← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

جوزنا تكليف ما لا يطاق فليس عينه ولا يستلزمه وإن منعناه استلزمه. الثاني: احترز بقوله: معينا، عن الواجب الموسع والمخير، فإن الأمر بهما ليس نهيا عن الضد، والمسألة مقصورة على الواجب على التعيين، صرح بذلك الشيخ أبو حامد الإسفرائيني والقاضي في (التقريب) وغيرهما، واحترزنا بالوجودي عن الترك، فإن الأمر بالشيء نهي عن تركه قطعا. وأما النهي فقيل: أمر بالضد وقيل: على الخلاف. اختلفوا في النهي عن الشيء، هل هو أمر بضده؟ على طريقين: إحداهما: أنه على الخلاف السابق في الأمر. والثانية: أنه بالضد قطعا وهي طريقة القاضي في (التقريب) فإنه جزم بأن النهي أمر بالضد، بعد ما حكى الخلاف في الأمر، ووجهه أن دلالة النهي على مقتضاه أقوى من دلالة الأمر على مقتضاه، ويدل لذلك أن مطلوب النهي فعل الضد، فاستحضار الضد في جانب النهي أولى منه في جانب الأمر، لأنه في جانب النهي المطلوب، ولا يطلب القائل إلا ما يحضر ذهنه، فالنهي يستدعي جانب المفسدة والأمر يستدعي جانب المصلحة، واعتناء الشارع بدرء المفاسد أكثر من اعتنائه

стр. 527

بالثاني وضعف إمام الحرمين هذه الطريقة، وقال: يلزم منها القول بمذهب الكعبي في نفي المباح فإنه إنما صار إلى ذلك من قال: لا شيء مقدرا مباحا إلا وهو ضد محظور فيكون حينئذ واجبا واعلم أن ابن الحاجب حكى الطريقة الثانية، وحكى بدل الأولى أنه ليس بالضد قطعا وبه يجتمع في المسألة ثلاث طرق، لكن المصنف نازعه في ثبوتها، وقال: إنه لم يعثر عليه نقلا، ولم يتجه له عقلا، وقال غيره: إنه مبني على أن النهي طلب نفي الفعل لا طلب الكف عنه الذي هو ضده كما هو مذهب أبي هاشم، فلا يكون أمرا بالضد. (ص) مسألة: الأمران غير متعاقبين أو بغير متماثلين غيران والمتعاقبان بمتماثلين ولا مانع من التكرار، والثاني غير معطوف. قيل: معمول بهما،

стр. 528

وقيل: تأكيد، وقيل بالوقف، وفي المعطوف التأسيس أرجح، وقيل: التأكيد فإن رجح التأكيد بعادي قدم، وإلا فالوقف. (ش) إذا صدر من الآمر أمران، فإن كانا غير متعاقبين (أي لم يكن الثاني عقب الأول) فلا يخلو إما أن يختلف المأمور بينهما أو يتماثلا، فإن اختلفا فكذلك (٨٩أ) يجيئان قطعا سواء أمكن الجمع بينهما كـ (صل وصم) أو امتنع كالصلاة مع أداء الزكاة وإن كانا متماثلين فلا يخلو إما أن يكون المأمور به مما يمتنع فيه التكرار أو لا يمتنع، فإن امتنع فالثاني تأكيد قطعا، كقوله: اقتل زيدا

стр. 529

اقتل زيدا وإن لم يمتنع فلا يخلو إما أن يكون الثاني معطوفا على الأول أولا، فإن لم يكن معطوفا نحو: صل ركعتين (صل ركعتين) ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعمل بهما، فيجب التكرار لأن التأسيس أولى من التأكيد وعزاه الهندي للأكثرين. والثاني: تأكيد، فتجب المرة لكثرة التأكيد في كلامهم، والأصل عدم الزائد وبه قال الصيرفي وقد رأيته في كتابه (الدلائل والأعلام). والثالث: الوقف بين حمل الثاني على الوجوب أو التأكيد للأول، لتعارض الاحتمالين وبه قال أبو الحسين البصري وغيره وأما إذا كان معطوفا، مثل: صل ركعتين وصل ركعتين - فحكى المصنف قولين: أرجحهما: يجب العمل بهما، فيجب التكرار، لاقتضاء العطف المغايرة فيكون التأكيد مرجوحا.

стр. 530

والثاني: يحمل على التأكيد، فيجب مرة لأنه المتيقن فإن رجح في المعطوف التأكيد بعادي من تعريف نحو: صل ركعتين وصل الركعتين، وقع التعارض بين العطف ومانع التكرار فالعطف والتأسيس يقتضي التكرار والتعريف، والعادة تمنعه ويفيدان التوكيد، فيصار إلى الترجيح، فيقدم الأرجح وهو العمل بالثاني لأن حرف العطف المقتضي التغاير معارض بلام التعريف وتبقى أظهرية التأسيس سالمة من المعارضة وإن لم يوجد المرجح بل تساويا وجب الوقف كذا قالوا: ويظهر أن التوكيد في هذا الأخير أرجح، لأن التأسيس يعارضه مخالفة دليل براءة الذمة، فيبقى العطف ويعارضه أحد الأمرين، فيبقي الأمر الآخر سالما عن المعارضة وهو يقتضي التوكيد، وهذا شرح كلام المصنف وقد زاد على ابن الحاجب حكاية قول في المعطوف بحمله على التأكيد، وفيه نظر، فإن ظاهر سياقه تصوير مسألة العطف بما إذا لم يكن معه لام التعريف وفي هذه الحالة صرح جماعة بأنه لا خلاف في حمله على التأسيس لأن الشيء يعطف على نفسه ومنهم الهندي في (النهاية) قال: وأما إذا كان معرفا، فمنهم من حمله على التأسيس؛ لأجل العطف وهو الأولى - يعني لما سبق - ومنهم من توقف فيه، كأبي الحسين البصري بناء على تساوي دلالتهما على الاتحاد والمغايرة على ما سبق من أصله قال: وأما أصل الصيرفي فيقتضي حمله على غيره ما اقتضاه الأول لو قيل بتساوي دلالتهما وإلا فيجب إثبات مقتضى الراجح قلت: وكذا حكي عن ابن الصباغ في (العدة) فجزم بالتأسيس مع العطف، ثم قال: فإن دخله لام التعريف والعطف مثل: صل ركعتين وصل الركعتين فقيل: يحمل

стр. 531

على الاستئناف، وقيل بالوقف. فائدة: ذكر ابن الحاجب هنا مسألة الأمر بفعل مطلق الماهية أمر بجزئي وخالف (المحصول) وقد ذكرها المصنف في باب المطلق والمقيد، فلا تظن أنه أهملها. (ص) النهي اقتضاء كف عن فعل، لا بقول: كف. (ش) الاقتضاء: جنس لتناوله الأمر، وإضافته إلى الكف يخرج الأمر، لأنه اقتضاء فعل، وقوله: (لا بقول: كف معناه أنه ليس كل اقتضاء كف عن فعل، نهيا كما اقتضاه إطلاق ابن الحاجب (٨٩ب) وغيره، بل النهي اقتضاء كف عن فعل، ويكون ذلك الاقتضاء دالا على ذلك الكف لا بقول: كف، وإن دل بقول: كف، كان أمرا ولم يكن نهيا، كما سبق في حد الأمر، والحاصل أن: كف، واكتف، وأمسك، وذر، ودع، وجاوز، وتنح، وعد، وحاذر، وإياك، ورويدك، ومهلا وقف، وأمثالها - أوامر بالمطابقة وإن اقتضت كفا، وإنما تكون نواهي بالتضمن بناء على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ضمنا.

стр. 532

(ص) وقضيته الدوام ما لم يقيد بالمرة، وقيل: مطلقا. (ش): النهي إن قيد بمرة حمل عليها قطعا، وإن كان مطلقا فقضيته الدوام، بمعنى أنه يفيد الانتهاء عن المنهي عنه دائما وهذا بخلاف الأمر لأنه لا يحصل الانتهاء إلا بذلك وقيل: إنه يقتضي الدوام مطلقا، وأطلق الشيخ أبو حامد وغيره الإجماع عليه وقضية عبارة المصنف في حكايته القول به مع التقييد بالمرة، وقال المازري: (حكى غير واحد الاتفاق على أن النهي يقتضي الاستيعاب للأزمنة بخلاف الأمر)، لكن حكى القاضي عبد الوهاب قولا: أنه كالأمر في اقتضائه المرة الواحدة، والقاضي وغيره أجروه مجرى الأمر في أنه لا يقتضي الاستيعاب. انتهى. فحصل ثلاثة مذاهب. (ص) وترد صيغته للتحريم والكراهة والإرشاد والدعاء وبيان العاقبة والتقليل والاحتقار واليأس. (ش): ترد صيغة (لا تفعل) لسبعة أمور:

стр. 533

أحدها: التحريم، كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى﴾ وثانيها: الكراهة، كقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾. ثالثها: الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ كذلك مثل إمام الحرمين وفيه نظر بل هو للتحريم والفرق بين الإرشاد والكراهة ما سبق في الفرق بينه وبين الندب، ولهذا اختلف أصحابنا في كراهة المشمس شرعية، أو إرشادية أي متعلق الثواب - أو ترجع إلى مصلحة طبية. رابعها: الدعاء، نحو: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ خامسها: بيان العاقبة، نحو: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله

стр. 534

أمواتا﴾ أي عاقبة الجهاد الحياة لا الموت. سادسها: التقليل والاحتقار أي للمنهي عنه كقوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به﴾ فهو احتقار للدنيا قاله في (البرهان) وفيه نظر بل هو للتحريم. سابعها: اليأس، نحو: ﴿لا تعتذروا﴾. وفات المصنف الخبر، نحو: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾. والتهديد: كقولك لمن لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري، والإباحة: وذلك في النهي بعد الإيجاب، فإنه إباحة للترك، والالتماس كقولك لنظيرك: لا تفعل هذا. (ص): وفي الإرادة والتحريم ما في الأمر. (ش): أي هل يعتبر في النهي إرادة الدلالة باللفظ على الترك أم لا؟ وكذا الكلام في أن صيغة النهي هل هي حقيقة في التحريم أو الكراهة أو مشتركة بينهما، أو موقوفة على ما سبق في الأمر؟ وقد سبق أن الأمر المجرد عن القرينة يقتضي الوجوب،

стр. 535

فالمختار أن النهي المجرد عن القرينة يقتضي التحريم، وهل نقول: ذلك مستفاد من الشرع أو اللغة أو المعنى، يجيء فيه ذلك كله. (ص): وقد يكون عن واحد ومتعدد جمعا، كالحرام المخير، وتفريقا كالنعلين يلبسان أو ينزعان ولا يفرق وجميعا كالزنا والسرقة. (ش) النهي إما أن يكون عن واحد وهو كثير، وإما أن يكون عن متعدد أي شيئين فصاعدا وأما أن يكون نهيا عن الجمع أي عن الهيئة الاجتماعية فيحرم الجمع بينهما، ويجوز له فعل أحدهما أيهما شاء كالجمع بين الأختين ومثله المصنف بالحرام المخير وقد سبق هناك عن الأصحاب أن الحرام المخير لا يقتضي تحريمهما جميعا، بل (٩٠أ) تحريم أحدهما فقط، فله أن يأتي بأحدهما دون الآخر، ويخير في ذلك وقالت المعتزلة: يقتضي تحريمهما جميعا فيجب عليه ترك كل

стр. 536

واحد منهما. وإما أن يكون نهيا عن الفراق، نحو النعلان يلبسان أو ينزعان فلا يجوز التفريق بأن يلبس إحداهما وينزع الأخرى. وإما أن يكون النهي عن الجميع أي عن كل واحد سواء أتى به مع صاحبه أو منفردا كالنهي عن الزنا والسرقة. (ص) ومطلق نهي التحريم، وكذا التنزيه في الأظهر، للفساد شرعا، وقيل: لغة، وقيل: معنى فيما عدا المعاملات مطلقا، وفيها إن رجع، قال ابن عبد السلام: أو احتمل رجوعه إلى أمر داخل، أو لازم، وفاقا للأكثر وقال الغزالي والإمام: في العبادات فقط. (ش): النهي عن الشيء هل يدل على فساده؟

стр. 537

فيه مذاهب: أحدها: أنه يقتضي الفساد مطلقا في العبادات والمعاملات وعزاه ابن السمعاني لأكثر الأصحاب، وقال: إنه الظاهر من مذهب الشافعي ﵁ وعلى هذا، فهل يدل عليه من جهة الشرع أو وضع اللغة، لأن صيغته (تدل على عدم المشروعية)؟ وجهان. حكاهما القاضي في (التقريب) وابن السمعاني، ونقل عن طائفة من الحنفية ثالثا: أنه يقتضيه (من جهة المعنى لا من حيث اللفظ، لأن النهي يدل على قبح المنهي عنه وحظره، وهو مضاد للمشروعية، وقال: إنه الأولى. والثاني: لا يقتضيه مطلقا، واختاره القفال الشاشي والقاضي أبو بكر والغزالي وغيرهم، قالوا: وإنما الاعتماد في فساده على فوات الشرط، ويعرف الشرط بدليل يدل عليه، وعلى ارتباط الصحة به، والقائلون به افترقوا فرقتين: فالجمهور على أنه لا يدل على الصحة أيضا، بل يحتاج إلى دليل خارجي من براءة ذمة أو وجوب فعل مثله، وادعى القاضي فيه الاتفاق ومنهم من قال: بل يدل على الصحة، وعزى لأبي حنفية ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى.

стр. 538

والثالث: وهو ما أورده المصنف: التفصيل بين المعاملات، وما عداها من العبادات والإيقاعات ففي العبادات والإيقاعات يدل على الفساد مطلقا، أي سواء نهي عنها لعينها أو لأمر خارج عنها لازم لها، وفي المعاملات ينظر، فإن رجع إلى أمر داخل فيها، كبيع الملاقيح أو إلى أمر خارج عنه لازم كبيع الربا فإن المفاضلة لازمة للعقد ٠ اقتضي الفساد في هذين وإن رجع إلى أمر خارج غير لازم، لم يقتض الفساد، كالبيع وقت نداء الجمعة فإن النهي فيه راجع إلى تفويت الجمعة، وهو أمر مفارق غير لازم للعقد، هكذا صرح الأصحاب بالراجع إلى أمر داخل أو خارج أو لازم، وكنوا عما شككنا فيه أراجع إلى داخل أو خارج، وقد تعرض الشيخ عز الدين في (القواعد) فقال: كل تصرف منهي عنه لأمر يجاوره أو يفارقه مع توفير شرائطه وأركانه فهو صحيح، وكل تصرف نهي عنه، ولم يعلم لماذا نهي عنه فهو

стр. 539

باطل حملا للفظ النهي على الحقيقة، انتهى. وهي مسألة مهمة زادها المصنف على الأصوليين. والرابع: أنه يدل على الفساد في العبادات فقط دون المعاملات والإيقاعات وهو مذهب أبي الحسين البصري واختاره الإمام في (المحصول) ونقله المصنف عن الغزالي وفيه نظر. وقد صرح في آخر المسألة من (المستصفى) بأن كل نهي يتضمن ارتكابه الإخلال بشرطه دل على الفساد من حيث الإخلال بالشرط لا من حيث النهي وهذا تفصيل آخر حكاه ابن السمعاني إن كان في فعل النهي إخلال بشرط في صحته إن كان عبادة أو نفوذه إن كان عقدا وجب القضاء بفساده، وإن لم يكن فيه إخلال (٩٠ب) بما ذكرنا لم يجب القضاء بفساده. تنبيهات: الأول: احترز بـ (مطلق النهي) عن النهي المقيد المقترن بقرينة تدل على الفساد، أو تدل على عدمه، فليس من محل الخلاف. الثاني: أشار بقوله: (نهي التحريم) إلى موضع الخلاف في النهي، هل يقتضي الفساد إنما هو التحريم وأن التنزيه ملحق به في الأظهر، لأن المكروه مطلوب الترك والصحة أمر شرعي، فلا يمكن كونه صحيحا، لأن طلب تركه يوجب عدم

стр. 540

الاعتبار به، إذا وقع وذلك هو الفساد ولكن يعكر على تعبيره بالأظهر قول الصفي الهندي: محل الخلاف في نهي التحريم أما التنزيه فلا خلاف فيه على ما يشعر به كلامهم، صرح بذلك بعض المصنفين. انتهى. أي لا خلاف في عدم اقتضائه الفساد لكن ما قاله الهندي ممنوع، وقد سبق في مسألة أن الأمر لا يتناول المكروه، خلافه ولهذا صحح الأصحاب فساد الصلاة في الوقت المكروه، وإن قلنا النهي للتنزيه، ولا ينقضه عدم فساد الصلاة في الحمام والكنيسة ونحوها، فإن عدم الفساد في تلك لدليل يخصها، ولهذا لم يختلف أصحابنا في عدم إفسادها وإن اختلفوا في الصلاة في الوقت المكروه، وكذا الوضوء بالماء المشمس، الكراهة فيه للتنزيه قطعا، ولا يمنع صحة الطهارة بلا خلاف. الثالث: ما اختاره المصنف من المذاهب، عمدته فيه أن ابن برهان حكاه عن الشافعي ﵁ وذكر غيره أنه منصوص في (الرسالة) لكن قد يورد على إطلاقهم الفساد فيما عدا المعاملات، أن النهي قد يكون للتحريم ولا يمنع الصحة في الأمر الخارج، كاستعمال أواني الذهب والفضة في الطهارة، وكذا يرد على إطلاقهم الفساد في اللازم بيع الحاضر للبادي فإن النهي لأمر خارج لازم ومع ذلك لم

стр. 541

يقتض الفساد ويبعد أن نقول: خرج ذلك بدليل لأنه استرواح لا يليق بالقواعد. (ص) فإن كان لخارج كالوضوء بمغصوب لم يفد عند الأكثر، وقال أحمد: يفيد مطلقا. (ش) ما سبق في النهي عن الشيء لرجوعه لأمر داخل أو خارج لازم، فإن كان لأمر خارج عنه ينفك عنه في بعض موارده، سواء كان في العبادات كالصلاة في الدار المغصوبة والوضوء والتيمم بمغصوب والذبح بسكين مغصوب، فإن النهي راجع لأمر خارج عن الصلاة والوضوء، وهو شغل مال الغير أو إتلافه أو في العقود كالبيع وقت النداء، أو في الإيقاعات كطلاق الحائض، فالأكثرون على أنه لا يقتضي الفساد ونقل بعضهم الاتفاق فيه، لكن عن أحمد: أنه يفيد مطلقا أي في النهي عنه لعينه أو لخارج عنه ولهذا أبطل الصلاة في الدار المغصوبة، وسبق هناك. وفي تعميم الإطلاق عنه نظر. وإنما قال ذلك في بعض العبادات وبعض العقود خاصة كالبيع عند النداء والصلاة في المغصوب وإلا فهو موافق على وقوع الطلاق في الحيض، وفي طهر جامعها فيه وإرسال الثلاث، وإن كان منهيا عنها. (ص) ولفظه حقيقة وإن اقتضى الفساد لدليل. (ش) هذا مفرع على المنقول عن أحمد، أن النهي يقتضي الفساد وهو أنه إذا

стр. 542

قام دليل على النهي ليس للفساد، كان اللفظ باقيا على حقيقته، ولم يكن مجازا لأنه لم ينتقل عن جميع موجبه، وإنما انتقل عن بعض موجبه فصار (٩١ـ أ) كالعموم الذي خرج بعضه تنفي حقيقته فيما بقي وهذا ذكره ابن عقيل في كتابه (الواضح) وهو مبني على أن لفظ النهي يدل على الفساد بصيغته وإلا فإذا قلنا: إنه يدل عليه شرعا أو معنى، لم يكن فيه إخراج بعض مدلول اللفظ، ولعل هذه المسألة من فوائد الخلاف السابق أنه يدل لغة أو شرعا. (ص) وأبو حنيفة: لا يفيد مطلقا، نعم المنهي عنه لعينه غير مشروع ففساده عرضي، ثم قال: والمنهي عنه لوصفه يفيد الصحة. (ش) أطلق بعضهم النقل عن الحنفية، أن النهي بـ (لا) يفيد الفساد واستدرك عليه المصنف فقال: إنما خلافهم في المنهي عنه لغيره، أما المنهي عنه لعينه، فلا يختلفون في فساده، بذلك صرح أبو زيد في (تقويم الأدلة) وغيره ثم قال

стр. 543

- يعني: أبو حنيفة - والمنهي عنه لوصفه، وإن كان لا يفيد الفساد فلا يفيد الصحة أي: ولم يقل ذلك في المنهي عنه لعينه، وقد صرح شمس الأئمة السرخسي من الحنفية بأن المنهي عنه لعينه غير مشروع أصلا وعبارة ابن الحاجب توهم أن القائل بالصحة يطرده فيها وليس كذلك، فلهذا استظهره المصنف، وتحرير مذهبهم أنه يدل على فساد ذلك الوصف لا فساد المنهي عنه وهو الأصل لكونه مشروعا بدون الوصف، وبنوا على هذا ما لو باع درهما بدرهمين، ثم طرحا الزيادة، أنه يصح العقد واحتج القائلون باقتضائه الصحة أن النهي عن التصرف يقتضي إمكانه والقدرة عليه، لأن نهي العاجز قبيح، إذ لا يقال للزمن لا تقم، وللأعمى: لا تبصر وأجيب بأن ذلك إذا كان المنهي عنه أمرا محسوسا فإن كان تصرفا شرعيا على

стр. 544

معنى أنه لا تفيد أحكامه لم يقبح كما إذا نهي المحدث عن الصلاة والحائض عن الصوم وأيضا فنهي العباد إنما يقبح إذا لم يكن العجز مستفادا من النهي كما ذكرتم فإن استفيد منه فإنه صحيح، كما إذا أنهى الموكل وكيله عن البيع فإنه يصير عاجزا لأنه يصير بالنهي معزولا، فلا يكون ذلك قبيحا، وإن كان نهيا للعاجز لما كان العجز مستفادا من النهي، ولعل هذا معنى قول أئمتنا: النهي عن التصرفات الشرعية يكون نسخا لها، لأنه بسبب النهي يعجز عنه ويتعطل عن أحكامه. (ص) وقيل: إن نفى عنه القبول، وقيل: بل النفي دليل الفساد. (ش): إذا نفي عن الفعل القبول نحو: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث)) فقيل: يقتضي الصحة بناء على تغاير الصحة والقبول، ويظهر أثر عدم القبول في نفي الثواب وعدم الصحة في سقوط القضاء وقيل بل نفي القبول يدل على الفساد وهي قضية استدلال أصحابنا بالحديثين السابقين على اشتراط الطهارة وستر العورة في الصلاة بناء على أن الصحة والقبول متلازمان، وممن حكى الخلاف في هذه المسألة ابن عقيل من الحنابلة

стр. 545

في كتابه في (الأصول)، وقال: الصحيح لا يكون إلا مقبولا ولا يكون مردودا إلا ويكون باطلا وحكى ابن دقيق العيد في تفسير القبول قولين: أحدهما: ترتيب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء يقال: قبل فلان عذر فلان، إذا رتب على عذره الغرض المطلوب وهو عدم المؤاخذة بالجناية وعلى هذا فالصحة والقبول متلازمان (٩١ب). والثاني: إن القبول كون العبادة بحيث يترتب الثواب عليها، وعلى هذا فالقبول أخص من الصحة فكل مقبول صحيح ولا ينعكس. (ص) ونفي الإجزاء كنفي القبول، وقيل: أولى بالفساد. (ش) مثل قوله ﷺ : ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن)) رواه الدارقطني وقوله: ((أربع لا تجزئ في الأضاحي)) فيه مذهبان: أصحهما: القطع أنه لنفي القبول. والثاني: فيه الخلاف السابق بالترتيب وأولى بدلالته على الفساد، لأن الصحة قد توجد حيث لا قبول، بخلاف الإجزاء مع الصحة.

стр. 546

باب العام والخاص (ص) العام: لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر. (ش) (لفظ) جنس يتناول العام والخاص، وفيه احتراز من المعاني، فإن العموم من عوارض الألفاظ، ويعني به الواحد للاحتراز عن الألفاظ المتعددة الدالة على

стр. 547

أشياء متعددة وقوله: يستغرق أي: يستغرق لما يصلح أن يدخل تحته فخرج النكرة في الإثبات ولو بصيغة الجمع كالرجال، وقوله: من غير حصر، يحترز به عن أسماء العدد، فإنها متناولة لكل ما يصلح له، لكن مع الحصر، وهذا بناء على أنها ليست بعامة وهو المعروف وبه صرح ابن الحاجب هنا وجعل الحد غير مانع لو لم يحترز عنها لكن كلامه في بحث الاستثناء يقتضي أنها عامة وقد تابعه المصنف هناك، ومنهم من زاد في هذا الحد بوضع واحد ليحترز عما يتناوله بوضعين فصاعدا كالمشترك وما له حقيقة ومجاز، لأن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا، وإنما لم يذكره المصنف للتنبيه على أنه غير محتاج إليه، لأنا إن قلنا: لا يحمل المشترك على معنييه، فقد خرج بقيد الاستغراق فإنه لا يستغرق جميع ما يحصل له عندهم، وإن قلنا: يحمل، فلأن التعريف للعام بحسب الشمول والمشترك، وما له حقيقة ومجاز له عموم على رأي الجمهور، ولكن بطريق البدلية. (ص) والصحيح دخول النادرة وغير المقصودة تحته. (ش) فيه مسألتان: إحداهما: أن الصورة النادرة هل تدخل تحت العموم؟ فيه خلاف زعم

стр. 548

المصنف أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي: حكاه، ولم أجده في كتبه، وإنما يوجد في كلام الأصوليين اضطراب فيه يمكن أن يؤخذ منه الخلاف، وكذا في كلام الفقهاء ولهذا اختلفوا في المسابقة على الفيل على وجهين: أصحهما: نعم لقوله ﷺ : ((لا سبق إلا في خف أو حافر)). والثاني: لا لأنه نادر عند المخاطبين بالحديث، ولم يرد باللفظ، وقال الغزالي في (البسيط): لو أوصى بعبد، أو برأس من رقيق جاز دفع الخنثى وذكر صا حب (التقريب) وجها، أنه لا يجزئ لأنه نادر لا يخطر بالبال، وهو بعيد، لأن العموم يتناوله انتهى. وذكروا في المتمتع العادم للهدي أنه يصوم الأيام في الحج قبل عرفه فلو أخر طواف الزيارة عن أيام التشريق وصامها، لا يكون أداء وإن بقي الطواف، لأن تأخيره عن أيام التشريق مما يبعد ويندر، فلا يقع مرادا

стр. 549

من قوله تعالى: ﴿ثلاثة أيام في الحج﴾ بل هو محمول على الغالب المعتاد، قال الرافعي: كذا حكاه الإمام وغيره. وفي (النهاية) حكاية وجه ينازع فيه قلت: وهذا الخلاف ينبغي أن يكون فيما ظهر اندراجه في اللفظ، فإن لم يظهر وساعده المعنى فلم أرهم تعرضوا له (٩٢أ) وينبغي أن يجري فيه خلاف بين أصحابنا في منع الأب مال ولده من نفسه وبالعكس هل يثبت فيه خيار المجلس؟ على وجهين: أحدهما: لا، فإن المعول الخبر، وهو إنما ورد في المتبايعين، والولي قد تولى الطرفين وأصحهما الثبوت وأنه بيع محقق، وغرض الشارع إثبات الخيار في البيع وإنما خصص المتبايعين بالذكر إجراء للكلام على الغالب المعتاد وكذا وجهه الإمام في (النهاية) فلو قال المصنف: والصحيح دخول النادرة تحت العموم ولو بالمعنى ليشمل هذه الصورة. الثانية: إن الصور غير المقصودة هل تدخل في العموم؟ فيه خلاف حكاه القاضي عبد الوهاب في كتابه المسمى بـ (الملخص) والصحيح الدخول، لأن المراد إنما هو اللفظ، فلا مبالاة بصورة لم تقصد، فإن المقاصد لا انضباط لها، والرجوع إلى منضبط أولى. قلت: ويوجد الخلاف فيها في كلام أصحابنا أيضا، ولهذا لما حكى في (البسيط) الخلاف في التوكيل بشراء عبد، فاشتري من يعتق على الموكل. قال: ومثار الخلاف التعلق بالعموم أو الالتفات إلى المقصود، هذا لفظه، قال المصنف: وليست غير المقصودة هي النادرة، كما توهم بعضهم، بل النادرة هي التي لا تخطر غالبا ببال المتكلم لندرة وقوعها، وغير المقصودة قد تكون مما يخطر بالبال

стр. 550

ولو غالبا فرب صورة تتوفر القرائن على أنها لم توجد وإن لم تكن نادرة، ورب صورة تدل القرائن على إنها مقصودة وإن كانت نادرة، فإذا ذكر اللافظ لفظا عاما وهناك صورة لم تقصد ولكنها داخلة في دلالة اللفظ وكثيرا ما يقع هذا في ألفاظ الواقفين - فهل يعتبر لفظه، وتدخل تلك الصورة وإن لم يقصدها أو يقتصر على المقصود؟ والأصح الأول، والحنابلة يميلون إلى ترجيح الثاني ويبنون عليه أصولا عظيمة في باب الوقف، واستنبط ابن الرفعة من كلام الغزالي في الفتاوى أن مقاصد الواقفين يعتبر فيخصص بها العموم ويعمم بها الخصوص وليس المراد أن المقصود إخراجها تدخل وفرق بين غير المقصودة والمقصودة الإخراج فمقصودة الإخراج لا سبيل إلى القول بدخولها، غير أنا نقول: لا اطلاع على قصد الإخراج إلا بدليل وذلك الدليل مخصص بهذا اللفظ فلا يمنع دخول الصورة، في مدلوله، لأن التخصيص إخراج من الحكم لا من المدلول، ومسألة الكتاب إنما هي غير المقصودة فبنوا قصد إخراجها أم لا، فإن لم يقصد دخل لفظا وحكما وإن قصد إخراجها دخلت لفظا وخرجت حكما كسائر المخصصات ونظير غير المقصودة المخاطب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم خطابه، فإن المخاطب لا يقصد نفسه غالبا؟ (ص) وأنه قد يكون مجازا. (ش): لا خلاف أن حكم الحقيقة ثبوت ما وضع اللفظ له خاصا كان أو عاما؟ واختلفوا في المجاز هل هو كذلك فيثبت ما استعير له اللفظ خاصا كان أو عاما؟ فالأكثرون: نعم فيستويان في إثبات الأحكام بهما ولم ينقل عن أحد

стр. 551

من أئمة اللغة، أن الألف واللام أو النكرة في سياق النفي وغيرها يفيدان العموم بشرط أن يكون في الحقيقة بل أدلة العمل (٩٢أ) بالعام مطلقة فيشملها وخالف بعض الحنفية فزعم أن المجاز لا يعم بصيغته لأنه على خلاف الأصل فيقتصر به على الضرورة كما قالوه في مسألة عموم المقتضى، أن ما يفيد بالضرورة يقدر بقدرها فإذا ورد: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام، إلا سواء بسواء)). وورد إلا الصاع بالصاعين، أيصرف إليه، ولم يعم كل مكيل؟ وهذا ضعيف وليس المجاز مما يختص بمحال الضرورات بل هو عند قوم غالب على اللغات وليس العموم ذاتيا للحقيقة بل بأسباب زائدة كتعريف الجنس باللام وغيره، فإذا وجد هذا السبب في المجاز تعين المصير إليه، ثم عين الصاع في الحديث غير مراد، بل المراد ما كيل فيه، بطريق المجاز فتعين عموم المجاز، كما تعين عموم الحقيقة، ومن الدليل على أن العام قد يكون مجازا الاستثناء في قوله ﷺ : ((الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام)). فإن الاستثناء معيار العموم، فدل على تعميم كون الطواف صلاة، وكون الطواف صلاة. مجاز.

стр. 552

تنبيهان: الأول: ظهر بهذا أن العبارة مقلوبة، والصواب أن نقول: وأن المجاز يدخل العموم، فإن صورة المسألة أن يشتمل المجاز على السبب المقتضي للعموم من الألف واللام وغيرها، والمحل قابل للعموم، فهل يجب القول بعمومه، عملا بالمقتضى السالم عن المعارضة، كما يجب العمل عند وجوده في الحقيقة أم لا؛ لأنه ثبت للضرورة؟ ومن ثم ذكر هذه المسألة صاحب (البديع) في بحث المجاز لا في بحث العموم وعبارة ابن السمعاني في (القواطع): واختلف أصحابنا في المجاز، هل يتعلق به العموم؟ على وجهين: فقيل: لا يدخل في العموم إلا الحقائق وقال آخرون: يدخل فيه المجاز كالحقيقة، لأن العرب تتخاطب به كما تتخاطب بالحقيقة. الثاني: ظن المصنف في (منع الموانع) أن هذه مسألة المقتضي وليس كذلك، فإن المقتضي لم يشتمل على دليل العموم، لأنه ليس بملفوظ، وإنما يقدر لأجل صحة الملفوظ، ومن هنا يضعف مأخذ من ألحقه بالمقتضي لأن التقدير لأجل الصحة ضروري فلا يجوز أن يقدر زائد على قدر الحاجة، فإذا خولف هذا الأصل لضرورة لا يجوز أن تزاد المخالفة على قدر الضرورة، بخلاف المجاز المشتمل على إرادة العموم فإنه إذا لم يحمل على العموم يلزم منه إلغاء دليل العموم. (ص) فإنه من عوارض الألفاظ، قيل: والمعاني وقيل به في الذهني. (ش) لا خلاف أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة قال في (البديع): بمعنى وقوع الشركة في المفهوم لا بمعنى الشركة في اللفظ يريد أنه ليس المراد

стр. 553

بوصف اللفظ بالعام هو وصفه به مجردا عن المعنى فإن ذلك لا وجه له بل المراد وصفه به باعتبار معناه الشامل للكثرة، واختلفوا في المعاني على مذاهب: أحدها: إنه ليس من عوارضها لا حقيقة ولا مجازا، وهو أبعد الأقوال، بل في ثبوته نظر. والثاني: إنه من عوارضها مجازا، وعزاه الهندي للجمهور، لأنه لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد، إلا إذا اختلفت في أنفسها، وإذا اختلفت تدافعت وقولهم: عمهم الخصب والرخاء متعدد، فإن ما خص هذه البقعة غير ما خص (٩٣أ) الأخرى. والثالث: إنه يعرض لها حقيقة كما يعرض للفظ، فكما صح، في الألفاظ شمول أمر لمتعدد يصح في المعاني شمول معنى لمعاني متعددة بالحقيقة فيهما وقال

стр. 554

القاضي عبد الوهاب: مراد قائله: حمل الكلام على عموم الخطاب، وإن لم يكن هناك صيغة تعمها، كقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ أي: نفس الميتة وعينها، لما لم يصح تناول التحريم لها عممنا بالتحريم جميع التصرف فيها من الأكل والبيع واللبس وسائر أنواع الانتفاع وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم لا بعموم ولا بخصوص. والرابع: التفصيل بين المعاني الكلية الذهنية، فهي عامة، بمعنى أنها بمعنى واحد متناول لأمور كثيرة دون المعاني الخارجية، لأن كل ما له وجود في الخارج فلا بد أن يكون متخصصا بمحل وحال مخصوص لا يوجد في غيره، فيستحيل شموله لمتعدد، وهذا التفصيل بحث للصفي الهندي. تنبيهان: الأول: عطف المصنف على الأصح يقتضي وجود خلاف في كونه من عوارض اللفظ، وليس كذلك، فينبغي أن يجعل استئنافا لا عطفا على ما قبله. الثاني: ظهر بما سبق أنه ليس المراد بكون العموم من عوارض المعاني - المعاني التابعة للألفاظ، بل المعاني المستقلة، كالمقتضي والمفهوم، فإن المعاني التابعة للألفاظ

стр. 555

لا خلاف في عمومها لأن لفظها عام. (ص) ويقال للمعنى: أعم، وللفظ: عام. (ش) يقال في اصطلاح الأصوليين للمعنى: أعم وأخص وللفظ: عام وخاص، وقال القرافي: ووجه المناسبة أن صيغة أفعل تدل على الزيادة والرجحان والمعاني أهم من الألفاظ فخصت بصيغة أفعل التفضيل ومنهم من يقول: فيها عام وخاص أيضا. (ص) ومدلوله كلية، أي: محكوم فيه على كل فرد مطابقة إثباتا أو سلبا لا كل ولا كلي. (ش) هذا يتوقف على معرفة الفرق بين الكلية والكلي والكل: أما الكل: فهو المجموع الذي لا يبقى بعده فرد، والحكم فيه على المجموع من حيث هو مجموع لا على الأفراد كأسماء العدد ويقابله الجزء وهو ما تركب منه ومن غيره كل، كالخمسة مع العشرة. وأما الكلي: فهو الذي يشترك في مفهومه كثيرون، كمفهوم الحيوان في أنواعه والإنسان في أنواعه، فإنه صادق على جميع أفراده ويقابله الجزئي كزيد، فهو: الكلي مع قيد زائد، وهو تشخصه فلك أن تقول: الكلي بعض الجزئي.

стр. 556

وأما الكلية: فهي التي يكون فيها الحكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد، كقولنا: رجل يشبعه رغيفان غالبا، فإنه يصدق باعتبار الكلية، أي: كل رجل على حدته يشبعه رغيفان غالبا لا يصدق باعتبار الكل أي: المجموع من حيث هو مجموع، فإنه لا يكفيه رغيفان لا قناطير متعددة، لأن الكل والكلية تندرج فيها الأشخاص الحاضرة والماضية والمستقبلة وجميع ما في مادة الإمكان وإنما الفرق بينهما: أن الكل يصدق من حيث المجموع والكلية تصدق من حيث الجميع، وفرق بين المجموع والجميع، فإن المجموع الحكم على الهيئة الاجتماعية، لا على الأفراد، والجميع على كل فرد فرد، ويقابلها الجزئية وهي الحكم على أفراد حقيقة من غير تعيين كقولك: بعض الحيوان إنسان فالجزئية بعض الكلية، إذا علمت هذا فمسمي العموم كلية لا كل، وإلا لتعذر الاستدلال به على ثبوت حكمه للفرد (٩٣ب) المعين في النفي والنهي، إلا إذا كان معناه الكلية التي يحكم فيها على كل فرد فرد، بحيث لا يبقى فرد كما عرفت وحينئذ يستدل بها على فرد ما من الأفراد في النفي والنهي إنما يختلف الحال بين الكل والكلية في النفي النهي لا في الأمر، وحين الثبوت فمدلول العموم كلية لا كل، لصحة الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده عند القائلين به، إجماعا فإن قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ دال على تحريم قتل كل فرد من أفراد النفوس بالإجماع، وليس معناه: ولا تقتلوا مجموع النفوس وإلا لم يدل على فرد فرد فلا يكون عاصيا بقتل الواحد، لأنه لم يقتل

стр. 557

المجموع وبهذا التقرير يزول الإشكال الذي تشعب به القرافي، فإنه قال: فإن دلالة العموم على كل فرد من أفراده نحو: زيد المشرك مثلا من المشركين لا يمكن أن يكون بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام، وإذا بطل أن يدل لفظ العموم على زيد مطابقة وتضمنا والتزاما- بطل أن يدل لفظ العموم مطلقا لانحصار الدلالة في الأقسام الثلاثة وإنما قلنا: لا يدل عليه بطريق المطابقة؛ لانتهاء دلالة اللفظ على مسماه بكماله. ولفظ العموم لم يوضع لزيد فقط حتى تكون الدلالة عليه مطابقة, وإنما قلنا: لا تدل بالتضمن لأنها دلالة اللفظ على جزء مسماه والجزء إنما يصدق إذا كان المسمى كلا لأنه مقابله ومدلول لفظ العموم ليس كلا كما عرفت فلا يكون زيد جزء فلا يدل عليه تضمنا وإنما قلنا: لا يدل عليه بالالتزام لأن الالتزام هي دلالة اللفظ على لازم مسماه ولازم المسمى لا بد وأن يكون خارجا عن المسمى وزيد ليس بخارج عن مسمى العموم لأنه لو خرج لخرج عمرو وخالد وحينئذ لا يبقى في المسمى شيء وأجاب عنه الشيخ شمس الدين الأصفهاني شارح (المحصول) بأنا حيث قلنا بدلالة اللفظ على الثلاث، إنما هو في لفظ مفرد دال على معنى، ليس ذلك المعنى هو نسبة بين مفردين، وذلك لا يتأتى هنا، فلا ينبغي أن يطلب ذلك وحينئذ فقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ في قوة جملة من القضايا وذلك لأن مدلوله: اقتل هذا المشرك واقتل هذا المشرك إلى آخر الأفراد. وهذه الصيغ إذا اعتبرت بجملتها فهي لا تدل على قتل زيد المشرك، ولكنها تتضمن ما يدل على قتل زيد المشرك، لا بخصوص كونه زيدا، بل بعموم، كونه فردا ضرورة تضمنه اقتل زيد المشرك فإنه من جملة هذه القضايا وهي جزء من

стр. 558

مجموع تلك القضايا فتكون دلالة هذه الصيغة على وجهين، قتل زيد المشرك لتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب والذي هو في ضمن ذلك المجموع هو دال على ذلك مطابقة، قال: فافهم ما ذكرناه فإنه من دقيق الكلام وليس ذلك من قبيل دلالة التضمن، بل هي من قبيل دلالة المطابقة. تنبيه: ما قالوه، أن دلالة العموم كلية بمعنى أن الحكم فيها على كل فرد هو في الإثبات فإنه كان في النفي فلا يرتفع الحكم عن كل فرد فرد، وفرق بين عموم السلب وسلب العموم. (ص) ودلالته على أصل المعنى قطعية، وهو عن الشافعي ﵁ وعلى كل فرد بخصوصه ظنية وهو عن الشافعية، وعن الحنفية قطعية. (ش) للعام دلالتان إحداهما على أصل المعنى، وهي قطعية بلا خلاف والثانية على استغراق الأفراد، أي: على كل فرد بخصوصه هل هي ظنية أو قطعية المنسوب للشافعية الأول وقالوا لا تدل على القطع (٩٤أ) إلا بالقرائن كما أنه لا تسقط دلالتها إلا بالقرائن واحتجوا بأن هذه الألفاظ تستعمل تارة للاستغراق وتارة للبعض، فامتنع القطع ولم يضره الإجمال للقطع بأن الصحابة وأهل اللغة طلبوا دليل التخصيص لا دليل العموم. واحتجوا أيضا بأنه لولا ذلك لما جاز تأكيد الصيغ العامة، إذ لا فائدة

стр. 559

فيه وقد قال تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ والمنسوب للحنفية الثاني وأنها توجب الحكم في جميع الأفراد الداخلة تحته قطعا ويقينا كالخاص فيما يتناوله، وعزاه الأبياري في (شرح البرهان) إلى المعتزلة وأن مأخذهم فيه اعتقادهم استحالة تأخير البيان عن مورد الخطاب، فلو كان المراد به غير ما هو ظاهر فيه للزم تأخير البيان وما عزاه المصنف للحنفية، مراده جمهورهم وإلا فطائفة منهم على الأول، منهم أبو منصور الماتريدي ومن تبعه من مشايخ سمرقند وما قيد به محل الخلاف مانع فيه المازري فإنه قيده بما زاد على أقل الجمع. أما دلالته على الأقل فهو قطعي بلا خلاف وما عزاه في الأول للشافعي ﵁، فلا خصوصية له به، بل القائلون بصيغ العموم عليه وهو محل وفاق ثم يقتضي أنه لم ينقل عن الشافعي ﵁، في المقام الثاني. وقد قال إمام الحرمين في (البرهان) أما الفقهاء فقد قال جمهورهم: إن الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في الأقل ظواهر فيما زاد عليه، والذي صح عندي من مذهب الشافعي ﵁، أن الصيغة العامة لو صح تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق قال: وإنما التردد فيما عدا الأقل، من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصوصة ثم أشار الإمام إلى توسط في المسألة، وهو أن بعضها يدل على القطع وبعضها بخلافه وكان ينبغي للمصنف إذ قيد محل الخلاف أن يتمم ذلك بتجرده عن القرائن ليخرج ما يثبت إنه غير مجمل للتخصيص بدليل، فإن دلالته على

стр. 560

بحيث الأفراد قطعية بلا خلاف كقوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾. ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ ونحوه، وكذلك ما لا يحتمل إجراؤه على العموم (أي لا يمكن اعتبار العموم فيه، لكون المحل غير قابل له كقوله: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ فإنه حينئذ يكون العام كالمجمل، يجب التوقف فيه إلى بيان المراد منه) فإنه خارج عن محل الخلاف وقد استثناه بعض الحنفية، ومن فوائد الخلاف في هذه المسألة، وجوب اعتقاد العموم وتخصيصه بالقياس وخبر الواحد وغيرها من المظنونات. (ص) وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع وعليه الشيخ الإمام. (ش) وممن صرح به من المتقدمين الإمام أبو المظفر بن السمعاني في (القواطع) في كلامه على الاستصحاب وخالف في ذلك جماعة من المتأخرين فقالوا العام في الأشخاص مطلق باعتبار الأحوال والأزمنة والبقاع. وقالوا: لا يدخلها العموم إلا بصيغة وضعت لها، فإذا قال: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ عم كل مشرك بحيث لا

стр. 561

يبقى فرد ولا يعم .... الأحوال حتى يقتل في حال الهدنة وفي حال الذمة لا خصوص المكان حتى يدل على المشركين في أرض الهند مثلا، ولا الزمان حتى يدل على يوم السبت أو يوم الأحد مثلا وقد شغف الشيخ أبو العباس القرافي بهذا البحث، وظن أنه يلزم من هذه القاعدة أنه لا يعمل بجميع العمومات في هذا الزمان، لأنه قد عمل بها في زمن ما (٩٤ب) والمطلق يخرج عن عهدته بالعمل به في صورة وقد أنكره عليه جماعة من المحققين منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وقال: من أخرج شيئا من ذلك فقد خالف مقتضى العموم بلا دليل، واستدل بحديث أبي أيوب، لما قدم الشام فوجد مراحيض قد بنيت قبل القبلة فهذا أبو أيوب من أهل اللسان والشرع فهم العموم من

стр. 562

الأمكنة وتوسط الشيخ علاء الدين الباجي بين المقالتين وقال: معنى كون العام في الأشخاص مطلقا في الأزمان والأحوال، إنه إذا عمل به في الأشخاص في زمان ما ومكان ما وحالة ما لا يعمل به في تلك الأشخاص مرة أخرى في زمان آخر ونحوه، أما في أشخاص أخر مما يتناوله ذلك اللفظ العام، فيعمل به لأنه لو لم يعمل به فيهم لزم التخصيص في الأشخاص، كما قال ابن دقيق العيد فالتوفية بعموم الأشخاص أن لا يبقى شخص ما في أي زمان ومكان وحال إلا حكم عليه، والتوفية بالإطلاق أن لا يتكرر ذلك الحكم فكل زان مثلا يجلد بعموم الآية وإذا جلد مرة ولم يتكرر زناه بعد ذلك لا يجلد ثانية في زمان آخر أو مكان آخر، فإن المحكوم عليه وهو الزاني والمشرك ونحوه، فيه أمران: أحدهما: الشخص والثاني: الصفة، كالزنا والشرك، فأداة العموم لما دخلت عليه أفادت عموم الأشخاص لا عموم الصفة، والصفة باقية على إطلاقها، فهذا معنى قولهم العام في الأشخاص مطلق في غيره. (ص) مسألة: كل والذي والتي وأي وما ومتي وأين وحيثما ونحوها للعموم حقيقة، وقيل: للخصوص، وقيل: مشتركة وقيل: بالوقف. (ش) اختلف في أنه هل للعموم صيغة تخصه على مذاهب:

стр. 563

أحدها: وعزي للأشعري- إنكارها على معنى أن اللفظة الواحدة لا تشعر بمعني الجمع بمجردها ولم ينكروا أنه يدل على ذلك بأكثر من لفظة واحدة أو قيام قرينة، إذ لا مجال للعقل في إثبات اللغات ولم تجئ اللغة به، لأنه لو كان بالتواتر لاشترك العقلاء في علمه والآحاد تستحيل إثبات مسائل الأصول والاعتقاد بها. والثاني: أنها موضوعة للخصوص وهو أقل الجمع، إما الجمع إما اثنان أو ثلاثة، لأنه المتيقن واستعمل في العموم مجازا. والثالث: مشتركة بين العموم والخصوص وعليه أكثر الواقفية. والرابع: الوقف.

стр. 564

ونقله القاضي في (مختصر التقريب) عن الأشعري ومعظم المحققين واختاره وقال: وحقيقة ذلك أنهم قالوا: سبرنا اللغة ووضعها فلم نجد صيغة دالة على العموم سواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من التأكيد. والخامس: قول الجمهور: إثبات الصيغ لأن العموم معنى من المعاني محتاج إلى التعبير عنه فوجب أن يضع الواضع له لفظا كما وضع لغيره من المعاني المحتاج إليها وهذا هو الصحيح وعليه التفريع وإنما عدد المصنف أمثلة الصيغ للتنبيه على تقسيمها إلى ما يشتمل على جميع المفهومات وهو الأربعة الأول، وإلى ما يختص عمومه ببعضها، وهو الباقي وإنما بدأ بـ (كل) لأنها أقوى صيغ العموم., والعجب من ابن الحاجب في إهمالها ولا فرق بين أن تقع مبتدأ بها، نحو ﴿كل من عليها فان﴾ أو تابعة نحو: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ وسبق

стр. 565

الكلام عليها في الحروف، وأراد بالذي والتي وما يتفرع عنهما جمعا وتثنية (٩٥أ) وجميع لغاتهما، كقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾ ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ ﴿واللائي يئسن من المحيض﴾ وأطلق ابن السمعاني وابن الحاجب وغيرهما: أن الأسماء الموصولة من صيغ العموم واحترزوا بالأسماء من الحروف كـ (إن وما) المصدريتين فليست منها ولم يذكر جمع من الأصوليين الموصولات في الصيغ وأما (أي) فعامة فيما تضاف إليه من الأشخاص والأزمان والأمكنة والأحوال، ومنه: ((أيما امرأة نكحت نفسها)). أي زمان سرت سرت معك، أي مكان جلست جلست معك، أي حال كنت كنت عليه، أي فعل فعلت فعلت، وحقه أن يقيدها بالاستفهام والشرطية والموصولة، نحو مررت بأيهم قام أي: بالذي قام لتخرج الصفة كمررت برجل أي رجل، والحال نحو مررت بزيد أي رجل، ومن صرح بتعميم الموصولة القرافي وهو داخل في إطلاق من أطلق تعميم الموصولات ومنهم من أخرج الموصولة، وفيه ما ذكرنا.
следующие страницы →