← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

كان دليلا على الجواز مطلقا، لما سبق. وسواء استبشر به مع ذلك أم لا، لكن دلالته على الجواز، مع الاستبشار أقوى، وقد تمسك الشافعي ﵁، في القيافة، واعتبارها في النسب بكلا الأمرين: الاستبشار وعدم الإنكار في قصة المدجلي، ولهذا قال المصنف: (ولو غير مستبشر) ليعلم حكم المستبشر من طريق الأولى، وسواء كان المسكوت عنه ممن يغريه الإنكار أو لا، كافرا كان أو منافقا والقول باستثناء من يغريه الإنكار إغراء حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة بناء على أنه لا يجب إنكاره عليه للإغراء قال: والأظهر أنه يجب إنكاره ليزول توهم الإباحة، والقول باستثناء ما إذا كان الفاعل كافرا أو منافقا - قول إمام الحرمين

стр. 807

والقول بالاقتصار على الكافر ذهب إليه المازري، وهو أظهر، لأنه أهل للانقياد في الجملة، وكما يدل للجواز للفاعل، فكذا لغيره إذا ثبت حكمه على الواحد، حكمه على الجماعة وذهب القاضي إلى اختصاصه بمن قرر، ولا يتعدى إلى غيره، فإن التقرير لا صيغة له تعم، والصحيح أنه يعم سائر المكلفين، لأنه في حكم الخطاب، وخطاب الواحد خطاب للجميع. تنبيهان: الأول: علم من تفسيره بالجواز أنه يدل على الإباحة وقد سأل الشيخ صدر الدين بن الوكيل عن هذه المسألة الشيخ الإمام السبكي، أنه هل يحمل على الإباحة (أو لا يقضي بكونه مباحا أو واجبا أو ندبا محل توقف؟ فلم يستحضر الشيخ الإمام فيها نقلا، واحتج إلى أنه يدل على الإباحة) لأنه لا يجوز الإقدام على فعل حتى يعرف حكمه فمن هنا دل التقرير على الإباحة، قلت: وقد ذكرها أبو نصر بن القشيري في كتابه في الأصول، وحكى التوقف فيه عن القاضي، ثم رجع حمله

стр. 808

على الإباحة لأنه الأصل. الثاني: سكت عما علم فعله على عهد النبي ﷺ ولكن لم يعلم انتشاره انتشارا يبلغ النبي ﷺ وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني في شرح كتاب (الترتيب): هل يجعل ذلك سنة؟ اختلف قول الشافعي فيه، ولهذا أجرى قولين بإجزاء الأقط في الفطرة، لأنه لم يكن قد علم أنه بلغ النبي ﷺ ما كانوا يخرجون في الزكاة من الأقط. (ص) وفعله غير محرم، للعصمة، وغير مكروه، للندرة. (ش) فعله ﷺ لا يمكن أن يقع فيه محرم، لوجوب العصمة، ولا مكروه، لندرة وقوعه من آحاد المسلمين فكيف من سيد المتقين، كذا قالوه، وأنا أقول: لا يتصور منه وقوع مكروه، فإنه إذا فعل شيئا وكان مكروها في حقنا، فليس بمكروه منه، لأنه يفيد به التشريع وبيان الجواز، ولهذا قال ابن الرفعة في كلامه على الجمع بين الأذان والإقامة: الشيء قد يكون مكروها ويفعله النبي ﷺ لبيان الجواز، ويكون أفضل في حقه ﷺ . تنبيه: سكتوا عن خلاف الأولى، وفيه ما ذكرنا في المكروه، وقد قال النووي في وضوئه ﷺ مرة مرة (١٢٨أ) ومرتين مرتين: قال العلماء: هو في ذلك الوقت أفضل في حقه من التثليث لأجل بيان التشريع.

стр. 809

(ص) وما كان جبليا أو بيانا أو مخصصا به فواضح. (ش) الجبلي: كالقيام والقعود والأكل، والشرب. والبيان: كقطعه السارق من الكوع، بيانا لقوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ والمخصص به كالضحى والأضحى ووجه الوضوح، أما في الجبلي، فالندب لاستحباب التأسي به، وحكى الأستاذ أبو إسحاق فيه وجهين: أحدهما: هذا، وعزاه لأكثر المحدثين، قال: والأقل فيه أن يستدل به على إباحة ذلك. الثاني: أنه لا يتبع فيه إلا بدلالة. انتهى. أما في البيان والمخصص به، فكونه واجبا عليه، لأنه ﵇ بعث للتشريع فيما يجب عليه منه بيان المجمل

стр. 810

وبيان التخصيص، وقال أبو علي بن أبي هريرة: قد يفعل الشيء لمعنى يختص به ثم يصير بعد ذلك سنة، كالاضطباع والرمل وسكت الأصوليون عن قسم آخر، وهو ما إذا شككنا، هل فعله لمعنى يختص به، أو يشاركه فيه غيره؟ وقد تعرض له الماوردي في باب صلاة العيدين من (الحاوي) وحكى عن أبي إسحاق المروزي أنه يفعل مثل فعله اقتداء به. (ص) وفيما تردد بين الجبلي والشرعي كالحج راكبا تردد. (ش) أي يحمل على الجبلي لأن الأصل عدم التشريع، أو على الشرعي لأنه ﵇ بعث لبيان الشرعيات وقد حكى الرافعي فيه وجهين في مسألة ذهابه

стр. 811

إلى العيد في طريق ورجوعه في آخر وقال: إن الأكثرين على التأسي فيه وقال أبو حاتم القزويني في كتابه (تجريد التجريد): إن أصحابنا اختلفوا في جلسة الاستراحة: فمنهم من قال: هي مسنونة، ومنهم من قال: شرعت للاستراحة وليس لها محل السنن، والصحيح الأول. (ص) وما سواه إن علمت صفته فأمته مثله على الأصح. (ش) ما سوى ما تقدم إن علمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فأمته مثله في الأصح، لوجوب الاقتداء به، وقيل: مثله في العبادات فقط. (ص) وتعلم بنص وتسوية بمعلوم الجهة ووقوعه بيانا أو امتثالا لدال على وجوب أو ندب أو إباحة.

стр. 812

(ش) تعلم جهة الفعل بجهات: منها: نصه على أنه واجب، أو مندوب، أو مباح. ثانيها: تسويته بما علمت جهته، كقوله: هذا الفعل مساو للفعل الفلاني وكان ذلك الفعل المشار إليه معلوم الجهة. ثالثها: وقوعه بيانا لآية مجملة دل على أحدهما، ولم يظهر بيانها بالقول فنعلم أن هذا الفعل بيان لها. رابعها: كونه امتثالا لنص يدل على وجوب أو ندب أو إباحة فيلحق بما دل عليه. واعلم أن قوله: (بيانا) أي يكون حكمه حينئذ في حقنا كالمبين وحاصله أن فعله إذا كان بيانا كان له جهتان: من حيث البيان هو تابع لما بينه ومن حيث التشريع واجب مطلقا، واتباع التأسي له إنما هو في الأولى، وأما الثانية فكالجبلي فلهذا قرنه المصنف فيما سبق مع الجبلي في الوضوح. أي لا يجب علينا اتباعه فيه من تلك الحيثية، وبهذا اندفع إشكال في كلامه حيث قال: وما سواه، أي سوى ما هو بيان أو جبلي أو تخصيص ثم قسمه إلى بيان وامتثال، فجعل قسم الشيء قسيمه. (ص) ويخص الوجوب أمارته كالصلاة بالأذان وكونه ممنوعا لو لم يجب كالختان والحد. (ش) يعلم الوجوب بالعلامات الدالة عليه غير ما سبق، فمنها: وقوعه على صفة تقرر في الشرع أنها أمارة الوجوب، كالصلاة بالأذان والإقامة ومن ثم كانت صلاة العيدين والكسوفين والاستقساء سنة، لأنه لم يكن يؤذن لها، ومنها: أن يكون

стр. 813

(١٢٨ أب) ممنوعا منه لو لم يجب، فإذا فعله الرسول ﷺ استدللنا بفعله على وجوبه كالختان وقطع اليد في السرقة فإن الجرح والإبانة ممنوع منهما، فجوازهما دليل وجوبهما وإنما عدل المصنف عن تمثيل (المنهاج) و (المحصول) بالقيامين والركوعين في الخسوف لأن ذلك مستفاد من جهة أنه بيان للمأمور لا من هذه الجهة، ولأن الأصح أنه لا يجب، بل لو صلاها كسائر الصلوات صح كما قاله النووي ﵀ في (شرح المهذب) لكن هذه القاعدة منقوضة بسجود السهو والتلاوة في الصلاة، فإنه سنة مع أنه زيادة ممتنعة لو لم يرد الشرع بها، وكذا رفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد، وذكر في (المنهاج) خاصية ثالثة، وهو كونه جزء شرط لموافقة نذر، وحذفه المصنف، لأن النذر لا يتصور من النبي ﷺ بناء على أنه مكروه وفيه ما سبق. (ص) والندب مجرد قصد القربة وهو كثير. (ش) الندب منصوب على أنه مفعول يخص السابق أي يخص الندب قصد القربة مجردا عن أمارة دالة على الوجوب، فإنه يدل على أنه مندوب، لأن الرجحان

стр. 814

ثبت بقصد القربة والأصل عدم الوجوب، وهو كثير. ومنها: التخيير بينه وبين فعل لم يثبت وجوبه، لأن التخيير لا يقع بين واجب وما ليس بواجب وذكر الماوردي في (الحاوي) محتجا على عدم وجوب الأذان بأنه إنما ثبت عن مشورة أوقعها النبي ﷺ بين أصحابه حتى يقرروا رؤيا عبد الله بن زيد على الأذان، وليس هذا من صفات الواجب وإنما يكون من صفات المندوب، لأنه ما شرعه بنفسه وإنما أثره على فعل غيره. (ص) وإن جهلت فللوجوب وقيل: للندب، وقيل: للإباحة، وقيل بالوقف في الكل، وفي الأولين مطلقا، وفيها إن لم يظهر قصد القربة. (ش) إذا لم تعلم جهة الفعل بالنسبة إليه وبالنسبة إلى الأمة، فيه مذاهب:

стр. 815

أحدها: الوجوب، قال ابن السمعاني: إنه الأشبه بمذهب الشافعي ﵁، وأنه الصحيح لكنه لم يتكلم إلا فيما ظهر فيه قصد القربة والمصنف مال إلى الوجوب مطلقا. والثاني: الندب، وعزي الشافعي ﵁. والثالث: الإباحة، واختاره الإمام في (البرهان). والرابع: الوقف في الكل حتى يقوم دليل على ما أريد منا، وعليه جمهور المحققين، كالصيرفي، والغزالي وأتباعهم، وصححه القاضي أبو الطيب ونقله عن

стр. 816

الدقاق وابن كج، وقالوا: لا يدرى أنه للوجوب أو الندب أو الإباحة، لاحتمال هذه الأمور كلها، واحتمال الخصوصية به، ثم منهم من أجرى الخلاف في الأولين أي الوجوب، أو الندب مطلقا، أي سواء ظهر قصد القربة أم لا، كما نقله الهندي، غير أن الأول تقوى فيه الوجوب والندب، لأن القربة قرينة على إرادتهما وتضعف الإباحة، والثاني بالعكس وقوله: وفيهما إن لم يظهر قصد القربة - كذا رأيته بخط المصنف في الأصل، وهو معكوس، والصواب: إن ظهر قصد القربة فللوجوب أو للندب، وإلا فللإباحة وعلم من تخصيصه بالأولين أنه لا يجيء هنا القول بالإباحة، لأن قصد القربة لا يجامع استواء الطرفين، وأجراه الآمدي، وفيه نظر. (ص) وإذا تعارض القول والفعل ودل دليل على تكرر مقتضى القول - فإن كان خاصا به فالتأخر ناسخ، فإن جهل فثالثها: الأصح الوقف، وإن كان خاصا بنا فلا معارضة فيه. وفي الأمة: المتأخر ناسخ إن دل على التأسي (فإن جهل التاريخ فثالثها: الأصح، يعمل بالقول) وإن كان عاما لنا (١٢٩أ) وله فتقدم

стр. 817

الفعل أو القول له وللأمة كما مر إلا أن يكون العام ظاهرا فيه، فالفعل تخصيص. (ش) التعارض بين الشيئين تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما صاحبه والقسمة العقلية فيه بحسب ما تقدم ثلاثة، لأنه إما أن يتعارض الفعلان، أو القولان أو الفعل والقول، فأما الأول: فالمشهور عند المتأخرين أنه غير متصور، لأن الفعلين إن تناقض حكمهما فيجوز أن يكون الفعل في ذلك الوقت واجبا وفي غيره بخلافه، لأن الأفعال لا عموم لها، ولعل لهذا لم يذكر المصنف هذا القسم وإن ذكره في (المنهاج) و (المختصر) بقولهما: الفعلان لا يتعارضان، ولم يحك في شرحه لهما خلافا فيه، لكن حكى جماعة قولا بحصول التعارض وطلب الترجيح من خارج كما اتفق في صلاة الخوف. ولهذا رجح الشافعي ﵁، منهما ما هو أقرب لهيئة الصلاة، وقدم بعضهم الأخير منها إذا علم. نعم، استثنى ابن الحاجب وغيره ما إذا دل دليل من خارج على وجوب تكرير الفعل أو لأمته، فإن الفعل الثاني يكون ناسخاً لكن العمل في الحقيقة بذلك الدليل، وأما تعارض القولين فقد ذكره في باب التعادل والترجيح والكلام هنا في تعارض القول والفعل، وحاصل ما قاله أنه إن دل على تكرر مقتضى القول: فالقول إما خاص به، أو خاص بنا، أو عام لنا وله: الأول: أن يكون خاصا به، فالمتأخر ناسخ للمتقدم، سواء كان قولا، أو فعلا،

стр. 818

ولا تعارض بينهما في حق الأمة، لعدم تناول القول إياهم، فإن جهل المتأخر منهما فأقوال: أحدها: العمل بالقول لقوته. والثاني: بالفعل. والثالث: الوقف إلى قيام الدليل، لأنه لو عمل بأحدهما لزم الترجيح بلا مرجح. الثاني: أن يكون القول خاصا بنا، فلا معارضة فيه أي في حقه، لعدم تناول القول إياه، وأما في حق الأمة فإما أن يدل على وجوب التأسي في ذلك الفعل أو لا، فإن دل فالمتأخر ناسخ للمتقدم قولا أو فعلا، وإن لم يدل فلا تعارض بالنسبة إلينا لعدم تعلق الحكم بنا، فإن جهل التاريخ فالأقوال الثلاثة، لكن الأصح عند الجمهور هنا العمل بالقول، لأنه أقوى من الفعل، وإنما لم يكن الوقف هنا مختارا لكونه

стр. 819

ضعيفا بخلاف الأول، وهو ما إذا كان القول خاصا به، لأنا متعبدون في هذا القسم بأحد الحكمين، أي القول أو الفعل، بخلاف الأول فاعلمه. الثالث: أن يكون القول عاما له ولنا، فنقدم الفعل أو القول له وللأمة كما سبق، يعني أن المتأخر ناسخ قولا كان أو فعلا هذا إذا كان القول المتأخر متناولا له بطريق النص، فإن كان بطريق الظهور كالإتيان بلفظ عام، مثل أن يقول: هذا الفعل واجب على المكلفين، وقلنا: المخاطب يدخل في عموم خطابه، فيكون الفعل السابق مخصصا لهذا العموم، لأن التخصيص عندنا لا يشترط تأخيره عن العام وهذا الاستثناء زاده المصنف على المختصرات.

стр. 820

الكلام في الأخبار المركب إما مهمل، وهو موجود خلافا للإمام، وليس موضوعا. (ش) لا خلاف أن المهمل يوجد في المفردات أما المركبات بأن يكون المدلول لفظا مركبا مهملا - فقال الإمام: الأشبه أنه غير موجود، لأن التركيب إنما يصار إليه لغرض الإفادة، فحيث لا إفادة لا تركيب وخالفه البيضاوي ومثله بلفظ الهذيان فإن موضوعها ألفاظ مركبة مهملة فيقال لضرب من الهوس أو غيره لا

стр. 821

يقصد بها الدلالة (١٢٩ ب) على شيء، وجرى عليه المصنف، وحكى الهندي كلام الإمام ثم قال: وهذا حق، إن عنى بالمركب ما يكون جزؤه دالا على جزء المعنى حين هو جزؤه وإن عنى به ما يكون لجزئه دلالة في الجملة ولو في غير معناه، وما يكون مؤتلفا من لفظين كيف كان التأليف، وإن لم يكن لشيء من أجزائه دلالة فهو باطل أما الأول فمثل: عبد الله، إذا كان علما فإن اسم العلم يدل عليه، وهو لفظ مركب على هذا التقدير غير دال على المعنى المركب، وأما الثاني: فلفظ الهذيان، فإنه يدل على المركب من مهملتين، أو من لفظة مهملة ومستعملة وهو غير دال على المعنى المركب، هذا إن أراد بعدم دلالته على معنى المعنى المركب، أما إن أراد به لا يدل على معنى أصلا، وأراد باللفظ المركب المعنى الثاني - فينتقض بالثاني دون الأول. انتهى. (وليس موضوعا) أي: للعرب بلا خلاف. (ص) وإما مستعمل والمختار أنه موضوع. (ش) يشير إلى الخلاف في أن المركبات موضوعة أم لا؟ والراجح - كما قاله القرافي وغيره - أنها موضوعة، لأن العرب حجرت في التراكيب كما حجرت في المفردات، فعلى هذا تكون دلالة المركب على معناه بالمطابقة لكن الذي رجحه

стр. 822

النحويون، كابن مالك، وابن الحاجب وغيرهما، أنها ليست موضوعة، وإلا لكان استعمال الجمل يتوقف على النقل عن العرب كما في المفردات. (ص) والكلام ما تضمن من الكلم إسنادا مفيدا مقصودا لذاته. (ش) (ما تضمن من الكلم): بيان لجنس الكلام، وأنه ليس خطأ ولا رمزا ولا إشارة، وإطلاق الكلام عليها مجازا، و (ما) بمعنى شيء فيصلح للواحد فما فوقه وقوله: (من الكلم) يخرج به الواحد وهو أحسن من قول (المفصل): (ما تركب من كلمتين) لشموله ذات الكلمات، فإن بعض الكلام تكثر أجزاؤه حتى يصير خمسين كلمة وستين كلمة وثمانية كلمة، كقوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ إلى ﴿يعقلون﴾ وقوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ إلى ﴿أحضرت﴾ وقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ وأحسن من قول ابن الحاجب: ما تضمن من كلمتين (لأنه إن سلم من عدم تناول ذي الكلمتين - لكن لم يتناول ذا الكلمات، لأن ما تضمن كلمتين) لا بد من كونه، ذا أجزاء من جملتها الكلمتان، فإن التضمن غير المتضمن، والشيء لا يتضمن نفسه، والمراد

стр. 823

بالإسناد: تعليق خبر بمخبر عنه، كزيد قائم أو طلب مطلوب عنه، كاضرب فيخرج النسبة التقيدية، كنسبة الإضافة في: غلام زيد، ونسبة النعت في نحو: الرجل الخياط (من قولنا: جاء الرجل الخياط) واحترز بالمفيد من نحو: السماء فوق الأرض والواحد نصف الاثنين، فلا يسمى كلاما إلا مجازا، وبالمقصود: عن كلام النائم (والساهي والطيور والقابلة للتلقين، وبالذات: عن المقصود لغيره كجهله للشرط قبل جوابها فإنها ليست بكلام) لأنها لم تقصد لذاتها، بل المقصود لذاته هو الجواب، والشرط مذكور لأجله فإن قولك: إن يقم زيد أقم، لم تقصد الحديث عن زيد، بل عن نفسك بالقيام مشروطا بقيام زيد، وكذا الجمل الموصول بها، من: جاء أبوه، من قولنا: الذي جاء أبوه، لأن من شرط صحة الوصل بها كون معناها معهودا عند السامع، وإنما يقصد بها إيضاح معنى الموصول، لأنها منزلة منزلة جزء كلمة، والكلمة التامة ليست كلاما فكيف بما هو جزء منها؟ تنبيهات: الأول: هذا التعريف ذكره ابن مالك في (التسهيل)، وهو لا يخلو عن إشكال، ولك أن تنازع في عدم تسمية نحو: السماء فوق الأرض - كلاما، لأنه خبر بدليل أن يقال فيه: صدقت أو كذبت، ومتى كان خبرا كان كلاما، لأنه قسم منه، ولا حاجة لقوله: مقصودا فإن ذكر الإسناد يغني عما احترز به (١٣٠ أ) عنه لما سبق في تفسير الإسناد وهو منتف في النائم ونحوه، وكذا لا حاجة للقيد

стр. 824

الأخير، لأنهم شرطوا في جملة الصلة، والصلة كونها خبرية، وهو قسم من الكلام والظاهر أنه أخذ القيد هنا بالمعنى الأعم، لا ما يحسن السكوت عليه، وإلا فمتى أخذناه بهذا المعنى الخاص، فركنا الكلام، التركيب والإفادة ولهذا قال في (شرح الكافية): وفي الاقتصار على (مفيد) كفاية. الثاني: هذا بالنسبة لاصطلاح النحاة، وقد سبق أول الاستثناء أن القاضي أبا بكر يشرط فيه صدوره من ناطق واحد، وسبق ما فيه في (الارتشاف) وليس من شرط الكلام، قصد الناطق به، ولا كونه صادرا من ناطق واحد، ولا إفادة المخاطب شيئا يجهله، خلافا لزاعمي ذلك بل إذا حصل الإسناد كان كلاما ولو من غالط أو ساه أو مخطئ أو من ناطقين أو تركيب لا يستفيد المخاطب منه شيئا أو تركيب محال. انتهى. وهذا اعتبار كثير من النحويين - أعني اعتبار التركيب الإسنادي فقط - وأما في اصطلاح الفقهاء فيطلق على الكلمة الواحدة، وأقل ما تكون من حرفين، أو حرف مفهم، ولهذا أبطلوا الصلاة به، قال ابن مالك في (التسهيل): ولهذا انتهى الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن الكلمة فما

стр. 825

فوقها حين نهوا عن الكلام في الصلاة وهو شائع في اللغة، وفي (الصحاح) الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير، فيقع على الكلمة الواحدة وعلى الكلام بخلاف الكلم فإنه لا يكون أقل من ثلاث كلمات. الثالث: قال النحاة: لا يتركب الكلام إلا من اسمين، أو اسم وفعل، لأنه يستدعي محكوما عليه ومحكوما به، والمحكوم عليه لا يكون إلا اسما، والمحكوم به يصح أن يكون اسما وأن يكون فعلا. ونقضه المنطقيون بالقضية الشرطية قالوا: ولا محيص عنه إلا بتخصيص المدعي بالقول الجازم ونقض أيضا بالنداء فإنه كلام مركب من اسم وحرف وأجيب بأن النداء في تقدير الفعل، وقيل عليه: لو كان في تقدير الفعل لكان محتملا للصدق والكذب، وجاز أن يكون خطابا مع الثالث، لأن الفعل الذي قدر النداء به كذلك وجوابه منع الملازمتين، وإنما يصدقان لو كان الفعل

стр. 826

المقدر به إخبارا لا إنشاء، غاية ما في الباب أنه في بعض موارد الاستعمال إخبار، لكن لا يلزم منه أن يكون إخبارا في جميع الموارد، لجواز أن يكون من الصيغ المشتركة بين الإخبار والإنشاء كألفاظ العقود. (ص) وقالت المعتزلة: إنه حقيقة في اللساني: (وقال الأشعري مرة: في النفساني وهو المختار ومرة: مشترك، وإنما يتكلم الأصولي في اللساني). (ش) والكلام يطلق بثلاثة اعتبارات: أحدها: اللفظي التام، وهو اصطلاح النحاة. وثانيها: اللفظ الناقص وهو الكلمة الواحدة وهو اصطلاح اللغويين، وقد سبقا. والثالث: النفسي، وهو الفكر التي يدبرها الإنسان في نفسه قبل أن يعبر عنها باللسان، وعبر عنه ابن مالك بالمعنوي فقال: وهو الذي أشار إليه عمر ﵁، إذ قال: وكنت زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر

стр. 827

ومن الدليل على إثباته قوله تعالى: ﴿ويقولون في أنفسهم﴾ وقوله تعالى: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ ومعلوم أن الله تعالى ما كذبهم في قوله: ﴿إنك لرسول الله﴾ لأنهم صدقوا فيه، بل في القول القائم بنفوسهم وهو قولهم في أنفسهم: ما أنت برسول. وقوله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه (١٣٠ب) عليم بذات الصدور﴾ فأخبر أن ما يسره قول، وأيضا فإن قول القائل: افعل، يريد به الإيجاب أو الندب أو الإباحة، وصورة اللفظ واحد، فيعلم أن الإيجاب: معنى في النفس يتميز بالقرائن. إذا علمت هذا، فاختلف في أنه حقيقة في ماذا على أقوال. أحدها: أنه حقيقة في اللساني خاصة، وإنما خصه المصنف بالمعتزلة، لأنه لم يصر إليه أحد من أئمتنا. والثاني: أنه حقيقة في النفساني، مجاز في اللفظي الدال عليه، تسمية للدليل باسم المدلول، فيطلق عليها كلام مجازا، لدلالتها على الكلام الحقيقي، كما تسمي علما في قولك: سمعت علما، وإنما تريد العبارات الدالة على المعلوم، والمجاز قد يشتهر اشتهار الحقائق، وهو أحد قولي الأشعري، واختاره إمام الحرمين في باب

стр. 828

الأوامر من (البرهان) قال: لكون النفسي جنسا ذا حقيقة لا يتغير والعبارات تختلف فما لم يتغير الاسم له حقيقة وأنكر عليك ذلك، فإنه لا يتلقى معرفة الحقيقة والمجاز مثل ذلك، قال الهندي: ولا شك أن الاشتقاق لا يشهد لهم في أنه حقيقة في هذا المعنى، قلت: مرادهم في القديم لا يطلق الكلام، فإنهم يوافقونا على أنه في الحادث حقيقة في اللفظ، وإنما صار الأشعري في أحد قوليه إلى هذا فرارا من قول المعتزلة المؤدي إلى خلق القرآن، ومن قول الحشوية بأنه الحرف والصوت المؤدي إلى أن تكون الذات المقدسة محلا للحوادث، ولم يرد الأشعري أنه حقيقة لغوية، وقد قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي في كتاب (الحدود): الكلام نوعان: قديم، ومحدث: فالمحدث كلام المخلوقين، وينقسم إلى: معنى في النفس يجده كل عاقل بالضرورة قبل أن ينطق به، وإلى ما يكون أصواتا مترتبة، وكلاهما كلام على الحقيقة، والقديم: هو كلام الله سبحانه، قائم بذاته المقدسة لا يشبه كلام المخلوقين، فليس بحرف ولا صوت، لأن الكلام صفته (ومن شأن الصفة أن تتبع الموصوف، فإذا كان الموصوف لا يشبه شيئا فكذلك) صفاته لا تشبه صفات غيره، وإنما غلط الخصوم في إلحاقهم الغائب بالشاهد قال: فحصل أن كلام الخلق ينقسم إلى نفسي ولفظي بخلاف القديم وهو كما تقول: علم المخلوق ينقسم إلى ضروري وكسبي، بخلاف القديم فكما أن علمنا لا يشبه علمه، فكذلك كلامنا لا يشبه كلامه، وإن كان الكلام في الجملة حد جامع، وهي الصفة التي يستحق من قامت به أن يشتق منها اسم المتكلم لكن يختلفان في التفصيل، قال:

стр. 829

ومن أصحابنا من قال: كلام الخلق في الحقيقة هو ما في النفس، وما يوجد بالنطق يسمى كلاما مجازا، قال: والأول أصح، لما قلناه ولأنه أحسم للشغب. انتهى. والثالث: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وعزاه الهندي للأكثرين، وقال إمام الحرمين: إنه الطريقة المرضية عندنا وهو معنى كلام الأشعري، وكذا قال ابن القشيري والشيخ أبو إسحاق وغيرهما، وقالوا: إنها تدرأ تشعب الخصوم، وحكاه في (المحصول) عن المحققين وقال الآمدي في (غاية المرام): إنكار تسمية النفسي كلاما لا يستقيم نظرا إلى إطلاق الوضع اللغوي، فإنه يصح أن يقال: في نفسي كلام، وفي نفس كلام ومنه قوله تعالى: ﴿ويقولون في أنفسهم﴾ قال: ولا نظر إلى كونه أصليا فيه أو فيما يدل عليه (١٣١أ) من العبارات أو فيهما كيف، وحاصل هذا النزاع ليس إلا في قضية لغوية، وإطلاقات لفظية، ولا حرج فيها بعد فهم المعنى، وكذا قال الأبياري في (شرح البرهان): المسألة لغوية محضة، والقطع بأحدهما لم يثبت عندي وأهل العربية مطبقون على إطلاق الكلام على الألفاظ. (ص) فإن أفاد بالوضع طلبا، فطلب ذكر الماهية استفهام وتحصيلها أو

стр. 830

تحصيل الكف عنها أمر ونهي، ولو من ملتمس وسائل. (ش) فاعل أفاد هو المركب وأراد بالوضع أنه يفيده إفادة أولية، وعدل عن قول (المنهاج): بالذات للتنبيه على صواب العبارة واحترز عما يفيد الطلب باللازم، كقولك: أنا أطلب منك أن تذكر لي حقيقة الإنسان، فإنه لا يسمى استفهاما وأن تسقيني الماء فإنه لا يسمى أمراً لأنهما وإن دلا على الطلب لكن ليس بالصيغة، لأن صيغة الخبر لم توضع للطلب، وعدل عن قول (المنهاج): الطالب للماهية إلى قوله: (طلب ذكر الماهية) لأنها أحسن لموافقتها المقصود والحاصل أن المركب إن أفاد طلبا لذاته فإن كان الطلب لذكر ماهية الشيء فهو استفهام كقولك: ما هذا؟ ومن هذا؟ أو إن كان لتحصيل أمر ما من الأمور - فأمر، أو الكف عنه فنهي، وزاد المصنف هذا على قول (المنهاج): ولتحصيل أمر، فإنه إن أراد تحصيل الفعل الذي ليس بكف، فالتقسيم غير حاصر لخروج طالب الكف بالمنهي عنه وإن أراد تحصيل الفعل مطلقا كفا كان أو غيره، لزم دخول النهي في حد الأمر، وهما حقيقتان مختلفتان، فلهذا استوفى المصنف القسمين بالحصر، وهو بناء على أن الكف فعل وهو

стр. 831

المختار. ومثال الملتمس: قول القائل لمماثله: افعل كذا، أو السائل هو المشتغل كقول من يجعل نفسه دون المطلوب منه وهو سؤال سواء كان دونه في نفس الأمر أم لا وما صرح به المصنف من دخولهما في الأمر بناء على ما سبق منه في باب الأوامر إن الأمر لا يشترط فيه العلو ولا الاستعلاء واستند إلى قول ابن دقيق العيد في شرح العنوان (أن تسمية التساوي بالالتماس اصطلاح خاص وقال الأبياري في شرح (البرهان): اختلف في تسمية الدعاء أمرا، فأباه النحويون وأكثر الأصوليين، ومنهم من قال: يصح أن يأمر الأدنى الأعلى، وهذا غير متحقق في التحريم والإيجاب، فإن قيل: كلامه إنما هو في المركب، وصيغة الأمر مفردة، لأن جزء لفظها لا يدل على جزء معناها - قلنا: في صيغة الأمر ضمير مستكن في حكم اللفظ به، بدليل توكيده وتثنيته وجمعه فقم، قم أنت قوما وقوموا. (ص) وإلا فما لا يحتمل الصدق والكذب تنبيه وإنشاء ومحتملها الخبر. (ش) أي وإن لم يفد بالوضع طلبا، أي لا يدل على طلب الفعل دلالة أولية، لكنه يدل عليه باللازم، فإما أن يحتمل الصدق والكذب أولا، فما لا يحتملها يسمى تنبيها، أي نبهت به على مقصودك بالكلام، ويندرج في التنبيه التمني، كـ (ليت) الشباب يعود والترجي نحو: لعل لي مالا فأنفقه، والقسم والنداء فإنه لا

стр. 832

يحسن أن يقال لقائلها: صدقت أو كذبت، وهو في هذا متابع للمحصول فإنه جعل هذه الأقسام مما لا يدل على الطلب بالوضع لكن البيانيون أطلقوا عليها اسم الطلب وقالوا (١٣١ب): إنه يتنوع إلى طلب حصول ما في الخارج أن يحصل في الذهن كالاستفهام أو طلب حصول ما في الذهن أن يحصل في الخارج، وقالوا: إنه ينحصر بالاستقراء في خمسة أقسام: الاستفهام والأمر، والنهي، والنداء، والتمني، وادعاء القرافي في (الفروق) الإجماع على أن الأمر والنهي والقسم والترجي والتمني والنداء من قسم الإنشاء - لا يخالف ما نقلناه عن البيانيين، لأنهم جزموا بأن الطلب من الإنشاء، وقسموا الإنشاء إلى طلب وغيره نعم الأمر والنهي ليسا من الإنشاء على طريقة الرازي، وتابعه المصنف، وقوله: وإنشاء أي ويسمى أيضا إنشاء من قولهم: أنشأ يفعل كذا، أي ابتدأ ثم نقل إلى إيقاع لفظ لمعنى يقارنه في الوجود، وقوله: ومحتملهما: أي وإن احتمل الصدق والكذب فهو الخبر، وزعم قوم منهم الغزالي أن التعبير بالتصديق والتكذيب أحسن من الصدق والكذب، لأن من الأخبار ما لا يحتمل إلا الصدق كخبر الصادق، وما لا يحتمل إلا الكذب، كما لو قال:

стр. 833

الواحد نصف العشرة ولم يرتضه المصنف فإن احتماله لهما بحسب المفهوم، والخبر من حيث هو محتمل لذلك، وتعين أحد الاحتمالين في بعض الأفراد بحسب الخارج لخصوصية ومزية - لا يخرج احتمال ماهية الخبر، من حيث هي محتملاتها، ثم إن التصديق والتكذيب عبارة عن الإخبار بكون الكلام صدقا أو كذبا فتعريفه دور. (ص) وأبى قوم تعريفه كالعلم والوجود والعدم، وقد يقال: الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام والخبر خلافه أي ماله خارج صدق أو كذب. (ش) ذهب قوم - منهم الإمام الرازي - إلى أن الخبر لا يحد، لأنه ضروري لأن كل واحد يعلم أنه موجود، والخبر جزء من هذا الخبر وقيل: يعسر الحد، وهو كالخلاف في تعريف العلم والوجود والعدم، والصحيح خلافه، ثم اختلف القائلون بتحديده، فقيل: ما يحتمل الصدق والكذب، وقد سبق ومنهم من قال:

стр. 834

يعرف بتعريف مقابله فقال: الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام، كبعت وتزوجت وطلقت فإنه إذا وردت من المكلف رتب عليها الشرع مقتضياتها، إما مع اللفظ أو آخر حرف منه على الخلاف المشهور، والمراد بالخارج ما هو خارج عن كلام النفسي المدلول عليه بذلك اللفظ، والخبر بخلافه، أي ما يقال له في الخارج صدق أو كذب، والحاصل أن النسبة في الإنشاء وجودها مع وجود اللفظ لا وجود لها قبله والنسبة في الخبر خارجية قبل وجود اللفظ ثم اللفظ يخبر عنها وهو معنى قولهم: الإنشاءات يتبعها مدلولها، والأخبار تتبع مدلولاتها قال القرافي: وليس المراد التبعية في الوجود وإلا لما صدق ذلك إلا في الماضي فقط، فإن الحاضر مقارن، والمستقبل وجوده بعد الخبر، بل المراد أنه تابع لتقرر مخبره في زمانه ماضيا كان أو حاضرا أو مستقبلا وقد أورد على هذا التعريف الإخبار عن المستقبلات

стр. 835

نحو: سيقوم زيد فإنه عند النطق به ليس له خارج صدق ولا كذب، فلا يمكن وصفه بذلك وعند وجود المخبر ليس الخبر موجودا حتى يصفه بصدق، ولا شك أن الإخبار عن المستقبلات بوصف (١٣٢أ) للصدق والكذب، قال تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ فلو قال: إن كان محكوما فيه بنسبة خارجية فهو الخبر - كما فعل ابن الحاجب - كان أولى، وكان بعض مشايخنا يقول: التحقيق أن لكل من نسبة الإنشاء والخبر العقليين نسبة في الخارج غير أن النسبة العقلية في الخبر تابعة للنسبة الخارجية، وأخرج الكلام تابعا لها في الظاهر والنسبة الخارجية في إنشاء تابعة للنسبة العقلية، أخرج الكلام ليوقع على حسبه. تنبيهات: الأول: قوله: (وقد يقال): إشارة إلى قول آخر خلاف ما ذكره أولا من التقسيم إلى ثلاثة: طلب وإنشاء وخبر، وهذا القائل قسمه إلى قسمين: خبر أو إنشاء وجعل الطلب داخلا في الإنشاء، لأنه ردد الكلام بين ما له خارج وبين ما لا خارج له، وجعل الإنشاء ما ليس له خارج، وذلك يشمل الطلب والإنشاء، وذهب ابن مالك إلى قول ثالث، وهو انقسامه إلى خبر وطلب، ويرد عليه أن من الكلام ما ليس خبرا ولا طلبا كالشرط في الإنشاء نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإنه ليس بخبر، إذ لا يحتمل الصدق والكذب ولا بطلب لانحصار الطلب عندهم في الأقسام الخمسة السابقة واعلم أن من حصره في ثلاثة أقسام (فسر الإنشاء بإيقاع لفظ بمعنى يقاربه في الوجود، كإيقاع البيع ببعت، ومن حصره في قسمين) فسر الإنشاء بما لا نسبة له في الخارج، وبهذا ينحل الإشكال المشهور في أن الطلب لا يدخل في الإنشاء، إذ الإنشاء لا بد فيه من المقارنة، والطلب بخلافه فإن هذا

стр. 836

اعتراض مركب على المذهبين، فإن من قسمه قسمين لم يفسر الإنشاء بهذا التفسير. الثاني: قوله: والخبر بخلافه أي ماله خارج، جعله هذا قسيما لما قبله - فيه نظر، فإن من فسر الإنشاء بما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام فسر الخبر بما يحصل وجوده في الخارج بغيره مثل: زيد منطلق فإنه يمكن علمه بالمشاهدة بخلاف الأمر والنهي فإنه لا يمكن استفادته إلا من المتكلم ومن فسر الخبر بما له خارج يطابقه أولا، فسر الإنشاء بما ليس له خارج أصلا، ولم يفسر أحد الطرفين، كما فصل المصنف، وقد أورد على القائلين) بما له خارج أن الخبر قد يكون متعلقه ذهنيا فلا يشترط في الخبر مطابقته لما في الخارج، بل مطابقته لما في نفس الأمر. الثالث: وهو سؤال على قولهم: إن صدق الخبر ومطابقته للواقع فإن المخبر بالواقع قد أكذبه الله تعالى في القذف في قوله: ﴿فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ وقال العلماء: لا تصح توبته إلا بإكذابه نفسه (ولا شك قد يكون صادقا في نفس الأمر، فكيف يكون كاذبا ويؤمر بتكذيب نفسه)؟ وأجيب بأن القاذف كاذب في حكم الله تعالى، وإن كان خبره مطابقا لمخبره، أي أنه يعاقب معاقبة المفتري الكذاب، فلا تتحقق توبته حتى يعترف بأنه كاذب عند الله، كما أخبر به عنه، فإذا لم يعترف بذلك وقد جعله الله كاذبا، أي قوله له، مع إصراره على مخالفة حكم الله عليه بالكذب. (ص) ولا مخرج له عنهما، لأنه إما مطابق للخارج، أو لا وقيل بالواسطة فالجاحظ: إما مطابق مع الاعتقاد ونفيه، أولا مطابق مع الاعتقاد ونفيه، فالثاني

стр. 837

فيهما واسطة، وغيره: الصدق: المطابقة لاعتقاد المخبر، طابق الخارج أولا وكذبه عدمها، فالساذج واسطة، والراغب الصدق: المطابقة الخارجية مع الاعتقاد فإن فقدا فمنه كذب وموصوف بهما بجهتين. (ش) ذهب الجمهور إلى أن الخبر لا يخرج عن (١٣٢ب) كونه صدقا أو كذبا، لأنه إما أن يطابق المخبر عنه أو لا، والأول صدق، والثاني كذب، والعلم باستحالة حصول الواسطة بينهما على هذا التفسير - ضروري، وقيل: بينهما واسطة، واختف القائلون به على مذاهب: أحدها: قول الجاحظ صدق المخبر مطابقته للخارج، مع اعتقاد مطابقته وكذبه: عدم مطابقته مع اعتقاد المخبر عدم مطابقته وغيرهما ليس بصدق ولا كذب، فأثبت الواسطة في أربع صور، وهي ما إذا كان مطابقا وهو غير معتقد لشيء أو مطابقا وهو معتقد عدم المطابقة، أو غير مطابق وهو يعتقد المطابقة، أو غير مطابق ولا يعتقد شيئا، فالأربعة ليس بصدق ولا كذب وإليها أشار أولا بقوله: أو لا مطابق مع الاعتقاد ونفيه أي وما ليس معه الاعتقاد والمطابقة هو الواسطة، وقوله (مع الاعتقاد) أي (أو الظن) كذا حكاه عنه أبو الحسين في (المعتمد) قال: وقد أفسده عبد الجبار، بأن ظن المخبر واعتقاده يرجع إليه لا إلى الخبر، فلم يكن شرطا في كونه كذبا. الثاني: صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر، سواء طابق الخارج أو لا، وكذبه

стр. 838

عدمهما ولو كان صوابا وعلى هذا فالساذج واسطة ونعني بالساذج: الخبر الذي لا اعتقاد معه، أو معه اعتقاد العدم، ولكن صاحب الإيضاح البياني صرح بأن صاحب هذا القول لا يثبت الواسطة، وعلى هذا يدخل في قوله: (عدمها) ما لا اعتقاد معه أو معه اعتقاد العدم بل يدخل فيه خبر الشأن، والكل عنده كذب، وما فهمه المصنف في حكاية هذا القول - ذكره الخطيب، احتمالا في كلام صاحب (التلخيص) وهو اشتراط الاعتقاد فقط في كل من الطرفين، ليكون خبر غير المعتقد واسطة، لكنه لم يثبت عن أحد، بل أصل هذا القول غريب، قيل: إنه لم يحكه سوى صاحب (الإيضاح) وإن كان ظاهر عبارة ابن الحاجب تقتضيه إلا أن المحققين من شراحه حملوه على خلافه. الثالث: وهو قول أبي القاسم الراغب في كتاب (الذريعة): أن الصدق التام هو المطابقة للخارج والاعتقاد معاً، فإن انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا تاما بل إما أن لا يوصف بالصدق والكذب كقول المبرسم الذي لا قصد له: زيد في الدار، فلا يقال له:

стр. 839

إنه صدق ولا كذب، وأما أن يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب بنظرين مختلفين إذا كان مطابقا للخارج غير مطابق للاعتقاد كقول الكفار: ﴿نشهد إنك لرسول الله﴾ فإن هذا يصح أن يقال فيه: صدق، لكون المخبر عنه كذلك، ويصح أن يقال كذب، لمخالفة قوله ضميره فلهذا كذبهم الله تعالى، وكذلك إذا قال: من لم يعلم كون زيد في الدار، إنه في الدار، يصح أن يقال: صدق وأن يقال: كذب بنظرين مختلفين. انتهى. إذا علمت هذا فما نقله المصنف عنه لا يطابق كلامه، لأنه لم يعرف مطلق الصدق بما ذكره، بل الصدق التام والصدق عنده قسمان. وكذا قوله: فإن فقدا فمنه كذب إنما تكلم على ما إذا فقد أحدهما ثم وصفه بالجهتين، إنما يكون في هذه الحالة لا في حالة فقدهما. فائدة: الساذج بذال معجمة: قال في (المحكم): أي أصله ساده فمعرب. (ص) ومدلول الخبر، الحكم بالنسبة لا ثبوتها، وفاقا للإمام وخلافا للقرافي وإلا لم يكن شيء من الخبر كذبا. (ش) (١٣٣أ) قال الإمام في (المحصول): إذا قلت: العالم حادث فمدلول هذا الكلام حكمه بثبوت الحدوث للعالم، لا نفس ثبوت الحدوث للعالم إذ لو

стр. 840

كان مدلوله نفس ثبوت الحدوث للعالم لكان حيثما وجد قولنا: العالم محدث، كان العالم محدثا لا محالة، فوجب أن لا يكون الكذب خبرا ولما بطل ذلك علمنا أن مدلول الصيغة هو الحكم بالنسبة لا نفس النسبة. انتهى واعترض عليه بأنه توهم أن يكون الكذب متحققا لا بصفة الخيرية=، والواقع على هذا التقدير انتفاء الكذب وتوهم جماعة أن هذا انقلب على الإمام، وغيره في (التحصيل)، فقال: وإلا لم يكن الخبر كذبا وهو أيضا عبارة فاسدة لما توهم من أن كل خبر كذب، والحق أن عبارة الإمام صحيحة وتقريرها أن مدلول النسبة لو كان ثبوتا كان الكذب غير خبر، لكن اللازم منتف ضرورة أن الكذب أحد قسمي الخبر الذي هو صدق وكذب، فالملزوم مثله، وبيان الملازمة أن ثبوت النسبة وقوعها في الخارج، فلا يكون إلا خارجا عنه كذبا، وأوضح منها عبارة المصنف، ومن محاسنه أنه أخر التعليل عن ذكر الإمام لينبه على أن هذا التعليل لم يذكره الإمام والغرض منه وقوع الخطأ لقوم في فهمه، ومنهم من نازع الإمام في الدليل، وقال: إنه غير لازم، لأن اللفظ دليل على وجوب النسبة وقد لا تكون موجودة، لأن الخبر دليل بمعنى المعرف، وقد يتأخر المعرف عن (المعرف لأمر ما، ثم ما قاله قد يعكس، فيقال: لو كان مدلول النسبة الحكم لم يكن خبره كذبا) لأن كل من قال: قام زيد، فقد حكم بقيامه فيكون خبره مطابقاً سواء كان في الخارج أو لا ولا سيما والإمام قائل بأن الألفاظ وضعت بإزاء المعاني الذهنية ثم يقول: لو كان المدلول الحكم بالنسبة لكان الخبر إنشاء ولم يكن ثم خارج يطابقه، وإما أن العرب لم تضع الخبر إلا للصدق، قال: وظن جماعة من الفقهاء أن احتمال الخبر للصدق والكذب مستفاد من الوضع اللغوي، وليس كذلك بل لا يحتمل

стр. 841

الخبر من حيث الوضع إلا الصدق، لاتفاق اللغويين والنحاة على أن معنى قولنا: قام زيد - حصول القيام منه في الزمن الماضي ولم يقل أحد منهم: إن معناه صدور القيام أو عدمه، وإنما احتمله من جهة المتكلم لا من جهة الوضع اللغوي، وعلى هذا يستقيم قول محمد بن الحسن في (الجامع): إن أخبرتني أن فلانا قدم، يحنث بالصدق والكذب، لأنه يستعمل فيهما من جهة المتكلم والمخاطب، وقلت: وكذا قال أصحابنا لكن نضعف مذهب القرافي بأمور: أحدها: القول بأن المركبات ليست موضوعية. ثانيها: ما ذكره المصنف من القاعدة. ثالثها: لا نسلم أن مدلول: قام زيد، حصول القيام، وإنما مدلوله الحكم بحصوله القيام، وذلك يحتمل الصدق والكذب. رابعها: اتفاق الناس على أن الخبر أعم من الصدق والكذب. (ص) ومورد الصدق والكذب النسبة التي تضمنها ليس غير كقائم، في: زيد ابن عمرو قائم، لا بنوة زيد، ومن ثم قال مالك وبعض أصحابنا الشهادة بتوكيل فلان ابن فلان فلانا - شهادة بالوكالة فقط، والمذهب، بالنسب ضمنا والوكالة أصلا. (ش) مورد الصدق والكذب في الخبر هو النسبة التي تضمنها الخبر لا واحد من طرفيها، فإذا قيل: زيد بن عمرو قائم، فقيل: صدقت أو كذبت (١٣٣ب) فالصدق والكذب راجعان إلى القيام لا إلى بنوة زيد وقوله: ومن ثم، أي من

стр. 842

هناك وهو أن الثابت النسبة فقط، قال مالك وبعض أصحابنا إذا شهد شاهدان بأن فلان بن فلان وكل فلانا، كانت شهادة بالتوكيل، ولا يستفاد منها، أنهما شهدا بالبنوة، فليس له في محاكمة أخرى في البنوة أن يقول: هذان شهدا لي بالبنوة لقولهما في شهادة التوكيل: إني فلان ابن فلان، والمذهب الصحيح عندنا أنه شهادة بالوكالة أصلا، وهذا واضح لأنه مورد الكلام ومقصده وبالنسب ضمنا، وهذا قد يستشكل على هذا الأصل، ولا إشكال فيه، لأنا لما صدقنا الشاهدين كان قولهما متضمنا لذلك، وهذه المسألة مذكورة في (الإشراف) للهروي و (الحاوي) للماوردي، و (البحر) للروياني واعلم أن هذه القاعدة مهمة، وقد أهملها الأصوليون وذكرها البيانيون كالسكاكي ومنهم أخذ المصنف وقد أورد عليهم ما رواه البخاري مرفوعا إلى النبي ﷺ : ((يقال للنصارى يوم القيامة ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد)) وكذلك استدل الشافعي ﵁ وغيره من الأئمة على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى: ﴿وقالت امرأة فرعون﴾ وينبغي أن يخرج الفرع الذي ذكره المصنف تفصيلا في المسألة، وهو يدل على نسبة المحمول للموضوع بالمطابقة وعلى غيره بالالتزام قال بعضهم: وهذا هو الحق, وينبغي أن يستثنى من ذلك ما لو كانت صفة المسند إليه مقصودة بالحكم بأن يكون المحكوم عليه في المعنى الهيئة الحاصلة من المسند إليه كقوله ﵊: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) فإنه لا يخفى أن

стр. 843

المراد الذي جمع كرم نفسه وآبائه وهو يوسف وليس المراد الإخبار عن الكريم الذي اتفق له صفة الكرم كما في قولك: زيد العالم قائم وكذلك الصفات الواقعة في الحدود نحو: الإنسان حيوان ناطق فإن المقصود الصفة والموصوف معا، ولو قصدت الإخبار بالموصوف فقط لفسد الحد، ولم يقف والد المصنف على نقل في المسألة، فقال في (فتاويه): إنه لا يدل على ذلك في كلام الآدميين, وإن دل فبالالتزام وهو غير نافع، بل لا بد أن يصرح به الشاهد بخلاف كلام الله تعالى، فإنه محتج به وبما يدل عليه مطابقة كان أو التزاما فافهم الفرق بين الموضعين فهذا كلامه. فائدة: يجوز في قوله: ليس غير، أربعة أوجه: فتح الراء وضمها بلا تنوين فيهما على إضمار الاسم، وبالتنوين فيهما، وعدل عن قول غيره من المصنفين: لا غير لأن بعضهم لحنهم في ذلك، وقال: إنها تقطع عن الإضافة لفظا إذا تقدمت (كلمة ليس، خاصة ونازع في ذلك آخرون منهم ابن بري وقال: ويجوز بناؤها على الضم، مع لا، لانقطاعها) عن الإضافة كما فعل بقبل وبعد، والتقدير: لا غير ذلك، فلما منعت الإضافة رفعت. (ص) مسألة الخبر إما مقطوع بكذبه - كالمعلوم خلافه - ضرورة أو استدلالا

стр. 844

(ش) الخبر وإن كان من حيث هو محتمل للصدق والكذب، لكنه قد يقطع بصدقه أو كذبه لأمور خارجية أو لا يقطع بواحد منهما، لفقدان ما يوجب القطع، فقد يقطع بكذبه لما علم بخلافه، إما ضرورة كالإخبار باجتماع النقيضين أو ارتفاعهما أو استدلالا كإخبار الفيلسوف بقدم العالم فإنه يعلم كذبه بالاستدلال على حدوث العالم. (١٣٤أ). (ص) وكل خبر أوهم باطلا ولم يقبل التأويل فمكذوب أو نقص منه ما يزيل الوهم. (ش) عدم قبوله التأويل أما لمعارضته الدليل العقلي أو غيره مما يوجب ذلك فيمتنع صدوره عنه ﵇ قطعا، فإن الشرع يرد بمجوزات العقول لا بمستحيلاتها كقوله: إن الله خلق نفسه وغيره من الأحاديث المختلقة في التشبيه والقصد بهذا أنه إذا تعارض السمع وما أدركه العقل من أحكام العقائد وغيرها أيهما يقدم؟ والمتكلمون يقدمون مدرك العقل، لأنه السمع إنما يثبت بدليل العقل، فلو قدم السمع كان ذلك قدحا في الأصل بالفرع ثم في الفرع تبعا لأصله وأنه باطل لكن تصرف المحدثين يقتضي تقديم السمع لاحتمال غلط العقل لا سيما في الأمور الإلهية، والشرع أوثق منه في ذلك. والحق بناؤه على الخلاف السابق في مباحث الكتاب أن الأدلة النقلية تفيد اليقين أم لا؟ وقد نازع ابن دقيق العيد في عدهم هذا القسم مما يقطع بكذبه، وقال: إنما يصح إذا حددنا الكذب بما يخالف الواقع من غير أن يعتبر قصد المخبر، أما إذا اعتبرنا فيه قصده فقد يكون ذلك الخبر وإن كان غير مطابق -

стр. 845

قطعا يوهم رواية أنه عن النبي ﷺ ولم يتعمد الكذب فيه، فعلى هذا، الصواب أن يقال: يقطع بعدم مطابقته للواقع وتحرز بقوله: ولم يقبل التأويل، عما إذا قبله فإنه لا يقطع بكذبه، لاحتمال أن يكون المراد هو المعنى الصحيح. وقوله: أو نقص منه ما يزيل الوهم، قد تمثل له بما ذكره ابن قتيبة في (مختلف الحديث) أنه ﵇ ذكر مائة سنة أنه لا يبقى على ظهرها يومئذ نفس منفوسة، وهذا خلاف للمشاهدة، وإنما سقط منه ((لا يبقى على الأرض منكم)) فأسقط الراوي ((منكم)) وكذلك قول ابن مسعود في ليلة الجن: ما شهدها أحد منا، مع أنه جاء عنه شهودها، ولكن الراوي سقط منه: غيري وتابعه على هذا ابن السيد في كتاب (أسباب الخلاف) وهو عجيب، ففي صحيح مسلم: هل كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا. (ص) وسبب الوضع نسيان أو افتراء أو غلط أو غيرها. (ش) سبب وقوع الكذب عليه ﷺ إما نسيان الراوي لطول عهده بالخبر المسموع فربما حمله النسيان على ما يخل بالمعنى، أو برفع ما هو موقوف أو غير ذلك من أسباب النسيان، وما افتراء كوضع الزنادقة أحاديث تخالف المعقول، ونسبوها إلى الرسول ﷺ تنفيرا للعقلاء عن الشريعة، وإما غلط، بأن أراد النطق بلفظ فسبق لسانه إلى ما سواه، أو وضع لفظ مكان آخر، ظانا أنه يؤدي معناه أو غيرها، يعني كما ذهب إليه بعض الكرامية من جواز وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب، حكاه أبو بكر بن
следующие страницы →