← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122142

تشنيف المسامع بجمع الجوامع

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 929 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وإنما حكاه عبد الجبار عن الجبائي، كذا قاله أبو الحسين في (المعتمد) وأنه قاسه على الشهادة عليه، ومقتضى كلام (المستصفى) في حكاية هذا القول: التعميم في كل خبر، لا في الزنا بخصوصه، فإنه قال: يشترط الجبائي في قبول الخبر العدد، وقال قوم: لا بد من أربعة أخذا من شهادة الزنا. (ص) مسألة: المختار وفاقا للسمعاني، وخلافا للمتأخرين: أن تكذيب الأصل الفرع لا يسقط المروي، ومن ثم لو اجتمعا في شهادة لم ترد. (ش) وجهه ابن السمعاني بأنه قال: ذلك على ما ظنه، وقوله: ما رويته أصلا يعارضه قول الراوي: إني سمعته منه، وكل واحد منهما ثقة، ويجوز أن يكون المروي عنه، رواه ثم نسيه، فلا تسقط رواية الراوي بعد أن يكون ثقة مع هذا التجوز وأيد المصنف ذلك بأن الأصل والفرع لو اجتمعا في شهادة، لم ترد بالاتفاق فدل ذلك على أنه غير قادح، لكن ينازع في ذلك قول الهندي: إنه لا يصير بذلك واحد منهما بعينه مجروحا وإن ولا بد من جرح واحد منهما لا بعينه،

стр. 877

كالبينتين المتكاذبتين، قال: وفائدته تظهر في رواية كل واحد منهما، وشهادته إن انفرد وعدم قبول روايته وشهادته مهما اجتمعتا ولو كان في غير ذلك الحديث. وفي المسألة قول ثالث صار إليه إمام الحرمين: إنهما متعارضان ويرجح أحدهما بطريق من طرق الترجيح، واعلم أن حكاية الإسقاط عن المتأخرين قصور، بل الذي عليه الأصحاب كما قاله ابن السمعاني، وذكر إمام الحرمين أن القاضي عزاه للشافعي ﵁، بل حكى الهندي الإجماع عليه، ولم يحفظ المصنف الخلاف فيه عن غير السمعاني وقد جزم به الماوردي والروياني في الأقضية، وقالا: لا يقدح ذلك في صحة الحديث، إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل وهذا كله إذا كان الفرع جازما فإن لم يكن وقال: أظن أني سمعت منك والأصل جاحد، تعين الرد، قطع به في (المحصول) وغيره. (ص) وإن شك أو ظن والفرع العدل جازم فأولى بالقبول وعليه الأكثر. (ش) ما سبق فيما إذا جزم الأصل بالتكذيب، فإن شك أو ظن والفرع العدل جازم فوجهان: أحدهما: وحكاه ابن كج عن بعض الأصحاب: لا يقبل، لأن راوي الأصل كشاهد الأصل، ثم شاهد الأصل إذا أنكر شهادة شاهد الفرع لم تقبل شهادته كذلك هنا، وأصحهما: القبول، لجواز أنه رواه ثم نسيه، وقد (١٣٨ب) وقع ذلك لكثير من الأئمة وصنف فيه الدارقطني والخطيب ويفارق الشهادة فإنها لها مزيد

стр. 878

احتياط ويجتمع من الصورتين ثلاثة أوجه، ثالثها: يقبل فيما إذا تردد دون ما إذا جحد، قال القاضي: وهو مذهب الدهماء من العلماء والفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأبي حنفية وحكي غيره عن أكثر الحنفية الرد، ولهذا ردوا خبر الولي في النكاح، لأن راويه الزهري قال: لا أذكره، وقوله: والفرع جازم أي: بالرواية عنه، وهو يخرج صورتين: إحداهما: أن يكون ظانا بأن يقول الخبر: إني سمعته منك، وهو الأغلب على ظني، قال الهندي: فإن كان الأصل شاكا بأن قال: أشك، أو لا أذكر فالأشبه أنه من جملة صور الخلاف وإن كان هو أيضا ظانا بأن قال: أظن أني ما حدثتك، فالأشبه أنه من صور الوفاق على عدم القبول، والضابط أنه مهما كان قول الأصل معادلا لقول الفرع، فإنه من جملة صور الاتفاق، ومهما كان قول الفرع راجحا على قول الأصل فإنه من جملة صور الخلاف. الثانية: أن يكون شاكا، فلا تقبل روايته قطعا، وإن كان الشيخ مصدقا له،

стр. 879

لفقد شرط الرواية، فإن من شرطها جزم الراوي أو ظنه. (ص) وزيادة العدل مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس، وإلا فثالثها: الوقف، ورابعها: إن كان غيره لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة لم يقبل، والمختار وفاقا للسمعاني: المنع، إن كان غيره لا يغفل، أو كانت تتوفر الدواعي على نقلها. (ش) دخل في قوله: إن لم يعلم اتحاد المجلس، صورتان: إحداهما: أن يعلم تعدده وزعم الأبياري وابن الحاجب والهندي، وغيرهم: أنه لا خلاف فيه وليس كذلك وقد أجرى فيها ابن السمعاني التفصيل الذي سيحكيه المصنف عنه، فيما إذا اتحد المجلس ووجه القبول: أنه لا يمتنع أن يذكر النبي ﷺ الكلام في أحد المجلسين بدون زيادة وفي الأخرى بها. والثانية: أن لا يعلم هل تعدد المجلس أو اتحد، وبهذا صرح الآمدي قال: وحكمه حكم المتحد، وأولى بالقبول نظرا إلى احتمال التعدد، وألحقها الأبياري بالتي قبلها حتى يقبل بلا خلاف وقال الهندي: ينبغي أن يكون فيها خلاف

стр. 880

مرتب على الخلاف في الاتحاد، وأولى بالقبول، لأن المقتضى لصدقه حاصل والمعارض له غير محقق وقوله: وإلا، أي: وإن علم اتحاد المجلس، فأقوال: الجمهور على القبول مطلقا، لأنه لو انفرد بنقل الحديث عن الجمهور لقبل، فكذا الزيادة وعن الحنفية: المنع مطلقا، وحمل الأمر في الزيادة على الغلط، وعزاه ابن السمعاني لبعض أهل المدينة. والثالث: الوقف للتعارض، فإن من يثبت الزيادة يعارض من ينفيها والرابع: إن كان غيره لا يغفل مثله عن مثلها عادة لم تقبل، وإلا قبلت وهو قول الآمدي وابن الحاجب، والخامس: قول السمعاني واختاره المصنف لا يقبل إن كان غيره لا يغفل، أو كانت تتوفر الدواعي على نقلها وإلا قبلت والذي رأيته في

стр. 881

(القواطع) بعد أن صحح القبول، قال: واعلم أن على موجب هذه الدلالة ينبغي أن يقال: إن الذين تركوا رواية الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم أن يغفلوا عن تلك الزيادة، وكان المجلس واحدا، أن لا تقبل رواية راوي الزيادة، ثم قال في الحجاج مع الخصوم: قد بينا أن الذي ترك (١٣٩أ) الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم الغفلة ينبغي أن لا تقبل رواية هذا الواحد، قلت: وينبغي أن تقول الجماعة أنهم لم يسمعوه، فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أنهم رووا بعض الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم. انتهى. (ص) فإن كان الساكت أضبط أو صرح بنفي الزيادة على وجه يقبل تعارضا. (ش) الخلاف السابق فيما إذا اتحد المجلس ونقل بعضهم الزيادة، ونقله آخرون بدونها، ولم يصرحوا بنفيها لفظا ولا معنى، واستوى الكل في الضبط وإن كان الساكت عن الزيادة أضبط، من راويها، أو صرح بنفي الزيادة على وجه يقبل -تعارضا، وهذا مختار الإمام، فإنه قال: يقبل إلا أن يكون الممسك من الزيادة أحفظ وأن لا يصرح بنفيها، فإن صرح وقع التعارض وقال الأبياري: إذا اتحد المجلس وأثبت قوم ونفى آخرون، قال قائلون: هو تعارض فينظر إلى أعدل البينتين، وقال

стр. 882

آخرون: الإثبات مقدم قال: وهذا هو الظاهر عندنا فإنه إذا لم يكن به من تطرق الوهم إلى أحدهما، لاستحالة صدقهما، وامتنع الحمل على تعمد الكذب، لم يبق إلا الذهول والنسيان والعادة ترشد إلى نسيان ما جرى أقرب من تخيل ما لم يجر، وحينئذ فالمثبت أولى. وقوله: على وجه يقبل قيد زاده على المحصول، ولعله تصيده من مثاله، فإنه قال: لو صرح المتمسك بنفي الزيادة، وقال: إنه ﵊ وقف على قوله: ((فيما سقت السماء العشر)) فلم يأت بعده بكلام آخر مع انتظاري له، فههنا تعارض القولان ويصار إلى الترجيح، وقال أبو الحسين في (المعتمد): إن قال: إن نفي علمه بالزيادة أو قال: ما سمعتها، ولم يقطعه قاطع عن سماعها - فإنه يكون ناقلا للنفي، ولارتفاع الموانع، كما نقل الآخر الزيادة فتتعارض الروايتان، وإن قال: لم تكن هذه الزيادة فإنه يحتمل أن يكون ذلك موضع اجتهاد، ويحتمل أن يقال: رواية المثبت أولى، لأنه يحتمل أن يكون النافي إنما نفى الزيادة بحسب ظنه، ويحتمل أن يقال: يرجع إلى رواية النافي إذا كان أضبط. (ص) ولو رواها مرة وترك أخرى فكراوبين=. (ش) هذا كله إذا كان المتفرد بالزيادة واحد والساكت عنها غيره، فأما إذا اختلفت رواية الواحد في ذلك، بأن روى الزيادة مرة، ولم يروها أخرى، فإن أسندهما إلى مجلس غير مجلس الناقص قبلت، وإن أسندهما إلى مجلس واحد فيجيء الخلاف السابق، وهو في هذه العبارة متابع لابن الحاجب، وقال في (المحصول): إن اتحد المجلس بالزيادة، ولم يغير الإعراب فإما أن تكون روايته للزيادة مرات أقل من مرات الإمساك، أو بالعكس أو

стр. 883

يتساويان فلا يقبل في الأول، ويقبل في الثاني والثالث. (ص) ولو غيرت إعراب الباقي تعارضا، خلافا للبصري. (ش) هذا كله فيما إذا لم تغير الزيادة إعراب الباقي، فأما إذا غيرت كما إذا روى أحدهما: في أربعين شاة شاة، وروى الآخر: نصف شاة، فرواية شاة تكون بالرفع ورواية النصف تكون بالجر، والرفع والجر ضدان فالأكثرون كما قاله الهندي على أنه لا يقبل للتعارض لأن كل واحد منهما يروي ضد ما رواه الآخر، فيكون نافيا له، فيحصل التعارض فلا يقبل إلا بعد الترجيح، والفرق بينه وبين ما إذا لم تغير إعراب الباقي، لأن مع أحدهما زيادة علم، ليس الآخر نافيا له، وقال أبو عبد الله (١٣٩ب) البصري: يقبلان، كما إذا لم تغير إعراب الباقي لأن الموجب إنما هو زيادة العلم بذلك الزائد الذي لم ينفه الساكت عنه واختلاف إعراب تابع للاختلاف في ذلك الزائد، فلا يكون مانعا من القبول. (ص) ولو انفرد واحد عن واحد قبل عند الأكثر. (ش) أي: لقيام الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد، وشرط الجبائي العدد في كل خبر ونقل القرافي عن كتاب المحصول (لابن العربي): أن الجبائي اشترط في

стр. 884

قبول الخبر اثنين وشرط على الاثنين اثنين إلى أن ينتهي الخبر إلى التابعي وكذا نقله عن الشيخ في (اللمع) وهذا الذي قاله مردود بقبول الصحابة خبر العدل الواحد لعمل علي بخبر المقداد وتعويلهم على خبر عائشة في التقاء الختانين، وغير ذلك، ولك أن تقول: ما هذه المسألة مع قوله أولا: والجبائي: لا بد من اثنين أو اعتضاد. (ص) ولو أسند وأرسلوا أو وقف ورفعوا فكالزيادة. (ش) أي: فالقول قول من أسند ومن رفع على الصحيح، لأن الرفع والإسناد زيادة على من لم يرو ذلك وهذا تفريع على رد المرسل، فأما من يقبله فلا شبهة

стр. 885

عنده في قبوله والمصنف في إلحاقها بالزيادة متابع لصاحب (القواطع) وابن الحاجب إذا هو يقتضي مجيء المذاهب السابقة كلها هنا، ولم يصرح به أكثر النقلة وليس ببعيد، وقد قال بعضهم: الراجح من قول أئمة الحديث: أن الرفع والوقف، والوصل والإرسال يتعارضان، وهذا نظير القول بالوقف هناك، وأهمل المصنف ما إذا أرسل ثم أسند أو وقف ثم رفع وهو في (المنهاج) ورجح القبول. (ص) وحذف بعض الخبر جائز عند الأكثر إلا أن يتعلق الحكم به. (ش) يجوز حذف بعض الخبر ورواية الباقي والأكثرون: أنه جائز إذا كان مستقلا، لأنهما كخبرين وقد فرق أئمة الحديث حديث جابر الطويل في حج النبي ﷺ على الأبواب. وأما إذا تعلق بالمذكور تعلقا بغير المعنى، كما في (الغاية) نحو: لا تباع الثمرة حتى تزهو

стр. 886

والاستثناء نحو: لا يباع البر بالبر إلا سواء سواء، لم يجز حذفه، لاختلاف المقصود وسواء كان التعلق لفظيا كما ذكرنا، أو معنويا كما في بيان التخصيص والنسخ وبيان المجمل بالجمل المتصلة، واعلم أن إمام الحرمين وابن القشيري حكيا ثلاثة أقوال: أحدها: يجوز. والثاني: لا يجوز. والثالث: هذا التفصيل. وقال: إنه المرضي عند القاضي وقضيته: أن الأول يجوز مطلقا، ولو مع التعلق وفيه بعد. وقال الهندي والأبياري في المتعلق: لا خلاف في عدم جوازه، وقسم الأبياري غير المتعلق إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقطع بذلك، فلا يبعد طرد قول المنع هنا، حسما للذريعة وحذرا من الإفضاء إلى موضع الإشكال. ثانيها: أن يظن فلا يجوز الحذف بحال. ثالثها: أن يعلم ذلك بنوع من النظر، فعلى الخلاف في جواز الرواية بالمعنى للعارف. (ص) وإذا حمل الصحابي - قيل: أو التابعي - مرويه على أحد محمليه المتنافيين فالظاهر حمله عليه، وتوقف أبو إسحاق الشيرازي، وإن لم يتنافيا فكالمشترك في حمله على معنييه. (ش) إذا روى الصحابي خبرا محتملا، وحمله على أحد محمليه، فإن تنافيا

стр. 887

كالقرء فحمله الراوي على الأطهار، فالظاهر حمله عليه لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا لقرينة معينة، وتوقف الشيخ أبو إسحاق كذا حكاه عنه في هذه (١٤٠أ) الحالة، وعبارة الشيخ في (اللمع): وإذا احتمل اللفظ أمرين احتمالا واحدا، فصرفه إلى أحدهما، كما روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه حمل قوله ﵊: ((الذهب بالذهب ربا، إلا هاء وهاء)) على القبض في المجلس فقد قيل: إنه يقبل، لأنه أعرف بمعنى الخطاب، وفيه نظر عندي. انتهى. وإن لم يتنافيا وقلنا: اللفظ المشترك ظاهر في جميع محامله كالعام - فتعود المسألة إلى التخصيص بقول الصحابي، وإن قلنا: لا يحمل على جميعها ففي (البديع): أن المعروف حمله على ما عينه، لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا لقرينة. قال: ولا يبعد أن يقال: لا يكون تأويله حجة على غيره، ثم قال: فإن اجتهد فلاح له تأويله، يعني: إن اجتهد المجتهد، ولاح

стр. 888

له تأويل غير ذلك وجب، وإلا فتعيين الراوي الصالح للترجيح، انتهى. وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه، في باب بيع الثمار: مذهب الشافعي ﵁، أن الراوي إذا روى حديثا له احتمالان وفسره بأحد محمليه، وجب قبوله، كتفسير ابن عمر التفرق بالأبدان، دون الأقوال، وينبغي تقييد كلام المصنف في الحمل على جميعها بما إذا لم يجمعوا على أن المراد أحدهما، وجوزوا كلا منهما، وقد ذكر الماوردي في (الحاوي) حديث ابن عمر في التفرق في خيار المجلس، هل هو التفرق بالأبدان أو بالأقوال؟ قال: وأجمعوا على أن المراد أحدهما، فكان ما صار إليه الراوي أولى، وقال أبو علي بن أبي هريرة: أحمله عليهما معا، فأجعله لهما في الحالين الخيار بالخبر. قال الماوردي: وهذا صحيح لولا أن الإجماع منعقد على أن المراد أحدهما، والخلاف كما قاله الهندي فيما إذا ذكر ذلك لا بطريق التفسير للفظه، وإلا فتفسيره أولى بلا خلاف، واعلم أن الجمهور قد فرضوا المسألة في الراوي الصحابي، ومنهم من قال: يجري في الراوي مطلقا، وإن كان تابعيا، وقد بينا ما فيه في باب التخصيص والمصنف هناك سوى بينهما، بخلاف ما يقتضيه كلامه هنا ولا بد من التقييد بكونه من الأئمة. (ص) فإن حمله على غيره ظاهره، فالأكثر على ظهوره، وقيل: على تأويله مطلقا، وقيل: إن صار إليه لعلمه بقصد النبي ﷺ إليه. (ش) هل يجوز ترك شيء من الظواهر بقول الراوي، مثل أن يحتمل الخبر أمرين، وهو في أحدهما أظهر، فيصرفه الراوي إلى الآخر، كصرف اللفظ عن حقيقته

стр. 889

إلى مجازه، أو من الوجوب إلى الندب؟ فيه ثلاثة مذاهب. أصحها: الحمل على الظاهر قال الآمدي: وفيه قال الشافعي ﵁، كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم لحججتهم؟ والثاني: يحمل على ما عينه مطلقا، لأنه لا يفعله إلا عن توقيف، وبه قال أكثر الحنفية. والثالث: وبه قال أبو الحسين: يحمل على تأويله إن صار إليه، لعلمه بقصد النبي ﷺ من مشاهدته قرائن تقتضي ذلك، وإن جهل وجوز أن يكون لظهور نص أو قياس أو غيرهما - وجب النظر في الدليل، فإن اقتضى ما ذهب إليه وجب وإلا فلا واختار في (الإحكام): إن علم مأخذ خلافه وإنه مما يوجبه صبر إليه، اتباعا للدليل وإن جهل عمل بالظاهر، لأن الأصل في خبر العدل وجوب العمل ومخالفة الراوي للظاهر يحتمل النسيان. تنبيه: سبق في باب التخصيص أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي على الأصح، ولا شك أن صرف العام إلى الخصوص من خلاف الظاهر، فتكرار

стр. 890

المصنف لهذه (١٤٠ب) من باب ذكر العام بعد الخاص. (ص) مسألة: لا يقبل مجنون وكافر. (ش) أي: بالإجماع، ولأن قبول الراوي منصب شريف، والكافر ليس أهلا لذلك، وسواء علم من دينه التحرز عن الكذب أم لا، والمراد بالجنون: المطبق، أما المتقطع فإن أثر جنونه في زمن إفاقته لم يقبل، وإلا قبل، قاله ابن السمعاني في (القواطع) بل حكاها الشيخ أبو زيد المروزي قولين للشافعي ﵁. (ص) وكذا صبي في الأصح. (ش) الخلاف ثابت عندنا واستبعد القرافي القول بجواز روايته وقال: إنه منكر من حيث النظر والقواعد، بخلاف التحمل وجوابه: أن المأخذ أمارة قوة الظن، وقد يحصل برواية الصبي، وهو يرد دعوى القاضي الإجماع، على عدم قبوله، ثم لا بد من

стр. 891

تقييد الخلاف بأمرين: أحدهما: لمن لم يجوز عليه الكذب، وإلا فلا يقبل بلا خلاف. وثانيهما: أن يكون المخبر به رواية محضة، فلو أخبر برؤية الهلال، وجعلناه رواية لا شهادة، لم يقبل جزما، ولم يخرجه الجمهور على الوجهين لما ذكرنا. (ص) فإن تحمل فبلغ فأدى - قبل عند الجمهور. (ش) للإجماع على قبول رواية ابن عباس، وابن الزبير، وابن بشير ﵃ وغيرهم، من أحداث الصحابة من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده

стр. 892

ولو قال المصنف: فبلغ وأسلم فأدى، لكان أحسن، ليشمل ما لو تحمل في حال كفره ثم أسلم وأدى، والحكم سواء على الصحيح، وكذا إذا تحمل فاسقا وروى عدلا، وأهل الحديث يجوزون رواية ما سمعه الصبي الصغير، وإن لم يعلم عند التحمل ما سمع، وأكثرهم على أنه لا يجوز سماع من له دون خمس سنين، وأما الفقهاء فلا يرون ذلك، بل لا بد من تمييز الصبي عند التحمل. ولا بد من ضبط ما سمعه وحفظه حتى يؤديه كما سمعه والاعتبار بضبط اللفظ، وإن لم يعرف المعنى، ومنهم من اشترط المعنى وهم الأقل وهذا حجر يتعذر مع العمل به رواية الحديث إلا على الآحاد قاله ابن الأثير في شرح المسند.

стр. 893

(ص) ويقبل مبتدع يحرم الكذب وثالثها قال مالك: إلا الداعية. (ش) المبتدع إما أن يكفر ببدعته أو لا. فالأول: إن علم من مذهبه جواز الكذب لنصرة مذهبه أو غيره - لم تقبل روايته ببدعته اتفاقا، وإن علم منه تحريمه وتحرزه منه، فقولان: الأكثرون على أنه لا يقبل أيضا، وقال أبو الحسين: يقبل، واختاره في (المحصول) و (المنهاج) لأن ذلك يمنعه من الإقدام عليه. والثاني: إن كان مما يرى الكذب - فلا يقبل اتفاقا وإلا فأقوال: أحدهما: يقبل مطلقا سواء كان داعية لمذهبه أو لا وعزاه الأصوليون للشافعي

стр. 894

رضي الله عنه لأجل قبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية. والثاني: لا يقبله مطلقا وعليه الأكثرون لأنه فاسق وإن كان متأولا. والثالث: قول مالك: لا يقبل الداعية، أي: الذي يدعو الناس إلى بدعته، فإنه لا يؤمن أن يصنع الحديث على وفق بدعته، ويقبل إن لم يدعهم حكاه عنه القاضي عبد الوهاب، وقال الخطيب: أنه مذهب أحمد وعزاه ابن الصلاح

стр. 895

للأكثرين وقال: إنه أعدل المذاهب وأولاها. (ص) ومن ليس فقيها، خلافا للحنفية فيما يخالف القياس. (ش) هذا إنما هو قول بعض الحنفية، ولهذا لم يحكه صاحب (البديع) منهم إلا عن فخر الإسلام بعبارة غير متبعة، فقال: الخبر مقدم على القياس عند الأكثر وقيل: بالعكس. وعيسى بن أبان: إن كان الراوي (١٤١أ) ضابطا غير متساهل قدم، وإلا فموضع اجتهاد. وفخر الإسلام: وإن كان الراوي من المجتهدين كالخلفاء الراشدين، والعبادلة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، قدم، لأنه يقيني في الأصل والقياس ظني أو من الرواة كأبي هريرة، وأنس ﵄ فالأصل العمل ما لم توجب الضرورة تركه، كحديث المصراة، فإنه معارض بالإجماع في ضمان العدوان بالمثل أو القيمة دون الثمن. انتهى. والشيخ

стр. 896

أبو إسحاق في (اللمع) لم يحكه عن الحنفية، إلا فيما خالف قياس الأصول لا مطلق القياس كما سبق، ولا يخفى ما في هذه المسألة من التكرار، عند قول المصنف فيما سبق، أو عارض القياس. (ص) والمتساهل في غير الحديث، وقيل: يرد مطلقا. (ش) إذا كان الراوي يتساهل في أحاديث الناس، ويتحرز في حديث النبي ﷺ قبل على الصحيح لأنه يحصل ظن صدقه ولا معارض له، وقيل: يرد مطلقا، ونص عليه أحمد، وأنكر على من قبل روايته إنكارا شديدا، وهو ظاهر كلام ابن السمعاني وغيره، واحترز بقوله: في غير الحديث، عن المتساهل في الحديث، فلا خلاف أنه لا يقبل، قاله في (المحصول) وغيره.

стр. 897

(ص) والمكثر وإن ندرت مخالطته المحدثين إذا أمكن تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان. (ش) ليس من شرط الراوي أن يكون مكثرا لسماع الحديث وروايته ومشهورا بمخالطة المحدثين ومجالستهم وقد قبلت الصحابة حديث أعرابي لم يرو غير حديث وهذه من مسائل (المحصول) قال: تقبل رواية من لم يرو إلا خبرا واحدا فأما إذا أكثر من الروايات مع قلة مخالطته لأهل الحديث، فإن أمكن تحصيل ذلك القدر من الأخبار في ذلك القدر من الزمان - قبلت أخباره، وإلا توجه الطعن في الكل. (ص) وشرط الراوي العدالة، وهي ملكة تمنع من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة، وهوى النفس والرذائل المباحة كالبول في الطريق. (ش) العدالة لغة: التوسط والاستقامة وشرعا: ما ذكره المصنف. والضابط:

стр. 898

أن كل ما لا تؤمن معه الجراءة على الكذب، يرد به الراوية، وما لا فلا وإنما عبر بالملكة (وكالمنهاج) دون الهيئة، (كالبديع) لأن الصفة النفسانية، وإن كانت راسخة (يقال لها: الملكة، وإن لم تكن راسخة) يقال لها: الحالة، فالكيفية النفسانية أول حدوثها حال، ثم تصير ملكة، فقال: ملكة، لينبه على رسوخها ولهذا قال محمد بن يحيى في تعليقه: العدل: من اعتاد العمل بواجب الدين واتبع إشارة العقل فيه برهة من الدهر، حتى صار ذلك عادة وديدناً له والعادة طبيعة خاصة فيغلب دينه بحكم التمرين، والترسخ في النفس، فيوثق بقوله، بخلاف الفاسق فإنه الذي يتبع نفسه هواها زمانا طويلا، حتى ألف ارتكاب المحظورات وضري باقتضاء الشهوات فضعف وازع الدين بسببه، فلا يوثق بقوله. وإذا لم يقبل قول العدل لمعارضة الأبوة أو العداوة فكيف يقبل الفاسق مع قيام الفسق والمراد بالكبائر جنسها، وإلا فتعاطي الكبيرة الواحدة يقدح، ولم يحتج أن يقول: والإصرار على الصغيرة، لأنها بالإصرار تصير كبيرة، فلو ذكرها لكرر من غير فائدة وقوله: وصغائر الخسة، أي: وما يخل بالمروءة من الصغائر كسرقة لقمة وتطفيف حبة قصدا (١٤١ب) وكون هذا صغيرة استثنى الحليمي منه ما إذا كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عما أخذ منه، فيكون كبيرة وعلم من قوله: صغائر

стр. 899

الخسة: أن القادح ببعض الصغائر لا كلها، فإن من الصغائر ما لا يكون منه إلا مجرد المعصية كالكذبة التي لا يتعلق بها ضرر، والنظر للأجنبية (إنما المؤثر ما يقدح في المروءة، أو يدل على استهزاء بالدين، وقوله: وهوى النفس، أي: وتمنعه) عن هوى النفس وهذا القيد من تفقه والده، فإنه قال: لا بد عندي في العدالة من وصف لم يتعرضوا له، وهو الاعتدال عند انبعاث الأغراض حتى يملك نفسه عن اتباع هواه فإن المتقي الكبائر والصغائر الملازم للطاعة والمروءة - قد يستمر على ذلك، ما دام سالما من الهوى، فإذا غلبه هواه خرج عن الاعتدال، وانحل عصام التقوى، وانتفاء هذا الوصف، هو المقصود من العدل، قال الله تعالى: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾ وقوله: والرذائل المباحة أي: لا بد من تجنب ذلك، كالبول في الشارع، والأكل في الطريق، وصحبة الأراذل ونحوه مما يدل على أنه غير مكترث باستهزاء الناس قال الغزالي: إلا أن يكون ممن يقصد كسر النفس وإلزامها التواضع، كما يفعله كثير من العباد. (ص) فلا يقبل المجهول باطنا، وهو المستور، خلافا لأبي حنيفة، وابن فورك وسليم، وقال إمام الحرمين: يوقف ويجب الانكفاف إذا روى التحريم إلى الظهور. (ش) إذا ثبت أن العدالة شرط فلا بد من تحقيقها, فلهذا لا يقبل المجهول, بل

стр. 900

لا بد من البحث عن سيرته باطنا وقال أبو حنيفة: يقبل، اكتفاء بالإسلام وعدم ظهور الفسق، ووافقه منا ابن فورك كما نقله المازري في شرح (البرهان) وسليم، كما رأيته في كتاب (التقريب في أصول الفقه) وعزاه قوم إلى الشافعي ﵁، وهو غلط توهموه من قوله: ينعقد النكاح بشهادة المستورين، وذكر صاحب (البديع) وغيره من الحنفية: أن أبا حنفية إنما قبل ذلك في صدر الإسلام حيث الغالب على الناس العدالة، فأما اليوم فلا بد من التزكية.

стр. 901

لغلبة الفسق وقال إمام الحرمين: يوقف إلى استبانة حاله فلو كنا على اعتقاد في حل شيء فروى لنا مستور تحريمه وجب الانكفاف إلى استتمام البحث عن حاله، قال: وهذا إذا أمكن البحث عنه، فلو فرض اليأس من ذلك فهذه مسألة اجتهادية والظاهر أنه لا يجب الانكفاف وانقلبت الإباحة كراهة. (ص) أما المجهول باطنا وظاهرا فمردود إجماعا. (ش) لأن من لا يعرف عينه، كيف تعرف عدالته، وهي شرط في قبول الرواية وفي هذا الإجماع نظر، فإن ابن الصلاح قد حكى الخلاف فيه. (ص) وكذا مجهول العين. (ش) قال المحدثون: مجهول العين أن تسمي اسما لا يعرف من هو، مثل: عمرو بن ذي مر، وجيار الطائي وسعيد بن جدان لا يعرف من هؤلاء

стр. 902

قال الخطيب: ولم يرو عنهم غير أبي إسحاق السبيعي قال المصنف: لا نعرف خلافا في رد روايته، وهو ظاهر عطفه هنا، وليس كذلك، بل قيل فيه بالقبول وهو من لم يشترط في الراوي مزيدا على الإسلام وقيل: إن كان الراوي عنه لا يروي إلا عن عدل كيحيى بن سعيد قبل، وإلا فلا. (ص) فإن وصفه نحو الشافعي بالثقة، فالوجه قبوله، وعليه إمام الحرمين خلافا للصيرفي والخطيب. (ش) والضمير في (وصفه) عائد إلى أقرب مذكور، وهو مجهول العين، لا

стр. 903

مطلق المجهول ومراده به نحو: حدثني رجل أو إنسان، ووصفه الراوي عنه بالثقة أو قال أخبرني الثقة (١٤٢أ) كما يقع للشافعي ﵁، كثيرا فلا يخلو هذا القائل إما أن يكون من أئمة الشأن العارفين لما يشترطه هو وخصومه، في العدل وقد ذكره في مقام الاحتجاج أولا، فإن لم يكن - فلا يقبل وإن كان وذلك كالشافعي ﵁، يقوله في معرض الاحتجاج على خصمه، فالوجه: قبوله، وبه قطع إمام الحرمين وخالف فيه الصيرفي والخطيب وطوائف، فقالوا: يجوز أن يكون الخصم اطلع فيه على جارح لم يطلع عليه العدل، فلا يكتفى بقوله: هو ثقة والجواب أن مثل الشافعي ﵁، لا يطلق ذلك إلا حيث يأمن الاحتمال. فائدة: عاب بعض المتعنتين على الإمام الشافعي ﵁، إيهام الشيخ من وجهين: أحدهما: أنه يشعر بسوء الحفظ، والثاني: أنه ضرب من الإرسال، والمراسيل ليست بحجة عنده، وأجيب عن الأول بأن الحافظ الماهر قد تعتريه ريبة، فيتورع ولا يجزم احتياطا وقد فعل مثله الأئمة، فروى مالك في (الموطأ) في كتاب الزكاة عن الثقة عنده عن سليمان بن يسار وعن الثاني: بأنه لم يبهم ذكر الراوي إلا في

стр. 904

حديث معروف عند أهل الحديث، براو معلوم الاسم والعدالة، فلا يضره تركه تسمية الشيخ. قال الرافعي في شرح المسند: ولك أن تقول: المحتاج إلى الوضوء إذا قاله له من يعرفه بالعدالة: هذا الماء نجس، بسبب كذا - يلزمه قبول قوله، وترك ذلك الماء ولو قال وهو أهل للتعديل: أخبرني عدل أن هذا الماء نجس، بسبب كذا، ولم يسم ذلك العدل، فيشبه أن يكون الحكم كذلك، وإذا جاز الاعتماد على قوله: العدل في الإخبار عن عدل غير مسمى هناك، فكذلك هنا، ويؤيده أن الحديث الذي يروى عن رجل من الصحابة يحتج به، ولا يعد من المراسيل، وإن لم يكن الصحابي مسمى، وذلك للعلم بعدالتهم جميعا. (ص): وإن قال: لا اتهمه، فكذلك: وقال الذهبي: ليس توثيقا. (ش) هذه درجة دون قوله: أخبرني الثقة ويقع أيضا في عبارة الشافعي ﵁، كقوله: أخبرني من لا أتهمه فعند المصنف: أنه يقبل من مثل الشافعي ﵁ ومعنى قوله: فكذلك، أي في أصل القبول، وإلا فالدرجة متفاوتة قال: ورأيت بخط شيخنا الذهبي: ليس قوله حدثني من لا أتهمه توثيقا بل نفي للتهمة، ولم يتعرض لإتقانه ولا لأنه حجة. انتهى. قال: وهو صحيح غير أن هذا إذا وقع من الشافعي ﵁، محتجا به على مسألة في دين الله - فهي والتوثيق سواء في

стр. 905

أصل الحجة وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي، فمن ثم خالفناه في مثل الشافعي ﵁، أما من ليس مثله، فالأمر على ما وصفه شيخنا رحمه الله تعالى انتهى. والعجب من اقتصاره على نقله عن الذهبي مع أن ذلك قاله طوائف من فحول أصحابنا وقد رأيت في كتاب (الدلائل والإعلام) لأبي بكر الصيرفي: إذا قال المحدث: حدثني الثقة عندي أو حدثني من لم أتهمه - لا يكن حجة، لأن الثقة عنده قد لا يكون ثقة عندي فاحتاج إلى علمه. انتهى. وقال الماوردي والروياني في القضاء إذا قال: أخبرني الثقة أو من لا أتهم - فليس بحجة، لأنه قد يثق به، ويكون مجروحا عند غيره. (ص) ويقبل من أقدم جاهلا على مفسق مظنون أو مقطوع في الأصح. (ش) المراد بالمفسق المظنون: أن يقدم على أمر يعتقد أنه على صواب لمستند قام عنده ونحن نظن بطلان ذلك المستند ولا نقطع به، أما لو ظننا فسقه ببينة شهدت بفسقه (١٤٢ب) فليس من هذا القبيل بل ترد روايته والمراد بالمقطوع: أن يقطع ببطلان مأخذه، فالأول: خالف ظننا، والثاني: خالف قطعنا، وهذا التفصيل نقلوه عن الشافعي ﵁، أما في المظنون، فلقوله: إذا شرب الحنفي النبيذ من غير سكر - قبل شهادته واحدة لأنه لم يقدم عليه جرأة، ودليل تحريمه ليس قطعيا، حتى لا يعتبر ظنه معه - فتقبل روايته، وأما في المقطوع فلقوله: أقبل رواية أهل الأهواء إلا الخطابية، ووجهه فيهما: أن المقتضي لقبول روايته قائم، وهو ظن صدقه، لأنه يرى الكذب قبيحا كغيره، والعارض المتفق عليه منتف، وهو الفسق الذي لا تؤمن معه الجرأة، على الكذب، والأصل عدم غيره، فوجب أن يقبل، عملا بالمقتضي ولا بد أن يستثنى على هذا القول من المقطوع بفسقه - من يرى الكذب والتدين به، فلا يقبل بلا خلاف، وإليه أشار الشافعي ﵁، بقوله: إلا الخطابية فلا وجه لطرح المصنف له، والثاني: لا يقبل، لأنه فاسق فاندرج تحت الأدلة المانعة من قبول قول الفاسق، والثالث: الفرق بين المقطوع والمظنون، لأن ظن

стр. 906

الصدق يضعف في المقطوع دون المظنون وههنا أمران: أحدهما: اقتضى كلامه حكاية قول في عدم قبول المظنون، وحكى في (المحصول) الاتفاق فيه على القبول قال الهندي: والأظهر ثبوت الخلاف فيه، كما في الشهادة، فإن فيها وجها، أنها ترد به، وذلك جار في الرواية أيضا، إذ لا فرق بينهما فيما يتعلق بالعدالة. الثاني: قوله جاهلا، ليس مطابقا لوضع المسألة لأنها مفروضة فيمن يقدم عليه معتقدا جوازه بتأويل، وأما الجاهل بكونه فسقا فلم يتكلم فيه الأصوليون والذي أوقع المصنف في ذلك عبارة (المنهاج) والحاصل أن الصور ثلاثة: أحدها: أن يعتقد كونه فسقا ويقدم عليه عالما به، فروايته مردودة بالإجماع، كما قاله في (المحصول): لا يؤمن معه الإقدام على الكذب، وكأن المصنف عبر بالجهل ليحترز عنها. والثانية: أن يستحله بتأويل، كشبهة أو تقليد وهي مسألتنا وهي التي تكلم فيها الشافعي ﵁، والقاضي. والثالثة: أن يقدم جاهلا بكونه فسقا فهذا لم يتعرض له الأصوليون وهو من وظيفة الفقهاء وفيه تفصيل لهم، وقد قال الماوردي: أما ما اختلف في إباحته كشرب النبيذ والنكاح بلا ولي - إن فعله معتقد التحريم، كان كبيرة، وإن لم يعتقد تحريمه ولا إباحته مع علمه بالخلاف فيه وجهان: قال البصريون: هو فاسق مردود الشهادة لأن ترك الاسترشاد في الشبهات تهاون بالدين وقال البغداديون: لا يفسق، لأن اعتقاده الإباحة أغلظ من التعاطي ولا يفسق معتقد الإباحة، وحكى المصنف في شرحه (للمنهاج) الوجهين وأسقط منهما قوله مع علمه بالخلاف فيه، فأشكل الأمر عليه وقال: لا بد من فرضهما في جاهل بالقاعدة المشهورة، وهي أن المكلف لا يجوز

стр. 907

له أن يقدم على فعل شيء حتى يعرف حكم الله تعالى فيه، وحكى الشافعي ﵁ فيه الإجماع، ثم إنهما لا يتجهان إلا تخريجا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع والماوردي كثيرا ما يخرج على ذلك وقد يكون ظانا الحل فتقبل روايته. (ص): وقد اضطرب في الكبيرة، فقيل: ما توعد عليه بخصوصه وقيل: ما فيه حد، (وقيل: ما نص الكتاب على تحريمه وأوجب في جنسه حد) والأستاذ والشيخ الإمام: كل ذنب، ونفيا الصغائر (١٤٣أ) والمختار - وفاقا لإمام الحرمين - كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين. (ش): في حد الكبيرة أوجه: أحدها: ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة. والثاني: المعصية الموجبة للحد قال الرافعي: وهم إلى ترجيح هذا أميل والأول ما يوجد لأكثرهم وهو الأوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. والثالث: هو قول الأستاذ والقاضي أبي بكر والإمام ابن القشيري: كل ذنب، بناء على أنه لا صغيرة في الذنوب، ونقله ابن فورك عن الأشعرية، واختاره نظرا إلى من عصى بها، قال القرافي: وكأنهم كرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة إجلالا له ، مع أنهم وافقوا في الجرح أنه لا يكون بمطلق المعصية وإن من الذنوب ما يكون قادحا في

стр. 908

العدالة ومنها لا يكون قادحا، هذا مجمع عليه، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق والصحيح التغاير، لقوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ فجعلها رتبا، وسمى بعض المعاصي فسقا دون البعض، وفي الصحيح: ((الكبائر سبع)) وخص الكبائر ببعض الذنوب، ولأن ما عظمت مفسدته أحق باسم الكبيرة. والرابع: قول إمام الحرمين في (الإرشاد) واختاره المصنف: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة فهي مبطلة للعدالة قال الإمام: وكل جريمة لا تؤذن بذلك، بل يبقى حسن الظن بصاحبها فهي التي لا تحبط العدالة، قال: وهذا أحسن ما يميز أحد الضدين على الآخر، وذكر في (النهاية) ما حاصله

стр. 909

أن الصادر إن دل على الاستهانة، لا استهانة بالدين بل استهانة غلبة التقوى وتمرين غلبة رجاء العفو - فهو كبيرة، وإن صدر عن فلتة خاطر أو لفتة ناظر فصغيرة. والتحقيق أن التعاريف السابقة اقتصار على بعض الكبائر، والضبط أن يقال: كل ذنب قرن به وعيد، أو حد، أو لعن، أو أكثر من مفسدته أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعارا - مع الكبائر المنصوص عليها بذلك كما لو قتل من يعتقده معصوما فظهر أنه يستحق دمه، أو وطئ امرأة ظانا أنه زان، فإذا هي زوجته أو أمته، ولهذا حكى الروياني وجها بوجوب الحد وطرده في القتل وعن سفيان الثوري: أن ما تعلق بحق الله تعالى فصغيرة أو بحق آدمي فكبيرة، وقال الواحدي: الصحيح أنه ليس للكبائر حد، يعرفه العباد ويتميز به عن الصغائر

стр. 910

تمييز إشارة ولو عرف ذلك، لكان الصغائر مباحة ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد فيجتهد كل أحد في اجتناب ما نهي عنه، رجاء أن يكون مجتنبا للكبائر ونظير هذا إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات وليلة القدر في رمضان.

стр. 911

(ص) (ورقة الديانة) كالقتل. (ش) أي: العمد بغير حق، وشبهة العمد دون الخطأ كما قاله شريح الروياني، وجعله الحليمي مراتب وقال: إن قتل أبا أو ذا رحم في الجملة أو أجنبيا محرما بالحرم أو بالشهر الحرام - فهو فاحشة فوق الكبيرة، فإن قلت: كيف لم يبدأ بالشرك وهو أعظمها، ففي الصحيح: (سئل أي الذنب أعظم؟) قال: ((أن تجعل لله ندا وهو خلقك))، قال: (ثم أي؟) قال: ((أن تقتل ولدك)) الحديث؟ قلت: لأن كلامه في قادح العدالة بعد ثبوت صفة الإسلام. (ص) والزنا واللواط. (ش) أما الزنا ففي الصحيح عده كبيرة وألحق به اللواط، لاشتراكهما في وجوب الحد، واللواط أفحش وأقبح (١٤٣ب) وقد أخبر الله تعالى أنه أهلك قوم لوط به، وقال ﷺ : ((إذا زنا العبد خرج منه الإيمان وكان كالظلة فإذا أقلع منه رجع إليه الإيمان)) قال الذهبي: على شرط، الشيخين ويلتحق به وطء الزوجة والأمة في الموضع المكروه. (ص) وشرب الخمر ومطلق المسكر. (ش) شرب الخمر وإن لم يسكر، وثبت عن ابن عباس: لما نزل تحريم الخمر

стр. 912

مشى الصحابة بعضهم إلى بعض وقالوا: حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك. وإنما قال: ومطلق المسكر، أي: من غيرها، لأن الخمر اسم للعنب خاصة, وفي مسلم مرفوعا: ((أن على الله عهد لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)) وهو عرق أهل النار ويلتحق به كل ما يزيل العقل لغير ضرورة، وما قاله المصنف هو المشهور. وقال شريح الروياني: من اعتقد مذهب الشافعي: إذا شرب النبيذ فهل يكون كبيرة؟ فيه وجهان، وسبق عن الماوردي وزعم الحليمي أن من مزج خمرا بمثلها من الماء فذهبت شدتها وشربها فذاك من الصغائر، واستغربه المصنف في (الطبقات) وليس بغريب بل هو جار على المذهب، لأن المنع حينئذ للنجاسة لا للإسكار. (ص) والسرقة والغصب. (ش) للتوعد والحد في السرقة والتوعد في الغصب، لقوله: ((من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين لعن الله من غير منار الأرض أو سرق منار الأرض)) رواه مسلم وقيد العبادي وشريح الروياني وغيرهما الغصب بما يبلغ قيمته ربع دينار، وكأنهم قاسوه على السرقة، قال الحليمي: وأما سرقة الشيء التافه فهو صغيرة إلا إذا كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عما أخذه فيكون كبيرة. قلت

стр. 913

لا من جهة السرقة، بل من جهة إيذائه ويأتي مثل ذلك في الغصب. (ص) والقذف. (ش) لقوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾ وفي الصحيح عده من السبع الموبقات، أما قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂ فكافر، لتكذيبه القرآن وقد يباح القذف لمصلحة كما إذا علم الزوج أن الولد ليس منه ويجرح الشاهد والراوي بالزنا، بل يجب قال ابن عبد السلام: والظاهر أن من قذف محصنا في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظة - أن ذلك ليس بكبيرة موجبة للحد، لانتفاء المفسدة، وما قاله قد يظهر فيما إذا كان صادقا دون الكاذب، لجرأته على الله تعالى وقال الحليمي: قذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر ومراده بالصغيرة: من لا تحتمل الوقاع، بحيث يقطع بكذب قاذفها، وفي المملوكة نظر، وفي الصحيح: (من قذف عبدا أقيم عليه الحد يوم القيامة). (ص) والنميمة. (ش) وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد قال تعالى: ﴿مشاء بنميم﴾ وفي الصحيحين: ((لا يدخل الجنة نمام)) ولا يشكل على

стр. 914

كونها كبيرة، حديث: ((وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة)) لأن المراد لا تعده الناس كبيرة، لقوله تعالى: ﴿وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾ وقد تجوز إذا اشتملت على مصلحة للمنموم إليه، بل يجب، كما لو قيل له: إن فلانا عزم على قتلك، قال تعالى: ﴿إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ وما حكاه الصحابة للنبي ﷺ عن المنافقين. تنبيه: سكوت المصنف عن الغيبة يوهم إنها ليست بكبيرة، وهو ما نقله الرافعي عن صاحب (العدة) ولم يخالفه، وهو ضعيف، أو باطل، كيف وقد نقل عن المتأخرين في حد (١٤٤أ) الكبيرة ما توعد عليه، والوعيد عليها طافح من الكتاب والسنة، بل نقل القرطبي في تفسيره الإجماع، على أنها كبيرة وظفرت بنص الشافعي ﵁، في ذلك كما حكيته في (خادم الرافعي) و (الروضة) وقد قرن النبي ﷺ بين الدماء والأموال والأعراض والحرمة، وفي معناها السكوت على الغيبة، فإن السامع شريك المتكلم. (ص) شهادة الزور.

стр. 915

(ش) ففي الصحيحين أنها من أكبر الكبائر، وفي الحديث الثابت: ((لا تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار)) وقوله: ((عدلت شهادة الزور الشرك بالله)) وإنما عادلته، لقوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ ثم قال بعدها: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ والزور: الكذب والباطل، ومنه قوله: ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) قال الراغب: نبه بذلك على أنه كاذب في قوله وفعله فتضاعف عنه وزره، وعليه حملوا قوله تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ قال القرافي: ومقتضى العادة أنها لا تكون كبيرة إلا إذا عظمت مفسدتها، لكن الشرع جعلها مفسدة مطلقا، وإن كان لم يتلف بها على المشهود عليه إلا فلسا. (ص) واليمين الفاجرة.
следующие страницы →