عدم التكفير مطلقا فإن مخالفة الحق في الديانات تارة توجب البدعة والضلال، وتارة توجب الكفر، والمخالف في الأول هو المسمى بأهل البدع والأهواء دون الثاني.
قلت: وقد صح عن الشافعي ﵁ إطلاق القول بتكفير القائل بخلق القرآن لكن جمهور أصحابه أولوه على كفران النعمة كما قاله النووي وغيره وحكى ابن المنذر عن الشافعي ﵁ أن القدري لا يستتاب ذكره القاضي عياض في (الشفاء) وأما مالك وأحمد فقد نقل عنهما ما يوهم الخلاف في ذلك، وقال ابن العربي: من أعظم أصول الإيمان القدر فمن أنكره فقد كفر نص عليه مالك ﵀ فإنه سئل عن نكاح القدرية فقال: قد قال الله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ وقال القاضي عياض: أكثر قول مالك وأصحابه ترك القول بتكفيرهم لكن يؤدبون ويستتابون وأما أحمد فنقل عنه القاضي عياض تكفيرهم وقال: إن عليه أكثر السلف ونقل عنه تكفير تارك الصلاة وإن اعتقد وجوبها، واحتج بعضهم على عدم التكفير بقوله صلى الله عليه
стр. 1754
وسلم: ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما)) ولأنا لو كفرناه كفرنا بعض أصحابنا في نفي البقاء ونحوه، ولأن الكفر عبارة عن إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول ﷺ وليس المراد بالضرورة: ضرورة العقل بل إنه لشهرته والاتفاق عليه كالضروري كالصلاة والزكاة، وعلى هذا فلا نكفر أحدا من أهل القبلة، لأن كونهم جاحدين لما جاء به الرسول ﷺ غير معلوم بالضرورة بل بالنظر أي لم يشتهر اشتهارا يصير به كالضروري. ولم يتفق عليه وهذا تحقيق جيد بين على تفسير المتكلمين الإيمان بما علم أنه من دين سيدنا محمد ﷺ بالضرورة فسبق تقريره وقد قال القاضي في كتابه المسمى (بإكفار المتأولين) أما مسائل الوعد والوعيد والرؤية وخلق الأفعال وبقاء الأعراض والتولد وشبهها (١٠٩/ك) من الدقائق فالمنع، من إكفار المتأولين فيها أوضح، إذ ليس في الجهل بشيء من ذلك جهل بالله تعالى ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل منها شيئا، وقد نقله عنه القاضي عياض وغيره.
стр. 1755
قلت: ولعل هذا مأخذ الشيخ عز الدين في فتياه أنه لا يكفر مثبت الجهة قال: ولا مبالاة بمن كفرهم لمزاحمته لما عليه الناس، وحمل بعضهم كلام القاضي السابق فيمن جهل شيئا منها، أما من قال بجملته وكان علمه به على خلاف ما هو عليه أهل السنة فجهله هذا جهل مركب فهو أشد من جهله بسيطا، وأطلق الآمدي في التكفير حكاية قولين ثم قال: والحق التفصيل وهو إن كان من البدع المضللة والأقوال الممكنة يرجع إلى اعتقاد وجود غير الله تعالى وحلوله في بعض الأشخاص كالنسبة لبعض غلاة الشيعة، أو إلى إنكار الرسالة أو إلى استباحة المحرمات فلا نعرف خلافا بين المسلمين في التكفير به وأما ما عدا ذلك من المقالات المختلفة فلا يمتنع أن يكون معتقدها مبتدعا غير كافر وذلك لأنه لو توقف الإيمان على أمر غير التصديق بالله تعالى ورسوله وما جاء به من معرفة المسائل المختلف فيها في أصول الديانات كما عددناه لكان الواجب على النبي ﷺ أن يطالب الخلق بمعرفته كالشهادتين، ولم ينقل ذلك وجرى عليه الصحابة والتابعون فالجهل به لا يكون كفرا انتهى. والأول يخرج بقول المصنف: عن أهل القبلة فإن صاحب هذه المقالات ليس منها، لكن حصره التكفير فيما ذكره ممنوع، بل من أنكر ما يعلم مجيء الرسول به ضرورة في الحشر والعلم بالجزئيات وحدوث العالم ونحوه، لا شك في تكفيره واعلم أنه وقع في كلام الطحاوي زيادة مذهب في هذه العقيدة واستغنى المصنف عنه بأنه إن لم يكن بذنب لم يقع كلام في التكفير.
стр. 1756
فرع: من لم نكفره من أهل الأهواء والبدع لا نقطع بخلوده في النار وهل نقطع بدخوله إياها فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين في باب إمامة المرأة من تعليقه. وقال المتولي: هناك: ظاهر المذهب أنه لا يقطع به، وعليه يدل كلام الشافعي ﵁.
ص: ولا يجوز الخروج على السلطان.
ش: هذا الإطلاق يشمل ما إذا كان عادلا ولا خلاف فيه، وأما إذا كان جائرا وهو المشهور في الأصول ونقلوا عن المعتزلة تجويزه بناء على أن الإمام ينعزل بالظلم والفسق، ونقل صاحب (البيان) من أصحابنا في باب قتال أهل البغي أن لا ينعزل بالجور، وسواء كان الخارج عليه عادلا أو خارجا لأن الخروج عليه جور وهو ظاهر نص الشافعي ﵁ في البويطي، لكن كلام الرافعي يقتضي
стр. 1757
تخصيص المنع بالعادل ويشهد له قوله ﷺ : ((إن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم لكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا)) رواه مسلم في كتاب الحج (١١١/ك) عن أم الحصين وهو مقيد للمطلقات وقال أبو القاسم الأنصاري في باب الأمر بالمعروف في شرحه للإرشاد: إذا جار والي الوقت وظهر ظلمه وغصبه للمال فهل يجوز منعه من ذلك؟ فإن كان ممن ثبتت ولايته وانعقدت إمامته ففي خلفه وانخلاعه كلام يأتي في باب الإمامة، وإن كان متغلبا فقد صار بعض الفقهاء والمحدثين إلى أنه لا يجوز للرعية منابذته، قال الإمام: وعندي أن المتغلب وإن كثرت عدته فسبيله فيما يفعله من الجور والظلم سبيل البغاة في الأرض بالفساد وقطاع الطريق يجوز منابذته ودفعه بأقصى المجهود كما يجوز في كل متلصص ونحوه، قال القاضي: والذي عليه أكثر أصحاب الحديث: الانقياد والطاعة لكل إمام عادل أو جائر وإن فعل المنكر وعطل الحدود، قال: وتمسكوا في ذلك بأخبار وآيات قال القاضي: والظاهر أنها في منع الخروج على من تثبت إمامته، فأما المتغلب فيجب الإنكار عليه.
ص: ونعتقد أن عذاب القبر وسؤال الملكين والحشر والصراط والميزان حق.
ش: أما عذاب القبر فأجمع سلف الأمة أن الميت يحيا فيعذب في قبره وهو من لوازم القول ببقاء النفس بعد البدن وقد قال تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوا
стр. 1758
وعشيا﴾ أي في البرزخ بدليل قوله بعده: ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ وقال تعالى في المنافقين: ﴿سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ وفي (صحيح مسلم) عن النبي ﷺ قال الله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ نزلت في عذاب القبر وفيه: ((قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريبا من فتنة الدجال)) وتواترت الأحاديث واستعاذ النبي ﷺ منه، والمسألة سمعية فوجب الإيمان به، وأنكره أكثر المعتزلة، بناء على أن شرط الحياة البنية ولما انقضت البنية لم يكن حيا، والميت لا يعذب.
стр. 1759
وعارضهم أصحابنا بأن: هذا استبعاد ومنعوا كون البنية شرطا في الحياة لجواز أن يخلق الله الحياة في جزء منفرد كما يجوز أن يجعلها في بنية، على أن عبد الجبار في الطبقات أنكر هذا عن المعتزلة وقال إنما أنكره ضرار بن عمرو ولما كان من أصحاب واصل نسب للمعتزلة وإنما ينكرون تعذيبهم وهم موتى وقال بعضهم: لا خلاف في أن الإيمان به ركن من أركان العقد الديني الذي لا يصح إلا به، والمعتزلة وإن خالفوا فيه فليس خلافهم فيما قررناه، وإنما المفهوم من مذهبهم استبعاد تعجيل جزاء قبل يوم القيامة، ولم يبلغ السمع عندهم مبلغ العلم وقام عند غيرهم ذلك، ولعذاب القبر ببعض المعاصي خصوصية، وهي: البول ولهذا ورد فيه: ((تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)) وكذلك (النميمة
стр. 1760
والغيبة) حتى قيل: إن عذاب القبر في هذه الثلاثة، وأما الكيفية فقال الحليمي: إن عذاب القبر يكون بعد إحياء الميت بجملته لقوله تعالى: ﴿أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين﴾ فإن (١٩١/ز) مراده بإحدى الإماتتين ما في الدنيا وبالثانية ما في القبر بعد الإحياء فيه، وهو أحد الإحياءين، والثاني يوم القيامة، وقيل: بالإحياء في القبر لأقل جزء يحتمل الحياة فيه والعقل لا إلى جميعه، ونقل عن ابن جرير الطبري قال الحليمي: فإن صح فلا جزء أولى به من القلب الذي كان ينبوع الحياة ومحل العقل.
قلت: وهو اختيار إمام الحرمين فقال: الظاهر سؤال آخر يعلمه الله تعالى من القلب أو غيره وقيل: الروح تعذب لا غير، وقيل: تتألم كما يتألم النائم والحق
стр. 1761
أن الميت يحيا في القبر للأحاديث الصحيحة في عود روحه إلى جسده، وأن الملكين يأتيانه فيقعدانه.
وقول الملحد: إنا نراقب الميت أياما لا نشاهد فيه شيئا يدل على الحياة ولا التعذيب فالجواب: أن عدم الشهود لا يدل على عدم الوجود كما حجبنا على الملائكة والجن وليس بأعجب من استخراج الله تعالى الذر مع خطابهم وجوابهم وكان جبريل ﵇ يأتي النبي ﷺ وينزل عليه بالوحي بمحضر من الصحابة وهو ﷺ عليه وسلم يراه ويخاطبه وهم لا يشاهدونه إلى غير ذلك من الأحوال الخارقة، ومن أنكر خارقا ورد عليه سائر الخوارق، على أن الواجب في هذه المسألة أن يقتصر على الإيمان بما صح من عذاب القبر ووقوعه، وأما الكيفية فلم يصح فيها شيء غير عود روحه في جسده، رواه أبو داود من حديث البراء بن
стр. 1762
عازب وصححه أبو عوانة وابن مندة والبيهقي والحاكم وغيرهم وأما سؤال الملكين فهو حق وورد الخبر به في الصحيحين عن أنس قال نبي الله ﷺ : ((إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه يسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا، قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله.
قال: فيقال له: انظر مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة)) قال نبي الله ﷺ : ((فيراهما جميعا، وأما المنافق والكافر فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس عنه - فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين)) وفي رواية الترمذي ((يقال لأحدهما: المنكر والآخر النكير)) وقال: حسن غريب وقال إمام تاج
стр. 1763
الدين بن يونس: منكر ونكير للمذنب لإنكارهما، وأما المطيع فملكاه مبشر وبشير، وأنكر بعض المعتزلة وجودهما وقالوا: لا يجوز تسمية الملائكة بمنكر ونكير، وأنكروا دخولهما القبر للعادة، فإنه مسدود، قال أصحابنا: لا ينكر دخولهما من تحت الأرض ويكون الله قد وسع لهما وقد علمنا أن الملائكة ليسوا (١١٢/ك) على كثافة بني آدم وأنهم لسلطانهم متمكنون من دخولهم الأماكن على غير الوجه الذي نقدر نحن عليه، وقد ورد: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)) قال الحليمي: والذي يشبه أن يكون ملائكة السؤال جماعة كثيرين يسمى بعضهم منكرا وبعضهم نكيرا فيبعث إلى كل ميت اثنان منهم كما كان الموكل عليه لكتابة عمله ملكين، ويشهد له رواية النسائي: ((منكر ونكير وأنكر وناكور وسيدهم دومان)).
стр. 1764
واعلم أن المساءلة لم ترد إلا للمدفون، والظاهر أن الخطاب وقع بحسب الغالب وإنما المسألة تقع للحريق والغريق ومن أكله السباع، وكيف مات على اختلاف الأحوال ابتلاء من الله تعالى لعباده، وهو من جملة منازل الآخرة ومرافقها ولا يستثنى من ذلك إلا الشهيد وقد ثبت في (صحيح مسلم) أنه ﷺ سئل عن ذلك فقال: ((كفى ببارقة السيوف شاهدا)) وأما الحشر فذكر أبو الخير الطالقاني في العروة الوثقى أنه عبارة عن معنيين:
أحدهما: إحياء الله تعالى الخلق بعد الإماتة والجمع بعد التفريق وذلك واقع لا
стр. 1765
محالة، قال تعالى: ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا﴾
والثاني: إيجاد وإعادة بعد العدم والفناء وكلا المعنيين للحشر جائزان من الله والعقل يجوزهما جميعا، والسمع لم يرد قطعا بأحدهما، ولعل الغالب على ما دل عليه السمع ظاهرا: أن الحشر الواقع هو الإحياء بعد الإماتة والجمع بعد التفريق.
قلت: يريد بالثاني ابتداء من غير جمع ما قد تفرق ويشهد لما قال من ورود السمع حديث المسرف على نفسه لما أوصى بأن يحرق ويذر نصفه في البحر ونصفه في البر، فأمر الله تعالى البحر فجمع ما فيه وفي رواية ((فقال للأرض: أدي ما أخذت)) وفي رواية ((قال الله لكل من أخذ منه شيئا: رد ما أخذت منه، وقال: كن فإذا رجل قائم)) رواه الشيخان واللفظ الأول لمسلم قال: وأما النشر فهو عبارة عن بعث الله الخلق من القبور وجمعهم جميعا في عرصة القيامة، والحشر والنشر لهذه الأجساد حق خلافا للفلاسفة حيث أحالوا حشر الأجساد وردوها إلى حشر الأرواح، والنصوص في القرآن والسنة متواترة على حشر الأجساد. انتهى.
وأما الصراط فوردت فيه الأخبار الصحيحة واستفاضت وهو محمول على
стр. 1766
ظاهره بغير تأويل والله أعلم بحقيقته، وفي الصحيحين ((أنه جسر يضرب على ظهراني جهنم تمر عليه جميع الخلائق وهم في جوازه متفاوتون)) قالوا: ومن الحكمة فيه أن يظهر للمؤمن من عظم فضل الله النجاة من النار وتصير الجنة بعد أسر لقلوبهم، ولتحسر الكفار بفوز المؤمنين بعد اشتراكهم في الورود، ولم يحكوا فيه الخلاف فيه النار هل هو مخلوق الآن أم فيما بعد، وجوز القاضي عياض أن الله يحدثه حينئذ، وأن يكون مخلوقا الآن كجهنم، وقال الحليمي: لم يثبت أنه يبقى إلى خروج الموحدين من النار ليجوزوا عليه إلى الجنة أو يزال ثم يعاد لهم أو لا يعاد، أو تصعد به الملائكة إلى السور الذي في الأعراف، وفي بعض الروايات ((إنه أدق من الشعر وأحد من السيف)) فإن ثبت فهي محمولة على ظاهرها لمنافاته الحديث الآخر من قيام الملائكة على سلمه وكون الكلاليب والحسك فيه وإعطاء المار إليه من النور قدر موضع قدميه للدلالة على أن المار من مواطئ الأقدام ومعلوم أن دقة
стр. 1767
الشعر لا يحتمل ذلك فيجوز أن تؤول أدق من الشعر، فإن يسر الجواز عليه وعسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله وقد جرت العادة بضرب دقة الشعر مثلا للغامض الخفي، وضرب حد السيف لإسراع الملائكة إلى المضي لامتثال أمر الله في إجازة الناس عليه، وقال البيهقي: هذا اللفظ لم أجده في الروايات الصحيحة وإنما يروى عن بعض الصحابة.
قلت: في (صحيح مسلم) عن أبي سعيد الخدري: ((بلغني أنه أدق من الشعر وأحد من السيف)) قال الحليمي: وزعم بعض العلماء أن الكفار لا يمرون على الصراط لأنهم للنار وهي في الأرض وهم فيها.
وأما الميزان فهو حق والمراد به نصب الميزان ذا كفتين ولسان ويوزن فيه الأعمال والكتاب والسنة واردان به، والأعمال وإن كانت أعراضا لا تقبل الوزن، فالوزن للصحف التي للأعمال مكتوبة فيها، أو الأعراض نفسها توزن على ما
стр. 1768
سبق ومقصود الموازنة: تعريف العباد مقادير أعمالهم إذ لو أدخلهم الدارين قبل الموازنة ربما ظن المطيع أن نيله لدرجات الجنة عن الاستحقاق، وتوهم المعذب أن عذابه فوق دينه، فتوزن أعمالهم ليتفقوا على مقادير أجزائها فيعلم الصالح أن ما ناله من الدرجات بفضل الله لا بمجرد عمله، وليتيقن المجرم أن ما ناله من العذاب دون ما ارتكب من الحرام، وأن الله لا يظلمه والمعتزلة أنكرت ذلك.
ص: والجنة والنار مخلوقتان اليوم.
ش: لقوله تعالى: ﴿وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾ وفيه دلالتان:
إحداهما: قوله عرض، لأن المعدوم لا عرض له.
والثاني: أعدت بلفظ الماضي وكذا قوله في النار: ﴿أعدت للكافرين﴾ والمعدوم لا يقال فيه أعد، وفي الصحيحين ((اشتكت النار إلى ربها وقالت: أكل بعضي بعضا، فأذن لها في نفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف)) وقوله ﷺ إنه رأى في الجنة قصرا ذكره لعمر ورأى عمر بن
стр. 1769
لحي: ((يجر قصبه في النار)) وإسكان آدم الجنة وخروجه منها دليل على أنها وجدت وهي ذات الثواب بإجماع أهل السنة فيما حكاه ابن بطال عن بعضهم، وشذ من زعم أنها غيرها، وفي الصحيح من محاجة آدم موسى ﵉ أن موسى قال لآدم: أنت أشقيت بنيك وأخرجتهم من الجنة ولم ينازعه آدم) بل احتج بالقضاء والمنكر لها طائفة من المعتزلة كعبد الجبار وأبي (١١٣/ك) هاشم لأن إيجادها قبل الحاجة إليها عبث.
стр. 1770
وأجيب بالمنع بل في ذلك ترغيب وترهيب، وقد ثبت بقواطع الشرع أن الله عجل بعض بني آدم إلى الجنة كالشهداء، وببعض عصاتهم إلى النار كآل فرعون، وأجمع المسلمون على ذلك قبل ظهور هؤلاء المبتدعة، قال ابن القشيري: وأما أين محلها؟ فذلك ما يعلمه الله ويحتمل أنهما فوق السماوات إذ الجنة في عالم علوي والنار في عالم سفلي.
قلت: روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان، من طريق عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن جهنم محيطة بالدنيا وإن الجنة من ورائهما)) فلذلك كان الصراط على جهنم طريقا إلى الجنة لكن حديث الإسراء يدل على أن الجنة في السماء السابعة ومما يجب اعتقاده أن كل ما ورد من نعيم أهل الجنة من الحور العين والقصور والولدان والغلمان
стр. 1771
والأنهار والأشجار، وقص جميع ذلك على ما ورد (أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام) فاعلم أن ذلك حق وهناك أعظم مما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإنما أخبرت بيسير من كثير على قدر فهمك وخيالك وضيق وعائك، لأنك ما دمت في هذا العالم مقيدا بعقال العقل الذي لا يقبل الشيء إلا بالبرهان، ومن اعتمد ذلك هلك فالعقل تابع والشرع متبوع.
ص: ويجب على الناس نصب إمام ولو مفضولا.
ش: أما وجوب نصبه فهو قول أهل الحق وإلا لفسد نظام الناس، وقد أجمع الصحابة عليه بعد وفاة النبي ﷺ وعندنا يجب شرعا، وقالت المعتزلة: عقلا، وذهبت الخوارج إلى أنه لا يجب ومنهم من فصل فقال: يجب عند ظهور الفتن دون وقت الأمن، وعكس آخرون وأشار المصنف بقوله:
стр. 1772
(على الناس) إلى وجوبه على الخلق خلافا للإمامية حيث قالوا: واجب على الله وأشار بقوله: (ولو مفضولا) إلى انعاقد إمامة المفضول وهو الصحيح عند جمهور الأصحاب، ومنهم ابن خزيمة وذهب الأشعري في جماعة من قدماء أصحابه إلى المنع وإن اجتمعت فيه الشرائط إذا وجد أفضل منه فيها، وأنه إن عقدوا له الإمامة لم تنعقد نعم يكون ملكا لا إماما فتمضي أحكامه، وهذا يدل على أن المسألة عندهم اجتهادية، لأنها لو كانت قطعية لوجب القول بتعصية العاقدين وبه
стр. 1773
صرح الإمام في (الإرشاد).
ص: ولا يجب على الرب سبحانه شيء.
ش: لأنه لوجب= عليه لكان لموجب ولا حاكم غير الله، ولا يجوز أن يكون بإيجابه على نفسه لأنه في حقه غير معقول، وأما نحو قوله تعالى: ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾ ﴿حقا علينا نصر المؤمنين﴾ ونحو ((ما حق العباد على الله)) فليس مما نحن فيه، لأنه مما يقتضي رحمته إحسانا وتفضلا لا إيجابا والتزاما والمعتزلة أوجبوا على الله أمورا:
منها: اللطف، وهو فعل ما يقرب العبد إلى الطاعة، ومنها: الثواب على الطاعة جزاء للعمل، ومنها: العقاب على الكبائر قبل التوبة، ومنها: فعل الأصلح لعباده في الدنيا، قال أصحابنا: ومن زعم ذلك بطل قوله بنفسين أمات أحدهما مؤمنا وأمات الآخر بالغا كافرا مع علمه أنه إن بلغ كان كافرا، أو نفسين أمات أحدهما مؤمنا وأبقى الآخر سنة أخرى حتى كفر مع علمه بأنه يكفر.
стр. 1774
ص: المعاد الجسماني بعد الإعدام حق.
ش: وقد أخبر به جميع الرسل، وزعم بعض الفلاسفة أنه لم يخبر به إلا محمد وعيسى، ويرد عليهم قوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا﴾ وإخبار الله به عن مؤمن آل فرعون بقوله: ﴿إني أخاف عليكم يوم التناد﴾ وقال تعالى: ﴿قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ والقرآن مملوء منه، ولقد أحسن الرازي في الأربعين إذ قال الجمع بين إنكار الجسماني وبأن القرآن حق: متعذر، فإن نصوص الكتاب والسنة تواترت به تواترا لا يقبل التشكيك. انتهى، وقد قدر الله براهين المعاد بضروب:
أحدها: قياس الإعادة على الابتداء ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾.
ثانيها: قياس الإعادة على خلق السماوات والأرض بطريق أولى نحو: ﴿أو ليس
стр. 1775
الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ ﴿على أن يحيي الموتى﴾ ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ ﴿أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها﴾
ثالثها: قياس الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات وهو في كل موضع ذكر فيه إنزال المطر غالبا نحو: ﴿ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون﴾
رابعها: قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر وقد ورد أن أبي بن خلف جاء بعظام بالية ففتها وذرها في الهواء وقال: يا محمد، من يحيي العظام وهي رميم؟، فأنزل الله تعالى: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾ فعلم سبحانه كيفية الاستدلال بدليل النشأة الأخرى إلى الأولى، والجمع بينهما بعلة الحدوث، ثم زاد في الحجاج بقوله: ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا﴾ وهذا في غاية البيان في رد الشيء إلى نظيره والجمع بينهما من حيث تبديل الأعراض عليهما، وهذا تنبيه على الاستدلال بالعقل المحض، والقول
стр. 1776
بالمعاد من لوازم القول ببقاء النفس بعد الموت حتى ترد إلى بدنها في الوقت المؤقت لها عند الله تعالى، وعود النفس إليه يسمى معاداً حقيقياً كالذي يسافر عن وطنه ثم يعود إليه إذ الإعادة عود على بدء، ولو قدر عدم النفس لكان ذلك إعادة للمثل لا لعين الشيء إذ العدم نفي محض.
واعلم أن الناس في المعاد على أقوال: منهم: من أثبت المعاد الجسماني والروحاني (١١٤/ك) وهم المسلمون: ومنهم: من أثبت الروحاني دون الجسماني وهم الفلاسفة وطائفة من النصارى، ومنهم: من أنكرهما جميعا وهم الدهرية والملحدة قالوا: ﴿ما يهلكنا إلا الدهر﴾ فهو باق بعدنا ولا رجعة لنا وتوقف جالينوس في هذه المذاهب.
أما المعاد الجسماني دون الروحاني فلا نعلم قائلا به لاستحالته وإن وقع في كلام الرازي في الأربعين أن طائفة ذهبوا إليه لكن لم أتعقله لا يقال ينبغي للمصنف أن يقول: لا جسماني والروحاني، لأنا نقول قوله بعد الإعدام صريح في إرادته، والمثبتون له اختلفوا في معناه، فالصحيح وعليه الأكثر أن الله تعالى يعدم الذوات بالكلية ثم يعيدها، وقيل: يفرق أجزاءه= الأصلية ثم يركبها مرة أخرى، وقال
стр. 1777
الآمدي: الحق إمكان كل من الأمرين والسمع لم يوجب أحدهما بالتعيين.
قلت: قد سبق حديث الذي أوصى بإحراقه فاستحضره هنا، واختلفوا في إعادة الأعراض فمنهم من منع منها، لئلا يلزم قيام العرض بالعرض، والأكثرون وإليه ميل الأشعري في جواز إعادتها مطلقا، والقول به ينفع أهل السنة في إثبات وزن الأعمال، ويغنيهم عن حمله على وزن الصحائف أو الأعمال ثم اختلفوا هل يجوز إعادتها في غير محالها؟ والكثيرون نعم، وذهب الفلاسفة إلى امتناع إعادة ما عدم عقلا، وأما الوقوع فمنعته الفلاسفة، وذهب المسلمون إلى وجوبه، ثم منهم من قال يجب عقلا وهم المعتزلة بناء على وجوب الإثابة والعقاب، والأشاعرة سمعا وكفروا الفلاسفة في إنكاره، قال بعضهم: من العجب أن الكفار الذين جاهدهم النبي ﷺ وقاتلهم وقتلهم ولم يقرهم بالجزية، لم يكن سبب كفرهم إلا جحودهم ما علم به مجيئه من إنكار حشر الأجساد، وهذه الفرقة الخبيثة المتفلسفة قالوا بذلك، وزادوا عليه بقدم العالم وعدم علمه بالجزئيات، وكذبوا جميع الأنبياء ثم تستروا بالإسلام، والناس غافلون عن ثلبهم وقدحهم في الدين، وهنا مسألتان:
إحداهما: جوز جماعة في الأجساد المبعوثة أن تكون على غير هذه، وقال آخرون: إنه خلاف ظاهر القرآن، ولو كانت غيرها فكيف تشهد الأيدي والأرجل على الكفار إلى غير ذلك مما يقتضي أن أجساد الدنيا هي التي تعود.
الثانية: قال العلماء يحشر العبد وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قطع منه عضو يعود إليه في القيامة عليه حتى الختان، قال الحليمي: وسأل سائل عن
стр. 1778
مسلم قطعت يده ثم ارتد ومات على ذلك أيبعث بيده أم بلا يد؟ فإن قلتم يبعث بيده فكيف تلج النار يد لم يذنب بها صاحبها؟ وإن قلتم: بلا يد فقد أجزتم أن لا يبعث بعضه والجواب: أنه يبعث تام الخلق كامل البدن، لأن اليد تابعة للبدن لا حكم لها على الانفراد في طاعة ولا معصية.
ص: ونعتقد أن خير الأمة بعد نبيها محمد ﷺ أبو بكر خليفته، فعمر فعثمان أمراء المؤمنين ﵃ أجمعين.
ش: تضمن أمورا:
أحدها: أن أبا بكر ﵁ أفضل الناس بعد محمد ﷺ وقد نقل الإمام أبو منصور السمعاني وغيره الإجماع عليه، وإنما خالف فيه الروافض بتقديمهم عليا حتى قالوا: إنه أفضل الخلق بعد محمد ﷺ وحكى عن قوم تفضيل العباس ولعلهم قاسوه على الميراث، وقد قال ثور بن يزيد
стр. 1779
عن مكحول عن سعيد بن المسيب أنه قال: (العباس خير هذه الأمة وارث النبي ﷺ وعمه).
قال الذهبي: إسناده صحيح.
قلت: وتأويله يتعين لا سيما قوله وارث النبي، ولا يظن بسعيد أنه يقدم العباس على الشيخين، ومن الدليل عليهم قوله تعالى: ﴿من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ فذكر مراتب أوليائه وبدأ بالأعلى منهم وهم النبيون ثم ثنى بالصديق، ولم يجعل بينهما واسطة، وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر صديقا كما أجمعوا على تسمية نبينا محمد ﷺ وفي البخاري عن محمد بن الحنفية، قال قلت لأبي (أي الناس خير بعد رسول الله
стр. 1780
صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر وأحسن الحافظ في قوله: يكفي في تفضيل الصديق أنه قام مقام رسول الله ﷺ فما نقص عنه، وما قام أحد مقام أبي بكر إلا ونقص عنه.
والثاني: أنه الخليفة بعده ﷺ وفي القرآن إشارات إلى ذلك في مواضع منها: ﴿قل للمخلفين من الأعراب﴾ الآية، فإن أبا بكر هو الذي دعا الأعراب إلى جهاد بني حنيفة، وكانوا أولي بأس شديد ولم يقاتلوا للجزية وإنما قوتلوا ليسلموا، وكان قتالهم بأمر أبي بكر وسلطانه ثم قال: ﴿فإن تطيعوا
стр. 1781
يؤتكم الله أجرا حسنا﴾ فأوجب عليهم الطاعة لأبي بكر ﵁، قال السهيلي: وهي كالنص على خلافته انتهى. ولا خلاف فيه وإنما اختلفوا هل كانت خلافته بالنص أو بإجماع الصحابة؟ فقيل بالنص، فإنه ﵇ استخلفه في الصلاة أيام مرضه، وما عزله فوجب أن يبقى على خلافته وإذا ثبتت خلافته في الصلاة فكذا في سائر الأمور إذ لا قائل بالفرق وهذا ما تمسك به عمر ﵁ في إثبات إمامته فقال: (قدمك رسول الله ﷺ لديننا أفلا نقدمكم= لدنيانا) ولأن الصحابة كانوا يخاطبونه يا خليفة رسول الله وممن قال ذلك الحسن البصري كما حكاه عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب (السياسة والإمامة) فقال ثنا: المبارك بن فضالة.
стр. 1782
ثنا: محمد بن الزبير قال: أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أسأله: أكان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر؟ قال: فسألته، فاستوى جالسا فقال: أي والذي لا إله إلا هو استخلفه، ولهو كان أعلم بالله وأتقى له من أن يتوثب عليها لو لم يأمره، واختاره ابن حزم وابن حبان في صحيحه، واحتج بما في الصحيح عن جبير (١١٥/ك) ابن مطعم قال: (أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه فقالت: إن جئت ولم أجدك - تعني الموت - قال: ((إن لم تجديني فأتي أبا بكر)) قال الشافعي: في هذا الدليل على أنه الخليفة بعد
стр. 1783
رسول الله ﷺ وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت على رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه فقلت وارأساه قال: ((لوددت أن ذلك كان وأنا حي فأصلي عليك وأدفنك)) قالت غيرى: كأني بك ذلك اليوم معرسا ببعض نسائك فقال: ((أنا وارأساه ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) قال البيهقي: أخرجه البخاري عن القاسم عنها ومسلم عن عروة عنها، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ يقول: ((بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن)) قال البيهقي: قال الشافعي: ورؤيا الأنبياء وحي
стр. 1784
وقوله: (في نزعه ضعف) أي لقصر مدته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته، وقوله: (ذنوبا أو ذنوبين) إخبار عن مدته، فإنها كان سنتين وأشهرا وهو شك من الراوي والمراد ذنوبان كما جاء في الرواية الأخرى من غير شك، وذهب آخرون إلى أنها لم تكن بنص بل بإجماعهم واحتجوا بما في مسلم عن عمر
لما طلب منه الاستخلاف قال: (إن أستخلف فقد فعله من هو خير مني (يعني أبا بكر) وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني) يعني رسول الله ﷺ لم ينص على خليفة وهو إجماع أهل السنة وغيرهم، قال القاضي: وخالف في ذلك بكر ابن أخت عبد الواحد فزعم أنه نص على أبي بكر قال:
стр. 1785
وابن الراوندي: نص على العباس، وقالت الشيعة والرافضة نص على علي، قال: وهذه دعاوى باطلة وجسارة على الافتراء ومكابرة للحس، فإن الصحابة أجمعوا على اختيار أبي بكر وعلى تنفيذ عهده إلى عمر وعلى تنفيذ عمر الشورى، ولم يخالف في شيء من هذا أحد، ولم يدع أبو بكر ولا علي ولا العباس وصية في وقت من الأوقات، فمن ادعى خلافه فقد نسب الأمة إلى إجماعها على الخطأ، ولو كان شيء لنقل، انتهى، وما قاله فيما عدا أبا بكر فمسلم، وأما في أبي بكر فمردود وليس هذا قول جميع أهل السنة لما سبق، والحق أن النبي ﷺ لم يستخلف أحدا بالنص عليه، وإنما أشار إلى ذلك ونبه عليه إشارة تقرب في دعوى القطع من النص، وإلى ذلك أشار البيهقي في سننه.
الثالث: أنه يلي أبا بكر في الفضيلة عمر ثم عثمان ثم علي، وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال: (كنا نخير الناس في زمان رسول الله ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان) وهذا في حكم المرفوع عند الأكثرين لإضافته إلى زمن النبي ﷺ ،
стр. 1786
وروى البخاري أيضا عن محمد بن الحنفية قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال عمر.
قال: وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت، قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين) وروى أبو داود والترمذي عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال ذات يوم: ((من رأى منكم رؤيا؟)) فقال رجل أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت أبا بكر، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهة في وجه رسول الله ﷺ وقال: حسن صحيح وظهور الكراهة منه يحتمل لما يظهر من حال هذه الرؤيا من التفضيل بينهم المؤدي إلى البغض، من أحدهم كما كره التفاضل بين الأنبياء، ويحتمل أنه لرفع الميزان قبل أن يعلم الراجح منهم فيكون كقوله في قصة موسى والخضر: (وددنا لو صبر حتى قص علينا من أمرهما) ويحتمل أنه لكونه لم يذكر عليا في هذا الأمر، قال بعضهم: وليس فيه دليل على فضيلة الثلاثة على علي، بل هو مسكوت عنه، ونقل ابن عبد البر
стр. 1787
إجماع أهل السنة على أن أفضل الناس بعد النبوة أبو بكر ثم عمر، ووقف أوائلهم= في عثمان وعلي، قال: فأما اليوم فلا يختلفون أن الترتيب ثم علي، قال: وعليه عامة أهل الحديث من زمن أحمد بن حنبل، وهلم جرا، واختلف في أن التفضيل المذكور قطعي أم لا؟ وهل هو في الظاهر والباطن أم في الظاهر فقط؟ وممن قال بالقطع الأشعري، قال: وهم في الفضل على ترتيبهم في الإمامة، وممن قال بالظن ابن الباقلاني، وقيل: هذا الخلاف إن قلنا: لا يصح إمامة المفضول مع وجود الفاضل، فأما إن صححناها فلا سبيل إلى القطع بتفضيل البعض على البعض.
فرع من سب الشيخين أو الختنين هل يكفر أو يفسق؟ فيه وجهان في باب إمامة المرأة من تعليق القاضي الحسين والختنين بخاء معجمة.
стр. 1788
ص: وبراءة عائشة من كل ما قذفت به.
ش: لأن الله أنزل براءتها في كتابه وشهد بأنها من الطيبات، ولهذا قال صاحب (الكافي) من أصحابنا: لو قذف عائشة كان كافرا بخلاف غيرها من الزوجات، لأن القرآن نزل ببراءتها وعند مالك من سبها قتل، قال القاضي: ولهذا إن الله لما ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح لنفسه فقال: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه﴾ ولما ذكر عائشة فقال: ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك﴾ فسبح نفسه في تنزيه عائشة كما سبح نفسه لتنزيهه.
ص: ونمسك عما جرى بين الصحابة ونرى الكل مأجورين.
ش: هذا قول المحتاطين من أهل السنة، لأن النبي صلى الله عليه (١١٦/ك) وسلم مدحهم وشهد لهم، ومن شهد له النبي ﷺ مقطوع بسلامته في عاقبته، وفي الحديث: ((إياكم وما شجر بين الصحابة فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) وفي الصحيحين في قصة حاطب بن
стр. 1789
أبي بلتعة لما أخبر قريشا ببعض أمر رسول الله ﷺ واعتذاره قال: (لم أفعل ذلك رغبة عن الإسلام، ولكن كنت امرأ ملصقا في قريش فاتخذت عندهم يداً لأحمي قرابتي. فصدقه رسول الله ﷺ وقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : ((إنه شهد بدرا، وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على هل بدر وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) قال بعض الأئمة: كفى بهذا الحديث معظما شأن الصحابة، وكافا كل لسان عن القول، ومانعا كل قلب عن التهمة، وباعثا على ذكر محاسنهم، وأن الحامل لهم على تلك الوقائع إنما هو أمر الدين، وقد قال الشافعي: لولا علي ما عرف حكم الله في الخوارج، وبالغ قوم في التنزيه حتى أنكروا وقوع الفتن بينهم أصلا حتى أنكروا واقعة الجمل
стр. 1790
وصفين هذا مع القطع بتخطئة مقاتلي علي، وكل من خرج على من اتفق على إمامته، لكن التخطئة لا تبلغ إلى حد التفسيق عند القاضي أبي بكر، وقالت الشيعة بالتفسيق، ونسبه الآمدي لأكثر أصحابنا، وقال ابن دقيق العيد في عقيدته: وما نقل فيما شجر بينهم واختلفوا فيه فمنه ما هو باطل وكذب فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحا أولناه على أحسن التأويلات، وطلبنا له أجود المخارج لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما نقل محتمل للتأويل، والمشكوك لا يبطل المعلوم، وقال غيره وقد ذكر الفتن بينهم: وهي بالنسبة إلى فضائلهم كقطرة كدرة في بحر صاف، ونقل عن أحمد ما يقتضي الوقف قال الحليمي:
следующие страницы →