Полный текст (1 929 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الشروط، ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم، فقد يوجد المشروط عند وجودها، كوجوب الزكاة عند الحول الذي هو شرط وقد يفارق الدين فيمنع الوجوب فإن قيل: هذا التعريف صادق على السبب المعين (قيل: السبب المعين) لا يلزم من انتفائه من حيث هو سبب انتفاء الممكن، بل هو مع ضميمة كونه معينا، وكونه معينا إشارة إلى عدم غيره. لا أي شيء في نفسه، وبهذه الزيادة يتضح الفرق بين الشرط والسبب المعين, واعلم أن هذا التعريف قال القرافي: إنه أجود الحدود، فالقيد الأول احتراز من المانع، فإنه لا يلزم من عدمه شيء، والثاني من السبب، فإنه يلزم من وجوده الوجود، والثالث من مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود كالحول مع النصاب، لا يستلزم المانع فيلزم العدم، ولكن ذلك ليس لذاته، بل لوجود السبب والمانع وكذلك احترز به من الشرط الآخر فإنه إذا جعل المشروط لا لذاته بل لضرورة كونه أخيرا مثاله الحياة شرط للعلم والعقل شرط للعلم والاشتغال شرط للعلم، فإذا اشتغل وحصل لم يحصل العلم إلا بالمجموع هذا اصطلاح الأصوليين قال ابن الرفعة: الشرط في اصطلاح الفقهاء ما يلزم من انتفائه انتفاء الشيء الذي جعل شرطا فيه مع أنه ليس بمقوم له فعدمه حينئذ علامة على النفي واحترزوا بقولهم: ليس بمقوم له عن الركن فإنه يلزم من نفيه النفي، لكنه مقوم له، بمعنى أنه داخل في مسماه، ولا يتصور ركن إلا للمركب والشرط يتصور للمركب والبسيط.
(ص) وهو كالاستثناء اتصالا، وأولى بالعود إلى الكل على الأصح.
(ش) يجب اتصال الشرط بالكلام بالاتفاق وكلام المصنف قد يوهم أنه
стр. 667
يجري فيه خلاف الاستثناء ولا يعرف ذلك وإذا ورد بعد جمل، نحو: أكرم ربيعة وأعط مضرا، إن نزلوا بك فعلى (١٠٩أ) الخلاف في أنه للكل أو للأخيرة أو الوقف وأولى بعوده إلى الكل ولهذا قال في (المحصول) إن أبا حنيفة وافقنا على عوده للكل وفرق بين الاستثناء والشرط، بأن الشرط له صدر الكلام، وهو مقدم تقديرا لكن نقل في (المحصول) في الكلام عن التخصيص بالشرط عن بعض الأدباء أن الشرط يختص بالجملة الأخيرة، فإن تقدم اختص بالأولى، وإن تأخر اختص بالثانية ثم قال: والمختار الوقف كما في الاستثناء قلت: ولا يبعد مجيء توقف القاضي هنا أيضا.
(ص) ويجوز إخراج الأكثر به وفاقا.
(ش) اتفقوا - كما قاله في (المحصول) - على أنه يجوز تقييد الكلام بشرط يكون الخارج به أكثر من الباقي ولا يأتي فيه الأقوال الثلاثة التي في الاستثناء فلو
стр. 668
قال: أكرم بني زيد إن كانوا علماء وكان الجهال أكثر، جاز وفاقا قال الصفي الهندي: وهذا يجب تنزيله على ما علم أنه كذلك، وأما ما يجهل الحال فيه، فإنه يجوز أن يقيد ولو بشرط لا يبقى من مدلولاته شيء، كقولك: أكرم من يدخل الدار إن أكرمك، وإن اتفق أن أحدا منهم لم يكرمه ولك أن تقول: سبق من المصنف حكاية الخلاف في نذر الباقي بعد التخصيص في كل مخصص فما وجه إعادته في الشرط؟ وكيف يحسن بعد الاتفاق على إخراج الأكثر؟ وهناك قول، أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام. والممكن في جوابه حمل إطلاقه هنا على ما إذا كان الباقي بعد الإخراج غير محصور ليوافق ما سبق، وإنما أعاده لينبه على أنه ليس كالاستثناء في مجيء الخلاف.
(ص) الثالث: الصفة كالاستثناء في العود ولو تقدمت، أما المتوسطة فالمختار اختصاصها بما وليته.
(ش) من المخصصات المتصلة: الصفة، نحو: أكرم بني تميم الطوال وهي
стр. 669
كالاستثناء في العود على متعدد، وهل يعود إلى الكل أو يختص بالأخيرة، كما قاله في المختصر وغيره ولو تقدمت أي: الصفة المتقدمة كالمتأخرة في عود الخلاف، والأصح عودها على الجميع، كما لو قال وقفت على محتاجي أولادي وأولادهم فتشترط الحاجة في أولاد الأولاد.
قال الرافعي: وأطلق الأصحاب ذلك، ورأى الإمام تقييده بالقيدين السابقين في الاستثناء.
أما المتوسطة مثل أولادي المحتاجين وأولادهم، فقال المصنف: لا نعلم فيها نقلا، ويظهر اختصاصها بما وليته ويدل له ما
стр. 670
نقله الرافعي في الأيمان عن ابن كج أنه لو قال: عبدي حر إن شاء الله وامرأتي طالق، نوى صرف الاستثناء إليهما، فمفهومه أنه إذا لم ينو لا يحمل الاستثناء عليهما، وإذا كان هذا في الشرط، الذي له صدر الكلام، وقال بعوده إلى الجميع بعض من لا يقول بعود الاستثناء والصفة، فلأن يكون في الصفة بطريق أولى.
فائدة: قال الروياني: الفرق بين غير إذا كانت استثناء وبينها إذا كانت صفة أنها إذا كانت صفة لم توجب شيئا للاسم الذي بعدها ولم تنف عنه. (جاءني رجل غير زيد فوصفت بها ولم تنف عن زيد المجيء ويجوز أن يقع مجيئه وألا يقع، وإن كانت استثناء فإن كان ما قبلها إيجابا فما بعدها نفي، أو نفيا فإيجاب وإذا كانت صفة وصف بها الواحد والجمع وإذا كانت استثناء فلا يأتي إلا بعد جمع، أو ما هو في معنى الجمع، قال الشلوبين: إذا كانت صفة لم توجب شيئا لغير الاسم الذي بعدها ولم تنف عنه) وفيه نظر وفي كلام سيبويه ما يقتضي خلافه.
(ص) الرابع: الغاية كالاستثناء في العود، والمراد غاية تقدمها عموم يشملها أو لم تأت مثل ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ أما مثل ﴿حتى مطلع الفجر﴾ فلتحقيق
стр. 671
العموم وكذا قطعت أصابعه من الخنصر إلى البنصر.
(ش) الغاية هي نهاية الشيء ومنقطعه، وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها أي ليس داخلا فيه، بل محكوما عليه بنقيض حكمه، لأن ذلك الحكم لو كان ثابتا فيه أيضا، لم يكن الحكم منتهيا فلا تكون الغاية غاية، وهو محال (١٠٩ب) هذا مذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - والجمهور. وقيل: يدخل فيما قبله وقيل: يدخل إن كان من الجنس، وقيل: إن لم يكن معه (من) دخل وإن كان معه فلا وهى كالاستثناء في العود على المتعدد، كقوله: وقفت على أولادي وأولاد أولادي إلى أن يستغنوا.
стр. 672
والمصنف تابع ابن الحاجب في إلحاقها بالاستثناء في العود على المتعدد وليس المراد التخصيص فإنها كـ (هو) في الاتصال أيضا، وقد أطلق الأصوليون أن الغاية من جملة المخصصات.
قال الشيخ الإمام السبكي: وهذا إنما (هو) في إذا تقدمها عموم يشملها، لو لم يأت بها، كقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ فلولا هذه الغاية لقاتلناهم أعطوا الجزية أم لم يعطوها أما مثل قوله ﴿حتى مطلق الفجر﴾ فإن الغاية فيها لتأكيد العموم لا للتخصيص، فإن طلوعه وزمن طلوعه ليسا من الليل حتى يشملها قوله: ﴿سلام هي﴾ قلت: كذا مثل به وفيه نظر، لأن الليلة ليست بعامة إلا أن يريد مثل هذا إذا وردت في صيغة عموم، ولا فرق بين تخصيص العام وتقييد المطلق، ثم قال: فإطلاقهم الخلاف في انتهاء الغاية، هل يدخل؟ لا بد أن يستثنى منه شيئان:
أحدهما: الغاية التي لو سكت عنها لم يدل عليها اللفظ، كطلوع الفجر في قوله: ﴿حتى مطلع الفجر﴾ وكقوله: ﴿حتى يطهرن﴾ فإن حالة الطهر لا يشملها اسم الحيض.
ثانيهما: ما يكون اللفظ الأول شاملا لهما، كقولك: قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام فإنه لو اقتصر على قوله: قطعت أصابعه كلها، لأفاد الاستغراق فكان قوله: من الخنصر إلى الإبهام - توكيدا، وكذا قرأت من القرآن من فاتحة الكتاب
стр. 673
إلى خاتمته وهي في الحقيقة راجع إلى الأول وأن القصد بها تحقيق العموم واستغراقه لا تخصيصه وإن افترقا في أن الذي حصل غاية في الثاني طرف المغيا، وفي الأول ما بعده ففي هذين الموضعين الغاية لا خلاف فيها بل هي في الأول خارجة قطعا، وفي الثانية داخلة قطعا.
فائدة: لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار، لم تدخل الجدران في البيع، ولو قال: له علي من درهم إلى عشرة لم يدخل العاشر على الأصح والفرق مشكل.
(ص) الخامس: بدل البعض من الكل، ولم يذكره الأكثرون، وصوبهم الشيخ الإمام.
(ش) مثاله: أكرم الناس العلماء، وهذا زاده ابن الحاجب ولم يذكره الجمهور وقد أنكره عليه الأصفهاني شارح المحصول، والصفي الهندي في الرسالة السيفية، وكذا الشيخ الإمام، لأن المبدل منه في نية الطرح فلم يتحقق.
стр. 674
فيه معنى الإخراج والتخصيص لا بد فيه من الإخراج على ما تقدم تعريفه، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ تقديره: لله حج البيت على من استطاع إليه سبيلا وأيضا لو لم يكن البدل مستغنى به في التقدير، لم يكن لتسميته بدلا معنى، لأن حق البدل ألا يجتمع مع المبدل منه فإذا اجتمعا فلا أقل من تقدير عدم اجتماعهما وفاء بمقتضى التسوية، وأيضا فلأن كلامنا في العام المخصوص لا في المراد به الخصوص.
(ص) القسم الثاني: المنفصل، يجوز التخصيص بالحس والعقل خلافا لشذوذ ومنع الشافعي تسميته تخصيصا وهو لفظي.
(ش) المنفصل: هو ما استقل بنفسه ولم يحتج في ثبوته إلى ذكر لفظ العام معه (١١٠أ) بخلاف المتصل وهو ثلاثة: الحس، والعقل والدليل السمعي
стр. 675
فمثال التخصيص بالحس - والمراد به الواقع بالمشاهدة - قوله تعالى ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ وإنما كان هذا تخصيصا بالحس، لأنها لم تؤت السماوات والأرض ولا ملك سليمان، ومثال التخصيص بدليل العقل ضروريا كان أو نظريا، فالأول كقوله تعالى: ﴿خالق كل شيء﴾ وإنما كان هذا تخصيصا بالعقل، لقيام الدليل الدال على خروج الذات والصفات العلية، والثاني كتخصيص ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع﴾ لغير الطفل والمجنون، لعدم فهمهما الخطاب وخالف بعض الناشئة - كما قال إمام الحرمين - في التخصيص بالعقل وهذا هو ظاهر
стр. 676
كلام الشافعي ﵁، في (الرسالة) وحكاه جمع من أصحابنا خلافا محققا ورده المصنف إلى الخلاف في التسمية واختاره القرافي قال: لأن خروج هذه الأمور من هذا العموم لا ينازع فيه مسلم غير أنه لا يسمى بالتخصيص إلا ما كان باللفظ أما بقاء العموم على عمومه فلا يقوله أحد ويشهد له قول الأستاذ أبي منصور: أجمعوا على صحة دلالة العقل على خروج شيء عن حكم العموم، واختلفوا في تسميته تخصيصا وذهب جماعة إلى أن الخلاف معنوي، لأن العام المخصوص بدليل العقل - على قول من يجوز تخصيصه به ويجري فيه الخلاف السابق في أنه حقيقة فيه أو مجاز وعلى قول من لا يجوز تخصيصه به - فلا، بل هو عندهم حقيقة بلا خلاف كذا قاله الصفي الهندي: قلت: أو يكون عنده من باب العام المراد به الخصوص، لا من باب
стр. 677
العام المخصوص فيجيء فيه الكلام السابق في كونه حقيقة أو مجازا وجعل أبو الخطاب - من الحنابلة - مأخذ الخلاف التحسين والتقبيح العقلي فإن صح ذلك كانت هذه فائدة ثانية.
وقوله: (خلافا لشذوذ) هو عائد إلى ما يليه، وهو: العقل فإن التخصيص بالحس لا نعلم فيه خلافا، نعم ينبغي أن يطرقه خلاف من المنكرين لإسناد العلم إلى الحواس، لأنها عرضة الآفات والتخيلات واعلم أن الإمام في أول (البرهان) حكى خلافا في تقديم العقل على الحس فقال: ومما خاضوا فيه تقديم ما يدرك بالحواس على ما يدرك بالعقل، وهو اختيار شيخنا أبي الحسن، وقدم القلانسي من أصحابنا: المعقولات بالأدلة النظرية على المحسوسات من حيث إن العقل مرجع المقولات ومحلها ومرجع المحسوسات إلى الحواس وهي عرضة الآفات. انتهى. وينبغي جريان مثل هذا الخلاف هنا، إذا تعارض اللفظ بين أن يكون مخصوصا بالعقل أو بالحس، أيهما يخصص به ولم يتعرضوا لذلك.
(ص) والأصح جواز تخصيص الكتاب به، والسنة بها وبالكتاب والكتاب بالمتواتر.
(ش) فيها أربع صور:
أحدها: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب خلافا لبعض الظاهرية لنا:
стр. 678
وقوعه قال الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ وهذا عام في أولات الأحمال وغيرهن وقد خص ﴿أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾
الثانية: يجوز تخصيص السنة المتواترة بها خلافا لداود وطائفة حيث
стр. 679
قالوا: يتعارضان لا ينبي أحدهما على الآخر، حكاه الشيخ أبو حامد، وقال القرافي: وتصوير هذه المسألة في السنتين المتواترتين (١١٠ب) في زمننا عسير لفقد المتواتر، حتى قال بعض الفقهاء: ليس في السنة متواتر، إلا حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) قلت: إنما تواتر من أحد الطرفين، ولو مثل بحديث: ((من كذب علي متعمدا)). لكان أقرب، قال: وإنما تصور هذه المسألة في عصر الصحابة والتابعين ﵃، فإن الأحاديث كانت في زمنهم متواترة لقرب العهد بالمروي عنه، وشدة القيام بالرواية وشمل إطلاق المصنف تخصيص الآحاد منها بمثلها، ودليله الوقوع ما في حديث: ((لا زكاة فيما دون خمسة
стр. 680
أوسق)). فتخصص بقوله: ((فيما سقت السماء العشر)).
الثالثة: يجوز تخصيص السنة متواترة كانت أو آحادا بالكتاب، خلافا لبعض أصحابنا، واختاره القفال الشاشي في كتابه فقال: متى وردت السنة عامة،
стр. 681
وفي الكتاب ما يخرج بعض ذلك عن حكم السنة، وعلم أنه لا نسخ فيهما - فالسنة مرتبة على الكتاب وتكون الآية مبينة للسنة، على معنى أن الكتاب لما ورد بما ورد به منه وكانت السنة غير منسوخة تبين بذلك أن السنة إنما أطلق القول فيها مطابقا لما في الآية ومرتبا عليها، انتهى. وحاصله أنه يجعل السنة عاما أريد به الخصوص، لا عاما مخصوصا، ولا يرجع الخلاف إلى اللفظ.
الرابعة: يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة قال الآمدي: لا أعلم فيه خلافا وصرح الهندي فيه بالإجماع ومنهم من حكى خلافا في السنة الفعلية.
стр. 682
(ص) وكذا بخبر الواحد عند الجمهور، وثالثها: إن خص بقاطع وعندي عكسه، وقال الكرخي: بمنفصل، وتوقف القاضي.
(ش) فيه صورتان:
إحداهما: يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد إذ لا بد من إعمال الخاص، وإلا لزم إبطاله مطلقا، وحكاه ابن الحاجب عن الأئمة الأربعة لكن الحنفية ينكرونه.
الثاني: المنع مطلقا، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين.
الثالث: قاله عيسى بن أبان: إنه لا يجوز في العام الذي لم يخصص، ويجوز
стр. 683
فيما خصص لأن دلالته تضعف، وشرط أن يكون الذي خص به دليلا قطعيا.
الرابع: عكسه، يعني إن خص بقاطع لم يتطرق إليه التخصيص بالآحاد، وإلا فجائز أن يقدم على تخصيصه بالآحاد، وهذا الاحتمال من تفقه المصنف ولم يقل به أحد، ووجهه فيما لم يخص بقاطع أنه يخص بالآحاد لأن غالب العمومات مخصصة، حتى قيل: ما من عام يقبل التخصيص إلا وقد خص، وقيل: لا يعمل بالعام حتى يبحث عن الخاص فيما لم يظهر تخصيص العام يكتفى بالعموم لاعتضادها بالغالب والظاهر أن العام مخصوص فيقدم على تخصيصه) (بها وهذا الخلاف فيما إذا كان العام قد خص بقاطع فإن لم يبق غالب ولا ظاهر فكيف يقدم على تخصيصه) ثانيا بالظن؟ وبهذا فارق العام النسخ، فإن الخاص غالب على العام وليس النسخ غالبا على الأحكام، بل الغالب غير منسوخ.
والخامس: إن خص قبله بدليل منفصل جاز، وإن لم يخص أو كان بمتصل لم يجز، قاله الكرخي، وشبهته أن تخصيصه بمنفصل يصيره مجازا كما هو رأيه وإذا كان مجازا ضعف فيسلط عليه التخصيص.
والسادس: الوقف، قيل: بمعنى لا أدري، وقيل: بمعنى أنه يقع التعارض في ذلك القدر الذي دل العموم على إثباته والخصوص على نفيه، فتوقف عن العمل وهذا ظاهر كلام القاضي في (التقريب).
تنبيه: هذا الخلاف موضعه في خبر الواحد الذي لم يجمعوا على العمل به، فإن أجمعوا عليه كقوله (١١١أ) (لا ميراث لقاتل).
стр. 684
و (لا وصية لوارث) ونهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها فيجوز تخصيص العموم به بلا خلاف، لأن هذه الأخبار بمنزلة المتواتر لانعقاد الإجماع على حكمها وإن لم ينعقد على روايتها، نبه عليه ابن السمعاني.
(ص) وبالقياس خلافا للإمام: مطلقا، والجبائي: إن كان خفيا (ولابن أبان: إن لم يخص مطلقا) ولقوم: إن لم يكن أصله مخصصا من العموم، وللكرخي: إن لم يخص بمنفصل، وتوقف أما الحرمين.
стр. 685
(ش) الثانية: في جواز تخصيص العموم من الكتاب والسنة بالقياس أي بقياس نص خاص كما قاله الغزالي فيه مذاهب: أحدها: الجواز مطلقا وبه قالت الأئمة الأربعة وغيرهم.
والثاني: المنع مطلقا، واختاره الإمام في المعالم لكنه في المحصول اختار الجواز واستدل لترجيحه فيكون له في المسألة رأيان فلا يصح الجزم عنه بأحدهما إلا إذا علم المتأخر.
стр. 686
والثالث: يجوز تخصيصها بالقياس الجلي دون الخفي، وهو رأي ابن سريج.
قال القفال: ولا معنى له إذا حقق، لأن العمل بها يلزمه، فمن جوز التخصيص بأحدهما جوز التخصيص بالآخر، ونقله المصنف عن الجبائي والمعروف عن الجبائي المنع وتقدم العام على القياس مطلقا.
والرابع: أنه إن كان ذلك الأصل المقيس عليه مخرجا من ذلك العموم بنص جاز وإلا فلا.
والخامس: إن تطرق إليهما التخصيص جاز وإلا فلا قاله الكرخي.
والسادس: الوقف في القدر الذي تعارضا فيه والرجوع إلى دليل آخر سواهما وهو قول القاضي، وإمام الحرمين في كتبه الأصولية، لكنه في مسألة بيع اللحم بالحيوان من (النهاية) قال: يخص الظاهر بالقياس الجلي إذا كان التأويل لا ينبو عن النص، بشرط أن يكون القياس صدر من غير الأصل الذي ورد فيه الظاهر فإن لم يتجه قياس من غير مورد الظاهر لم تجز إزالة الظاهر- يعني مستنبط منه يتضمن تخصيصه وقصره على بعض المسميات.
وفي المسألة مذهب سابع: وهو أن يرجح أحدهما بغلبة الظن بحسب القوة
стр. 687
والضعف فتارة يكون العموم أرجح، لظهور قصد العموم فيه، ويكون القياس المعارض قياس سنة مثلا، فمثل هذا لا يشكك في تقديم العموم عليه، وتارة يكون بالعكس فإن تعارضا، فالوقف وهذا هو اختيار الغزالي وغيره من المحققين، وقال ابن دقيق العيد: إنه مذهب جيد.
تنبيه: هذا الخلاف فيما إذا كان العام من الكتاب والسنة متواترا فإن كان خبر واحد جرى الخلاف في الترتيب وأولى بالجواز من ذلك، ومن ذلك تخرج طريقة قاطعة هنا بالجواز، وكلام القرافي يشير إلى تصوير القياس بما إذا كان أصله ثابتا بالتواتر فإن كان ثابتا بأخبار الآحاد كان المنع من التخصيص به أقوى، لضعف أصله.
(ص) وبالفحوى.
(ش) أي بمفهوم الموافقة ومقتضى كلام المصنف وغيره الاتفاق فيه وبه
стр. 688
صرح في (شرح المختصر) وهو ظاهر إذا قلنا: دلالته لفظية، فإن جعلناها قياسية فيتجه أن يكون على الخلاف في المسألة قبلها، وأولى هنا بالتخصيص لما قيل فيه، إنه من قبيل اللفظ، والظاهر أنه يجوز قطعا، وإن قلنا: دلالته معنوية، لأنه أقوى دلالة من المنطوق على ثبوت الحكم، إذ الحكم فيه أولى بالثبوت، ونفيه مع ثبوت حكم المنطوق يعود نقصا على الفرض في الأكثر، بخلاف نفي الحكم عن بعض المنطوق وإثباته في البعض.
تنبيه يستفاد من عطف المصنف (١١١ب) هذه المسألة على ما سبق أن الفحوى ليست من باب القياس لكنه في باب المفهوم، نقل عن الشافعي ﵁، أنها قياسية، وقيل: لفظية وقيل: كونها قياسا مجيء الخلاف في التخصيص بالقياس.
(ص) وكذا دليل الخطاب في الأرجح
(ش): أي مفهوم المخالفة ووجه التخصيص به أن دلالته خاصة، فلو قدم العموم عليه عمل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما، مثاله قول النبي ﷺ : ((الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه))
стр. 689
رواه ابن ماجه بمفهوم قوله ﷺ : ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا)). وكما في المتعة فإن مفهوم قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ يقتضي أنه لا متعة للممسوسة وقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع﴾ يقتضي إيجاب المتعة للممسوسة وللشافعي ﵁، في إيجاب المتعة لها قولان، وهو يؤيد كلام ابن السمعاني في (القواطع) فإنه يقتضي أن الخلاف قولان للشافعي ﵁، قال: وأظهرهما الجواز، واختار غيره المنع لأنه أضعف دلالة من المنطوق لا محالة، فكان التخصيص به تقديما للأضعف على الأقوى، وهو غير جائز، والخلاف إذا قلنا: إنه حجة، فإن قلنا: ليس بحجة، امتنع قطعا.
(ص) وبفعله ﵇.
(ش) إذا روي عن النبي ﷺ لفظ عام في تحريم، ثم فعل بعضه - كان ذلك تخصيصا للفظ العام، إلا أن اختصاصه بما فعل خلافا للكرخي قال ابن
стр. 690
السمعاني: ولذلك لم يخص النهي عن استقبال القبلة وباستدباره في التخلي باستدبراه ﷺ بالمدينة الكعبة، وقد خصت الصحابة قوله ﵊ في الجمع بين الجلد والرجم، بفعله في رجم ماعز والغامدية من غير جلد، هكذا
стр. 691
ذكر الأصحاب وعندي أن هذا بالنسخ أشبه.
وقال بعضهم: صورة المسألة أن يكون النبي ﷺ داخلا تحت ذلك العموم كقوله ﷺ : ((لا صلاة بعد العصر)) ثم صح عنه الصلاة بعده، فتبين بهذا الفعل أنه مخصص من ذلك العموم، فأما إذا لم يتناول خطابه إلا أمته فقط مثل: ((لا تواصلوا)) ثم وجدناه يواصل فلا يكون ذلك تخصيصا له بل خصوصا به إذا لم يتناوله ذلك العموم إلا أن يقوم دليل بمساواته لأمته في ذلك الحكم.
(ص) وتقريره في الأصح.
стр. 692
(ش) تقريره ﷺ واحدا من أمته على خلاف مقتضى العموم - تخصيص لذلك العموم في حق ذلك الواحد، وأما في حق غيره فإن تبين في ذلك الواحد معنى حمل عليه كل من شاركه في تلك العلة، وإن لم يتبين، فالمختار عند ابن الحاجب أنه لا يتعدى إلى غيره، وخالفه المصنف في شرحه واختار التعميم وإن لم يظهر المعنى، ما لم يظهر ما يقتضي التخصيص ثم إن استوعبت الأفراد كلها فهو نسخ وإلا فتخصيص.
تنبيه: لم يذكر المصنف التخصيص بالإجماع مع أنه مذكور في (المختصر) و (المنهاج) لأن التخصيص في الحقيقة بدليل الإجماع لا بنفس الإجماع وكان في أصل المصنف هنا: والأصح: أن مخالفة الأمة تتضمن ناسخا، ثم ضرب عليه، وألحقه بباب النسخ، وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى.
وكان قياسه هنا أن يقول: إن عمل الأمة في بعض أفراد العام بما يخالفه (١١٢أ) يتضمن تخصيصا.
стр. 693
(ص) وإن عطف العام على الخاص ورجوع الضمير إلى البعض ومذهب الراوي ولو صحابيا وذكر بعض أفراد العام، لا يخصص.
(ش) فيه صور:
أحدها: عطف العام على الخاص لا يوجب تخصيص العام كقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ فكان هذا للمطلقات ثم قال: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾.
وهو عام في المطلقات، والمتوفى عنهن فلا يكون هذا العطف تخصيصا للعام كما لا يكون عطف الخاص على العام يوجب تخصيص العام، واعلم: أن هذه المسألة قل من ذكرها وقد وجدتها في كتاب أبي بكر القفال الشاشي في الأصول ومثلها بآية الطلاق الكريمة، أما عطف الخاص على العام، فلا يوجب تخصيص العام عندنا خلافا للحنفية، وقد سبقت في قوله ﷺ : ((لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهد)) ويمكن أن يجري هذا الخلاف في مسألة الكتاب، لأن المأخذ اشتراك المتعاطفين في الأحكام.
الثانية: إذا ذكر عاما ثم عقبه بضمير يختص ببعض ما تناوله - لم يوجب ذلك تخصيص العام.
стр. 694
خلافا لإمام الحرمين كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ ثم قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ فإن ذلك يختص بالرجعيات فلا يوجب تخصيص التربص بهن بل يعم البائن والرجعية.
الثالث: مذهب الراوي سواء الصحابي وغيره لا يخصص العموم الذي رواه خلافا للحنفية.
стр. 695
والحنابلة وقال بعضهم: يخص مطلقا وإن كان غير صحابي، لأن المجتهد المتبحر في الأدلة يجوز أن يطلع على حديث. يدل على قرائن تدله على تخصيص ذلك العام، كما في الصحابي وبعضهم: إن كان الراوي صحابيا.
ولنا أن العموم حجة ومذهب الصحابي ليس بحجة فلا يجوز تخصيصه به, وإذا ثبت هذا في الصحابي فغيره أولى للاتفاق على أن قوله ليس بحجة والتخصيص بغير دليل لا يجوز، واعلم: أن ما صور به المصنف المسألة هو الصحيح، وبه صرح إمام الحرمين، لكن شرط كون الراوي من الأئمة ولم يذكر المصنف هذا القيد استغناء بقوله: (مذهب) وجعل الآمدي وابن الحاجب موضوعها في الصحابي يعمل بخلاف العام سواء كان هو الراوي للعام أم لا، لا في راوي الخبر مطلقا، وقصره
стр. 696
القرافي على مخالفة الصحابي إذا كان راويا للعام، والأول أولى، فإن القائلين بأن مذهب الصحابي حجة، يخصون العموم به على خلاف فيه، وإن لم يكن راويا، ولهذا جعلها سليم الرازي في (التقريب) مسألتين:
إحداهما: التخصيص بقول الصحابي وخص الخلاف فيه بما إذا لم يعلم انتشاره وإن انتشر وانقرض العصر كان التخصيص به لأنه إما إجماع أو حجة.
الثانية: أنه يروي الصحابي خبراً عاما ثم يصرفه إلى الخصوص، فلا يحمل عليه على القول المزيد خلافا لأبي حنيفة، ومثل الماوردي المسألة بحديث (الولوغ) فإن أبا هريرة روى السبع، وأفتى بالثلاث، وبحديث: (من بدل دينه فاقتلوه) فإن ابن عباس رواه، وأفتى بأن المرتدة لا تقتل وهذا الثاني أحسن، لأن الأول ليس من باب العموم، فإن قيل: قد خص الشافعي تحريم الاحتكار بالأقوات، لأن حديث: (من احتكر فهو خاطئ) رواه سعيد بن المسيب وكان يحتكر الزيت فقيل له: فقال: إن معمرا
стр. 697
راوي الحديث كان يحتكر. رواه مسلم قلنا: من هنا خرج بعضهم (١١٢ب) قولا للشافعي ﵁، أن مذهب الراوى يخصص العموم، لكن المعروف عنه: المنع، وكأنه استنبط من النص معنى يخصصه، ورأى العلة الاضرار، فخصه بالأقوات وعضد ذلك بمذهب الصحابي.
الرابعة: إذا حكم على العام بحكم، ثم أفرد منه فردا وحكم عليه، بذلك الحكم بعينه، فلا يكون ذلك تخصيصا للعام أي حكما على باقي أفراده بنقيض ذلك مثال قوله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) مع قوله صلى الله عليه وسلم
стр. 698
في شاة ميمونة: ((هلا أخذتم إهابها فدبغتموه)).
وقال أبو ثور: التعبير بذلك الفرد يدل بمفهومه على التخصيص وهذا ضعيف لأنه مفهوم لقب، و (الشاة) لقب وقد ينازع في هذا لأن الشاة لم تقع في لفظ الشارع وليس هذا من أبي ثور قولا بمفهوم اللقب كما توهم بعضهم، لأنه لا يعرف عنه القول به ولكنه يجعل ورود الخاص بعد تقدم العام قرينة في أن المراد بذلك العام هذا الخاص، ويجعل العام كالمطلق والخاص كالمقيد، وحينئذ فهو عنده من باب العام الذي أريد به الخصوص، لا من باب العام المخصوص فتفطن لذلك، ثم لا يخفى أن صورة المسألة إذا كان الخاص موافقا لحكم العام، فإن كان له مفهوم يخالفه كالصفة فهي مسألة تخصيص العموم بالمفهوم وقد سبقت
(ص) وإن العادة بترك بعض المأمور تخصص إن أقرها النبي ﷺ أو الإجماع وأن العام لا يقصر على المعتاد ولا على ما وراءه بل تطرح له العادة السابقة.
стр. 699
(ش) التخصيص بالعادة مما اختلف فيه نقل الإمام الرازي والآمدي وأتباعهما فذكر الإمام أن العادة تخصص، وعكس الآمدي وابن الحاجب فمن الناس من أجراه على ظاهره، ومنهم من حاول الجمع بينهما ظانا تواردهما على محل واحد والصواب أن للمسألة صورتين:
إحداهما: وهي التي تكلم فيها صاحب (المحصول) وأتباعه، أن يوجب النبي ﷺ أو يحرم شيئا بلفظ عام، ثم يرى من بعد العادة جارية بترك بعضها أو بفعله، فالمختار كما قال في (المحصول): إنه إن علم جريان العادة في زمن النبي ﷺ مع عدم منعه منها فتخصيص والمخصوص في الحقيقة تقريره وإن علم عدم جريانها لم يخص إلا أن يجمع عليه فيصح ويكون المخصص هو الإجماع لا العادة، وإن جهل فاحتمالان.
الثانية: وهي التي تكلم فيها الآمدي وابن الحاجب، أن تكون العادة جارية على ورود العام بفعل معين كأكل طعام معين مثلا، ثم إنه ﵇ ينهاهم عنه بلفظ يتناوله، كما لو قال: حرمت الربا في الطعام فهل يكون النهي مقتصرا على ذلك الطعام فقط أو يجري على عمومه ولا تأثير للعادة فيه؟ والحق الثاني وعندهم: إن الذي جرت به العادة مرادا قطعا، وإنما الخلاف في أن غيره هل هو مراد معه؟ وقال ابن دقيق العيد: الصواب التفصيل بين العادة الراجعة إلى الفعل وإلى القول فما رجع إلى الفعل يمكن أن يرجح فيه العموم على العادة مثل أن يحرم بيع
стр. 700
الطعام بالطعام، وتكون العادة بيع البر، فلا يخص عموم اللفظ بهذه العادة الفعلية.
وأما ما يرجع إلى القول فمثل أن يكون أهل العرف اعتادوا تخصيص اللفظ ببعض موارده اعتيادا يسبق الذهن فيه إلى ذلك الخاص، فإذا أطلق اللفظ العام فيقوى (١١٣أ) تنزيله على الخاص المعتاد، لأن الظاهر أنه إنما يدل باللفظ على ما ساغ استعماله فيه، لأنه المتبادر إلى الذهن.
(ص) وإن نحو: (قضى بالشفعة للجار) لا يعم، وفاقا للأكثر.
(ش) لأن ما ذكره ليس لفظ الرسول ﷺ بل حكاية فعله، ويحتمل أن يكون قضاؤه لجار كان بصفة يختص بها، وقد يتأيد بقول الشافعي ﵁، وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال وخالف ابن الحاجب: فاختار أنه يعم الجار مطلقا، وإنما ذكره الآمدي بحثا فأقامه ابن الحاجب مذهبا وارتضاه وقال: وقال الشيخ في (شرح العنوان): اختار بعض الفقهاء عموم نحو: (قضى بالشفعة للجار) على عدالة الصحابي، ومعرفته باللغة، ومواقع
стр. 701
اللفظ، مع وجوب أن تكون الرواية على وفق السماع من غير زيادة ولا نقصان، ومنهم من قال: لا يعم، لأن الحجة في المحكي، ولا عموم للمحكي، والحق التفصيل: فإن كان المحي فعلا لو شوهد لم يجز حمله على العموم، فلذلك وجه وإن كان فعلا لو حكي لكان دالا على العموم، فعبارة الصحابي عنه يجب أن تكون مطابقة للقول لما تقدم من معرفته وعدالته.
تنبيهان:
الأول: قد يتخيل أن هذه المسألة مكررة مع قوله في باب العموم: (أن الفعل المثبت ليس بعام) وليس كذلك، ولهذا أطلق ابن الحاجب أن الفعل المثبت ليس بعام في أقسامه ثم ذكر (قضى بالشفعة للجار) واختار أنه يعم، والفرق أن الفعل لا صيغة له حتى يتمسك بعمومه، بخلاف القضاء والأمر والنهي، فإنه لا يصدر إلا عن صيغة وقد يفهم الراوي منها العموم فيرويه على ذلك.
الثاني: أن هذا لا يختص بـ (قضى) بل يجري في نحو نهى عن بيع الغرر ونكاح الشغار.
стр. 702
وأمر بقتل الكلاب كما قاله الغزالي وخالفه غيره، وقطع هنا بالتعميم لأن (أمر) و (نهى) عبارة عن أنه وقع منه خطاب بالتكليف، ولما لم يذكر مأمورا ولا منهيا علم أن المخاطب به الكل.
(ص) مسألة: جواب السائل غير المستقل دونه تابع للسؤال في عمومه، والمستقل الأخص جائز إذا أمكنت معرفة المكسوت والمساوي واضح.
(ش) لا إشكال في دعوى العموم فيما يذكره الشارع من الصيغ السابقة ابتداء أما ما ذكره جوابا لسؤال سائل فلا يخلو إما أن يستقل بنفسه بدون السؤال أولا. فإن لم يستقل بحيث لا يصح الابتداء به فهو على حسب السؤال، إن كان عاما فهو عام.
стр. 703
وإن كان خاصا فهو خاص حتى كأن السؤال معاد فيه، مثل أن يسأل: هل يتوضأ بماء البحر فيقول: نعم، ولا خلاف فيه وإن استقل بنفسه بحيث لو ورد مبتدأ لكان يفيد العموم، فهو على ثلاثة أقسام إما أن يكون أخص من السؤال أو مساويا أو أعم.
والأول: الأخص، مثل قولك من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر في جواب السؤال: من أفطر في نهار رمضان، وهذا الجواب إنما يجوز بثلاثة شرائط:
أحدها: أن يكون فيما خرج من الجواب تنبيه على ما لا يخرج منه، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وثانيها: أن يكون (السائل من أهل الاجتهاد، وإلا لم يفد التنبيه)
وثالثها: أن لا يفوت وقت العمل بسبب اشتغال) السائل بالاجتهاد لئلا
стр. 704
يلزم التكليف بما لا يطاق، والأولان يمكن فهمهما من قول المصنف إذا أمكنت معرفة المسكوت (١١٣ب) وسكت عن حكمه في العموم والخصوص، وهو كحكم السؤال في ذلك، لكن لا يسمى عاما، وإن كان السؤال عاما، لأن الحكم في غير محل التنصيص غير مستفاد من اللفظ بل من التنبيه، قاله الصفي الهندي.
والثاني: المساوي أن يكون الجواب مساويا للسؤال، وهو إما في العموم كما لو سئل عمن أفطر في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر؟ وإما في الخصوص كما لو قلت: ماذا يجب علي؟ وقد أفطرت في رمضان؟ فقيل: يجب عليك كفارة الظهار وحكمه ظاهر، وحكي في (المستصفى) هنا عن الشافعي حمله على العموم وأنه المراد بقوله: ترك الاستفصال مع تعارض الاحتمال يدل على عموم الحكم، ومثله بقول القائل: أفطر زيد في نهار رمضان فقال: يعتق رقبة، أو طلق ابن عمر زوجته وهي حائض فقال: (ليراجعها).
(ص) والعام على سبب خاص معتبر عمومه عند الأكثر.
(ش) ورود العموم على سبب خاص لا يقدح في عمومه، فيتناول السبب وغيره، لأن العدول عن الخاص الذي هو السبب إلى محل العام دليل على إرادة العموم وهذا مذهب الشافعي ﵁، كما قاله القاضي أبو الطيب
стр. 705
والماوردي وغيرهما، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن الحنفية وأكثر الشافعية والمالكية واحتج له الماوردي في كتاب (اللغات) بأمرين:
أحدهما: أن السبب قد كان موجودا ولا حكم، ثم ورد اللفظ فتعلق به الحكم، فكان اعتبار ما وجد الحكم بوجوده أولى من اعتبار ما لم يوجد الحكم بوجوده.
والثاني: أن تخصيص العموم إنما يقع بما ينافي اللفظ، ولا يقع بما يوافقه والسبب موافق فلم يجز أن يكون مخصصا وعن المزني والقفال: أنه يقتصر على ما خرج عليه السبب.
следующие страницы →