← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ص: (والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق). ش: قوله: (ما دل عليه اللفظ) جنس و (لا في محل النطق)، فصل يخرج به المنطوق، يشير بذلك إلى أن دلالته ليست وضعية، وإنما هي انتقالات ذهنية، فإنَّ الذهن ينتقل من فهم القليل إلى فهم الكثير، وذلك بطريق التنبيه بأحدهما على الآخر، وسمي مفهوماً؛ لأنَّه لا يفهم غيره وإلا لكان المنطوق أيضاًً مفهوماً، بل لما فهم من غير تصريح به، وقضية هذا أن يسمى دلالة الاقتضاء والإشارة مفهوماً، وعليه جرى بعضهم، لكن الجمهور خصوه بما فهم عندَ النطق على وجه يناقض المنطوق به أو يوافقه. ص: (فإن وافق حكمه المنطوق فموافقة، وفحوى الخطاب: إن كانَ أولى منه ولحنه إن كانَ مساوياً، وقيل: لا يكون مساوياً). ش: حكم غير المنطوق إما موافق لحكم المنطوق نفياً أو إثباتاً أو لا، والأولى مفهوم الموافقة وهل يشترط فيه الأولوية على قولين أحسنهما: لا، بل يكون أولى

стр. 247

ومساوياً، ثمَّ إن كانَ أولى سمي فحوى الخطاب لأنَّ الفحوى ما يعلم من الكلام بطريق القطع كتحريم الضرب من قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ وإن كانَ مساوياً سمي لحن الخطاب أي معناه من قوله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ أي معناه كثبوت الوعيد في إتلاف مال اليتيم وإحراقه من قوله تعالى ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ الآية؛ لأنَّه مثل الأكل والثاني أنه يشترط فيه الأولوية، ولا يكون في المساوي، وهو قضية ما نقله إمام الحرمين عن الشافعي، وعزاه الهندي للأكثرين، والخلاف راجع إلى الاسم، ولا خلاف في

стр. 248

الاحتجاج بالمساوي كالأولى. ص: (ثم قالَ الشافعي والإمام دلالته قياسية، وقيل: لفظية، فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم، وقيل: نقل اللفظ إليها عرفاً). ش: ما حكاه عن الشافعي نقله الصيرفي وغيره، ثمَّ قيل: إن مراده، أنه قياس حقيقة، ولهذا ينظر فيه إلى المناسبة، وسماه القياس الجلي ونقله الرافعي في الأقضية عن الأكثرين، وقيل بل أراد أن يشبهه؛ لأنَّ الضرب لما لم يذكر في قَوْلِهِ تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ وإنما استفيد علمه من ناحية المذكور أشبه علمنا بالفرع من ناحية أصله، وإليه مال ابن السمعاني، والقول بأن دلالته لفظية، قالَ

стр. 249

الشيخ: أبو حامد الإسفراييني في كتابه في الأصول: إنه الصحيح من المذهب، ولهذا قالَ به منكرو القياس، ولأنَّه لو كانَ قياساً، لكنا لا نفهمه قبل ورود الشرع بالقياس، وأهل اللغة يفهمون من السياق ذلك، والمراد بكونه لفظياً، أن فهمه مستند إلى اللفظ، لا أن اللفظ تناوله، ثمَّ القائلون بذلك اختلفوا، فقال المحققون منهم كالغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، ودلالة اللفظ عليه مجاز من باب إطلاق الأخص على الأعم، وهؤلاء يقولون: إن صيغ التنبيه بالأدنى على الأعلى موضوعة في الأصل للمجموع المركب من الأمرين، وهو ثبوت الحكم في ذلك الأدنى الذي هو مذكور وتأكيد ثبوته في الأعلى (٤٣ أ) المسكوت عنه، وقالَ آخرون، إنها وإن كانت في الأصل موضوعة لثبوت الحكم في المذكور لا غير، لكن العرف الطارئ نقلها عنها إلى ثبوت الحكم في المذكور والمسكوت عنه معاً، وعلى هذا والذي قبله فلا يكون من المفهوم، بل منطوقاً به، وهذا الذي أخره المصنف وضعفه هو الذي ذكره في باب العموم حيث قالَ: وقد يعم اللفظ عرفاً كالفحوى.

стр. 250

فإن قلت: هل من تناف بينَ ثبوته بالمفهوم وثبوته بالقياس؟ ولم لا يكون إلحاق الضرب بالتأفيف باتفاقهما جميعاً؟ قلت: زعم الصفي أن الحق عدم تنافيهما لكون المفهوم مسكوتاً عنه، والقياس إلحاق مسكوت عنه بمنطوق، قالَ: والدلالة اللفظية إذا لم يرد بها المطابقة، ولا التضمن لا ينافيها القياس، وقد يقال: هما متنافيان؛ لأنَّ المفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق والمقيس ما لا يدل عليه اللفظ ألبتة. واعلم أن إمام الحرمين في باب القياس من (البرهان) قد أشار إلى أن الخلاف لفظي، والظاهر أنه معنوي، ومن فوائده جواز النسخ به وسيأتي فيه خلاف في النسخ إن شاء الله تعالى. ص: (وإن خالف فمخالفة، وشرطه ألا يكون المسكوت عنه ترك لخوف ونحوه، ولا يكون المذكور خرج للغالب، خلافاً لإمام الحرمين، أو لسؤال، أو حادثة، أو للجهل بحكمه أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر). ش: مفهوم المخالفة أن يكون المسكوت عنه مخالفاً للمنطوق، ويسمى دليل الخطاب، وله شروط منها ما يرجع للمسكوت، ومنها ما يرجع للمذكور، فمن

стр. 251

الأول ألا تظهر أولوية ولا مساواة فيه، فيصير موافقة، ذكره ابن الحاجب وغيره، واستغنى المصنف عنه بما سبق، ومنه ألا يكون ترك ذكره لخوف، فإنَّ كانَ هناك خوف يمنع عن ذكر حال المسكوت عنه، فلا مفهوم له؛ لأنَّ الظاهر أن هذه فائدة التخصيص، واعلم أن كلام ابن الحاجب يقتضي عد هذا من شروط المذكور، وتقريره ألا يكون المذكور وأرداً لدفع خوف، فإنَّ ورد فلا مفهوم له، كما لو قيل لمن خاف ترك الصلاة أول الوقت: يَجُوز ترك الصلاة المفروضة في أول الوقت، فإنَّه لا يدل على عدم جواز تركها في غيره، ومن الثاني أن لا يكون المذكور خرج

стр. 252

مخرج الغالب، أي: أن العادة جارية باتصاف المذكور بالوصف، كقوله تعالى ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ فإنَّه إنما ذكر هذا القيد لأنَّ الغالب كون الربيبة في الحجر، وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ فذكر السفر لأنَّ الغالب أن يفقد فيه الكاتب، وهذا الشرط نقله إمام الحرمين عن الشافعي، ثمَّ قالَ: والذي أراه أن خروج الكلام على العرف لا يسقط التعليق بالمفهوم، لكن ظهوره أضعف من ظهوره غيره. قلت: وإنما صارَ الشافعي إلى ذلك بناء على أصله، أن القيد لا بد له من فائدة، والفائدة منحصرة في نفي الحكم عما عدا المنطوق، فإذا لاح في التخصيص فائدة أخرى غير نفي الحكم تطرق الاحتمال إلى المفهوم، وعلى هذا فيصير عندَه مجملاً، كاللفظ المجمل، حتى لا يحكم بمخالفة ولا موافقة أشار إلى ذلك في (الرسالة) والإمام وإن لم يسقط التعلق به، لكنه قالَ: يضعف دلالته حتى لو عارضه دليل لم

стр. 253

يبلغ في القوة ذلك المبلغ أسقطه، ووافقه (٤٣ ب) ابن عبد السلام، وزاد فقالَ: ينبغي العكس، أي: لا يكون له مفهوم إلا إذا خرج مخرج الغالب، محتجاً بأن القيد إذا كانَ الغالب يدل عليه، فذكره حينئذ بغير فائدة أخرى، وهي المفهومية، بخلاف ما إذا لم يخرج مخرج الغالب، وأجاب في أماليه، بأن المفهوم إنما قلنا به لخلو القيد عن الفائدة لولاه، أمَّا إذا كانَ الغالب وقوعه، فإذا نطق باللفظ أولاً فهم القيد لأجل غلبته، فذكره بعد يكون تأكيداً لثبوت الحكم للمتصف بذلك القيد، فهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها، فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب. ومنه: ألا يكون خرج لسؤال عن حكم إحدى الصفتين، مثل: إن سأل: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيقول: في الغنم السائمة الزكاة. ومنه: ألا يخرج مخرج حادثة خاصة بالمذكور، كما لو قيل بحضرة النبيّ ﷺ : لزيد غنم سائمة، فقالَ: فيها زكاة، فإنَّ القصد بيان الحكم فيه لا النفي عما عداه، ولك أن تقول: كيف جعلوا هنا السبب قرينة صارفة عن إعمال المفهوم، ولم يجعلوه صارفاً عن إعمال العام، بل قدموا اللفظ على السبب، وبتقدير أن يكون كما قالوه. فهلا جرى فيه خلاف العبرة بعموم اللفظ، أو بخصوص السبب؟ ثمَّ رأيت صاحب المسودة، حكى عن القاضي عن أصحابهم فيه احتمالين، ولعل الفارق أن دلالة المفهوم ضعيفة بخلاف اللفظ العام. ومنه: ألا يكون المنطوق خرج لتقدير جهالة من المخاطب لحكم المسكوت

стр. 254

عنه، فإنَّ خرج لذلك، كما لو علم شخص أن في المعلوفة زكاة ولم يعلمها في السائمة، فقال النبيّ ﷺ : ((في السائمة زكاة)) فلا مفهوم له؛ لأنَّ التخصيص حينئذ لإزالة جهل المخاطب لا لنفي الحكم عما عداه فلا مفهوم له، وقوله: (أو غيره مما يقتضي التخصيص) أي تخصيص حكم المنطوق بالذكر من الفوائد التامة التي لا تحتاج معها إلى تقدير فائدة أخرى، ويجمع ما سبق أن نقول، وشرطه ألا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه، وعليه اقتصر في (المنهاج) لكن المصنف تابع ابن الحاجب في سرد

стр. 255

الصور. ص: (ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق، بل قيل: يعمه المعروض، وقيل: لا يعمه إجماعاً). ش: الضمير في قَوْلِهِ: لا يمنع عائد على قوله: (مما يقتضي التخصيص والمعنى أن شرطه، ألا يكون هناك شيء من الأسباب التي تقتضي تخصيص القيد بالذكر، ولا يمنع أن يقاس المسكوت على المنطوق، ويَجُوز عوده على التخصيص بالذكر، والمعنى: ولا يمنع التخصيص ـ والحالة هذه ـ بالذكر أن يلحق المسكوت بالمنطوق، إذا اقتضى القياس إلحاقه، والغرض من هذا مسألة حسنة، وهي أنا حيث لا نجعل القيد مخصصاً، فهل نقول: إن ما وراء ذي القيد كالمعلوفة في قولنا: الغنم السائمة ـ داخل في عموم قولنا: الغنم، وإن وجود لفظ السائمة كالمعدوم، إذ لا تأثير له في منع المعلوفة من الدخول تحت عموم لفظ الغنم؟ أو نقول: إنه منع دخوله تحت العموم، وبقي مسكوتاً عنه كما كان، إذ لا مفهوم ينفيه، ولا لفظ يقتضيه؟ والمختار الثاني، وادعى بعضهم فيه الإجماع وهو قضية قول (٤٤ أ) ابن الحاجب في أثناء المسألة، وأجيب بأن ذلك فرع العموم ولا قائل به، وقالَ بعضهم بالأول، وإليه أشار المصنف بقوله: (بل قيل: يعمه المعروض) وأشار بقوله: (إجماعاً) إلى أن هذا القول قد ادعي قيام الإجماع عليه، فيكون ما وراءه خارقاً للإجماع، ولا فائدة في قَوْلِهِ: (وقيل: لا يعمه إجماعاً) إلا التنبيه على ذلك، وإلا نفى قوله: (ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق) ما يفهم أن الإلحاق به قياس سائغ، وبهذا يخرج الجواب عمن اعترض على المصنف بأنه حكى قولاً بالتعميم، والإجماع في مقابله، وتحريره أنه لم يدع قيام الإجماع على مقابله، بل نقل أن بعضهم ادعى ذلك، وأما المعروض فهو اللفظ العام، وهو الغنم مثلاً، في قولنا: الغنم السائمة، إذ لفظ السائمة عارض له، وإنما قالَ: المعروض ولم يقل الموصوف، لئلا يتوهم اختصاص ذلك بمفهوم الصفة، وهو لا يختص به، إذ هذه الأمور تمنع القول بالمفهوم في الصفة والشرط وغيرهما، ولم يقيد المقيد؛ لأنَّ من يدعي أن اللفظ عام، وأنه لا ينافي العموم، فيَجُوز الإلحاق به قياساً لا يسلم وجود قيد، ويقول: لفظ السائمة ليس

стр. 256

قيداً؛ لأنَّ ما جاء للتقييد، وإنما خرج لغرض وراء التقييد. ص: (وهو صفة كالغنم السائمة أو سائمة الغنم لا مجرد السائمة على الأظهر). ش: مفهوم الصفة، أن يذكر الاسم العام مقترناً بالصفة الخاصة، كقوله: (في الغنم السائمة زكاة) يفهم نفيها عن المعلوفة، وقوله: (لا وصية لوارث)، يفهم جوازها لغير الوارث، وليس المراد بالصفة النعت فقط، كما هو اصطلاح النحوي، ولهذا يمثلون بـ ((مطل الغني ظلم)) فجعل الغنى صفة، والتقييد فيه بالإضافة، وإنما غاير المصنف بينَ المثالين بالعطف بـ (أو) لينبه على تغايرهما فإنَّ

стр. 257

كلام (المنهاج) يقتضي تساويهما ومختار المصنف خلافه، وإن لكل منهما مفهوماً غير المفهوم من الآخر، وبنى ذلك على أن مرادهم بالصفة تفسير لفظ مشترك المعنى، بلفظ آخر مختص ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية قالَ: فإنَّ المقيد في: (في الغنم السائمة الزكاة) إنما هو الغنم، وفي: (في سائمة الغنم زكاة) إنما هو السائمة، فمفهوم الأول عدم الوجوب في الغنم المعلوفة، التي لولا التقيد بالسوم، لشملها لفظ الغنم، ومفهوم الثاني عدم وجوب الزكاة في سائمة غير الغنم كالبقر مثلاً، التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها لفظ السائمة، وأما عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة بالنسبة إلى هذا التركيب الثاني، فإنَّه من باب مفهوم اللقب؛ لأنَّ قيد الغنم لم يشمل غيرها كالبقر مثلاً، فلم يخرج بالصفة التي لو أسقطت لم يختل الكلام، وأما قوله: لا مجرد السائمة، يشير به إلى أن صورة مفهوم الصفة المُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أن تذكر الذات العامة، ثمَّ تذكر إحدى صفتيها، كالمثالين المذكورين، أمَّا إذا ذكرت الصفة فقط، مثل السائمة فقط، هل هو كالصفة أو لا مفهوم له؟ لأنَّ الصفة إنما جعل لها مفهوم؛ لأنَّه لا فائدة لها إلا نفي الحكم، والكلام بدونها لا يختل، وأما الصفة المجردة فكاللقب يختل الكلام بدونه على قولين، حكاها الشيخ أبو حامد، وابن السمعاني وغيرهما، قالَ ابن السمعاني: وجمهور أصحاب الشافعي على التحاقه بالصفة (٤٤ ب) وهذا خلاف ترجيح المصنف، وعلى الأول فلا ينبغي أن يفهم تساويهما، بل الصفة المقيدة بذكر موصوفها أقوى في الدلالة من الصفة المطلقة؛ لأنَّ المقيدة بذكر موصوفها كالنص، وقالَ الهندي: الخلاف في هذا

стр. 258

أبعد؛ لأنَّ في صورة التخصيص بالصفة من غير ذكر العام، يمكن أن يكون الباعث للتخصيص هو عدم خطوره بالبال، وهذا الاحتمال إن لم يمنع في العام المرادف بالصفة الخاصة في معرض الاستدراك فلا شك في بعده جداً، وقيد الوصف بالذي يطرأ ويزال احترازاً عن الصفة اللازمة للجنس كالطعم لما يؤكل، نحو قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام)) فإنَّ هذا، ليس الخلاف فيه كالخلاف في تينك الصورتين، بل أبعد وهو قريب من الخلاف في التخصيص بالاسم. ص: (وهل المنفي غير سائمتها أو غير مطلق السوائم قولان). ش: لا خلاف أن المنفي غير السائمة، لكن اختلفوا هل هي غير سائمة الغنم أو غير سائمة كل شيء؟ مثاله: (إذا قالَ: في الغنم السائمة زكاة، هل يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقاً من سائر الأجناس، سواء كانت معلوفة الغنم أو الإبل أو البقر أو يختص النفي عن ذلك الجنس، وهي معلوفة الغنم فقط؟ وهذا الخلاف حكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه في (الأصول) والإمام في (المحصول) عن أصحابنا وصححا الثاني، ووجهه أن المفهوم نقيض المنطوق والمنطوق سائمة الغنم دون غيرها، قالَ المصنف: ولعل الخلاف مخصوص بصورة (في الغنم السائمة) أمَّا صورة سائمة الغنم، فقد قلنا: إن المنفي فيها سائمة غير الغنم، فالمنفي سائمة لا غير سائمة، والمنفي هناك غير سائمة، لكن غير سائمة، على الغنم أو غير سائمة على الخصوص؟ فيه القولان.

стр. 259

ص: (ومنها العلة، والظرف والحال، والعدد) ش: الضمير في (منها) يعود إلى الصفة، وعادة الأصوليين، يغايرون بينَ الصفة وبين هذه المذكورات، وجعلها إمام الحرمين أقساما من الصفة وراجعه إليها فقالَ: ولو عبر معبر، عن جميع هذه الأنواع بالصفة، لكان ذلك منقدحاً، فإنَّ المحدود والمعدود موصوفان بعددهما وحدهما، والمخصوص بالكون في زمان أو مكان موصوف بالاستقرار فيها، فقول القائل: زيد في الدار أي: مستقر فيها وكائن فيها وكذا القتال يوم الجمعة أي: كائن فيه، وقد صرح به القاضي أبو الطيب في العدد، وقالَ: إنه قسم من الصفة لأنَّ قدر الشيء صفته، وأشار إليه ابن الحاجب أيضاًًَ، وجرى عليه المصنف. ومنها مفهوم العلة، فهو تعليق الحكم بالعلة، نحو: ما أسكر كثيره فقليله حرام، مفهومه: أن ما لا يسكر كثيره لا يحرم، والفرق بينه وبين مفهوم الصفة: أن الصفة قد تكون تكملة العدد لا علة، وهي أعم من العلة، فإنَّ الزكاة لم تجب في السائمة لكونها تسوم، وإلا لوجبت الزكاة في الوحوش، وإنما وجبت لنعمة الملك وهو معَ السوم أتم منها، معَ العلف، كذا قاله القرافي، ولك أن تقول:

стр. 260

انتفاء الحكم عن المسكوت لأجل انتفاء العلة المعلق عليها الحكم لا من ناحية المفهوم، والأصل عدم علة أخرى، وأما مفهوم الظرف فهو يتناول ظرف الزمان (٤٥ أ) والمكان وهو حجة عندَ الشافعي كما قاله إمام الحرمين فالزمان كقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ والمكان كقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عندَ المشعر الحرام﴾ وأما مفهوم الحال، أي: تقييد الخطاب بالحال، فكقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ ذكره ابن السمعاني في (القواطع)، وقالَ: إنه كالصفة، وأما العدد، أي: تعلق الحكم بعدد مخصوص، كقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ وهو كالصفة كما نقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي، وكذا الماوردي في باب بيع الطعام قبل أن يستوفي، ومثله بقوله: في أربعين شاة، شاة، قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً) وفي هذا الثاني نظر، وقد

стр. 261

قالَ ابن الصباغ في (العدة): مذهب الشافعي أن مفهوم العدد حجة إلا إذا كانَ في ذكر المعدود تنبيه على ما يزاد عليه، كقوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً)، فإنَّه ينبه على أن ما زاد عليهما أولى بأن لا يحمل، قلت: وهذا قاله الشافعي في اختلاف الحديث، فقالَ: وفي قَوْلِهِ ﷺ : ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً))، دلالتان: إحداهما: أن ما بلغ قلتين فأكثر لم يحمل نجساً؛ لأنَّ القلتين إذا لم يتنجساً، لم ينجس أكثر منهما، وهذا يوافق حديث بئر بضاعة، والثانية: أنه إذا كانَ دون القلتين حمل النجاسة؛ لأنَّ قوله: إذا كانَ الماء كذا لم يحمل النجاسة، دليل على أنه إذا لم يكن كذا حمل النجاسة، وهذا يوافق حديث أبي هُرَيْرَةَ في

стр. 262

غسل الإناء من الولوغ؛ لأنَّ آنيتهم كانت صغاراً، انتهى، وعلى هذا الثاني يحمل كلام الماوردي وأنه حجة بالنسبة إلى عدم النقصان لا الزيادة. ص: (وشرط) ش: هذا قسيم قوله: وهو صفة، ومفهوم الشرط هو تعليق الحكم على شرط، وهو يدل على انتفاء الحكم قبل وجود الشرط، وهو معنى قولهم: المعلق بالشرط عدم، قبل وجود الشرط، وإلا لكان التعليق بالشرط قبيحاً، واقتضى كلام الإمام فخر الدين أن الخلاف في أن عدم المشروط مستفاد من عدم الشرط، أو لا، وليس كذلك فإنَّ القاضي من المنكرين له، وهو قائل بعدم الشرط، لكن علة عدمه استصحاب الأصل، وغيره يعلله بعدم الشرط فالخلاف إنما هو في دلالة حرف الشرط على العدم عندَ العدم لا على أصل العدم عن العدم، فإنَّ ذلك ثابت بالأصل، قبل أن

стр. 263

ينطق الناطق بكلام، وكذا القول في سائر المفاهيم، وهل المراد بالشرط الاصطلاحي أو اللغوي حتى يدخل فيه السبب في أنه يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم فيه بحث. ص: (وغاية) ش: مفهوم الغاية مد الحكم إلى غاية بإلى وحتى، فيدل على نفي الحكم عما بعدها لقوله تعالى: ﴿وأتموا الصيام إلى الليل﴾ ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ ونص الشافعي في (الأم) على القول به، ومنهم من أنكره، وقالَ:

стр. 264

هو نطق بما قبل الغاية، وسكوت عما بعدها، فيبقى على ما كانَ عليه. ص: (وإنما ومثل لا عالم إلا زيد، وفصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل وتقديم المعمول). ش: مفهوم الحصر أنكره قوم، وقالَ آخرون هو من المنطوق، والجمهور على أنه من المفهوم ويدخل فيه صور منها: إنما، نحو: ((إنما الولاء لمن أعتق)) فإنَّه يفيد إثباته للمعتق، ونفيه عن غيره بالمفهوم، وسيذكر المصنف الخلاف فيه، ومنها المنفي بما أو بلا، والاستثناء، نحو (٤٥ ب) لا عالم إلا زيد وما قام إلا زيد، صريح في نفي العلم عن غير زيد، ويقتضي إثبات العلم له، قيل بالمنطوق، وقد رأيت في كتاب ابن فورك الجزم به، وقالَ: فيه قضيتان، نفي وإثبات بخلاف النفي المجرد نحو: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام)) فإنَّه قضية واحدة لها مفهوم: انتهى.

стр. 265

والصحيح أنه بالمفهوم لما سنذكره وتمثيله بالاستثناء المفرغ يقتضي خلافه لو قلت: ما قام أحد إلا زيد، ولا فرق، ومنها ضمير الفصل بينَ المبتدأ والخبر نحو: زيد هو القائم يفيد ثبوت القيام له، ونفيه عن غيره بالمفهوم، وعليه قوله تعالى: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي﴾ وقوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ وهذا ذكره البيانيون ومنها: تقديم المعمول، نحو: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ أي: نخصك بالعبادة والاستعانة، وبالغ البيانيون في إفادته الاختصاص، وسيأتي الخلاف فيه. وأطلق المعمول ليشمل المفعول والحال والظرف، وكذلك تقدم الخبر على المبتدأ نحو: تميمي أنا، وبه صرح صاحب (المثل السائر) وأنكر عليه صاحب (الفلك الدائر) وقالَ:

стр. 266

لم يقل به أحد، واحتج أصحابنا على تعيين لفظتي التكبير والتسليم بقوله ﷺ (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم﴾ ومنعته الحنفية معتقدين أنه من قبيل المفاهيم، وزيفه إمام الحرمين بأن التعيين يستفاد من الحصر المدلول عليه بالمبتدأ والخبر، فإنَّ التحريم ينحصر في التكبير كانحصار زيد في صداقتك، إذا قلت: صديقي زيد، وقرر الشيخ بهاء الدين النحاس بأن المبتدأ لا يكون أعم من الخبر، لا تقول: الحيوان الإنسان، فإنَّ قلت: زيد صديقي، كانَ الخبر صالحاً لأنَّ يكون أعم من المبتدأ فيجعله كذلك، وكذلك قالُوا: لا يلزم انحصار الصداقة في زيد بخلاف قولك: صديقي زيد، فإنا لا يمكننا أن نجعل الخبر الذي هو زيد أعم من المبتدأ، فما بقي إلا أن نجعله مساوياً، وإلا كانَ الخبر أخص من المبتدأ وأنه غير جائز، وإذا كانَ مساوياً يلزم الانحصار، ضرورة صدق، أن كل من هو صديقي زيد حينئذ.

стр. 267

ص: (وأعلاه لا عالم إلا زيد ثمَّ ما قيل: إنه منطوق أي: بالإشارة ثمَّ غيره). ش: أي: أقوى المفاهيم من باب الحصر النفي وإلا؛ لأنَّ إلا موضوعة للاستثناء وهو الإخراج، فدلالته على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم، ولكن الإخراج من عدم القياس ليس هو غير القيام، بل قد يستلزمه، فلذلك كانَ من المفهوم، واعلم أن بعض الجدليين حكى خلافاً في الاستثناء، هل هو منطوق أو مفهوم؟ ورجح الأول بدليل أنه لو قالَ: ما له علي إلا دينار، كانَ ذلك إقراراً بالدينار حتى يؤاخذ به، ولولا أنه منطوق لما ثبتت المؤاخذة به؛ لأنَّ دلالة المفهوم لا تعتبر في الإقرار بالاتفاق، وقوله: (ثم ما قيل: إنه منطوق) أي: كأنها، وإنما قالَ: أي: بالإشارة للتنبيه على أنه ليس مراد القائل بكونه منطوقاً إنه منصوص، فذلك بعيد، بل مراده إشارة النص إليه، ولا شك أنه بهذا الاعتبار مرتفع عن رتبة المفاهيم، إذ دلالة النص أقوى من مفهومه، فإنَّ قلت: لا حاجة لقوله أولاً: (وأعلاه لا عالم إلا زيد) لأنَّ من الناس من قالَ: إنه منطوق، وقالَ القرافي: إنه الظاهر (٤٦ أ) فهو داخل في قَوْلِهِ: (ما قيل: إنه منطوق) قلت: لا بد منه؛ لأنَّ القائل بالمنطوق في النفي، قيل إلا أن يدعي أنه منطوق، بخلاف إنما والغاية، ولهذا قالَ: أي بالإشارة والذي أحوجه إلى هذا أنه قصد إثبات تعاقب رتبها في المفهوم، وإن جعلناها من المفهوم، فليست دلالتها على

стр. 268

السواء، وقوله: ثمَّ غيره أي: من أنواع الحصر الذي كما وهو ضمير الفصل وتقديم المعمول ويلحق به حصر المبتدأ في الخبر. ص: (مسألة: المفاهيم إلا اللقب حجة لغة، وقيل: شرعاً، وقيل: معنى). ش: الألف واللام للعهد، وهي الأربعة السابقة في أنواع المخالفة، فإنَّ مفهوم الموافقة يجمع على القول به كما قاله القاضي أبو بكر وغيره، وقالَ الهندي لا نعلم خلافاً في صحته، بل أطبق الكل عليه حتى منكرو القياس، وقوله: إلا اللقب، لا وجه للاستثناء؛ لأنَّه لم يتقدم له ذكر، وإنما ذكره فيما بعد، وأخره لأنَّه يخالفها في الحجة، وقوله: حجة، أي: ظاهر في المفهوم، مثل العموم ظاهر في الاستغراق، ولهذا نقدمه على القياس، ونؤخره عن النص، قالَ ابن السمعاني، لكن اختلف القائلون به، هل نفى الحكم فيه عما عدا المنطوق به من جهة اللغة، أي: ليس من المنقولات الشرعية، بل هو باق على أصله، أو من جهة الشرع بتصرف منه زائد على وضع اللغة، أو من قبيل المعنى أي: العرف العام، ورجح ابن السمعاني الأول وتابعه المصنف وعزاه لأكثر الأصحاب، وعزا الثالث للإمام، وهو متابع فيه للهندي، وإنما قاله الإمام في (المعالم) وأما في المحصول فاختار مذهب الحنفية، معَ أن المصنف في باب العموم جزم بأن تعميم مفهوم المخالفة بدلالة العقل، ثمَّ أحاله على المذكور هنا، واستثنى من حجية المفاهيم مفهوم اللقب، وهو تعلق الحكم بالاسم الجامد، نحو: قام زيد، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه على الصحيح؛ لأنَّ اللفظ لم يتعرض له، وتخصيصه بالذكر، لغرض الإخبار عنه، لا لنفيه عن غيره، وليس المراد باللقب الاصطلاحي: النحوي بل الأعم من اللقب والاسم والكنية.

стр. 269

ص: (واحتج باللقب الدقاق والصيرفي وابن خويز منداد وبعض الحنابلة). ش: زيفوا مذهب الدقاق، بأن المصير إليه ينفي تعيين كل ما اعتبر الشرع عينه، ويستلزم إثبات قيام كل من في العالم عندَ قولنا: زيد جالس، ويلزم تكفير من قالَ: عيسى رسول الله، وله أن يجيب بأن المفهوم اللقبي يحتج به عندَ عدم معارضة المنطوق كغيره من المفاهيم، واعلم أن نسبته إلى الدقاق مشهور وأما

стр. 270

الصيرافي فاعتمد المصنف فيه أن السهيلي نقله في (نتائج الفكر) في باب عنه وهو غريب ولعله تحرف علة بالدقاق، وأما حكايته عن ابن خويز منداد، فذكره الماوردي وغيره، وقالَ المصنف: إن الإمام في البرهان حكاه عن طوائف من أصحابنا، وأنه إخبار للاحتجاج به إذا اقترن به ما يفيد نفي الحكم، كقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ فائدة: ابن خويز منداد اشتهر على الألسنة بالميم، وعن ابن عبد البر أنه بالباء الموحدة المكسورة.

стр. 271

ص: (وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقاً، وقوم في الخبر، والشيخ الإمام في غير الشرع، وإمام الحرمين صفة لا تناسب الحكم، وقوم العدد دون غيره). ش: المنكرون للمفهوم في الجملة اختلفوا (٤٦ ب) على مذاهب، فمنهم من أنكر الكل، أي مفاهيم المخالفة، وقوله: (مطلقاً) لأجل التفصيل الذي بعده، والعجب على اقتصاره على أبي حنيفة، وحده فإنَّه وجه عندَنا صارَ إليه الغزالي، وتوهم ابن الرفعة في (المطلب) أن أبا حنيفة يقول بمفهوم الصفة لإسقاط الزكاة في المعلوفة، وليس مأخذ السقوط عندَه المفهوم، بل إن الأصل عدم الوجوب مطلقاً، خرجت السائمة بدليل، فبقي في المعلوفة على الأصل، ومنهم من أنكره في الخبر، واعترف به في الأمر، فهذا أخذه المصنف من ابن الحاجب، فإنَّه ذكر في أدلة النفاة أنه لو ثبت المفهوم لثبت في الخبر وهو باطل؛ لأنَّ من قالَ في الشام: الغنم السائمة، لم يدل على خلافه قطعاً، وأجاب بالتزامه في الخبر أيضاًً، وبأنه قياس في اللغة ثمَّ زيفها، وقالَ: الحق في الفرق بينَ الإنشاء والخبر، فإنَّ الخبر وإن دل على المسكوت ـ غير مخبر به، فلا يلزم أن يكون حاصلاً في الخارج لأنَّ الخبر يفتقر إلى خارج وهو تعلقه، بخلاف الحكم، إذ لا خارجي له حتى يجري فيه ذلك، وفرق ابن السمعاني فإنَّ المخبر قد يكون له غرض في الإخبار، بأن في الشام غنماً سائمة مثلاً وأن زيداً الطويل في الدار، ولا يكون له غرض في الإخبار، عن غير الشام ولا عن غير زيد الطويل فخصهما، بالإخبار لذلك، وأما الشارع في مقام الإنشاء وإن بينَ جميع الأحكام فإذا قالَ: زكوا عن الغنم السائمة، علمنا أنه لو كانت الزكاة في جميع الغنم لعلق بمطلق الاسم. واعلم أن مقتضى كلام من ذكر أن القول ينفيه في الخبر محل اتفاق، ولهذا تمحلوا طريق الفرق، وصرح به القاضي في التقريب، ومع ذلك فلا يخفى ما في حكاية المصنف له قولاً مفصلا، لكن صاحب (المسودة) حكى عن القاضي وعن أصحابه فيه قولين، مرة سوى بينهما، ومرة فرق، فقالَ: إذا قلت: زيد الطويل في الدار، لم يدل على القصير بنفي ولا إثبات، وقالَ والد المصنف: إنما هو حجة في خطاب الشارع لعلمه بواطن الأمور وظواهرها وليس بحجة في كلام

стр. 272

المصنفين والناس لغلبة الذهول عليهم، وعلى هذا فالمفهوم بمنزلة القياس، ويشهد له ما حكاه الرافعي عن فتاوى القاضي حسين، أنه لو ادعى عليه عشرة، فقالَ: لا تلزمني اليوم ـ لا يطالب بها؛ لأنَّ الإقرار لا يثبت بالمفهوم، قلت: لكن كلام المصنف يقتضي أنه لا فرق بينَهما في طرد الخلاف وقد حكى الغزالي في البسيط فيما لو قالَ: قارضتك على أن لي النصف وسكت عن جانب العامل ـ فظاهر النص إنه فاسد؛ لأنَّ جميع أجزاء الربح تضاف إليه بحكم الملك، وإنما ينصرف عنه بإضافته إلى غيره ولم يضف، وذكر ابن سريج قولاً مخرجاً أنه يصح تمسكاً بالفحوى والمفهوم، انتهى. وقالَ الهروي في (الإشراف) لو قالَ: ما لزيد علي أكثر من مائة درهم، لم يكن مقراً بالمائة؛ لأنَّه نفي مجرد، فلا يدل على الإثبات، وفيه وجه أنه إقرار، وهو قول أبي حنيفة، وأصل هذا أن دليل الخطاب، هل هو حجة أم لا؟ انتهى. ثم رأيت ابن تَيْمِيَّةَ في بعض مؤلفاته، حكى هذا التفصيل عن بعض الناس، وقالَ: إنه خلاف الإجماع، فإنَّ الناس إما قائل بأن المفهوم من جملة دلالات الألفاظ أو ليس من جملتها، فالتفصيل إحداث قول ثالث، ثمَّ القائلون بأنه حجة إنما قالُوا: هو حجة في الكلام مطلقاً، واستدلوا على كونه حجة في كلام الناس بأنه دلالة (٤٧ أ) من جملة الدلالات كالعموم، وأما القياس فإنما لم يكن حجة في كلام الناس؛ لأنَّه ليس من دلالات الألفاظ المعلومة من جهة اللغة، وإنما يصير دليلاً بنص الشارع بخلاف المفهوم، فإنَّه دليل لغة والشارع بينَ الأحكام بلغة العرب، وقد يقال: إن هذا التفصيل قريب من الذي قبله، أعني التفصيل بينَ الخبر والإنشاء؛ لأنَّ المصنفين مخبرون عن حكم الله لا منشئون وقد عكس بعض الحنفية، ففي (حواشي الهداية) للخبازي في باب جنايات الحج أن شمس الأَئِمَّة ذكر في (السفر الكبير) أن

стр. 273

تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن الحكم بخلافه، إنما هو في خطابات، فأما في معاملات الناس وعرفهم فإنَّه يدل، ويؤيده ما سبق عن حكاية الهروي، فإنَّ أبا حنيفة جعله مقراً معَ أنه لا يقول بالمفهوم، على أنه قد يقال: لا معنى لنقل المصنف ذلك عن والده، بل الخلاف فيه قديم من غير خصوصية بالمفهوم، فقد حكى إلكيا الطبري، خلافاً في أن قواعد أصول الفقه المتعلقة بالألفاظ كالعموم والخصوص وغير ذلك، هل يختص بكلام الشارع أو تجري في كلام الآدمي، وسيأتي في باب العموم حكايته عن القاضي الحسين أيضاًً، والراجح الاختصاص، ويشهد له مناط قولهم: إن مفهوم الصفة إنما كانَ حجة لما فيه من معنى العلة، والعلل لا نظر إليها في كلام الآدمي، إذ لا قياس فيها قطعاً وقولهم لا يمكن أن يكون المخصص المذكور بالذكر خطوره بالبال دون صيغة؛ لأنَّ ذلك لا يتأتى إلا في كلام الله تعالى، ويعلم من هذا أن تخريج المتأخرين مسائل الفروع على القواعد الأصولية لا يخلو من نزاع، وأنكر أمام الحرمين المفهوم في الصفة، إذ لم تشتمل على معنى يناسب للحكم، كقولهم: الإنسان الأبيض ذو إرادة، بخلاف المشتملة على المناسب كالسائمة، فإنَّ خفة المؤنة ظاهرة في الإيجاب، وعدمها في عدمه، قالَ ابن السمعاني: وهو خلاف مذهب الشافعي، فإنَّ العلة ليس من شرطها الانعكاس، وهذا أورده الإمام على نفسه، وأجاب بأن قضية اللسان هي الدلالة عندَ إحالة الوصف على ما عداه بخلافه، وزعم أن هذا وضع اللسان ومقتضاه بخلاف العلل المستنبطة، واستفيد مما نقله المصنف عن إمام الحرمين صواب النقل عنه، فإنَّ صاحب المحصول والمنهاج نقلا عنه اختيار المنع كأبي حنيفة ونقل ابن الحاجب عنه القول بغير ذلك، والموجود في البرهان ما حكاه

стр. 274

المصنف من التفصيل، وأنكر قوم العدد دون غيره من المفاهيم ـ يعني خلا اللقب وهذا منسوب إلى الإمام في المحصول، فإنَّه ذكر تفصيلاً حاصله أنه لا، والمنقول عن الشافعي، أنه يدل ممن نقله الماوردي وأبو حامد، لكنه مثل بقوله: إذا بلغ الماء قلتين، والأشبه أنه من الشرط، فإنَّه لا اسم عدد هنا كاثنين وثلاثة بل المعدود. ص: (مَسْأَلَةٌ: الغايةُ قيلَ: مَنْطُوقٌ: والحقُّ مَفْهومٌ). ش: ذَهَبَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلى أنَّ الحُكْمَ في الغايةِ منطوقٌ، وادَّعَى أنَّ أهلَ اللُغَةِ وقَّفُونَا= على ما يَقُومُ مُقامَ نَصِّهِم، على أنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بالغايةِ موضوعٌ للدَّلالَةِ على أنَّ ما بعدَها خلافُ ما قبْلَها؛ لأنَّهم اتَّفَقُوا على أنَّ الغايةَ ليسَتْ كلاماً مُسْتَقِلاًّ، فإنَّ قولَه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ وقولَه: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، لا بُدَّ فيه من إضْمَارٍ لضَرُورَةِ تتْمِيمِ الكلامِ، وذلك الضميرُ إمَّا ضِدَّ ما قَبْلَه أو غَيْرَه، والثاني باطِلٌ؛ لأنَّه ليسَ في الكلامِ ما يَدُلُّ عليه، فتَعَيَّنَ الأوَّلُ، فتقديرُه: حتى يَطْهُرْنَ

стр. 275

فاقْرَبُوهُنَّ، وحتى تُنْكَحَ فتَحِلُّ. قالَ: والإضْمارُ بمنزلَةِ المَلْفوظِ به؛ فإنَّه إنَّما يَضْمُرُ لسَبْقِه إلى فِهْمِ العارفِ باللسانِ، وعلى ذلك جَرَى صاحبُ (البَدِيعِ) من الحَنَفِيَّةِ، فقالَ: هو عندَنا من قَبِيلِ دلالَةِ الإشارَةِ، لا المفهومُ، ومن هذا يُعْلَمُ أنَّ كلامَ ابنِ الحاجبِ في النَّقْلِ عن القَاضِي يَقْتَضِي أنَّه مَفْهُومٌ، ليسَ بجَيِّدٍ، وكلامُ القَاضِي في التَّقْرِيبِ مُصَرَّحٌ بما ذَكَرْنَا، لكنْ الجمهورُ على أنَّه مفهومٌ، ومَنَعُوا وَضْعَ اللُغَةِ لذلك. ص: (ويَتْلُوهُ الشَّرْطُ، فالصِّفَةُ المُناسبَةِ، فمُطْلَقُ الصفَةِ غيرَ العَدَدِ، فالعَدَدُ. فتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِدَعْوَى البَيَانِيِّينَ إفَادَتُه الاخْتصاصُ، وخَالَفَهُم ابنُ الحاجِبِ وأَبُو حَيَّانَ). ش: لمَّا فَرَغَ من بَيانِ كونِه حُجَّةً بينَ مَراتِبِها قُوَّةً وضَعْفاً، فإنَّه لم يُرَتِّبْها فيما سَبَقَ عندَ إيِرادِها، ومن فوائدِه الترْجِيحُ به عندَ التعارضِ، فأقْواها بعدَ مفهومِ الحَصْرِ بإلاَّ، مفهومُ الغايةِ، ولهذا قيلَ بأنَّه مَنْطُوقٌ، كالقَاضِي، ويَلْتَحِقُ به مَفْهُومُ (إنَّما)، فإنَّ فيها هذه المُرَجَّحَاتِ كما سَيَاتِي، ذَكَرَ ذلك المُصَنِّفُ في شَرْحِه لِلْمُخْتَصَرِ، فجَعَلَ أعْلاهَا (مَا) (وإلاَّ) ثمَّ مَفْهومُ (إنَّما) والغايةُ، ثمَّ حَصْرُ المُبْتَدَأِ في الخبَرِ، ثمَّ الشرْطُ انْتَهَى، وتَقْدِيمِه حَصْرُ المُبْتَدَأ في الخبْرِ على الشرْطِ تَابَعَ فيه الغَزَالِيُّ، وإنَّما أَخَّرَ هنا الشرْطَ على الغايةِ؛ لأنَّه لم يقُلْ أَحَدٌ: إنَّه بالنُّطْقِ، فكانَ دُونَ ما قَبْلَه، وقَدَّمَه على

стр. 276

الصِّفَةِ؛ لأنَّه قالَ به بعضَ مَن لا يَقُولُ بها كابْنِ سُرَيْجٍ. ثمَّ الصفَةُ المُنَاسَبَةِ؛ لأنَّها مُتَّفَقٌ عَلَيْهِا عندَ القائلِ بالصفَةِ. ثمَّ مُطْلَقُ الصفَةِ غيرَ العدَدِ، واقْتَضَى كلامُه أنَّ بَقِيَّةَ أقْسَامِ الصفَةِ من العِلَّةِ والظرْفِ والحالِ على السواءِ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أعْلاهَا العِلَّةُ لدَلالَتِهَا على (إنَّما)، فهي قريبةٌ من النصِّ. ثمَّ العَدَدُ، ثمَّ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ، وإنَّما أَخَّرَهُ؛ لأنَّه لا يُفِيدُ في كلِّ صُوَرِه وأَحْوالِه، ولأنَّ المَحْفوظَ فيه عن القائلِ به لفْظُ الاخْتصاصِ لا الحَصْرُ، وكذا قالَهُ البيانِيُّونَ، وخَالَفَ ابنُ الحَاجِبِ وأَبُو حَيَّانَ، أمَّا ابنُ الحَاجِبِ فقالَ في شَرْحِ (المُفَصَّلِ): إنَّ الاخْتصاصَ الذي يَتَوَهَّمَهُ كثيرٌ من الناسِ في تَقْدِيمِ المَعْمُولِ وَهْمٌ، والتمَسُّكُ فيه مثلَ قولِه تعالى: ﴿بَلْ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ ضعيفٌ؛ لأنَّه قد جَاءَ ﴿فَاعْبُدِ اللهَ﴾ واعْبُدِ اللهَ؛ أي: لو كانَ التقديمُ مُفيداً للحَصْرِ، لكَانَ التاخِيرُ مُفِيداً عَدَمُه، لكونِه نَقِيضُه، وفيما قالَه نَظَرٌ؛ لأنَّه ليسَ عَدَمِ إفادتِه التاخِيرِ الحَصْرُ لعَدَمِ الحَصْرِ، ليَكُونَ سَبَباً في إفادةِ التقديمِ الحَصْرُ، بل تَاخِيرُ المَفْعُولِ غيرُ مُسْتَلْزِمٍ للحَصْرِ ولا لِعَدَمِه، والحاصلُ أنَّ القَصْدَ إنْ تَعَلَّقَ بعِبَادَةِ اللهِ تعالى فقطْ أَخَّرَ المَفْعُولَ، وإنْ تَعَلَّقَ بعِبَادَتِه وعَدَمِ عِبَادَةِ غَيْرِه قُدِّمَ، وأمَّا قولُه: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً﴾ فـ ﴿مُخْلِصاً﴾ أَغْنَى عن إفِادَةِ الحَصْرِ في الآيةِ الأولى. وأمَّا أَبُو حَيَّانَ فَرَدَ في أوَّلِ تَفْسِيرِه على مَن يَدَّعِي الاخْتصاصُ، ونَقَلَ عن سِيبَوَيْهِ، أنَّ التَّقْدِيمَ للاهْتمَامِ والعنايةُ لا للاخْتصاصِ، فإنَّه قالَ: فإنَّهم يُقَدِّمونَ الذي شأنَه أهَمُّ، وَهُم ببَيَانِه أَغْنَى، وأنَّه ذَكَرَ أنَّ الاهْتمامَ والعنَايَةَ في التقْدِيمِ والتاخيرِ سواءٌ في مثالِ: ضَرَبْتَ زَيداً وزَيداً ضَرَبْتَ، وإذا قَدَّمْتَ الاسْمَ فهو عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كما كانَ ذلك يَعْنِي تَاخِيرُه عَرَبِيًّا جَيِّداً، وذلك قولُه: زَيدٌ ضَرَبْتَ، والاهْتَمامُ والعنايةُ هنا في التقْدِيمِ والتاخِيرِ سواءٌ مثلُه في: ضَرَبَ زَيدٌ عَمْراً، وضَرَبَ عَمْراً زَيدٌ، انْتَهَى، وهذا لا حُجَّةَ فيه، فإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَهُ في بابِ الفاعِلِ الذي يَتَعَدَّاهُ فِعْلُه إلى مَفْعُولٍ، قالَ: وذلك كقولِهم: ضَرَبَ زيداً عبدُ اللهِ، ثمَّ قالَ: كأنَّهم يُقَدِّمُونَه إلى آخِرَهُ وهذا ليسَ مَحَلُّ النِّزاعِ؛ لأنَّ الكلامَ في تَقْدِيمِ المَعْمولِ على العاملِ لا في تَقْدِيمِه على الفاعلِ، فإنَّ قُلْتَ: فقد ذَكَرَهُ في بابِ ما يَكُونُ الاسمُ فيه مَبْنِيًّا على الفِعْلِ، قالَ: وذلك قولُك: زَيداً ضَرَبْتَ، فالاهْتِمامُ والعنايةُ هنا في التقديمِ والتأخيرِ سواءٌ، مثلُه في: ضَرَبَ زَيدٌ عَمْراً، وضَرَبَ

стр. 277

عَمْراً زَيدٌ. قلتُ: إنْ كانَ هذا مَحَلَّ النِّزاعِ فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه إنَّما ذَكَرَهُ من الجِهَةِ التي شَابَهُ بها تَقْدِيمَ الفَاعِلِ على المفعولِ، أو العكسِ في المثالَيْنِ، وليسَ فيه من هذه الجَهَةِ إلاَّ الاهتمامُ، ولا يَبْقَى ذلك الذي اخْتَصَّ به إذا تَقَدَّمَ على العامِلِ وهي الحَصْرُ، ويُمْكِنُ تَنْزِيلُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الاهتمامَ والعنايةَ في التقديمِ والتأخيرِ سواءٌ بالنِّسْبَةِ إلى الإسْنادِ، والواقعُ في الكلامِ ورَبْطُ الفِعْلِ بالفاعلِ والمفعولِ، لا بالنِّسْبَةِ إلى ما يَلْمَحُ من معنٍى آخَرَ زائِدٍ على ذلك، وفي كلامِه ما يُشِيرُ إلى ذلك، حيثُ قالَ: كأنَّهم يُقَدِّمُونَ الذي شَانَه أَهَمُّ لهم وهُم بِبَيَانِه أَعْنَى، وإنْ كَانَا جَمِيعاً يَهُمَّانِهم، فانْظُرْ كيفَ أَثْبَتَ زِيادَةَ معنًى في التقْدِيمِ، وأَتَى بأَفْعَلِ التفْضِيلِ؟ فإنَّ أنْزَلْتَ كلامَه الأوَّلُ= والثاني على هذا التقديرِ، وجُعِلَتُ اسْتِواءُ التقديمِ والتأخيرِ بالنسبةِ إلى الإسنادِ الحاصلِ، وأنَّ ذلك لا تَتَغَيَّرُ دلالَتُه عندَ التقديمِ والتأخيرِ، إلاَّ أنَّ التقديمَ يُفيدُ زيادةً في الاهتمامِ، ـ عَرَفْتَ أنَّه ليسَ في كلامِه هذا ما يَمْنَعُ من إفادَةِ الاخْتِصاصِ عندَ تأخيرِ العاملِ، فإنَّا لا نَمْنَعُ أنَّ التقْدِيمَ والتاخِيرَ، سواءٌ بالنسبةِ إلى رَبْطِ الفِعْلِ بالفاعِلِ والمفعولِ، وإنَّما المُدَّعِي قَدْرٌ زائدٌ على ذلك، ومن العَجَبِ أنَّ أَبَا حَيَّانَ ذَكَرَ كلامَ سِيبَوَيْهِ عَقِبَ كلامِه الأوَّلِ، مُؤَيِّداً له به مُقَرِّراً بها امْتِناعُ الاخْتصاصُ. وممَّا اسْتَدَلَّ به بعضُ المتأَخِّرينَ على عَدَمِ إفادةِ الحَصْرِ وقوعُ الأمْرَيْنِ في القرآنِ، نحوَ: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا﴾. وقالَ تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِكَ﴾. ونَظَائِرُها كمَا سَبَقَ في: ﴿فَاعَبْدِ اللهَ﴾ ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾. ولَحْنُ كلٍّ منها فصيحٌ في بابِه، ولا يَكادُ التقْديمُ فيه يقومُ مُقامَ التأخِيرِ ولا العكسُ، بل فيها ما يَرْشُدُ إلى الاخْتِصاصِ، فإنَّ قولَه: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. لا يَمْنَعُ أنْ يَقْرَأَ بغَيرِ الاسْمِ، وقولُه: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾. تَمَنَعُ أنَّها تَجْرِي إلاَّ بِاسْمِه. وقالَ

стр. 278

صاحبُ (الفَلَكِ الدَائِرِ): الحقُّ أنَّه لا يَدُلُّ على الاخْتصاصِ إلاَّ بالقَرائِنِ، وإلاَّ فقد كَثُرَ في القرائنِ التصْريحُ به معَ عَدَمِه، كقَولِه: ﴿إنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى﴾ ولم يَكُنْ ذلك مُخْتَصًّا به، فقد كانَتْ حواءٌ كذلك. ص: (والاخْتصاصُ الحَصْرُ، خِلافاً للشيخِ الإمامِ حيثُ أثْبَتَهُ، وقالَ: ليسَ هو الحَصْرُ). ش: اشْتَهَرَ في كلامِ البَيَانِيِّينَ أنَّ تقديمَ المعْمولِ يُفِيدُ الاخْتصاصَ، ويَفْهَمُ كثيرٌ من الناسِ من الاخْتصاصِ الحَصْرَ، فإذا قُلْتَ: زَيداً ضَرَبْتُ، يكونُ معناهُ: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ زَيداًَ. وخَالَفَهم والِدُ المُصَنِّفِ وقالَ: الفُضَلاءُ لم يَذْكُرُوا في تَقْدِيمِ المعْمولِ إلاَّ لفْظَ الاخْتصاصِ، منهم الزَّمَخْشَرِيُّ في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وغيرُها، والحقُّ أنَّهما مُتَغَايرانِ، والفرْقُ بينَهما أنَّ الاخْتِصاصَ افْتعالٌ من الخُصوصيَّةِ، والخصوصُ مُرَكَّبٌ من شَيْئَيْنِ: أحدُهما عامٌّ مُشْتَرِكٌ بينَ أشياءٍ. والثاني: معنى يَنْضَمُّ إليه بفَصْلِه عن غيرِه كضَرْبِ زَيدٍ، فإنَّه أَخَصُّ من مُطْلَقِ الضرْبِ، فإذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيداً، أَخْبَرْتَ بضَرْبٍ عامٍّ، وَقَعَ منك على شَخْصٍ خاصٍّ، فصَارَ ذلك الضَّرْبُ المُخْبِرُ به خاصًّا لمَا انْضَمَّ إليه مِنْكَ ومِن زَيْدٍ، وهذه المعانِي الثلاثةُ، أعْنِي: مُطْلَقُ الضَرْبِ، وكونَه واقعاً مِنْكَ، وكونَه واقعاً على زَيدٍ ـ قد يكونُ مَقْصودُ المُتَكَلِّمِ لها ثَلاثَتُها على السواءِ، وقد يُرَجِّحُ قصْدَه لبَعضِها على بعضٍ، ويُعْرَفُ ذلك بما ابْتَدَأَ كلامَه، فإنَّ الابْتِداءَ بالشيءِ يَدُلُّ على الاهتمامِ به، فإذا قُلْتَ: زَيدٌ ضَرَبْتُ، عُلِمَ أنَّ خُصوصَ الضرْبِ على زيدٍ هو المقصودُ، ولا شَكَّ أنَّ الكُلَّ مُرَكَّبٌ من خاصٍّ وعامٍّ من جهَتَيْنِ، فقد يُقْصَدُ من جِهَةِ عُمُومِه، وقد يُقْصَدُ من جِهَةِ خُصوصِه، فقَصْدُه من

стр. 279

جِهَةِ خُصُوصِه هو الاخْتصاصُ، وأنَّه هو الأهَمُّ عندَ المُتَكَلِّمِ، وهو الذي قَصَدَ إفادَتَه السَامِعَ من غيرِ تَعَرُّضٍ ولا قَصْدٍ لغَيْرَهِ بإثباتٍ ولا نَفْيٍ، وأمَّا الحَصْرُ فمَعْنَاه: إثباتُ المَذْكورِ= ونَفْيُ غيرِه، وهو زائدٌ على الاخْتصاصِ، وإنَّما جَاءَ هذا في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ للعِلْمِ بأنَّه لا يَعْبُدُ غيرَ اللهِ، لا من موضوعِ اللفْظِ، ألاَّ تَرَى أنَّ بَقِيَّةَ الآياتِ لم يَطَّرِدُ فيها ذلك، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ لو جَعَلَ في معنَى: ما يَبْغُونَ إلاَّ غيرَ دِينِ اللهِ، وهَمْزَةُ الإنْكارِ داخلِةٌ عليه، لَزِمَ أنْ يَكونَ المُنْكَرُ الحَصْرَ، لا مُجَرَّدٌ بَغَْيهِم غيرِ دينِ اللهِ، ولا شَكَّ أنَّ مُجَرَّدَ بَغْيهِم غيرِ دِينِ اللهِ مُنْكَرٌ، وكذلك بَقِيَةُ الآياتِ إذا تَأَمَّلْتَها. انْتَهى مُلخصًّا. وحاصلُه: أنَّ الاخْتصاصَ في إعْطاءِ الحُكْمِ للشيءِ والسُّكوتِ عمَّا عَدَاهُ، الحَصْرُ: إعطاءُ الحُكْمِ للشيءِ والتعَرُّضُ لنَفْيهِ عمَّا عَدَاهُ، ففِي الاخْتِصاصِ قضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وفي الحَصْرِ قَضِيَّتَانِ، وقد يَحْتَجُّ للتغَايُرِ بقولِه تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. فإنَّه لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ بحَصْرِ رحْمَتِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ حَصْرُها. ص: مسألَةٌ: (إنَّما) قالَ الآمِدِيُّ وأَبُو حَيَّانَ: لا تُفِيدُ الحَصْرَ، وأَبْو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ والغَزَالِيُّ والكِيَا والشيخُ الإمَامُ: تُفِيدُ فَهْماً، وقيلَ: نُطْقاً). ش: اخْتَلَفَ الأصُولِيُّونَ في (إنَّما) هل تُفِيدُ الحَصْرَ؟ فقيلَ: تُفِيدُ، وقيلَ:

стр. 280

لا تُفِيدُ، واخْتَلَفَ القائِلُونَ به: هل هو مَنْطُوقٌ أو مَفْهُومٌ؟ والقولُ بأنَّها لا تُفِيدُ هو رَايُ الآمِدِيُّ، وإنَّما يُفِيدُ تَاكِيدَ الإثباتِ، وهو قضيةُ كلامِ ابنِ دَقِيقِ العِيدِ، فإنَّه قالَ: إنَّ دَلَّ السياقُ، والمقْصودُ من الكلامِ على الحَصْرِ في شيءٍ مَخْصُوصٍ ـ قُيِّدَ به، وإنْ لم يَدُلُّ عليه، فاحْمِلِ الحَصْرَ على الإطْلاقِ، كقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾، فإنَّ الرسولَ ﷺ لا يَنْحَصِرُ في النَذَارَةِ، بل له أَوْصافٌ جَمِيلَةٌ كثيرةٌ كالبِشارَةِ وغيرِها. ولكنَّ مفهومَ الكلامِ يَقْتَضِي حَصْرَهُ في النذَارَةِ لِمَنْ لا يُؤْمِنُ، واخْتَارَهُ الشيخُ أَبُو حَيَّانَ وكانَ يقولُ: إنَّها لا تَدُّلُ على الحَصْرِ بالوَضْعِ، كما أنَّ الحَصْرَ لا يُفْهَمُ من أخواتِها التي كَفَّتْ بما، فلا فَرْقَ بينَ: لَعَلَّ زيداً قَائِمٌ، ولعَلَّمَا زيدٌ قائمٌ، وكذلك: إنَّ زيداً قائمٌ، وإنَّما زَيدٌ قائمٌ، وإذا فُهِمَ حُصِرَ= فإنَّما يُفْهَمُ من سياقِ الكلامِ، لا أنَّ (إنَّما) دَلَّتْ عليه، واشْتَدَّ نَكِيرُه على مَن يُخالِفُه، ونَقَلَه عن البَصْرِيِّينَ وفيه نَظَرٌ، فإنَّ الأَزْهَرِيَّ، من أَئِمَّةِ اللُغَةِ في كتابِه (الزَّاهِرُ) عن أهْلِ اللُغَةِ: إنَّها تَقْتَضِي

стр. 281

إِيجَابُ شيءٍ ونَفْيُ غيرِه، كقولِك: إنَّما المَرْءُ بأَصْغَرَيْهِ؛ أي: كَمَالُه بِهَذَيْنِ العُضُوَيْنِ لا بِرُؤيَتِه ومَنْظَرِه، والقولُ بأنَّها تُفِيدُ من جِهَةِ المفهومِ. قالَ به الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ ومَن ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وفيه نَظَرٌ، فإنَّ الغَزَالِيَّ نَقَلَ عن القَاضِي أنَّه ظَاهِرٌ في الحَصْرِ ومُحْتَمِلٌ للتَّوْكيدِ، ثمَّ قالَ: وهو المختارُ، ووافَقَهُ الكِيَا، والذي في (التَّقْرِيبِ) للقَاضِي: أنَّها مُحْتَمِلَةٌ لتَاكِيدِ الإثْباتِ ومُحْتَمِلَةٌ للحَصْرِ، وزَعَمَ أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْها لكلٍّ مِن الأَمْرَيْنِ، ثمَّ قالَ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ظاهرٌ في الحَصْرِ، وقالَ السَّكَاكِيُّ: ليسَ الحَصْرُ في (إنَّما) من جِهَةِ أنَّ (مَا) للنَّفِيِّ كما يَفْهَمَهُ مَن لا وُقُوفَ له على عِلْمِ النَّحْوِ، يُريدُ به طَريقَةَ الرَّازِيِّ والبَيْضَاوِيِّ؛ لأنَّها لو كانَتْ للنَّفْيِ لكانَ لها صَدْرُ الكلامِ، وإنَّما هي (مَا) الكَافَّةُ لـ (إِنَّ) عن العَمَلِ. ثمَّ حَكَى عن عَلِيِّ بنِ عِيسَى الرَّبْعِيِّ، واسْتَلْطَفَه: أنَّ

стр. 282

(إِنَّ) لتوكِيدِ إثبَاتِ المُسْنَدِ للمُسْنَدِ إليه و (مَا) مُؤكِّدَةٌ فيُنَاسِبُ تَضَمُّنِ معنى الحَصْرِ، وفيه نَظَرٌ، إذ لا يَلْزَمُ الحَصْرُ بحصولِ تَاكِيدٍ على تَاكِيدٍ، نحوَ: قَامَ القومُ كُلُّهم أَجْمَعُونَ، وكانَ بعضُ مشايخِنَا يقولُ: أَحْسَنُ ما يُسْتَدَلُّ به على الحَصْرِِ في (إنَّما) انْفِصالُ الضميرِ بعدَها (هو) أمَّا احْتِجَاجُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ بأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ فَهِمَ الحَصْرَ من قولِه: ((إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ))، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ روَى الحَدِيثَ بهذا اللفظِ، ورَوَاهُ عن أُسامَةَ بنِ زيدٍ بلفظٍ: ((لَيْسَ الرِّبَا إِلاَّ فِي النَّسِيئَةِ)). كما ثَبَتَ في صحيحِ مُسْلِمٍ، وهذه الصيغَةُ الثانيةُ، صيغةُ حَصْرٍ بالإجْماعِ، فما المَانِعُ أنْ يكونَ

стр. 283

ابنُ عَبَّاسٍ إنَّما فَهِمَه من هذه الصِّيَغَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِا، لا صيغَةَ (إنَّما) المُخْتَلِفُ فيها؟ ومَثَلُ الشيخُ على تَحْقِيقِه وتَدْقِيقِه لا يُسامِحُ بتساوِي الصِّيغَتَيْنِ، والقولُ بأنَّها مَنْطُوقٌ، حَكَاهُ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ في (التَّبْصِرَةِ) عن القَاضِي أَبِي حَامِدَ المَرُوزِيِّ، قالَ معَ نَفْيهِ لدليلِ الخِطابِ: وتَظْهَرُ فائِدَةُ الخلافِ فيما لو قالَ: إنَّما قَامَ زَيدٌ، ثمَّ قالَ: وعَمْرٌو، فهل يَكُونُ قولُه: وعمرٌو تَخْصِيصاً أو نَسْخاً؟ فمَن قالَ: إنَّه بالمَنْطوقِ يَدُلُّ على عَدَمِ قِيامِ غيرِه ـ كانَ نَسْخاً، ومَن قالَ: إنَّه بالمَفْهُومِ ـ كانَ تَخْصيصاً. ص: (وبِالفَتْحِ، الأصَحُّ أنَّ حَرْفَ (أنَّ) فيها فَرْعُ المَكْسُورَةِ، ومِن ثَمَّةِ

стр. 284

ادَّعَى الزَّمَخْشَرِيُّ إِفَادَتَه= الحَصْرِ). ش: مَا تَقَدَّمَ في (إنَّما) بكَسْرِ (إنَّ) أمَّا المَفْتُوحَةُ فزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكلامِ على قولِه: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهَكَمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إِفَادَتُها القَصْرُ، وجَعَلَ المُصَنِّفُ مَاخَذَهُ البِنَاءُ على أَصْلٍ نَحْوِيٍ، وهي أنَّها فَرْعُ المَكْسُورَةِ وهو الأَصَحُّ، وقيلَ: المَفْتُوحَةُ أَصْلٌ، وقيلَ: كلُّ منْهُما أَصْلٌ بنَفْسِه، هكذا حَكَى ابنُ الخَبَّازِ النَّحْوِيُ الأقْوالِ الثلاثَةِ، ومن هنا يُسْتَنْكَرُ على الشيخِ أَبِي حَيَّانَ دَعْواهُ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ تَفَرَّدَ بهذه المقالَةِ، وأنَّه لا يَعْرِفُ القولَ بذلك إلاَّ في (إنَّما) بالكَسْرِ، وهذا مَرْدُودٌ، فإنَّها فَرْعُها، ولهذا قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ إنَّ وأخواتُها: بابُ الأَحْرُفِ الخَمْسَةِ، فعدَّ (إنَّ) و (أنَّ) واحِدَةٌ. وإذا كانَتْ المَفْتُوحَةُ فَرْعُ المَكْسُورَةِ، فكلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ للأَصْلِ ثَبَتَ للفَرْعِ ما لم يَمْنَعْ مَانِعٍ، واعْتُرِضَ عليه أيضاًً بأنَّ دَعْوَى الحَصْرِ فيها بَاطلٌ؛ باقْتِضاءِ إنَّه لم يُوحَ إليه سِوَى التوحيدِ، وهو عَجِيبٌ من وجْهَيْنِ: أحدُهما: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يَلْتَزِمُ ذلك بناءً على رَايهِ الفاسدِ في الاعْتزالِ من إنْكارِ الصفاتِ، بل لَعَلَّ هذا هو مَاخَذَهُ في دَعْوَى الحَصْرِ. ثانيهُما: أنَّ هذا حَصْرٌ مُقَيَّدٌ، فإنَّ الخِطابَ معَ المُشْركِينَ فالمعنَى ما أُوحِيَ إليَّ في أَمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ إلاَّ التوحيدَ لا الإشراكَ، ويُسَمِّيهِ البَيانِيُّونَ قَصْرُ قَلْبٍ لقَلْبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِ.

стр. 285

ص: (مَسْأَلَةٌ: من الأَلْطافِ حُدوثُ المَوْضوعَاتِ اللُغَوِيَّةِ ليُعَبَّرَ عمَّا في الضمِيرِ، وهي أَفْيَدُ من الإشارةِ والمثالِ وأَيْسَرُ). ش: وجْهُ كونِه من الألْطافِ، حَاجَةُ الخَلْقِ إلى إعْلامِ بعضُهم بعضاً، ما في ضمائِرِهم من أمْرِ مَعاشِهم للمُعامَلاتِ وأَمْرِ مَعَادِهم لإفادِةِ المَعْرِفَةِ والأحْكامِ، فوضَعَ لهم الألفاظَ لمَعانِيها ووقَّفَهم عليه على قولِ التَّوقُّفِ، أو جَعَلَهم قَادِرِينَ على وَضْعِ الألفاظِ لمَعانِيها، على قولِ الاصْطلاحِ، ولهذا عَبَّرَ المُصَنِّفُ بالحُدوثِ، ليُنَبِّهَ= على أنَّه لُطْف= على كلا القَوْلَيْنِ، بخلافِ تَعْبِيرِ ابنِ الحَاجِبِ بالإِحْداثِ، فإنَّه يُوهِمُ التخْصيصُ بالتَّوَقُّفِ، ثمَّ إنَّه جَعَلَ ذلك بالنُّطْقِ دونَ الإشارَةِ والمثالِ؛ لكونِه أَفْيدُ وأَسْهَلُ. أمَّا كونُه أَفْيدُ، فلأنَّ اللفْظَ يَعُمُّ كلَّ موجودٍ ومَعْدُومٍ بخلافِ الإشارَةِ، فإنَّها للموجودِ، وبخلافِ المِثالِ، وهو أنْ يَجْعَلَ لِمَا في الضميرِ مُشْكلاً، فإنَّه أيضاًً كذلك؛ لأنَّه يَعْسُرُ، بل يَتَعَذَّرُ أنْ يَجْعَلَ لكلِّ شيءٍ مثالٌ= يُطابِقُه، وأمَّا كونُه أَيْسَرُ فلأنَّه يُوافِقُ الأمْرَ الطبيعِيِّ؛ لأنَّ الحروفَ كيْفِيَّاتٍ تُعْرَضُ للنَّفْسِ الضَرُورِيُّ، ولا شَكَّ أنَّ المُوافِقَ للأمْرِ الطبِيعِيِّ أسْهَلٌ من غيرِ فَخْفَتِ المَؤنَةُ وعَمَّتِ الفائِدَةُ. ص: (وهي الألفاظُ الدَّالَّةُ على المعانِي). ش: الضميرُ راجِعٌ إلى الموضوعاتِ اللُّغَوِيَّةِ، والألفاظُ جِنْسٌ قريبٌ، فيَخْرُجُ ما دَلَّ على معنًى، وليسَ بلَفْظٍ كالخَطِّ والعقودُ، والإشارَةُ فلا يَكُونُ شيءٌ منها لُغَةً، والمرادُ بالألفاظِ كلُّ ما كانَ مَلْفُوظاً به حقيقةً أو حكماً، لتَدْخُلَ الضَّمائِرُ المُسْتَتِرَةُ في الأفْعَالِ، فإنَّها ملفوظٌ بها حُكْماً بدليلِ إسنادِ الفِعْلِ إليها، وجوازِ تَاكِيدِها، والعَطْفِ عليها، وخَرَجَ بالدَّلالَةِ على المعانِي المُهْمَلاتِ، ودَخَلَ في هذا الحَدِّ المُفْرَدُ والمُرَكَّبُ حُكْماً، إذِ اللُّغَةُ تلطف= على الجميعِ، وعُلِمَ منه أنَّ دلالَةَ الألفاظِ المُرَكَّبَةِ على معانِيها وَضْعِيَّةٌ، وسَيَذْكُرُها المُصَنِّفُ في بابِ الأَخْبَارِ، وهذا التعريفُ أَحْسَنُ من قولِ ابنِ
следующие страницы →