Полный текст (1 929 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الإنسان البشر، والقمح البر، وقوله: (والمعني) إشارة إلى أن القرآن يطلق تارة ويراد به مدلول اللفظ، وهو المعنى القائم بالنفس، وذلك محل نظر المتكلمين وأخرى ويراد به الألفاظ الدالة على ما في النفس، قالَ تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ والمسموع هو العبارات، وهذا محل (٣٧ ب) نظر الأصوليين والفقهاء والنحاة وغيرهم، فقوله: (اللفظ) كالجنس، فيخرج به النفسي، وإنما عبر به دون القول، وإن كانَ القول أخص من اللفظ فإنَّه لا يتناول غير المستعمل ـ لأنَّ القصد هنا التنصيص على أن البحث عن الألفاظ، ولو أتي بالقول لم يفهم ذلك، وقوله: (المنزل) فصل أول، يخرج اللفظ غير المنزل، وقوله: (على مُحَمَّد ﷺ ، فصل ثان، يخرج المنزل على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، و (للإعجاز)،ـ فصل ثالث، يخرج المنزل لا للإعجاز كالأحاديث، كذا قالُوا، وساعدهم قول الحليمي في المنهاج: علوم القرآن توجد في السنة إلا الإعجاز، فإنَّه من خصائص الكتاب، ولهذا جوزوا رواية الحديث بالمعنى، وينبغي أن يكون مرادهم: أن
стр. 212
الأحاديث لم تنزل للإعجاز، أي لقصده، فإنَّها لا تخلو عنه، كيف وهو القائل: ((أوتيت جوامع الكلم)) وبذلك يؤول قول الحليمي، وقوله: (بسورة منه) من تتمة الفصل الثالث، وهو بيان للواقع لا الإخراج، والمعنى فيه: أن الإعجاز واقع بسورة منه، فلو أطلق (المنزل للإعجاز) لأوهم أن الإعجاز بكله، وليس كذلك، ولا ينبغي أن يتوهم أنه فصل رابع يخرج ما نزل للإعجاز، ولكن لا بسورة منه، فإنَّ ذلك لم يوجد، أعني كلاماً نزل للإعجاز على مُحَمَّد ﷺ لا بسورة منه، و (المتعبد
بتلاوته) فصل رابع يخرج منسوخ التلاوة، مثلا، وقوله: (بسورة) يقتضي أنها أقل ما وقع التحدي به، لقوله تعالى: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مثله﴾ لكن قوله تعالى: ﴿فليأتوا بحديث مثله﴾ يقتضي الإعجاز بآية.
стр. 213
ص: (ومنه البسملة في أول كل سورة غير (براءة) على الصحيح).
ش: هي آية من أول الفاتحة بلا خلاف عندَنا، وكذا فيما عداها من باقي السورة سوى (براءة) على أظهر قولي الشافعي، والثاني: ليست من القرآن بالكلية ونسبه بعضهم للأئمة الثلاثة، وهو مقابل الصحيح في كلام المصنف، وعمدتنا ثبوتها في شواذ المصحف أول كل سورة، وأجمع الصحابة على أنه لا يكتب في المصحف ما ليس بقرآن، وأن ما بينَ الدفتين كلام الله تعالى، قاله القاضي الحسين، والغزالي، والنَّوَوِيّ، وغيرهم، وهو أحسن الأدلة، وإذا قلنا بأنها من القرآن، فالمشهور أنها آية كاملة، وفي قول: بعض آية، وحكى ابن الرفعة وجهاً، إن كانَ الحرف الأخير من السورة قبله ياء ممدودة كالبقرة، فالبسملة آية كاملة منها،
стр. 214
وإن لم يكن كـ ﴿اقتربت الساعة﴾ فبعض آية، وعلم من قوله: (أول كل سورة) أنها آية منها، والمخالف فيه أبو بكر الرَّازِيّ، من الحنفية إلى أنها آية مفردة، أنزلت للفصل بينَ السور، حكاه عنه ابن السمعاني في (الاصطلام) وسيأتي عن رواية الرَّبِيع، عن الشافعي ما يقتضيه، نعم ظاهر كلام المصنف يقتضي أنها من القرآن على سبيل القطع كسائر القرآن، وهو وجه مرجوح، حكاه الماوردي والإمام وغيرهما، قالَ الماوردي: والجمهور على أنها آية حكماً لا قطعاً لاختلاف العلماء فيها، ومعنى حكماً: أنه لا تصح الصلاة إلا بها في أول الفاتحة، وضعف الإمام قول من قالَ: إنها قرآن على سبيل القطع، وقالَ: هذه غباوة عظيمة من قائله؛ لأنَّ ادعاء العلم حيث لا قاطع، محال، وصحح النَّوَوِيّ أنها قرآن على سبيل الحكم،
стр. 215
واستدل إلى أنه لا يكفر (٣٨ أ) بالإجماع، ولو كانت على سبيل القطع لكفر، وبنوا على هذا الخلاف أنه هل يقبل في
إثباتها خبر الواحد؟ إن قلنا: آية حكماً فنعم كسائر الأحكام، وإن قلنا: قطعاً، فلا كسائر القرآن، وكان شيخنا بهاء الدين بن عقيل ـ رَحِمَه اللهُ تعالى يقول: الذي يظهر أن إثباتها قرآناً لا يكون إلا بقاطع كغيرها، ويَجُوز كونه خبر الواحد الذي احتفت به القرائن وهو إجماعهم على كتبها في المصاحف كلها بقلم القرآن، وعدم تكفيرنا فيها لكون القطع ناشئاً عن ثبوت الخبر المحتف بالقرائن، وهذا لم يحصل للنافي، على أن العمراني حكى في زوائده عن صاحب (الفروع) أنا إذا قلنا: إنها من الفاتحة قطعاً كفرنا نافيها، وفسقنا تاركها، ولكن المعروف الأول، قالَ ابن السمعاني: وقولهم: لو كانت قرآنا لنقلت بدليل يفيد القطع ـ مردود؛ لأنَّا نريد بكونها من القرآن في رأس كل سورة عملاً لا علماً، ونظيره الحجر هو من البيت بدلائل لا توجب العلم، بل توجب العمل، وهو الطواف عليه، وسائر الكعبة قبلة بدليل مقطوع يوجب العلم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال،
стр. 216
ويرتفع خيال القاضي في قطعه بتخطئة من جعلها من القرآن؛ لأنَّه لا يثبت إلا بقاطع، وهو مفقود لأنَّه بان مراد المثبت بكونها قرآناً، وتزول الشبهة في التكفير من الجانبين، وهو من أجل ما يستفاد في هذا الموضع، ومن الفوائد ما حكاه ابن خالويه في (الطارقيات) عن الرَّبِيع بن سليمان، سمعت الشافعي يقول: أول الحمد بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وأول البقرة الم).
ولهذا وجه حسن، وهو أن البسملة لما ثبتت أولاً في سورة الفاتحة فهي من السور إعادة لها وتكرار، فلا تكون من تلك السورة ضرورة، فلا يقال: هي آية من أول كل سورة، بل هي آية في أول كل سورة.
ص: (لا ما نقل آحاداً على الأصح).
ش: حكاية الخلاف في هذا على الإطلاق لم أره في شيء من كتب الأصول معَ كثرة التتبع، وابن الحاجب وإن أشار إلى الخلاف فيها، حيث أفردها بمسألة، ونصب فيها الأدلة، لكن ظهر أن مقصوده فيها البسملة بخصوصها، وأنها ليست من
стр. 217
القرآن، وأما المصنف فغاير بينهما، وأفهم أن البسملة من القرآن بالتواتر لا بالآحاد، وقد سبق ما فيه، والحق أن ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله لا خلاف في شرط التواتر فيه، وأما بحسب محله ووضعه وترتيبه، فهل يشترط فيه التواتر، أم يكفي فيه نقل الآحاد؟ هذا الذي يليق أن يكون محل الخلاف، ثمَّ رأيت الخلاف مصرحاً به في كتاب (الانتصار) للقاضي أبي بكر، فقال ما نصه: وقالَ قوم من الفقهاء والمتكلمين: يَجُوز إثبات قراءات وقراءة حكماً لا علماً بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره أهل الحق ذلك وامتنعوا منه انتهى، ولا تتخيل من إفراد الأَئِمَّة كتباً في القراءات الشواذ ـ أنها ملحقة عندَهم بالقرآن، بل إنما فعلوا ذلك لفوائد: منها ما يتعلق بعلم العربية، ومنها الاستشهاد بها في تفسير القرآن، وعلى هذا اقتصر ابن عبيد في كتاب فضائل القرآن، فقالَ: القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة (٣٨ ب) المتواترة، وتبين معناها، وذلك كقراءة عَائِشَة ﴿والصلاة
стр. 218
الوسطى﴾ (وصلاة العصر) وقراءة سعد، ﴿وله أخ أو أخت﴾ (من أم) وإذا كانوا يرجعون لأقوال التابعين في التفسير فما ظنك بالصحابة؟
ص: (والسبع المتواترة، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد، والإمالة، وتخفيف الهمزة، قالَ أبو شامة: والألفاظ المختلف فيها بينَ القراء).
ش: أمَّا كون السبع متواترة، فمما أجمع عليه من يعتد به، بشرط صحة إسناده إليهم؛ لأنَّها لو لم تكن متواترة لكان بعض القرآن غير متواتر، واللازم باطل وتشعب بعض المتأخرين، وقالَ: لا شك في تواترها عن الأَئِمَّة السبعة، وأما
стр. 219
بأسانيدهم عن النبيّ ﷺ فهي أخبار آحاد كما يعرف من طرقهم، وجوابه: لعلها كانت متواترة فيما بينهم، واقتصروا على بعض الطرق، ولا يلزم من عدم النقل ألا يكون كذلك، وقوله: (قيل) يشير به إلى ما ذكره ابن الحاجب، وإنما أورده بصيغة التمريض؛ لأنَّه وإن وافقه في استثناء ما ليس من قبيل الأداء، لكن لا يوافق في التمثيل، فإنَّ أصل المد والإمالة متواتر بلا شك، وإنما اختلف القراء في اختياراتهم، فمنهم من رآه طويلاً، ومنهم من رآه قصيراً، ومنهم من بالغ في القصر، فمنهم من تزايد، حمزة وورش بمقدار ست ألفات، وقيل خمس، وقيل أربع، وصححوه، وعن
стр. 220
عاصم: ثلاث، وعن الكِسَائِيّ ألفين ونصف، وعن قالون: ألفين وعن السوسي:
стр. 221
ألف ونصف) وقالَ الداني في التيسير: أطولهم مداً في الضربين جميعاً ـ يعني المتصل والمنفصل ـ ورش وحمزة، ودونهما عاصم ودونه ابن عامر والكِسَائِيّ ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق فهذه الأمارات والطرق في كيفية التلفظ بالمد ليست متواترة، ولهذا كره أحمد ﵁ قراءة حمزة لما
стр. 222
فيها من طول المد وغيره، ولو كانت متواترة لما كره.
وأما الإمالة فقسمان: محضة، وهي أن ينحو بالألف إلى الياء، وبالفتحة إلى الكسرة، وبين بين، وهي كذلك إلا أن الألف والفتحة أقرب، وهي أصعب الإمالتين، وهي المختارة عندَ الأَئِمَّة، فلا شك في تواتر الإمالة، وإنما اختلفوا في كيفيتها مبالغة وقصداً، فهذا هو الذي لا تواتر فيه، وكذلك تخفيف الهمز، أصله متواتر، وإنما الخلاف في كيفيته، وأما الألفاظ المختلف فيها بينَ القراء، فهي ألفاظ قراءة واحدة، والمراد تنوع القراء في أدائها، ولذلك، قالَ: وألفاظ القراء: ولم يقل: القراءات، ومثاله: أن منهم من يرى المبالغة في تشديد الحرف المشدد، فكأنه زاد حرفاً، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يرى الحالة الوسطى فهذا الذي ادعى أبو شامة عدم تواتره وتوقف فيه المصنف، وقالَ: الظاهر تواترها، فإنَّ اختلافهم ليس
стр. 223
إلا في الاختيار، ولا يمنع قوم قوماً، فقول ابن الحاجب: فيما ليس من قبيل الأداء ـ لو اقتصر عليه لأمكن حمله على ادعاء التواتر في المد والإمالة بالمعنى السابق، لكنه لما مثل بهما دل على أن مراده أصل المد والإمالة، فلا يمكن رده إلى ما قررناه إلا بتأويل، بأن يقال: المراد بالمد كيفية (٣٩ أ) المد، وكذلك الإمالة، لكنه يعكر عليه قراءته بتخفيف الهمز.
ص: (ولا تجوز القراءة بالشاذ).
ش: حكى ابن عبد البر فيه الإجماع قالَ النَّوَوِيّ في (شرح المهذب): لا
стр. 224
في الصلاة ولا في غيرها، لكن عبارة الرافعي: يسوغ القراءة بالسبع، وكذا القراءة بالشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيارة حرف ولا نقصانه، وكلام النَّوَوِيّ في (شرح المهذب) يفهمه أن الرافعي لم يتكلم إلا في الصحة لا في الجواز.
ص: (والصحيح أنه ما وراء العشرة، وفاقاً للبغوي والشيخ الإمام، وقيل: ما وراء السبعة).
ش: السبعة معروفة، والمراد بالثلاثة الزائدة: قراءة يعقوب وخلف
стр. 225
وأبي جعفر يزيد بن القعقاع وهذه لا تخالف رسم السبع فمن الناس من عدها من الشواذ، ورجح المصنف التحاقها بالسبع، قالَ: والقول بأنها غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين، وما حكاه عن البغوي فالذي رأيته في أول تفسيره، التعرض لاثنين، فقالَ: وقد ذكر الأَئِمَّة السبعة، ثمَّ زاد، وأبو جعفر ويعقوب، ثمَّ قالَ: فذكرت قراءة هؤلاء للاتفاق على جواز القراءة
стр. 226
بها، هذا لفظه، نعم، قالَ الشيخ أثير الدين أبو حيان وكان من أئمة هذا الشأن: لا نعلم أحداً من المسلمين حظر القراءة بالثلاثة الزائدة على السبع، بل قرئ بها في سائر الأمصار.
ص: (أما إجراؤه مجرى الآحاد، فهو الصحيح).
ش: ضمير (إجراؤه) يرجع إلى الشاذ، والمراد بإجرائه مجرى الآحاد، في الاحتجاج به؛ لأنَّه بطل خصوص كونه قرآناً، لفقد شرطه وهو التواتر فبقي عموم كونه خبراً، كذا وجهوه، وهو يقتضي أن الخلاف فيما إذا صرح برفعه إلى النبيّ ﷺ ، لكن الشافعي أطلق في (البويطي) الاحتجاج بالقراءة الشاذة، وتابعه جمهور الأصحاب، ولهذا احتجوا في إيجاب قطع اليمين من السارق بقراءة ابن مَسْعُودٍ
стр. 227
(فاقطعوا أيمانهما) ومقابل الصحيح قوله: إنه ليس بحجة، واختاره ابن الحاجب، وأغرب إمام الحرمين في (البرهان) فعزاه للشافعي، مستنبطاً له من عدم إيجابه التتابع في صوم كفارة اليمين، معَ علمه بقراءة ابن مَسْعُودٍ، وهذا لا يدل، فإنَّ الشافعي في الجديد أجراها مجرى التأويل، ولم يثبت عندَه أنه قالَ على أنه قرآن، نعم، ذكر الماوردي في تفسيره أن الشافعي إنما أوجب التتابع في أحد قوليه، لأجل قراءة ابن
стр. 228
مَسْعُودٍ، فإنَّ صح ذلك كانَ في المسألة قولان.
ص: (ولا يَجُوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة خلافاً للحشوية).
ش: فإنَّهم قالُوا: يَجُوز ذلك، بل هو واقع مثل ﴿كهيعص﴾ ونحوها من الحروف المتقطعة أوائل السور، ومثل: ﴿كأنه رؤوس الشياطين﴾ والصحيح أن ذلك ممتنع، إذ اللفظ بلا معنى له، هذيان لا يليق بعاقل، فكيف الباري وأما هذه الحروف فالصحيح أنها أسماء للسور، وأما (رؤوس الشياطين) فإنَّ العرب عادتها ضرب الأمثال بما يتخيلونه قبيحاً ومستهجناً، وحكى ابن برهان في (الوجيز) القولين، ثمَّ قالَ: والحق التفصيل بينَ الخطاب الذي يتعلق به تكليف، فلا يَجُوز أن يكون (٣٩ ب) غير مفهوم المعنى، وما لا يتعلق به تكليف فيَجُوز، فتحصل ثلاثة مذاهب.
تنبيهات: الأول: إلحاق الحديث ذكره صاحب (المحصول) وقالَ الأصفهاني في شرحه: لم أره لغيره.
стр. 229
الثاني: أن خلاف الحشوية فيما له معنى لكن لم نفهمه، كالحروف المقطعة وآيات الصفات، وقالوا: لا طريق لدركها أصلاً؛ لأنَّ موجب العقل فيه خالف موجب السمع، ولا يمكن رد إحداهما فأشبه الأمر حتى سقط طلب المراد منه، أمَّا ما لا معنى له أصلاً فاتفاق العقلاء، لا يَجُوز وروده في كلام الله نعم، كلام صاحب العهد يفهم أن الخلاف في أنه هل يَجُوز أن يتكلم الله بشيءٍ ولا يعني به شيئاً؟ وهو بعيد.
الثالث: كثر على الألسن فتح الشين من الحشوية، قالَ ابن الصَّلاَحِ: وهو غلط، وإنما هي بالإسكان، وجوز غيره الفتح؛ لأنَّهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصري في حلقته فلما أنكر خلافهم قالَ: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أي: إلى جانبها.
ص: (ولا ما يعنى به غير ظاهره إلا بدليل، خلافاً للمرجئة).
ش: قالَ المرجئة: يَجُوز أن يكون في كلام الله ما المراد به غير ظاهره من غير بيان، والصحيح أن ذلك لا يَجُوز؛ لأنَّ اللفظ بالنسبة إلى غير ظاهره لا يدل عليه
стр. 230
فهو كالمهمل، واحترز (بالدليل) عن جواز ورود العموم وتأخير الخصوص ونحوه ولو قالَ: (فيهما) لكان أدل على مراده في الكتاب والسنة، وقد قالَ الشافعي في (الرسالة) وكلام رسول الله ﷺ على ظاهره.
ص: (وفي بقاء المجمل غير مبين، ثالثها: الأصح لا يبقى المكلف بمعرفته).
ش: اختلفوا هل في القرآن مجمل لا يعرف معناه بعد وفاة النبيّ ﷺ فمنعه بعضهم؛ لأنَّ الله تعالى أكمل الدين، وقالَ آخرون بإمكانه، وفصل إمام الحرمين، فجوزه فيما لا تكليف فيه، ومنعه فيما فيه التكليف خوفاً من تكليف ما لا يطاق، والظاهر أن هذا تنقيح للقول الثاني لا مذهب ثالث مفصل.
ص: (والحق أن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بانضمام تواتر أو غيره).
ش: الأدلة النقلية هل تفيد اليقين؟ فيه مذاهب، أحدها تفيده مطلقاً ونقله الآمدي في (الأبكار) عن الحشوية قالَ: حتى بالغوا وقالوا: لا يعلم شيء بغير الكتاب والسنة، والثاني أنها لا تفيده مطلقاً، لتوقف النفس فيها على أمور غير متيقنة، وما توقف على غير اليقين فليس بمتيقن، قالُوا: ولا يحصل اليقين إلا بأمور لا طريق إلى القطع إلا بها أحدها: عصمة رواة مفردات ألفاظها إن نقلت بطريق الآحاد، وإلا فيكفي التواتر، وثانيها: صحة إعرابها وتصريفها: وثالثها: عدم الاشتراك فيها والمجاز، والتخصيص، والإضمار، والتقديم، والتأخير ونحوها مما
стр. 231
يوجب حمل اللفظ على غير المعنى الظاهر منه بانفراده، والاحتمال معَ اليقين متضادان ورابعها: عدم التعارض العقلي، فمتى وجدت هذه الأمور أفاد الدليل اللفظي اليقين، لكن ذلك قلما يوجد، بل ربما يمتنع وجوده، بناء على أنه لا عصمة لغير الشارع، وإن انتفى بعضها لم يفد؛ لأنَّه إن انتفت عصمة الناقل جاز عليه التحريف، وقد وقع كثيراً، وحينئذ فلا يوثق به فلا يفيد الظن (٤٠ أ) فضلاًَ عن اليقين، وإن اختلف الإعراب أو التصريف وقع اللبس لأنَّ الإعراب هو المصحح للمعاني؛ وذلك كاختلاف أهل السنة والشيعة في قَوْلِهِ ﷺ : ((ما تركنا صدقة)) برفع صدقة ونصبها، واختلاف أهل السنة والقدرية في قَوْلِهِ ﵇: ((فحج آدم موسى)) في رفع (آدم) ونصبه، واختلاف الحنفية والشافعية في قَوْلِهِ: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) في رفع (ذكاة) ونصبه، وكتردد نحو: مختار ومنقاد بينَ اسم الفاعل والمفعول، وأما الاشتراك وما بعده فظاهر إخلاله بالوثوق بدلالة اللفظ، وأما المعارض العقلي فيجب عندَهم تقديمه؛ لأنَّ الدليل العقلي إنما ثبت به، فلو قدم النقلي لكان قدحاً في الأصل والفرع، الثالث وهو الحق: أن الدليل اللفظي إن وجدت فيه الأمور الأربعة أفاد اليقين باتفاق، وإن لم يوجد، فقد يقترن
стр. 232
بمحسوس، وهو اختيار
الآمدي في (الأبكار) والإمام في (المحصول) و (الأربعين) فإنَّه حكى أنه لا يفيده، ثمَّ قالَ: وهذا على إطلاقه ليس بصحيح؛ لأنَّه ربما اقترنت بالدلائل النقلية أمور عرف وجودها بالأخبار المتواترة، وتلك الأمور تنفي هذه الاحتمالات، وحينئذ تكون مفيدة اليقين، انتهى، وبه يعلم غلط من نقل عنه اختيار المنع مطلقاً، نعم كلامه في المعالم يقتضيه، وأشار الشيخ نجم الدين الطوفي إلى أن الخلاف لفظي، فإنَّ ما احتجنا فيه إلى اليقين فقد قرر القرآن نواهيه العقلية كأدلة التوحيد والمعاد وغيرهما، وما عدا ذلك فهو عندَنا من الاجتهاديات، والأدلة اللفظية تفي بإثباته، وإن لم تفد اليقين فاندفع عنا إفادة الدليل اللفظي اليقين أم لا؟ والظاهر أن الخلاف معنوي، ومن فوائده: إذا تعارض السمع وما أدركه العقل من أحكام العقائد، فأيهما يقدم؟ وستأتي هذه المسألة في باب الأخبار إن شاء الله تعالى، وقسم بعض المتأخرين تقسيماً حسناً إلى: نقلية، وغير نقلية، فغير النقلية ثلاثة أضرب: ما اتفق على أنه قطعي، وهو الإجماع المُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وما اتفق على أنه ظني كالاستصحاب، وشرع من قبلنا إذا قلنا بحجيتهما وكذلك دلالة الإشارة والتنبيه ومفهوم المخالفة بأنواعه، وما اختلف فيه كالقياس الجلي ومفهوم الموافقة، وأما النقلية ـ والمراد بها الكتاب والسنة ـ فهي على أربعة أضرب: أحدها ما هو قطعي السند والمتن كالآيات الصريحة، والأحاديث المتواترة المجمع على أن المراد بها مدلولاتها.
وثانيها: ما هو ظنيهما، كأخبار الآحاد التي لم يقترن بسندها شيء مما قيل:
стр. 233
إنه يفيد العلم، وليست متونها نصوصاً في مواردها.
وثالثها: قطعي السند ظني المتن، كالآيات العامة والمطلقة التي دخلها التخصيص أو التقييد.
ورابعها: عكسه، كأخبار الآحاد التي متونها نصوص لا تحتمل غير مدلولها، ولم يقترن بسندها شيء مما قيل: إنه يفيد العلم، فهذه الأربعة قطعها وظنها مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ووراءه ضربان: أحدهما: ما اختلف في متنه: قطعي أو ظني، كالعام الذي لم يخص، فإنَّ مذهب الحنفية أن دلالته على أفراده بطريق النصوص فتكون نقلية، وعندنا (٤٠ ب) بطريق الظهور بأنها ما اختلف في سنده، هل يفيد القطع أو الظن؟ كالخبر المحتف بالقرائن، والذي تلقته الأمة بالقبول، واتفقوا على العمل به.
باب المنطوق والمفهوم .
ص: (المنطوق والمفهوم).
ش: لما كانَ الاستدلال بالقرآن لكونه عربياً، يتوقف على معرفة أقسام اللغة ـ شرع في سردها، وهي تنقسم باعتبارات.
فباعتبار المراد من اللفظ إلى: منطوق، ومفهوم.
وباعتبار دلالة اللفظ على الطلب بالذات: إلى أمر ونهي.
وباعتبار دلالته على عوارض مدلوله من كونها محصورة، تنقسم إلى: عام، وخاص، ومطلق ومقيد.
وباعتبار كيفية دلالتها من خفاء وجلاء إلى: مجمل ومبين.
وباعتبار دلالته على ارتفاع الأحكام وبقائها إلى: ناسخ ومنسوخ.
وقد ذكرها المصنف على هذا الترتيب، ولا يخفى ما فيه من المناسبة، فإنَّ معنى
стр. 234
اللفظ سابق على كل شيء، وكما أن النسخ أمر خارجي عن اللفظ، تأخر عن الجميع، وتقديم الأمر على العام تقديم ما بالذات على ما بالعرض، وظهر بهذا أن تأخير ابن الحاجب المنطوق، ليس بمناسب.
ص: (المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق).
ش: أي ما دل عليه بغير واسطة أخرى، كتحريم التأفيف الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ ولهذا خصوه باسم المنطوق؛ لأنَّه فهم من دلالة اللفظ قطعاً، فخرج المفهوم، فإنَّ دلالة اللفظ عليه لا في محل النطق بل في محل السكوت، كتحريم الضرب الذي يدل عليه قوله: ﴿فلا تقل لهما أف﴾.
ص: (وهو نص إن أفاد معنى لا يحتمل
стр. 235
غيره كزيد، ظاهر إن احتمل مرجوحاً كالأسد).
ش: ينقسم المنطوق إلى: نص، وظاهر، فالنص، ما أفاد معنى لا يحتمل غيره، كزيد، لدلالته على الشخص بعينه، وهذا أحسن حدوده، سمي بذلك، لارتفاعه على غيره من الألفاظ في الدلالة، من قولهم: نصت الظبية جيدها إذا رفعته، ومنها منصة العروس، لكن عود الضمير في كلام المصنف إلى المنطوق يقتضي أن مفهوم الموافقة لا يسمى نصاً، وإن قلنا: دلالته لفظية، وليس كذلك، ثمَّ كانَ التقييد حقه: بخطاب واحد، ليخرج المجمل معَ المبين، فإنَّهما وإن أفادا معنى ولا يحتملان غيره لكنهما ليسا بخطاب، فلا يسميان نصاً، واعلم أن النص يطلق بثلاث اعتبارات.
إحداها: مقابل الظاهر، وهو المراد هنا.
والثاني: ما يدل على معنى قطعاً ويحتمل معه غيره، كصيغ العموم، فإنَّ
стр. 236
دلالتها على أصل المعنى قطعية، وعلى الأفراد ظاهرة، كما سيأتي.
والثالث: ما دل على معنى ظاهر، وهو غالب في استعمال الفقهاء، كقولهم: نص الشافعي على كذا، وقولهم: لنا النص والقياس، يريدون بالنص، الكتاب والسنة مطلقاً.
وقوله: (ظاهر إن احتمل مرجوحاً) أي: حد الظاهر: ما أفاد معنى معَ أنه يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً، فقوله: (يفيد معنى) كالجنس يتناول الحقائق
стр. 237
الثلاثة منفردة كانت أو مشتركة، والمجازات الغير الراجحة، وتبقي الحقائق المنفردة والمجازات الراجحة، إذ اللفظ ظاهر بالنسبة إلى المجاز الراجح دون الحقيقة المرجوحة، كالأسد فإنَّ دلالته على الحيوان (٤١ أ) أرجح من دلالته على الرجل الشجاع، والمراد بالظاهر ما يتبادر الذهن إليه إما لكونه حقيقة لا يعارضها مقاوم لها، أو لكونه مجازاً مشتهراً، صارَ حقيقة عرفية، وكذا إن لم يصر عندَ من يرجحه على الحقيقة المهجورة.
ص: (واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى فمركب وإلا فمفرد).
ش: المراد باللفظ الذي هو مورد القسمة، الموضوع لمعنى، واستغنى عنه بقوله: على جزء المعنى، وإنما قدم تعريف المركب على المفرد؛ لأنَّ التقابل بينَهما تقابل العدم والملكة، والأعلام إنما تعرف بملكاتها، والحاصل أن المركب ما دل
стр. 238
جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه، سواء كانَ في تركيبه إسناد كقام زيد، أو تركيب مزج كخمسة عشر أو إضافة كغلام زيد، وقد أورد عليه حيوان ناطق إذا جعل علماً لإنسان، فإنَّه مفرد معَ أن جزءه يدل على جزء معناه، ولهذا زاد فيه بعضهم: حين هو جزء، ومنع آخرون إيراده، فإنَّ التلفظ به حال كونه علماً، لا يقصد شيئاً من جزئيه بقيد الوحدة، بل قصده المجموع، فلا فرق بينه وبين عبد الله، العلم مثلاً، وقوله: (إن دل جزؤه) أي: كل واحد من أجزائه؛ لأنَّ اسم الجنس المضاف يعم، ولا يعد (ز) جزء من زيد قائم، ولا يدل على جزء المعنى؛ لأنَّ المراد بالجزء ما كانَ بغير واسطة، وجزء (ز) لزيد قائم بواسطة كونه خبراً لزيد الذي هو جزء لزيد قائم، فلا يرد نقضاً، والمراد بجزئيه، ما صارَ به اللفظ مركباً كزيد وحده، وقائم وحده.
وقوله: (وإلا فمفرد) أي: وإن لم يدل جزؤه على جزء المعنى فهو المفرد، فيشمل مالا جزء له أصلاً كباء الجر، وما له جزء لكن لا يدل على معنى كرجل، فإنَّ أجزاءه وهي حروفه الثلاثة، إذا أفرد شيء منها لا يدل على شيء مما دلت عليه جملته، بخلاف قولنا: غلام زيد، فإنَّه مركب؛ لأنَّ كلا من جزئيه وهما غلام وزيد ـ دال على جزء المعنى الذي دل عليه جملة غلام زيد، وبعض المتأخرين من المناطقة ثلث القسمة وقالَ: إما ألا يدل جزؤه على شيء أصلاً فالمفرد، أو يدل على شيء فإنَّ كانَ على جزء معناه فالمركب، أو لا على جزء معناه فالمؤلف، والمشهور أن المؤلف والمركب واحد.
стр. 239
ص: (ودلالة اللفظ على معناه مطابقة وعلى جزئه تضمن، ولازمة الذهني التزام).
ش: الدلالة تنحصر في المطابقة والتضمن والالتزام؛ لأنَّ اللفظ إما أن يدل على معناه الموضوع له أم لا، والأول المطابقة كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، والثاني إما أن يدل على جزء مسماه أو خارج عنه، والأول التضمن كدلالته على الحيوان وحده وعلى الناطق وحده، والثاني الالتزام، كدلالته على الكاتب أو الضاحك، سميت الأولى مطابقة لتطابق اللفظ والمعنى، والثانية تضمناً لتضمن
стр. 240
الكلام لجزئيه، والثالثة التزاماً لما فيها من الاستلزام، ولم يقيد المصنف المعنى بالتمام أو الكمال كالمختصر والمنهاج للتنبيه على أنه غير محتاج إليه عندَه؛ لأنَّهما إنما احترزا به عن جزء المسمى، ولا شك أن جزء المسمى ليس نفس المسمى، لكن كلام ابن الحاجب في المنتهى يدل على أنه إنما احترز به عن الدلالة إذا أريد بها نفس اللفظ، مثل زيد مبتدأ لأنَّها ليست دلالته في معناها (٤١ ب) بل في لفظها، وقوله: الذهني، إشارة إلى أن المعتبر في الالتزام، اللزوم الذهني دون الخارجي، أمَّا الأول، فلأن اللفظ غير موضوع للازم فلو لم يكن اللازم بحيث يلزم من تصور مسمى اللفظ بصوره لما فهم من اللفظ، وأما الثاني فلحصول الدلالة بدون اللزوم الخارجي، كدلالة العمى على البصر، فإنَّ العمى يدل على البصر بالالتزام، معَ أنه لا لزوم بينَهما في الخارج، وقيد في (المحصول) اللزوم الذهني بالظاهر؛ لأنَّ القطعي غير معتبر، وإلا لم يجز إطلاق اسم اليد على القدرة ونحوه، فإنَّ اليد لا تستلزم
стр. 241
القدرة قطعاً؛ لأنَّها قد تكون شلاء، بل ظاهراً، واعلم أن اشتراط اللزوم الذهني هو رأي المنطقيين، وأما الأصوليون، وأهل البيان فلا يشترطونه، بل دلالة الالتزام عندَهم ما يفهم منه معنى خارج عن المسمى، سواء أكان المفهم للزوم بينَهما في ذهن كل أحد كما في العدم والملكة، أو عمد العالم بالوضع، أو كانَ في الخارج ولم يكن بينَهما لزوم أصلاً لكن القرائن الخارجية استلزمته، ولهذا يجري فيها الوضوح
والخفاء بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال وهذا أظهر، والأولون إن ذكروه اصطلاحاً فلا مشاحة، أو بالوضع فممنوع، وقد أورد القرافي على الحصر في الدلالات الثلاث دلالة العام على أفراده، وقالَ: إنها خارجة عن الثلاث، وجوابه يعلم من باب العموم، ومنهم من أورد دلالة اللفظ المركب على مفرادته، فإنَّ الواضع لم يضعه لمفهومه، ولا لشيء ذلك المفهوم داخل فيه، ولا لخارج عنه لازم له، وأجيب بأن المراد بوضع اللفظ للمعنى وضع عينه لعينه أو وضع أجزائه لأجزائه، بحيث يطابق مجموع اللفظ مجموع المعنى، والثاني موجود في المركب، فإنَّ الواضع ـ وإن لم يضع مجموع زيد قائم، لمدلوله ـ فقد وضع كل جزء من أجزائه لجزء من مفهومه، فإنَّه وضع (زيداً) للذات (وقائماً) للصفة، والحركة المخصوصة أعني دفعهما لإثبات الثاني للأول.
ص: (والأولى لفظية والثنتان عقليتان).
ش: اختلف في هذه الدلالات على ثلاثة مذاهب.
أحدها: أن الوضعية هي دلالة المطابقة؛ لأنَّ الذهن ينتقل من اللفظ إلى المعنى ابتداء، والتضمن والالتزم عقليتان، أي: إنما يدلان بالعقل؛ لأنَّ اللفظ الموضوع للمجموع لم يوضع لجزئيه، فلا يدل عليه بالوضع، بل بالعقل لأنَّ فهم المجموع بدون
стр. 242
فهم جزئيه محال عقلاً، وكذلك اللفظ يدل على الملزوم بالوضع، ثمَّ ينتقل الذهن من الملزوم إلى اللازم بالعقل، وهو اختيار صاحب المحصول، وتابعه ابن التلمساني والهندي وغيرهما.
والثاني: أن الكل لفظية؛ لأنَّ وضع اللفظ للمجموع كما أنه واسطة لفهم المجموع منه، فكذلك هو واسطة لفهم الجزء اللازم، وعزاه بعضهم للأكثرين.
والثالث: أن دلالة التضمن وضعية كالمطابقة، ودلالة الالتزام عقلية؛ لأنَّ الجزء داخل فيما وضع له اللفظ بخلاف اللازم، فإنَّه خارج عنه، وهو رأي الآمدي وابن الحاجب، والحق أن لكل من الوضع والعقل مدخلاً في التضمن والالتزام، فيصح أن يقال: إنهما عقليتان باعتبار أن الانتقال من المسمى إلى الجزء اللازم إنما حصل بالعقل ووضعيتان، باعتبار أن الوضع سبب لانتقال العقل إليهما، فهما
стр. 243
عقليتان ووضعيتان باعتبارين، ومن هنا (٤٢ أ) شكك بعضهم على محل الخلاف، فقالَ: هذا الخلاف لا تحقيق له؛ لأنَّه إن أريد بالوضع، أنه يفيد الاقتصار، فلا خلاف أنه ليس كذلك، وإن أريد تقييد الانضمام، فلا خلاف أنه كذلك، فلم يبق إلا أن يقال: موضوع للهيئة الاجتماعية من الأجزاء أو لا، فعلى الأول يكون الجزء كالشرط للموضوع لا يلاقيه الوضع، وعلى الثاني بخلافه.
تنبيه: ليس لك أن تقول: كيف قالَ المصنف أولا: (دلالة اللفظ)، فجعل الثلاثة لفظية، ثمَّ فصل ثانياً؟ لأنَّه لا خلاف أن الدلالات الثلاثة لفظية، بمعنى أن للفظ فيها مدخلاً وهو شرط في استفادتها منه، وإنما الخلاف في أن اللفظ موضوع لها أم لا.
ص: ثمَّ المنطوق إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار فدلالة اقتضاء.
ش: اعلم أن اللفظ يدل على المعنى بطريقين، أحدهما بصيغته، والثاني باقتران أمر به، إذا لحظه المتكلم، استغنى عن التعبير عنه بالتعبير عن ملازمه، وينقسم إلى دلالة اقتضاء وإشارة.
الأول: الاقتضاء، وهو ما يفهم عندَ اللفظ ولا يكون منطوقاً به، ولكن يكون من ضرورة المنطوق به، إما من حيث إنه لا يمكن أن يكون المتكلم صادقاً إلا به، أو أنه لا يثبت الملفوظ به، عقلاً إلا به، أو أنه يمتنع ثبوته شرعاً إلا به، فهذه ثلاثة أقسام، الأول، المقتضى لضرورة صدق المتكلم كقوله ﷺ : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) فإنَّه لا بد من تقدير الحكم أو المؤاخذة لتعذر حمله على حقيقته،
стр. 244
فإنهما واقعان، والثاني كقوله تعالى: ﴿فانفلق﴾ فإنَّه إنما ينتظم بإضمار فضرب، وقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ إذ لو لم يقدر أهل القرية، لم يصح عقلاً، فصحة السؤال عقلاً يتوقف على إضمار أهل، لا يقال: هذا غير لازم، لجواز الإعجاز، فإنا نقول: الإعجاز يحصل بأي جماد كانَ فالتخصيص بالقرية يدل على معنى غير إظهار المعجزة.
والثالث كفهم حصول الملك، كمن قالَ لغيره: أعتق عبدك عني على ألف، قبيل العتق؛ لأنَّ العتق بدون الملك لا يصح شرعاً، واعلم أن تسمية الكل دلالة اقتضاء هو قول أصحابنا وذهب جمع من الحنفية كالبزدوي إلى أن المقتضي هو الثالث فقط، وسمى الباقي محذوفاً ومضمراً وفرقوا بينَ المحذوف والمقتضي بأن المقتضي لا يتغير ظاهر الكلام عن حاله وإعرابه عندَ التصريح به، بل يبقى كما كانَ قبله، بخلاف المحذوف كـ ﴿اسأل القرية﴾.
стр. 245
ص: (وإن لم يتوقف ودل على أمر لم يقصد فدلالة إشارة).
ش: أي: وإن لم تتوقف الصحة أو الصدق على إضمار ودل على أمر ليس هو بالمقصود من اللفظ الأصلي الذي عبر به، ولكنه وقع من توابعه، فسمى دلالة اللفظ عليه إشارة، كقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ..﴾ الآية، فإنَّ قوله: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، يعلم منه جواز صوم الجنب، ولا شك أنه لم يقصد من الآية، ولكن يلزم من استغراق الليل بالرفث والمباشرة، أن يكون جنباً في جزء من النهار، وهذا الاستنباط محكي عن مُحَمَّد بن كَعْب القرظي من أئمة التابعين، وذكر ابن الحاجب هنا دلالة التنبيه والإيماء (٤٢ ب) كفهم كون الوصف علة الحكم المرتب عليه بفاء التعقيب وأهمله المصنف، فراراً من التكرار لأنَّه ذكره في القياس.
стр. 246
ص: (والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق).
ش: قوله: (ما دل عليه اللفظ) جنس و (لا في محل النطق)، فصل يخرج به المنطوق، يشير بذلك إلى أن دلالته ليست وضعية، وإنما هي انتقالات ذهنية، فإنَّ الذهن ينتقل من فهم القليل إلى فهم الكثير، وذلك بطريق التنبيه بأحدهما على الآخر، وسمي مفهوماً؛ لأنَّه لا يفهم غيره وإلا لكان المنطوق أيضاًً مفهوماً، بل لما فهم من غير تصريح به، وقضية هذا أن يسمى دلالة الاقتضاء والإشارة مفهوماً، وعليه جرى بعضهم، لكن الجمهور خصوه بما فهم عندَ النطق على وجه يناقض المنطوق به أو يوافقه.
ص: (فإن وافق حكمه المنطوق فموافقة، وفحوى الخطاب: إن كانَ أولى منه ولحنه إن كانَ مساوياً، وقيل: لا يكون مساوياً).
ش: حكم غير المنطوق إما موافق لحكم المنطوق نفياً أو إثباتاً أو لا، والأولى مفهوم الموافقة وهل يشترط فيه الأولوية على قولين أحسنهما: لا، بل يكون أولى
стр. 247
ومساوياً، ثمَّ إن كانَ أولى سمي فحوى الخطاب لأنَّ الفحوى ما يعلم من الكلام بطريق القطع كتحريم الضرب من قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ وإن كانَ مساوياً سمي لحن الخطاب أي معناه من قوله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ أي معناه كثبوت الوعيد في إتلاف مال اليتيم وإحراقه من قوله تعالى ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ الآية؛ لأنَّه مثل الأكل والثاني أنه يشترط فيه الأولوية، ولا يكون في المساوي، وهو قضية ما نقله إمام الحرمين عن الشافعي، وعزاه الهندي للأكثرين، والخلاف راجع إلى الاسم، ولا خلاف في
стр. 248
الاحتجاج بالمساوي كالأولى.
ص: (ثم قالَ الشافعي والإمام دلالته قياسية، وقيل: لفظية، فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم، وقيل: نقل اللفظ إليها عرفاً).
ش: ما حكاه عن الشافعي نقله الصيرفي وغيره، ثمَّ قيل: إن مراده، أنه قياس حقيقة، ولهذا ينظر فيه إلى المناسبة، وسماه القياس الجلي ونقله الرافعي في الأقضية عن الأكثرين، وقيل بل أراد أن يشبهه؛ لأنَّ الضرب لما لم يذكر في قَوْلِهِ تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ وإنما استفيد علمه من ناحية المذكور أشبه علمنا بالفرع من ناحية أصله، وإليه مال ابن السمعاني، والقول بأن دلالته لفظية، قالَ
стр. 249
الشيخ: أبو حامد الإسفراييني في كتابه في الأصول: إنه الصحيح من المذهب، ولهذا قالَ به منكرو القياس، ولأنَّه لو كانَ قياساً، لكنا لا نفهمه قبل ورود الشرع بالقياس، وأهل اللغة يفهمون من السياق ذلك، والمراد بكونه لفظياً، أن فهمه مستند إلى اللفظ، لا أن اللفظ تناوله، ثمَّ القائلون بذلك اختلفوا، فقال المحققون منهم كالغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، ودلالة اللفظ عليه مجاز من باب إطلاق الأخص على الأعم، وهؤلاء يقولون: إن صيغ التنبيه بالأدنى على الأعلى موضوعة في الأصل للمجموع المركب من الأمرين، وهو ثبوت الحكم في ذلك الأدنى الذي هو مذكور وتأكيد ثبوته في الأعلى (٤٣ أ) المسكوت عنه، وقالَ آخرون، إنها وإن كانت في الأصل موضوعة لثبوت الحكم في المذكور لا غير، لكن العرف الطارئ نقلها عنها إلى ثبوت الحكم في المذكور والمسكوت عنه معاً، وعلى هذا والذي قبله فلا يكون من المفهوم، بل منطوقاً به، وهذا الذي أخره المصنف وضعفه هو الذي ذكره في باب العموم حيث قالَ: وقد يعم اللفظ عرفاً كالفحوى.
стр. 250
فإن قلت: هل من تناف بينَ ثبوته بالمفهوم وثبوته بالقياس؟ ولم لا يكون إلحاق الضرب بالتأفيف باتفاقهما جميعاً؟ قلت: زعم الصفي أن الحق عدم تنافيهما لكون المفهوم مسكوتاً عنه، والقياس إلحاق مسكوت عنه بمنطوق، قالَ: والدلالة اللفظية إذا لم يرد بها المطابقة، ولا التضمن لا ينافيها القياس، وقد يقال: هما متنافيان؛ لأنَّ المفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق والمقيس ما لا يدل عليه اللفظ ألبتة.
واعلم أن إمام الحرمين في باب القياس من (البرهان) قد أشار إلى أن الخلاف لفظي، والظاهر أنه معنوي، ومن فوائده جواز النسخ به وسيأتي فيه خلاف في النسخ إن شاء الله تعالى.
ص: (وإن خالف فمخالفة، وشرطه ألا يكون المسكوت عنه ترك لخوف ونحوه، ولا يكون المذكور خرج للغالب، خلافاً لإمام الحرمين، أو لسؤال، أو حادثة، أو للجهل بحكمه أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر).
ش: مفهوم المخالفة أن يكون المسكوت عنه مخالفاً للمنطوق، ويسمى دليل الخطاب، وله شروط منها ما يرجع للمسكوت، ومنها ما يرجع للمذكور، فمن
следующие страницы →