Полный текст (1 929 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
اللفظ، مع وجوب أن تكون الرواية على وفق السماع من غير زيادة ولا نقصان، ومنهم من قال: لا يعم، لأن الحجة في المحكي، ولا عموم للمحكي، والحق التفصيل: فإن كان المحي فعلا لو شوهد لم يجز حمله على العموم، فلذلك وجه وإن كان فعلا لو حكي لكان دالا على العموم، فعبارة الصحابي عنه يجب أن تكون مطابقة للقول لما تقدم من معرفته وعدالته.
تنبيهان:
الأول: قد يتخيل أن هذه المسألة مكررة مع قوله في باب العموم: (أن الفعل المثبت ليس بعام) وليس كذلك، ولهذا أطلق ابن الحاجب أن الفعل المثبت ليس بعام في أقسامه ثم ذكر (قضى بالشفعة للجار) واختار أنه يعم، والفرق أن الفعل لا صيغة له حتى يتمسك بعمومه، بخلاف القضاء والأمر والنهي، فإنه لا يصدر إلا عن صيغة وقد يفهم الراوي منها العموم فيرويه على ذلك.
الثاني: أن هذا لا يختص بـ (قضى) بل يجري في نحو نهى عن بيع الغرر ونكاح الشغار.
стр. 702
وأمر بقتل الكلاب كما قاله الغزالي وخالفه غيره، وقطع هنا بالتعميم لأن (أمر) و (نهى) عبارة عن أنه وقع منه خطاب بالتكليف، ولما لم يذكر مأمورا ولا منهيا علم أن المخاطب به الكل.
(ص) مسألة: جواب السائل غير المستقل دونه تابع للسؤال في عمومه، والمستقل الأخص جائز إذا أمكنت معرفة المكسوت والمساوي واضح.
(ش) لا إشكال في دعوى العموم فيما يذكره الشارع من الصيغ السابقة ابتداء أما ما ذكره جوابا لسؤال سائل فلا يخلو إما أن يستقل بنفسه بدون السؤال أولا. فإن لم يستقل بحيث لا يصح الابتداء به فهو على حسب السؤال، إن كان عاما فهو عام.
стр. 703
وإن كان خاصا فهو خاص حتى كأن السؤال معاد فيه، مثل أن يسأل: هل يتوضأ بماء البحر فيقول: نعم، ولا خلاف فيه وإن استقل بنفسه بحيث لو ورد مبتدأ لكان يفيد العموم، فهو على ثلاثة أقسام إما أن يكون أخص من السؤال أو مساويا أو أعم.
والأول: الأخص، مثل قولك من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر في جواب السؤال: من أفطر في نهار رمضان، وهذا الجواب إنما يجوز بثلاثة شرائط:
أحدها: أن يكون فيما خرج من الجواب تنبيه على ما لا يخرج منه، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وثانيها: أن يكون (السائل من أهل الاجتهاد، وإلا لم يفد التنبيه)
وثالثها: أن لا يفوت وقت العمل بسبب اشتغال) السائل بالاجتهاد لئلا
стр. 704
يلزم التكليف بما لا يطاق، والأولان يمكن فهمهما من قول المصنف إذا أمكنت معرفة المسكوت (١١٣ب) وسكت عن حكمه في العموم والخصوص، وهو كحكم السؤال في ذلك، لكن لا يسمى عاما، وإن كان السؤال عاما، لأن الحكم في غير محل التنصيص غير مستفاد من اللفظ بل من التنبيه، قاله الصفي الهندي.
والثاني: المساوي أن يكون الجواب مساويا للسؤال، وهو إما في العموم كما لو سئل عمن أفطر في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر؟ وإما في الخصوص كما لو قلت: ماذا يجب علي؟ وقد أفطرت في رمضان؟ فقيل: يجب عليك كفارة الظهار وحكمه ظاهر، وحكي في (المستصفى) هنا عن الشافعي حمله على العموم وأنه المراد بقوله: ترك الاستفصال مع تعارض الاحتمال يدل على عموم الحكم، ومثله بقول القائل: أفطر زيد في نهار رمضان فقال: يعتق رقبة، أو طلق ابن عمر زوجته وهي حائض فقال: (ليراجعها).
(ص) والعام على سبب خاص معتبر عمومه عند الأكثر.
(ش) ورود العموم على سبب خاص لا يقدح في عمومه، فيتناول السبب وغيره، لأن العدول عن الخاص الذي هو السبب إلى محل العام دليل على إرادة العموم وهذا مذهب الشافعي ﵁، كما قاله القاضي أبو الطيب
стр. 705
والماوردي وغيرهما، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن الحنفية وأكثر الشافعية والمالكية واحتج له الماوردي في كتاب (اللغات) بأمرين:
أحدهما: أن السبب قد كان موجودا ولا حكم، ثم ورد اللفظ فتعلق به الحكم، فكان اعتبار ما وجد الحكم بوجوده أولى من اعتبار ما لم يوجد الحكم بوجوده.
والثاني: أن تخصيص العموم إنما يقع بما ينافي اللفظ، ولا يقع بما يوافقه والسبب موافق فلم يجز أن يكون مخصصا وعن المزني والقفال: أنه يقتصر على ما خرج عليه السبب.
стр. 706
وقال إمام الحرمين: إنه الذي صح عنده من مذهب الشافعي ﵁، وقد أنكر الإمام فخر الدين في المناقب ذلك. وقال: معاذ الله أن يصح هذا النقل عنه كيف، وكثير من الآيات نزلت في أسباب خاصة، ثم لم يقل الشافعي ﵁، بقصرها على تلك الأسباب وفي المسألة مذهب ثالث: إن كان الشارع ذكر السبب في الحكم اقتضى تخصيصه به، وإن لم يكن السبب إلا في كلام السائل فالجواب على عمومه، حكاه ابن القطان في كتابه عن ابن أبي هريرة.
تنبيه: لا فرق في هذا القسم بين أن يكون السبب سؤالا أم لا، ولهذا صرح المصنف بذكر السبب وقطعه عما قبله.
(ص) فإن كانت قرينة التعميم فأجدر.
(ش) محل الخلاف حيث لا قرينة تدل على قصره على السبب أو تعميم، فإن كانت قرينة تقتضي التعميم فأجدر بالتعميم مثال التعميم قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ والسبب رجل سرق رداء صفوان فالإتيان بالسارقة معه قرينة
стр. 707
تدل على الاقتصار على المعهود، ومثال القرينة القاصرة له على السبب تخصيص الشافعي ﵁ نهيه عن قتل النساء والصبيان بالحربيات لخروجه على سبب وهو أنه ﷺ مر بامرأة مقتولة في بعض غزواته فقال: ((لم قتلت وهي لا تقاتل)). ونهي عن قتل النساء والصبيان فعلم أنه أراد به الحربيات، ويخلص بذلك عن استدلال أبي حنيفة على امتناع قتل المرتدة، فلم يعمل الشافعي ﵁ بعموم هذا الخبر وقصره على سببه مع أن العبرة عنده (١١٤أ) بعموم اللفظ، لكن لما عارضه قوله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ولم يكن بد من تخصيص أحدهما بالآخر، فوجب تخصيص الوارد على سبب وحمل الآخر على عمومه، لأن السبب من أمارات التخصيص قال الماوردي في (الحاوي): ومن هنا قال ابن دقيق العيد: ينبغي أن يفرق بين سبب لا يقتضي السياق التخصيص به، وبين سبب يقتضي السياق والقرائن التخصيص به، فإن كان من الباقي فالواجب اعتبار ما دل عليه السياق والقرائن. إذ به يتبين مقصود الكلام وبه يرشد إلى بيان المجملات وتمييز المجملات وفهم مأخذ الخطاب.
стр. 708
(ص) وصورة السبب قطعية الدخول عند الأكثر فلا تخص بالاجتهاد وقال الشيخ الإمام: ظنية، قال: ويقرب منها خاص في القرآن، تلاه في الرسم عام للمناسبة.
(ش) العام إذا ورد على سبب، فصورة السبب هل هي قطعية الدخول حتى لا يجوز تخصيصها بالاجتهاد، بخلاف ما زاد عليه، فإنه يجوز تخصيصه به، أو كغيرها من الأفراد فالجمهور على الأول وربما ادعى فيه الإجماع، لأن العام يدل عليه بطريقين وعن أبي حنيفة الثاني، وأنه يجوز إخراج السبب عن العموم استنباطا من مصيره إلى أن الولد يلحق بالفراش في الحرة دون الأمة، وإن كان حديث ابن زمعة إنما ورد في الأمة
стр. 709
والحق أن السبب لا يكون قرينة في القطع بالدخول، وهذا لا يجوز أن يصير اللفظ نصا صريحا في بعض مسمياته لقرينة خارجية تتصل به (بالنسبة إليه وهو صار نصا فيه لقرينة الورود فيه لا من حيث الوضع، ودلالة العام إما أن تتحد) بالنسبة إلى مسمياته من حيث الوضع لا غير فلا منافاة بين كونه نصا صريحا في محل الورود وبين كونه عاما هذا ما ذهب إليه الشيخ الإمام، فقال: القطع بالدخول ينبغي أن يكون محله إذا دلت قرائن حالية أو مقالية على ذلك، أو على اللفظ العام يشمله بطريق الوضع لا محالة، وإلا فقد ينازع الخصم دخوله وضعا تحت اللفظ العام ويدعي أنه يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب، وبيان أنه ليس بداخل في الحكم فإن للحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة: أن قوله ﷺ ((الولد للفراش)).
وإن ورد في الأمة فهو وارد لبيان حكم ذلك الولد، وبيان حكمه إما بالثبوت وإما الانتفاء فإذا ثبت أن الفراش هي الزوجة، لأنها الذي يتخذ لها الفراش غالبا، وقال: الولد للفراش، كان فيه حصر أن الولد للحرة ومقتضى ذلك لا يكون للأمة، فكان فيه بيان الحكمين جميعا، نفي السبب عن المسبب وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى القطع والمقطوع به أنه لا بد من بيان حكم السبب، أما كونه بقطع دخوله في ذلك أو بخروجه عنه فلا يدل على تعيين واحد منهما، قال: وجميع ما تقدم في السبب وبقية الأفراد التي دل اللفظ العام بالوضع عليها وبين ذينك الشيئين رتبة متوسطة، فيقول: قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة، وتوضع كل واحدة منها ما يناسبها من الآية رعاية لنظم القرآن وحسن اتساقه فذلك الذي وضعت معه الآية النازلة على سبب خاص للمناسبة، إذا كان مسوقا لما نزل في معنى يدخل في ذلك اللفظ
стр. 710
العام، أو كان من جملة الأفراد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام فدلالة اللفظ عليه يحتمل أن يقال: إنه كالسبب فلا يخرج ويكون مرادا من الآية قطعا ويحتمل أن يقال إنه لا ينتهى في القوة إلى (١١٤ب) ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة لشبهه به والحق أنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد مثاله: قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ فإن مناسبتها لما قبلها وهو قوله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾ إن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف كان قدم مكة وشاهد قتلى بدر، وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم فسألوه من هو أهدى سبيلا، فقال: أنتم، كذبا منه وضلالة.
стр. 711
فتلك الآية في حقه وحق من شاركه في تلك المقالة وهم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم نعت النبي ﷺ وصفته، وقد أخذت عليهم المواثيق أن لا يكتموا ذلك وأن ينصروه وكان ذلك أمانة لازمة فلم يؤدوها وخانوا فيها وذلك يناسب الأمر بأداء الأمانة.
تنبيه: لا ينبغي ذكر هذه المسألة في العام المخصوص عند من اعتبر السبب لأنه من العام الذي أريد به الخصوص، وقد سبق الفرق بينهما.
(ص) مسألة: إن تأخر الخاص عن العمل نسخ العام وإلا خصص، وقيل: إن تقارنا تعارضا في قدر الخاص كالنصين وقالت الحنفية وإمام الحرمين: العام المتأخر ناسخ فإن جهل فالوقف أو التساقط.
(ش) هذه المسألة في بقاء العام على الخاص إذا وجد نصان متنافيان أحدهما عام والآخر خاص، فإما أن يعلم تاريخهما أولا فإن علم (فإما أن يعلم) تأخر أحدهما على الآخر أو تقاربهما، فإن علم المتأخر فإما أن يتأخر عن وقت العمل أم لا، فهذه أقسام:
الأول: أن يكون الخاص متأخرا عن وقت العمل بالعام، فهنهنا يكون الخاص
стр. 712
ناسخا لذلك القدر الذي تناوله العام بلا خلاف، ولا يمكن حمله على التخصيص لأن تأخر بيانه عن وقت العمل ممتنع، وقول المصنف نسخ العام أي الفرد الذي تناوله العام وإلا فلا خلاف أنه يعمل بالعام في بقية الأفراد في المستقبل.
الثاني: أن يتأخر عن وقت الخطاب بالعام دون وقت العمل به، فمن منع تأخير بيان التخصيص كالمعتزلة أحال المسألة ومن جوز اختلفوا والأكثرون أن الخاص يكون مخصصا للعام، لأنه وإن جاز أن يكون ناسخا لذلك القدر منه لكن التخصيص أقل مفسدة، وعن الحنفية أن الخاص إذا تأخر عن العام بحيث يتخلل بينهما زمان يتمكن المكلف به من العمل أو الاعتقاد لمقتضي العام، كان الخاص ناسخا.
الثالث: أن يتأخر العام عن وقت العمل بالخاص فههنا ينبنى العام على الخاص عندنا، وذهب بعض الحنفية إلى أن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم.
الرابع: أن يتأخر العام عن وقت الخطاب بالخاص، لكنه قبل وقت العمل به فكالذي قبله وإن علم مقارنتهما، فإما أن يكون الخاص مقارنا للعام نحو: ((فيما سقت السماء العشر)). ثم يقول عقيبه: ((لا زكاة فيما دون خمسة أوسق)) فالخاص يخصص العام، وأما إن كان العام مقارنا للخاص نحو: ((لا زكاة فيما دون خمسة أوسق)) ثم يقول عقيبه: (فيما سقت السماء العشر) فكذلك ((وحكى في المحصول قولا))
стр. 713
أنهما يتعارضان في القدر الذي تناوله الخاص وعزاه ابن السمعاني للقاضي أبي بكر وهو ينفي نقل الشيخ أبي حامد وغيره الإجماع على تقدم الخاص، وأما إذا لم يعلم تاريخهما، فعندنا ينبني العام على الخاص وعند أبي حنيفة يتوقف (١١٥أ) إلى ظهور التاريخ أو الترجيح، أو يرجع إلى غيرهما، وإلى هذه الأقسام كلها أشار المصنف بقوله:،إلا خصص أي يقضى بالخاص على العام، تأخر العام وتقدم الخاص أو عكسه، أو تقارنا وعلم المتقدم أو تقارنا وجهل.
ولما كان خلاف التعارض عند المقارنة غريبا صرح به، وقوله: (فإن جهل) من تمام قول الحنفية فتفطن له، وابن الحاجب اقتصر على حكاية التساقط عنهم، وصاحب البديع على الوقف، فلهذا جمع المصنف بينهما وهما متقاربان زاد في البديع ويؤخر المحرم احتياطا.
(ص) وإن كان كل عاما من وجه، فالترجيح وقالت الحنفية: المتأخر ناسخ.
(ش) إذا تعارض خطابان، أحدهما خاص ومن وجه عام من وجه والآخر خاص، من وجه عام من وجه وتنافيا في الحكم الذي ابتنى عليهما، فيصار إلى الترجيح
стр. 714
ومثاله قوله ﷺ : ((من بدل دينه فاقتلوه)). مع نهيه عن قتل النساء فإن الأول خاص في المرتدين عام في النساء والرجال والثاني خاص في النساء عام في الحربيات والمرتدات.
قال الشيخ تقي الدين في (شرح الإلمام): وكان مرادهم الترجيح العام الذي لا يخص مدلول العموم كالترجيح بكثرة الرواة وسائر الأمور الخارجية عن مدلول العموم من حيث هو، وفيما قاله نظر، فإن صاحب (المعتمد) حكى عن بعضهم في هذه المسألة، أن أحدهما إذا دخله تخصيص مجمع عليه فهو أولى بالتخصيص، وكذا إذا كان أحدهما مقصودا بالعموم فإنه يرجح على ما كان عمومه اتفاقا وعلم من إطلاق المصنف أنه لا فرق في هذا القسم بين أن يعلم تقدم أحدهما على الآخر أو مقارنتهما وهو كذلك، وما حكاه عن الحنفية من أن المتأخر هو الناسخ فهو قياس ما سبق عنهم في التي قبلها لكن لم أجده صريحا في هذه المسألة.
(ص) المطلق والمقيد، المطلق الدال على الماهية بلا قيد، وزعم الآمدي وابن الحاجب دلالته على الوحدة الشائعة توهماه النكرة، ومن ثم قالا: الأمر بمطلق الماهية أمر يجزئي وليس بشيء وقيل: بكل جزئي، وقيل: إذن فيه.
(ش) المراد بالدال على الماهية بلا قيد، من حيث هي، من غير اعتبار عارض
стр. 715
من عوارضها كقولنا الرجل خير من المرأة، فخرج بقوله: بلا قيد المعرفة والنكرة أما المعرفة فلأنها تدل على الحقيقة مع وحدة معينة كزيد، وأما النكرة فلأنها تدل عليها مع وحدة معينة كرجل، وظهر بهذا الفرق بين المطلق والنكرة، وقيل: لا فرق بينهما وبه صرح الآمدي فقال: المطلق (فعبارة عن النكرة) في سياق الإثبات وتابعه ابن الحاجب، فقال: المطلق ما دل على شائع في جنسه، وقوله: (شائع) أي لا يكون متعينا، بحيث يمتنع صدقه على كثيرين، وقوله: في جنسه، أي له أفراد تماثله وهذا يتناول الدال على الماهية من حيث هي، والدال على واحد غير معين، وهو النكرة؛ لأنها أيضا لفظ دال على شائع في جنسه وقول المصنف: توهماه النكرة، ممنوع بل تحققاه وما صنعاه خير مما صنعه المصنف، ولا شك أن مفهوم الماهية بلا قيد ومفهومها مع قيد الوحدة، متغايران.
لا يخفى على ابن الحاجب ولا غيره ولكن الأصوليون لم يفرقوا بينهما، لأنه لا فرق بينهما في تعلق التكليف بهما، فإن التكليف لا يتعلق إلا بالموجود في الخارج والمطلق الموجود في الخارج هو (١١٥ب)
стр. 716
واحد غير معين في الخارج، لأن المطلق لا يوجد في الخارج إلا في ضمن الآحاد ووجوده في ضمنه هو صيرورته عينه بانضمام مشخصاته إليه، فيكون المطلق الموجود واحدا غير معين، وذلك هو مفهوم النكرة والأصولي إنما يتكلم فيما يقع به التكليف فلهذا فسره بالمعين وأما الاعتبارات العقلية كما فعله المصنف فلا تكليف بها، إذ لا وجود لها في الخارج، لأن المكلف به يجب إيقاعه والإتيان بما لا يقبل الوجود في الخارج لا يمكن فلا تكليف به، ولهذا ذكر صاحب (البديع) من الحنفية، المطلق كما ذكره ابن الحاجب مع قوله: فيما بعد أن الحق تفسير المطلق (بالماهية من حيث هي والحاصل أن الماهية من حيث هي لا يمكن أن توجد في الخارج إلا في ضمن الجزئيات) فعند ورود الأمر بها يكون المطلوب بها جزئيا من جزئياتها، لأنها نص مطلوبة بالقصد الأول، فورود الأمر بها لدلالتها عليها بالمطابقة وتصير قيدا من القيود الموجبة لجزئيتها مقصودا بالقصد الثاني لتوقف وجودها عليه، فيؤول الأمر إلى أن يكون المطلوب بها جزئيا من جزئياتها فيؤول الأمر باللفظ الدال على الماهية عند استعماله في التكليف إلى الدلالة على جزئي وهو النكرة فلا فرق بينهما في التكاليف، فلهذا صح تسمية كل منهما بالمطلق، وتفسير المطلق بكل واحد منهما.
وقوله: (ومن ثم) أي ولأجل هذا التأصيل قال الآمدي وابن الحاجب: إن الأمر بمطلق الماهية أمر بجزئي من جزئيات الماهية، لا بالكلي المشترك، فإذا قيل أمرت من غير تعيين فالمطلوب الفعل الجزئي الممكن المطابق للماهية الكلية المشتركة لأن الماهية هي المطلوبة لأن الماهية الكلية يستحيل وجودها في الأعيان فلا تطلب.
قال المصنف: وليس بشيء يعني لأنا نفرق بين الماهية بشرط شيء
стр. 717
وبشرط لا شيء وبلا شرط، وإذا قرنت بينها علمت أن المطلوب الماهية من حيث هي لا بقيد الجزئية ولا بقيد الكلية، ولا يلزم من عدم اعتبار أحدهما اعتبار الآخر، ثم إن ذلك غير مستحيل بل موجود في الجزئيات، وذهب الإمام فخر الدين إلى أنه أمر بالماهية المشتركة بين الأفراد لا بجزئي معين وهو ما حكاه أبو المناقب الزنجاني عن مذهب الشافعي ﵁، وأن الأول مذهب أبي حنيفة، والحق أن الماهية من حيث هي لا تستلزم التعدد ولا الوحدة بل هي صالحة لأن يعرضها كل واحد منهما، ووجه ما أشار إليه المصنف من بناء هذه المسألة على هذا الأصل، أن من قال إن الأمر بمطلق الماهية أمر بواحد من جزئياته فالمطلق عنده عبارة عن ((جزئي ممكن مطابق الماهية لا عين)) الماهية من حيث هي، واشتمالها في الأصول لكونها هي المرادة منه، وقوله: إذن فيه إشارة إلى احتمال أبداه الصفي الهندي في القياس في الكلام على حجيته بقوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ حيث اعترض الخصم بأن الدال على الكلي لا يدل على الجزئي، فلا يلزم الأمر بالقياس الذي هو جزئي للكلي الذي هو مطلق الاعتبار قال الهندي: ويمكن أن يجاب بأن الآمر بالماهية الكلية، وإن لم يقتض الأمر بجزئياتها، لكن يقتضي تخيير المكلف في الإتيان بكل
стр. 718
واحد من تلك الجزئيات بدلا عن الآخر (١١٦أ) عند عدم القرينة المعينة لواحد منها أو لجميعها ثم التخيير بينهما يقتضي جواز فعل كل واحد منها.
(ص) مسألة: المطلق والمقيد كالعام والخاص (وزيادة) أنهما إن اتحد حكمهما وموجبهما، وكانا مثبتين، وتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق، فهو ناسخ وإلا حمل المطلق عليه، وقيل: المقيد ناسخ إن تأخر، وقيل: يحمل المقيد على المطلق.
(ش) ما سبق في مسائل الخاص والعام من متفق عليه ومختلف فيه، يجري في المطلق والمقيد، ويزيد مسألة في حمل المطلق على المقيد فلا يخلو إما أن يختلف حكمهما أو لا، فإن لم يختلف حكمهما فلا يخلوان، إما أن يتحد موجبهما أي سببها أو لا، فإن اتحد موجبهما، فلا يخلوان إما أن يكونا مثبتين أو منفيين أو أحدهما مثبتا والآخر منفيا.
القسم الأول: أن يكونا مثبتين بأن يذكر الرقبة مطلقة في كفارة القتل وتقيد بالإيمان في كفارة القتل أيضا، فإن تأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فهو ناسخ، وإن لم يتأخر المقيد ففيه ثلاثة مذاهب: أصحها: حمل المطلق على المقيد جمعا بين الدليلين ويكون المقيد بيانا للمطلق، أي يكون المراد بالمطلق المقيد، لا نسخا له، سواء تقدم المطلق أو تأخر.
стр. 719
والثاني: أن يحمل المطلق على المقيد، ويكون المقيد ناسخا للمطلق إن تأخر المقيد.
والثالث: أن يحمل المقيد على المطلق سواء تقدم أو تأخر وحاصله أنهما مسألتان: حمل المطلق على المقيد وفيه قولان: والثانية: إذا قلنا: يحمل فهو بيان أو نسخ قولان والأصح الأول، واعلم أن جماعة نقلوا الاتفاق في هذا القسم على حمل المطلق على المقيد منهم القاضي أبو بكر، وليس الأمر كذلك، وذكر ابن السمعاني في (القواطع): أن الحنفية اتفقوا على أنه لا يحمل إذا اختلف السبب واختلفوا إذا اتفق السبب. فقال بعضهم: يحمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده كما إذا اختلف السبب ومنهم من قال: بحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة انتهى وذكر الطرطوشي من المالكية: أن أصحابه اختلفوا في حمل المطلق على المقيد مع اتحاد السبب والحكم كإطلاق المسح في قوله: (يمسح المسافر ثلاثة أيام) وتقييده بقوله: (إذا تطهر فلبس).
(ص) وإن كانا منفيين فقائل المفهوم يقيده به وهو خاص وعام.
(ش) القسم الثاني: أن يكونا منفيين نحو، لا تعتق مكاتبا ولا تعتق مكاتبا كافرا، فمن يخصص بالمفهوم لا بد أن يقيد المكاتب بمفهوم قوله مكاتبا كافرا، وهو من باب تخصيص العام لكونه في سياق النفي لا تقييد المطلق، وأما من لا يقول بالمفهوم فلا يعتق المكاتب أصلا، ويعمل بمقتضى الإطلاق، ولا يخصه بالنهي
стр. 720
المقيد، لأنه بعض ما دخل تحته، هذا حاصل مراد المصنف، وفيه تنبيه على أن جعل ابن الحاجب لهذا من باب المطلق والمقيد معترض. وكلام ابن دقيق العيد يخالفه فإنه قال في قوله ﷺ : ((لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول)) أنه يقتضي تقييد النهي بحالة البول ووردت رواية أخرى في النهي عن مسه باليمين مطلقا من غير تقييد بحالة البول، فمن الناس من أخذ بهذا المطلق وقد يسبق إلى الفهم أن العام محمول على الخاص، فيخص النهي بهذه الحالة وفيه بحث، لأن هذا يتجه في باب الأمر والإثبات، فأما لو جعلنا الحكم للمطلق أو للعام، في صورة الإطلاق أو العموم كان فيه (١١٦ب) إخلال باللفظ الدال على طلب القيد وذلك غير جائز، وأما في باب النهي فإنا إذا جعلنا الحكم للمقيد، أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق مع تناول النهي له وذلك غير سائغ، وهذا كله بعد النظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم.
(ص) وإن كان أحدهما أمرا والآخر نهيا، فالمطلق مقيد بضد الصفة.
(ش) الثالث: أن يكون أحدهما مثبتا والآخر منفيا مثل: إن ظاهرت فاعتق رقبة ويقول: لا تملك رقبة كافرة، فإنه تقييد المطلق بنفي الكفر، لاستحالة إعتاق الرقبة الكافرة مع عدم تملكها، والحمل هنا ضروري لذلك، لا من أجل أن المطلق فيها محمول على المقيد
стр. 721
ولهذا قال المصنف، فالمطلق مقيد بضد الصفة.
(ص) وإن اختلف السبب فقال أبو حنيفة: لا يحمل، وقيل: يحمل لفظا، وقال الشافعي ﵁: قياسا.
(ش) ما سبق جميعه عند اتحاد السبب، فإن اختلف كإطلاق الرقبة في كفارة الظهار وتقييدها بالإيمان في القتل، فهي محل الخلاف.
فقال أبو حنيفة: لا يحمل عليه أصلا، وإلا يلزم رفع ما اقتضاه المطلق بأي صورة كانت فيكون نسخا، والقياس لا يكون ناسخا وذهب المعظم إلى أنه يحمل المطلق على المقيد ثم اختلفوا هل يحمل بموجب اللفظ، ولا يتوقف على جامع أو لا بد من دليل من قياس
стр. 722
أو غيره، كما يجوز تخصيص العموم بالقياس وغيره. والأول هو الذي عليه جمهور أصحابنا وقال الماوردي والروياني في باب القضاء: إنه ظاهر مذهب الشافعي ﵁، وأما المصنف فتابع فيه الآمدي في نسبة الثاني إلى الشافعي ﵁ والأقرب الأول، فإن أصحاب الشافعي ﵁ أعرف بمذهبه.
وقد قال سليم الرازي في (التقريب): إنه ظاهر كلام الشافعي ﵁ وظهر أن في حكاية كلام المصنف لهذا المذهب أمرين:
أحدهما: ما ذكرناه.
وثانيهما: تخصيصه الحمل بالقياس وهو فيه متابع لابن الحاجب مع أن القائل بأنه لا يحمل بنفس اللفظ، يقول: لا بد من دليل إما قياس أو غيره على ما سبق ولا يخصه بالقياس.
(ص) وإن اتحد الموجب واختلف حكمهما فعلى الخلاف.
(ش) كذا قاله القاضي أبو بكر في كتابه المسمى (المحصول) ومثله بآية الوضوء، فإنه قيد فيها غسل اليدين إلى المرفقين، وأطلق في التيمم الأيدي والسبب واحد وهو الحدث، وابن الحاجب قال: إن اختلف حكمهما مثل: اكس ثوبا،
стр. 723
وأطعم طعاما نفيسا فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه اتفاقا أي سواء اتحد السبب أو اختلف، وقال المصنف وأومأ غيره إلى المخالفة: فقال ينبغي أن يكون الثوب نفيسا كالطعام، ويشهد لجريان الخلاف وهو ما ذكره الباجي في الفصول وغيره، اختلاف قولي الشافعي وإن القاتل إذا لم يقدر على الصيام هل يجب عليه الإطعام حملا لكفارة القتل على كفارة الظهار، كما قيدنا الرقبة المطلقة بالإيمان حملا لها على الآية المقيدة، والأصح المنع، لأن آية القتل لم تتعرض إلا للإعتاق والصيام. فلا يلحق بهما خصلة ثالثة وإنما اعتبرنا الإيمان، لأن الرقبة مذكورة في الآيتين، وإن أطلقت في إحداهما وأما الإطعام فمسكوت عنه من أصله والمسكوت لا يحمل على المذكور.
(ص) والمقيد بمتنافيين يستغنى عنهما إن لم يكن أولى بأحدهما قياسا.
(ش) ما سبق جميعه فيما إذا قيد في موضع وأطلق في موضع، فأما إذا أطلق في موضع، ثم قيد في موضعين بقيدين (١١٧أ) متنافيين، فمن قال بالحمل لفظا، قال: يبقى المطلق على إطلاقه، إذ ليس التقييد بأحدهما أولى.
ومن قال بالحمل قياسا حمله على ما حمله عليه أولى، فإن لم يكن قياسا رجع إلى أصل الإطلاق، وبهذا يندفع اعتراض الحنفية، حيث قالوا: لم قلتم لا يشترط التتابع في قضاء رمضان مع كونه ورد مطلقا في ﴿فعدة من أيام أخر﴾ ولم يحملوه على القتل ولا على صوم الظهار وكذا صوم كفارة اليمين لم يحملوه على الصوم في كفارة القتل
стр. 724
والظهار، فإن الأظهر عندكم جواز التفريق (فيه لأنا نقول هذا الحمل قد تحاذيه أعني صوم المتعة، حيث نص فيه على التفريق) وصوم الظهار حيث نص فيه على التتابع فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر، فتركناه على حاله، والكلام في مطلق له مقيد واحد.
ونازع بعض الحنفية في كون صوم التمتع مقيدا بالتفريق وإنما لم يجز قبل يوم النحر، لأنه مضاف إلى وقت الرجوع بحرف إذا في قوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ سلمناه لكن ليس هو في الكل بل في بعض أجزائه قال لأصحابه: ويجب بقاء كل من المقيدين على تقييده وأما حمله على تقييد صاحبه فينظر فيه، فإن تنافى الجمع بينهما كصوم الظهار مع صوم التمتع، لم يحمل أحدهما على الآخر وإن لم يتنافيا ففي حمله من غير دليل وجهان، فإن حملناه صار كل منهما مقيدا بالقيدين معا، قاله الماوردي والروياني في باب القضاء: قالا: وعلى هذا يجوز حمل المطلق أيضا على المقيدين، ويصير كل من الكلامين مفيدا بشرطين:
(ص) الظاهر والمؤول: الظاهر ما دل دلالة ظنية.
(ش) الظاهر لغة: الواضح واصطلاحا ما دل على معنى دلالة ظنية إما
стр. 725
بالوضع اللغوي كالأسد، أو العرفي كالغائط فقوله: ما دل، جنس، وقوله: ظنية: احتراز عن النص، فإنه يدل دلالة قطعية وهذا التعريف أعم مما ذكره المصنف في باب المنطوق والمفهوم حيث قال: ظاهر إن احتمل مرجوحا كالأسد: فإن المراد هنا، ما يفيد معنى سواء أفاده مع معنى آخر إفادة مرجوحه أو لم يفده.
(ص) والتأويل: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح فإن حُمل لدليل فصحيح أو لما يظن ففاسد أو لا لشيء فلعب لا تأويل.
(ش) التأويل لغة: من آل يؤول، أي رجع يرجع. واصطلاحا: ما ذكره فقوله حمل الظاهر، خرج حمل النص على معناه وحمل المشترك على أحد معنييه فلا يسمى تأويلا.
وقوله: على المحتمل أخرج حمل الظاهر على ما لا يحتمله. وقوله: المرجوح احتراز عن حمل الظاهر على معناه الراجح، فلا يسمى تأويلا، ويخرج به حمل اللفظ على مدلوله الظاهر المرجوح والمحتمل معا فلا يسمى تأويلا، وهذا التعريف يشمل الصحيح والفاسد فإن حمل لدليل يصيره راجحا فصحيح سواء كان ذلك الدليل قطعيا
стр. 726
أم ظنيا، أو لما يظن دليلا وليس كذلك ففاسد، أو لا لشيء فلعب لا تأويل.
(ص) ومن البعيد تأويل أمسك أربعا على ابتدى.
(ش) التأويل قد يكون قريبا فيترجح بأدنى مرجح وقد يكون فيحتاج للأقوى، وقد يكون بعيدا متعذرا فيرد. وقد جرت عادة الأصوليين بذكر ضروب من التأويلات هنا، ليتميز الصحيح عن الفاسد، ليقاس عليها غيرها، والقصد بها التمرين والتدريب للرياضة نحو مسائل العويص (١١٧ب) في الفرائض فمن البعيد تأويل الحنفية قوله ﷺ لغيلان بن سلمة وقد أسلم على عشر ((أمسك أربعا وفارق سائرهن)). فإنهم حملوا أمسك على ابتدى النكاح في أربع منهن، ووجه بعده أنه لم ينقل تجديد لا منه ولا من غيره مع كثرة إسلام الكفار المتزوجين.
стр. 727
(ص) وستين مسكينا على ستين مدا.
(ش) من البعيد أيضا قولهم في قوله تعالى: ﴿ستين مسكينا﴾
أي إطعام طعام ستين مسكينا لأن القصد رفع الحاجة وحاجة ستين مسكينا في يوم واحد كحاجة واحد في ستين يوما، فجعلوا المعدوم وهو طعام مذكورا فيصح كونه مفعولا لإطعام وقد جعلوا ستين مسكينا عدما مع صلاحه لأن يكون مفعولا لإطعام، ثم هذه العلة رافعة لاعتبار العدد الذي هو حكم الأصل، فكانت مبطلة له، ولا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعكر على أصله بالإبطال ولأن في العدد فائدة، وهي أن دعاءهم أقرب إلى الإجابة فلا يجوز إلغاؤها.
(ص) وأيما امرأة نكحت نفسها على الصغيرة والأمة والمكاتبة.
(ش) أي حملوا المرأة في الحديث على ذلك ووجه بعده، أن الصغيرة ليست بامرأة في حكم اللسان، كما أن الصبي ليس برجل، وألزموا سقوط التأويل على مذهبهم، فإن الصغيرة لو زوجت نفسها فالعقد عندهم صحيح موقوف نفاذه على
стр. 728
إجازة الولي ففروا من ذلك وقالوا هو محمول على الأمة، فألزموا بطلانه بقوله: فلها المهر ومهر الأمة لا يجب لها بل لسيدها ففروا من ذلك، وقالوا: هو محمول على المكاتبة فقيل لهم: هو باطل أيضا، والقياس وإن قوي هنا في نفسه لكن دلالة العام قوية، لأنه قال: أي، وهي كلمة عامة، وأكدها بكلمة ما، فيبعد الإتيان بهذه الصيغة المؤكدة مع إرادة صورة نادرة فيما بين النساء، بل لا تخطر بالبال، ومن هذا التقرير يظهر لك حسن جمع المصنف بين هذه الثلاثة وإيرادها على هذا الترتيب وهو فيه متبع لابن الحاجب وقد غفل عنه شراحه.
(ص) ولا صيام لمن لم يبيت على القضاء والنذر.
(ش) لما ثبت عندهم من صحة الصيام بنية في النهار، فجعلوه كاللغز، إذ حملوه على النادر مع اشتماله على صيغة العموم.
стр. 729
(ص) وذكاة الجنين ذكاة أمه على التشبيه.
(ش) عند الحنفية تجب ذكاة الجنين، وعند الشافعي ﵁ أن ذكاة أمه تغني عن ذكاته إن لم تتمكن ذكاته، والحديث يروى برفع الذكاة ونصبها، والرفع هو المعروف المحفوظ، وبه ينتهض استدلال الشافعي ﵁ ورواه الحنفية بالنصب، وزعموا أنه يدل لهم على كلا الروايتين، ووجهوا النصب بوجهين:
أحدهما: أن التقدير كذكاة أمه، حذف الكاف فانتصب أي ذكاة كما تذكرون أمه.
وثانيهما: أنه أعمل فيه الذكاة الأولى، لأنها مصدر، فكأنه قال: فإن ذكاة الجنين ذكاة مثل ذكاة أمه والخبر محذوف أي واجبة، وأما على الرفع فلأن التقدير مثل ذكاة أمه، وحاصله حمله على التشبيه كما قاله المصنف وأما أصحابنا فوهموا رواية النصب وقالوا: المحفوظ في الرواية كما قاله حملة الحديث كالخطابي وغيره. وهي تحتمل أوجها أحسنها ذكاة الجنين خبر مقدم. وذكاة أمه
стр. 730
مبتدأ والتقدير ذكاة أم الجنين ذكاة له، قالوا: ولو كان كما قالت الحنفية لم يكن للجنين مزية (١١٨أ) وحقيقة الجنين ما كان في البطن وذبحه في البطن لا يمكن فعلم أنه ليس المراد أنه يذكى كذكاة أمه، بل ذكاة أمه كافية، ويؤيده رواية البيهقي ذكاة الجنين في ذكاة أمه.
وفي رواية بذكاة، وأما توجيه الحنفية فضعيف، أما الأول، وهو تقدير النصب بحذف حرف الجر، قال ابن عمرون: ليس بشيء، لأنه يلزم منه جواز قولك: زيد عمرا، أي كعمرو وأما الثاني فلأن فيه حذف حرف الجر والأصل خلافه بل رواية النصب - إن صحت - محمولة على أن تقديره وقت ذكاة أمه ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب على الظرف، وهو يدل للشافعي ﵁، ولأن الثاني إنما يكون وقتا للأول إذا أغنى الفعل الثاني عن الأول، وإلا فمن المحال وقوع الذكاة في وقت الثانية وهذا التقدير للنصب أولى من تقديرهم لوجهين:
أحدهما: عدم احتياجه للمحذوف.
وثانيهما: موافقته لرواية الرفع، وأما ما قالوه في تقديره الرفع، فساعدهم ابن جني على عادته، وقال: إذا حمل على ما قاله أبو حنيفة يكون المجاز وقع في الخبر وهو الكثير فكان الحمل عليه أولى، وهذا مردود كما قاله ابن عمرون، لأن سياق الحديث وسؤالهم نلقيه أم نأكله، لم يكن لأنهم شكوا أن ما أدرك ذكاته وذكى
стр. 731
من هذا الصنف المأكول حل أكله، وإنما سألوه عما تعذر فيه الذبح فوجب حمله على ذلك ليكون الجواب مطابقا للسؤال.
(ص) ﴿وإنما الصدقات﴾ على بيان المصرف.
(ش) أي دون إرادة استيعاب الأصناف بالعطاء ولا شك أن المقتصر على الإعطاء لصنف واحد معطل. للتناول.
стр. 732
(ص) ومن ملك ذا رحم محرم على الأصول والفروع.
(ش) هذا الحمل لبعض الشافعية ووجه بعده تعطيل لفظ العموم فإنه يبعد أن يأتي النبي ﷺ بالصيغة العامة ويريد به الأب والابن مع أنه له اسم آخر يعرف به وهو أبلغ في التعريف كمن قال من دخل داري فله درهم، ثم قال: أردت به الأب، لا يستحسن فإن قيل: كيف جعل المصنف هذا بعيدا وهو مذهبه فالجواب أن مذهبنا اختصاص العتق بالأصول والفروع، أما حمل الحديث فلا، وإنما تلك طريقة ضعيفة لبعض الأصحاب وحذاقهم لا يرتضونها لأنهم لا يثبتون الحديث، فقال البيهقي حديث منكر، وقال الترمذي: لم يتابع ضمرة عليه وهو خطأ عند أهل الحديث وكذا قال ابن عساكر والذي قضى عليه بالبعد: إنما
стр. 733
هو حمل الحديث على خلاف ظاهره، وأما مقام الاحتجاج به فأمر آخر، وكذلك ما قضى عليه بالبعد من تأويلات الخصوم، فإنما بعده من قبل لفظه، ولا ينكر أن يكون عليه دليل من خارج، إلا أن تلك صناعة فقهية، وحظ الأصولي ما بنيناه.
(ص) والسارق يسرق البيضة على الحديد.
(ش) هذا التأويل حكاه ابن قتيبة.
стр. 734
عن يحيى بن أكثم قال: حضرت مجلسه فرأيته يتأول البيضة على الحديد والحبل على حبال السفن ورأيته يعجب به، وهو باطل، فإن هذا ليس موضع تكثير لما يأخذه السارق إنما هو موضع تقليل، وأنه لا يقال: قبح الله فلانا عرض نفسه للضرب. في عقد جوهر، إنما يقال: عرض يده في خلق رث أو كبة شعر، قال: وكان الحديث أورد على (١١٨ب) ظاهر الآية في قطع القليل والكثير، وأراد بالبيضة بيضة الدجاجة، ثم أعلم بعد: أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فصاعدا.
(ص) وبلال يشفع الآذان، على أن يجعله شفعا لآذان ابن أم مكتوم.
(ش) المشهور أن الآذان مثنى لقوله: ((إن بلالا)).
стр. 735
يشفع الآذان ونقل عن بعض السلف إفراده، وأول قوله: يشفع، يجعل آذانه شفعا لآذان ابن أم مكتوم، وهو ضعيف، لأن بلالا كان ينادي بليل، وابن أم مكتوم يتأخر حتى يقال له: أصبحت أصبحت فكيف يكون الأول شفعا للثاني، وقد اعترض على المصنف في هذا المثال، بأن يشفع فعل مثبت لا عموم له وجوابه: أن العموم في المتعلق به وهو الآذان فيتناوله بجميع كلماته.
(ص) المجمل: ما لم تتضح دلالته.
стр. 736
د (ش) إنما قال: (ما) ولم يقل: لفظ ليشمل القول والفعل وإنما قال: لم تتضح دلالته، ولم يقل: لم يدل بمعين، احترازا عن المهمل، إذ لا دلالة له، وهذا له دلالة ولكن غير واضحة.
(ص) فلا إجمال في آية السرقة.
(ش) أي لا في اليد ولا في القطع خلافا لبعض الحنفية فإن اليد
стр. 737
للعضو إلى المنكب حقيقة وإطلاقها هنا على الكوع من إطلاق الكل على الجزء وقد دل عليه دليل، وهو فعل النبي ﷺ والإجماع، وذلك أولى من الإجمال المؤدى إلى التعطيل، وأما القطع فإبانة المفصل فهو ظاهر فيه، فلا إجمال.
(ص) ولا في نحو: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾
(ش) أي فيما وقع فيه التحريم.
على الأعيان لأن المعقول فيه التصرف فيعم جميع أنواعه من العقد على الأم، ووطئها وهذه المسألة مكررة سبقت في باب العموم في قوله: وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوي ونحو: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ وإنما أعادها، لأن عادة
стр. 738
الأصوليين يذكرون هنا الخلاف عن الكرخي واحتج عليه الشيخ أبو حامد، بأن الصحابة احتجوا بظاهر هذه الآيات في إثبات التحريم ولم يرجعوا لغيره وعلى الأول فيكون من المجاز المنقول حتى صار حقيقة عرفية، وقيل: إنه من باب الحذف بقرينة دلالة العقل على أن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بأفعال المكلفين دون أعيانهم ولهذا عرفوا الحكم بأنه الخطاب المتعلق بفعل المكلف، وذهب السرخسي وفخر الإسلام من الحنفية إلى أن الحكم متعلق بالعين، كما يتعلق بالفعل ومعنى حرمة العين خروجها من أن تكون محلا للفعل شرعا كما أن حرمة الفعل خروجه من الاعتبار شرعا فلا ضرورة إلى اعتبار الحذف أو المجاز وأيضا معني الحرمة المنع، فمعنى حرمة الفعل، أن العبد يمنع من اكتسابه وتحصيله، فالعبد ممنوع عنه، ولذلك لا يقال: لا تشرب هذا الماء وهو بين يديه، ومعنى حرمة العين، منعه من التصرف فيها، فالعين ممنوعة. والعبد ممنوع عنها وذلك كما إذا صببت الماء الذي بين يديه وهو أبلغ.
(ص) ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾
(ش) أي لا إجمال فيها خلافا لبعض
стр. 739
الحنفية بل هو حقيقة فيما ينطلق عليه الإسلام وهو القدر المشترك بين مسح الكل والبعض فيصدق مسح البعض، وعزاه في المحصول للشافعي ﵁، ونقل ابن الحاجب عنه ثبوت التبعيض بالعرف.
(ص) (لا نكاح إلا بولي).
(ش) (١١٩أ) الصيغ الواردة في الشرع لذوات واقعة كقوله: ((لا نكاح إلا بولي)) و ((ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)).
стр. 740
اختلفوا فيها فالجمهور على أنها ليست مجملة بناء على القول بثبوت الحقائق الشرعية وأن الشرعي مخصوص بالصحيح، وأنه محمول على الشرعي دون اللغوي وغيره من المجملات ومع ذلك لا وجه للإجمال إذ لا شك في انتفاء الذوات وذهب القاضي أبو بكر وبعض المعتزلة إلى أنها مجملة بناء على نفيه الحقائق الشرعية، وأن الشرعي للأعم من الصحيح والفاسد، والقائلون بالإجمال اختلفوا في سببه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: كون اللفظ لم يرد به نفي الوقوع، إذ وقوعه مشاهد وإنما أريد به أمر آخر لم يذكر، وهو غير معلوم فكان مجملا.
والثاني: أنها ظاهرة في نفي الوجود ونفي الحكم فصار مجملا.
الثالث: إنها مترددة بين نفي الكمال ونفي الجواز وهو الذي صرح به القاضي في التقريب وزعم المازري أن القاضي يقول بالوقف في هذه المسألة قال: وهو غير مذهب الإجمال، فنقول: يحتمل عندي نفي الإجمال ونفي الكمال لا أكثر من ذلك، حتى يعلم دليل من أحد الأمرين، والقائل بالإجمال يقول إنه يستغرق جميع الأشياء فالتحق بالمجملات.
следующие страницы →