← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

يقتضي زيادة ثبوت ودوام على أصل الفعل. الخامس: أنها ترجع إلى حسن الخاتمة والموافاة، لأنها الأصل الذي عليه التعويل كما أن الصائم لا يصح عليه الحكم بالصوم إلا إلى آخر النهار، فلو طرأ المفطر في أثنائه لم يكن صائما، وهو معنى ما روي عن ابن مسعود لما قيل له: إن فلانا يقول: أنا مؤمن ولا يستثني فقال: (قولوا له: أهو في الجنة؟ فقال: الله أعلم، فقال: هلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية) وكان أخو المصنف الشيخ بهاء الدين رحمهما الله يقول: إن حقيقة أنا مؤمن، هو جواب الشرط أو دليل الجواب، وكل منهما لا بد أن يكون مستقبلا، فمعناه أنا مؤمن في المستقبل إن شاء الله، وحينئذ فلا حاجة إلى تأويل ذلك بل تعليقه واضح مأمور به بقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ وهذا قد يعكر عليه أنه مأمور به في المستقبل بالعقد والتصميم والتعليق ينافيه (١٢٢/ك) ويحصل من هذا كله أن النزاع في هذه المسألة لفظي لاتفاقهم على أن أمر الخاتمة مجهول وأن الاعتقاد الحاضر يضره أدنى تردد، وأن الانتفاع به مشروط بالموافاة عليه، فلم يبق إلا أنه هل يسمى إيمانا وذلك أمر لفظي، وجعل أبو الليث السمرقندي في كتاب (البستان)

стр. 1822

المنع منه أمرا صناعيا، وهو أن الاستثناء يستعمل للاستقبال ولا يستعمل للماضي ولا للحال، فلا يصح أن يقال: هذا ثواب إن شاء الله تعالى، فلا يصلح: أنا مؤمن إن شاء الله وعزى جماعة هذا إلى غيره من الطاعات فكانوا يقولون: صليت إن شاء الله بمعنى القبول، بل صاروا يستثنون في كل شيء. واعلم أن المصنف اقتصر من المحامل على الخامس، وقد يعكر عليه قول الحليمي: إن المؤمن لا ينبغي أن يمتنع من تسمية نفسه مؤمنا في الحال لما يخشاه من سوء العاقبة نعوذ بالله منه، لأن ذلك لا يقلب الموجود من الإيمان معدوما، وإنما يحبط أجره فالردة الطارئة والعياذ بالله لا ترفع الإيمان السابق، بل تقطعه من حين وجودها وتحبط أجر ما مضى لا عينه، يعني بدليل أنه لو عاد إلى الإسلام لا يلزمه قضاء ما فعله قبل الردة، وإنما حسن الاستثناء إذا قال: أنا مؤمن وأعيش مؤمنا وأموت مؤمنا وعليه يحمل قول ابن مسعود: قل: إني في الجنة، فإنه الذي يعلم كونه في الجنة لا من كان مؤمنا ساعة أو يوما أو سنة في عمره. فائدة: عن سفيان الثوري لا يجوز لأحد أن يقول: أنا مؤمن في علم الله لأن علم الله لا يتغير وقد يتبدل حال الإنسان فيصبح مؤمنا ويمسي كافرا وبالعكس، قال المحب الطبري: وفي إطلاق هذا نظر، فإن من قال: أنا في علم الله الآن مؤمن وهو يعلم من نفسه الإيمان، فهو محق وعلم الله متعلق بالمعلوم على ما هو به في كل وقت بحسبه ولا يتغير ولا يتبدل، ولا يقال: علمه في الوقت الثاني بعدم إيمانه فيه محدث، لأن علمه الثاني غير الأول، لأنا نقول: علمه قديم بالمكان في الوقتين على اختلاف صفته وإنما تعلقه بالمعلوم فيها محدث، فالتعلق قديم والمتعلق والمتعلق حادثان ومثله قوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ أي

стр. 1823

تنزيله محدث والذكر قديم ولا يجوز أن يقطع في حق أحد بجنة إلا في حق الأنبياء ومن شهد له الرسول بها، لأن خبره حق. ص: وأن ملاذ الكافر استدراج. ش: هل لله تعالى على الكافر نعمة؟ اختلف فيه على مذاهب: أحدها: نعم لقوله حكاية عن قوم هود: ﴿فاذكروا آلاء الله﴾، ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾. والثاني: لا وإنما أعطوه من متاع الدنيا استدراجا لا نعمة، فهو كالعسل المسموم ونسب للأشعري. والثالث: إثبات الدنيوية دون الدينية. قال القاضي أبو يعلى في (المعتمد): إنه ظاهر كلام أصحابهم وقال الآمدي في (الأبكار): لا نعلم خلافا بين أصحابنا أن الله تعالى ليس له على من علم إصراره على الكفر نعمة دينية، وأما النعمة الدنيوية فاختلفوا فيها وللأشعري قولان، وميل القاضي أبو بكر إلى الإثبات، وأجمعت المعتزلة على أن لله على الكافر النعمة الدينية والدنيوية، ثم أشار إلى أن الخلاف لفظي، فإن من نفى النعم مطلقا لا ينكر الملاذ في الدنيا وتحقيق أسباب الهداية، غير أنه لا يسميها نعما لما يعقبها من الهلاك، ومن أثبت كونها نعما لا ينازع في تعقيب الهلاك لها، غير أنه سماها نعما للصورة. قلت: وهو كما قال، ويرجع إلى تفسير النعمة بماذا هل هي مجرد الملاذ والتنعم؟. فعلى الكافر نعم عظيمة أو التنعم مع سلامة العاقبة فيه فلا نعم عليهم، بل

стр. 1824

هي نقمة، والأول أقوى في النظر، لأن الله تعالى سماها نعمة وآلاء بقوله: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ ثم قال: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾ دل على أن نعمه على القبيلين، وإن كان إحداهما في الحقيقة استدراج كما قال تعالى: ﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع له في الخيرات بل لا يشعرون﴾ ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم﴾ والاستدراج ضرب من ضروب القدر بل بحر من بحاره غرق فيها الخلق إلا من تداركه الله فأنقذه منه أو حفظه ابتداء عنه، ولقد أحسن أبو العباس السياري فيما حكاه القشيرى في (الرسالة): قال عطاؤه على نوعين: كرامة واستدراج، فما أبقاه عليك فهو كرامة، وما زاله عنك فهو استدراج، فقل: أنا مؤمن إن شاء الله، ومنه يظهر مناسبة ذكر المصنف هذه المسألة عقب ما قبلها. ص: وأن المشار إليه بأنا الهيكل المخصوص. ش: في حقيقة النفس الإنسانية، والمراد به ما يشير إليه كل أحد بقوله (أنا) اختلفوا فيه فذهب كثير من المتكلمين إلى أنه الهيكل المخصوص وقال صاحب (المطالب) إنه قول جمهور الخلق والمختار عند أكثر المتكلمين، لأن كل عاقل إذا قيل له: ما الإنسان وما حقيقته فإنه يشير إلى هذه البنية المخصوصة، ولأن الخطاب متوجه إليها، والثواب والعقاب والمدح والذم متوجهان إليها ولو أن أحدا قال: إنما المأمور

стр. 1825

والمنهي والمنهي غيرهما لأنكره العقل، وضعفه صاحب (الصحائف) بأن الإنسان باق من أول عمره إلى آخره، والهيكل دائما في التبدل والتحلل خارجا داخلا، وقال صاحب (التحرير): إذا تأملت حق التأمل وجدت إشارتك إلى ذاتك بقولك: أنا مفهوم غير مفهوم قولك: هو، وأنت عند قولك أنا تشير إلى ذاتك فإذا أشرت إلى كل واحد من أعضائك وأجزاء بدنك فإنما تقول هو هذه الأشياء منفصلة خارجة عما هو أنا، فليست أنا ولا جزء أنا، إذ ليس أنا عبارة عن مجموع الهويات لجواز أن تكون حقيقة الأجزاء غير حقيقة الجملة، فإذا إشارتك بأنا تقتضي أن تكون شيئا غير جسدك وغير كل واحد من أجزائه وتوابعه وذلك الغير يسمى نفسا وقال أبو المظفر الإسفراييني في كتاب (التوجيه): اعلم أن الإنسان هو هذه الجملة المصورة والأعضاء المركبة أعلى الهيئة المخصوصة، والاسم راجع إلى هذه الجملة يطلق عليها سواء فيه القليل والكثير والذكر والأنثى، فإن كان ناقصا بعضو أو أكثر انطلقت (١٢٣/ك) عليه التسمية كتعريف الجنس مع التقييد بما يدل على النقص، والتكليف يتوجه إلى الجملة، لا يدخل فيه العقل والروح الحياة، وكذلك الثواب والعقاب يرجع إلى هذه الجملة لا إلى شيء مما قام به من الأعراض كالعلم والعقل والحياة ولو قطعت يد الكافر ثم أسلم ومات على إيمانه وصل إليه يده وأثاب الجملة على طاعاته، وكذا في الردة وقال غيره: اختلف الناس في الإنسان هل هو اسم لمجموع النفس والبدن كما أن الكلام اسم لمجموع اللفظ والمعنى، أو لمخصوص اللفظية المودعة فيه وهي الروح أو

стр. 1826

النفس؟ على قولين، والثاني حكاه الأشعري في المقالات عن بعض المعتزلة والمشهور في عرف القرآن واللغة الأول، قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ والمخلوق من الطين إنما هو البدن، وقال الآمدي في (الأبكار): اختلفوا في معنى النفس الإنسانية هل هي عرض أو جوهر والقائلون بالأول اختلفوا فمنهم من قال لأنها عرض خاص من الأعراض ولم يعينه، وهو مذهب جمع من المتكلمين ونصره إلكيا الهراسي، ومن قدماء الفلاسفة من قال: إنها المزاج الخاص بأبدان نوع الإنسان، ولهذا يقولون: باختلاف ذلك المزاج، وقيل: من جملة القوى الفعالة في الأجسام وقيل هي: صفة الحياة، ومنهم من قال: عبارة عن الشكل الخاص والتخطيط والقائلون بأنها جوهر اختلفوا فقيل: مركب فيكون جسما، وقيل: بسيط لا تركيب فيه والقائلون بالجسم اختلفوا فقيل: إنها جسم في داخل هذه الجثة، ثم اختلفوا فقيل: مركب من العناصر وقيل: إنها الدم لأنها أشرف أخلاط البدن، وقال الأطباء: النفس هي الروح وهو جسم لطيف بخاري ناشئ عن تجويف الأيسر من القلب

стр. 1827

فيثب في جميع القلب وهو منبع الحياة والنفس والبصره= ومال القاضي أبو بكر إليه، والقائلون بالجوهر البسيط اختلفوا فقيل: جوهر معقول غير متحيز مجرد عن المادة دون علائقها وهو مذهب فحول الفلاسفة وقيل: جوهر فرد متحيز واختاره الغزالي. قلت: الذي حكاه الإمام في (المطالب العالية) عن الغزالي أن الإنسان عبارة عن جوهر مجرد ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز، وقال: إنه قول أكثر المحققين من الصوفية وحكاه في موضع آخر عن الحليمي والراغب واختاره البيضاوي في (الطوالع) وقال ابن القشيري: قال الأستاذ أبو إسحاق: الروح عرض وهي الحياة وظاهر كلام الأشعري أنه جسم لطيف وهو الأظهر عند الأئمة وجاءت به الأحاديث وفي الصحيح: ((أرواح الشهداء في حواصل طير خضر)) وقد سبق عند قوله: يجب الإمساك عنها أقوال أخر، وأعجب من المصنف في شيئين: أحدهما: اقتصاره على إيراد قول الهيكل مع أن بعضهم قال: إنه مسمى على إنكار النفوس بعد المفارقة وهو قول ضعيف سبق من المصنف الجزم بخلافه وقد سئل المصنف عن الجمع بين المسألتين فقال: لا ارتباط بينهما حتى يسأل عن الجمع بينهما، وفيه نظر فإن القائل: بأن النفس المشار إليه إنما هو الهيكل إذا كان حيا

стр. 1828

وبزوال الحياة يزول التركيب كما سبق عن الآمدي في حكاية هذا المذهب، وكذا حكاه غيره. والثاني: أنه سبق منه اختيار الإمساك عن الكلام وفي الروح فكيف تكلم عليها هنا؟ وانفصل المصنف عن هذا بأنهما مسألتان: إحداهما: في حقيقة الروح هل هي عرض أو جوهر أو غير ذلك؟ من الأقوال وهو موضع ما سكت عنه. والثانية: أن المشار إليه بأنا هل هو هذه الجثة أو الروح؟ فمن قال الروح الجثة فلا إشكال عنده، وأما من لم يقل بأنها الجثة بل المشار إليه بأنا الجسد إذا كانت النفس قائمة بها لتخرج جثة الميت، ولا يخفى ما فيه من التعسف مع خروجه عن طريقة الناس في حكاية هذا المذهب، وقد أورد الإمام في (المطالب) سؤالا هو أن أعرف المعارف العلم المشار إليه بقوله: أنا، وهو نفسه المعينة وذواته المخصوصة فكيف وقع فيه هذا الخلاف الكبير؟ قال: وقد رأيت في الرسالة المسماة (بالتفاحة الجارية) من أرسطاطاليس عند موته فقيل له: كيف يعقل أن يسأل الإنسان غيره عن حال نفسه فأجاب الحكيم بأنه مثل سؤال المريض الطبيب عن دائه والأعمى عن لونه ثم أجاب الإمام: بأن العلم بوجود النفس من حيث إنها شيء غير العلم بأنها ما هي على التفصيل والأول غني عن التعريف بخلاف الثاني.

стр. 1829

(ص) وأن الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ ثابت. (ش) ذهب أهل الحق إلى أن الجسم مركب من أجزاء لا تتجزأ بالفعل ولا بالوهم، وتسمى تلك الأجزاء جواهر مفردة، والجسم مؤلف من تلك الجواهر، ولا يقبل الانقسام إلى غير نهاية لا تقطعا لصغره ولا كسرا لصلابته، ولا وهما للعجز عن تمييز طرف منه، ولا فرض لاستلزام خلاف المقدور وخالف ذلك معظم الفلاسفة والنظام والكندي من المعتزلة: وقالوا: الجوهر المتحيز وإن انتهى إلى حد لا يقبل القمة بالفعل فلا بد أن يكون قابلا لها في الوهم والتعقل وهو مذهب فاسد، لأنه يؤدي إلى وجود اتصالات لا نهاية لها ويؤدي إلى أن يكون أجزاء الخردلة مساوية لأجزاء الجبل، لأن كل واحد منهما لا يتناهى ويؤدي إلى أن ما نهاية له أعظم مما لا نهاية له، وذلك محال، وقولهم: إن المدرك له الوهم لا يعقل فإن الوهم لا يدرك الأشياء التي لا تدرك بالحواس على ما هي عليه، والجوهر يدرك بدليل العقل دون الحس لأنه بلغ من صغره إلى أن فات الحس، فلهذا لا يحكم عليه الوهم إلا بحكم ما شاهده من المحسوسات وذلك كحكمه على الواحد الحق الذي لا جهة (١٢٤/ك) له في قضية العقل بأنه لا بد أن يكون له لون ومقدار ومكان وقرب وبعد ووضع إلى ما سوى ذلك من سائر عوارض الأجسام التي ألفها وأنس بها فيحكم على ما لم يشاهده بحكم ما شاهده فيها، والتخلص من غلط الوهم عزيز يختص به الآحاد، فهذا وجه الغلط في هذه المسألة وهو أن الوهم يحكم على الجوهر الفرد بحكم الجسم

стр. 1830

في قبول القسمة ويفضي بأنه قابل للانقسام إلى غير نهاية، والعقل يحكم بإحالته لقيام الدليل على ذلك، وقال المقترح: اختلف العقلاء في إثبات موجود في نفسه متميز لا يقبل القسمة فالذي ذهب إليه أكثر المسلمين من أهل السنة والاعتزال إلى إثباته، وذهب النظام إلى أن الجسم ينقسم إلى أجزاء لا نهاية لها وذهب الفلاسفة إلى أن الجسم لا أجزاء فيه بالعقل وإنما الأجزاء فيه بالقوة، بمعنى أنه يستبعد لأن ينقسم لا أن فيه تجزئة في الحال وفي المسألة مذهب آخر وهو الوقف قال فخر الدين الرازي وهو قضية كلام إمام الحرمين قال المقترح: وهو المختار، فإن الوجود المعروف لم يفهم حقيقته فيحكم عليه باعتبارها وليس فيما علمنا متوقفا عليه، فتعذر العلم به بخلاف ما يقول في الصانع فإنه وإن لم تعلم حقيقته إلا أن ما علمناه متوقفا وجوده عليه يستند العلم بوجوده إليه. فإن قيل: وأي فائدة في إثبات الفرد وما القصد بهذه المسألة؟ فالجواب: أنه من مقدمات حدوث العالم فإن الجسم إذا ثبت أنه مركب من أجزاء مفردة استحال خلوه عن الألوان التي هي عبارة عن الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وهي معان حادثة فيرتب عليه أن ما لا يخلو من الألوان الحادثة لا يسبقها، وما لا يسبق الحادث فهو حادث أو يؤدي إلى ما لا أول له من الحوادث وهو محال، وهي طريقة أئمتنا في إثبات حدوث العالم إذا بسطت وحققت والقصد بهذه المسألة حصر العالم في الجواهر والأعراض وزعمت الفلاسفة: أن

стр. 1831

الموجودات الممكنة لا تنحصر في الأجرام والقائم بها لكن الجوهر عندهم عبارة عن موجود لا في موضوع، والموضوع هو المتقدم بنفسه ولا يتقدم بما حل فيه، وقال الإمام في (المطالب): وأما الثالث من أقسام الموجودات وهو الموجود الذي لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز فقد ثبت بالدلائل النقلية أن الله تعالى كذلك، وهل حصل في الممكنات موجود هذا شأنه أم لا؟ فالحكماء أثبتوه والمتكلمون أنكروه وليس من المتكلمين ما يدل على فساد هذا القسم ودليلهم، على حدوث العالم إنما يتناول المتحيزات والأعراض القائمة بها ولا يتناول هذا الثالث، فعلى هذا دعواهم أن كل ما سوى الله تعالى محدث إنما يتم بإبطال هذا الثالث، أو بذكر دليل يدل على حدوث هذا الثالث بتقدير ثبوته وإن لم يذكروا شيئا في هذين المقامين فيبقى كلامه ناقصا، وقال في موضع آخر القائلون بإثبات الجسم الذي لا يتجزأ يتفرع عليه فروع: الأول: اختلفوا في أنه هل يعقل وقوع الجزء الواحد على الجزأين فأباه الجبائي والأشعري وجوزه أبو هاشم والقاضي عبد الجبار. الثاني: أن الجوهر الفرد هل له شكل أم لا؟ فأباه الأشعري. وأما أكثر المعتزلة فأثبتوا له شكلا، ثم اختلفوا فقيل: إنه أشبه بالمثلث والأكثرون أنه أشبه بالمربع، والحق أنهم شبهوه بالمكعب، لأنهم أثبتوا له جوانب ستة، وزعموا أنه يمكن أن يتصل به جواهر ستة من جوانب ستة وهذا يوجب أن يكون شكله المكعب. الثالث: أن الجوهر الواحد له حظ من الطول العرض؟ فأنكره الكل إلا أبو الحسين الصالحي من قدماء المعتزلة فإنه زعم أنه لا بد من أن يحصل له قدر من الطول والعرض والعمق.

стр. 1832

الرابع: أن الجوهر الفرد هل يقبل الحياة وسائر الأعراض المشروطة بالحياة كالعلم والقدرة والإرداة فالأشعري وجماعة من المعتزلة قالوا به، والمتأخرون من المعتزلة أنكروه وهذه هي المسألة المشهورة فى علم الكلام بأن البنية هل هي شرط للحياة وللأعراض المشروطة بالحياة أم لا؟ الخامس: أن الخط المؤلف من الأجزاء التي لا تتجزأ، هل يمكن جعله دائرة أم لا؟ أما الأشعري فقد أنكره في كتاب (النوادر) وجوزه إمام الحرمين في (الشامل). السادس: كل من أثبت الجوهر الفرد زعم أن حجر الرحى يتفكك عند الاستدارة ثم ذكر الإمام أنه صنف رسالة مفردة في مسألة الجوهر الفرد. فائدة: قال بعضهم جرت العادة بأن الجوهر الفرد لا نراه، ولا نرى لونه إلا مع انضمامه إلى غيره ولا ينضبط أقل عدد المرئي فيها حتى لو نقص من ذلك العدد شيء لم ير ولكن يجوز رؤية الجوهر الفرد من غير ائتلاف إذا انخرقت العادة. (ص) وإنه لا حال أي لا واسطة بين الموجود والمعدوم خلافا للقاضي وإمام الحرمين. (ش) الجمهور على أنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم، وأثبت المعتزلة واسطة وسموها بالحال، وقسموا الغائب إلى الموجود والمعدوم، والحال عرفوها بأنها: صفة لموجود لا يوصف بوجود ولا عدم، ووافقهم القاضي أبو بكر وإمام الحرمين في أحد قوليهما، وقالا: كل

стр. 1833

صفة قامت بالذات فإنها توجب لها حالا، سواء إن كانت مشروطة بالحياة أو لا، فالمكانية معللة بالكون، وكذلك الأسودية والعالمية، وقد حكى الآمدي عن القاضي القولين، وأما أمام الحرمين فرجع عن ذلك فقال في كتابه المسمى (بالمدارك): اخترنا في (الشامل) المشي على أساليب الكلام في القطع بإثبات الأحوال ونحن نقطع بنفيها فإطلاق المصنف النقل عنهما ليس بجيد، وذهب الأستاذ أبو إسحاق وابن دهان متكلم الأندلس إلى نفي المعنوية منها والوقف في النسبية، وجمع بعض الأئمة بين قولي النافي والمثبت بأنها ليست موجودة في الأعيان، ولا معدومة في الأذهان (١٢٥/ك) أي لا بد من تعلق العلم بها، وهي عند مثبتها تنقسم إلى نسبية ومعنوية، والذي يظهر من كلام الأستاذ أن قوله بالنفي يختص بالمعنوية دون صفات النفس الموجودات، لأن أكثر دلائله مبني عليها، وسماها وجوها واعتبارات ولا مشاحة في التسمية، ومثلها إمام الحرمين في (الإرشاد) بكون الوجود عرضا لونا سوادا وهذا بين إثباتها لأن معقولية كون هذا الوجود عرضا ليست معقولية كونه لونا، وإلا لكان كل عرض لونا، وليس كذلك، ومنهم من قال: ليست معقولية ولا مجهولية ومنهم من قال: ليست بمطلوبة فقط، قال الأستاذ: وجرى هذا الفصل مع مقدم لهم يعنى يقولوا: إنها لا تعلم، فقلت: إذ لم تكن الأحوال معلومة

стр. 1834

فقد تخصص ما أوجب العالم بها أوجب القادر، وما أوجب القادر بما أوجب العاجز، وغير ذلك يداخل المختلفات والمتضادات، وهذا من كلامه يدل على إثبات الأحوال النفسية منها، وقال القاضي أبو يعلى في (المعتمد): الأحوال ليست بأشياء موجودة بل هي حكم الأشياء، قال: ويصح العلم أو يتعلق بالأحوال مفردة وبالذوات مفرده، ويصح أن يجعل الأحوال من عرف الذوات خلافا لابن الجبائي في قوله: إن الأحوال ليست بمعلولة ولا مجهولة بل تعلم الذوات عليها، ولنا أن الواحد منا يعلم ذات الشيء أو لا ولا يعلم مع ذلك ما هي عليه من الأحوال التي تختص بها إلا بنظر آخر انتهى. والقصد بهذه المسألة أن أصحابنا لما تكلموا مع المعتزلة في صفات الله تعالى، احتجوا عليهم في إثباتها باعتبار الغائب بالمشاهد، وقدروا ذلك بطرق منها إثبات الأحوال، ولا شك أن الأعراض القائمة بالذات توجب لمحالها أحوالا بأن العلم يقتضي لجملة البدن حالا، وهو العالمية، والقدرة حالا وهي القادرية، وكذا باقي الصفات، ومعنى قولهم إن الأحوال لا توصف بالوجود ولا بالعدم أنها غير موجودة في الأعيان، ولولا معدومة في الأذهان، واحتج مثبتها بالأدلة القائمة على ثبوت الأعراض عند نفاة الأحوال والعجب منهم كيف صرحوا بأنها غير موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة، ثم استدلوا عليها، وغاية الاستدلال إثبات العلم بوجود شيء أو عدمه، فما لا وجود له ولا عدم كيف يستدل عليها؟ إذ لا يمكن تعلق العلم به. واحتج فخر الدين على نفيها بأن تلك الواسطة إن كان لها ثبوت بوجه ما، كانت موجودة وإن لم تكن فمعدومة وأشار في (الطوالع) إلى أن البحث لفظي يرجع إلى تفسير الحال، فعلى تفسيرهم تثبت الواسطة، فقال: لنا: أن التصور إما أن يتحقق بوجوب وهو الوجود أو لا وهو العدم، فإن غيروا التفسير فالبحث لفظي، وقال

стр. 1835

الغزالي في أوائل (المستصفى): هذه المعاني المطلقات المجردات الشاملة لأمور مختلفة كالفرس المطلق الذي يشترك فيه الصغير والكبير والأشهب والكميت وغيرها هي التي يعبر عنه المتكلمون بالأحوال والوجوه والأحكام، ويعبر عنها المنطقيون بالقضايا الكلية المجردة ويزعمون أنها موجودة في الأذهان لا في الأعيان، وتارة يعبرون عنها بأنها غير موجودة من خارج بل من داخل، يعنون خارج الذهن وداخله، ويقول أرباب الأحوال إنها أمور ثابتة ثم تارة يقولون إنها موجودة معلومة وتارة يقولون: لا موجودة ولا معلومة ولا مجهولة، وقد دارت فيه رؤوسهم وحارت فيه عقولهم، والعجب أنه أول منزل ينفصل فيه المعقول عن المحسوس إذ من ههنا يأخذ العقل الإنساني في التصرف وما كان قبله كان يشارك التخيل البهيمي فيه التخيل الإنساني، ومن تحير في أول منزل من منازل العقول كيف يرجئ= فلا حاجة في تصرفاته. (ص) وأن النسب والإضافات أمور اعتبارية لا وجودية. (ش) الأمور النسبية وهي المفهومات التي تعلقها بالنسبة إلى المعنى، وهي سبع في المشهور: الإضافة والأين ومتى والوضع والملك والأفعال والانفعال واختلفوا فيها فقالت الفلاسفة: إنها وجودية، وذهب أكثر المتكلمين إلى أنها عدمية لا وجود لها في الخارج واستثنوا الأين كما قاله في (الطوالع) وغيره وهو حصول الجسم في

стр. 1836

المكان فإنهم يسمونه الكون، ويقولون بوجوده في الخارج فكان حق المصنف أن يستثنيه. واحتج المتكلمون: أنها لو كانت موجودة لوجدت في محلها وذلك إضافة أخرى عارضة لها فيحتاج هو أيضا إلى محل آخر، ويتسلسل. واحتج الحكماء بأن كون السماء فوق أمر حاصل في نفس الأمر، سواء وجدت الأرض والأغيار أم لا، وليس عدميا لصدق نقيضه على المعدومات وعارضهم المتكلمون بأنها لو كانت وجودية لما وجدت وإلا لزم تقديمها على نفسها، وقال صاحب (الصحائف): الحق أن بعضها عدمي كالمنافي فإنه لا يجتمع مع الآخر وبعضها وجودي كالمنع فإنه عبارة عن شيء موجود عند كون الآخر موجودا. (ص) وأن العرض لا يقوم بالعرض. (ش) العرض: هو ما لا يقوم بنفسه بل يفتقر في وجوده إلى محل يقوم به كالحركة والسكون والبياض والسواد. واختلف هل يقوم بالعرض؟ وأهل الحق على استحالته لأن العرض لا يقوم بنفسه بل يحتاج إلى محل يقوم به كالجسم، فلو قام العرض بعرض لكان المحل جواهر فيلزم أن يكون عرضا لا عرضا ولا جسما لا جسما وهو محال، ولأنه لو قام به للزم حصوله على حيز العرض الذي هو محله تبعا لحصوله، وحيزه هو الجوهر فهما حاصلان في حيز الجوهر تبعا لحصوله فيه، فهما قائمان وإن كان قيام أحدهما به مشروطا بقيام الآخر كما في الأعراض المشروطة بالحياة وصارت الفلاسفة إلى جوازه

стр. 1837

واختاره الإمام في (المحصل) وصاحب (الصحائف) لأن السرعة والبطء عرضان قائمان بالحركة وليسا قائمين بالجسم، إذ يقال: جسم بطيء في حركته، ولا يقال: جسم بطيء في جسميته، وكذلك لون كثيف ورقيق، فالكثافة والرقة أعراض قامت باللون. وأجاب المانعون بأن السرعة والبطء قائمان بالمتحرك بواسطة الحركة لا نفس الحركة، والحاصل أن هذه الأعراض (١٢٦/ك) إنما قامت بالجواهر بواسطة الأعراض فحاصل الأمر أن الأعراض لا تقوم بالجواهر، نعم تارة بلا وساطة كالحركة وتارة بواسطة كالسرعة قامت بالجواهر بواسطة الحركة، ويمنع كون البطء صفة للحركة، وإنما هو عبارة عن تحلل السكنات، وكذلك السرعة عبارة عن عدم التحلل، فرجع حاصله إلى أن الجسم يسكن في بعض الأحيان ويتحرك في بعضها، فيكون ذلك صفة للجسم لا للحركة، ويقولون: أيضا إن ما ذكره الخصوم لا يتأتى على مذهبهم أيضا لجواز أن تكون طبقات الحركات أنواعا مختلفة وليس ثم إلا الحركة المخصوصة، وأما السرعة والبطء فمن الأمور النسبية، ولذلك تكون بطيئة بالنسبة إلى حركة الإنسان مثلا سريعة بالنسبة إلى أخرى كالفرس. واعلم أن الفلاسفة إنما قالوا بقيام الأعراض بأنفسها وانتقالها عن محل إلى آخر، لأن المتكلمين استدلوا على حدوث الأجسام بأنها لا تخلو عن الحركة والسكون، وأنهما عارضان حادثان وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث، فقالوا لهم: لا نسلم حدوث الحركة والسكون ولم لا يجوز أن يكونا قبل هذه الأقسام قديمين،

стр. 1838

إما قائمان بأنفسهما أو كانا قائمين بمحل آخر، ثم بعد ذلك انفصل إلى هذه الأجسام المنفية، لم قلتم: إنه ليس كذلك لا بد له من دليل. (ص) ولا يبقى زمانين. (ش) هذه المسألة مبنية على التي قبلها فلهذا عقبها بها، واتفقت الأشاعرة على أن الأعراض غير باقية بل هي على النقض والتجدد وأن الله تعالى قادر على خلق كل واحدة من آحادها أي وقت شاء من غير تخصيص بوقت قال الغزالي في (تهافت الفلاسفة): ذهبت الأشعرية إلى أن الأعراض تفنى بأنفسها ولا يتصور بقاؤها وأما الجواهر فليست باقية بأنفسها ولكنها باقية ببقاء زائد على وجودها، فإذا لم يخلق الله سبحانه البقاء انعدم العدم المبقي، ومنهم من قال: باقية بأن لا يخلق الله فيها حركة ولا سكونا فيعدم لاستحالة ذلك، وذهبت الفلاسفة: إلى بقاء جميع الأعراض دون الأزمنة والحركات، وذهب الجبائي وابنه إلى بقاء الألون والطعوم والروائح دون العلوم والإرادات والأصوات، والقائلون ببقائه قالوا: لا يكون له بقاء كبقاء الجواهر، واحتج أصحابنا بأن البقاء عرض فلو بقي العرض لزم قيام العرض بالعرض، ولأنه لو صح بقاء العرض لامتنع فناؤه وزيفه الغزالي وقال: إنه فاسد

стр. 1839

لما فيه من مناكرة المحسوس، فإن السواد لا يبقى والبياض كذلك، وأنه متجدد الوجود والعقل ينبئ عن هذا كما ينبئ عن قول القائل: إن الجسم متجدد الوجود في كل حالة، والعقل القاضي بأن الشعر الذي على رأس الإنسان في يومه هو الشعر الذي كان بالأمس لا مثله، يقضي أيضا في سواد الشعر، قال: وكأنهم توافقوا على أن الإعدام ليس بفعل، وإنما هو كف عن الفعل لما لم يعقلوا كون العدم فعلا ولهذا اختار الإمام والبيضاوي إمكان بقائه، لأنها كانت جائزة الوجود في الزمن الأول فكذا في جميع الأزمنة. وأجاب الجمهور بأنه لا نزاع في إمكان وجودها في جميع الأزمنة، بل في بقائها وهو استمرارها على أنها موجودة في الزمن الثاني متصلة بالوجود الأول، ثم هو منقوض بالأصوات والحركات فإنه يمتنع بقاؤها بالاتفاق، وما المانع من أن الله يخلق الأعراض متوالية على توالي الأزمان بلا فترة بينهما فتتابع حتى يظنها الناظر لها باقية وهي بالحقيقة متجددة، وقد صنف الإمام أبو الحجاج يوسف الأزدي جزءا أسماه (بيان الغرض في إحالة بقاء العرض). تنبيه: الغرض من هذه المسألة نفي قدم العالم، والفلاسفة جعلوها إحدى مقدماتهم على عدم حدوثه، ولما رأى أصحابنا ذلك لازما نفوه، لأنه إذا ثبت أنه لا يبقى زمانين تبين أن العالم لا يستقل بنفسه زمانا واحدا، بل يفتقر إلى الله على مرور الأزمان، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ فالجوهر مفتقر إلى الفاعل في إيجاده ثم يفتقر إليه في إبقائه وإمداده بأعراضه، بأن يوالي عليه صفاته التي يحتاج إليها في استمرار وجوده، فلو كان

стр. 1840

العرض باقيا لما افتقر الجوهر إلى الفاعل، إذ هو موجود ولا حاجة به إلى فاعل يفعله وصفاته، فلو ثبتت وبقيت فلا حاجة بها إلى فاعل، واللازم باطل وليس بقاء الجوهر في ثان زمان حدوثه بأولى من عدمه، لولا الفعل المخصص فانظر إلى هذه الدسيسة التي أسست عليها هذه المسألة، واستغفر لمن استخرجها بحقائق المسألة. (ص) ولا يحل محلين. (ش) العرض الواحد لا يحل بمحلين خلافا لأبي هاشم فإنه زعم: أن التأليف عرض واحد حال في محلين، ووافقنا على أنه يستحيل بقاؤه بأكثر من محلين. واحتج الأصحاب بأنه: لو جاز قيام العرض الواحد بمحلين لأمكن حلول الجسم الواحد في مكانين في حالة واحدة وإنه محال. (ص) وأن المثلين لا يجتمعان كالضدين بخلاف الخلافين، وأما النقيضان فلا يجتمعان ولا يرتفعان. (ش) المعلومات تنحصر في أربعة أقسام: الأول: مثلان وهما اللذان لا يجتمعان ويمكن ارتفاعهما مع التساوي في الحقيقة كالبياض والبياض، واحتج أصحابنا على أن المثلين لا يجتمعان: بأن المحل

стр. 1841

لو قبل المثلين لزم أن يقبل الضدين، بيانه أن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن مثله أو ضده، فلو قبل المثلين لجاز وجود أحدهما في المحل وانتفاء الآخر، فيخلفه ضده فيجتمع الضدان، وهو محال. الثاني: الضدان وهما اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان وإليه أشار بقوله: (كالضدين) وهذا التعريف مدخول بالجوهرين فإنهما لا يجتمعان أي لا يكون أحدهما لجنب الآخر، قد يرتفعان وقيل: هما الشيئان اللذان لا يجتمعان على موضوع واحد وبينهما غاية الخلاف فإن قيل: الحركة والسكون والموت والحياة ضدان ولا يمكن ارتفاعهما عن الحيوان قلنا: إمكان الارتفاع أعم من إمكان الارتفاع مع بقاء المحل فنحن نقول يمكن ارتفاعهما من حيث الجملة وهما ممكنا الرفع مع ارتفاع المحل فقيل العالم (١٢٧/ك) لا متحرك ولا ساكن ولا حي ولا ميت. الثالث: الخلافان وهما اللذان يجتمعان ويرتفعان كالحركة والسكون وقد يتعذر ارتفاعهما لخصوص حقيقة كونهما خلافين، فالعشرة مع الزوجية والخمسة مع الفردية خلافان، ويستحيل ارتفاعها ولا تنافي بين إمكان الارتفاع بالنسبة إلى الذات وتعذره بالنسبة لأمر خارج عنها. الرابع: النقيضان وهما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان كوجود زيد وعدمه, ودليل الحصر أن المعلومين إما أن يمكن اجتماعهما أو لا، فإن أمكن فهما الخلافان وإن لم يمكن فإما أن يمكن ارتفاعها أو لا، والثاني النقيضان والأول لا يخلو إما أن يختلفا في الحقيقة أو لا، والأول الضدان، والثاني المثلان. قال القرافي: وفائدة حصر المعلومات في هذه الأربع حتى لا يخرج منها شيء

стр. 1842

إلا ما توحد الله تعالى به وتفرد به فإنه ليس ضد الشيء ولا نقيضا ولا مثلا ولا خلافا لتعذر الرفع، وهذا حكم عام في ذاته وصفاته المقدسة. واعلم أن هذا التقسيم حاصر على رأي أئمتنا جار على إنكار الأحوال ولا يرد عليه المتساويان والمتضايفان والعدم والملكة وغيرها، لأن ذاك تقسيم الحكماء وفيه طول، وهذا تقسيم مشايخ السنة. (ص) وأن أحد طرفي الممكن ليس أولى به. (ش) اختلف في أن أحد طرفي الممكن من الوجود والعدم، هل يكون أولى به من الطرف الآخر؟ فأنكره أكثر المحققين، وقال الباقون: نعم. ثم اختلفوا فقيل: العدم أولى به لذاته، وقيل: إن العدم أولى بالموجودات السيالة لذاتها، وهو الزمان والحركة والصوت وعوارضها، ومنهم من قال: إن الواقع من الطرفين أولى به، وقيل: الوجود أولى عند وجود العلم دون الشرط، والصحيح أن الوجود والعدم بالنسبة إلى ماهية الممكن على السوية والدليل عليه: أنه لو كان أحد الطرفين أولى به فإذا تحقق سبب الطرف الآخر فإن لم تبق تلك الأولوية لا تكون تلك من ذاته، وإن بقيت فإن لم يصر الطرف الآخر أولى به لم يكن السبب سببا، وإن صار فيكون كلا الطرفين أولى لكن الأولى بالذات والثانية بالغير، وما بالذات أقوى، فلو تحقق الطرف الآخر كان ما بالغير أقوى وحينئذ لا يكون السبب سببا، هذا خلف، وقد قيل على هذا: إن الأولوية الطرف الآخر ينتهي إلى الوجوب لكونه مع السبب دون أولوية الأول فيكون

стр. 1843

أقوى والغرض من هذه المسألة: إثبات العلم بالصانع وأنه يكفي في وجوده عدم أمر وجودي يقتضي عدمه. (ص) وأن الباقي محتاج إلى السبب وينبني على أن علة احتياج الأثر إلى المؤثر الإمكان أو الحدوث أو هما جزآ علة أو الإمكان بشرط الحدوث وهي أقوال. (ش) اختلف في الممكن حالة بقائه هل يحتاج إلى مؤثر كما يحتاج إليه في ابتداء وجوده؟ لا بمعنى أن المبقي يعطيه حالة البقاء وجودا آخر بل بمعنى أنه يدوم ذلك الوجود لدوام ذلك المؤثر الأول، فالأكثرون على الاحتياج خلافا للفلاسفة والدليل عليه: أن علة الحاجة إلى المؤثر الإمكان كما سنذكره والإمكان من لوازم الممكن وإلا لجاز انفكاكه عن الماهية الممكنة، وجاز أن يصير الموصوف بالإمكان في الجملة واجبا لذاته أو ممتنعا لذاته، وأنه محال وإذا كان الإمكان للممكن ضروريا لا ينفك، لزم بالضرورة تحقق علة الحاجة إلى المؤثر حال البقاء فيلزم الحاجة إليه في تلك الحالة عملا بالعلة. احتجوا بأنه إن احتاج إليه في وجوده لزم تحصيل الحاصل أو لأمر جديد فمحال وأجيب بأن تأثير المؤثر في بقاء الوجود واستمرار الزمن الثاني، البقاء المحوج إليه، ولا يلزم تحصيل الحاصل، قال بعضهم: ولقائل أن يقول ببقاء الوجود، ولا شك أنه لم يكن حالة الاتحاد حاصلا فالتأثير فيه تأثير في أمر لم يتجدد وهو إبقاء الأثر، فيكون المراد بالتأثير تحصيلا لهذا المعنى، ولو قيل: إن التأثير في وجود متجدد متصل بالوجود الأول، وهكذا لكان متجها إذ هو موجب الاستمرار واتحاد المعلول

стр. 1844

وأما إذا فرضنا أن تأثير المؤثر في البقاء يلزم أن يكون الإمكان علة الاحتياج إلى البقاء وهو علة الاحتياج إلى التأثير هذا خلف. قلت: وهذا هو المراد بمذهب الأصحاب كما سبق تحريره من كلام الإمام وغيره، وقوله وينبني أي أن هذا الخلاف مبني على خلاف آخر وهو علة الحاجة إلى المؤثر وفيه أربعة مذاهب: أحدها: أن علة الحاجة إلى المؤثر الإمكان ولا مدخل للحدوث فيها وهو اختيار الإمام، ونقله عن أكثر الأصوليين، ونسبه صاحب (الصحائف) لجمهور المحققين، ووجهه: أنا إذا رفعنا الإمكان عن الوهم نفي الوجوب بالذات أو الامتناع بالذات، وكل منهما يحيل الحاجة إلى المؤثر فدل على أن علة الحاجة ليس غير الإمكان. والثاني: إنها الحدوث، وهو الخروج من العدم إلى الوجود وهو قول باطل لما يلزم عنه مما سنذكره. والثالث: مجموع الإمكان والحدوث فالعلة مركبة منهما. والرابع: أن العلة الإمكان فقط والحدوث شرط والفرق بين الإمكان والحدوث: أن الإمكان عبارة عن كون الشيء في نفسه بحيث لا يمتنع وجوده ولا عدمه امتناعا واجبا ذاتيا، والحدوث عبارة عن كون الوجود مسبوقا بالعدم، وممن ذكر البناء صاحب (الصحائف).

стр. 1845

تنبيهات - الأول: الغرض من هذه المسألة أنه وقع للفلاسفة خلاف في تعلق المفعول بالفاعل، وفي علة احتياج الفعل إلى الفاعل، فالمبطلون منهم وقع أوهامهم: أن تعلق المفعول بالفاعل هي من الجهة التي يستمر بها المفعول مفعولا والفاعل فاعلا، وهو كونه أوجد فعلا بعد ما لم يكن موجودا له، ولهذا قالوا: إذا وجد الفعل من الفاعل لم يبق إلى الفاعل حاجة، ومثلوا ذلك ببقاء البناء بعد البناء وربما ارتكبوا أمرا شنيعا في فرضهم المحال، وقالوا: لو جاز عدم الصانع تعالى الله عما يقول الظالمون لما ضر ذلك وجود العالم فإنه قد أخرجه من العدم إلى الوجود وهذا كان احتياجه إليه، وهؤلاء هم القائلون: بأن علة احتياج الفعل إلى الفاعل هي مجرد الحدوث وأما المحققون منهم ومن غيرهم (١٢٨/ك) فإنهم ذهبوا إلى تعلق المفعول بالفاعل من حيث كون الفاعل لذاته فاعلا والمفعول لذاته مفعولا، وإذا كان التعلق بمقتضى ذات كل واحد منهما كان على الاتصال ببقاء ذاتيهما، ولذلك ذهبوا إلى علة احتياج الفعل إلى الفاعل هي الإمكان، فإن الفاعل إذا كان فعله لذاته لم يكن احتياج فعله في تحققه إلا إلى كون الشيء ممكنا في ذاته، ولا خلاف بين المتكلمين أن الحوادث اقتضت تعلقا بالمحدث، وإنما الخلاف بينهم في أن علة ذلك الاقتضاء ما هي. الثاني: أن كثيرا من المتكلمين قالوا: إن العلم بوجود الصانع يحصل بطريقين، وهما طريق الجواز وطريق الحدوث، فأوهم هذا الكلام أن ذنيك الطريقين معتبران عند جميع المتكلمين، وليس الأمر كذلك، بل الأمر فيه مبني على الخلاف السابق، فمن يرى أن علة الحاجة إلى المؤثر هي الإمكان يقول بأن الطريق المؤدي إلى العلم بثبوت الصانع هي الحدوث فظهر أنه لا يتأتى لجميع المتكلمين التمسك بكل واحد من هذين الطريقين، كما أوهمه كلام أكثر المصنفين في هذا الشأن، وإنما ذلك على الخلاف السابق، وقد نبه على ذلك شيخنا جمال الدين الإسنوي ﵀.

стр. 1846

الثالث: أنه ينبني على هذا الأصل أيضا استصحاب الأصل، وهو بقاء ما كان على ما كان، فإن قلنا: الباقي لا يحتاج إلى مؤثر كان الاستصحاب حجة وإن قلنا: يحتاج لم يكن حجة لجواز التغير لعدم المؤثر، ويشكل على المرجح هنا. (ص) والمكان قيل: السطح الباطن للحاوي المماس للسطح الظاهر المحوى، وقيل: بعد موجود ينفذ فيه الجسم، وقيل: بعد مفروض وهو الخلاء. (ش) ذكر المصنف هنا من علم الحكمة البحث عن ثلاثة أشياء: المكان والخلاء والزمان أما المكان: فهو الشيء الذي يكون فيه الشيء ويفارقه بالحركة ولا يسعه معه غيره، وتتوارد المحركات عليه على سبيل البدل، فهذا القدر هو المعلوم بالضرورة ثم اختلفوا في هذا الشيء هل يكون أمرا ينفذ فيه ذات الجسم ويسري فيه أو لا يكون كذلك؟ بل يكون هذا السطح الباطن بين الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي، والأول هو القول بأن المكان هو البعد والفضاء وهو مذهب أفلاطون وأكثر العقلاء والثاني هو القول بأنه السطح الحاوي، هذا ما حكاه الإمام في (المطالب) وقال: ليس فيه إلا هذان القولان، إما الفضاء وإما السطح الحاوي فقط وأما الآمدي وغيره وتابعهما المصنف فحكوا فيه أقوالا:

стр. 1847

أحدها: أنه السطح الباطن للجسم الحاوي للماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي عليه كالسطح الباطن من الكون المماس للسطح الظاهر من الماء الذي فيه، وهذا القائل يقول: إنه عرض، لأن السطح عرض، قال الراغب: المكان عند أهل اللغة: الموضع الحاوي للشيء، وعند بعض المتكلمين أنه عرض، وهو اجتماع جسمين حاوي ومحوي وذلك أن يكون سطح الجسم الحاوي محيطا بالمحوي، فالمكان عندهم هو المماسة بين هذين الجسمين، قال تعالى: ﴿مكاناً سوى﴾ وهذا القول هو الذي جنح الغزالي في كتاب (مقاصد الفلاسفة) إلى تصويبه، وقال: إنه الذي استقر عليه رأى أرسطاطاليس، قال: وهو الذي رجع إليه الكل، وقال الإمام: قال به أرسطاطاليس وجمهور أتباعه كالفارابي وابن سينا، وقال الآمدي في (الأبكار) إنه الأشبه على أصول الفلاسفة، قال: وأما على اللائق بأصول أصحابنا بأن يكون الجواهر المجتمعة المختصة بالجواهر أو الجسم المحاط به، قال: وإن كنت لم أجد عنهم في ذلك نصا. والقول الثاني: أنه الأبعاد التي بين غايات الجسم وإليه أشار بقوله: وقيل: بعد موجود. والثالث: أنه بعد مفروض مقدر، وهو قول من أنكر وجود المكان من قدماء الفلاسفة وقد نسب منكر وجود المكان إلى حجة الضرورة. الرابع: أن المكان هو الخلاء قال الإمام: القائلون بأن المكان هو الفضاء هم فريقان:

стр. 1848

أحدهما: المتكلمون وهم يقولون: هذا الفضاء، وهذا الخلاء عدم محض ونفي صرف ليس له وجود البتة. والثانية: الفلاسفة وهم يقولون: هذا الخلاء أبعاد موجودة قائمة بنفسها، وهي أمكنة الأجسام، وهو اختيار أفلاطون وغيره، ثم اختلفوا فقيل: لا امتناع في بقاء هذا الفضاء خاليا عن الأجسام، وقيل: إنه ممتنع انتهى، وهذا الخلاف فائدته: معرفته، ولا يتحصل منه طائل والاشتغال بغيره أنفع، وقد رد على من أنكر المكان بأن العقل والحس متطابقان على أن الأجسام زائلة عن ناحية إلى ناحية غيرها والانفصال لا يكون عن لا شيء ولا إلى لا شيء، بل لا بد وأن يكون مستدعيا لما عنه الانتقال وإليه، وذلك هو المعني بالمكان، فهو موجود ضروري الوجود، ولما كان ما ينتقل منه وإليه، منه ما يكون فيه الجسم ويكون محيطا به، ومنه ما يعتمد الجسم عليه ويستقر، لكن المعنى الأول هو المراد للطباعيين وهو ما كان حاويا للمتمكن مساويا له، وعند حركته يفارقه، ولذلك يرسمونه بأنه السطح الباطن على ما سبق في التعريف الأول، هذا بالنسبة للعلم الطبيعي وأما بالنسبة إلى اللغة فقال ابن جني: المكان ما استقر فيه أو تصرف عليه، لأن التصرف هو الأخذ في جهات مختلفة كتصريف الرياح فكأنه قال: المكان ما وجد فيه سكون أو حركة، وقالوا: السكون هو الحصول في حيز أكثر من زمان واحد، والحركة انتقال من حيز إلى حيز فأفضى إلى الدور، وهو فعال من التمكن فالميم فيه أصلية بإزاء السين في سحاب، ولا يجوز أن يكون مفعلا من الكون كالمقال من القول كما صار إليه الجوهري، لأنهم قالوا في جمعه أمكن وأمكنة وأماكن وأفعل وأفاعل وأفعلة، إنما هي لجمع ما الفاء أوله،

стр. 1849

ولأنهم قالوا: تمكن ولو كان من الكون لقالوا: تكون كتقول من القول فأما تمسكن وتدرع فقليل. (ص) والخلاء جائز والمراد منه: كون الجسمين لا يتماسان ولا بينهما ما يماسهما. ش: إنما وسط المصنف بذكره بين المكان والزمان (١٢٩/ك) لذهاب قوم إلى أن المكان هو الخلاء كما سبق وعرفه: بحصول جسمين لا يتلاقيان ولا يتوسط بينهما ما يلاقيهما وقد سبق خلاف في أنه عدم محض أو أبعاد أو امتدادات، والأصح الثاني والتفريع عليه وقد اختلف فيه أنه هل يجوز في داخل العالم وخارجه خلاء وهل للعالم مكان؟ فجوزه أكثر أهل الحق وكثير من قدماء الفلاسفة وأثبتوه وراء سطح العالم وداخله أيضا، وقال متأخروهم: ليس داخل العالم خلاء، وأما خارجه فلا خلاء ولا ملاء. واحتج النافون فقالوا الدليل على أنه ليس في داخله خلاء: أنه إذا كانت له منافس يخرج الهواء منها عند اعتماد الماء عليه، فإن لم يكن لها منافس منع ما فيها من الهواء بكثرته لبعد مسافته في جريان الماء، ولأن الماء إذا صب في إناء مشبك الأعلى فإن الهواء يخرج إذ ذاك من الإناء ويزاحم الماء حتى تسمع لها صوتا عند تزاحمهما، وهو أمر معلوم بالمشاهدة والدليل على أنه ليس في خارجه خلاء: أن الخلاء تابع للملاء فإذا كان الملاء متناهيا كان الخلاء متناهيا.

стр. 1850

والصحيح إثباته لأنه لا يمتنع في العقل فرض عوالم يوجدها الله خارج هذا العالم، ومعلوم أنه لا يوجدها إلا في مكان وهو الخلاء، إذا كان الخلاء عبارة عن: بعد يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة قائمة، لا في ملاء من شأنه أن يملك جسم ويخلو عنه، وموضع الخلاف في أنه هل يسمى مكانا؟ إنما هو في هذا النوع إذا تمكن فيه جسم، ولا خلاف أن سطح الجسم الأسفل الذي يستقر عليه الشيء الثقيل يسمى مكانا، وكذلك السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي، فعلى هذين الوجهين ليس للعالم مكان، وله مكان على الوجه الأول، وهو الخلاء الذي يشغله وجود العالم. فروع على القول بالخلاء ذكرها الإمام في (المطالب). الأول: اتفق جمهور القدماء على أن الخلاء لا يقبل العدم البتة، وخالفهم المحققون لأن هذه الابعاد ممكن الوجود، وكل ممكن قابل للعدم. الثاني: اتفقوا على أن حصوله خارج العالم غير متناه، وزعم أرسطاطاليس وأصحابه: أنه محال فإن القول بوجود أبعاد متناهية غير محال. الثالث: القائلون بحدوث العالم لا بد أن يقروا بأن هذا الفضاء قبل حدوث العالم كان فضاء متشابها، أعني أنه كان جانب منه فوقاً وجانباً= منه تحتا، لأن الفوقية والتحتية لا يعقل حصولها إلا عند حصول جسم آخر، فإذا لم يوجد شيء من الأجسام البتة امتنع اختلاف آخر هذا الخلاء بالفوقية والتحتية بكل كان خلاء متشابه الأحوال بالكلية. الرابع: أن القصد من هذه المباحث: أن إله العالم يمتنع أن يكون مختصا بشيء من الأمكنة.

стр. 1851

(ص) والزمان قيل: جوهر ليس بجسم ولا جسماني، وقيل: فلك معدل النهار، وقيل: عرض، فقيل حركة معدل النهار، وقيل مقدار الحركة والمختار أنه مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم إزالة للإيهام. (ش) اختلف أيضا في الزمان هل هو معدوم أو موجود بتقدير وجوده هل وجوده في الأعيان أو الأذهان، فقيل جوهر قائم بنفسه مستقل بذاته غني عن وجود الحركة ولواحقها، ثم إنه ليس بجسم لأنه كل ما كان جسما فإنه يكون قريبا من جسم وبعيدا عن آخر، وبديهة العقل شاهدة بأن نسبة جميع الزمان إلى جميع الأشياء على السوية، وعند هذا ينعقد قياس من الشكل الثاني وهو أن كل ما كان زمانا فإن نسبته إلى جميع الأجسام بالقرب والبعد على السواء، ولا شيء مما يكون جسما كذلك ينتج فلا شيء من الزمان بجسم، فثبت أنه جوهر مغاير للجسم وهذا القول

стр. 1852

اختاره الإمام في (المطالب العالية) ونصره وقول المصنف ولا جسماني أي ليس بجسم، ولا حال في الجسم، وقال آخرون عرض، ثم اختلفوا فمنهم من قال: نسبة الموجود لم يزل ولا يزال إلى ما ليس بأزلي ويزول، وقيل: مفارقة موجود لموجود وقيل حركة الفلك وقيل مقدار الحركة الفلكية من جهة التقدم والتأخر، قال الإمام في (المطالب): وهو قول أرسطاطاليس وارتضاه المعتبرون من أتباعه كالفارابي وابن سينا. قال: وقيل: عبارة عن نفس حركة الفلك الأعظم وقال أبو البركات البغدادي: مقدار امتداد الوجود، انتهى. والمختار عند المنصف= هنا: أنه مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم إزالة للإيهام، وإليه مال الآمدي في (الأبكار) قال: ولا بعد في قول القائل كل الزمان هو مما يقدره المقدر ويفرضه الفارض من مقارنة موجود لموجود ثم قال: وهو ما يعبر عنه بقولهم: كان كذا وقت طلوع الشمس، أنه قارن وجوده لطلوعها، ثم مال المصنف آخرا في غير هذا الكتاب إلى أنه عرض، وأنه مقدر فإن لم يكن حركة لم يكن زمان في الوجود، وإن لم تحس النفس بالحركة لم تحس بالزمان كما كان في حق أصحاب الكهف، وإليه يرشده كلام الغزالي في (المقاصد) قال: وكل من نام صحوة وانتبه صحوة فلا يحس بانقضاء زمان إلا أن يحس في نفسه بتغيير علم بالعادة، وأن ذلك لا يكون إلا في زمان، وهذا بالنسبة

стр. 1853

لاصطلاح الحكماء، وأما اللغة فقال أبو علي الفارسي: الزمان المدة التي هي الليل والنهار، لا يجوز أن يكون عدد حركات فيكون مختلفا لأنه قد تكون حركة أسرع من حركة أخرى، ولا زمان أسرع من زمان ولا أبطأ قال: وليس بين الزمان والدهر فرق إلا أن الدهر أزمنة كثيرة، وقال ابن جني: الزمان مرور الليل والنهار ورد بأن الليل والنهار زمن مخصوص فقد عرف الشيء بما لا يعرف إلا بعد معرفته، ويلزم أن لا يكون أزمانا لأن مرورها صفة قائمة بها، والصفة غير الموصوف، وقيل بل هو: عبارة عن الليالي والأيام، قال أبو ذؤيب: هل الدهر إلا ليلة أو نهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها وقيل الزمان مقدار حركة الفلك الأعظم، وقال المعري في (رسالة الغفران): قولهم الزمان حركة الفلك لفظ لا حقيقة له، وفي كلام سيبويه ما يدل على أنه مضي الليل والنهار، وقد حددته بأنه أقل جزء منه (١٣٠/ك) يشتمل على

стр. 1854

جميع الموجودات وهو في ذلك ضد المكان لأن أقل جزء منه لا يشتمل على شيء. (ص) ويمتنع تداخل الأجسام. ش: اتفق جميع العقلاء على امتناع تدخل الجواهر ووجود جوهر تحت جوهر آخر، خلافا للنظام فإنه ذهب إلى اللون والطعم والرائحة، كل منها جسم لطيف فإذا تداخلت هذه الأجسام اللطيفة حصل من مجموعها جسم كثيف وقال ابن أبي جمرة في حديث: (إرسال الله الملك إلى الرحم لينفخ فيه الروح)

стр. 1855

وهذا يرد على من قال: إن الجوهر لا يدخل في جوهر، لأن الملك جوهر ويدخل في الرحم ليصور، والرحم جوهر ولا يشعر صاحبه به. (ص) وخلو الجوهر عن جميع الأعراض. (ش) ذهب أهل الحق إلى أن الجواهر يستحيل خلوها عن كل جنس من الأعراض، وعن جميع أضداده، وإن كان له ضد واحد لم يخل الجوهر عن أحد الضدين، فإن قدر عرض لا ضد له لم يخل الجوهر عن قبول واحد من جنسه، وذهب بعض الفلاسفة إلى خلو الجوهر عن جميع الأعراض والصور، وقالوا بقدمها وحدوث الصور والأعراض ابتداء، ومنع معتزلة البصرة خلوها عن الألوان، وجوزوه فيما عداها، وقال الكعبي وشيعته من البغداديين يجوز الخلو عن الألوان ويمتنع غير الألوان قال ابن القشيري وغيره وسلم الكل استحالة خلو الجواهر عن الأعراض بعد تنزل الجواهر لها وقيامها بها وهذه المسألة من مقدمات حدوث العالم. (ص) والجوهر غير مركب من الأعراض. (ش) أي خلافا للنظام والنجار حيث قالا: الجواهر أعراض مجتمعة

стр. 1856

وبنوا قولهم هذا على أن الجواهر ليست مشتركة في تمام الماهية ولا متماثلة في حقيقة الجوهرية بل هي أجناس مختلفة لأن الجواهر أعراض مجتمعة، والأعراض مختلفة والجواهر أعراض لا تكون حينئذ متماثلة. وحجة الجمهور: أن الجوهر لو تركب من الأعراض لما قام بها، لكن الأعراض قائمة بالجواهر، أما الأولى فلأنه لو قامت الأعراض بالجوهر لكانت قائمة بالعرض وهو محال، وأما الثانية فللاتفاق على أن الجوهر يصح اتصافه بالحياة والعلم والقدرة وغير ذلك من الأعراض. (ص) والأبعاد متناهية. (ش) أبعاد الأجسام المتناهية يعني بالنهاية حد الشيء وهو الطرف الذي إذا تحرك إليه متحرك وقف عنده، بحيث لا يجد بعده شيئا آخر مما له ذلك الطرف، مثل النقطة للخط، وإذا علم تفسير النهاية بهذا كان أن لا نهاية عبارة عما لا يفرض فيه حد إلا وبعده حد آخر، وكذلك أبدا لا يقف عند شيء وهو حد، والذي عليه أهل الحق أن كل بعد فهو متناه، خلافا لبعض الأوائل في إثباتهم أبعادا لا نهاية لها، ومنهم من أثبت أقساما لا نهاية، وهم الهند قال صاحب (الصحائف): والحق أن القول بأبعاد غير متناهية باطل سواء كانت مادية أو مجردة وذلك لأنه لو وجدت أبعاد

стр. 1857

غير متناهية لاستحال وجود الحركة للمستديرة والثاني باطل فكذا المتقدم. (ص) والمعلول قال الأكثر يقارن علته زمانا، والمختار وفاقا للشيخ الإمام يعقبها مطلقا وثالثها إن كانت وضعية لا عقلية، أما الترتيب رتبة فوفاق. (ش) اتفقوا على أن العلة تتقدم المعلول بالرتبة، واختلفوا هل تسبقه في الزمان أو تقارنه على مذاهب: أحدها: أنها تقارنه وإن كان بينهما ترتب عقلي فهو في التسمية بل هو كحركة الخاتم فإنه مع حركة اليد وإن كان معلولا وقال الرافعي في كتاب الطلاق إنه الذي ارتضاه إمام الحرمين ونسبه للمحققين وعبر عنه في (الروضة) بالصحيح وأجاب إمام الحرمين والرافعي عن قول القائل: إن جئتني أكرمتك بأن الإكرام فعل منشأ ولا يتصور إنشاؤه إلا متأخرا عن المجيء فلزم الترتيب ضرورة، وأما وقوع الطلاق فإنه حكم شرعي لا يفتقر إلى زمان محسوس، فسبيله سبيل العلة مع المعلول. والثاني: أنها تسبقه واختاره الشيخ السبكي وللرافعي إليه ميل ظاهر، قال إمام الحرمين في (النهاية): وسواء هذا الحكم في المذهب يدل له، فإنه لو قال لغير المدخول بها إذا طلقتك فأنت طالق ثم قال: أنت طالق، طلقت هذه فقط ولم تطلق

стр. 1858

الطلقة المعلقة، لأنها بانت بالطلقة الموقعة فلم يلحقها ما بعدها، ولو كانت معه لوقع طلقتان لقوله أنت طالق طلقتين، وأيضا لو قال لغانم: مهما أعتقتك فسالم حر، ثم أعتق غانما في المرض والثلث لا يفي بهما لم يعتق سالم شيء، بخلاف ما لو أعتقهما جميعا فإنه يقرع بينها، وأجاب الغزالي عن هذا فقال وإنما لم يقع قبل الدخول طلقتان، لأن مقتضاه وقع مع أول حال البينونة، وكذلك لو قال: أنت طالق طلقة لم يقع إلا واحدة على أدق الوجهين، بخلاف أنت طالق طلقتين، لأن البينونة معلول لمجموع الطلقتينن وقوله طلقتين كالتفسير لقوله طالق، وكذا لا يعتق سالم لأن عتقه معلول عتق غانم، وربما خرجت القرعة على سالم فيعتق دون غانم، فثبت المعلول دون العلة: قال وهذا كلام دقيق عقلي ربما يقصر نظر الفقيه عنه انتهى. والثالث: أن العلة العقلية تقارن معلولها لكونها مؤثرة بذاتها، والوضعية تسبق المعلول والشرعية من الوضعية وهو ظاهر نص الشافعي في (الأم) في كتاب الطلاق، وللخلاف فوائد كثيرة مذكورة في الفروع في الطلاق والكفارة وغيرها، وقال الشيخ عز الدين في (القواعد): الأسباب القولية التي يستقل بها المتكلم كالطلاق والعتاق، الأصح أن أحكامها تقترن بآخر جزء منها فتقترن الحرية بالراء من قوله: أنت حر، والطلاق بالقاف من قوله: أنت طالق، وهذا اختيار الأشعري والحذاق من أصحاب الشافعي، وهو مطرد في جميع الألفاظ كالأمر والنهي، فإذا

стр. 1859

قال: اقعد كان أمرا مع الدال من قوله اقعد، وإذا قال لا تقعد كان ناهيا مع الدال من قوله لا تقعد، وكذا الأقارير والشهادات وأحكام الحكام، وقال بعض الشافعية: لا تقترن هذه الأحكام بشيء من هذه الألفاظ، بل تقع عقبها من غير تخلل زمان قال: ويدل على الاقتران إن سمع حرفا من آخر حروف الكلمة فإنه يحكم على مطلقها بموجبها عند آخر حرف من حروفها. (ص) واللذة حصرها الإمام والشيخ الإمام في (المعارف). (ش) ذهب الإمام (١٣١/ك) فخر الدين الرازي إلى أن اللذة منحصرة في العلوم والمعارف العقلية، فإنها خالصة شريفة غير متناهية باقية على الآباد، وأما اللذات الحسية منحصرة منقضية مشوبة بأكدار مظلمة طبيعية، والحاصل منها دفع الآلام، فلذة الأكل والشرب لدفع ألم الجوع والعطش، ولذلك قال الحسن: الإنسان صريع جوع وقتيل عطش، وهكذا الجماع واللبس وغيرهما من اللذات الجسمانية والخيالية، وصنف في ذلك رسالة سماها (تحقير اللذات الجسمانية) وقال: إن اللذات المطلوبة في هذه الحياة العاجلة محصورة في ثلاثة: فأدونها اللذات الحسية، وهي قضاء الشهوتين ويشارك فيها الآدمي غيره من الحيوانات، وأوسطها اللذات الخيالية وهي الحاصلة من الاستعلاء والرياسة لدفع ألم القهر والغلبة، وهي أشدهما التصاقا بالعقلاء إذ لم ينالوا رتبة الأولياء، ولذلك قال بعضهم: آخر ما يخرج من

стр. 1860

رؤوس الصديقين حب الرياسة، وأعلاها اللذات العقلية وهي الحاصلة بسبب معرفة الأشياء والوقوف على حقائقها وهي اللذة على الحقيقة وهذا أخذه من كلام الغزالي قال الغزالي: والعقلية هي أقلها وجودا وأشرفها، أما قلتها فلأن الحكمة لا يستلذ بها إلا الحكيم وقصور الرضيع عن إدراك لذة العسل والطيور السمان والحلاوة لا يدل على أنها ليست بلذيذة واستطابته للبن لا يدل على أنه أطيب الأشياء والناس كلهم إلا النادر مقيدون في صبأ الجهل غير بالغين في رتبة العلوم، فلذلك لا يستلذون: ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا. وأما شروطها: فلأنها لازمة لا تزول ودائمة لا تمل وثمرتها في الدار الآخرة، والقادر على الشريف إذا رضي بالخسيس الفاني كان مصابا في عقله مجزوما بشقاوته أقل أمر فيه أن الفضائل لا سيما العلم والعمل لا يحتاجان إلى أعوان وحفظة بخلاف المال فإن العلم يحرسك وأنت تحرس المال والعلم يزيد بالإنفاق والمال ينقص به والعلم نافع في كل حال والمال تارة يجذب إلى الرذيلة، ولذلك ذمه الله في القرآن في مواضع وإن سمي خيرا في مواضع وذكر الشيخ عز الدين في (القواعد) قريبا منه فقال: هذا مختص بدار المحنة وأما دار الكرامة وهي الجنة فإن اللذة تحصل
следующие страницы →