← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إِيجَابُ شيءٍ ونَفْيُ غيرِه، كقولِك: إنَّما المَرْءُ بأَصْغَرَيْهِ؛ أي: كَمَالُه بِهَذَيْنِ العُضُوَيْنِ لا بِرُؤيَتِه ومَنْظَرِه، والقولُ بأنَّها تُفِيدُ من جِهَةِ المفهومِ. قالَ به الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ ومَن ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وفيه نَظَرٌ، فإنَّ الغَزَالِيَّ نَقَلَ عن القَاضِي أنَّه ظَاهِرٌ في الحَصْرِ ومُحْتَمِلٌ للتَّوْكيدِ، ثمَّ قالَ: وهو المختارُ، ووافَقَهُ الكِيَا، والذي في (التَّقْرِيبِ) للقَاضِي: أنَّها مُحْتَمِلَةٌ لتَاكِيدِ الإثْباتِ ومُحْتَمِلَةٌ للحَصْرِ، وزَعَمَ أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْها لكلٍّ مِن الأَمْرَيْنِ، ثمَّ قالَ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ظاهرٌ في الحَصْرِ، وقالَ السَّكَاكِيُّ: ليسَ الحَصْرُ في (إنَّما) من جِهَةِ أنَّ (مَا) للنَّفِيِّ كما يَفْهَمَهُ مَن لا وُقُوفَ له على عِلْمِ النَّحْوِ، يُريدُ به طَريقَةَ الرَّازِيِّ والبَيْضَاوِيِّ؛ لأنَّها لو كانَتْ للنَّفْيِ لكانَ لها صَدْرُ الكلامِ، وإنَّما هي (مَا) الكَافَّةُ لـ (إِنَّ) عن العَمَلِ. ثمَّ حَكَى عن عَلِيِّ بنِ عِيسَى الرَّبْعِيِّ، واسْتَلْطَفَه: أنَّ

стр. 282

(إِنَّ) لتوكِيدِ إثبَاتِ المُسْنَدِ للمُسْنَدِ إليه و (مَا) مُؤكِّدَةٌ فيُنَاسِبُ تَضَمُّنِ معنى الحَصْرِ، وفيه نَظَرٌ، إذ لا يَلْزَمُ الحَصْرُ بحصولِ تَاكِيدٍ على تَاكِيدٍ، نحوَ: قَامَ القومُ كُلُّهم أَجْمَعُونَ، وكانَ بعضُ مشايخِنَا يقولُ: أَحْسَنُ ما يُسْتَدَلُّ به على الحَصْرِِ في (إنَّما) انْفِصالُ الضميرِ بعدَها (هو) أمَّا احْتِجَاجُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ بأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ فَهِمَ الحَصْرَ من قولِه: ((إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ))، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ روَى الحَدِيثَ بهذا اللفظِ، ورَوَاهُ عن أُسامَةَ بنِ زيدٍ بلفظٍ: ((لَيْسَ الرِّبَا إِلاَّ فِي النَّسِيئَةِ)). كما ثَبَتَ في صحيحِ مُسْلِمٍ، وهذه الصيغَةُ الثانيةُ، صيغةُ حَصْرٍ بالإجْماعِ، فما المَانِعُ أنْ يكونَ

стр. 283

ابنُ عَبَّاسٍ إنَّما فَهِمَه من هذه الصِّيَغَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِا، لا صيغَةَ (إنَّما) المُخْتَلِفُ فيها؟ ومَثَلُ الشيخُ على تَحْقِيقِه وتَدْقِيقِه لا يُسامِحُ بتساوِي الصِّيغَتَيْنِ، والقولُ بأنَّها مَنْطُوقٌ، حَكَاهُ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ في (التَّبْصِرَةِ) عن القَاضِي أَبِي حَامِدَ المَرُوزِيِّ، قالَ معَ نَفْيهِ لدليلِ الخِطابِ: وتَظْهَرُ فائِدَةُ الخلافِ فيما لو قالَ: إنَّما قَامَ زَيدٌ، ثمَّ قالَ: وعَمْرٌو، فهل يَكُونُ قولُه: وعمرٌو تَخْصِيصاً أو نَسْخاً؟ فمَن قالَ: إنَّه بالمَنْطوقِ يَدُلُّ على عَدَمِ قِيامِ غيرِه ـ كانَ نَسْخاً، ومَن قالَ: إنَّه بالمَفْهُومِ ـ كانَ تَخْصيصاً. ص: (وبِالفَتْحِ، الأصَحُّ أنَّ حَرْفَ (أنَّ) فيها فَرْعُ المَكْسُورَةِ، ومِن ثَمَّةِ

стр. 284

ادَّعَى الزَّمَخْشَرِيُّ إِفَادَتَه= الحَصْرِ). ش: مَا تَقَدَّمَ في (إنَّما) بكَسْرِ (إنَّ) أمَّا المَفْتُوحَةُ فزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكلامِ على قولِه: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهَكَمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إِفَادَتُها القَصْرُ، وجَعَلَ المُصَنِّفُ مَاخَذَهُ البِنَاءُ على أَصْلٍ نَحْوِيٍ، وهي أنَّها فَرْعُ المَكْسُورَةِ وهو الأَصَحُّ، وقيلَ: المَفْتُوحَةُ أَصْلٌ، وقيلَ: كلُّ منْهُما أَصْلٌ بنَفْسِه، هكذا حَكَى ابنُ الخَبَّازِ النَّحْوِيُ الأقْوالِ الثلاثَةِ، ومن هنا يُسْتَنْكَرُ على الشيخِ أَبِي حَيَّانَ دَعْواهُ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ تَفَرَّدَ بهذه المقالَةِ، وأنَّه لا يَعْرِفُ القولَ بذلك إلاَّ في (إنَّما) بالكَسْرِ، وهذا مَرْدُودٌ، فإنَّها فَرْعُها، ولهذا قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ إنَّ وأخواتُها: بابُ الأَحْرُفِ الخَمْسَةِ، فعدَّ (إنَّ) و (أنَّ) واحِدَةٌ. وإذا كانَتْ المَفْتُوحَةُ فَرْعُ المَكْسُورَةِ، فكلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ للأَصْلِ ثَبَتَ للفَرْعِ ما لم يَمْنَعْ مَانِعٍ، واعْتُرِضَ عليه أيضاًً بأنَّ دَعْوَى الحَصْرِ فيها بَاطلٌ؛ باقْتِضاءِ إنَّه لم يُوحَ إليه سِوَى التوحيدِ، وهو عَجِيبٌ من وجْهَيْنِ: أحدُهما: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يَلْتَزِمُ ذلك بناءً على رَايهِ الفاسدِ في الاعْتزالِ من إنْكارِ الصفاتِ، بل لَعَلَّ هذا هو مَاخَذَهُ في دَعْوَى الحَصْرِ. ثانيهُما: أنَّ هذا حَصْرٌ مُقَيَّدٌ، فإنَّ الخِطابَ معَ المُشْركِينَ فالمعنَى ما أُوحِيَ إليَّ في أَمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ إلاَّ التوحيدَ لا الإشراكَ، ويُسَمِّيهِ البَيانِيُّونَ قَصْرُ قَلْبٍ لقَلْبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِ.

стр. 285

ص: (مَسْأَلَةٌ: من الأَلْطافِ حُدوثُ المَوْضوعَاتِ اللُغَوِيَّةِ ليُعَبَّرَ عمَّا في الضمِيرِ، وهي أَفْيَدُ من الإشارةِ والمثالِ وأَيْسَرُ). ش: وجْهُ كونِه من الألْطافِ، حَاجَةُ الخَلْقِ إلى إعْلامِ بعضُهم بعضاً، ما في ضمائِرِهم من أمْرِ مَعاشِهم للمُعامَلاتِ وأَمْرِ مَعَادِهم لإفادِةِ المَعْرِفَةِ والأحْكامِ، فوضَعَ لهم الألفاظَ لمَعانِيها ووقَّفَهم عليه على قولِ التَّوقُّفِ، أو جَعَلَهم قَادِرِينَ على وَضْعِ الألفاظِ لمَعانِيها، على قولِ الاصْطلاحِ، ولهذا عَبَّرَ المُصَنِّفُ بالحُدوثِ، ليُنَبِّهَ= على أنَّه لُطْف= على كلا القَوْلَيْنِ، بخلافِ تَعْبِيرِ ابنِ الحَاجِبِ بالإِحْداثِ، فإنَّه يُوهِمُ التخْصيصُ بالتَّوَقُّفِ، ثمَّ إنَّه جَعَلَ ذلك بالنُّطْقِ دونَ الإشارَةِ والمثالِ؛ لكونِه أَفْيدُ وأَسْهَلُ. أمَّا كونُه أَفْيدُ، فلأنَّ اللفْظَ يَعُمُّ كلَّ موجودٍ ومَعْدُومٍ بخلافِ الإشارَةِ، فإنَّها للموجودِ، وبخلافِ المِثالِ، وهو أنْ يَجْعَلَ لِمَا في الضميرِ مُشْكلاً، فإنَّه أيضاًً كذلك؛ لأنَّه يَعْسُرُ، بل يَتَعَذَّرُ أنْ يَجْعَلَ لكلِّ شيءٍ مثالٌ= يُطابِقُه، وأمَّا كونُه أَيْسَرُ فلأنَّه يُوافِقُ الأمْرَ الطبيعِيِّ؛ لأنَّ الحروفَ كيْفِيَّاتٍ تُعْرَضُ للنَّفْسِ الضَرُورِيُّ، ولا شَكَّ أنَّ المُوافِقَ للأمْرِ الطبِيعِيِّ أسْهَلٌ من غيرِ فَخْفَتِ المَؤنَةُ وعَمَّتِ الفائِدَةُ. ص: (وهي الألفاظُ الدَّالَّةُ على المعانِي). ش: الضميرُ راجِعٌ إلى الموضوعاتِ اللُّغَوِيَّةِ، والألفاظُ جِنْسٌ قريبٌ، فيَخْرُجُ ما دَلَّ على معنًى، وليسَ بلَفْظٍ كالخَطِّ والعقودُ، والإشارَةُ فلا يَكُونُ شيءٌ منها لُغَةً، والمرادُ بالألفاظِ كلُّ ما كانَ مَلْفُوظاً به حقيقةً أو حكماً، لتَدْخُلَ الضَّمائِرُ المُسْتَتِرَةُ في الأفْعَالِ، فإنَّها ملفوظٌ بها حُكْماً بدليلِ إسنادِ الفِعْلِ إليها، وجوازِ تَاكِيدِها، والعَطْفِ عليها، وخَرَجَ بالدَّلالَةِ على المعانِي المُهْمَلاتِ، ودَخَلَ في هذا الحَدِّ المُفْرَدُ والمُرَكَّبُ حُكْماً، إذِ اللُّغَةُ تلطف= على الجميعِ، وعُلِمَ منه أنَّ دلالَةَ الألفاظِ المُرَكَّبَةِ على معانِيها وَضْعِيَّةٌ، وسَيَذْكُرُها المُصَنِّفُ في بابِ الأَخْبَارِ، وهذا التعريفُ أَحْسَنُ من قولِ ابنِ

стр. 286

الحَاجِبِ: كُلُّ لفظٍ وُضِعَ لمعنًى، لِمَا في (كُلِّ) من الإشكالِ. ص: (وتُعْرَفُ بالنَّقْلِ تواتراً أو آحاداً أو باسْتِنْباطِ العَقْلِ من النَّقْلِ، لا بِمُجَرَّدِ العَقْلِ). ش: يُعْرَفُ وَضْعُ اللفظِ للمعنَى بطريقِ الحَصْرِ، إمَّا النَّقْلُ الصَّرْفُ أو العَقْلُ الصَّرْفُ أو المُرَكَّبُ منهُما. فأمَّا العقلُ الصَّرْفُ، فلا مَدْخَلَ له في ذلكَ، فإنَّه لا يَسْتَقِرُّ بالأمورِ الوَضْعِيَّةِ. وأمَّا النَّقْلُ الصَّرْفُ، فهو إمَّا متواترٌ كالسماءِ، والحَرِّ والبَرْدِ، ونحوِها ممَّا لا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ، وهو يُفِيدُ القَطْعَ، وإمَّا آحادٌ كالقَرْءِ ونحوِه، وهو يُفِيدُ الظَّنَّ، فيَتَمَسَّكُ به في المَسائِلِ الظِّنِّيَّةِ دونَ القَطْعِيَّةِ. وأمَّا المُرَكَّبُ منهُما، كما إذا نُقِلَ إلِينَا أنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفُ بالألِفِ واللاَّمِ للعمومِ. وكانَ الشيخُ زَينُ الدِّينِ الكِنَانِيُّ

стр. 287

يَعْتَرِضُ على هذا المثالِ بأنَّ المُقَدِّمَتَيْنِ نَقْلِيَّتَانِ، وإذا تَرَكَّبَ الدليلُ من مقدمتَيْنِ نَقْلِيَّتَيْنِ لم يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّه مُرَكَّبٌ من العَقْلِ والنَّقْلِ، وإنَّما غايتُه أنَّ العَقْلَ تَفَطَّنَ لنَتِيجَتِهِمَا، وهذا مردودٌ، فإنَّ الدليلَ ليسَ مُرَكَّباً من نَقْلِيَّتَيْنِ ضَرَورَةٌ عَدَمِ تَكَرُّرِ الحَدِّ الأوسْطِ فيهما، وإنَّما هو مُرَكَّبٌ من مُقَدِّمَةٍ نَقْلِيَّةٍ مَحْضَةٍ، وهي الاستثناءُ، إخْراجُ بعضِ ما يَتَنَاولُه اللفظُ، ومُقَدِّمَةٍ عَقْلِيَّةٍ لازمَةٍ لمُقَدِّمَةٍ أُخْرَى، وهي أنَّ كُلَّ ما دَخَلَه الاستثناءُ عامٌّ، لأنَّه لو لم يكنُ عاماً لم يَدْخُلِ المُسْتَثْنَى فيه، ثمَّ جُعِلَتْ هذه القضيةُ كُبْرَى للمُقَدِّمَةِ الأُخْرَى النَّقْلِيَّةِ، فصَارَ صُورَةُ الدليلِ هكذا: الجَمْعُ المُحَلَّى بألْ يَدْخُلُه الاستثناءُ، وكلُّ ما يَدْخُلُه الاستثناءُ عامٌّ، يَنْتُجُ أنَّ المُحَلَّى بألْ عَامٌّ. ص: (ومَدْلُولُ اللفظِ إمَّا معنًى جُزْئِيٌّ أو كُلْيٌّ، أو لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُسْتَعْمَلٌ، كالكَلِمَةِ فهي قَوْلٌ وُضِعَ لمَعنًى مُفْرَدٍ، أو مُهْمَلٍ كأسماءِ حروفِ الهَجاءِ، أو مُرَكَّبٌ). ش: مدلولُ اللَفْظِ يَنْقَسِمُ إلى أقسامٍ؛ لأنَّ مدلولَه إمَّا معنًى أو لَفْظٌ، والأوَّلُ يَنْقَسِمُ إلى جُزْئِيٍّ وكُلُّيٍّ، لأنَّه إمَّا أنْ يَكُونَ المَعْنَى مُشْتَرِكاً بينَ الأفْرَادِ المَوْجُودَةِ أو المُتَوَهِّمَةِ، فهو الكُلُّيُّ كالإنسانِ والعنقاءِ أو لا يَكُونُ فهو الجُزْئِيُّ كزيدٍ.

стр. 288

والثاني: إمَّا أنْ يَكُونَ اللفظُ الذي هو مَدْلُولُه مُفْرَداً أو مُرَكَّباً، وكلُّ منهما إمَّا أنْ يَكُونَ مُهْمَلاً أو مُسْتَعْمَلاً، فالأوَّلُ: الكلمةُ، فإنَّه لَفْظُ مدلولِه، لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُسْتَعْمَلٌ، وهو الاسمُ والفِعْلُ والحَرْفُ، إنَّما قالَ: (قَولٌ) ولم يَقُلْ: لفظٌ؛ لأنَّ القَوْلَ جِنْسٌ قَرِيبٌ، لاخْتِصاصِهِ بالمُسْتَعْمَلِ، بخلافِ اللفْظِ، ولهذا لم يَقُلْ: وُضِعَ لمعنًى مُفْرَدٍ، كما قالَهُ غيرُه؛ لأنَّ أولئِكَ أَخَذُوا اللفظَ جِنْساً، فاحْتَاجُوا للاحْتِرَازِ عن المُهْمَلِ بذِكْرِ الوَضْعِ، والمُصَنِّفُ لمَّا أَخَذَ القَوْلُ جِنْساً وهو خاصٌّ بالوَضْعِ أَغْنَاهُ عن اشْتِرَاطِ الوَضْعِ. والثانِي: كَأَسْمَاءِ حُرُوفِ التَّهَجِّي، فإنَّ مَدْلُولَه لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُهْمَلٌ، ألاَ تَرَى أنَّ حُرُوفَ جَلَسَ لم يُوضَعْ لمعنًى، معَ أنَّ كُلاًّ منها قد وُضِعَ له اسمٌ، فالأوَّلُ الجيمُ، والثانِي اللاَّمُ، والثالثُ السِّينُ. والثالثُ: كلفظِ الخَبَرِ، فإنَّ مدلولَه لفظٌ مُرَكَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ، نحوَ: قَامَ زَيدٌ. والرابعُ: أنَّ يَكُونَ المَدْلُولُ لفْظاً مُرْكباً مُهْمَلاً، وفي كونِه مُجْرَداً خلافٌ، حَكَاهُ المصنف في بابِ الأَخْبَارِ، وقد تَعَرَّضَ في المِنْهاجِ هنا لأقْسامِ المُرَكَّبِ، وأَهْمَلَه المُصَنِّفُ؛ لأنَّه ذَكَرَه في بابِ الأَخْبَارِ. ص: (والوَضْعُ جَعَلَ اللفظَ دَلِيلاً على المعنَى). ش: أي: جَعَلَه مُهَيَّأً لأنْ يُفِيدَ ذلك المعنَى عندَ اسْتِعْمَالِ المُتَكَلِّمِ له على وجْهٍ

стр. 289

مَخْصُوصٍ، كتَسْمِيَةِ الوَلَدُ زَيْداً، ومنهُم مَن قَالَ بتَخْصيصِ الشَّيءِ بالشيءِ، بحيثُ إذا أُطْلِقَ الأوَّلُ فُهِمَ منه الثانِي، فإنَّك إذا أَطْلَقْتَ قولَك: قَامَ زيدٌ، فُهِمَ منه القيامُ، وهذا التعريفُ الذي ذَكَرَه المُصَنِّفُ لأحَدِ أقْسامِ الوَضْعِ وهو اللُّغَوِيُّ وهو مُرَادُهُ، ويُطْلَقُ باعتبارَيْنَ آخَرَيْنِ: أحدُهما: على عِلَّتِه، اسْتِعْمَالُ اللَّفْظُ في المعنَى، حتى يَصِيرَ أشْهَرَ فيه من غيرِه، وهذا وَضْعُ المَنْقُولاتِ الثلاثِ الشَّرْعِيِّ كالصلاةِ، والعُرْفِيِّ العامِّ كالدابَّةِ، والعُرْفِيِّ الخاصِّ كالجَوْهَرِ والعَرَضِ عندَ المتكلمِينَ. والثاني: أصْلُ الاسْتِعْمالِ من غيرِ غَلَبَةٍ، كقولِهم: هل مِن شَرْطِ المَجَازِ الوَضْعُ؟ ص: (ولا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ اللفظِ للمعنَى، خلافاً لعَبَّادٍ حيثُ أَثْبَتَها، فقيلَ بمعنَى أنَّها حامِلَةٌ على الوضْعِ، وقيلَ: بل كافيةٌ في دلالةِ اللفظِ على المعنَى) ش: ذَهَبَ عَبَّادٌ إلى أنَّ دلالَةَ اللفظِ على المعنَى لمُنَاسَبَةِ طَبِيعِيَّةٍ، وإلاَّ لِمَا كَانَ اختصاصُ ذلك اللفظِ أَوْلَى من غيرِه، وخَالَفَه الجمهورُ، مُحْتَجِّينَ بِصِحَّةِ

стр. 290

الوَضْعِ للشيءِ ونَقِيضِه وضدِّه، ولو كَانَتِ المُنَاسَبَةُ شَرْطاً لمَا جَازَ؛ لأنَّ الشيءَ الواحدُ لا يُنَاسِبُ الضِّدَّيْنِ مُنَاسَبَةً طبيعِيَّةً، وأَجَابُوا عن شُبْهَةِ (عَبَّادٍ) بأنَّا إنْ قُلْنَا: إنَّ الوَاضِعَ هو اللهُ، فسَبَبُ التَّخْصِيصِ هو الإرَادَةُ القَدِيمَةُ، وإنْ كانَ هو العبدُ، فسَبَبُه هو خُطُورُ ذلك المَعْنَى ببَالِه دونَ غيرِه كتَخْصِيصِ الأعلامِ بالأشخاصِ، والنَّقْلُ عَن عَبَّادٍ مُخْتَلِفٌ، فقيلَ: إنَّه أَثْبَتَها بمعنَى أنَّها ـ أي: المُنَاسَبَةُ ـ حامِلَةٌ على الوَضْعِ، سواءٌ كانَ الواضِعُ هو اللهُ أو غيرُه، وهو قَضِيَّةٌ نَقَلِ الآمِدِيِّ، وقيلَ: بل تِلْكَ المُنَاسَبَةُ كافيَةٌ في دلالَةِ اللفْظِ على المعنَى من غيرِ افْتِقَارٍ إلى الوَضْعِ لمَا بينَهما من المناسبةِ الطبيعِيَّةِ، وهو قَضِيَّةُ نَقْلِ المَحْصُولِ. وتَرَدَّدَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ في حَمْلِ مَذْهَبِ عَبَّادٍ على هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وقَالَ: إنْ أَرَادَ الأوَّلُ فهو قَرِيبٌ، لكنْ لا يُمْكِنُ ادَّعَاؤهُ في كلِّ الألفاظِ واللُّغاتِ، لأنَّا لا نَعْلَمُ بالضَّرُورَةِ أنَّ ما يَلْمَحُونَه من المناسبةِ بينَ حُروفِ الألفاظِ ومَعانِيها غيرَ مَرْعِيٍّ في كلِّ الألفاظِ واللُّغَاتِ، وعلى هذا فإفْسادُ الآمِدِيِّ

стр. 291

مَذْهَبُه، فإنَّا نَعْلَمُ أنَّ الواضِعَ في ابتداءِ الوَضْعِ لو وُضِعَ لفظُ الوجودِ للعَدَمِ أو بالعَكْسِ لِمَا كَانَ مُمْتَنِعاً، غيرُ مُسْتَقِيمٍ، إذِ الخِصْمُ لا يَقُولُ: إنَّ ذلك مُمْتَنِعٌ على هذا التَّقْدِيرِ، بل غايتُه أنُّه يَلْزَمُ القَوْلُ بالمُناسبَةِ الطبيعِيَّةِ وهو غيرُ مُمْتَنِعٌ، قَالَ: وإنْ أَرَادَ الثاني، فهو مَعْلُومُ الفسادِ بالضرُورَةِ، يعنِي: لأنَّه لو كانَ كذلكَ لعَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ جميعَ اللُّغَةِ؛ لعَدَمِ الاختلافِ في دلالةِ الذاتِ، ولَعَلَّ عَبَّاداً يَدَّعِي ما يَدَّعِيهِ الاشْتِقَاقِيُّونَ من مُلاحَظَةِ الواضِعِ مُنَاسَبَةً ما بينَ اللفظِ ومدلولِه في الوَضْعِ، وإلاَّ فبُطْلانُه ضرورِيٌّ. تنبيهانِ: الأوَّلُ: جَعْلُه الخلافَ في الاشْتِراطِ وعَدَمِه قد يُنَاقِشُ فيه، وإنَّما مَذْهَبُ عَبَّادٍ أنَّ إفادَةَ اللفظُ المعنَى لذاتِه، وقد أَنْكَرَ الأصْفَهَانِيُّ في (شَرْحِ المَحْصُولِ) على مَن حَمَلَ مَذْهَبَ عَبَّادٍ على أنَّ شَرْطَ وَضْعِ اللفظِ بإزاءِ المعنَى المُنَاسَبَةُ الذَّاتِيَّةُ. وقالَ: المذاهبُ لا تُنْتَقَلُ بالاحْتِمَالِ، والمَنْقُولِ عنه ما ذَكَرْنَا، ثمَّ ذلك بَاطِلٌ بالضرورَةِ، فإنَّه يُمْكِنُنَا وَضْعُ أَلْفَاظُ المعانِي من غيرِ مُرَاعَاةِ المُنَاسَبَةِ الذاتِيَّةِ قَطْعاً، ولو كانَ شَرْطاً لِمَا أَمْكَن. الثاني: قد يَشْتَمِلُ مَحَلُّ الخلافَ، فإنَّا إذا قُلْنَا: إنَّ اللُّغَةَ توقِيفِيَّةٌ، فيَنْبَغِي ألاَّ يَشْتَرِطُ قَطْعاً، وإنَّما يَتَّجِهُ الخلافُ في أنَّه هل يَخْلُو الوَضْعُ عن المُنَاسَبَةِ أم لا؟ لأنَّ الواضِعَ حَكِيمٌ، كما في نَظِيرِه من الخلافِ في أنَّ الأحْكَامِ هل تُعَلَّلُ بالمصالِحِ أم لا؟ وإذا قُلْنَا: اصْطِلاحِيَّةٌ، فيَنْبَغِي أنْ يُشْتَرَطَ قَطْعاً، فأينَ الخلافُ، وجوابُ هذا يُعْلَمُ من تخصيصِ الخلافِ عن عَبَّادٍ، وقد عَبَّرَ الطَّرْطُوشِيُّ بعِبَارَةٍ حَسَنَةٍ تُزِيلُ الإشْكالَ،

стр. 292

فقالَ: الخطابُ إنَّما يُفِيدُ بالمُواطَأَةِ والمُوَاضَعَةِ، وليسَ يُفِيدُ لذاتِه ولا لِصَفَةٍ هو في العَقْلِ عليها، ألاَ تَرَى أنَّ سَامِعَه إذا لم يَعْرِفُ المُوَاطَأَةَ لم يَسْتَفِدْ به شيئاًَ. ص: (واللفظُ مَوْضُوعٌ للمعنَى الخارجيِّ لا الذهنيِّ، خلافاً للإمامِ، وقالَ الشيخُ الإمامُ: للمعنَى من حيثُ هو). ش: اخْتُلِفَ في أنَّ اللفظَ وُضِعَ لماذا؟ على مذاهبَ: أرْجُحَها: أنَّه موضوعٌ للمعنَى الخارجيِّ؛ أي: الموجودُ في الخارجِ، وبه جَزَمَ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ في (شَرْحِ اللُمَعِ)؛ لأنَّه به تَسْتَقِرُّ الأحكامُ، ونَصَرَهُ ابنُ مالِكٍ في كتابِ (المُفَضَّلَ على المُفَصَّلِ). والثاني: للمعنى الذِّهْنِيِّ؛ أي: سواءٌ طَابَقَ أم لا، واختارَهُ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ والبَيْضَاوِيُّ، لدَوَرَانِ الألفاظِ على المعانِي الذِّهْنِيَّةِ وجوداً وَعَدَماً، فإنَّ الإنسانَ إذا رَأَى شَبَحاً من بَعيدٍ تَخَيَّلَه طَللاً، سَمَّاهُ طللاً، فإذا رَآهُ يَتَحَرَّكُ ظَنَّهُ شَجَراً سَمَّاهُ شَجَراً، ثمَّ لَمَّا قَرُبَ منه ورآهُ رُجَلاً سَمَّاهُ رُجُلاً، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ اختلافَ الألفاظِ للمعانِي الذِّهْنِيَّةِ إنَّما هو لاعتقادِ أنَّها في الخارجِ كذلك، لا لِمُجَرَّدِ اخْتِلافِها في الذِّهْنِ فلا يَدُلُّ على أنَّها موضوعَةٌ بإزاءِ المعانِي الذهنِيَّةِ فقطْ، ويَلْزَمُ مِن أنَّه لم يُوضَعْ لِمَا في الخَارِجِ، أنْ تَكُونَ دلالَةُ اللفظِ على ما في الخارجِ ليْسَتْ مُطَابَقَةً ولا تَضَمُّناً.

стр. 293

والثالثُ: أنَّه موضوعٌ للمعنَى من حيثُ هو أَعَمٌّ من الذهْنِيِّ والخارجيِّ، وهذا ما ذَهَبَ إليه والِدُ المُصَنِّفِ، وَرَدَّ مَذْهَبُ الإمامُ إليه، وأَفْرَدَ المسألَةُ بالتَّصْنِيفِ، والحقُّ أنَّ دلالَتَه على المعانِي الخَارِجِيَّةِ إنَّما هو بتوسُّطِ دلالتِها على المعانِي الذِّهْنِيَّةِ، ودلالَتُها على المعانِي الذَِّهْنِيَّةِ بغيرِ وَسْطٍ، ويَنْبَغِي تَنْزِيلُ كلامَ الإمامِ عليه، وأنَّه لم يَرِدْ أنَّها لم تُوضَعُ للمَعَانِي الخارجِيَّةِ ابتداءً، لأنَّها غيرَ مَقْصُودَةٍ أَصْلاً، فإنَّ ذلك باطلٌ؛ لأنَّ المُخْبِرَ إذا أَخْبَرَ غَيْرَه بقولِه: جَاءَ زَيدٌ، فمَقْصُودُ الإخبارِ بمَجِيءِ زيدٍ في الخارجِ. ص: (وليسَ لكلِّ معنًى لفظٍ، بل كلُّ معنًى مُحْتَاجٍ إلى اللفظِ). ش: لا يَجِبُ أنْ يكونَ لكلِّ معنًى من المعانِي لفظُ مَوْضِعٍ بِإزَائِه وهو ظاهرٌ، فإنَّ أنواعَ الأراييحِ كثيرةٌ، مع أنَّهم لم يَضَعُوا لها ألْفاظاً، تُؤْذِنُ= بها، وأيْضاً كانَ يَلَزَمُ انتفاءَ المجازِ المعلومُ ثُبوتُه ضرورَةً، واسْتَدَّلَ في (المحصولِ) بأنَّ المعانِي غيرُ مُتناهِيَةٍ، والألفاظُ متناهِيَةٌ، لتَرَكُّبِها من الحروفِ المُتَنَاهِيَةِ، والمُرَكَّبُ من المُتَنَاهِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَناهِياً، وقد يُمْنَعُ عَدَمُ تناهِي المعانِي، فإنَّ المَعْقُولَ مُتَنَاهٍ وبه صَرَّحَ الإمامُ في مسألَةِ المُشْتَرَكِ، ثمَّ قالَ الإمامُ: فإذا ثَبَتَ هذا فالمَعانِي قسمانِ: أحدُهما: ما تُشْتَدُّ الحاجَةُ إلى التَّعبيرِ عنه، فيَجِبُ الوَضْعُ له لأَجْلِ الإفهامِ بالمُخَاطَبَةِ.

стр. 294

والثاني: ما لا تُشْتَدُّ الحاجَةُ إليه، فيَجُوزُ فيه الأمرانِ، يعني: الوَضْعُ وعَدَمِه، أمَّا عَدَمُ الوَضْعُ فإنَّه ليسَ ممَّا يَحْتَاجُ إليه، وأمَّا الوَضْعُ فللفوائدِ الحاصلَةِ به. واعْلَمْ أنَّ لفظَ (المحصولِ): لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ لكُلِّ لفظٍ معنًى، بل ولا يَجُوزُ واقْتَصَرَ في (الحاصلِ) على نَفْيِ الوجوبِ، وفي (المُنْتَخَبِ) على نَفْي الجوازِ، والمُصَنِّفُ أَتَى بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُهُمَا. ص: (والمُحْكَمُ المُتَّضَحُ المَعْنَى والمُتَشَابِهُ، ما اسْتَاثَرَ اللهُ تعالَى بعِلْمِه، وقد يُطْلِعُ عليه بعضَ أصْفِيائِه). ش: في القرآنِ مُحْكَمٌ ومُتَشَابِهٌ، كما قالَ تعالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٍ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٍ﴾ وقد كَثَرُ الخِلافَ في مَعْنَاهِمَا.

стр. 295

والمُصَنِّفُ في تَفْسِيرِ المُحْكَمِ مُتَابِعٌ لابنِ الحَاجِبِ، والمُرَادُ بالمُتَّضَحِ هو المَعْنَى الذي لا يَتَطَرَّقُ إليه إشكالٌ، مَاخُوذٌ من الإحْكامِ وهو الاتفاقُ، فيَدْخُلُ فيه النَّصُّ والظاهرُ، وقالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ أَحَسَنُ الأقوالِ فيه: ما أَمْكَنَ مَعْرَفَةُ المُرَادُ بظَاهرٍ أو بدَلالَةٍ تُكْشَفُ عنه، وفَسَّرَ المُصَنِّفُ المُتَشابِهُ بحُكْمِه، وإلاَّ فهو مُقَابِلُ المُحْكَمِ، فيكونُ ما لم يَتَّضِحْ معناهُ، فيَشْمَلُ المُجْمَلَ وما ظاهِرُه التَّشْبِيهُ، وهو المقصودُ هنا. وقد اخْتُلِفَ في إدْراكِ عِلْمِ المُتشابِه، فذَهَبَ الأشْعَرِيُّ والمُعْتَزِلَةُ إلى أنَّه لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في جُمْلَةِ

стр. 296

الرَّاسِخِينَ مَن يَعْلَمُه، ووَقَفُوا على قولِه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. وقالَ ابنُ الحَاجِبِ: إنَّه الظاهرُ؛ لأنَّ الخِطَابَ بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ، وقالَ النَّوَوِيُّ في كتابِ العِلْمِ من (شَرْحِ مُسْلِمٍ)، إنَّه الأَصَحُّ؛ لأنَّه يَبْعُدُ أنْ يُخَاطِبَ اللهُ عِبادَه بما لا سبيلَ لأَحَدٍ من الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِه، قالَ: وقد اتَّفَقَ أصْحَابُنَا وغيرُهم من المُحَقِّقِينَ على أنَّه يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ بما لا يُفِيدُ. وذَهَبَ كثيرٌ من أصْحَابِنَا المُتَكَلِّمِينَ والفقهاءِ كالحَارِثِ والقَلانِسِيِّ إلى أنَّه لا يَعْلَمُ تَاوِيلَه إلاَّ اللهُ، ووَقَفُوا على قولِه: ﴿إِلاَّ اللهُ﴾. قالَ الأستاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وهو الأَصَحُّ عندَنا؛ لأنَّه قولُ الصحابَةِ. وقالَ ابنُ

стр. 297

السَّمْعَانِيِّ: إنَّه المُخْتَارُ على طَرِيقَةِ أهلِ السُّنَّةِ. ص: (قالَ الإمامُ: واللفظُ الشائعُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضُوعاً لِمَعنًى خَفِيٍ إلاَّ على الخواصِّ، كما يَقُولُ مُثْبِتُو الحالِ: الحركةُ معنًى تُوجِبُ تَحَرُّكُ الذَّاتِ). ش: مَنَعَ الإمامُ فَخْرِ الدِّينِ أنَّ اللفظَ المَشْهورَ المتداولَ بينَ الخاصَّةِ والعامَّةِ في معنَى ـ أنْ يُوضَعَ لمَعنًى خَفِيٍّ جِداً، بحيثُ لا يَعْرِفُه إلا الخواصُّ، والغَرَضُ من هذه المسألَةِ الرَّدُ على مُثْبِتِي الأحوالِ؛ لأنَّهم يَقُولُونَ: الحركَةُ معنًى يُوجِبُ كَوْنِ الذاتِ مُتَحِرِّكَةٌ، والمَشْهُور بين الخاصَّةِ والعامَّةِ أنَّها نَفْسُ الانتقالِ، لا معنًى أَوْجَبَ الانتقالَ، يَمْتَنِعُ أنْ تَكونَ موضوعَةٌ لذلك المعنَى، إذِ يَتَعَذَّرُ تَعَقُّلُه على غيرِ الخواصِّ. وقد رَدَّ عليه الأصْفَهَانِيُّ في شَرْحِه، وقالَ: قد يُدْرِكُ الإنسانُ معانِي خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ، ولا يَجِدُ لها لفْظاً دالاًّ عليها؛ لأنَّ ذلك المعنَى مُبْتَكِرٌ، ويَحْتَاجُ إلى وَضْعِ لفظٍ بإزائِهِ؛ ليَفْهَمَ ذلك الغيرُ ذلك المعنَى، سواءٌ أَكَانَ اللفظُ من الألفاظِ المشهورةِ أو لا، ولا حَجْرَ في الاصْطِلاحَاتِ، والكُتُبِ العِلْمِيَّةِ مَشْحُونَةٌ، بأمثالِ هذه الألفاظِ، وذلك يُمْكِنُ رَدُّهُ بالدليلِ، نَعَمْ، إنْ ادَّعَى الخِصْمُ أنَّ هذا اللفْظَ المشهورَ موضوعٌ بإزاءِ المعنَى الخَفِيِّ أو

стр. 298

لا فمَمْنُوعٌ، قالَ: وأسماءُ اللهُ تعالَى المُقَدَّسَةُ من قَبِيلِ القسمِ الأوَّلِ، فإنَّ منها ألفاظاً مشهورةً، وبإزائِها مَعَانِي دَقِيقَةٍ غَامِضَةٍ لا يَفْهَمُها إلا الخواصُّ. ص: (مسألَةٌ: قالَ ابنُ فُورَكْ والجمهورُ: اللُّغاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ عَلَّمَها اللهُ تعالَى بالوَحْيِ أو خَلْقِ الأصْواتِ، أو العِلْمِ الضَّرُورِيَّ، وعُزِيَ إلى الأشْعَرِيِّ، وأكثرِ المعتزلِةِ اصطلاحِيَةٌ، حَصَلَ عِرْفَانُها بالإشارَةِ والقريِنَةِ كالطِّفْلِ، والأستاذُ: القَدْرُ المُحْتَاجُ في التعريفِ تَوْقِيفِيٌّ وغيرُه مُحْتَمَلٌ، وقيلَ: عَكْسُهُ، وتَوَقَّفَ كثيرٌ، والمُخْتَارُ الوَقْفُ عن القَطْعِ، وأنَّ التَّوْقِيفَ مَظْنُونٌ). ش: هذه المَسْأَلَةُ في البحثِ عن الواضِعِ، وفيها أقوالٌ: إحدَاها: قولُ الجمهورُ: إنَّها تَوْقِيفِيَّةٌ وأنَّ الواضِعَ هو اللهُ تعالَى، والتَّعْرِيفُ إمَّا الوَحْيُ أو الإلْهَامُ، بأنْ عَلَّمَها بالوَحْيِ إلى الأنبياءِ أو خَلْقِ أصواتٍ تَدُلُّ على اللُّغَاتِ وإسْمَاعِها لواحدٍ أو جَمَاعَةٍ، أو بخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُوريٍّ في الصدورِ لصِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ لمَعَانٍ، فبَيَّنَ العُقلاءُ الصِّيَغَ ومعانِيها. قالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: فيكونُ معنَى التَّوقيفَ أنْ

стр. 299

تَلْقَفُوا وَضْعَ الصِّيَغِ على حُكْمِ الإرَادَةِ والاختيارِ، واخْتَارَهُ ابنُ فارسٍ في كتابِه (فِقُهُ العَرَبِيَّةِ) واحْتَجَّ له بالإجماعِ على الاحتجاجِ بلُغَةِ القَوْمِ، ولو كانَتِ اللُّغَةُ مُواضِعَةٌ لم يَكُنْ أُولئكَ في الاحتجاجِ بهم بأَوْلَى منَّا في الاحتجاجِ، فقالُوا: اصْطَلَحْنَا على لُغَةِ القَوْمِ ولا فَرْقَ، واحْتَجَّ غيرُه من النُّحاةِ، بأنَّه لو كانَ اصْطِلاحاً لم يَخْتَلَفُوا، فيَقُولُ بعضُهم: مَرَرْتُ بِأَبِيكَ، وآخَرُونَ: بآبَائِكَ، وأيضاً فقد اسْتِعْمَلُوا أَبْنِيَةً وتَرَكُوا غَيْرَها، ولا سَبيلَ إلى الاصطلاحِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ قَط أُمَّةٌ وُلِدَتْ مُتَكَلِّمَةً، ولا تَكَلَّمَتْ حتى وُلِدَتْ، حَكَاهُ ابنُ خَروفٍ في (شَرْحِ سِيبَوَيْهِ) وقالَ: الأَقْرَبُ أنَّه إِلْهَامٌ من اللهِ تعالَى، وهذا المَذْهَبُ عَزَاهُ جماعَةٌ إلى الأشْعَرِيِّ، وإنَّما لم يَجْزِمِ المُصَنِّفُ بنِسْبَتِه إليه لِمَا سَنَذْكُرُه، ولكنَّه عَزَاهُ لأكَابِرِ أصْحَابِه كابنِ فَوْرَكٍ، وقد رَأَيْتُه في كِتَابِه، فقالَ: الذي يَصِحُّ من ذلك قولُ من قالَ: إنَّه تَوْقِيفِيٌّ؛ وذلك لأنَّه لو وَقَعَ اصْطِلاحاً، لم يَقَعْ كذلك إلاَّ بِلُغَةٍ أُخْرَى أو إِشَارَةٍ أو كِتَابَةٍ أُخْرَى، وكانَ يَحْتَاجُ من الاصطلاحِ مثلَ ما يَحْتَاجُ إليه ما وَرَاءَهَا= إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى أَمْرٍ غيرَ مُصْطَلَحٍ عليه، فنقول: الأمْرُ فيه إلى التوقيفِ. والثاني: وعليه أَكْثَرُ المُعْتَزِلَةُ أنَّها اصْطِلاحِيَّةٌ بمعنَى أنَّ واحداً من البشرِ أو جَماعةُ وَضَعَها، وحَصَلَ التعريفُ للباقِينَ بالإشارَةِ والقرائنَ. كتعريفِ الوالدَيْنِ لُغَتَهُما للأطفالِ، وفَسَّرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ الاصطلاحَ؛ بأنَّه لا يَبْعُدُ أنْ يُحَرِّكَ اللهُ به نُفُوسَ العُقلاءِ لذلك؛ أي: يَعْلَمُ بَعْضَهم مَرادَ بَعْضٍ، ثمَّ يُنْشِؤُونَ على اختيارٍ منهم صِيغاً لتِلْكِ المعانِي التي يُرِيدُونَها، ألاَ تَرَى أنَّ الإنسانَ يُولَدُ له مولودٌ فيُنْشِئُ له اسْماً، وكذا يَجُوزُ أنْ تَسْتَحْدِثَ صِيغَةً دالَّةً، فتَصِيغُ للصِّفَةِ اسماً

стр. 300

وللآلَةِ اسماً. الثالثُ: مَذْهَبُ الأستاذُ أنَّ القَدْرَ المُحْتَاجَ إليه منها في التعريفِ تَوْقِيفِيٌّ، والباقِي مُحْتَمَلٌ للتَّوْقِيفِ وغيرِه، كذا حَكَاهُ ابنُ بُرْهَانَ والآمِدِيُّ وغيرُهما، والذي في (المَحْصُولِ) و (المِنْهَاجِ) عنه: أنَّ الباقِي مُصْطَلَحٌ، مع أنَّه في (المحصولِ) عندَ الاسْتِدْلالِ عليه حَكَى الأوَّلُ، وهذا هو الصوابُ كما رَأَيْتُه في كِتَابِه، وعلى هذا فيكونُ مَذْهَبَه مُرَكَّباً من الوَقْفِ والتَّوْقِيفِ. الرابعُ: عَكْسُه، وهو يُفْهَمُ أنَّ القَدْرَ المُحْتَاجَ إليه اصطلاحٌ والباقِي مُحْتَمَلٌ، لكنَّ الذين حَكُوا هذا المَذْهَبَ قالُوا: إنَّ الباقِي مُصْطَلَحٌ. والخامسُ: الوَقْفُ، بمعنَى أنَّ الجميعَ مُمْكِنٌّ لتَعَارُضِ الأدِلَّةِ، وعَزَاهُ في (المَحْصُولِ) للقَاضِي وجُمْهُورِ المُحَقِّقِينَ. والسادسُ: الوَقْفُ عن القَطْعِ بواحدٍ من هذه الاحْتِمَالاتِ، وتَرْجِيحُ مَذْهَبُ الأشْعَرِيِّ بغَلَبَةِ الظَّنِّ، وهذا ما اخْتَارَهُ ابنُ الحَاجِبِ والمُصَنِّفِ، ويَخْرُجُ من كلامِ

стр. 301

ابنِ السَّمْعَانِيِّ. سابعٌ: وهو تَجْوِيزُ الكُلِّ مع ظهورِ مَذْهَبِ الأستاذِ؛ فإنَّه قالَ: المُخْتَارُ تَجْويزُ كُلِّ ذلك، ثمَّ قالَ: والظاهرُ أنَّ بعضَها كَانَ تَوْقِيفاً من اللهِ تعالَى على ما نَطَقَ به الكتابُ، وبعضَها كانَ اصطلاحاً وتَوَاطُؤًا، ومن المُتَأَخِّرِينَ مَن قالَ: منها ما يَقْطَعُ فيه بالاصطلاحِ كالأعلامِ، وقيلَ إنَّ الأشْعَرِيَّ إنَّما تَكَلَّمَ في الوقوعِ معَ تَجْوِيزِ صُدُورِ= اللُّغَةِ اصطلاحاً، ولو مُنِعَ الجَوازُ لنَقَلَهُ عن القاضِي وغيرِه من أصْحَابِه، وذَكَرَ إمامُ الحَرَمَيْنِ الخلافَ في الجوازِ ثمَّ قالَ: إنَّ الوقوعَ لم يَثْبُتْ. فائدةٌ: تَكَلَّمُوا في فَائِدَةِ هذه المسألَةِ، فمنْهُم مَن نَفَاهَا كالأَبْيَارِيِّ شارحُ (البُّرْهَانِ) وقالَ: ذَكَرَها في الأُصُولِ فُضُولٌ، ومنهم مَن قالَ: فائدُتُها قَلْبُ اللُّغَةِ، وقالَ المَاوَرْدِيُّ في تَفْسِيرِه: فائِدَةُ الخلافِ أنَّ مَن جَعَلَ الكلامَ تَوْقِيفاً جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُقَارِناً لكَمَالِ العَقْلِ، ومَن جَعَلَه اصْطِلاحاً جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُتَأَخِّراً عن العَقْلِ مُدَّةَ الاصطلاحِ على مَعْرِفَةِ الكلامِ.

стр. 302

ص: (مسأَلَةٌ: قالَ القَاضِي، وإمَامُ الحَرَمَيْنِ، والغَزَالِيُّ والآمِدِيُّ: لا تَثْبُتُ اللُّغَةُ قياساً، وخَالَفَهُم ابنُ سُرَيْجٍ، وابنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْرَازِيُّ، والإمامُ، وقيلَ: تَثْبُتُ الحقيقةُ لا المجازَ، ولفظُ القياسَ يُغْنِي عن قولِك: مَحَلَّ الخلافِ، ما لم يَثُبُتْ تَعْمِيمُه باسْتِقَرَاءِ). ش: اتَّفَقُوا كُلَّهُم على امْتِناعِ جَرَيانِ القِياسِ في أَسْمَاءِ الأعْلامِ؛ لأنَّها غيرُ مَعْقُولَةِ المعنَى، والقياسُ فَرْعُ المعنَى، فهو كحُكْمٍ تَعَبُّدِيٍّ لا يَعْقُلُ معنَاهُ، وكذلك على امْتِنَاعِه في الصِّفَاتِ من اسمِ الفاعلِ والمفعولِ ونحوِهما؛ لأنَّ القياسَ لا بُدَّ فيه من أَصْلٍ، وهو غيرُ مُتَحَقِّقٌ فيها، إذ ليسَ جَعَلَ= البعضُ أصلاً والبعضُ الآخَرَ فَرْعاً أَوْلَى من العَكْسِ، واطْرِادَهما في محالِهما مُسْتَفَادٌ من الوَضْعِ لا القياسُ، فلأنَّهم وَضَعُوا القائمَ والقاعِدَةَ بإزاءِ كُلٍّ من قَامَ وقَعَدَ، وعلى امْتِنَاعِه فيما يَثْبُتُ بالاسْتِقْرَاءِ إرَادَةً للمعنَى الكُلِّيِّ، كقولِنا: الفاعلُ مرفوعٌ، والمفعولُ منصوبٌ، وإنَّما مَحَلُّ الخلافِ فيما إذا أَطْلَقُوا اسْماً مُشْتَمَلاً على وَصْفٍ، واعْتَقَدْنَا أنَّ التَّسْمِيَةَ لذلك الوصفِ، فأَرَدْنَا تَعْدِيَةَ الاسمَ إلى مَحَلٍّ آخَرَ مَسْكُوتٌ عنه، كما إذا اعْتِقَدْنا أنَّ إطلاقَ اسمَ الخَمْرِ باعْتِبارِ التَّخْمِيرِ، فعَدَيْنَاهُ إلى النَّبْيذِ وفيه مذاهبَ.

стр. 303

أحدُها: المَنْعُ، وبه قالَ مُعْظَمُ أصْحابِنا والحَنَفِيَّةُ، وفي ذِكْرِ القاضِي مِن المَانِعِينَ فائدةٌ، وهي: الرَّدُّ على ابنِ الحَاجِبِ حِكَايَتَه عن القاضِي الجَوازُ، والموجودُ في (التقريبِ) للقاضِي المَنْعُ، وكذا حَكَاهُ عن المَاوَرْدِيِّ وغيرِه، ومِن أَدِلَّتِهم: ما مِن شيءٍ إلاَّ ولَه اسمٌ في اللُّغَةِ توقيفاً فلا يَجُوزُ أنْ يَثْبُتَ له اسمٌ آخَرَ بالقياسِ، كما إذا ثَبَتَ لشيءٍ حَكَمَ بالنَّصِّ لم يُجِزْ أنْ يَثْبُتْ له حُكْمٌ آخَرَ بالقياسِ؛ ولأنَّ الخلافَ إنَّما هو الأسماءُ في المُشْتَقَّةِ والعُرْفِ لا يَلْزَمُ طَرْدُ القياسِ في الاشتقاقِ، فإنَّهم سَمُّوا الدَّابَةَ لدِبِيبِها، ولم يُسَمُّوا كلَّ ما دَبَّ دَابَّةً، ولأنَّ الخَمْرَ فُسِّرَ في معنَى اسمِها الاضطرابُ، وإنَّما هي من المُخَامَرَةُ أو التَّخْمِيرِ، فلو شَاعَ الاسْتِمْساكُ بالاشتقاقِ لكانَ كلُّ ما يُخَامَرُ العقلُ وإنْ لم يَضْطَرِبْ يكونُ خَمْراً. والثاني: الجوازُ؛ لأنَّ الاشتقاقَ في الاسمِ بمَنْزِلةِ التعليلِ، فكأنَّهم جَعَلُوا المُشْتَقَّ بمنزلَةِ الفَرْعِ، والمُشْتَقَّ منهُ بمنزلَةِ الأصْلِ، والمعنَى الذي لأَجْلِه بمنزلَةِ العِلَّةِ، وما عَزَاهُ المُصَنِّفُ للإمامِ صحيحٌ، ولا يُنَافِيهِ قولُه: في مواضِعَ، هذا قياسٌ في اللُّغَةِ فلا نَقُولُ به، فهذا اسْتِطْرادٌ لا يُؤَثِّرُ فيما ذَكَرَهُ مَظِنَّةٌ؛ ولأنَّ المُنَاظَرَةَ قد يَرْتَكِبُ فيها غيرُ

стр. 304

المَذْهَبِ، نَعَمْ، ما عَزَاهُ لابنِ سُرَيْجٍ فيه نَظَرٌ؛ فإنَّ ابنَ السَّمْعَانِيِّ بعدَ أنْ سَرَدَ أَدِلَّةَ المانِعِينَ، قالَ: وهذه الأدِلَّةُ قَوِيَّةٌ جِدًّا، فالأوْلَى أنْ نَقُولَ: يَجُوزُ إثباتُ الأسَامِي شَرْعاً، ولا يَجُوزُ إثباتُها لُغَةً، وهو الذي اخْتَارَهُ ابنُ سُرَيْجٍ، والدليلُ على جوازِ ذلكَ أنَّا نَعْلَمُ أنَّ الشرِيعَةَ إنَّما سَمَّتِ الصلاةَ صلاةً لصفَةِ متى انْتَفَتْ عنها لم تُسَمَّ صلاةً، ففِعْلُه إنْ مَا شَارَكَها في تلك الصِّفَةِ يَكُونُ صلاةً، فبَانَ بهذا ثُبُوتُ الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ بالعِلَلِ، وإذا ثَبَتَ هذا الاسمُ لِمَعَانٍ، جَازَ قِياسُ كلَّ مَحَلٍّ وُجِدَ فيه ذلك المعنَى وتَسْمِيتَه بذلك الاسمِ، وعلى هذا خَرَجَتِ الأسماءُ اللُّغَوِيَّةُ، ولم يَلْزَمْ ما ذَكَرُوهُ من اطِّرَادِ معانِي الاسمِ، وعلى هذا يَثْبُتُ اسمُ الخَمْرِ للنَّبِيذِ شَرْعاً، ويَثْبُتُ للِّواطِ اسمُ الزِّنَا شَرْعاً، ثم يَجِبُ الحَدُّ بالآيةِ، ويَثْبُتُ السارِقُ للنَّبَّاشِ شَرْعاً، ثمَّ يَجِبُ القَطْعُ بالآيةِ. انتهى. ويَتَحَصَّلُ أربعةُ مَذاهِبَ: المَنْعُ، والجَوَازُ، إثباتُ الاسمِ بالشَّرْعِ، إثْبَاتُه باللُّغَةِ، وفائِدَةُ الخلافِ في هذه المسألَةِ: أنَّ مَن أَثْبَتَ عُمُومُ الاسمِ بِطَرِيقِ القياسِ اللُّغَوِيِّ، انْدَرَجَتِ المُسَمِّياتِ تحتَ العُمُومِ ولم يَحْتَجْ إلى القياسِ الشَّرْعِيِّ وشَرَائِطِه، فيَدْخُلُ تَحْتَ قولِه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾. ومَن لم يُثْبِتْه بالقياسِ اللُّغَوِيِّ احْتَاجَ إلى ذلك. وعلى الأوَّلِ: يُقْطَعُ النَّبَّاشُ بالنَّصِّ. وعلى الثاني: بالقياسِ الشَّرْعِيِّ على السرقةِ. والمَذْهَبُ الثالثُ: يَجْرِي في الحقيقةِ لا في المجازِ، وهو يَخْرُجُ من كلامِ القاضِي عبدِ الوَهَّابِ.

стр. 305

لأنَّ المجازَ أَخَسُّ رُتْبَةً من الحقيقةِ، فيَجِبُ تَمْييزُ الحقيقةِ عليه. وقولُه: (ولَفْظًُ القِياسِ) يُشِيرُ إلى الاستغناءِ عن قولِ ابنِ الحَاجِبِ: ليسَ الخلافُ فيما يَثْبُتُ تَعْمِيمُه بالاسْتِقْرَاءِ كرَفْعِ الفاعلِ ونَصْبِ المفعولِ، ووَجْهُ الاسْتِغْنَاءُ عنه، أنَّ لَفْظَ القياسِ الذي هو موضوعُ المسألَةِ يُعْطِي ذلك؛ لأنَّ اطِّرادَ ذلك في كلِّ ما أُسْنِدَ إليه فِعْلٌ مَعْلُومٌ بالنَّصِّ لا بالقياسِ، ولذلك لم يَحْتَجْ إلى استثناءِ الأعلامِ، فإنَّه لا يُتَصَوَّرُ دُخُولُ القياسِ فيها لِمَا سَبَقَ. ص: (مسألَةٌ: اللفظُ والمعنَى إنِ اتَّحَدَا فإنْ مَنَعَ تَصَوُّرَ مَعْنَاهُ الشركةُ، فجُزْئِيٌّ وإلاَّ فَكُلِّيٌّ). ش: هذه المسألةُ في تَقْسيمِ اللفْظِ المُفْرَدِ باعتبارِ نِسْبَتِه إلى المعنَى، وهو أربعةُ أقسامٍ: الأوَّلُ: أنْ يَتَّحِدَ اللفظُ والمعنَى، فإنْ مَنَعَ تَصَوُّرُ معنَاهُ من وقوعِ الشركةِ في مَفْهُومِه، فهو جُزْئِيٌّ كالعَلَمِ نحوَ: زَيدٌ، وغيرُه من سائرِ الأعْلامِ؛ فإنَّه لا يُشَارِكُه فيه غيرُه، وإنْ لم يَمْنَعْ تَصَوُّرُ معناهُ من وقوعِ الشركةِ فيه، فهو الكُلِّيُّ كالحيوانِ والإنسانِ. واعْلَمْ أنَّ الجُزْئِيَّ والكُلِّيَّ بالذاتِ هو ذلك المعنَى، وإنَّما يُقَالُ للَّفْظِ الدَّالِ عليه: كُلِّيٌّ وجُزْئِيٌّ بالعَرَضِ والتَّبِعَيَّةِ تَسْمِيةٌ للدَّالِ باسمِ المَدْلُولِ، وغيرُ المُصَنِّفِ قالَ: نَفْسُ تَصَوُّرِ معناهُ، وإنَّما قَيَّدَ التَّصَوُّرَ؛ ليَخْرُجَ بعضُ أقسامِ الكًُلِّيِّ، وهو ما تَمْتَنِعُ فيه الشركةُ لا لِنَفْسِ مَفْهُومِه، بل لأمْرٍ خارجٍ كواجِبِ الوجودِ، والمُصَنِّفُ حَذَفُه؛ لأنَّه ظَنَّ تَمَامَ الحَدِّ= بدونِه وليسَ كذلكَ، فإنَّه لَمَّا أَخَذَ التَّصُوُّرَ في تعريفِ الكُلِّيُّ، عَلِمْنا أنَّ الكُلْيَّةَ والجُزْئِيَّةَ من عوارِضِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ، فيهما تَوَهَّمٌ؛ أنَّه لو كانَ من الصُّوَرِ الذهنِيَّةِ مالا يَمْنَعُ الشرِكَةُ، كانَتْ حَقِيقَتُها الخارجِيَّةِ كذلك؛ لأنَّ الصَّورَ الذهنِيَّةَ مُطَابِقَةٌ للخَارِجِ، فأُزِيلَ هذا الوَهْمُ، فإنْ مَنَعَ التَّصَوُّرَ الذِّهْنِيَّ للشركةِ وعَدَمَ منعِه ليسَ بالنَّظَرِ

стр. 306

إلى ذاتِها بل من حيثُ تَصَوَّرِها. وقولُه: (لاَ يَمْنَعُ تَصَوُّرَهُ مِن الشركَةِ) أعمٌّ من أنْ يكونَ قَابِلاً للشركةِ أو غيرِ قابلٍ؛ لأنَّ عَدَمَ المَنْعِ أَعَمٌّ من القبولِ، وبهذا يَظْهَرُ حُسْنُ التعبيرِ بنَفْسِ التَّصَوُّرِ؛ لأنَّ المقصودَ أنَّه لا يُشْتَرَطُ كُونُ الشركةِ مُمْكِنَةً عقلاً، بل لم يُنْظَرْ في وَضْعِه إلى الشرِكَةِ، ولا إلى الوقوعِ في الخارجِ، فإنَّ الكُلَّ قد لا يَقْبَلُ الوجودَ بالكُلْيَّةِ كالمُسْتَحِيلِ، وقد يَقْبَلَهُ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ من أفرادِه، كبحرٍ من زِئْبَقٍ، أو وُجِدَ واحدٌ إمَّا مع إمْكانِ غيرِه, كالشَّمْسِ عندَ مَن يُجَوِّزُ وُجودَ شَمْسٍ أُخْرَى, أو امتناعِ غيرِه كهي عندَ مَن لا يُجَوِّزُه، كذا قالَه الهِنْدِيُّ، وغيرُه، وقالَ الآمِدِيُّ في (رُمُوزِ الكُنُوزِ) لفظُ الشمْسِ والقَمَرِ كُلِّيَّانِ إلاَّ أنْ يُرَادَ به هذا الشمسُ وهذا القمرُ. تنبيهان: أحدُهما: هذا التعريفُ أَحْسَنُ من تعريفِ ابنِ الحَاجِبِ؛ فإنَّ الاشتراكَ ليسَ بشَرْطٍ، وتعبيرُ ابنُ الحَاجِبِ يُوهِمُ شَرْطِيَّتَه، ولا بُدَّ أنْ يَلْحَظَ في الجُزْئِيِّ قَيْدَ التشْخِيصِ والتَّعْيينِ، فإنَّ مع انْتِفاءِ ذلك، لا بُدَّ أنْ يَشْتَرِكا ولو في أَخَصِّ صفاتِ النَّفْسِ. الثاني: قالَ التَّسْتَرِيُّ، في حَدِّ الكًُلِّيِّ، في حالِ الإيجابِ، قالَ: فإنَّ زيداً

стр. 307

يَشْتَرِكُ كثيرُونَ في سَلْبِه عن مَفْهُومِه معَ أنَّه ليسَ بِكُلِّيٍّ، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ تَصَوُّرَ معناهُ غيرُ الحُكْمِ عليه بالإيجابِ والسَّلْبِ. ص: (مُتَوَاطِئٌ إنِ اسْتَوَى، ومُشَكِّكٌ إنْ تَفَاوَتَ). ش: يَنْقَسِمُ الكُلِّيُّ إلى مُتَوَاطِئٍ ومُشَكِّكٍ؛ لأنَّه إنْ كانَ حُصُولُ معناهُ في أفْرَادِه على التَّساوِي، فهو المُتَواطِئُ كدلالَةِ الإنسانِ على زَيدٍ وعمرٍو ونحوِه، إذِ كُلُّ فَرْدٍ من أَفْرَادِه لا يَزِيدُ على الآخَرِ في الإنسانِيَّةِ، فإنَّ الإنسانِيَّةَ التي في زَيدٍ مَثَلاً ليْسَتْ بِأَسَدٍ ولا أَوْلَى ولا أَقْدَمُ منها في عمرٍو، سُمِّيَ بذلك لمُطَابَقَةِ كلِّ واحدٍ من أفرادِه معناهُ، والمُوَاطَأَةُ: المُوَافَقَةُ، وإنْ كانَ حُصُولُ ذلك المعنَى في بعضِ أفْرَادِه يَتَفَاوتُ في مَفْهُومِه لشِدَّةٍ أو ضَعْفٍ، أو تَقَدُّمٍ أو تَأَخُّرٍ ـ فهو المُشَكِّكُ، كإطلاقِ الأبَيضِ على الثَّلْجِ والعَاجِّ ونحوِه، فإنَّ البَياضَ الذي في الثَّلْجِ أَشَدُّ منه في العَاجِّ، سُمِّيَ مُشَكِّكاً؛ لأنَّه يُشَكِّكُ النَّاظِرَ هل هو مُتَوَاطِئٌ لوحِدَةِ الحقيقَةِ فيه، أو مُشْتَرِكٌ لِمَا بينَهُما من الاختلافِ؟ وجَوَّزَ الهِنْدِيُّ فَتْحَ الكافِّ على أنَّه اسمُ مفعولٍ، لكونِ

стр. 308

الناظرِ يَتَشَكَّكُ فيه، في ذلكَ، وقد أَوْرَدَ عليه أنَّ الأَبْيَضَ مثلاً، إذا أُطْلِقَ على الثَّلْجِ فإمَّا أنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُه فيه مع ضَمِيمَةِ تلكَ الزيادَةِ، أو لا، فإنَّ لم تَكُنْ فهو المُتَوَاطِئُ، وإنْ كانَ فهو المْشَتَرِكُ، فإذا لا حقيقةَ لهذا القِسْمِ المُسَمَّى بالمُشَكِّكِ، وأُجِيبَ بأنَّ تركيبَ الشَّبَهَيْنِ يُحْدِثُ له طبيعَةً أُخْرَى، كالخُنْثَى لا ذَكَرَ ولا أُنْثَى، واعْلَمْ أنَّه رُبَّما اتَّفَقَ في الاسم الواحدِ بالنَّظَرِ إلى مُسَمِّيَيْنِ؛ التَّوَاطُؤِ والاشِتراكِ من جِهَتَيْنِ كالأسودِ إذا قيلَ على شَيْئَيْنِ مُلَوَّنَيْنِ بالسوادِ فإنَّه مُشْتَرِكٌ إنْ جُعِلَ لَقَباً لهما ومُتَوَطِّئَينِ إنْ دَلَّ عليْهِما باعتبارِ سَوَادَيْهِما. ص: (وإنْ تَعَدَّدَا فمُتَبَايُنٌ). ش: القِسمُ الثاني: أنْ يَتَعَدَّدَ اللَّفْظُ والمعنَى، فهي الألفاظُ المُتَبايِنَةٌ كالإنسانِ والفَرَسِ والبَقَرِ، وغيرِ ذلك من الألفاظِ المُخْتَلِفَةِ المَوْضُوعَةِ لمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، سُمِّيَ بذلك لتَبَايُنِها في الدلالَةِ والألفاظِ. ص: (وإنْ اتَّحَدَ المعنَى دونَ اللفظِ فمُتَرادِفٌ). ش: الثالثُ: أنْ يكونَ اللفظُ كثيراً والمعنَى واحدٌ، فهي الألفاظُ المترادفِةُ، كالإنسانِ والبَشَرِ لِواحدٍ، قالَ الآمِدِيُّ: واتِّحادُ موضوعِ المُسَمِّياتِ المُنْفِرِدَةِ لا

стр. 309

يُوجِبُ الترادُفَ، كالسيفِ والصارمِ والهِنْدِيِّ، بل هي مُتَبَايَنَةٌ. ص: (وعَكْسُه إنْ كانَ حَقِيقَةٌ فيهما فمُشْتَرَكٌ، وإلاَّ فحقيقةٌ ومجازٌ). ش: الرابعُ: أنْ يَتَّحِدَ اللفظُ ويَتَكَثَّرَ المعنَى، وهو يَشْتَمِلُ على أقسامٍ، لأنَّه وُضِعَ لمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أو أَزْيدَ دَفْعَةَ فهو المُشْتَرِكُ، كالعَيْنِ: للبَاصِرَةِ والجَارِيَةِ والدينارِ وغيرِها، وإنْ وُضِعَ لمعنًى ثمَّ نُقِلَ عنه إلى معنًى آخَرَ لعَلاقَةٍ ولم يَغْلُبْ اسْتِعْمَالُه في المَنْقُولِ إليه ـ فهو بالنِّسْبَةِ إلى المعنَى الأوَّلِ حقيقةٌ، وإلى الثاني مجازٌ، كالأسَدِ الموضوعِ للحيوانِ المُفْتَرِسِ المَنْقُولِ إلى الرجُلِ الشجاعِ للمُنَاسبَةِ بينَهما، وهي القَوْلَةُ؛ فإنْ غَلَبَ سُمِّيَ لفظاً مَنْقُولاً، وقَسَّمُوهُ باعتبارِ الناقلِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ؛ لأنَّه إمَّا الشرعُ أو العُرْفُ العامُّ أو الخاصُّ، وسُمِّيَتِ المنقولةُ مجازاً، اشْتِقاقاً من التجاوزِ، وهو التَّعَدِّي، إذِ التَّجَوَّزُ يَتَعَدَّى المعنى الحقيقيَّ. ص: (والعَلَمُ: ما وُضِعَ لمُعَيِّنٍ لا يَتَنَاولُ غيرَه). ش: هذا منه بيانٌ لبعضِ أقسامِ الجزئيِّ، وعَرَّفَه تَوْطِئَةً لِمَا سيَذْكُرُه من الفرقِ بينَ الشخْصِيِّ منه والجِنْسِيِّ، فقولُه: (ما وُضِعَ لمُعَيِّنٍ) جِنْسٌ يَتَنَاولُ جميعَ المعارفِ، وخَرَجَ عن المنكراتِ. وقولُه: (لا يَتَنَاولُ غيرَه) فَصَلَ خَرَجَ به ما عَدَاهُ من المعارفِ؛ فإنَّ اسمَ الإشارةِ صَالِحٌ لكلِّ مُشَارٍ إليه، والضميرُ صالِحٌ لكلِّ مُتَكَلِّمٍ ومُخَاطَبٍ وغَائِبٍ، وهذا الحدُّ ذَكَرَهُ ابنُ الحَاجِبِ في مُقَدِّمَتِه النَّحْوِيَّةِ، وزَادَ فيه: بوَضْعٍ واحدٍ، لئلاَّ يَتَوَهَّمَ أنَّ زيداً إذا سُمِّيَ به رجُلاً ثمَّ سُمِّيَ به آخَرَ فهو مُتَنَاولٌ لغَيْرِه فلا يكونُ الحَدُّ جامعاً، فلمَّا قالَ: بوَضْعٍ واحدٍ، دَخَلَ ذلك؛ فإنَّه وإنْ تَنَاولَ غيرَه، لكنْ ليسَ

стр. 310

بوَضْعٍ واحدٍ بل بأوضاعٍ. وقالَ في شَرْحِه: خَرَجَ بقولِه: لا يَتَنَاولُه غيرَه، قولُكَ: أنتَ وأنتَ مُخَاطِبٌ زيداً، فإنَّه يَصِحُّ أنْ يُقالَ: وأنتَ، لعَمْرٍو إذا خَاطَبْتُه أيضاً، ومُرادُه بذلك أنَّ (أنتَ) يُوضَعُ لشيءٍ بعَيْنِه، وهو معَ ذلكَ مُتَنَاولٌ لغيرِ ما وُضِعَ له على التَّعْيينِ، واعْتُرِضَ عليه؛ بأنَّ هذا اللفظَ وُضِعَ للمُخَاطَبِ على التَّعْيينِ، فهو لا يَتَنَاولُ غيرَه، لكنْ قد يَعِرضُ الاشتراكَ بحَسَبِ مُخَاطَبَيْنِ أو ثلاثةٍ، وهذا بعينِه. فقالَ: في العَلَمِ؛ لأنَّ زيداً أيضاً قد يَقَعُ فيه الاشتراكُ بحَسَبِ الاتفاقِ، وذلكَ لا عِبْرَةَ له؛ لأنَّ واضِعَ اللُّغَةِ جَعَلَ النَّكِرَاتَ شَائِعَةً في نوعِها أو جِنْسِها من غيرِ نَظَرٍ إلى فَرْدٍ من أفرادِها، وجَعَلَ المَعْرَفَةَ لشيءٍ له بعينِه, ثم إنَّ العَالَمَ بلُغَتِه يَسْتَعْمَلَ ألفاظَ المعارِفِ بعدَ عَدَمِ أشخاصِها لأشخاصٍ أُخَرَ، معَ مُرَاعَاةِ غَرِضِ الواضِعِ، وهو التَّّعْيينُ في الأصْلِ، والحقُّ أنَّ الضَّمِيرَ كُلِّيٌّ باعتبارِ صلاحيتِه لكلِّ مُتَكَلِّمٍ ومُخَاطَبٍ وغَائِبٍ، وجُزْئِيٍّ باعتبارِ عُروضِ الجُزْئِيَّةِ والشخْصِيَّةِ بسَبَبِ قَصْدُكَ به مُعِيناً فقولُهم: إنَّه وُضِعَ لمعنًى، إنَّما هو باعتبارِ العارضِ. ص: (فإنْ كانَ التَّعْيينُ خارجيًّا، فعَلَمُ الشَّخْصُ، وإلاَّ: فعَلَمُ الجِنْسِ، وإنَّ للمَاهِيَّةِ من حيثُ هي: فاسمُ جِنْسٍ). ش: العَلَمُ إمَّا مُسَمَّاهُ جُزْئِيٌّ مخصوصٌ كزيدٍ، ويُسَمَّى عَلَمُ الشخصِ، أو كُلِّيٌّ شائعٌ، كأُسَامَةَ للأسدِ، وثُعَالَةَ للثَّعْلَبِ، ويُسَمَّى عَلَمُ الجِنْسِ، وهو عَلَمٌ لفظاً، نَكِرَةٌُ معنًى، فاسمُ أُسَامَةَ صَالِحٌ لكلِّ أَسَدٍ، بخلافِ عَلَمُ الجِنْسِ، وقد كَثُرَ كلامُ الناسِ في الفرقِ بينَ هذه الثلاثةِ، أعْنِي عَلَمُ الشَّخْصِ، وعَلَمُ الجِنْسِ، واسمُ الجِنْسِ النَّكِرَةِ كأسدٍ، وهو من نَفَائِسِ المَبَاحِثِ، قالَ القِرَافِيُّ: وكانَ الخسروشاهيُّ

стр. 311

يُقَرِّرُهُ، ولم أَسْمَعْه من أَحَدٍ إلاَّ منهُ، وكانَ يقولُ: ما في البلادِ المصريَّةِ مَن يَعِرِفُه، وفَرَّقَ بينَ العَلَمَيْنِ، بأنَّ عَلَمَ التَّشَخُّصِ مَوْضوعٌ للحقيقَةِ بقَيْدِ التَّشَخُّصِ الخارجيِّ، وعَلَمَ الجِنْسِ مَوْضوعٌ للمَاهِيَّةِ بقَيْدِ التَّشَخُّصِ الذِّهْنِيِّ، وفَرَّقَ بينَ اسمِ الجِنْسِ وعَلَمِ الجِنْسِ بخصوصِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ، فإنْ وُضِعَ لها من حيثُ خُصُوصُها فهو عَلَمُ الجِنْسِ، أو من حيثُ عُمُومُها فاسمُ الجِنْسِ، وعلى هذا الفَرْقِ مَشَى المُصَنِّفُ، أنَّ اسمَ الجِنْسِ هو الموضوعُ للحقيقةِ الذِّهْنِيَّةِ من حيثُ هي، فـ (أَسَدٌ) موضوعٌ للحقيقةِ من غيرِ اعتبارِ قَيْدٍ مَعَهَا أَصْلاً، وعَلَمُ الجِنْسِ مَوْضوعٌ للحقيقةِ باعتبارِ حضورِها الذِّهْنِيِّ، الذي هو نَوْعُ تَشَخُّصٍ لها مع قَطْعِ النَّظَرِ عن أَفْرَادِها، ونَظِيرُه المُعَرَّفَةُ باللاَّمِ التي هي للحقيقةِ والماهِيَّةِ، فإنَّ الحقيقةَ الحاضِرَةُ في الذِّهْنِ وإنْ كانَتْ عامَّةٌ بالنسْبَةِ إلى أفرادِها، فهي باعتبارِ حُضُورِها فيه أَخَصٌّ من مُطْلَقِ الحقيقةِ، فإذا اسْتَحْضَرَ الواضِعُ صورةَ الأسَدِ، ليَضَعَ لها تلكَ الصورةَ الكائنَةَ في ذِهْنِه، جُزْئِيَّةً بالنسبَةِ إلى مُطْلَقٍ صورةِ الأسدِ، فإنَّ هذه الصورةَ واقِعَةٌ لهذا الشَّخْصِ في زمانٍ، ومِثْلُها يَقَعُ في زمانٍ آخَرَ، وفي ذِهْنٍ آخَرَ والجميعُ مُشْتَرِكٌ في مُطْلَقِ صُورَةِ الأسَدِ، وفي كلامِ سِيبَوَيْهِ إشارةٌ إلى هذا الفَرْقِ، فإنَّه قالَ في بابِ تَرْجَمَتِه (هذا بابُ مِن المَعْرِفَةِ يكونُ الاسمُ الخاصُّ فيه شائعاً في أُمَّتِه، ليسَ واحداً منها بأَوْلَى من الآخَرِ) ما نَصَّهُ: إذا قلتَ: هذا أَبُو الحَارِثَ، إنَّما تُرِيدُ هذا الأسدُ، أي: هذا الذي سَمِعْتَ باسْمِه لو عَرَفْتَ أشْبَاهَه، ولا تُرِيدُ أنْ تُشِيرَ إلى شيءٍ قد عَرَفْتَه كزيدٍ، ولكنَّه أَرَادَ هذا الذي كلَّ واحدٍ من أمَّتِه له هذا الاسمِ. انتهى. فجَعَلَه بمَنْزِلَةِ المُعَرَّفِ باللاَّمِ التي للحقيقةِ، وقولًُه: (هذا) إشارَةٌ إلى شيءٍ بعَيْنِه، فصَارَ أُسَامَةُ يُغْنِي عن هذا، كما أنَّ زيداً يُغْنِي عن قولِك: الرجُلُ المعروفِ بكذا وكذا، وكونُ أُسَامَةَ وَاقِعٌ على كلِّ أَسَدٍ إنَّما كانَ؛ لأنَّ التعريفَ فيه للحقيقةِ، وهي مَوْجُودَةٌ فيه كذا قَرَّرَهُ ابنُ عَمْرُونَ قالَ:

стр. 312

ونَظِيرُه: يا رُجُلَ، إذا أَرَدْتَ مُعَيَّناً، فأيُّ رَجُلٍ أَقْبَلْتَ عليه ونَادَيْتَه، كانَ مُعَرَّفَةٌ لوجودِ القَصْدِ إليه، فكذا أُسَامَةُ؛ أي: أَسَدٌ رَأَيْتَه، فإنَّك تُرِيدُ هذه الحقيقةَ المَعْرُوفَةَ بكذا، فالتَّعَدُّدِ ليسَ بطريقِ الأصلِ. انتهى. وقالَ ابنُ مَالِكٍ بعدَ ذِكْرِه نَصَّ= سِيبَوَيْهِ هذا: جَعَلَه خَاصًّا شائعاً في حالةٍ واحدةٍ مَخْصُوصَةٍ، باعتبارِ تَعْيينِه الحقيقَةُ= في الذِّهْنِ، وشِيَاعُه باعتبارِ أنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ من أشخاصِ نَوْعِه قِسْطاً من تلك الحقيقةِ في الخارجِ، والذي اخْتَارَهُ والدُ المُصَنِّفِ أنَّ عَلَمَ الجِنْسِ: ما قُصِدَ به تَمْييزُ الجِنْسِ عن غيرِه مع قَطْعِ النَّظَرِ عن أفرادِه. واسمُ الجِنْسِ: ما قُصِدَ به مُسَمَّى الجِنْسِ باعتبارِ وقُوعِه على الأفرادِ، حتى إذا دَخَلَتْ عليه الألِفُ واللاَّمُ الجِنْسِيَّةُ، صَارَ مُساوياً لعَلَمِ الجِنْسِ؛ لأنَّ الألِفَ واللاَّمَ الجِنْسِيَّةَ لتَعْرِيفِ المَاهِيَّةِ، وفَرَّعَ على ذلك أنَّ عَلَمَ الجِنْسِ لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، لأنَّ الحقيقةَ من حيثُ هي لا تَقْبَلُ جمعاً ولا تَثْنِيَةً؛ لأنَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعُ إنَّما هو للأفرادِ، لكنْ صَرَّحَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ في (القواطعِ) أنَّ الألِفَ واللاَّمَ الداخِلَةِ على اسمِ الجِنْسِ، لعَهْدِ الجَنْسِ لا للتَّعْرِيفِ. وقالَ ابنُ الحَاجِبِ في (شَرْحِ المُفَصَّلِ) في الفَرْقِ بينَ أُسَامَةَ وزَيدٍ: إنَّ أسداً مَوْضُوعٌ لفَرْدٍ من أفرادِ النَّوْعِ لا بعَيْنِه، فالتَّعَدُّدُ فيه من أَصْلِ الوَضْعِ، وأُسَامَةَ موضوعٌ للحقيقةِ المُتَّحِدَةِ في الذِّهْنِ، فإذا أَطْلَقْتَ أسداً على واحدٍ أَطْلَقْتَه على أَصْلِ وَضْعِه، وإذا أَطْلَقْتَ أُسَامَةَ على الواحدِ فإنَّما أَرَدْتَ الحقيقةَ، ويَلْزَمُ من ذلك التَّعَدُّدُ في الخارجِ، فالتَّعَدُّدُ فيه ضِمْناً لا قَصْداً بالوَضْعِ، وهذه الفروقُ إنْ أُرِيدَ بها أنَّ وَضْعَ اللُّغَةِ ذلك فيَحْتَاجُ إلى دليلٍ وإلاَّ فهِيَ تَحَكُّمَاتٍ.

стр. 313

ص: (مسألةٌ: الاشتقاقُ: رُدَّ لَفْظٌ إلى آخَرَ ولو مَجازاً، لمُنَاسبَةٍ بينَهما في المعنَى والحروفِ الأصْلِيَّةِ). ش: قولُه: (رُدَّ لَفْظٌ) جِنْسٌ، والمرادُ به جَعَلَ أحدَهُما أَصْلاً، والآخَرَ فَرْعاً، والفَرْعُ مَرْدُودٌ إلى الأصلِ، وشَمِلَ اللفظُ للاسِمِ والفِعْلِ، وقولُه: (ولو مَجازاً) إشَارَةٌ إلى أنَّ الاشتقاقَ يكونُ من حقيقةٍ، ولا خلافَ فيه، ويكونُ من مجازٍ، وخَالَفَ فيه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ، والغَزَالِيُّ، والكَيَا، فمَنَعُوا الاشتقاقَ من المَجَازَاتِ، وقالُوا: إنَّما يَكُونُ الاشتقاقُ من الحقائقِ، كالأمْرِ، فإنَّه يَشْتَقُّ منه الآمِرَ والمَامُورَ وغيرَهما، باعتبارِ معنَاها الذي هو الفِعْلُ لكونِه مجازاً فيه، والرَّاجِحُ الجوازُ فيه كالحقيقةِ، ويَشْهَدُ له إجماعُ البيانِيِّينَ على صِحَّةِ الاستعارَةِ التَّبَعِيَّةِ وهي مُشْتَقَّةٌ من المجازِ؛ لأنَّ الاستعارَةَ أوْلاً تكونُ في المَصْدَرِِ، ثم يُشْتَقُّ منه، ولأجْلِ الخلافِ فيه أَتَى المُصَنِّفُ بـ (لو). وقولُه: (لِمُنَاسَبَةٍ)؛ أي: بأنْ يَكُونَ فيه معنَى الأصْلِ، إمَّا معَ زيادَةٍ كالضربِ والضاربِ، فإنَّ الضاربَ ذاتَ له الضربَ، وإمَّا دونَها كالقَتْلِ مَصْدَراً من قَتْلٍ. وقولُه: (والحروفُ الأصْلِيَّةِ) خَرَجَتِ الزيادَةُ فلا عِبْرَةَ بها كالاسْتِعْجَالِ والاشتقاقِ، ولا يُشْتَرَطُ في الأصلِيَّةِ أنَّ تكونَ مَوْجُودَةٌ؛ لأنَّه رُبَّما حَذَفَ بعضَها لمانِعٍ، كخَفْ من الخَوْفِ، نَعَمْ، يُشَتَرَطُ التَّرْتِيبُ، وأَهْمَلُوهُ.

стр. 314

واعْلَمْ أنَّ الاشتقاقَ ثلاثةُ أقسامٍ: أَصْغَرُ: وهو اتِّفَاقُ اللفظَيْنِ في الحروفِ والترتيبِ، نحوَ: نَصَرَ ونَصِيرٍ. وصغيرٌ: ويُسَمَّى أَوْسَطُ: وهو اتِّفَاقُهُما في الحروفِ دونَ التَّرْتِيبِ، نحوَ: جَبَذَ وجَذَبَ. وأكْبَرُ: وهو اتِّفاقُهما في بعضِ الحروفِ دونَ بعضٍ، نحوَ: ثَلَمَ وثَلَبَ. ومنه قولُهم: الضَّمانُ مُشْتَقٌّ من الضَّمِّ، فيَظْهَرُ أنَّه يَعْتَبِرُ في الأوَّلِ مُوافَقَةُ المعنَى والحروفِ الأصلِيَّةِ مع الترتيبِ، وفي الأخيرَيْنِ المُنَاسَبَةُ فقطْ، فإنْ أَرَادَ المُصَنِّفُ تعريفَ الأصْغَرِ فلْيُزِدْ قَيْدَ الترتيبِ، وأَجَابَ بأنَّ المُرادَ الأصغرُ، ولا حَاجَةَ لقَيْدِ الترتيبِ، فإنَّه إنْ لم يَكُنْ على تَرْتِيبِه لم يُنَاسِبْهُ، فإنْ قيلَ: المُنَاسبَةُ أَعَمٌّ، قُلْنَا: لا نُسَلِّمُ. ص: (ولا بُدَّ من تَغْييرٍ). ش: أي: بينَ اللَّفْظَيْنِ بزِيادَةٍ أو نُقْصَانٍ أو بهما في حَرْفٍ أو حَرَكَةٍ أو فِيهِمَا، والتغييرُ المَعْنَوِيُّ إنَّما يَحْصُلُ بطريقِ التَّبَعِ، وهذا أَحَسَنُ من قولِ ابنِ الحَاجِبِ، وقد يُرَادُ بتَغْييرِ ما. فإنَّه يُوِهِمُ أنَّه من تَمَامِ الحَدِّ، وإنَّما هو شَرْطٌ ذُكِرَ تَمْهِيداً للقِسْمَةِ التي ذَكَرُوها إلى خَمْسَةَ عَشَرَ صورةً فصاعداً لا قَيْداً، وقيلَ: المُرادُ بالتَّغْييرِ: المَعْنَوِيُّ،

стр. 315

كما صَرَّحَ به صَاحِبُ (المُنْتَهَى)؛ لأنَّ التغييرَ اللفظيَّ فُهِمَ من قولِه أوْلاً. (رُدَّ لَفْظٌ إلى آخَرَ) لاستحالَةِ رَدِّ الشيءِ إلى نَفْسِه، والأَوْلَى أنْ يُرَادَ كلٌّ منهُما، والأوْلَى وإنْ فُهِمَ منه التغييرُ اللفظيُّ، لكنْ ذَكَرَهُ ثانياً لأمْرَيْنِ: أحدُهما: ليَدُلَّ له بطريقِ المُطَابَقَةِ. وثانيهما: أنَّه لَمَّا كانَ التغييرُ اللفظيُّ لا يَجِبُ أنْ يكونَ حقيقةً، بل لو كانَ تَقدِيرِيًّا كَفَى، كما في الفُلْكِ مُفْرَداً وجَمْعاً، احْتَاجَ إلى ذِكْرِه ثانياً ليُنَبِّهَ على أنَّ المُرادَ بالتغييرِ ما هو الأَعَمُّ من الحقيقيِّ والتقديريِّ. وبهذا يُجَابُ عن اعتراضِ بعضِهم على اشْتِراطِ أصْلِ التغييرِ بنحوِ: طَلَبَ من الطَلَبِ، وغَلَبَ من الغَلَبِ، وجَلَبَ من الجَلَبِ، فإنَّ هذه الأفْعَالِ مُشْتَّقَةٌ من هذه المصادِرِ معَ عَدَمِ التغييرِ لبَقَاءِ الحَرَكَةِ فيه على وجْهِ المصادِرِ. وأَجَابَ الأصْفَهَانِيُّ وغيرُه بالتغييرِ حاصلٌ تقديراً، فإنَّ الحركةَ في الفعلِ للبناءِ، وفي المصدرِ للإعرابِ، والأوْلَى كالجزءِ من الكَلِمَةِ لثُبُوتِها. والثانيةُ عَارِضَةٌ لتَبَدُّلِها بغيرِها، ولم يَرْتَضِ صاحبُ (البَدِيعِ) هذا الجوابُ، فقالَ: مُطْلَقُ الحَرَكَةِ لازِمٌ، والذي يُنْظَرُ فيه الاشتقاقيُّ.

стр. 316

ص: (وقد يُطَّرَدُ كاسمِ الفاعلِ، وقد يُخْتَصُّ كالقارورَةِ). ش: المُشْتَّقُ قد يُطَّرَدُ استعمالاً كاسمِ الفاعلِ، وما في معناهُ من: اسمِ المفعولِ، والصفةِ المُشَبَّهَةِ، وأفعلِ التفضيلِ، والزمانِ، والمكانِ، والآلةِ، وقد لا يُطَّرَدُ. وهو المختصُّ: كالقارورةِ، لاخْتصاصِها بالزُّجاجَةِ، والدَّبَرَانِ لمنزلَةِ القَمَرِ، فإنَّهما لم يَطَّرِدَا مع اشْتِقَاقِهِما من الاسْتِقْرارِ والدَّبُورِ، والقَصْدُ بهذا أنَّ وجودَ معنى الأصْلِ في مَحَلِّ التَّسْمِيَةِ قد يُعْتَبَرُ من حيثُ إنَّه داخلٌ في التَّسْمِيَةِ، والمرادُ ذاتُ ما، باعتبارِ نَسَبِه له إليها، فهذا يَطَّرِدُ في كلِّ ذاتٍ كذلك، وقد يُعْتَبَرُ من حيثُ إنَّه مُصَحِّحٌ للتَّسْمِيَةِ، مُرَجِّحٌ لها من الأسماءِ من غيرِ دُخولِه في التَّسْمِيَةِ، والمرادُ ذاتٌ مَخْصُوصَةٌ فيها المعنَى، لا من حيثُ هو فيها، بل باعتبارِ خصوصِها، فهذا لا يُطَّرَدُ، وحاصلُه الفَرْقِ بينَ تَسْمِيَةِ الغيرِ لوجودِه فيه أو بوجودِه فيه.

стр. 317

ص: (ومَن لم يَقُمْ به وَصْفٌ لم يَجُزْ أنْ يَشْتَقَّ له منه اسمٌ، خلافاً للمعتزلَةِ، ومن بنائِهِم أنَّ إبراهيمَ ﵇ ذابِحٌ، واخْتِلافِهم هل إسماعيلُ مَذْبُوحٌ). ش: أصلُ الخلافِ في هذه المسألَةِ أنَّ اللهَ تعالَى يُسَمَّى مُتَكَلِّماً بالاتِّفاقِ، وهو مُشْتَقٌّ من الكلامِ، ثم إنَّ الأشاعرَةَ أَطْلَقُوهُ على اللهِ وما منهُ الاشتقاقُ قَائِمٌ بذاتِه الكريمَةِ، وهو الكلامُ النَّفْسِي، وأمَّا المعتزلَةُ فيَطْلِقُونَ اسمَ المُتَكَلِّمِ على اللهِ باعتبارِ قيامِه بغيرِه لا بذَاتِه، وهو خَلْقُه الكلامَ= في اللَّوْحِ المحفوظِ أو في غيرِه، ولا يَعْتَرِفُونَ بالكلامِ النَّفْسِيِّ، فلَزِمَ من مَذْهَبِهم جوازُ صِدْقِ المُشْتَقِّ على مَن لم تَقُمْ به صِفَةُ الاشْتقاقِ، وعلى هذا ففِي نِسْبَةِ الجوازِ لُغَةٌ إليهم، نَظَرٌ، بناءٌ على أنَّ الخلافَ في أنَّ لازِمَ المذهبِ هل هو مذهبٌ أم لا؟ والصحيحُ المَنْعُ، ولهذا لم يُنْسَبِ القولُ المُخَرَّجَ= إلى الشَّافِعِيِّ على الصحيحِ. وقولُه: (ومن بنائِهم) يُشِيرُ إلى ما ذَكَرُوهُ في مسألَةِ النَّسْخِ قبلَ الفِعْلِ، فإنَّ المُعْتَزِلَةَ مَنَعُوهُ، واسْتَدَّلَ أَصْحَابُنا عليهم، بأنَّ إبراهيمَ عليهِ

стр. 318

الصلاةُ والسلامُ، أَمَرَ بالذَّبْحِ، ثم نُسِخَ قبلَ التَّمَكُّنِ، فأَجَابُوا بأنَّه ذَبَحَ وكانَ يَلْتَحِمُ، فأَبْطَلَ أصحابُنا هذا بأنَّهم اتَّفَقُوا على أنَّ إسماعيلَ ﵊، ليسَ بمذبوحٍ، واخْتَلَفُوا في أنَّ إبراهيمَ هل هو ذابِحٌ؟ فقالَ قومٌ: هو ذابحٌ للقَطْعِ، والولَدُ ليسَ بمَذْبُوحٍ للالتئامِ، وأَنْكَرَهُ قومٌ، وقالُوا: ذابِحٌ ولا مَذْبُوحٌ مُحَالٌ، فإنْ قُلْتَ: كيفَ يَسْتَحِيلُ عندَ المُعْتَزِلَةِ إثباتُ ذابحٍ ولا مذبوحٍ مع قولِهم: يَجُوزُ اشتقاقُ اسمُ الفاعلِ لِمَنْ لم يَقُمْ به الفِعْلُ؟ قلتُ: اسمُ الفاعلِ لا يُطْلَقُ إلاَّ عندَ وقوعِ الفِعْلِ بالإجماعِ، لكنْ هل يَخْتَصُّ بمَنْ قَامَ به أو يُطْلَقُ على مَن لم يَقُمْ به؟ فيه الخلافُ بينَنا وبينَهم، وهذا عندَ هؤلاءِ أنَّ الفِعْلَ لم يَقَعْ؛ لأنَّ الفِعْلَ هو الذَّبْحُ، وحقيقَتُهُ على ما يَقُولُونَ ـ ثُبُوتِ مَذْبُوحٍ تَزْهَقُ رُوحَه، كذا قالَه المُصَنِّفُ في (شَرْحِ المُخْتَصَرِ)، وهو أَوْلَى من قولِه هنا: اتَّفَقُوا على أنَّ إبْرَاهِيمَ ذابِحٌ، واخْتَلَفُوا في أنَّ إسماعيلَ مَذْبُوحٌ. ص: (فإنْ قَامَ بِمَا له اسمٌ، وَجَبَ الاشْتِقاقُ، أو بِمَا ليسَ له اسمٌ كأنْواعِ الرَّوائِحِ، لم يَجِبْ). ش: المعنى القائمُ بالشيءِ هل يَجِبُ أنْ يُشْتَقَّ لمَحَلٍّ منه اسمٌ؟ اخْتَلَفُوا فيه، وقالَ الإمامُ في (المَحْصُولِ): الحقُّ التفصيلُ، فإنْ كانَ لذلكَ المعنَى اسمٌ، وَجَبَ أنْ يُشْتَقَّ اسماً له عندَ أئِمَّتِنَا المُتَكَلِّمِينَ، فإنَّ المُعْتَزِلَةَ لَمَّا قالُوا: إنَّ اللهَ يَخْلُقُ كلامَه في جِسْمٍ، قالَ أصْحابُنا لهم: لو كانَ كذلكَ لَوَجَبَ أنْ يُشْتَقَّ لذلكَ المَحَلِّ اسمُ المُتَكَلِّمِ من ذلكَ الكلامِ، وعندَ المُعْتَزِلَةِ: أنَّه غيرُ وَاجِبٍ، وإنْ لم يَكُنْ له اسمٌ كأنْواعِ الروائحِ والآلامِ، اسْتِحَالَ أنْ يُشْتَقَّ لمَحَلِّه منه اسمٌ بالضرورةِ.

стр. 319

ص: (والجمهورُ على اشتراطِ بقاءِ المُشْتَقِّ منه في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً إنْ أَمْكَنَ، وإلاَّ فآخِرُ جُزْءٍ، وثالثُها: الوَقْفُ). ش: إطْلاقُ اسمُ المُشْتَّقِ باعتبارِ المُسْتَقْبَلِ مجازاً إجماعاً، وباعتبارِ الحالِ حقيقةً إجماعاً، وأمَّا بعدَ انقضاءِ ما منه الاشتقاقُ كالضاربِ، المُشْتَقُّ منه اسمُ المُشْتَقِّ حقيقةً أم لا؟ وفيه مذاهبَ: أحدُها: أنَّه لا يُشْتَرَطُ مُطْلَقاً، بل يُطْلَقُ بعدَ الانْقضاءِ حقيقةً، وعُزِيَ لابنِ سِينَا وأَبِي هاشِمٍ. والثاني: اشْتِرَاطُه مُطْلَقاً، وهو بعدُ الانقضاءِ مجازٌ، وقالَ في (المحصولِ): إنَّه الأقربُ.

стр. 320

والثالثُ: التفصيلُ بينَ ما يُمْكِنُ الحصولُ بتمامِه كالقيامِ والقعودِ، فيُشْتَرَطُ بقاؤُه، فلا يُصَدَّقُ قائمٌ وقَاعِدٌ حقيقةً، بعد انقضاءِ القعودِ والقيامِ، وبينَ ما لا يُمْكِنُ كالمصادرِ السَّيَّالَةِ، مثلَ الكلامِ وأنواعِه، فوجودُ آخَرِ جُزْءٍ منه كافٍ في الإطلاقِ الحقيقيِّ، والفرقُ أنَّ الأوَّلُ لا يُمْكِنُ أنْ تُوجَدَ أجْزاءُ أصْلِه معاً في الخارجِ فاشْتَرَطَ دوامَ أصْلِه. والثاني: اتِّباعُ أجْزائِه معاً، فالتَقَى بآخَرِ جُزْءٍ منها، حتى يكونَ المُتَكَلِّمُ وغيرُه صادقاً حقيقةًَ قبلَ الفراغِ من الدالِّ في: قَامَ زيدٌ، ومن المِيمِ في: زيدٌ قائمٌ، بعدَ الشُّرُوعِ في الكلامَيْنِ، وإذا فَرَغَ عنهما، كانَ حينَئذٍ مجازاً لا حقيقةً، وهذا ما عَزَاهُ المُصَنِّفُ إلى الجمهورِ، وتَابَعَ فيه الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وفيه نَظَرٌ، فإنَّ كلامَ الإمامِ في (المحصولِ) مُصَرَّحٌ بأنَّه بَحْثٌ له، لم يَقُلْ به أَحَدٌ، فإنَّه أَوْرَدَ من جِهَةِ المَانِعِ أنَّه لو كانَ وجودُ المعنَى شَرْطاً في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً، لِمَا كانَ اسمُ المُتَكَلِّمِ والمُخْبَرِ حقيقةً في شيءِ أَصْلاً؛ لأنَّ الكلامَ اسمٌ لِجُمْلَةِ الحُروفِ المُرَكَّبَةِ، ويَسْتَحِيلُ قيامُ حَمْلِها بالمُتَكَلِّمِ حالَ التَّكَلُّمِ، ضرورةٌ أنَّه لا يُمكنُ النَّطْقُ بالجُمْلَةِ دُفْعَةٌ واحدَةٌ، بل على التَّدْرِيجِ، مع أنَّه يُقالُ: زيدٌ مُتَكَلِّمٌ ومُخْبِرٌ، والأصْلُ في الإطلاقِ الحقيقةُ، ثمَّ قالَ: فإنْ أَجَبْتَ بأنَّه لم لا يَجُوزُ أنْ يُقَالَ: حصولُ المُشْتَّقِ منه شَرْطٌ في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً، إذا كانَ مُمْكِنُ الحصولِ، فأمَّا إذا لم يكنْ كذلك فلا؟ قلنَا: هذا باطلٌ، لأنَّه لم يَقُلْ بهذا الفَرْقِ أَحَدٌ من الأمَّةِ، هذا لَفْظُه، وقالَ الآمِدِيُّ في (الإحكامِ): هل يُشْتَرَطُ بقاءُ الصفَةِ المُشْتَقِّ منها في إطلاقِ اسمِ المُشْتَقِّ حقيقةً؟ فأَثْبَتَه قومٌ ونَفَاهُ آخَرُونَ، وفَصَّلَ بعضُهم بينَ المُمْكِنِ الحصولِ، فاشْتُرِطَ ذلك فيه، وبينَ ما لا يُمْكِنُ فلا، والظاهرُ أنَّ مُرادَهُ به احتمالُ صاحبِ (المحصولِ)، وأمَّا حكايةُ المُصَنِّفِ قولاً بالوَقْفِ فلم أَرَهُ صريحاً لأَحَدٍ إلاَّ أنَّ العَضَدَ في (شرحِ المُخْتَصَرِ) قالَ: كانَ مَيْلُ ابنُ الحَاجِبِ إلى التَّوَقُّفِ في
следующие страницы →