Полный текст (1 929 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
أحدهما: لا يجوز، وهو الأظهر من مذهبه، والثاني: يجوز وهو الأولى بالحق فإن النبي ﷺ صالح المشركين عام الحديبية، على أن ما جاءه من المشركات مسلمة يردها إليهم، ثم نسخها الله تعالى بقوله: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ وترك الصلوات يوم الخندق حتى مضى هوي من الليل ثم صلاها على الترتيب. ثم نسخ
стр. 772
بقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ الآية.
(ص) وبالسنة للقرآن وقيل: ممتنع بالآحاد والحق لم يقع إلا بالمتواترة وقال الشافعي: حيث وقع بالسنة فمعها قرآن، أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق الكتاب والسنة.
(ش) يجوز النسخ بالسنة للقرآن متواترا أو آحادا أما الآحاد: فنقل جماعة الاتفاق على الجواز، ونقل بعضهم المنع، والحق أنها مسألة خلافية وممن حكى الخلاف فيها القاضي أبو بكر وغيره، واختاروا الجواز، وجعلوا القول بالمنع ساقطا، لكن عزاه بعضهم للأكثرين، وأنهم فرقوا بينه وبين تخصيص العام، المتواتر بالآحاد، أن التخصيص بيان وجمع بين الدليلين والنسخ رفع وإبطال، فإن قلت: كيف ساغ للمصنف تمريض قول الأكثرين؟ قلت: لأنهم إنما أنكروا الوقوع ولم ينكروا الجواز إلا الأقلون، وكلامه في الجواز، وهذا وارد على عبارة ابن الحاجب، قال في شرحه: والأكثرون نفوا الوقوع وخالف جماعة من الظاهرية. وفصل القاضي والغزالي فقالا بوقوعه في زمان النبي ﷺ دون ما بعده، ونقل القاضي الإجماع على المنع فيما
стр. 773
بعده قال: وإنما اختلفوا في زمانه، وقال أبو الحسين في (المعتمد): إن قيل: فقد قبلوا خبر الواحد في نسخ حكم معلوم، نحو قبول أهل قباء نسخ القبلة، قيل: ذلك جائز في العقل وفي صدر الإسلام. قال أصحابنا: ولولا إجماع الصحابة على المنع لجوزناه. وقد قال أبو علي الجبائي: إن النبي ﷺ قد كان أخبرهم بنسخ القبلة وأنه ينفذ إليهم بنسخها فلانا، وأعلمهم صدقه فكانوا قاطعين على صدقه، فلم ينسخوا القبلة إلا بخبر معلوم، وأما المتواتر فالمشهور الجواز أيضا إذ هما جميعا وحي من الله تعالى، ويوجبان العلم والعمل، وإنما اختلفا في أن السنة نقص منها الإعجاز، كذا وجهه ابن عطية، وقيل: لا ينسخ وإنما يكون حكم القرآن مؤقتا، ثم تأتي السنة مستأنفة من غير أن يتناوله نسخ، قال ابن عطية: وهذا لا يستقيم، لأنا نجد السنة ترفع ما استقر من حكم القرآن على حد النسخ ولا يرد ذلك نظر ولا يتحوم منه أصل.
واعلم أن المنصوص للشافعي ﵁ المنع، وظاهره إنما نفى الوقوع فقط، والحق الوقوع لكن وراء الوقوع أمر آخر، وهو أنه إذا وقع نسخ السنة بالكتاب فعلى أي وجه يكون؟ هل يشترط اقتران سنة معاضدة للكتاب ناسخة؟ وإذا وقع نسخ الكتاب بالسنة هل يشترط العاضد؟ فهذا هو محل كلام الشافعي ﵁ وحاصله أنه لا يقع نسخ السنة إلا بالكتاب والسنة جميعا، لتقوم الحجة على الناس بالأمرين معا، ولئلا يتوهم انفراد أحدهما عن الآخر، فإن الكل
стр. 774
(١٢٣ب) في الحقيقة من عند الله تعالى، ولكن لبيان حكم الله تعالى طريقان: طريقة الكتاب وطريقة السنة، فليجتمعان هنا دفعا لهذا التوهم، ولتقوم الحجة على الناس بهما، ولأمر ثالث وهو: انتقال المكلفين من سنة رسول الله ﷺ إلى سنته (وفي ذلك فائدة الاطلاع على عظمة النبي ﷺ في نسخ القرآن بسنته، وأما العكس فانتقال الناس من سنة إلى سنة) كما يترتب عليه الأجر العظيم، لأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، والنبي ﷺ هو صاحب السنة الحسنة كلها، فله الأجور أبدا لا تتناهى فإذا نسخ الله تعالى سنة نسختها سنة ليتحصل له هذا الأجر، ودليل هذا كله الاستقراء وإنه لم يقع إلا على هذا الوجه، هذا تقرير كلام المصنف، وكلام الشافعي ﵁ في (الرسالة) يقتضي أن السنة لا يثبت نسخها إلا بسنة، ولا ينعقد الإجماع على أنها منسوخة إلا مع ظهور الناسخ، قال: فإن قال: أيحتمل أن تكون له سنة مأثورة وقد نسخت، ولا تؤثر له السنة التي نسختها؟ فلا يحتمل هذا، وكيف يحتمل أن يؤثر ما وضع فرضه، ويترك ما يلزم فرضه، ولو جاز هذا خرجت عامة السنن بأن يقولوا لعلها منسوخة وليس ينسخ فرض أبدا إلا إذا أثبت مكانه فرض فإن قال: فهل تنسخ السنة بالقرآن؟ قيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي ﷺ فيه سنة تبين أن سننه الأولى منسوخة بسنته الآخرة حتى
تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله.
стр. 775
(ص) وبالقياس، وثالثها: إن كان جليا، والرابع: إن كان في زمنه ﵊ والعلة منصوصة.
(ش) صورة النسخ بالقياس أن ينص على إباحة التفاضل في الأرز مثلا، فهل ينسخ بالمستنبط من نهيه ﵊ عن الأصناف الستة أو عن بيع الطعام مثلا بمثل؟ اختلفوا فيه على مذاهب.
أحدها: الجواز مطلقا، وجرى عليه المصنف.
والثاني: المنع مطلقا وهو المذهب المنصوص للشافعي ﵁، كما رأيته في كلام أبي إسحاق المروزي، وهو الموافق لما سبق عنه أن النسخ لا يكون إلا بجنسه، فلا ينسخ الكتاب إلا بالكتاب والسنة إلا بالسنة، وقال القاضي حسين: إنه المذهب، وابن السمعاني: إنه الصحيح، لأن القياس لا يستعمل مع عدم النص، فلا يجوز أن ينسخ النص وعزاه القاضي أبو بكر للأكثرين واختاره، وجعل المانع السمع لا العقل.
стр. 776
والثالث: يجوز بالقياس الجلي دون غيره.
قال الأنماطي: وهذا في الحقيقة يرجع إلى ما قبله، لأنه القياس الجلي في معنى النص.
стр. 777
والرابع: إن كان في زمنه ﵊ وعلته منصوصة جاز، وإلا فلا واختاره الآمدي وجعل ذلك الهندي محل وفاق، أعني المنع بعد وفاته ﷺ قال: وينبغي أن يكون الخلاف بالنسبة إلى حكم ثابت بالقياس، إذ الثابت بالنص لا ينسخ بالقياس الظني، وأما بالقياس القطعي سواء نص على علته أم لا، كقياس الأمة على العبد في التقويم فإنه يجوز لأنه في معنى النص على الحكم وأما الثابت بالإجماع فلا يمكن نسخه به، لأن الإجماع لا ينسخ كما لا ينسخ. واقتضى كلام ابن السمعاني تخصيص الخلاف في نسخه لأخبار الآحاد، خاصة وقد أورد على المصنف أنه كيف يجتمع تجويزه هذا، مع قوله - تبعا للأصوليين - في القياس على المستنبط أن لا تكون معارضة في الأصل بمعارض وإذا كانت المعارضة (١٢٤أ) تقطعها عن العمل فقياس المستنبط ملغى عند المعارضة وإذا كان ملغى لا يكون ناسخا، قال المصنف: وهذا السؤال لا يختص بنا، بل هو على من جوز النسخ بالقياس، واشترط في العلة أن لا تعارض في الأصل، قال: ونحن إذا قلنا: ينسخ، فلا نريد به إلا القياس المعتبر الصحيح، ولا يكون صحيحا معتبرا، إلا إذا سلمت العلة فيه عن معارض في الأصل، فلا مناقضة بين الكلامين، ونحن لم نقل: إن القياس ينسخ وإن كانت علته مستنبطة، بل أطلقنا بأنه ناسخ، وإنما يكون ناسخا إذا كان معتبرا، وإنما يعتبر إذا سلمت علته عن المعارضة.
(ص) ونسخ القياس في زمنه ﵊ وشرط ناسخه إن كان قياسا أن يكون أجلى وفاقا للإمام وخلافا للآمدي.
(ش) ذهب عبد الجبار وغيره إلى أنه لا يجوز نسخ القياس لأنه مستنبط من
стр. 778
أصل فما دام حكم الأصل باقيا، وجب بقاء حكم الفرع، وجوزه الجمهور لكن في زمن النسخ، وهو زمنه ﷺ لأن طريق النسخ حاصل وهو الوحي، فأما بعد الرسول فلا يتصور نسخه، لأنه إما أن ينسخ بنص حادث وهو مستحيل، أو بنص كان موجودا من قبل لكن المجتهد المستنبط لعلة القياس غفل عنه، فباطل لأنه تبين فساد القياس من أصله، فلا نسخ، وإما أن ينسخ بالإجماع وهو باطل لما ذكرنا وصورة المسألة أن يقول الشارع: حرمت المفاضلة في البر لأنه مطعوم فهذا نص منه على الحكم وعلته، فإذا قلنا: هذا إذن في القياس فقاسوا الأرز على البر فعاد وقال بعد ذلك: بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا، جاز، قالوا: ولا يشترط أن يكون ناسخه النص كما مثلنا بل يجوز بالقياس أيضا بأن ينص على حكم آخر على ضد حكم أصل ذلك القياس، وشرط الإمام الرازي وغيره في هذا الناسخ: أن يكون أجلى بأن تكون الأمارة الدالة على علية المشترك بين هذا الأصل والفرع راجحة على الأمارة الدالة على علية المشترك بين الأصل والفرع، وفي المسألة مذهب ثالث صار إليه كثير من الحنابلة كأبي الخطاب: الفرق ما بين ما علته منصوصة، فهو كالنص ينسخ كما ينسخ به، وإن كانت مستنبطة فلا، ومتى وجدنا نصا بخلافه تبينا فساد
стр. 779
القياس واختاره الآمدي قال الهندي: وينبغي أن يكون موضع الخلاف في أنه هل يمكن نسخه بدون نسخ أصله؟ أما نسخه مع نسخ أصله، أو نسخ أصله ولم يتعرض لنسخه ففيه خلاف الحنفية، إذ جوزوا صوم رمضان بنية من النهار قياسا على ما ثبت من نسخه صوم عاشوراء بنية من النهار، حين كان واجبا مع زوال حكمه بالنسخ وبقاء الفرع على حاله لكن لا يكون هذا النسخ إلا بالنص، لأن حكم النص لا ينسخ بالقياس، قلت: سيأتي في قول المصنف: والمختار أن نسخ حكم الأصل لا يبقى معه الفرع، وكان ينبغي جمعهما في موضع واحد.
(ص) ويجوز نسخ الفحوى دون أصله كعكسه على الصحيح.
(ش) فيه مسألتان: إحداهما: يجوز نسخ الفحوى دون أصله، فينسخ الضرب دون التأفيف، كالنصين ينسخ أحدهما مع بقاء الآخر، وحكاه ابن السمعاني عن أكثر المتكلمين، والثاني: المنع، ونقله عن أكثر الفقهاء ولعل مأخذ الخلاف أن دلالته لفظية أو قياسية. الثانية: يجوز نسخ الأصل (١٢٤ب) دون الفحوى كنسخ التأفيف دون الضرب، لأن التأذي به أعظم، ولا يلزم من إباحة اليسير إباحة
стр. 780
الكثير، وقيل: يمتنع, لأن الفرع يتبع الأصل، ويتحصل في الصورتين ثلاثة أقوال: ثالثها: منع الأول وجواز الثاني وعليه ابن الحاجب.
(ص) والنسخ به.
(ش) أي بالفحوى وادعى له الإمام والآمدي فيه الاتفاق ولكن الخلاف موجود، نقله الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) بناء على أن الفحوى قياس، والقياس لا يكون ناسخا وحكاه ابن السمعاني عن الشافعي ﵁، قال: لأنه جعل الفحوى في قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ في تحريم الضرب قياسا على التأفيف فعلى قوله لا يصح النسخ به، لأن القياس لا يجوز أن ينسخ النص وهذه المسألة في المنهاج، دون المختصر.
стр. 781
(ص) والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم الآخر.
(ش) إذا قلنا بالجواز ففي استتباع نسخ أحدهما نسخ الآخر، مذاهب:
أحدها: نعم واختاره البيضاوي لتلازمهما.
والثاني: المنع.
والثالث: أن نسخ الأصل يتضمن نسخ الفحوى لأنها تابعة ولا يتصور بقاء التابع بدون متبوعه، ونسخ المفهوم لا يتضمن نسخ الأصل، وقال ابن برهان في (الأوسط): إنه المذهب. واعلم أن هذا التعليل مشكل بقولهم: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز.
(ص) ونسخ المخالفة وإن تجردت عن أصلها لا الأصل دونها في الأظهر.
(ش) أي يجوز نسخ مفهوم المخالفة مع نسخ الأصل ودونه ذكره القاضي عبد الوهاب وغيره.
стр. 782
وقد قالت الصحابة: (إنما الماء من الماء) نسخ مفهومه بقوله: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)) وبقي أصله وهو وجوب الغسل من الإنزال، وأما نسخ الأصل بدون مفهوم المخالفة، فذكر الصفي الهندي فيه احتمالين قال: وأظهرهما أنه لا يجوز، لأنه إنما يدل على العدم، باعتبار ذلك القيد المذكور، فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما بني عليه، وعلى هذا نسخ الأصل نسخ المفهوم، وليس المعنى منه أنه يرتفع العدم ويحصل الحكم الثبوتي، بل المعنى أن يرتفع العدم الذي كان شرعيا، ويرجع إلى ما كان عليه من قبل.
(ص) ولا النسخ بها.
(ش) هذا تابع فيه ابن السمعاني فإنه قال: دليل الخطاب يجوز نسخ موجبه،
стр. 783
ولا يجوز النسخ بموجبه، لأن النص أقوى من دليله لكن الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) حكاه وجها، وقال: المذهب الصحيح الجواز، لأنه في معنى النطق.
(ص) ونسخ الإنشاء ولو كان بلفظ القضاء أو الخبر أو قيد بالتأبيد وغيره مثل: صوموا أبدا صوما حتما، وكذا: الصوم واجب مستمر أبدا، إذا قاله إنشاء خلافا لابن الحاجب.
(ش) النسخ يقع في الإنشاء في الجملة بالإجماع، لكن اختلف في صور منه:
إحداها: أن يقع الإنشاء بلفظ نحو: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ ونحوه. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز وقوع النسخ فيه، وزعم أن لفظ القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير حكمه، وهذا القول غريب لا يعرف في كتب الأصول وإنما أخذه المصنف من كتب التفسير.
الثانية: جميع الأخبار المقصود بها الأمر أو النهي نحو: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ فهو وإن كان صورته صورة الخبر، لكن معناه الإنشاء، فيرد النسخ عليه كسائر الأوامر، وخالف فيه أبو بكر الدقاق، كما نقله ابن السمعاني وغيره
стр. 784
تغليبا للفظ الخبر على معنى الأمر.
الثالثة: إذا قيد (١٢٥أ) بالتأبيد، وما في معناه نحو: صوموا أبدا، صوموا حتما، نقل ابن السمعاني عن بعض المتكلمين منعه لمناقضته الأبدية، وقالوا: لا يجوز النسخ إلا في خطاب مطلق، وزعموا أن جوازه يؤدي إلى البداء والصحيح الجواز لأنه إذا جاز أن يقال: لازم غريمك أبدا ويريد إلى وقت القضاء - جاز أن يقال: افعل كذا أبدا، ويراد إلى وقت النسخ ونقله ابن برهان عن المعظم، قال: لأن القصد به المبالغة لا الدوام.
الرابعة: الصوم واجب مستمر أبدا، إذا قاله إنشاء منع ابن الحاجب نسخه لأنه خبر فتطرق النسخ إليه يلزم الخلف، بخلاف الإنشاء لفظا ومعنى نحو: صوموا
стр. 785
أبدا، واختار المصنف التسوية بين الصورتين لأنه وإن كان بصورة الخبر فهو في معنى الإنشاء فجاز كالإنشاء المحض، وحاصله أن المقيد بالتأبيد لا يمتنع معه النسخ، بل هو تأكيد سواء كان في الخبر أو الإنشاء.
(ص) ونسخ الأخبار بإيجاب الإخبار بنقيضها.
(ش) أطلق الجمهور أن النسخ لا يدخل الخبر، وفصل القاضي أبو بكر، فقال: هذا في خبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ فأما أمرنا بالإخبار بشيء فيجوز نسخه بالنهي عن الإخبار به، وجرى عليه المصنف، وسواء كان مما يتغير، كما لو قال: كلفتكم أن تخبروا بقيام زيد، ثم يقول: كلفتكم بأن تخبروا بأن زيدا ليس بقائم، ولا خلاف في جوزاه لاحتمال كونه قائما وقت الإخبار بقيامه، غير قائم وقت الإخبار بعدم قيامه، أو كان مما لا يتغير وككون السماء فوق الأرض مثلا وفي هذه الصورة منعت المعتزلة؛ لأن أحدهما كذب والتكليف به قبيح، وهو مبني على التقبيح العقلي
(ص) لا الخبر، وقيل: يجوز إن كان عن مستقبل.
стр. 786
(ش) أما نسخ خبر الله تعالى ورسوله ﵊ فيمتنع مطلقا، أما إذا لم يتغير مدلوله فبالإجماع، وأما المتغير كإيمان زيد وكفره ونحو ذلك - فكذلك سواء كان الخبر ماضيا أو ... مستقبلا على الصحيح لأنه يؤدي إلى دخول الكذب في أخبار الله تعالى ورسوله ﷺ مثاله قوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ وقوله ﷺ : ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) وقيل: يجوز مطلقا، وهو قول القاضي أبي يعلى، وعلى هذا يجوز نسخ الوعد والوعيد قبل الفعل، كقوله:
стр. 787
من بنى هذا الحائط فله درهم، ثم يرفع ذلك، وقيل: يجوز إن كان مدلوله مستقبلا وإلا فلا، واختاره البيضاوي قال الخطابي: إنه الصحيح فقال: النسخ يجري فيما أخبر الله تعالى أن يفعله، لأنه يجوز تعليقه على شرط بخلاف إخباره عما لا يفعله، إذ لا يجوز دخول الشرط فيه، قال: وعلى هذا تأول ابن عمر النسخ بعد ذلك في قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ فإن نسخها بعد ذلك برفع حديث النفس وجرى ذلك مجرى العفو والتخفيف عن عباده، وهو كرم وفضل وليس بخلف.
(ص): ويجوز النسخ ببدل أثقل.
(ش) كصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت في الزنا بالحد، ومنع منه بعضهم عقلا، وبعضهم سمعا وهو قول ابن داود، وذكر ابن برهان أن بعضهم نقله
стр. 788
عن الشافعي ﵁، وليس بصحيح، أما الأخف والمماثل فلا خلاف في جواز النسخ به كالعدة.
(ص) وبلا بدل (١٢٥ب) لكن لم يقع، وفاقا للشافعي.
(ش) في النسخ بلا بدل مسألتان:
إحداهما: الجواز، وعليه المعظم، لأن المصلحة قد تقتضيه وخالف فيه جماهير المعتزلة، كما قاله إمام الحرمين بناء على أن النسخ يجمع معنى الرفع والنقل.
الثانية: الوقوع، وعليه الأكثر وكلام الشافعي ﵁، في
стр. 789
الرسالة يقتضي المنع، ومراده أنه لم يقع، بحيث يعود الأمر كهو قبل الشرع، كقوله: نسخت الصدقة عند المناجاة، وصيرت الحال بعد النسخ غير محكوم عليه بشيء بل هو كالأفعال قبل الشرع وهذا وإن قلنا بجوازه لم يقع ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وكلام الشافعي ﵁، مصرح بأن البدل الذي لا يقع النسخ إلا به انتقالهم، من حكم شرعي إلى حكم شرعي، وذلك أعم من أن يعادوا إلى ما كانوا عليه، كمناجاة الرسول، أو يحدث شيء مغاير لذلك، كما في نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة، وأنهم لا يتركون غير محكوم عليهم بشيء، وجعل المصنف الصور أربعا:
إحداها: الجواز، ولم يخالف فيه إلا بعض المعتزلة.
ثانيها: الوقوع بلا بدل أصلا بحيث يعود الأمر كهو قبل الشرع، ولا يعرف في منعه خلاف.
ثالثها: وقوعه ببدل من الأحكام الشرعية أما إحداث أمر مخالف لما كان
стр. 790
واجبا أولا، كالكعبة بعد القدس، أو الحكم بإباحة ما كان واجبا كالمناجاة، والنسخ لم يقع إلا هكذا، كما قال الشافعي ﵁.
رابعها: وقوعه ببدل بشرط أن يكون تأصيلا لأمر آخر، كالكعبة بعد القدس، ولم يشترطه الشافعي ﵁، ومن ذهب إليه فقوله مردود عليه، ومن نقله عن الشافعي ﵁، فلم يفهم مراده بالبدل.
(ص) مسألة: النسخ واقع عند كل المسلمين وسماه أبو مسلم تخصيصا فقيل: خالف، فالخلف لفظي.
(ش) أشار بالمسلمين إلى أن غيرهم خالف فيه - وهم اليهود - فرارا من لزوم البداء وهو محال على الله تعالى لأن المصلحة بعد تسليمها تختلف
стр. 791
باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في وقت أو حال، وضرورة في آخر، فلم يتجدد ظهور ما لم يكن، بل تجددت مصلحة لم تكن، فلم يلزم البداء.
وعن أبي مسلم الأصفهاني، إنكار النسخ، ثم قيل: لم ينكر النسخ مطلقا
стр. 792
وإنما أنكر النسخ في القرآن، لقوله تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ وقيل: خلافه لفظي، لأنه يجعل ما كان مغيا في علم الله - تعالى-، كما هو مغيا باللفظ، ويسمى الجميع تخصيصا، ولا فرق عنده بين أن يقول: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وأن يقول: (صوموا مطلقا، وعلمه محيط بأنه سينزل لا تصوموا وقت الليل) والجمهور يجعلون الأول تخصيصا والثاني نسخا، فلا خلاف في المعنى.
(ص) والمختار أن نسخ حكم الأصل لا يبقى معه حكم الفرع.
(ش) أي خلافا للحنفية لأن الفرع تابع للأصل، فإذا بطل الحكم في الأصل، بطل في الفرع، وإذا قلنا: لا يبقى فسماه بعضهم نسخا ولم يستحسنه
стр. 793
المصنف، فلهذا عبر - تبعا لابن الحاجب - بقوله: لا يبقى ولم يقل: ينسخ معه حكم الفرع فإن الأصحاب لا يقولون: إن حكم الفرع ينسخ بارتفاع حكم الأصل، بل يزول حكمه لزوال كون العلة معتبرة، وإذا زال لزوال علته لا يقال: إنه منسوخ.
(ص) وإن كل شرعي يقبل النسخ، ومنع الغزالي ﵀ نسخ جميع التكاليف، والمعتزلة: نسخ وجوب المعرفة والإجماع على عدم الوقوع.
(ش) فيه مسألتان:
إحداهما: اختلفوا في أن كل واحد من الأحكام هل هو قابل للنسخ أم لا؟ فذهب (١٢٦أ) أصحابنا إلى تجويزه وصارت المعتزلة إلى أن من الأحكام ما لا يقبل هو ما يكون بذاته أو يلازم ذاته حسنا أو قبيحا، لا يختلف باختلاف الأزمان، كحسن معرفة الباري والعدل، وقبح الجهل والجور، وهو بناء على أصلهم من الحسن والقبح العقليين.
الثانية: اختلفوا في أنه هل يجوز أن تزول التكاليف بأسرها بطريق النسخ؟ فمنعه المعتزلة، ووافقهم الغزالي، لأن نسخها يستدعي معرفة الناسخ والمنسوخ فيجب معرفته
стр. 794
ضمنا، وهو نوع من التكليف، فلو انتفت جميع التكاليف لم تنتف. والمختار الجواز كغيرها، وأجمع الكل على عدم الوقوع، وإنما الخلاف في الجواز ردها العقلي.
تنبيه: علم بهذا التقرير أنه كان ينبغي للمصنف تقديم نسخ المعرفة على نسخ جميع التكاليف.
(ص) والمختار أن الناسخ قبل تبليغه ﷺ الأمة، لا يثبت في حقهم وقيل: يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة، لا الامتثال.
(ش) الحكم الشرعي ما دام في السماء لا يثبت له حكم، كفرض خمسين صلاة ليلة الإسراء، وكذلك بعد نزوله من السماء وقبل أن يبلغه جبريل إلى النبي ﷺ فإذا بلغ النبي ﷺ يثبت حكمه في حقه (وحق كل من بلغه، وأما من لم يبلغه، فإن تمكن من العلم به ثبت حكمه في حقه) قطعا، وإلا فهو محل الخلاف، والجمهور أنه لا يثبت، لا بمعنى الامتثال ولا بمعنى الثبوت في الذمة، وقال بعضهم يثبت بالمعنى الثاني كالنائم، ولا نعلم أحدا قال بثبوته بالمعنى الأول، وذكر القاضي
стр. 795
في (التقريب): أن الخلاف لفظي، وذكر في (مختصر التقريب): أن المثبتين يقولون: لو قدر ممن لم يبلغه الناسخ إقدام، على الحكم الأول كان دليلا لكنه تعذر لجهله، واعلم أن ما رجحه المصنف تابع فيه ابن الحاجب وغيره، لكن ابن برهان في (الأوسط) عزاه للحنفية، وحكى الثبوت عن مذهبنا، ونصره وهو ما يوجد لأصحابنا المتقدمين وقال الروياني في باب الوكالة من (البحر): إذا نسخ الله حكما وعلم رسوله، هل يكون نسخا في حق من لم يعلم من أمته؟ فيه طريقان:
أحدهما: فيه وجهان كالوكالة.
والثاني: لا يكون نسخا في حقهم قطعا، وبه قال أبو حنيفة، لأن أمر الشريعة
стр. 796
يتضمن تركه المعصية ولا يجوز أن يكون عاصيا مع جهله به، وما فسر به المصنف الثبوت لا بد منه، وقال ابن دقيق العيد: لا شك أنه لا يثبت في حكم التأثيم، وهل يثبت في حكم القضاء إذ هو من الأحكام الوضعية؟ هذا فيه تردد، لأنه ممكن بخلاف الأول، لأنه يلزم منه تكليف ما لا يطاق.
(ص) أما الزيادة على النص فليست بنسخ خلافا للحنفية، ومثاره هل رفعت وإلى المأخذ عود الأقوال المفصلة والفروع المبينة.
(ش) الزيادة إما أن تستقل بنفسها عن العبادة المزيد فيها أو لا، والأول إما أن يكون من غير جنس الأول كزيادة وجوب الزكاة على الصلاة، فليس بنسخ بالإجماع، أو من جنسه، كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، فليس بنسخ أيضا عند الجماهير وقال بعض أهل العراق: إنه نسخ، لأنه تغير الوسط. والثاني: ما ليس بمستقل كزيادة ركعة، أو ركوع، أو زيادة صفة في رقبة الكفارة، كالإيمان فذهب أصحابنا إلى أنه لا تكون نسخا وقالت الحنفية:
стр. 797
إنها نسخ واختاره بعض أصحابنا وادعى أنه مذهب الشافعي ﵁، وزيفه ابن السمعاني ومثار الخلاف أن الزيادة هل رفعت حكما شرعيا فيكون نسخا أو لم ترفع فلا؟ فلو وقع الاتفاق على أنها رفعت حكما شرعيا (لوقع على أنها نسخ أو على أنها لا ترفع) لوقع على أنها ليست بنسخ، فالنزاع على الحقيقة في أنها رفع أم لا، وإلى هذا المأخذ ترجع الأقوال المفصلة في المسألة فعن عبد الجبار هي نسخ إن غيرت حكم المزيد عليه (١٢٦ب) كجعل الصلاة الثنائية أربعا وإن لم تغير كإضافة التغريب إلى الجلد - فليس بنسخ، واختاره القاضي، وقيل: إن أسقطت دليل الخطاب كانت نسخا، وإن تغير موجب النص كما في قوله: ((إنما الماء من الماء)) مع الأمر بالغسل من التقاء الختنانين، حكاه أبو حاتم في (اللامع) عن بعض أصحابنا، وقيل: إن أفاد النص خلافها، وأبو الحسين: إن أزالت حكما يجوز انتساخه بدليلها، جاز إثباتها ثم ذلك نسخ إن كان الحكم الزائل شرعيا.
(ص) وكذا الخلاف في جزء العبادة أو شرطها.
стр. 798
(ش) كما أن الزيادة على النص ليست بنسخ فكذا النقصان منه عندنا سواء كان المنسوخ جزءا أو شرطا ومنهم من قال: يكون نسخا ومنهم من فصل بين الجزء والشرط، فقال: إسقاط الجزء نسخ للعبادة كالركوع أو السجود وإسقاط الشرط كالطهارة ليس نسخا، وهو مذهب القاضي عبد الجبار ووافقه الغزالي في الجزء، وتردد في الشرط، وجعل الهندي الخلاف في الشرط المتصل كاستقبال القبلة في الصلاة، فأما المنفصل منها كالطهارة فإيراد إمام وغيره يشعر بأنه لا خلاف فيه، وكلام غيره يقتضي إثبات الخلاف في الكل، قلت: وبالأول صرح صاحب (المسودة) فقال: الخلاف في المتصل كالتوجه، فأما المنفصل كالوضوء فلا يكون نسخا لها إجماعا لكن صرح ابن السمعاني بالثاني، فقال: صورة المسألة فيما لو قدر ناسخ الوضوء أو نسخ استقبال القبلة، وفي هذا وأمثاله يكون الكلام ظاهرا في أنه لا يكون نسخا للصلاة، قال: فأما في إسقاط الجزء كالركوع فينبغي أن
стр. 799
يكون على ما ذكرنا فيما إذا زيدت ركعة على ركعتين. قلت: يشير إلى أنه يجيء هنا مذهب عبد الجبار من التفصيل بين أن يغير المزيد عليه أو لا.
(ص) خاتمة: يتعين الناسخ بتأخره، وطريق العلم بتأخره الإجماع، أو قوله ﷺ : هذا ناسخ: أو بعد ذاك، أو كنت نهيت عن كذا فافعلوه، أو النص على خلاف الأول، أو قول الراوي: هذا سابق.
(ش) يتعين الناسخ بتأخره عن المنسوخ بأنه رفع لحكم سابق وللعلم بتأخره طرق:
أولها: الإجماع كنسخ الزكاة سائر الحقوق في المال ذكره ابن السمعاني وقول زر لحذيفة:
стр. 800
(أي ساعة تسحرتم مع رسول الله ﷺ ؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع) وأجمع المسلمون على أن طلوع الفجر يحرم الطعام والشراب مع بيان ذلك من قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ ذكره الخطيب البغدادي: قال الأصحاب: فيكون الإجماع مبينا لا ناسخا.
ثانيها: نصه ﵇ على ذلك: (كقوله: هذا ناسخ، أو هذا بعد ذلك، كحديث المتعة، أو كنت نهيت عن كذا فافعلوه) كقوله ﵇: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)).
ثالثها: أن ينص على خلاف الأول، ولا يمكن الجمع.
رابعها: أن يقول الراوي: هذا سابق، كقول جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله
стр. 801
صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) وقول علي: (أمرنا بالقيام للجنازة ثم قعد).
(ص) ولا أثر لموافقته أحد النصين للأصل، أو ثبوت إحدى الآيتين في المصحف، وتأخر إسلام الراوي: وقوله: هذا ناسخ لا الناسخ خلافا لزاعميها.
(ش) قيل: يثبت النسخ بأمور غير ما سبق، والأصح فيها خلافه، فههنا كون أحد النصين شرعيا والآخر موافق للبراءة الأصلية، زعم بعضهم أن الناسخ الشرعي، لأن الانتقال من البراءة إلى اشتغال الذمة يقين، والعود إلى الإباحة ثانيا شك (١٢٧أ) وهو بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة، ومنها: ثبوت إحدى الآيتين في المصحف قبل الأخرى فإن ترتيب الآيات ليس على ترتيب النزول، ومنها: تأخر
стр. 802
إسلام الراوي لجواز أن يسمع متقدم الإسلام بعده، ومنها: قول الراوي، هذا ناسخ لأنه قد يكون عن اجتهاد وقيل: يثبت به وقال الكرخي: إن عينه فقال: هذا ناسخ هذا - لم يرجع إليه، لاحتمال أنه قال عن اجتهاد، وإن لم يعينه، بل قال: هذا منسوخ - قبل، حكاه أبو الحسين في (المعتمد) قلت: وظاهر نص الشافعي ﵁: أنه يثبت به النسخ، وقد احتج أصحابنا بقول عائشة في الرضعات: (أن العشر منهن نسخن بخمس) وقول المصنف: (لا الناسخ) أي إذا ثبت كون الحكم منسوخا، ولم يدر ما نسخه فقال الراوي: هذا الناسخ، فإنه يقبل، وهذه مسألة غريبة قل من استثناها أو ذكرها: ويقال عليه: ما الفرق بين قول الراوي: هذا ناسخ، وقوله: هذا الناسخ حيث لم نقبله في الأول، ونقبله في الثاني؟ والجواب: أنا لم نقبله في هذا ناسخ، لأنه قد يكون عن اجتهاد، بخلاف ما إذا ثبت النسخ على الجملة ولكن لم ندر عين الناسخ، فإنه إذا عينه قبلناه منه، لأنه لما ثبت أصل النسخ، من غيره كان تعيينه أسهل من أصل ابتدائه، ونظيره من الفقه: لو عرف عموم الحريق وجهل هل أحرقت الوديعة، يقبل قول المودع: إنها احترقت من غير يمين، بخلاف ما إذا لم يعرف عمومه وكذلك لو قال من طلق زوجته رجعيا: طلقتك
стр. 803
وقال: أردت الطلقة السابقة، لا إحداث طلقة أخرى - يقبل، بخلاف ما لو لم يكن تقدمه طلاق.
стр. 804
[الكتاب الثاني في السنة]
(ص) الكتاب الثاني في السنة.
وهي أقوال محمد ﷺ وأفعاله.
(ش) المراد بأقواله: التي ليس على وجه الإعجاز ويدخل في الأفعال التقرير، لأنه كف عن الإنكار، والكف فعل على المختار، فكان ينبغي أن يزيد وهمه، وقد احتج (الشافعي ﵁، في الجديد على استحباب تنكيس الرداء في خطبة الاستسقاء بجعله= أعلاه أسفله لحديث) إنه ﷺ استسقى وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها يجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه فجعلوا ما هم به ولم يفعله سنة، وقد سبقت مباحث الأقوال من الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، والكلام الآن في الأفعال.
(ص) الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا يصدر عنهم ذنب ولو صغيرة سهوا وفاقا للأستاذ والشهرستاني وعياض والشيخ الإمام.
стр. 805
(ش) أي لا يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة لا عمدا ولا سهوا بل طهر الله تعالى ذواتهم عن جميع النقائض=.
ونقله ابن برهان عن اتفاق المحققين، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعاله وآثارهم وسيرهم، أمرا مطلقا من غير إلزام قرينة، وما ورد مما يخالفه حمل على أنهم فعلوه بتأويل، ومنهم من يحمله على ما قبل النبوة وهذه الطريقة يجب اعتقادها وإطراح ما عداها، فجزى الله تعالى المصنف خيرا بالجزم بها.
(ص) فإذا لا يقر محمد ﷺ أحدا على باطل.
(ش) أي بلا خلاف، وأتى بالفاء، لينبه على تفرع ذلك على وجوب العصمة، وعلى وجه المناسبة لذكر هذه المسألة قبل أفعال النبي ﷺ التي يجب اتباعه فيها وإنما قال: أحدا، لئلا يتوهم قراءة، لا يقر بفتح القاف فيكون خطأ (١٢٧ب).
(ص) وسكوته بلا سبب ولو غير مستبشر على الفعل مطلقا، وقيل: إلا فعل من يغريه الإنكار، وقيل: إلا الكافر ولو منافقا وقيل: إلا الكافر غير المنافق - دليل الجواز للفاعل وكذا لغيره، خلافا للقاضي.
(ش) إذا فعل فعل بحضرة النبي ﷺ أو في عصره, وعلم به، ولم ينكر -
стр. 806
كان دليلا على الجواز مطلقا، لما سبق. وسواء استبشر به مع ذلك أم لا، لكن دلالته على الجواز، مع الاستبشار أقوى، وقد تمسك الشافعي ﵁، في القيافة، واعتبارها في النسب بكلا الأمرين: الاستبشار وعدم الإنكار في قصة المدجلي، ولهذا قال المصنف: (ولو غير مستبشر) ليعلم حكم المستبشر من طريق الأولى، وسواء كان المسكوت عنه ممن يغريه الإنكار أو لا، كافرا كان أو منافقا والقول باستثناء من يغريه الإنكار إغراء حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة بناء على أنه لا يجب إنكاره عليه للإغراء قال: والأظهر أنه يجب إنكاره ليزول توهم الإباحة، والقول باستثناء ما إذا كان الفاعل كافرا أو منافقا - قول إمام الحرمين
стр. 807
والقول بالاقتصار على الكافر ذهب إليه المازري، وهو أظهر، لأنه أهل للانقياد في الجملة، وكما يدل للجواز للفاعل، فكذا لغيره إذا ثبت حكمه على الواحد، حكمه على الجماعة وذهب القاضي إلى اختصاصه بمن قرر، ولا يتعدى إلى غيره، فإن التقرير لا صيغة له تعم، والصحيح أنه يعم سائر المكلفين، لأنه في حكم الخطاب، وخطاب الواحد خطاب للجميع.
تنبيهان:
الأول: علم من تفسيره بالجواز أنه يدل على الإباحة وقد سأل الشيخ صدر الدين بن الوكيل عن هذه المسألة الشيخ الإمام السبكي، أنه هل يحمل على الإباحة (أو لا يقضي بكونه مباحا أو واجبا أو ندبا محل توقف؟ فلم يستحضر الشيخ الإمام فيها نقلا، واحتج إلى أنه يدل على الإباحة) لأنه لا يجوز الإقدام على فعل حتى يعرف حكمه فمن هنا دل التقرير على الإباحة، قلت: وقد ذكرها أبو نصر بن القشيري في كتابه في الأصول، وحكى التوقف فيه عن القاضي، ثم رجع حمله
стр. 808
على الإباحة لأنه الأصل.
الثاني: سكت عما علم فعله على عهد النبي ﷺ ولكن لم يعلم انتشاره انتشارا يبلغ النبي ﷺ وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني في شرح كتاب (الترتيب): هل يجعل ذلك سنة؟ اختلف قول الشافعي فيه، ولهذا أجرى قولين بإجزاء الأقط في الفطرة، لأنه لم يكن قد علم أنه بلغ النبي ﷺ ما كانوا يخرجون في الزكاة من الأقط.
(ص) وفعله غير محرم، للعصمة، وغير مكروه، للندرة.
(ش) فعله ﷺ لا يمكن أن يقع فيه محرم، لوجوب العصمة، ولا مكروه، لندرة وقوعه من آحاد المسلمين فكيف من سيد المتقين، كذا قالوه، وأنا أقول: لا يتصور منه وقوع مكروه، فإنه إذا فعل شيئا وكان مكروها في حقنا، فليس بمكروه منه، لأنه يفيد به التشريع وبيان الجواز، ولهذا قال ابن الرفعة في كلامه على الجمع بين الأذان والإقامة: الشيء قد يكون مكروها ويفعله النبي ﷺ لبيان الجواز، ويكون أفضل في حقه ﷺ .
تنبيه: سكتوا عن خلاف الأولى، وفيه ما ذكرنا في المكروه، وقد قال النووي في وضوئه ﷺ مرة مرة (١٢٨أ) ومرتين مرتين: قال العلماء: هو في ذلك الوقت أفضل في حقه من التثليث لأجل بيان التشريع.
стр. 809
(ص) وما كان جبليا أو بيانا أو مخصصا به فواضح.
(ش) الجبلي: كالقيام والقعود والأكل، والشرب. والبيان: كقطعه السارق من الكوع، بيانا لقوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ والمخصص به كالضحى والأضحى ووجه الوضوح، أما في الجبلي، فالندب لاستحباب التأسي به، وحكى الأستاذ أبو إسحاق فيه وجهين:
أحدهما: هذا، وعزاه لأكثر المحدثين، قال: والأقل فيه أن يستدل به على إباحة ذلك.
الثاني: أنه لا يتبع فيه إلا بدلالة. انتهى. أما في البيان والمخصص به، فكونه واجبا عليه، لأنه ﵇ بعث للتشريع فيما يجب عليه منه بيان المجمل
стр. 810
وبيان التخصيص، وقال أبو علي بن أبي هريرة: قد يفعل الشيء لمعنى يختص به ثم يصير بعد ذلك سنة، كالاضطباع والرمل وسكت الأصوليون عن قسم آخر، وهو ما إذا شككنا، هل فعله لمعنى يختص به، أو يشاركه فيه غيره؟ وقد تعرض له الماوردي في باب صلاة العيدين من (الحاوي) وحكى عن أبي إسحاق المروزي أنه يفعل مثل فعله اقتداء به.
(ص) وفيما تردد بين الجبلي والشرعي كالحج راكبا تردد.
(ش) أي يحمل على الجبلي لأن الأصل عدم التشريع، أو على الشرعي لأنه ﵇ بعث لبيان الشرعيات وقد حكى الرافعي فيه وجهين في مسألة ذهابه
следующие страницы →