Полный текст (1 929 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
د (ش) إنما قال: (ما) ولم يقل: لفظ ليشمل القول والفعل وإنما قال: لم تتضح دلالته، ولم يقل: لم يدل بمعين، احترازا عن المهمل، إذ لا دلالة له، وهذا له دلالة ولكن غير واضحة.
(ص) فلا إجمال في آية السرقة.
(ش) أي لا في اليد ولا في القطع خلافا لبعض الحنفية فإن اليد
стр. 737
للعضو إلى المنكب حقيقة وإطلاقها هنا على الكوع من إطلاق الكل على الجزء وقد دل عليه دليل، وهو فعل النبي ﷺ والإجماع، وذلك أولى من الإجمال المؤدى إلى التعطيل، وأما القطع فإبانة المفصل فهو ظاهر فيه، فلا إجمال.
(ص) ولا في نحو: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾
(ش) أي فيما وقع فيه التحريم.
على الأعيان لأن المعقول فيه التصرف فيعم جميع أنواعه من العقد على الأم، ووطئها وهذه المسألة مكررة سبقت في باب العموم في قوله: وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوي ونحو: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ وإنما أعادها، لأن عادة
стр. 738
الأصوليين يذكرون هنا الخلاف عن الكرخي واحتج عليه الشيخ أبو حامد، بأن الصحابة احتجوا بظاهر هذه الآيات في إثبات التحريم ولم يرجعوا لغيره وعلى الأول فيكون من المجاز المنقول حتى صار حقيقة عرفية، وقيل: إنه من باب الحذف بقرينة دلالة العقل على أن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بأفعال المكلفين دون أعيانهم ولهذا عرفوا الحكم بأنه الخطاب المتعلق بفعل المكلف، وذهب السرخسي وفخر الإسلام من الحنفية إلى أن الحكم متعلق بالعين، كما يتعلق بالفعل ومعنى حرمة العين خروجها من أن تكون محلا للفعل شرعا كما أن حرمة الفعل خروجه من الاعتبار شرعا فلا ضرورة إلى اعتبار الحذف أو المجاز وأيضا معني الحرمة المنع، فمعنى حرمة الفعل، أن العبد يمنع من اكتسابه وتحصيله، فالعبد ممنوع عنه، ولذلك لا يقال: لا تشرب هذا الماء وهو بين يديه، ومعنى حرمة العين، منعه من التصرف فيها، فالعين ممنوعة. والعبد ممنوع عنها وذلك كما إذا صببت الماء الذي بين يديه وهو أبلغ.
(ص) ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾
(ش) أي لا إجمال فيها خلافا لبعض
стр. 739
الحنفية بل هو حقيقة فيما ينطلق عليه الإسلام وهو القدر المشترك بين مسح الكل والبعض فيصدق مسح البعض، وعزاه في المحصول للشافعي ﵁، ونقل ابن الحاجب عنه ثبوت التبعيض بالعرف.
(ص) (لا نكاح إلا بولي).
(ش) (١١٩أ) الصيغ الواردة في الشرع لذوات واقعة كقوله: ((لا نكاح إلا بولي)) و ((ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)).
стр. 740
اختلفوا فيها فالجمهور على أنها ليست مجملة بناء على القول بثبوت الحقائق الشرعية وأن الشرعي مخصوص بالصحيح، وأنه محمول على الشرعي دون اللغوي وغيره من المجملات ومع ذلك لا وجه للإجمال إذ لا شك في انتفاء الذوات وذهب القاضي أبو بكر وبعض المعتزلة إلى أنها مجملة بناء على نفيه الحقائق الشرعية، وأن الشرعي للأعم من الصحيح والفاسد، والقائلون بالإجمال اختلفوا في سببه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: كون اللفظ لم يرد به نفي الوقوع، إذ وقوعه مشاهد وإنما أريد به أمر آخر لم يذكر، وهو غير معلوم فكان مجملا.
والثاني: أنها ظاهرة في نفي الوجود ونفي الحكم فصار مجملا.
الثالث: إنها مترددة بين نفي الكمال ونفي الجواز وهو الذي صرح به القاضي في التقريب وزعم المازري أن القاضي يقول بالوقف في هذه المسألة قال: وهو غير مذهب الإجمال، فنقول: يحتمل عندي نفي الإجمال ونفي الكمال لا أكثر من ذلك، حتى يعلم دليل من أحد الأمرين، والقائل بالإجمال يقول إنه يستغرق جميع الأشياء فالتحق بالمجملات.
стр. 741
(ص) ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)).
(ش) ذهب أبو الحسين وأبو عبد الله البصريان إلى أنه مجمل لتردده والجمهور على خلافه لظهوره في نفي المؤاخذة والعقاب ولكن هل ذلك بالعرف أو باللغة؟ جزم ابن الحاجب بالأول، وهو الذي قاله القاضي في التقريب تفريعا على ثبوت الأسماء الشرعية وذكر ابن السمعاني الثاني. واعلم أن المصنف تقدم له في باب العموم، نفي أن يكون هذا عاما، حيث قال: لا المقتضى وهنا نفى أن يكون مجملا وهو في هذا الاضطراب متابع لابن الحاجب.
(ص) ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)).
(ش) هذه سبقت في ((لا نكاح إلا بولي)). فلا وجه للتكرار، وقال ابن دقيق العيد: صار بعض الأصوليين إلى أن هذا اللفظ مجمل من حيث إنه يدل على نفي الحقيقة وهي غير منتفية، فيحتاج إلى الإضمار ولا سبيل إلى إضمار كل محتملة لوجهين:
أحدهما: أن الإضمار إنما احتيج إليه للضرورة، والضرورة تندفع بإضمار فرد، فلا حاجة إلى إضمار أكثر منه.
стр. 742
وثانيهما: أن إضمار الكل قد يناقض، لأن إضمار الكل يقتضي إثبات أصل الصحة ونفي الصحة معارضة وإذا تعين إضمار فرد، فليس البعض أولى من البعض، فتعين الإجمال.
وجواب هذا، بأنا لا نسلم أن الحقيقة غير منتفية إنما تكون غير منتفية لو حمل لفظ الصلاة، على غير عرف الشرع وكذلك الصيام وغيره، وأما إذا حمل على عرف الشرع، فيكون منتفيا حقيقة ولا يحتاج إلى الإضمار المؤدي إلى الإجمال، ولكن ألفاظ الشرع محمولة على عرفه، لأنه الغالب ولأنه المحتاج إليه عنه، فإنه بعث لبيان الشرعيات لا لبيان موضوعات اللغة.
(ص) لوضوح دلالة الكل وخالف قوم.
(ش) هو راجع لجميع ما سبق وقد بينا وجه الظهور والخلاف فيها.
(ص) وإنما الإجمال في مثل: القرء والنور والجسم، ومثل: المختار لتردده بين الفاعل والمفعول.
(ش) الإجمال يكون تارة في المفرد وتارة في المركب وللأول (١١٩ب) أسباب:
أحدها: أن يكون وضع لذلك كالقرء للطهر والحيض، والشفق على الحمرة والبياض وهذا ما ذكره ابن الحاجب وغيره لكن للإمام تقي الدين في شرح المقترح، دقيقة الفرق بين المجمل والمشترك أن المجمل يستدعي ثبوت احتمالين متساويين بالنسبة إلى الفهم سواء وضع اللفظ لهما على وجه الحقيقة أو في أحدهما مجاز وفي الآخر حقيقة فالإجمال إنما هو بالنسبة إلى الفهم، والمشترك لا يكون إلا لاحتمالين متساويين بالنسبة إلى الوضع لا بالنسبة إلى الفهم فلا يكون مجملا. انتهى.
стр. 743
ثانيها: صلاحية اللفظ لمتماثلين بوجه، وذلك كالنور، للعقل ونور الشمس بالنهار.
ثالثها: صلاحيته لمتماثلين وذلك كالجسم للسماء والأرض، والرجل لزيد وعمرو، وهذا الذي قلته ذكره الغزالي.
رابعها: صلاحيته للفاعل والمفعول، كالمختار تقول: اخترت فلانا، فأنا مختار وهو مختار، قال العسكري ويتميز بحرف الجر، فتقول في الفاعل مختار لكذا وفي المفعول مختار من كذا.
(ص) وقوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾.
(ش) الإجمال في التركيب له أمثلة منها هذه الآية، لتردد الذي بيده عقدة النكاح بين الزوج والولي ولذلك اختلف فيه فقال الشافعي
стр. 744
بالأول ومالك بالثاني.
ويرجح قول الشافعي لأنه المروى عن علي وابن عباس عالمي الصحابة، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، إنما المخالف الزهري ومجاهد والحسن، ثم هو جار على القواعد، فإن الولي لا يجوز له أن يعفو عن مال اليتيم بوجه من الوجوه وحمل المحتمل على موافقة القواعد الشرعية أولى. واعلم أن المصنف تابع ابن الحاجب في جعله هذا من الإجمال، وهو منازع فيه على مذهبه، لظهوره عند الشافعي ﵁ في الزوج ومع ذلك لا إجمال.
(ص) ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾
(ش) ومنها أن يكون موضوعا لجملة معلومة، إلا أنه دخلها استثناء مجهول، فيكون مقتضيا لإجمال جميعه كقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾ فإنه صار مجملا لما دخله
стр. 745
الاستثناء ومثله قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ لما كان الحق مجملا صار ما نهى عنه من القتل مجملا، وقوله ﵊: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا)).
(ص) ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾.
(ش) ومنها التردد بين العطف والقطع كالواو في قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ ومن ثم جاء الخلاف في جواز الوقف على قوله: ﴿إلا الله﴾ وقد سبقت هذه المسألة. وهذا يحسن أن يكون معدودا من أسباب الخلاف، لا أن الأصح فيه الإجمال لما سبق من ترجيح خلافه.
(ص) وقوله ﵇: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبه في جداره)).
стр. 746
(ش) ومنها التردد في مرجع الضمير إلى ما تقدم، فإن ضمير الجوار يحتمل العود على نفس، (أي في جدار نفسه) وعلى جاره أي في جدار جاره، ولهذا اختلف قول الشافعي ﵁ في الجدار المختص بأحد الجارين هل للآخر وضع الجذوع عليه، والجديد المنع، بناء على أن الضمير في جداره لصاحب الخشبة أي لا يمنعه الجار أن يضع خشبة على جدار نفسه، ويرجح هذا بأنه الأوفق للقاعدة النحوية في عود الضمير للأقرب.
(ص) وقولك زيد طبيب ماهر.
(ش) ومنها التردد في مرجع الصفة فإن ماهرا قد يرجع إلى الطبيب
стр. 747
(١٢٠أ) وقد يرجع إلى زيد ويتفاوت المعنى باعتبارهما.
(ص) والثلاثة زوج وفرد.
(ش) ومنها تردد اللفظة بين جميع الأجزاء وجميع الصفات نظرا إلى اللفظ وإن كان أحدهما يتعين من خارج، كقولك: الثلاثة زوج وفرد، فإنه بالنظر إلى دلالة اللفظ. لا يتعين أحدهما، وبالنظر إلى صدق القائل يتعين أن يكون المراد منه جميع الأجزاء فإن حمله على جميع الصفات أو بعضها يوجب كذبه.
(ص) والأصح وقوعه في الكتاب والسنة.
(ش) أي خلافا لداود وقال الصيرفي: ولا أعلم أحدا أباه غيره الدليل على ما سبق من الآيات والأحاديث.
فائدة: هل نكلف بالتزام شيء قبل ورود البيان قال صاحب (القواطع) قالوا: إن التزام المجمل قبل بيانه واجب، واختلف أصحابنا في كيفية التزامه قبل البيان على قولين:
أحدهما: أنا متعبدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان.
الثاني: أنا متعبدون قبل البيان بالتزامه مجملا، وبعد البيان بالتزامه مفسرا.
стр. 748
وهذا الخلاف مما فات المصنف ذكره، وهو قريب من الخلاف السابق في العام، هل يجب اعتقاد عمومه قبل ورود التخصيص؟
(ص) وأن المسمى الشرعي أوضح من اللغوي وقد تقدم.
(ش) أي فيحمل على الشرعي إلا أن يدل دليل على إرادة اللغوي، لاستقراء عرف الشارع غالبا في إطلاق لفظ الصلاة والصوم وغيرهما، لما ثبت له فيه عرف استعمال، وقيل: مجمل، وبه قال القاضي قال الأبياري: وهو يناقض مذهبه في نفي الأسماء الشرعية اللهم إلا أن يكون له قول آخر بإثباتها، وإلا فالإجمال، مع اتحاد جهة الدلالة محال، أو يكون ذلك تفريعا منه على قول من يثبتها وهذا ضعيف فإنه من أين له الحكم عليهم بأنهم يسوون بين النسبة إلى المسميين؟ وقوله: وقد تقدم، أي فصل الحقيقة والمجاز.
(ص) فإن تعذر حقيقة فيرد إليه بتجوز أو يحمل على اللغوي أقوال:
(ش) إذا وردت لفظة لها مسمى لغوي ومسمى شرعي وتعذر الشرعي حقيقة، ولم يمكن الرد إليه إلا بتجوز، كقوله: (الطواف بالبيت صلاة) فإنه لا يمكن
стр. 749
حمله على الصلاة الشرعية حقيقة. رد إلى المجاز فيحمل على أن حكمه حكم الصلاة في الطهارة والستر ونحوها، لأن عرف الشارع تعريف للأحكام، فيرد كلامه إلى الشرعي ما أمكن، وقيل: يحمل على اللغوي حتى يقال: المراد بالصلاة، الدعاء وقيل: مجمل، لتردده بينهما، ولم يحك ابن الحاجب فيه القول بالحمل على اللغوي. ونظير المسألة أيضا، أن يتعذر الحمل على اللغوي كما يتعذر على الشرعي فهل يرد إلى الشرعي أو يكون مجملا، فيه هذا الخلاف، وعبارة المصنف شاملة لكل من الصورتين، فإن قوله: تعذر، أعم من الشرعي أو اللغوي، والغزالي ذكر الأولى ومثل لها الطواف بالبيت صلاة كما ذكرنا ويمكن أن يكون مثالا للثانية، فإن الطواف ليس هو نفس الصلاة الشرعية ولا اللغوية، فهل يرد إلى الشرعية أو يكون مجملاً ومثل الأولى بقوله ﷺ : ((الاثنان فما فوقهما جماعة)) قال: فإنه يحتمل أن يكون المراد به أنه يسمى جماعة (ويحتمل أن يكون المراد به) انعقاد الجماعة أو حصول فضيلتها.
стр. 750
(ص) والمختار أن اللفظ المستعمل لمعنى (تارة ولمعنيين ليس ذلك المعنى) أحدهما: مجمل، فإن كان أحدهما فيعمل به ويوقف الآخر؟
(ش) إذا أمكن حمل الكلام على ما يفيد معنيين، وحمله على ما يفيد معنى واحدا وهو متردد بينهما، فهو مجمل، وقيل: يترجح حمله على ما يفيد معنيين كما لو دار بين ما يفيد وبين ما لا يفيد (١٢٠ب) واختاره الآمدي وأطلق المسألة تبعا للغزالي وحمله المصنف على ما إذا كان المعنى الواحد ليس واحدا من المعنيين، فهذا لا يتجه خلاف في الحمل بذلك المعنى، بل يقطع بكونه مجملا، ولا يقال: الحمل على ما يفيد معنيين أولى، لكونه أكثر فائدة، لأنا نقول: إنما يتحقق هذا لو كان المعنى الواحد أحد المعنيين، أما إذا لم يكن فهو قسيمه، وفي العمل به دفع لأحد محتملي اللفظ بمجرد كونه الآخر أكثر فائدة وهو لا يوجب هذا، فأما إذا كان المعنى الواحد، أحدهما، أي أحد المعنيين من المحل الآخر فيعمل به أي بالمعنى الواحد على كل حال، ولا يتجه فيه خلاف، لأنه إن كان هو تمام المراد باللفظ فلا إشكال، وإلا فهو أحد المرادين فلا مانع من العمل ويقف الآخر فإنه محل النظر.
стр. 751
البيان والمبين
(ص) البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي.
(ش) هذا نقله ابن السمعاني وغيره عن أبي بكر الصيرفي وزاد عنه إمام
стр. 752
الحرمين وابن الحاجب والوضوح وإنما اختاره المصنف لأنه أجاب عما أورده ابن الحاجب عليه، فإن القاضي قال: يخرج عنه البيان ابتداء وهو الظاهر من غير سبق إجمال. وأجاب المصنف أن الصيرفي منع تسميته بيانا، فإن البيان الذي هو فعل المبين، إنما يكون لما ليس واضحا ولأن ما ورد ابتداء أفاد علما لم يكن حاصلا للسامع فهو قبل السماع.
كمن أشكل عليه خطاب سبق وروده، واعترض عليه إمام الحرمين بأنه تجوز بالخبر والمجاز لا يدخل في التعريف، وأجاب المصنف بأن المجاز الظاهر يجوز دخوله وإلا لم يسلم لهم تعريف.
(ص) وإنما يجب لمن يريد فهمه اتفاقا.
(ش) لأن الفهم شرط التكليف، وإن لم يرد لم يجب، ولهذا ذهب بعضهم إلى
стр. 753
أنه لا يجب البيان في الخبر، وإنما يجب في التكاليف التي يحتاج إلى معرفتها للعلم بها.
(ص) والأصح أنه قد يكون بالفعل.
(ش) بدليل أنه ﵊ بين الصلاة والحج بالفعل، وقال: ((خذوا عني مناسككم)). ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وقيل: يمتنع لأنه يطول فيتأخر البيان به مع إمكان تعجيله، ومحل الخلاف ما إذا ورد مجملا ثم فعل فعلا يصلح أن يكون بيانا له (فيعلم بذلك أنه واقع منه على جهة البيان وإلا للزم خلو المجمل عن البيان، وهو ممتنع أما إذا قال القصد بما كلفتهم بهذه الآية ما أفعله ثم فعل فعلا فلا خلاف أن يكون بيانا له) قاله القاضي في (التقريب).
واعلم أنه لا خلاف في وقوع البيان بالقول وإنما الخلاف في الفعل، وسكتوا عن الإشارة والكتابة فيحمل أن يكون على خلاف الفعل، لكن قال صاحب
стр. 754
كتاب (الواضح) من الحنفية لا أعلم خلافا في أن البيان يقع بهما.
(ص) وأن المظنون يبين المعلوم.
(ش) هذا نقله القاضي في (التقريب) عن الجماهير وقال: إنه المختار واختاره الإمام الرازي واقتصر ابن الحاجب على نقله عن أبي الحسين ثم اختار أن البيان يجب أن يكون أقوى دلالة من المبين وعن الكرخي المساواة واستنكر الهندي ذلك وقال: لا يتوهم في حق أحد، أنه ذهب إلى اشتراط أنه كالمبين في قوة الدلالة فإنه لو كان كذلك لما كان بيانا له، بل كان هو يحتاج إلى بيان آخر وحكى القاضي
стр. 755
عن العراقيين التفصيل بين ما يعم وجوبه سائر المكلفين لبيان أقدار الصلاة والزكاة وصفاتهما وميقاتهما، فيجب أن يكون بيانه معلوما متواترا وبين ما لا تعم به البلوى وتختص معرفته بالعلماء كقدر نصاب السرقة وأحكام المدبر والمكاتب فيقبل في بيانه خبرا لواحد فحصل ثلاثة مذاهب.
(ص) وإن المتقدم وإن جهلت عينه من القول والفعل (١٢١أ) هو البيان وإن لم يتفق البيانان كما لو طاف بعد الحج طوافين وأمر بواحد، فالقول وفعله ندب أو واجب متقدما أو متأخرا وقال أبو الحسين المتقدم.
(ش) إذا ورد بعد المجمل قول وفعل، فإما أن يتفقا في الحكم أو يختلفا: فإن اتفقا فإما أن يعلم المتقدم منهما أولا فإن اتفقا وعلم المتقدم منهما فهو البيان قولا كان أو فعلا، والثاني تأكيد وإن جهل فأحدهما هو البيان من غير تعيين له، وقيل: يتعين غير الأرجح للتقديم، لأن المرجوح، لا يكون تأكيدا للراجح لعدم الفائدة
стр. 756
واختاره الآمدي وإن لم يتفقا كما لو طاف ﷺ بعد الحج طوافين وأمر بطواف واحد فالمختار أن البيان هو القول (وفعله إما ندب له ﷺ أو واجب عليه لا علينا سواء كان) متقدما على الفعل أو متأخرا، لأن الجمع بين الدليلين أولى وقال أبو الحسين: البيان هو المتقدم قولا كان أو فعلا، كما في صورة اتفاق
стр. 757
القول والفعل وهو باطل، لأنه يلزمه نسخ الفعل بالقول إذا وقع القول متقدما مع إمكان الجمع بينهما.
(ص) مسألة: تأخير البيان عن وقت الفعل غير واقع وإن جاز.
(ش) أي بناء على جواز تكليف ما لا يطاق، وعدل عن تعبير ابن الحاجب بالحاجة فإن الأستاذ أبا إسحاق، لم يستحسنها، وقال: هي عبارة تليق بمذهب المعتزلة القائلين إن بالمؤمنين حاجة إلى التكليف، وعدل عن قوله ممتنع، إلى قوله:
стр. 758
غير واقع لمطابقته لأصول الأشاعرة فإنهم وإن جوزوه، فلا يقضي بوقوعه كما سبق، والغرض أنه لم يقع، وقوله: إن جاز، لا ينافي قوله في مباحث الكتاب: ولا ما يعني به غير ظاهره إلا بدليل.
تنبيه: قولهم لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أو الفعل، هل المراد به وقت إمكان الفعل، أو وقت تضييق الزمان، مثاله: إذا زالت الشمس ولم يبين للمكلف ما يفعل هل يكون هذا تأخيرا للبيان، أو لا يكون إلى أن يبقى من الوقت ما يسع تلك الصلاة. الذي صرح به القاضي أبو بكر، أن المراد وقت جواز الشروع في الفعل، فيكون تأخير البيان عن وقت الزوال تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وعلى هذا يشكل تعليلهم المنع بأنه تكليف ما لا يطاق، لأنه إذا تبين له في نصف الوقت لم يكن تكليفا بما لا يطاق، وهو تأخير البيان عن وقت الحاجة.
стр. 759
(ص) وإلى وقته واقع عند الجمهور، سواء كان للمبين ظاهر أم لا، وثالثها: يمتنع في غير المجمل وهو ما له ظاهر، ورابعها: يمتنع تأخير البيان الإجمالي فيما له ظاهر بخلاف المشترك والمتواطئ وخامسها: يمتنع في غير النسخ، وقيل: يجوز تأخير النسخ اتفاقا، وسادسها: لا يجوز تأخير بعض دون بعض.
(ش) في تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل مذاهب.
أحدها: أنه جائز وواقع مطلقا، سواء كان للمبين ظاهر، كتأخير بيان التخصيص وبيان مدة النسخ، أم لا، وبه قال أكثر أصحابنا وغيرهم.
والثاني: أنه ممتنع، وعزاه القاضي في (التقريب) للمعتزلة ووافقهم كثير من الظاهرية كابن داود ومن أصحاب الشافعي ﵁، كأبي إسحاق المروزي وأبي بكر
стр. 760
الصيرفي وتبعه ابن الحاجب في النقل عن الصيرفي لكن نقل الأستاذ أبو إسحاق رجوعه عنه.
وثالثها: يمتنع في غير المجمل، (وهو ما له ظاهر) وقد سبق تفسيره، وبه قال الكرخي، قال الأبيارى في شرح البرهان: من المعتزلة من فرق بين العام والمجمل، فقال: يجوز تأخير بيان المجمل، إذ لا يحصل فيه تجهيل (١٢١ب) ولا يجوز تأخير بيان العموم لما فيه من إلباس، ومنهم من عكس ذلك فقال: يجوز تأخير بيان العموم لما فيه من أجل الفائدة بخلاف المجمل، فإن وروده لا فائدة فيه، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: وقيل عكسه.
ورابعها: يمتنع تأخير البيان الإجمالي، ومثل هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد وهذا الحكم ينسخ. ولا يمتنع تأخير البيان التفصيلي، وبه قال أبو الحسين، لكنه خصه بما له ظاهر بخلاف المشترك.
وخامسها: يمتنع في غير النسخ، ويجوز فيه وهو قول الجبائي وعبر بعضهم عن هذا بتعبير حسن فقال: ومنهم من جوز في الأحكام لقبولها النسخ، وهو عندهم يرجع إلى البيان دون الوعد والوعيد، وظهر بهذا السياق أن النسخ من محل الخلاف لكن قضية كلام القاضي وإمام الحرمين والغزالي أنه يجوز تأخير النسخ بلا خلاف والخلاف فيما عداه.
وسادسها: لا يجوز تأخير بعض دون بعض، وإنما يجوز التأخير دفعة، وإلا لاعتقد المخاطب بيان البعض أن لا إشكال بعده وهذا يتعلق بمسألة أخرى وهي أنه
стр. 761
على القول بالجواز فهل يجوز التدريج في البيان؟ فمنهم من منعه وقال: إذا شرع في البيان وجب أن يبين الجميع، فإن اقتصاره على إخراج صورة من العموم يوهم كون الباقي مقطوعا باستقراره والصحيح الجواز فإنه كان يبين ما تدعو الحاجة إليه، ولما سئل عن الاستطاعة فقال: ((زاد وراحلة)) ولم يتعرض لأمن الطريق في ذلك الوقت وإن كان شرطا.
(ص) وعلى المنع المختار أنه يجوز لرسول الله ﷺ تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة، وإنه يجوز أن لا يعلم الموجود بالمخصص، ولا بأنه مخصص.
(ش) يتفرع على المنع من تأخير البيان مسألتان:
إحداهما: يجوز تأخيره ﷺ تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة، فإن وجوب معرفتها إنما هو لوجوب العمل ولا عمل قبل الوقت، وقيل: يمتنع لوجوب المبادرة عليه، وكلام الرازي والآمدي يقتضي أن الخلاف في تبليغ غير القرآن من الأحكام،
стр. 762
أما القرآن فيجب ذلك فيه قطعا ولا يتجه بينهما فرق.
الثانية: يجوز أن لا يعلم الموجود بالمخصص، بل يجوز إسماع المخصوص بدون مخصصه، خلافا للجبائي فإنه منعه من المخصص السمعي دون العقلي، وتعبير المصنف بالموجود يفهم أن من ليس موجودا حالة نزول التخصيص لا يشترط إسماعه بلا خلاف، لعدم إمكانه وينبغي جعل الألف واللام فيه للعموم، فإن القائل بالإعلام يشترط إعلام الجميع ولا يكتفي بإسماع بعضهم، وقوله: ولا بأنه مخصص هذا العطف يقتضي طرد الخلاف السابق هنا وليس كذلك بل ينبغي الجمع - كما قال القاضي - على جواز أن يسمع الله المكلف العام من غير أن يعلمه أن في العقل ما يخصصه ولعله أراد المخصص السمعي.
(ص) النسخ: اختلف في أنه رفع أو بيان.
стр. 763
(ش) أكثر المحققين من الأصوليين على أنه رفع، وبه قال القاضي والغزالي ومعناه أنه لولا طريان النسخ لبقى الحكم، إلا أنه زال لطريان الناسخ، وذهب الأستاذ أبو إسحاق وإمام الحرمين وأكثر الفقهاء إلى أنه بيان ومعناه أن الخطاب الأول انتهى بذاته في ذلك الوقت ثم حصل بعده حكم والدليل الذي يرد مبينا للحكم
стр. 764
الجديد يعرف ذلك بيان، وأنكروا كونه (١٢٢أ) رفعا، بناء على أن الحكم راجع إلى كلام الله تعالى، هو قديم، والقديم لا يرتفع وأجيب بأن المرفوع تعلق الحكم النسبي لا ذاته، وحاصله أنهم اتفقوا على أن الحكم السابق انعدم، لانعدام تعلقه لا لانعدام ذاته إذ الحكم قديم، واتفقوا على أن الحكم اللاحق عنده يتحقق عدم الأول، لكن اختلفوا في عدم الأول، هل يضاف إلى وجود الثاني فيقال: إنما ارتفع الأول بوجود الثاني، فهو حينئذ رافع له، أو لا يضاف إليه بل يقال: الأول انتهى، لأنه من نفس الأمر لم يكن له صلاحية الدوام لكونه مغيا عند الله تعالى إلى غاية معلومة، فيكون النسخ بيانا لها؟ وهو كالخلاف الكلامى في أن زوال الأعراض بالذات أو بالضد؟ فإن من قال ببقائها. قال: إنما ينعدم المتقدم لطريان الطارئ (ولولاه لبقي، ومن لم يقل ببقائها قال: إنه ينعدم بنفسه ثم يحدث الضد الطارئ) وليس له تأثير في إعدام الضد الأول.
وكالخلاف الفقهي في الزائل العائد، فإن القائل بأنه كالذي لم يزل - يجعل العود بيانا لاستمرار حكم الأول، والقائل بأنه كالذي لم يعد - يقول: ارتفع الحكم بالزوال فلا يرتفع حكمه بالعود، وبهذا يظهر وهم من ظن أن النزاع لفظي.
(ص) والمختار رفع الحكم الشرعي بخطاب.
(ش) هذا أقرب الحدود على القول بأنه رفع، فخرج بالرفع: المباح بحكم
стр. 765
الأصل، إذ ليس حكما شرعيا ولهذا رد الأصحاب ما نقل عن مالك أن الكلام كان مباحا في الصلاة في ابتداء الإسلام على الإطلاق، ثم نسخ بما لا يتعلق بمصلحة الصلاة، بالإجماع وبقي ما سواه على أصل الإباحة، فقالوا: هذا ليس بنسخ، لأن إباحة الكلام لم تكن بخطاب من جهة الشرع، وإنما كان الناس منه على الأصل، ويخرج أيضا: ابتداء إيجاب العبادة من الشرع يزيل حكم العقل من براءة الذمة ولا يسمى نسخا وقوله: بخطاب: يشمل النسخ باللفظ والمفهوم، إذ يجوز النسخ بذلك كما سيأتي وخرج به الرفع بالنوم والغفلة والموت والجنون.
تنبيهان: قد يشكل على الحصر في الخطاب جواز النسخ بالفعل، وقد جعل الأئمة منه نسخ الوضوء مما مست النار بأكل الشاة ولم يتوضأ ولا خطاب فيه، وهو كثير ثم رأيت المصنف قال: قولنا: بخطاب، لا ينافيه قولنا بعد ذلك أن المتأخر من أقواله وأفعاله ناسخ (لأنه لم يرد بالخطاب إلا ما يقابل الفعل، ولأن المراد بالناسخ هناك ما دل على النسخ، لا أنه نفسه ناسخ) والفعل نفسه لا ينسخ، وإنما يدل على نسخ سابق، ولا يمكن أن يكون فعلا ناسخا، لأن له أزمنة متعاقبة فلو كان هو الناسخ لما تحقق نسخ إلا بعد انقضائه فكان قبل انقضائه واقفا على وجه باطل، وهذا محال. انتهى. ولا يخفى
стр. 766
ما فيه من الخروج عن ظاهر كلام الأصحاب مع أنه قد أطلق على الفعل تخصيصا كما سبق في باب التخصيص ولم يذكر فيه هذا التأويل. الثاني: علم من اقتصار المصنف على هذا أن قول ابن الحاجب متأخر فيخرج نحو: صل عند كل زوال إلى آخر الشهر لا حاجة إليه، فإن هذا ليس يرفع، لأن الحكم لم يثبت بأول الكلام إذ الكلام بآخره فكيف يرفع. والاستغناء عنه بقولنا: بخطاب، فإنه لا بد أن يتأخر عن الذي رفعه، وعدل عن قوله: بدليل شرعي، إلى: خطاب - ليفرع عليه المسألة الآتية.
(ص) فلا نسخ بالعقل، وقول الإمام: من سقط رجلاه نسخ غسلهما - مدخول.
(ش) علم من قوله: الحكم الشرعي بخطاب أنه لا بد أن يكون الحكمان - أعني الناسخ والمنسوخ - شرعيين، لأن العجز يزيل التعبد الشرعي، ولا يقال: إنه نسخ، ولا يكون (١٢٢ب) النسخ بالعقل وخالف فيه الإمام فقال في (المحصول): من سقط رجلاه فقد نسخ عنه غسلهما، وهو مدخول إذ لا خطاب، وزوال الحكم لزوال سببه لا يكون نسخا، ولكن الخلاف فيه سهل لرجوعه إلى التسمية.
(ص) ولا بالإجماع، ومخالفتهم تتضمن ناسخا.
(ش) هذا ألحقه المصنف بخطه على الحاشية وضرب عليه في باب التخصيص، لأن المسألة هنا أمس، وحاصله أنه لا يقع النسخ بالإجماع، لأنه لا
стр. 767
ينعقد إلا بعد وفاة النبي ﷺ فلا يتصور أن ينسخ ما كان من الشرعيات في زمنه، وبعده لا نسخ، فأما الإجماع بما يخالف النص الخاص أو العام بالكلية، فلا يكون إجماعهم ناسخا لذلك النص، بل يكون إجماعهم تضمن ناسخا اقتضى ذلك، وهو مستند الإجماع وحاصله أن النسخ بدليل الإجماع لا بنفس الإجماع، وعلى هذا ينزل نص الشافعي ﵁، الذي نقله البيهقي في (المدخل)، أن النسخ
стр. 768
كما يثبت بالخبر يثبت بالإجماع.
(ص) ويجوز على الصحيح نسخ بعض القرآن تلاوة وحكما أو أحدهما فقط.
(ش) مثال نسخهما معا ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن) فنسخن بخمس معلومات ومثال نسخ الحكم دون التلاوة الاعتداد في الوفاة بالحول، لقوله تعالى: ﴿متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ نسخ بقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ ومثال نسخ التلاوة دون الحكم ما رواه الشافعي ﵁، وغيره عن عمر ﵁ كان فيما أنزل: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهم البتة) قال ابن السمعاني: ومنع قوم من نسخ اللفظ مع بقاء حكمه، ومن نسخ الحكم مع بقاء لفظه، لأنه يؤدي إلى أن يبقى الدليل ولا مدلول والآخر يؤدي إلى أن يرتفع الأصل ويبقى التابع، والصحيح هو الجواز، لأن التلاوة والحكم في الحقيقة شيئان مختلفان، فجاز نسخ إحداهما وتبقية الآخر كالعبادتين تنسخ إحداهما دون الأخرى، وظاهر كلام المصنف طرد الخلاف في نسخهما معا وعليه عبارة ابن الحاجب وقال في شرحه: الخلاف في
стр. 769
نسخهما معا لا يتجه إلا لمن يمنع نسخ القرآن من حيث هو، والمقصود بهذا الخلاف الخاص إنما هو نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس وإنما ذكروا نسخهما لضرورة التقسيم وإن كان لا يخالف فيه أحد ممن يجوز وقوع النسخ في القرآن وعلم من قوله: بعض القرآن امتناع نسخ كل القرآن وهو إجماع.
(ص) ونسخ الفعل قبل التمكن.
(ش) إذا أوجب شيئا ثم نسخه قبل التمكن من الفعل فالجمهور على الجواز وقال القاضي في (التقريب): إنه قول جميع أهل الحق، ونقل ابن السمعاني عن الصيرفي وأكثر الحنفية المنع، وتصوير المصنف ذكره الغزالي وغيره، وصورها أبو الحسين بالنسخ قبل وقت الفعل، وتبعه ابن الحاجب والأحسن أن يقال قبل
стр. 770
مضي مقدار ما يسعه (من وقت، ليشمل ما إذا حضر وقت العمل ولكن لم يمض مقدار ما يسعه) فإن هذه الصورة من محل النزاع، وعبارة المصنف تشملها، والقائلون بالجواز أرادوا أنه نسخ الخطاب الذي لم يتقدم به عمل البتة، وحينئذ فلا يتوجه نقل الإمام، فإن المراد نسخ الحكم المتلقى من الخطاب قبل التمكن من مقتضاه البتة.
(ص) والنسخ بالقرآن لقرآن وسنة.
(ش) يجوز نسخ القرآن بالقرآن بالإجماع كالعدتين (١٢٣أ) ويجوز القرآن للسنة كالتوجه لبيت المقدس، إذا قلنا إنه كان ثابتا بالسنة فإنه نسخ بالقرآن، وكذلك المباشرة بالليل كانت محرمة على الصائم بالسنة ثم نسخت بالقرآن قال ابن السمعاني: وذكر الشافعي ﵁، في (الرسالة) ما يدل على أن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز ولوح في موضع آخر بالجواز فخرجه أكثر أصحابنا على قولين:
стр. 771
أحدهما: لا يجوز، وهو الأظهر من مذهبه، والثاني: يجوز وهو الأولى بالحق فإن النبي ﷺ صالح المشركين عام الحديبية، على أن ما جاءه من المشركات مسلمة يردها إليهم، ثم نسخها الله تعالى بقوله: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ وترك الصلوات يوم الخندق حتى مضى هوي من الليل ثم صلاها على الترتيب. ثم نسخ
стр. 772
بقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ الآية.
(ص) وبالسنة للقرآن وقيل: ممتنع بالآحاد والحق لم يقع إلا بالمتواترة وقال الشافعي: حيث وقع بالسنة فمعها قرآن، أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق الكتاب والسنة.
(ش) يجوز النسخ بالسنة للقرآن متواترا أو آحادا أما الآحاد: فنقل جماعة الاتفاق على الجواز، ونقل بعضهم المنع، والحق أنها مسألة خلافية وممن حكى الخلاف فيها القاضي أبو بكر وغيره، واختاروا الجواز، وجعلوا القول بالمنع ساقطا، لكن عزاه بعضهم للأكثرين، وأنهم فرقوا بينه وبين تخصيص العام، المتواتر بالآحاد، أن التخصيص بيان وجمع بين الدليلين والنسخ رفع وإبطال، فإن قلت: كيف ساغ للمصنف تمريض قول الأكثرين؟ قلت: لأنهم إنما أنكروا الوقوع ولم ينكروا الجواز إلا الأقلون، وكلامه في الجواز، وهذا وارد على عبارة ابن الحاجب، قال في شرحه: والأكثرون نفوا الوقوع وخالف جماعة من الظاهرية. وفصل القاضي والغزالي فقالا بوقوعه في زمان النبي ﷺ دون ما بعده، ونقل القاضي الإجماع على المنع فيما
стр. 773
بعده قال: وإنما اختلفوا في زمانه، وقال أبو الحسين في (المعتمد): إن قيل: فقد قبلوا خبر الواحد في نسخ حكم معلوم، نحو قبول أهل قباء نسخ القبلة، قيل: ذلك جائز في العقل وفي صدر الإسلام. قال أصحابنا: ولولا إجماع الصحابة على المنع لجوزناه. وقد قال أبو علي الجبائي: إن النبي ﷺ قد كان أخبرهم بنسخ القبلة وأنه ينفذ إليهم بنسخها فلانا، وأعلمهم صدقه فكانوا قاطعين على صدقه، فلم ينسخوا القبلة إلا بخبر معلوم، وأما المتواتر فالمشهور الجواز أيضا إذ هما جميعا وحي من الله تعالى، ويوجبان العلم والعمل، وإنما اختلفا في أن السنة نقص منها الإعجاز، كذا وجهه ابن عطية، وقيل: لا ينسخ وإنما يكون حكم القرآن مؤقتا، ثم تأتي السنة مستأنفة من غير أن يتناوله نسخ، قال ابن عطية: وهذا لا يستقيم، لأنا نجد السنة ترفع ما استقر من حكم القرآن على حد النسخ ولا يرد ذلك نظر ولا يتحوم منه أصل.
واعلم أن المنصوص للشافعي ﵁ المنع، وظاهره إنما نفى الوقوع فقط، والحق الوقوع لكن وراء الوقوع أمر آخر، وهو أنه إذا وقع نسخ السنة بالكتاب فعلى أي وجه يكون؟ هل يشترط اقتران سنة معاضدة للكتاب ناسخة؟ وإذا وقع نسخ الكتاب بالسنة هل يشترط العاضد؟ فهذا هو محل كلام الشافعي ﵁ وحاصله أنه لا يقع نسخ السنة إلا بالكتاب والسنة جميعا، لتقوم الحجة على الناس بالأمرين معا، ولئلا يتوهم انفراد أحدهما عن الآخر، فإن الكل
стр. 774
(١٢٣ب) في الحقيقة من عند الله تعالى، ولكن لبيان حكم الله تعالى طريقان: طريقة الكتاب وطريقة السنة، فليجتمعان هنا دفعا لهذا التوهم، ولتقوم الحجة على الناس بهما، ولأمر ثالث وهو: انتقال المكلفين من سنة رسول الله ﷺ إلى سنته (وفي ذلك فائدة الاطلاع على عظمة النبي ﷺ في نسخ القرآن بسنته، وأما العكس فانتقال الناس من سنة إلى سنة) كما يترتب عليه الأجر العظيم، لأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، والنبي ﷺ هو صاحب السنة الحسنة كلها، فله الأجور أبدا لا تتناهى فإذا نسخ الله تعالى سنة نسختها سنة ليتحصل له هذا الأجر، ودليل هذا كله الاستقراء وإنه لم يقع إلا على هذا الوجه، هذا تقرير كلام المصنف، وكلام الشافعي ﵁ في (الرسالة) يقتضي أن السنة لا يثبت نسخها إلا بسنة، ولا ينعقد الإجماع على أنها منسوخة إلا مع ظهور الناسخ، قال: فإن قال: أيحتمل أن تكون له سنة مأثورة وقد نسخت، ولا تؤثر له السنة التي نسختها؟ فلا يحتمل هذا، وكيف يحتمل أن يؤثر ما وضع فرضه، ويترك ما يلزم فرضه، ولو جاز هذا خرجت عامة السنن بأن يقولوا لعلها منسوخة وليس ينسخ فرض أبدا إلا إذا أثبت مكانه فرض فإن قال: فهل تنسخ السنة بالقرآن؟ قيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي ﷺ فيه سنة تبين أن سننه الأولى منسوخة بسنته الآخرة حتى
تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله.
стр. 775
(ص) وبالقياس، وثالثها: إن كان جليا، والرابع: إن كان في زمنه ﵊ والعلة منصوصة.
(ش) صورة النسخ بالقياس أن ينص على إباحة التفاضل في الأرز مثلا، فهل ينسخ بالمستنبط من نهيه ﵊ عن الأصناف الستة أو عن بيع الطعام مثلا بمثل؟ اختلفوا فيه على مذاهب.
أحدها: الجواز مطلقا، وجرى عليه المصنف.
والثاني: المنع مطلقا وهو المذهب المنصوص للشافعي ﵁، كما رأيته في كلام أبي إسحاق المروزي، وهو الموافق لما سبق عنه أن النسخ لا يكون إلا بجنسه، فلا ينسخ الكتاب إلا بالكتاب والسنة إلا بالسنة، وقال القاضي حسين: إنه المذهب، وابن السمعاني: إنه الصحيح، لأن القياس لا يستعمل مع عدم النص، فلا يجوز أن ينسخ النص وعزاه القاضي أبو بكر للأكثرين واختاره، وجعل المانع السمع لا العقل.
следующие страницы →