← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الخبر من حيث الوضع إلا الصدق، لاتفاق اللغويين والنحاة على أن معنى قولنا: قام زيد - حصول القيام منه في الزمن الماضي ولم يقل أحد منهم: إن معناه صدور القيام أو عدمه، وإنما احتمله من جهة المتكلم لا من جهة الوضع اللغوي، وعلى هذا يستقيم قول محمد بن الحسن في (الجامع): إن أخبرتني أن فلانا قدم، يحنث بالصدق والكذب، لأنه يستعمل فيهما من جهة المتكلم والمخاطب، وقلت: وكذا قال أصحابنا لكن نضعف مذهب القرافي بأمور: أحدها: القول بأن المركبات ليست موضوعية. ثانيها: ما ذكره المصنف من القاعدة. ثالثها: لا نسلم أن مدلول: قام زيد، حصول القيام، وإنما مدلوله الحكم بحصوله القيام، وذلك يحتمل الصدق والكذب. رابعها: اتفاق الناس على أن الخبر أعم من الصدق والكذب. (ص) ومورد الصدق والكذب النسبة التي تضمنها ليس غير كقائم، في: زيد ابن عمرو قائم، لا بنوة زيد، ومن ثم قال مالك وبعض أصحابنا الشهادة بتوكيل فلان ابن فلان فلانا - شهادة بالوكالة فقط، والمذهب، بالنسب ضمنا والوكالة أصلا. (ش) مورد الصدق والكذب في الخبر هو النسبة التي تضمنها الخبر لا واحد من طرفيها، فإذا قيل: زيد بن عمرو قائم، فقيل: صدقت أو كذبت (١٣٣ب) فالصدق والكذب راجعان إلى القيام لا إلى بنوة زيد وقوله: ومن ثم، أي من

стр. 842

هناك وهو أن الثابت النسبة فقط، قال مالك وبعض أصحابنا إذا شهد شاهدان بأن فلان بن فلان وكل فلانا، كانت شهادة بالتوكيل، ولا يستفاد منها، أنهما شهدا بالبنوة، فليس له في محاكمة أخرى في البنوة أن يقول: هذان شهدا لي بالبنوة لقولهما في شهادة التوكيل: إني فلان ابن فلان، والمذهب الصحيح عندنا أنه شهادة بالوكالة أصلا، وهذا واضح لأنه مورد الكلام ومقصده وبالنسب ضمنا، وهذا قد يستشكل على هذا الأصل، ولا إشكال فيه، لأنا لما صدقنا الشاهدين كان قولهما متضمنا لذلك، وهذه المسألة مذكورة في (الإشراف) للهروي و (الحاوي) للماوردي، و (البحر) للروياني واعلم أن هذه القاعدة مهمة، وقد أهملها الأصوليون وذكرها البيانيون كالسكاكي ومنهم أخذ المصنف وقد أورد عليهم ما رواه البخاري مرفوعا إلى النبي ﷺ : ((يقال للنصارى يوم القيامة ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد)) وكذلك استدل الشافعي ﵁ وغيره من الأئمة على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى: ﴿وقالت امرأة فرعون﴾ وينبغي أن يخرج الفرع الذي ذكره المصنف تفصيلا في المسألة، وهو يدل على نسبة المحمول للموضوع بالمطابقة وعلى غيره بالالتزام قال بعضهم: وهذا هو الحق, وينبغي أن يستثنى من ذلك ما لو كانت صفة المسند إليه مقصودة بالحكم بأن يكون المحكوم عليه في المعنى الهيئة الحاصلة من المسند إليه كقوله ﵊: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) فإنه لا يخفى أن

стр. 843

المراد الذي جمع كرم نفسه وآبائه وهو يوسف وليس المراد الإخبار عن الكريم الذي اتفق له صفة الكرم كما في قولك: زيد العالم قائم وكذلك الصفات الواقعة في الحدود نحو: الإنسان حيوان ناطق فإن المقصود الصفة والموصوف معا، ولو قصدت الإخبار بالموصوف فقط لفسد الحد، ولم يقف والد المصنف على نقل في المسألة، فقال في (فتاويه): إنه لا يدل على ذلك في كلام الآدميين, وإن دل فبالالتزام وهو غير نافع، بل لا بد أن يصرح به الشاهد بخلاف كلام الله تعالى، فإنه محتج به وبما يدل عليه مطابقة كان أو التزاما فافهم الفرق بين الموضعين فهذا كلامه. فائدة: يجوز في قوله: ليس غير، أربعة أوجه: فتح الراء وضمها بلا تنوين فيهما على إضمار الاسم، وبالتنوين فيهما، وعدل عن قول غيره من المصنفين: لا غير لأن بعضهم لحنهم في ذلك، وقال: إنها تقطع عن الإضافة لفظا إذا تقدمت (كلمة ليس، خاصة ونازع في ذلك آخرون منهم ابن بري وقال: ويجوز بناؤها على الضم، مع لا، لانقطاعها) عن الإضافة كما فعل بقبل وبعد، والتقدير: لا غير ذلك، فلما منعت الإضافة رفعت. (ص) مسألة الخبر إما مقطوع بكذبه - كالمعلوم خلافه - ضرورة أو استدلالا

стр. 844

(ش) الخبر وإن كان من حيث هو محتمل للصدق والكذب، لكنه قد يقطع بصدقه أو كذبه لأمور خارجية أو لا يقطع بواحد منهما، لفقدان ما يوجب القطع، فقد يقطع بكذبه لما علم بخلافه، إما ضرورة كالإخبار باجتماع النقيضين أو ارتفاعهما أو استدلالا كإخبار الفيلسوف بقدم العالم فإنه يعلم كذبه بالاستدلال على حدوث العالم. (١٣٤أ). (ص) وكل خبر أوهم باطلا ولم يقبل التأويل فمكذوب أو نقص منه ما يزيل الوهم. (ش) عدم قبوله التأويل أما لمعارضته الدليل العقلي أو غيره مما يوجب ذلك فيمتنع صدوره عنه ﵇ قطعا، فإن الشرع يرد بمجوزات العقول لا بمستحيلاتها كقوله: إن الله خلق نفسه وغيره من الأحاديث المختلقة في التشبيه والقصد بهذا أنه إذا تعارض السمع وما أدركه العقل من أحكام العقائد وغيرها أيهما يقدم؟ والمتكلمون يقدمون مدرك العقل، لأنه السمع إنما يثبت بدليل العقل، فلو قدم السمع كان ذلك قدحا في الأصل بالفرع ثم في الفرع تبعا لأصله وأنه باطل لكن تصرف المحدثين يقتضي تقديم السمع لاحتمال غلط العقل لا سيما في الأمور الإلهية، والشرع أوثق منه في ذلك. والحق بناؤه على الخلاف السابق في مباحث الكتاب أن الأدلة النقلية تفيد اليقين أم لا؟ وقد نازع ابن دقيق العيد في عدهم هذا القسم مما يقطع بكذبه، وقال: إنما يصح إذا حددنا الكذب بما يخالف الواقع من غير أن يعتبر قصد المخبر، أما إذا اعتبرنا فيه قصده فقد يكون ذلك الخبر وإن كان غير مطابق -

стр. 845

قطعا يوهم رواية أنه عن النبي ﷺ ولم يتعمد الكذب فيه، فعلى هذا، الصواب أن يقال: يقطع بعدم مطابقته للواقع وتحرز بقوله: ولم يقبل التأويل، عما إذا قبله فإنه لا يقطع بكذبه، لاحتمال أن يكون المراد هو المعنى الصحيح. وقوله: أو نقص منه ما يزيل الوهم، قد تمثل له بما ذكره ابن قتيبة في (مختلف الحديث) أنه ﵇ ذكر مائة سنة أنه لا يبقى على ظهرها يومئذ نفس منفوسة، وهذا خلاف للمشاهدة، وإنما سقط منه ((لا يبقى على الأرض منكم)) فأسقط الراوي ((منكم)) وكذلك قول ابن مسعود في ليلة الجن: ما شهدها أحد منا، مع أنه جاء عنه شهودها، ولكن الراوي سقط منه: غيري وتابعه على هذا ابن السيد في كتاب (أسباب الخلاف) وهو عجيب، ففي صحيح مسلم: هل كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا. (ص) وسبب الوضع نسيان أو افتراء أو غلط أو غيرها. (ش) سبب وقوع الكذب عليه ﷺ إما نسيان الراوي لطول عهده بالخبر المسموع فربما حمله النسيان على ما يخل بالمعنى، أو برفع ما هو موقوف أو غير ذلك من أسباب النسيان، وما افتراء كوضع الزنادقة أحاديث تخالف المعقول، ونسبوها إلى الرسول ﷺ تنفيرا للعقلاء عن الشريعة، وإما غلط، بأن أراد النطق بلفظ فسبق لسانه إلى ما سواه، أو وضع لفظ مكان آخر، ظانا أنه يؤدي معناه أو غيرها، يعني كما ذهب إليه بعض الكرامية من جواز وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب، حكاه أبو بكر بن

стр. 846

السمعاني في (أماليه) وهو راجع إلى الافتراء. (ص) ومن المقطوع بكذبه على الصحيح خبر مدعي الرسالة بغير معجزة تصديق الصادق، وما نقب عنه ولم يوجد عند ذويه، وبعض المنسوب إلى النبي ﷺ والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي على نقله خلافا للرافضة. (ش) والمقطوع بكذبه غير ما سبق صور: أحدها: ذكره إمام الحرمين: أن يتنبأ متنبئ من غير معجزة فيقطع بكذبه قال: وهذا مفصل عندي، وأقول: إن تنبأ وزعم أن الخلق كلفوا متابعته وتصديقه من غير آية فهذا كذب، فإن مساقه يفضي إلى (١٣٤ب) تكليف ما لا يطاق, وهو العلم بصدقه من غير سبيل يؤدي إلى العلم, وأما إذا قال: ما كلف الخلق اتباعي ولكن أوحي إلي فلا نقطع بكذبه، قلت: وهذا فيما قبل ظهور خاتم النبيين ﷺ فأما الآن فنقطع بكذبه لقيام القاطع أن لا نبي بعده.

стр. 847

ثانيها: ما نقل عن النبي ﷺ بعد استقرار الأخبار، ثم فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب، ولا في صدور الرواة، ذكره الإمام الرازي وسبقه إليه صاحب (المعتمد) قال: كما لو قال الراوي: هذا الخبر في الكتاب الفلاني فلم نشاهده فيه وهذا قد ينازع في إفضائه إلى القطع، وإنما غايته غلبة الظن ولهذا قال القرافي: يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان ولا راو إلا وكشف أمره في جميع أقطار الأرض، وهو عسير أو متعذر، وقد ذكر أبو حازم، في مجلس هارون الرشيد حديثا، وحضره الزهري، فقال: لا أعرف هذا الحديث فقال:

стр. 848

أحفظت حديث رسول الله ﷺ كله؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: أرجو، قال: اجعل هذا في النصف الذي لم تعرفه، هذا وهو الزهري شيخ مالك فما ظنك بغيره نعم إن فرض دليل عقلي أو شرعي يمنع منه عاد إلى ما سبق. ثالثها: بعض الأخبار المروية عن النبي ﷺ بطريق الآحاد مقطوع بكذبه لقوله ﷺ : ((سيكذب علي)) وهذا الحديث لا يعرف. رابعها: المنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي على نقله إما لكونه أمرا غريبا كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة، أو لتعلق أصل من أصول الدين به كالنص الذي زعم الروافض أنه دل على إمامة علي رضوان الله عليه فعدم تواتره دليل على عدم صحته.

стр. 849

(ص) وإما بصدقه كخبر الصادق وبعض المنسوب إلى محمد ﷺ والمتواتر معنى أو لفظا. (ش) الخبر المقطوع بصدقه أنواع: منها خبر الصادق، أي الذي لا يجوز عليه الكذب أصلا، إما لعلمه وغناه، وهو خبر الله تعالى لتنزهه عن جميع النقائض أو لأنه عصم من الكذب، إما لدلالة المعجزة، وهو خبر رسول الله ﷺ الذي يخبر به مشافهة أو ينقل عنه متواترا، ومنهم من استدل عليه بالإجماع على صدقه. قال ابن دقيق العيد: وهو غير جيد، بل الدليل الصحيح أن المعجزة دلت عليه، فإنها دلت على الصدق في التبليغ، إذ لا معنى للرسالة سوى ذلك، كل ما أخبر به فهو داخل تحت مدلول المعجزة. انتهى. وإما لشهادة الله تعالى ورسوله ﷺ له بذلك، وخبر جميع الأمة ومنها بعض المنسوب إلى النبي محمد ﷺ وإن كنا لا نعرف ذلك إلا بجملة معينة، وأنه قد سبق أنهم قد كذبوا عليه ومنها ما أخبر عنه عدد التواتر قال الغزالي: وليس في الأخبار ما يعلم صدقه بمجرد الإخبار إلا المتواتر، وما عداه فإنما يعلم صدقه بدليل يدل عليه سوى نفس الخبر وحكى صاحب (المعتمد) عن النظام أنه يشترط القرينة

стр. 850

في اقتضائه العلم في الآحاد، وهو غريب، وسواء التواتر المعنوي واللفظي والفرق بينهما أن أخبار الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إن اتفقوا في اللفظ والمعنى فذاك، وإن اختلفوا فيهما مع وجود معنى كلي فيما أخبروا به، وقع عليه الاتفاق كما إذا أخبر واحد عن حاتم أنه أعطى بعيرا وآخر (١٣٥أ) أنه أعطى فرسا وآخر أنه أعطى دينارا وهلم جرا فإن المخبرين وإن اختلفوا في الأداء فقد اتفقوا على معنى كلي، وهو الإعطاء وهو دون التواتر اللفظي، لأجل الاختلاف في طريق النقل، قال الشيخ أبو إسحاق: ولا يكاد يقع الاحتجاج به إلا في شيء من الأصول ومسائل قليلة من الفروع كغسل الرجلين مع الروافض والمسح على الخفين مع الخوارج. تنبيه: كان ينبغي أن يزيد الخبر المعلوم صدقه بضرورة العقل أو بنظره على قياس ما ذكر أولا في نقيضه مما يقطع بكذبه. (ص) وهو خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن محسوس. (ش) الضمير راجع إلى اللفظي، لا المتواتر من حيث هو فيخرج بالجمع خبر

стр. 851

الواحد، ويمتنع تواطؤهم عن جماعة لا يمتنع فيهم ذلك، وزاد بعضهم: (بنفسه) ليخرج ما امتنع فيهم ذلك بالقرائن، أو موافقة دليل عقلي أو غير ذلك، وإنما لم يذكره المصنف لأن المفيد للقطع هو مع القرائن، وقوله: (عن محسوس) هو في قوة شرطين: أحدهما: أن يكون عن علم لا عن ظن. وثانيهما: أن يكون علمهم ضروريا مستندا إلى محسوس، ونعني بالمحسوس ما يدرك بإحدى الحواس الخمس، وإنما شرط علمهم ذلك عن الحس بخصوصه ذكره الرازي والآمدي وأتباعهما والذي صرح به الأقدمون كالقاضي اشتراط كونه عن ضرورة إما بعلم، الحس من سماع أو مشاهدة وإما بأخبار متواترة، فلو أخبروا عن نظر لم يفد العلم لتفاوت العقلاء في النظر، ولهذا يتصور الخلاف منه نفيا وإثباتا وقال إمام الحرمين: لا وجه لاشتراط الحس، بل يكفي فيه العلم الضروري فإن المطلوب صدور الخبر عن العلم الضروري، ثم قد يترتب على الحواس ودركها، وقد يحصل عن قرائن الأحوال كصفرة الوجل وحمرة الخجل، فإنه ضروري عند المشاهدة، ولا أثر للحس فيها على الاختصاص.

стр. 852

(ص) وحصول العلم آية اجتماع شرائطه ولا تكفي الأربعة وفاقا للقاضي والشافعية وما زاد عليها صالح من غير ضبط، وتوقف القاضي في الخمسة وقال الإصطخري: أقله عشرة، وقيل: اثنا عشر، وعشرون، وأربعون، وسبعون، وثلاثمائة، وبضعة عشر. (ش) اختلف هل يشترط فيه عدد معين، والجمهور على أنه ليس فيه حصر، وإنما الضابط حصول العلم، فمتى أخبر هذا الجمع، وأفاد خبرهم العلم - علمنا أنه متواتر وإلا فلا. قال القاضي: أقطع بأن قول الأربعة لا يفيد، وتوقف في الخمسة وقال ابن السمعاني: ذهب أكثر أصحاب الشافعي ﵁ إلى أنه لا يجوز التواتر بأقل من خمسة، وما زاد. فعلى هذا لا يجوز أن يتواتر بأربعة، لأنه عدد معين في الشهادة الموجبة لغلبة الظن دون العلم والمشترطون للعدد اختلفوا واضطربوا فقيل: يشترك عشرة ونسب للإصطخري والذي في (القواطع) عنه: لا يجوز أن

стр. 853

يتواتر بأقل من عشرة، وإن جاز أن يتواتر بالعشرة فما زاد، لأنها ما دونها جمع الآحاد فاختص بأخبار الآحاد، والعشرة فما زاد جمع الكثرة، وقيل: اثنا عشر، لأنهم عدد النقباء وقيل عشرون لقوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ وقيل: أربعون عدد الجمعة، وقيل: سبعون، لقوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا﴾ وقيل: ثلاثمائة وبعضة عشر، عدد أهل بدر وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بخبرهم للمشركين، والبضع بكسر الباء ما بين الثلاثة إلى التسعة قال ابن قتيبة في كتابه (مختلف الحديث): والذي يؤكد ضعف هذه الأقاويل أنه يلزم منها (١٣٥ب) إثبات قول بثمانية، كقوله تعالى: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ وإثبات قول تسعة عشر لقوله تعالى: ﴿عليها تسعة عشر﴾ ولم يصيروا إليه فدل على فساد حجتهم. (ص) والأصح لا يتشرط فيه إسلام ولا عدم احتواء بلد. (ش) لا يشترط في ناقل التواتر الإسلام.

стр. 854

خلافا لابن عبدان من أصحابنا، قال ابن القطان: وإنما غلط لتسويته بين ما طريقه الاجتهاد وما طريقه الخبر، ولا يشترط في المخبرين أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد خلافا لقوم، لأن أهل الجامع لو أخبروا عن سقوط المؤذن عن المنارة فيما بين الخلق لأفاد خبرهم العلم. (ص) وأن العلم فيه ضروري وقال الكعبي والإمامان: نظري، وفسره إمام الحرمين بتوقفه على مقدمات حاصلة لا احتياج إلى النظر عقيبه، وتوقف الآمدي. (ش) فيه إشارة إلى مسألتين: إحداهما: أن خبر التواتر يفيد العلم، ولم ينقل فيه خلاف إلا عن السمنية.

стр. 855

وهو مكابرة على الضرورة: وهذه من مسائل (المنهاج). الثانية: ذهب الجمهور إلى أن العلم في التواتر ضروري لا على معنى إنه يعلم بغير دليل بل معنى إنه يلزم التصديق فيه ضرورة إذا وجدت شروطه، كما يلزم التصديق بالنتيجة الحاصلة عن المقدمات ضرورة، وإن لم تكن في نفسها ضرورية واستدلوا بأنه لو لم يفد العلم الضروري لوجدنا أنفسنا شاكين في وجود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفي وجود بغداد، وذلك باطل، لأن كل ما لا يعرض فيه الشك فليس بنظري، فالعلم الحاصل عن التواتر ليس بنظري وذهب الكعبي إلى أنه

стр. 856

كسبي مفتقر إلى تقدم استدلال ونقله المصنف عن الإمامين - يعني إمام الحرمين والرازي - فأما إمام الحرمين فهو قد صرح في (البرهان) بموافقته الكعبي، لكنه نزله على أن العلم الحاصل عقيبه من باب العلم المستند إلى القرائن والمقدمات الحاصلة قال: وهذا هو مراد الكعبي، ولم يرد نظرا عقليا وفكرا سبريا على مقدمات ونتائج وقريب منه تقسيم الغزالي في (المستصفى) العلم النظري إلى ما يدرك بنظر قريب وإلى ما يدرك بنظر بعيد، وجعل التواتر من الأول، وقال: إنه يحصل العلم به عن مقدمتين: إحداهما: هي أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم وتباين أغراضهم لا يجمعهم على الكذب جامع. والثانية: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة، فينبني العلم بالصدق على مجموع المقدمتين، وأما الإمام الرازي فالذي في (المحصول) موافقة الجمهور

стр. 857

وتوقف الشريف المرتضي والآمدي. (ص) ثم إن أخبروا عن عيان فذاك وإلا فيشترط ذلك في كل الطبقات والصحيح ثالثها، إن علمه لكثرة العدد متفق وللقرائن قد يختلف فيحصل لزيد دون عمرو. (ش) عدد التواتر إن أخبروا عن معاينة فذاك، وإن لم يخبروا عن معاينة اشترط وجود هذا العدد، أعني الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب في كل الطبقات وهو معنى قول الأصوليين: لا بد فيه من استواء الطرفين والواسطة، ولهذا يعلم أن التواتر قد ينقلب آحادا عند الاندراس وأشار بقوله: والصحيح إلى أنه هل يجب اطراد حصول العلم بالنسبة إلى سائر الأشخاص بإخبار عدد التواتر الذي حصل العلم بخبرهم عن واقعة بالنسبة إلى شخص أم لا؟ اختلفوا فيه فذهب القاضي أبو بكر وغيره إلى وجوب الاطراد، وآخرون إلى عدمه، وتوسط الهندي (١٣٦أ) فقال: الحق إن

стр. 858

حصول العلم في الصورة التي حصل العلم فيها بمجرد الخبر من غير احتفاف قرينة لا من جهة المخبرين ولا من جهة السامعين، فالاطراد واجب وإن لم يكن بمجرده بل لانضمام أمر آخر إليه فلا يجب الاطراد. (ص) وإن الإجماع على وفق خبر لا يدل على صدقه، وثالثها: يدل إن تلقوه بالقبول. (ش) إذا اجتمعت الأمة على وفق خبر، فهل يدل على القطع بصدقه؟ فيه مذاهب: أصحها: المنع، لأنه يحتمل أن يكون عملهم لدليل آخر غايته إنه لم ينقل إلينا وذلك لا يدل على عدمه. والثاني: عليه وبه قال الكرخي وبعض المعتزلة. والثالث: إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه، حملا للآمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد، وإن تلقوه بالقبول قولا وفعلا، حكم بصدقه، ونقله إمام الحرمين عن ابن فورك.

стр. 859

واعلم أنهما مسألتان: إحداهما: الإجماع على وفقه من غير أن يبين أنه مستندهم وفيها قولان في أنه هل يدل على صدقه قطعا أم لا؟ والثانية: أن يجمعوا على قبوله والعمل به، ولا خلاف أنه يدل على صدقه، وإنما الخلاف في أنه هل يدل قطعا أو ظنا؟ فالجمهور من أصحابنا على القطع، وذهب القاضي أبو بكر وإمام الحرمين إلى الظن، وجمع المصنف في المسألتين ثلاثة أقوال، ولكنه يقتضي أن الصحيح أنه لا يدل على صدقه وإن تلقوه بالقبول، وهذا لا يقوله أحد. (ص) وكذلك بقاء خبر تتوفر الدواعي على إبطاله خلافا للزيدية. (ش) قالت الزيدية: بقاء النقل مع توفر الدواعي على إبطاله يدل على صحته قطعا، كخبر الغدير والمنزلة فإنه سلم نقلهما في زمان بني أمية مع توافر

стр. 860

دواعيهم على إبطالها، وهو ضعيف لأن المروي بالآحاد قد يستقر بحيث يعجز العدو عن إخفائه، هذا إن تمسك بشهرة النقل وإن تمسك بتسليم الخصم فهو أيضا لا يدل على الصحة، لاحتمال أنه سلمه على وجه غلبة الظن بصدقه. (ص) وافتراق العلماء بين مؤول ومحتج خلافا لقوم. (ش) إذا قبل الحديث شطر الأمة وعملوا به واشتغل الشطر الأخير بتأويله هل يدل ذلك على صحته على وجه القطع؟ اختلفوا فيه: فذهب الأكثرون أنه لا يدل وهو الحق لأنه من قبله وعمل به لعله قبله لكونه مظنون الصدق، ولو فرض أنه كان في مسألة عملية ولعل من أوله ولم يحتج به، يطعن فيه أنه من باب الآحاد، إذ لا يجوز أن يكون مقطوعا به، وتأوله ولا معارض له، وذهبت طائفة منهم ابن السمعاني - إلى أنه يدل عليه، لأن الكل تلقوه بالقبول وهو يفيد القطع بصحته، غايته أن بعضهم أوله وذلك لا يقدح في متنه. تنبيه: ما صور به المصنف المسألة أن بعضهم احتج به وبعضهم أوله وهو المذكور في (المحصول) وأتباعه لكن الآمدي في (الإحكام) صورها بما إذا عملت طائفة بمقتضى الخبر والباقون أولوه، لا يدل على صدقه لاحتمال علمهم بغيره ولئن سلمناه

стр. 861

لكن العمل بالظن جائز أيضا وهذا مخالف لتصوير (المحصول). (ص) وأن المخبر بحضرة قوم لم يكذبوه ولا حامل، على سكوتهم - صادق. (ش) إذا أخبر واحد بحضرة جمع كثير بحيث لا يخفى على مثلهم عادة وسكتوا عن تكذيبه، ولا حامل لهم على سكوتهم من خوف أو طمع. فذهب الجمهور إلى أنه يدل على صدقه قطعا قال الأستاذ: وبهذا النوع أثبتت المعجزات. وقال آخرون: ليس بقطعي، لاحتمال مانع من التكذيب، واختاره الرازي والآمدي. (ص) وكذا المخبر (١٣٦ب) بمسمع من النبي ﷺ ولا حامل على التقرير والكذب خلافا للمتأخرين، قيل: إن كان عن دنيوي.

стр. 862

(ش) إذا اخبر واحد بين يدي النبي ﷺ وسكت النبي ﷺ عن تكذيبه، فهل يدل على صدقه؟ فقال جماعة: نعم، لأنه لو كان كذبا لأنكره، وأنكره بعضهم مطلقا، وعزاه المصنف إلى المتأخرين، يعني: الآمدي وابن الحاجب وقال الهندي تبعا للمحصول إن كان خبرا عن أمر ديني دل على صدقه، لكن بشروط: أحدها: أن لا يكون قد تقدم بيان ذلك الحكم فلو تقدم لم يكن السكوت دليل الصدق لاحتمال الاستغناء عن الإنكار بالسابق. ثانيها: أن يجوز تغيير ذلك الحكم عما بينه، فلو لم يكن مما يغير اندفع احتمال النسخ فلم يكن السكوت موهما للصدق. ثالثها: أن يكون ذلك المخبر ممن لم يعرف عناده النبي ﷺ وكفره به، فإن عرف لم ينفع فيه الإنكار، فلم يجب عليه إنكاره بالنسبة إليه، وأما بالنسبة إلى غيره فلا يجب أيضا، لاحتمال أن يكون ذلك الوقت لم يكن وقت الحاجة إليه، وإن كان خبرا عن أمر دنيوي، فهو أيضا يدل على صدقه، بشروط: أحدها: أن يستشهد بالنبي ﷺ وإلا لم يدل، فإنه لا يجب عليه بيان الأمور الدنيوية وفيه نظر، لأنه وإن لم يجب عليه ذلك، لكن يجب عليه المنع من تعاطي الكذب. ثانيها: أن يعلم أنه ﷺ عالم بالقضية، وإلا لم يكن دليلا على صدقه، لاحتمال أن سكوته لأنه لم يعلم حقيقة الحال فيه.

стр. 863

ثالثها: أن يكون المخبر ممن لا يعلم أنه لا ينفع فيه الإنكار، فإن علم أنه لا ينفع سقط الأمر عن الإنكار عليه، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: أولا، ولا حامل على التقرير والكذب، فلهذا استغنى عن تقييد المذهب المفصل. (ص) وأما مظنون الصدق فخبر الواحد، وهو ما لم ينته إلى التواتر، ومنه المستفيض وهو الشائع عن أصل، وقد يسمى مشهورا وأقله اثنان وقيل: ثلاثة (ش) الثالث: الخبر الذي لا يقطع بصدقه ولا بكذبه وهو خبر الواحد وليس المراد ما يرويه الواحد فقط, بل المراد منه الخبر الذي لم ينته إلى حد التواتر سواء انتهى إلى حد الاستفاضة والشهرة أم لا, فعلى هذا ينقسم خبر الواحد إلى مستفيض ومشهور مفيد الظن المولد إلى ما ليس كذلك وذهب ابن فورك إلى أن المستفيض يفيد القطع,

стр. 864

فجعله من أقسام التواتر ثم المختار في تعريفه: إنه الشائع عن أصل, فخرج الشائع لا عن أصل يرجع إليه، فإنه مقطوع بكذبه، وقد يسمى المستفيض مشهورا وأقله اثنان، وقيل: ثلاثة، وبه جزم الآمدي وابن الحاجب ثم ذكر الرافعي في الشهادات عن الشيخ أبي حامد وأبي إسحاق المروزي وأبي حاتم القزويني: إن أقل ما ثبت به الاستفاضة سماعه من اثنين وإليه ميل إمام الحرمين. قال: واختار ابن الصباغ وغيره سماعه من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب، قال: وهو أشبه بكلام الشافعي وهو يؤيد مقالة ابن فورك في أنه قسم من المتواتر. تنبيه: جعل المصنف أقسام الخبر ثلاثة، تابع فيه الأصوليين وقد نازع فيه العبدري

стр. 865

في شرحه (للمستصفى) وقال: هذا الثالث، إنما هو قسم ثالث بالنسبة إلينا، وأما هو في نفسه: فلا بد أن يكون إما من القسم الأول وإما من الثاني. (ص) مسألة: خبر الواحد لا يفيد العلم إلا بقرينة، وقال الأكثر: لا مطلقا وأحمد: يفيد العلم مطلقا، والأستاذ وابن فورك: يفيد (١٣٧أ) المستفيض علما نظريا. (ش) خبر الواحد العدل المتجرد عن القرائن لا يفيد العلم مطلقا عند الجمهور: وقيل: يفيده مطلقا، ونقله الباجي عن أحمد وابن خويز منداد وحمله بعض المحققين على الخبر المشهور، وهو الذي صحت له أسانيد متعدد سالمة عن الضعف والتعليل فإنه يفيد العلم النظري، لكن لا بالنسبة إلى كل أحد، بل إلى الحافظ المتبحر، قال: ولعل هذا مراد أحمد لا مطلق الخبر، وقال أبو الحسين حكى= عن قوم أنه يقتضي العلم الظاهر، وعنوا بذلك الظن والثالث: أنه يفيده إن احتفت به قرائن وإلا فلا، وهو المختار عند المصنف وفاقا للإمام والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي وغيرهم فإن خبر الموت مع قرينة البكاء

стр. 866

وإحضار الكفن يفيد القطع بالموت، واعترض بأنه قد يقال: أغمي عليه، والجواب: أن عدم إفادة هذه القرينة العلم، لا يوجب عدم إفادة باقي القرائن إذ منها ما لا يعبر عنه كما يظهر بوجه الخجل والوجل، وفصل الأستاذ أبو إسحاق وابن فورك فقالا: غير المستفيض لا يفيد العلم، وأما المستفيض فيفيد العلم النظري بخلاف المتواتر فإنه يفيد ضرورة. (ص) مسألة: يجب العمل به في الفتوى والشهادة إجماعا وكذا سائر الأمور الدينية الظنية قيل: سمعا، وقيل: عقلا، وقالت الظاهرية: لا يجب مطلقا. (ش) لا خلاف في وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية وإنما الخلاف في الأمور الدينية، كذا قاله في (المنهاج) فتابعه المصنف،

стр. 867

وإنما تعرض في (المحصول) للجواز، لا للوجوب، ثم مرادهم بقبول الواحد في الفتوى، والاثنين في الشهادة، ولهذا قال ابن السمعاني في (القواطع): إضافة الفتوى إلى المفتي يقبل فيها خبر الواحد، وأما إن أخبر بحكم الحاكم فإنه لا يقبل إلا بما يقبل به سائر الشهادات، انتهى. وأما الأمور الدينية، فالجمهور قالوا: يجب العمل به ثم اختلفوا فالأكثرون: إنه يجب سمعا وأما الخبر المتواتر عن النبي ﷺ : أنه كان يرسل كتبه بأحكام الله تعالى على يد الآحاد من غير تكليف جمع، وهذا مقطوع به ضرورة، وأما إجماع الصحابة على العمل به، فإن معظم فتاويهم مستندة إليه، وقال القفال: يجب

стр. 868

عقلا على معنى أنه لو لم يرد الدليل السمعي بوجوب العمل به لدل على ذلك العقل، وإلا لتعطلت الأحكام وعن أبي الحسين: دل عليه العقل مع السمع وكان ينبغي للمصنف، أن يقول: وقيل: عقلا، فإن الكل اتفقوا على أن الدليل السمعي يدل عليه، كما قاله الإمام في (المحصول) قال: وإنما اختلفوا في الدليل العقلي، هل دل عليه مع ذلك أم لا؟ فالأكثرون على نفيه، وقال ابن سريج والقفال والصيرفي وغيرهم: بل الدليل العقلي دل عليه، وهو الاحتياج إلى معرفة بعض الأشياء من الخبر، وتنبه أن القائلين بوجوب العمل لا يريدون أنه يوجب العمل لذاته وإنما يوجب العمل بما يجب به العلم بالعمل، وهي الأدلة القطعية على وجوب العمل عند رواية الآحاد، وهكذا حكاه الإمام في أول (البرهان) عن المحققين، قال: وهكذا القول في العمل بالقياس ومن الناس من أنكر التعبد به، وعزاه المصنف للظاهرية وإنما يعرف عن بعضهم كالقاشاني وابن داود، كما نقله

стр. 869

ابن الحاجب بل قد قال ابن حزم في كتاب (الإحكام) مذهب داود أنه يوجب العلم والعمل جميعا ثم المنكرون انقسموا بينهم إلى مذاهب: الأول: إنه لم يوجد ما يدل على أنه حجة، فوجب القطع بأنه غير حجة. والثاني: أن الدليل (١٣٧ب) السمعي قام على أنه غير حجة، وهو رأي القاشاني وابن داود. والثالث: أن الدليل العقلي قام على امتناع العمل به، وعليه جماعة من المتكلمين كالجبائي. (ص) والكرخي في الحدود، وقوم في ابتداء النصب، وقوم فيما عمل الأكثر بخلافه، والمالكية فيما عمل أهل المدينة، والحنفية فيما تعم به البلوى، أو خالفه راويه، أو عارض القياس، وثالثها في معارض القياس، إن عرفت العلة بنص راجح على الخبر، ووجدت قطعا في الفرع لم يقبل، أو ظنا فالوقف وإلا قبل. (ش) ذهب قوم إلى أنه لا يعمل بخبر الواحد في صور، منها: قال الكرخي: لا يقبل في الحدود لأن الآحاد شبهة، والحدود تدرأ بها وعبارة أبي الحسين في

стр. 870

كتابه: (هذا القول أن يكون مما ينتفي بالشبهة) وهي أعم من تعبير المصنف وأيضا فإنه يقبله في إسقاط الحدود، ولا يقبله في إثباتها، كما قاله أبو الحسين ومنها: ما لا يقبل في ابتداء النصب، نقله ابن السمعاني عن بعض الحنفية، وفرقوا بين ابتداء النصاب وثواني النصاب، فقبلوا خبر الواحد في النصاب الزائد على خمسة أوسق، لأنه فرع ولم يقبلوا في ابتداء نصاب الفصلان والعجاجيل، لأنه أصل. ومنها: لا يقبل فيما عمل الأكثر بخلافه، والأصح أنه لا أثر له، فإن تحول البعض ليس بحجة، نعم هو من المرجحات عند التعارض، ومنها: قالت المالكية: لا يقبل إذا خالف عمل أهل المدينة، لهذا نفوا خيار المجلس، قال القرطبي: إذا فسر عملهم بالمنقول تواترا كالأذان والإقامة والمد والصاع، فينبغي أن لا يقع فيه خلاف لانعقاد الإجماع على أنه لا يعمل بالمظنون إذا عارضه قاطع ومنها: قالت الحنفية: لا يقبل فيما تعم به البلوى ولهذا أنكروا نقض الوضوء بمس الذكر.

стр. 871

والجهر بالبسملة وغيره. ومنها: ما خالفه راويه، ولهذا لم يوجبوا السبع في الولوغ، لمخالفة أبي هريرة لروايته، وقسمه صاحب (البديع) من الحنفية إلى ثلاثة أقسام: لأنه إما أن يخالف ما رواه قبل الرواية فلا يرد أو بعدها فترد، وإن جهل التاريخ لم ترد لجواز التقدم فليخصص إطلاق المصنف وغيره، ومنها: ما عارضه القياس، ولهذا ردوا خبر المصراة، وظاهر سياق المصنف أن ذلك قول الحنفية، وقد نقل في

стр. 872

(المنهاج) عنهم إنهم اشترطوا فقه الراوي، إذا خالف الحديث القياس، وهو تصريح بأنهم لا يردونه مطلقا، وسيذكره المصنف فيما بعد، وفي (اللمع) للشيخ أبي إسحاق، قال أصحاب مالك ﵀: إذا خالف القياس لم يقبل، وقال أصحاب أبي حنيفة ﵀: إذا خالف القياس الأصول لم يقبل، وذكروه في أحاديث الوقف والقرعة والمصراة، فإن أرادوا بالأصول القياس على ما ثبت بالأصول، فهو قول المالكية وإن أرادوا نفس الأصول التي هي الكتاب والسنة والإجماع، فليس معهم فيما ردوه كتاب ولا سنة، انتهى. والثاني: وهو الصحيح تقديم الخبر مطلقا وحكاه في (البديع) عن الأكثرين وقال الباجي: إنه الاصح عندي من قول مالك، فإنه سئل عن حديث المصراة، فقال: أولا. في هذا الحديث رأى=، وقال: وهذا عندي على تقدير وجوده، وإلا فما أعلم حديثا يعارضه نظر صحيح، لأن النظر الصحيح ملغى في حديث صحيح، وإنما يعارض ظواهر الأحاديث والتأويل يجمع بينهما على الوجه الصحيح. والثالث: وهو المختار عند الآمدي، وابن الحاجب، إن كانت العلة ثبتت بنص راجح على الخبر في الدلالة فإن كان وجود العلة في الفرع قطعيا، فالقياس مقدم، وإن كان وجودها فيه ظنيا (١٣٨أ) فالتوقف وإن ثبت لا بنص راجح فالخبر مقدم وحكى الباجي عن القاضي أبي بكر رابعا: أنهما متساويان. (ص) والجبائي: لا بد من اثنين أو اعتضاد، وعبد الجبار: لا بد من أربعة في الزنا. _ (ش) ذهب الجبائي إلى: أنه يشترط في الخبر اثنان. فإن لم يوجد فلا بد أن

стр. 873

يعتضد إما بظاهر، أو عمل بعض الصحابة أو اجتهاد أو كونه منتشرا وهذا الذي نقله المصنف هو الصواب وهو الذي حكاه أبو الحسين في (المعتمد) وبه يعلم غلط من نقل عنه اعتبار العدد مطلقا، كالإمام في (البرهان)، وقد احتج له بأنه ﷺ لم يقبل خبر ذي اليدين، حتى سأل أبا بكر وعمر ﵄ فصدقاه ولم يقبل أبو بكر خبر المغيرة.

стр. 874

حتى روى معه محمد بن مسلمة ولم يقبل عمر خبر أبي موسى في

стр. 875

الاستئذان حتى روى معه أبو سعيد ونظائر ذلك وأجيب بأن توقفهم لمعان أوجبت التوقف، وإلا فقد قبلوا خبر الواحد، وكان النبي ﷺ ينفذ الآحاد إلى الملوك والسعاة للزكوات، وما نقله عن عبد الجبار تابع فيه (المحصول)، ولم يقله عبد الجبار

стр. 876

وإنما حكاه عبد الجبار عن الجبائي، كذا قاله أبو الحسين في (المعتمد) وأنه قاسه على الشهادة عليه، ومقتضى كلام (المستصفى) في حكاية هذا القول: التعميم في كل خبر، لا في الزنا بخصوصه، فإنه قال: يشترط الجبائي في قبول الخبر العدد، وقال قوم: لا بد من أربعة أخذا من شهادة الزنا. (ص) مسألة: المختار وفاقا للسمعاني، وخلافا للمتأخرين: أن تكذيب الأصل الفرع لا يسقط المروي، ومن ثم لو اجتمعا في شهادة لم ترد. (ش) وجهه ابن السمعاني بأنه قال: ذلك على ما ظنه، وقوله: ما رويته أصلا يعارضه قول الراوي: إني سمعته منه، وكل واحد منهما ثقة، ويجوز أن يكون المروي عنه، رواه ثم نسيه، فلا تسقط رواية الراوي بعد أن يكون ثقة مع هذا التجوز وأيد المصنف ذلك بأن الأصل والفرع لو اجتمعا في شهادة، لم ترد بالاتفاق فدل ذلك على أنه غير قادح، لكن ينازع في ذلك قول الهندي: إنه لا يصير بذلك واحد منهما بعينه مجروحا وإن ولا بد من جرح واحد منهما لا بعينه،

стр. 877

كالبينتين المتكاذبتين، قال: وفائدته تظهر في رواية كل واحد منهما، وشهادته إن انفرد وعدم قبول روايته وشهادته مهما اجتمعتا ولو كان في غير ذلك الحديث. وفي المسألة قول ثالث صار إليه إمام الحرمين: إنهما متعارضان ويرجح أحدهما بطريق من طرق الترجيح، واعلم أن حكاية الإسقاط عن المتأخرين قصور، بل الذي عليه الأصحاب كما قاله ابن السمعاني، وذكر إمام الحرمين أن القاضي عزاه للشافعي ﵁، بل حكى الهندي الإجماع عليه، ولم يحفظ المصنف الخلاف فيه عن غير السمعاني وقد جزم به الماوردي والروياني في الأقضية، وقالا: لا يقدح ذلك في صحة الحديث، إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل وهذا كله إذا كان الفرع جازما فإن لم يكن وقال: أظن أني سمعت منك والأصل جاحد، تعين الرد، قطع به في (المحصول) وغيره. (ص) وإن شك أو ظن والفرع العدل جازم فأولى بالقبول وعليه الأكثر. (ش) ما سبق فيما إذا جزم الأصل بالتكذيب، فإن شك أو ظن والفرع العدل جازم فوجهان: أحدهما: وحكاه ابن كج عن بعض الأصحاب: لا يقبل، لأن راوي الأصل كشاهد الأصل، ثم شاهد الأصل إذا أنكر شهادة شاهد الفرع لم تقبل شهادته كذلك هنا، وأصحهما: القبول، لجواز أنه رواه ثم نسيه، وقد (١٣٨ب) وقع ذلك لكثير من الأئمة وصنف فيه الدارقطني والخطيب ويفارق الشهادة فإنها لها مزيد

стр. 878

احتياط ويجتمع من الصورتين ثلاثة أوجه، ثالثها: يقبل فيما إذا تردد دون ما إذا جحد، قال القاضي: وهو مذهب الدهماء من العلماء والفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأبي حنفية وحكي غيره عن أكثر الحنفية الرد، ولهذا ردوا خبر الولي في النكاح، لأن راويه الزهري قال: لا أذكره، وقوله: والفرع جازم أي: بالرواية عنه، وهو يخرج صورتين: إحداهما: أن يكون ظانا بأن يقول الخبر: إني سمعته منك، وهو الأغلب على ظني، قال الهندي: فإن كان الأصل شاكا بأن قال: أشك، أو لا أذكر فالأشبه أنه من جملة صور الخلاف وإن كان هو أيضا ظانا بأن قال: أظن أني ما حدثتك، فالأشبه أنه من صور الوفاق على عدم القبول، والضابط أنه مهما كان قول الأصل معادلا لقول الفرع، فإنه من جملة صور الاتفاق، ومهما كان قول الفرع راجحا على قول الأصل فإنه من جملة صور الخلاف. الثانية: أن يكون شاكا، فلا تقبل روايته قطعا، وإن كان الشيخ مصدقا له،

стр. 879

لفقد شرط الرواية، فإن من شرطها جزم الراوي أو ظنه. (ص) وزيادة العدل مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس، وإلا فثالثها: الوقف، ورابعها: إن كان غيره لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة لم يقبل، والمختار وفاقا للسمعاني: المنع، إن كان غيره لا يغفل، أو كانت تتوفر الدواعي على نقلها. (ش) دخل في قوله: إن لم يعلم اتحاد المجلس، صورتان: إحداهما: أن يعلم تعدده وزعم الأبياري وابن الحاجب والهندي، وغيرهم: أنه لا خلاف فيه وليس كذلك وقد أجرى فيها ابن السمعاني التفصيل الذي سيحكيه المصنف عنه، فيما إذا اتحد المجلس ووجه القبول: أنه لا يمتنع أن يذكر النبي ﷺ الكلام في أحد المجلسين بدون زيادة وفي الأخرى بها. والثانية: أن لا يعلم هل تعدد المجلس أو اتحد، وبهذا صرح الآمدي قال: وحكمه حكم المتحد، وأولى بالقبول نظرا إلى احتمال التعدد، وألحقها الأبياري بالتي قبلها حتى يقبل بلا خلاف وقال الهندي: ينبغي أن يكون فيها خلاف

стр. 880

مرتب على الخلاف في الاتحاد، وأولى بالقبول، لأن المقتضى لصدقه حاصل والمعارض له غير محقق وقوله: وإلا، أي: وإن علم اتحاد المجلس، فأقوال: الجمهور على القبول مطلقا، لأنه لو انفرد بنقل الحديث عن الجمهور لقبل، فكذا الزيادة وعن الحنفية: المنع مطلقا، وحمل الأمر في الزيادة على الغلط، وعزاه ابن السمعاني لبعض أهل المدينة. والثالث: الوقف للتعارض، فإن من يثبت الزيادة يعارض من ينفيها والرابع: إن كان غيره لا يغفل مثله عن مثلها عادة لم تقبل، وإلا قبلت وهو قول الآمدي وابن الحاجب، والخامس: قول السمعاني واختاره المصنف لا يقبل إن كان غيره لا يغفل، أو كانت تتوفر الدواعي على نقلها وإلا قبلت والذي رأيته في
следующие страницы →