Полный текст (1 929 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
(ص) (ورقة الديانة) كالقتل.
(ش) أي: العمد بغير حق، وشبهة العمد دون الخطأ كما قاله شريح الروياني، وجعله الحليمي مراتب وقال: إن قتل أبا أو ذا رحم في الجملة أو أجنبيا محرما بالحرم أو بالشهر الحرام - فهو فاحشة فوق الكبيرة، فإن قلت: كيف لم يبدأ بالشرك وهو أعظمها، ففي الصحيح: (سئل أي الذنب أعظم؟) قال: ((أن تجعل لله ندا وهو خلقك))، قال: (ثم أي؟) قال: ((أن تقتل ولدك)) الحديث؟ قلت: لأن كلامه في قادح العدالة بعد ثبوت صفة الإسلام.
(ص) والزنا واللواط.
(ش) أما الزنا ففي الصحيح عده كبيرة وألحق به اللواط، لاشتراكهما في وجوب الحد، واللواط أفحش وأقبح (١٤٣ب) وقد أخبر الله تعالى أنه أهلك قوم لوط به، وقال ﷺ : ((إذا زنا العبد خرج منه الإيمان وكان كالظلة فإذا أقلع منه رجع إليه الإيمان)) قال الذهبي: على شرط، الشيخين ويلتحق به وطء الزوجة والأمة في الموضع المكروه.
(ص) وشرب الخمر ومطلق المسكر.
(ش) شرب الخمر وإن لم يسكر، وثبت عن ابن عباس: لما نزل تحريم الخمر
стр. 912
مشى الصحابة بعضهم إلى بعض وقالوا: حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك. وإنما قال: ومطلق المسكر، أي: من غيرها، لأن الخمر اسم للعنب خاصة, وفي مسلم مرفوعا: ((أن على الله عهد لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)) وهو عرق أهل النار ويلتحق به كل ما يزيل العقل لغير ضرورة، وما قاله المصنف هو المشهور. وقال شريح الروياني: من اعتقد مذهب الشافعي: إذا شرب النبيذ فهل يكون كبيرة؟ فيه وجهان، وسبق عن الماوردي وزعم الحليمي أن من مزج خمرا بمثلها من الماء فذهبت شدتها وشربها فذاك من الصغائر، واستغربه المصنف في (الطبقات) وليس بغريب بل هو جار على المذهب، لأن المنع حينئذ للنجاسة لا للإسكار.
(ص) والسرقة والغصب.
(ش) للتوعد والحد في السرقة والتوعد في الغصب، لقوله: ((من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين لعن الله من غير منار الأرض أو سرق منار الأرض)) رواه مسلم وقيد العبادي وشريح الروياني وغيرهما الغصب بما يبلغ قيمته ربع دينار، وكأنهم قاسوه على السرقة، قال الحليمي: وأما سرقة الشيء التافه فهو صغيرة إلا إذا كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عما أخذه فيكون كبيرة. قلت
стр. 913
لا من جهة السرقة، بل من جهة إيذائه ويأتي مثل ذلك في الغصب.
(ص) والقذف.
(ش) لقوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾ وفي الصحيح عده من السبع الموبقات، أما قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂ فكافر، لتكذيبه القرآن وقد يباح القذف لمصلحة كما إذا علم الزوج أن الولد ليس منه ويجرح الشاهد والراوي بالزنا، بل يجب قال ابن عبد السلام: والظاهر أن من قذف محصنا في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظة - أن ذلك ليس بكبيرة موجبة للحد، لانتفاء المفسدة، وما قاله قد يظهر فيما إذا كان صادقا دون الكاذب، لجرأته على الله تعالى وقال الحليمي: قذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر ومراده بالصغيرة: من لا تحتمل الوقاع، بحيث يقطع بكذب قاذفها، وفي المملوكة نظر، وفي الصحيح: (من قذف عبدا أقيم عليه الحد يوم القيامة).
(ص) والنميمة.
(ش) وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد قال تعالى: ﴿مشاء بنميم﴾ وفي الصحيحين: ((لا يدخل الجنة نمام)) ولا يشكل على
стр. 914
كونها كبيرة، حديث: ((وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة)) لأن المراد لا تعده الناس كبيرة، لقوله تعالى: ﴿وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾ وقد تجوز إذا اشتملت على مصلحة للمنموم إليه، بل يجب، كما لو قيل له: إن فلانا عزم على قتلك، قال تعالى: ﴿إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ وما حكاه الصحابة للنبي ﷺ عن المنافقين.
تنبيه: سكوت المصنف عن الغيبة يوهم إنها ليست بكبيرة، وهو ما نقله الرافعي عن صاحب (العدة) ولم يخالفه، وهو ضعيف، أو باطل، كيف وقد نقل عن المتأخرين في حد (١٤٤أ) الكبيرة ما توعد عليه، والوعيد عليها طافح من الكتاب والسنة، بل نقل القرطبي في تفسيره الإجماع، على أنها كبيرة وظفرت بنص الشافعي ﵁، في ذلك كما حكيته في (خادم الرافعي) و (الروضة) وقد قرن النبي ﷺ بين الدماء والأموال والأعراض والحرمة، وفي معناها السكوت على الغيبة، فإن السامع شريك المتكلم.
(ص) شهادة الزور.
стр. 915
(ش) ففي الصحيحين أنها من أكبر الكبائر، وفي الحديث الثابت: ((لا تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار)) وقوله: ((عدلت شهادة الزور الشرك بالله)) وإنما عادلته، لقوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ ثم قال بعدها: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ والزور: الكذب والباطل، ومنه قوله: ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) قال الراغب: نبه بذلك على أنه كاذب في قوله وفعله فتضاعف عنه وزره، وعليه حملوا قوله تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ قال القرافي: ومقتضى العادة أنها لا تكون كبيرة إلا إذا عظمت مفسدتها، لكن الشرع جعلها مفسدة مطلقا، وإن كان لم يتلف بها على المشهود عليه إلا فلسا.
(ص) واليمين الفاجرة.
стр. 916
(ش) ففي الصحيح: ((من اقتطع حق مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار)). قيل: يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا؟ قال: ((ولو كان قضيبا من أراك)) وفي صحيح البخاري في باب استتابة المرتدين: ((الإشراك بالله ثم عقوق الوالدين ثم اليمين الغموس))، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: ((الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب)).
(ص) وقطيعة الرحم.
(ش) لقوله تعالى: ﴿وتقطعوا أرحامكم﴾ وفي الصحيح: ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) والرحم الأقارب ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب من جهة النساء، والقطيعة: الهجران والصد، فعيلة من القطع وهو ضد الصلة.
(ص) والعقوق.
(ش) ففي الصحيحين: أنها من أكبر الكبائر، وقال ﵇: ((رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين)) قال الذهبي: إسناده صحيح
стр. 917
وفي الحديث: ((كل الذنوب يؤخر منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه)) وإنما قال المصنف: العقوق، ولم يقيد بالوالدين، لما في الحديث: ((الخالة بمنزلة الأم)) وصححه الترمذي، وعلى قياسه العم أب، وفي الصحيح: ((عم الرجل صنو أبيه)).
(ص) والفرار.
(ش) أي: من الزحف، وهو من السبع الموبقات، لكنه قد يجب إذا علم أنه يقتل من نكاية في الكفار، لأن التغرير في النفوس إنما جاز لمصلحة إعزاز الدين، وفي الثبوت ضد هذا المعنى.
(ص) ومال اليتيم.
(ش) لقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ الآية. وعده في الصحيحين من السبع الموبقات، وقيل: إنه مجلب لسوء الخاتمة، أعاذنا الله من ذلك! وقال الشيخ عز الدين في (القواعد): قد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر، فإن وقعا في مال خطير فظاهر، وإن وقعا في مال حقير كزبيبة أو تمرة فهذا مشكل، فيجوز أن يجعل من الكبائر فطاما عن هذه المفاسد كشرب قطرة من الخمر، ويجوز أن
стр. 918
يضبط ذلك المال بنصاب السرقة
قلت: ويؤيد هذا ما سبق في الغصب.
(ص) وخيانة الكيل والوزن.
(ش) لقوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ ومطلق الخيانة أيضا من الكبائر قال تعالى: ﴿إن الله لا يحب الخائنين﴾ وفي معني الكيل والوزن: الزرع في المزروعات.
(ص) وتقديم الصلاة وتأخيرها.
(ش) أي: تقديمها على وقتها (١٤٤ب) وتأخيرها عنه، بلا عذر من سفر أو مرض، وعليه حملوا حديث الترمذي: ((من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من الكبائر)) قال ابن حزم: ولا ذنب بعد الشرك أعظم من ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وقتل مؤمن بعير حق وعلم منه من تركها من باب أولى، وهو المراد بقوله: ﴿ما سلككم في سقر﴾ وروى الجريري عن عبد الله بن شقيق
стр. 919
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة رواه الحاكم وأخرجه الترمذي دون ذكر أبي هريرة وحكى البغوي في (التهذيب) وجها غريبا: أن من ترك صلاة واحدة فليس بصاحب كبيرة حتى يعتاد ذلك مرارا.
(ص) والكذب على محمد ﷺ .
(ش) لقوله ﷺ : ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) بل ذهب الشيخ أبو محمد الجويني إلى أن الكذب عليه كفر، ولا شك أن تعمد الكذب عليه في تحليل الحرام أو تحريم الحلال كفر محض وإنما الخلاف في تعمده فيما سوى ذلك، وفي الحديث: ((من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
стр. 920
قال الذهبي: ومن هنا يعلم أن رواية الموضوع لا تحل، وتقييد المصنف الكذب على رسول الله ﷺ يوهم أن الكاذب على غيره ليس بكبيرة وليس على إطلاقه ومنه الكذاب في غالب أقواله قال تعالى: ﴿إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب﴾ وقال: ﴿قتل الخراصون﴾ وفي الصحيحين: ((إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) ومن محاسن الشريعة: إباحة المعاريض فلا ضرورة حينئذ تدعو إلى الكذب، ولا خلاف في جوازها حيث يضطر إليها كما قاله الراغب وغيره وقيل: ورد: في المعاريض مندوحة عن الكذب وفي الحديث لمن سأله من أين أنت؟ قال: ((من الماء)).
(ص) وضرب المسلم.
(ش) أي: بلا حق أو زيادة على ما يستحقه وفي الصحيح: ((صنفان من أهل النار: قوم معهم كأذناب البقر يضربون بها الناس)) وخص المصنف المسلم،
стр. 921
لأنه أفحش أنواعه، وإلا فالذمي بغير حق كذلك.
(ص) وسب الصحابة.
(ش) لقوله ﷺ : ((من عادى لي وليا فقد آذنني بالحرب)) رواه البخاري وقال: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفس محمد بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) متفق عليه.
(ص) وكتمان الشهادة.
(ش) لقوله تعالى: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ وفي التفسير: أنه مسخ القلب وهذا الوعيد لمن لم يذكر في غيره من الكبائر، قال ابن القشيري: من كتمان الشهادة الامتناع عن أدائها، بعد تحملها، ومنه أن لا يكون عند صاحب الحق علم بأن له شهادة وخانه صاحبه.
(ص) والرشوة.
(ش) لحديث: ((لعنة الله على الراشي والمرتشي)) وهي مثلثة الراء، أن
стр. 922
يبذل مالا ليستحق باطلا أو يبطل حقا أما من بذل مالا لمن يتكلم في أمره مع السلطان فهو جعالة قاله العبادي وغيره.
(ص) والدياثة والقيادة.
(ش) الأول المستحسن على أهله، والثاني: على أجنبي، قال تعالى: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ وقد روى سليمان بن يسار عن الأعرج حدثنا سالم بن عبد الله عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة (١٤٥أ) لا يدخلون الجنة: العاق والديه، والديوث ورجلة النساء)) قال الذهبي: إسناده
стр. 923
صالح لأن بعضهم يقول: عن أبيه عن عمر مرفوعا، قال: فمن كان يظن بأهله الفاحشة ويتغافل لمحبته فيها فهو دون من يعرص عنه ولا خير فيمن لا غيرة له).
(ص) والسعاية.
(ش) أي عند السلطان أي: إنما يضر المسلم وإن كان صدقا قال صاحب (نهاية الغريب): وفي حديث ابن عباس: الساعي لغير رشده، أي: الذي يسعى بصاحبه إلى السلطان ليؤذيه يقول: هو ليس بثابت النسب ولا ولد حلال، ومنه حديث كعب: الساعي مثلث يريد أن نهلك بسعايته ثلاثة نفر: السلطان والمسعى به ونفسه، وفي (الحلية) لأبي نعيم، عن الشافعي ﵁ قال: قبول السعاية أضر من السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز، قال:
стр. 924
والساعي ممقوت إذا كان صادقا لهتكه العورة وإضاعته الحرمة، ويعاقب إن كان كاذبا لمبارزته الله تعالى بقول البهتان، وشهادة الزور.
(ص) ومنع الزكاة.
(ش) لقوله تعالى: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ والمتوعد عليه كبيرة وقد قاتل الصديق مانع الزكاة وأجمع عليه الصحابة، ثم لا يخفى أن المراد المنع المجرد مع الاعتراف بوجوبها فإن جاحدها كافر، والمراد أصلها لا كل فرد حتى لا يكفر جاحد زكاة الفطر، ولا جاحدها في مال الصبي والمجنون وغيره من المختلف فيه، وفي معنى منع الزكاة تأخيرها إذا وجبت لا لعذر.
(ص) ويأس الرحمة وأمن المكر.
(ش) أما الأول، فلقوله تعالى: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ فمن قال: لا يغفر فقد حجر واسعا وكذب القرآن في قوله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ وأضاف بعضهم إليه القنوط، قال تعالى: ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾ ولك أن تسأل الفرق بينهما وفسر الراغب القنوط باليأس من الخير وفسر اليأس بانتفاء الطمع، قلت: ويحتمل تفسير اليأس بظن لا ينتهي إلى القطع والقنوط بما فوقه وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وإن مسه الشر فيئوس قنوط﴾ والثاني كقوله تعالى: ﴿فلا يأمن مكر الله
стр. 925
إلا القوم الخاسرون﴾ فيسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين﴾ قال بعضهم: من مكر الله تعالى إمهال العبد وتمكينه من أغراض الدنيا، ولهذا قال علي ﵁: من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع في عقله.
(ص) والظهار.
(ش) أي وهو قوله لزوجته: أنت علي كظهر أمي، اشتق من الظهر، ودل على تحريمه قوله تعالى: ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ لأنهم صيروا كأمهاتهم من لا يكون بمنزلتهن، ولهذا جعلت الكفارة قبل المسيس، ليحل له غشيانها، بخلاف كفارة القتل وغيرها.
(ص) ولحم الخنزير والميتة.
(ش): أي: بغير ضرورة، لقوله تعالى: ﴿إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾ وهو من عطف الخاص على العام.
(ص) وفطر رمضان.
(ش) لأن صومه ركن الإسلام، وروى ((من أفطر يوما من رمضان من غير
стр. 926
عذر ولا رخصة لم يقضه صيام الدهر)).
(ص) والغلول.
(ش) أي: وهو تدرع الخيانة من الغنيمة وبيت المال والزكاة: قال تعالى: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ وروي: لا إغلال ولا إسلال أي لا خيانة ولا سرقة (١٤٥ب) وقال الإمام أحمد: ما نعلم أن النبي ﷺ ترك الصلاة على أحد إلا على الغال وقتال= نفسه، وما فسرت به الغلول هو الذي قاله الأزهري وغيره وقال أبو عبيد: الغلول من الغنم خاصة، ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد فإنه يقال: أغل يغل، ومن الحقد غل يغل بكسر الغين، ومن الغلول: غل يغل الضم، وقال ابن أبي هريرة: تنكية، صورة الغلول من الزكاة أن يخفي ماله لئلا تؤخذ منه الزكاة، أو يقل: لم يحل على مالي الحول، أو لم يكن لي نصاب في جميع الحول، وعرفنا خلاف ما قال.
(ص) والمحاربة.
(ش) لقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ...﴾ الآية.
(ص) والسحر.
(ش) ففي الصحيح عده من السبع الموبقات ولأن الساحر لابد أن يكفر، قال تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾
(ص) والربا.
стр. 927
(ش) وهو مقابلة مال بمال مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حال العقد أو مع تأخيره في البدلين أو أحدهما لقوله تعالى: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ وفي الصحيح عده من السبع الموبقات، وفيه: ((لعن آكل الربا وموكله)) قال الشيخ عز الدين في (القواعد): ولم أقف على المفسدة المقتضية لعجله من الكبائر، فإن كونه مطعوما وقيمة الأشياء أو مقدرا، لا يقتضي أن يكون كبيرة، ولا يصح التعليل بأنه لشرفه حرم ربا الفضل وربا النسا فإن من باع ألف دينار بدرهم واحد صح بيعه ومن باع كر شعير بألف كر حنطة، أو مد شعير بألف مد من حنطة، أو مداً من حنطة بمثله، أو ديناراً بمثله وأجل ذلك للحظة - فإن البيع يفسد، مع أنه لا يلوح في مثل هذه الصورتين معنى يصار إليه، قلت: وذكر الغزالي في (الإحياء) في توجيه المفسدة كلاما فلينظر فيه وقال السهيلي: من تأمل أبواب الربا لاح له سر التحريم من جهة الجشع المانع من حسن المعاشرة والذريعة إلى ترك الفرض، وما في التوسعة من مكارم الأخلاق، ولذلك قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ نبهنا فيه على العلة، ولهذا قالت عائشة: إن تعاطى ما شبهه إلا بطل جهاده مع رسول الله ﷺ ولم تقبل صلاته ولا صيامه لأن السيئات لا تحبط الحسنات، ولكن خصت الجهاد بالإبطال، لأنه حرب لأعداء الله وآكل الربا قد آذن بحرب من الله فهو ضده ولا يجتمع الضدان، والظاهر أنه تعبد وكان الذين يتعاطونه يقولون: هذا الربح أخيرا كالربح ابتداء، لو بعت الثوب الذي قيمته عشرة بخمسة عشر، والله تعالى فرق بين الربح في الابتداء وبين الربح في الانتهاء، وله= يحكم بما يريد ولا يجمع بين متفرق.
ويجوز أن يقرأ كلام المصنف بالياء المثناه من تحت فإنه من الكبائر أيضا وفي مسلم في حديث: الشهيد والغازي والمنفق في سبيل الله تعالى يقال لهم: إنما فعلت ليقال، ثم يؤمر بهم فيسحبوا
стр. 928
إلى النار وصحح الحاكم: ((اليسير من الرياء شرك)).
(ص) وإدمان الصغيرة.
(ش) أي: فإنه بمنزلة الكبيرة، ولهذا أخره المصنف عن الكل، وهذا هو المشهور، وحكى الديبلي في (أدب القضاء) وجها: أنه لا تصير الصغيرة بالمداومة عليها كبيرة، كما لا تصير الكبيرة بالمداومة عليها كفرا. والإدمان يكون باعتبارين: الإصرار بالفعل، والإصرار حكما وهو (١٤٦أ) العزم على فعلها بعد فراغه منها،
стр. 929
فحكمه حكم من كررها فعلا وتعبير المصنف بـ (إدمان) تفسير منه للإصرار لهذا قال ابن فورك: الإصرار: الإقامة على الشيء (بالعقد عليه من جهة العزم على فعله، والإصرار على الذنب يقتضي التوبة منه. انتهى. وهل المراد الإدمان) على نوع واحد من الصغائر أم الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع أو أنواع؟ فيه تردد للأصحاب، قال الرافعي: والثاني يوافق قول الجمهور: من غلبت معاصيه طاعته كان مردود الشهادة.
تنبيهان: الأول: إنما عدد المصنف هذه الأنواع لئلا يتوهم حصرها في سبع ولهذا قيل لابن عباس: الكبائر سبع، فقال: هي إلى السبعين أقرب وعن ابن جبير: هي إلى السبعمائة أقرب، قال ابن ظفر: ولا تعد مثل هذا خلافا، فكل معصية كبيرة إذا أضيفت إلى ما هو دونها، فهو إخبار عما استفاده من مقامات الكبائر، ونحوه قال الحليمي: ما من ذنب وإلا في نوعه كبيرة وصغيرة إلا الكفر بالله، فإنه أفحش الكبائر، وليس في نوعه صغيرة، وقد جاءت أحاديث بعدها سبعا، وأحاديث بأكثر من ذلك كما بيناه، فلا مفهوم مخالفة لواحد منها، لأنها لم تتفق على سبعة معينة، بل بينها تفاوت، وطريق الجمع ما قيل في أفضل الأعمال، وهو أن النبي ﷺ كان يخص في كل وقت بعض الكبائر بالذكر لحاجة السامعين حينئذ إلى بيانه على حسب حال بعض الحاضرين، واقتصر في بعض الأحايين على أكبرها كقوله: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر)).
الثاني: لم يراع المصنف ترتبيها، وقال القرطبي: أكبرها الشرك ثم الإياس من رحمة الله تعالى، لأنه تكذيب للقرآن، ثم الأمن من مكر الله تعالى، ثم القتل لأن فيه إذهاب النفس وإعدام الموجود، ثم اللواط، لأن فيه قطع النسل، والزنا، لاختلاط الأنساب، ثم الخمر، لذهاب العقل الذي هو مناط التكليف وقلت:
стр. 930
ويحتمل جعل عقوق الوالدين بعد الشرك، لأن الله تعالى واحد، فإذا جعل معه ثانيا فقد أشرك، والأب أعظم من على الابن له حق، فإذا استحق به فأحرى بغيره ولهذا قرن بينهما في قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ وقال: ﴿أن أشكر لي ولوالديك﴾ وجاء في بعض الأحاديث العقوق بعد الإشراك.
(ص): مسألة: الإخبار عن عام لا ترافع فيه الرواية، وخلافه الشهادة.
(ش): الفرق بين الرواية والشهادة من مهمات هذا العلم وقد خاض فيه المتأخرون وغاية ما فرقوا بينهما باختلافها في بعض الأحكام كاشتراط العدد والحرية والذكورة، وغيرها، وذلك لا يوجب تخالفهما في الحقيقة، وقال القرافي: وأقمت مدة أتطلب الفرق بينهما حتى ظفرت به في كلام المازري فذكر ما حاصله: أنهما خبران غير أن المخبر عنه إن كان عاما لا يختص بمعين، ولا ترافع فيه إلى الحكام فهو الرواية، وإن كان خاصا بمعين والترافع فيه ممكن فهو الشهادة وإذا لاح الفرق بينهما وصح مناسبة اعتبار العدد في الشهادة استظهاراً دون الرواية - فإنه يدخل من التهمة في إثبات الحقوق المعينة ما لا يدخل في إثباتها في الجملة، فجاز أن تؤكد الشهادة بما
стр. 931
لا تؤكد الرواية، فلهذا أكدت بالعدد وعدم العداوة وغيرها، لكن قد يعارض هذا بأن الخبر وإن لم يتضمن إثبات الحق على أحد معين، لكن يقتضي إثبات شرع في حق جميع المكلفين، إلى يوم القيامة فالاحتياط فيه أجدر من الاحتياط في إثبات الحق على واحد معين في شيء معين. ويحقق المناسبة وجوه، ذكرها الشيخ عز الدين:
أحدها: أن الغالب (١٤٦ب) من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله ﷺ بخلاف شهادة الزور، فاحتيج إلى الاستظهار فيها.
والثاني: أنه قد ينفرد بالحديث النبوي شاهد واحد، فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة العامة، بخلاف فوات حق واحد على شخص واحد في المحاكمات.
والثالث: أن بين كثير من الناس والمسلمين إحنا وعداوات تحملهم على شهادة الزور، بخلاف الأخبار النبوية.
(ص): وأشهد إنشاء تضمن الإخبار لا محض إخبار أو إنشاء على المختار.
(ش): تضمن ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه إخبار محض وهو ظاهر كلام اللغويين، قال ابن فارس في (المجمل): الشهادة خبر عن علم، وقال الإمام فخر الدين في تفسير قوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ فيه دلالة على أن الشهادة، مغايرة للعلم، قال: وليست الشهادة عبارة عن قوله: أشهد، لأن أشهد إخبار عن الشهادة، والإخبار عن الشهادة غير الشهادة، بل الشهادة عبارة عن الحكم الذهني، وهو الذي يسميه
стр. 932
المتكلمون كلام النفس.
والثاني: أنه إنشاء وإليه مال القرافي لأنه لا يدخله تكذيب شرعا وأما قوله تعالى: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ - فعائد إلى تسميتهم ذلك شهادة لأن الإخبار إذا خلا عن مواطأة القلب اللسان لم يكن ذلك حقيقة.
والثالث: أنه إنشاء تضمن الخبر عما في النفس، وفي هذا ما يجمع القولين.
واعلم أن نقل المذاهب هكذا في هذه المسألة لا يوجد مجموعا وإنما يوجد متفرقا في كلام الأئمة بالتلويح، نعم اختلف أصحابنا في قول الملاعن: أشهد بالله هل هو يمين مؤكد بلفظ الشهادة، أو يمين فيها شوب شهادة؟ والصحيح الأول.
(ص): وصيغ العقود كبعث إنشاء، خلافا لأبي حنيفة.
(ش): اختلف في صياغ الخبر المستعملة في الإنشاء كبعث= واشتريت التي قصد بها إيقاع هذه العقود: هل هي على ما كانت عليه من الخبرية، أو نقلت عن الخبرية بالكلية وصارت إنشاء؟ على قولين، قال في (المحصول): ولا شك أنها في اللغة موضوعة للإخبار وقد يستعمل في الشرع لذلك أيضا، وفي استحداث الأحكام، وإنما
стр. 933
النزاع أنها حيث استعملت لاستحداث أحكام لم تكن من قبل، فهل هي إخبارات باقية على الوضع اللغوي أو إنشاءات؟ الأقرب الثاني. انتهى. وعزاه الهندي للأكثرين وكذلك الأصفهاني، وعزا مقابله للحنفية، قال: وهو اختيار أئمة النظر من علم الخلاف، قال: وهذا تفريع على القول بالنقل الشرعي، إما مطلقا كقول المعتزلة، أو إلى مجازاتها اللغوية، ولا يتأتى هذا التفريع على رأي القاضي، انتهى.
وأما المصنف فنسبه إلى أبي حنيفة وفيه نظر، لأنه لا يعرف لأبي حنيفة فيه نص وغاية ما وقع في كلام المتأخرين نسبته للحنفية، وقد أنكر ذلك القاضي شمس الدين السروجي وكان من أئمة الحنفية العارفين بمذهبه: فقال في (كتاب النكاح من الغاية): وقد حكي عن القرافي أنه نسب ذلك إلى الحنفية، وهذا لا أعرفه لأصحابنا بل المعروف عندهم أنها إنشاءات استعملت، ولهذا قال صاحب (البديع): الحق أنها إنشاء، ولهذا يسأل المطلق رجعيا عن قوله: طلقتك ثانيا وكذا قال غيره من الحنفية، قالوا: وليس معنى كونها إنشاء، في الشرع أنها نقلت عن معنى الإخبار بالكلية (١٤٧أ) ووضعها لإيقاع هذه الأمور بل معناه أنها صيغ تتوقف صحة مدلولاتها اللغوية على ثبوت هذه الأمور، من جهة المتكلم، فاعتبر الشرع إيقاعها من جهته بطريق الاقتضاء تصحيحا لهذه الأمور من حيث إن هذه الأمور لم
стр. 934
تكن ثابتة ولهذا كان جعله إنشاء للضرورة، حتى لو أمكن العمل بكونه إخبارا لم يجعل إنشاء بأن يقول للمطلقة المنكوحة: إحداكما طالق، لا يقع الطلاق، قلت: وكذلك عندنا، إذا قصد الأجنبية وقال بعض المتأخرين: الحق أنها إن جردت عن الخبرية صارت إنشاء لأنها لا تحتمل الصدق والكذب، ولكان العاقد مخبرا عن سابق فلا ينعقد بها، وإن أريد بها إيقاع الفعل كانت إنشاء، وإن أريد بها الإخبار، كانت خبرا. واحتج القائلون بأنها إخبارات في ثبوت الأحكام فإن معنى قولك: (بعت) الإخبار عما في قلبك، فإن أصل البيع هو التراضي ووضعت لفظة (بعت) دلالة على الرضا، فكأنه أخبر بها عما في ضميره ورد بأنه لا يقصد بهذه الصيغ الحكم بنسبة خارجية، فلا تدل (بعت) على بيع آخر غير البيع الذي يقع به ولا معنى للإنشاء إلا هذا، وأيضا لا يوجد فيها خاصية الإخبار أعني احتمال الصدق والكذب للقطع بتخطئة من يحكم عليها بأحدهما.
تنبيه: لا يختص الخلاف في العقد بل يجري في الحلول، كفسخت وطلقت فالطلاق إنشاء ولا يقوم الإقرار مقامه، ولكن يؤاخذ بما أقر به، وبعضهم يجعل الإقرار على صيغته وقرينته إنشاء، فإذا أقر بالطلاق نفذ ظاهرا ولا ينفذ باطنا، وحكي وجه أنه يصير إنشاء حتى تحرم باطنا، قال إمام الحرمين: وهو ملتبس فإن الإقرار والإنشاء يتنافيان فذلك إخبار عن ماض، وهذا إحداث في الحال، وذلك يدخله الصدق والكذب، وهذا بخلافه.
(ص): وقال القاضي: يثبت الجرح والتعديل بواحد، وقيل: في الرواية فقط، وقيل: لا فيهما.
(ش): في الاكتفاء بجرح الواحد، وتعديله في الرواية والشهادة - مذاهب:
стр. 935
أحدها: الاكتفاء به فيهما، وبه قال القاضي أبو بكر، وعبارته في (التقريب): هذا القول قريب، لا شيء عندنا يفسده، وإن كان الأحوط ألا يقبل في تزكية الشاهد خاصة أقل من اثنين والمخبر قريب من بابه. انتهى.
والثاني: يعتبر العدد فيهما وهو رأي بعض المحدثين ووهاه الإمام.
والثالث: يكتفى به في الرواية دون الشهادة ونسب للأكثر، لأن شرط الشيء لا يزيد على أصله، بل قد ينقص كالإحصان يثبت باثنين وإن لم يثبت الزنا إلا بأربعة فإذا قبلت رواية الواحد فلا تقبل تزكية الواحد أو جرحه فيها أولى، لأن غاية مرتبة الشرط أن يلحق بمشروطه فإذا لم يقبل في الشهادة إلا اثنين لم يقبل في تزكيتها أقل من اثنين.
(ص): وقال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما، وقيل: بذكر سببهما، وقيل: سبب التعديل فقط، وعكس الشافعي وهو المختار في الشهادة، وأما الرواية فيكفي الإطلاق إذا عرف مذهب الجارح.
(ش): ينبغي أن تكون الواو في قوله: وقال القاضي - بمعني ثم، لأنه دخول منه في مسألة أخرى، والضمير في قوله: فيهما عائد للجرح والتعديل وحاصله أن في التعرض لسبب الجرح والتعديل مذاهب:
أحدها: أنه يكفي الإطلاق فيهما، ولا يجب ذكر السبب لأنه إن لم يكن بصيرا بهذا الشأن لم يصلح للتزكية، وإن كان (١٤٧ب) بصيرا به فلا معنى للسؤال وهذا ما نص عليه في (التقريب) ونقل عنه إمام الحرمين التفصيل الآتي في
стр. 936
الثالث.
والثاني: يجب ذكر سببهما للاختلاف في أسباب الجرح والمبادرة إلى التعديل بالظاهر.
والثالث: يذكر سبب التعديل دون الحرج، لأن مطلق الجرح يبطل الثقة ومطلق التعديل لا يحصل الثقة، لتسارع الناس إلى الثناء اعتمادا على الظاهر، فلا بد من سبب قال إمام الحرمين: وهذا أوقع في مأخذ الأصول.
والرابع: عكسه يجب في الجرح دون التعديل، وهو قول الشافعي ﵁، إذ قد يجرح بما لا يكون جارحا، لاختلاف المذاهب فيه، بخلاف العدالة، إذ ليس لها إلا سبب واحد.
والخامس: التفصيل بين الشهادة والرواية، ففي الشهادة يجب السبب في الجرح فقط، وفي الرواية يكفئ= الإطلاق إذا علم أن مذهب الجارح أنه لا يجرح إلا بالمؤثر، لكن أطلق النووي في شرح مسلم أن معنى عدم قبول الجرح المطلق في
стр. 937
الراوي أنه يجب التوقف عن العمل بروايته إلى أن يبحث عن السبب.
стр. 938
(ص): وقول الإمامين: يكفي إطلاقهما للعالم بسببهما، هو رأى القاضي إذ لا تعديل وجرح إلا من العالم.
(ش): ذهب إمام الحرمين والرازي إلى تفصيل في المسألة: وهو أنا إن علمنا علم الراوي بأسبابهما، لم يجب ذكر السبب فيهما إذ الراوي يصير عدلا، وإلا أوجبناه ونبه المصنف على أن هذا ليس بمذهب، خلاف ما تقدم، بل هو راجع إلى كلام القاضي، لأنه إذا لم يكن عارفا بشروط العدالة، لم يصلح للتزكية، فقوله: (للعالم) أي: بأسباب الجرح والتعديل فإن العالم المتقن لا يجرح بأمر مختلف فيه.
(ص): والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعا، وكذا إن تساويا أو كان الجارح أقل، وقال ابن شعبان: يطلب الترجيح.
(ش): إذا تعارض الجرح والتعديل، فإما أن يكون عدد الجارح أقل من المعدل أو أكثر أو يتساويا، فإن كان الجارح أكثر قدم بالإجماع، كذا قال المازري والباجي وغيرهما، لاطلاعه على زيادة لم ينفها المعدل، وإن تساويا فكذلك وحكى
стр. 939
القاضي في (مختصر التقريب) الإجماع عليه أيضا، لكن ابن الحاجب حكى قولا أنهما يتعارضان ولا يترجح أحدهما إلا بمرجح، وإن كان الجارح أقل فالجمهور على تقديم الجرح أيضا لما سبق، وقيل: يقدم المعدل بزيادة عدده وقال ابن شعبان المالكي: يطلب الترجيح، حكاه عنه المازري واعلم أن القول بتقديم الجرح إنما يصح بشرطين ذكرهما ابن دقيق العيد:
أحدهما: مع اعتقاد المذهب الآخر، وهو أن الجرح لا يقبل إلا مفسرا.
والثاني: أن يكون الجرح بناء على أمر مجزوم به، أي: بكونه جارحا لا بطريق اجتهادي كما اصطلح عليه أهل الحديث في الاعتماد في الجرح على اعتبار حديث الراوي مع اعتبار حديث غيره، والنظر إلى كثرة الموافقة والمخالفة والتفرد والشذوذ.
(ص): ومن التعديل حكم مشترط العدالة بالشهادة، وكذا عمل العالم في الأصح، ورواية من لا يروي إلا للعدل.
(ش): التعديل يحصل بالتزكية الصريحة، بأن يقول: هو عدل ويذكر سببه، فيقول: لأني رأيت منه كذا، أو لا يذكره إن لم توجبه، وكذا السماع المتواتر والمستفيض بالعدالة، قال القرافي: وقد نص الفقهاء على أن من عرف بالعدالة لا تطلب له تزكية وسكت عنه المصنف لوضوحه، ويحصل بالضمني وهو الذي ذكره المصنف لغموضه وله مراتب (١٤٨أ):
стр. 940
أحدها: وهو أعلاها: أن يحكم الحاكم بشهادته لأنه لو لم يكن عدلا لما جاز بناء الحاكم على شهادته وهذا إذا كان الحاكم مستوفى العدالة، وهذا القيد ذكره الآمدي وغيره، ولا بد منه، وأهمله في (المنهاج)، ثم فيه شيئان:
أحدهما: أن هذا إنما يقدح إذا منعنا حكم الحاكم بعلمه، فإن جوزناه فحكمه بالشهادة ظاهر، أيقوم معه احتمال أنه حكم بعلمه باطنا، وهذا يقدح في جعل الغزالي هذه المرتبة أقوى من التعديل بالقول، وحينئذ يتجه التفصيل الآتي في التي بعدها، فإن علم يقينا أنه حكم بشهادته فتعديل، وإن لم يعلم يقينا فلا، وهو ما اقتصر عليه العبدري في (شرح المستصفى).
الثاني: أن هذه المرتبة من خواص الشهادة دون الرواية، لكنهم ذكروها في تعديل الراوي بالاستلزام.
ثانيها: عمل العالم بروايته تعديل إذا علم منه أنه عمل بها لا على وجه الاحتياط ونقل الآمدي فيه الاتفاق لكن الخلاف محكي في (البرهان) و (المحصول) وغيرهما فلهذا عبر المصنف بالأصح، قال إمام الحرمين: عمل
стр. 941
الراوي بما رواه مع ظهور إسناده العمل إلى الرواية قال قائلون: إنه تعديل، وقال آخرون: ليس بتعديل والذي أراه: إذا ظهر أن مستند فعله ما رواه ولم يكن ذلك من مسالك الاحتياط - فهو تعديل، وإن كان ذلك في سبيل الاحتياط فليس بتعديل، لأن المجرح يتوقى الشبهات كما يتوقى الجليات وفصل الشيخ تقي الدين ابن تيمية بين أن يعمل بذلك في الترغيب والترهيب دون غيرهما.
وثالثها: وهو أدناها: رواية العدل عنه، قيل: تعديل مطلقا، وقيل: عكسه والأصح: التفصيل: إن علم عادته أنه لا يروي إلا من عدل كيحيى بن
стр. 942
سعيد القطان، وشعبة، ومالك - فهو تعديل وإلا فلا قال المازري: وهو قول الحذاق وهو المختار في (الإحكام).
ثم هنا أمران:
أحدهما: أن هذا تفريع على جواز تعديل الراوي لمن روى عنه، وفي باب الأقضية من (الحاوي) حكاية وجهين في أنه هل يجوز للراوي تعديل من روى عنه كالخلاف في تزكية شهود الفرع للأصل.
الثاني: النظر في الطريق التي يعرف بها كونه لا يروي إلا عن عدل، فإن كان ذلك بتصريحه فهو الغاية، وإن كان ذلك باعتبارنا بحاله في الرواية، ونظرنا إلى أنه لم يرو عمن عرفناه إلا عن عدل، فهذا دون الدرجة الأولى ذكره ابن دقيق العيد قال: وهل يكتفى بذلك في قبول روايته عمن لا يعرفه؟ فيه وقفة لبعض أصحاب الحديث من المعاصرين وفيه تشديد.
(ص) وليس من الجرح ترك العمل بمرويه والحكم بمشهوده.
(ش) أي: لأنه يتوقف في رواية العدل وشهادته، لأسباب أخر غير الجرح
стр. 943
وقال القاضي: إن تحقق تركه له مع ارتفاع الموانع كان جرحا، وإن لم يثبت قصده إلى مخالفته لم يكن جرحا (واعلم أن مرادهم ليس جرحا، أي: ليس دليلا على الفسق وإن كان دليلا على عدم اعتبار شهادته وروايته وإلا لفسق التارك بذلك).
(ص): ولا الحد في شهادة الزنا ونحو النبيذ.
(ش): فيه مسألتان:
إحداهما: ليس من الجرح الحد في الشهادة بالزنا، إذا لم يكمل النصاب، لأن الحد لأجل نقص العدد، لا لمعنى في الشاهد وهذا بناء على أظهر قولي الشافعي ﵁، فيما إذا شهد ثلاثة بالزنا، أنهم يحدون، لقصة المغيرة، وألحق الرافعي به جارح الراوي بذكر الزنا إذا لم يوافقه غيره حتى يكون قاذفا على الأصح، وخالفه النووي وقال المختار (١٤٨ب) أو الصواب: أنه لا يجعل قاذفا لأنه معذور في شهادته بالجرح فإنه مسؤول عنها، وهي في حقه فرض كفاية أو متعينة بخلاف شهود الزنا فإنهم مندوبون إلى الستر فهم مقصرون، وما قاله النووي هو الذي قطع به الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين، وغيرهما، ولم يخرجوه على الخلاف في شهود الزنا.
الثانية: ليس من الجرح ارتكاب ما اختلف فيه، وقال بحله بعض العلماء في مسألة اجتهادية كشرب النبيذ الذي لا يسكر، ولهذا قال الشافعي ﵁، في الحنفي: أحده، وأقبل شهادته، لما سبق في الكلام على المفسق المظنون، وكذلك قال: لا أرد شهادة المستحل لنكاح المتعة والمفتي به والعامل به وهذا بناء على أنه فسقه مظنون كما سبق وخالف مالك، واعتقد أنه مقطوع، فقال: أحده للمعصية، وأرد شهادته لفسقه وقال القرافي: وهو أوجه من قول الشافعي ﵁، لسلامته من التناقض ولأن هذا منع التقليد فيه، فمن قلد فيه بمثابة من لم يقلد فيكون عاصيا فيفسق وليس
стр. 944
كما قال فإن مأخذ الحد ورد الشهادة مختلف فالحد للزجر، فلم يراع فيه مذهب المخالف، والرد لارتكاب الكبيرة عند فاعلها وهذا متأول في شربه فعذر بتأويله واعلم أن هذه المسألة مكررة مع قوله: فيما سبق ويقبل من أقدم على مفسق مظنون.
(ص) ولا التدليس بتسمية غير مشهورة قال ابن السمعاني: إلا أن يكون بحيث لو سئل لم يبينه.
(ش) أي: ليس من الجرح التدليس بالتسمية الغريبة لوقوعه من الأكابر كسفيان وغيره، لأنه محقق في نفس الأمر، واستثنى ابن السمعاني ما إذا لم ينبه عليه لو سئل عنه، لأنه تزوير وإيهام لما لا حقيقة له، وذلك يؤثر في صدقه بخلاف ما لو كان إذا (سئل عنه أخبر باسمه، أو أضاف الحديث إلى ناقله فقد كان سفيان ابن عيينة يدلس فإذا) سئل عمن حدثه بالخبر نص على اسمه ولم يكتمه، وفصل
стр. 945
الآمدي بين أن يكون تغيير الاسم لضعف المروي عنه فيكون مجروحا، وإن كان لصغر سن المروي عنه، أو لأن المروي عنه اختلف في قبول روايته وهو يعتقد قبولها كأهل البدع، فلم يذكر باسمه المشهور حتى لا يقدح فيه فلا يكون جرحا، وهذا هو الظاهر لأن الأول يوجب العمل بخبر غير الثقة بخلاف الثاني، وسكت عما إذا لم يعلم تغييره لماذا وهو محتمل.
(ص) ولا باعطاء شخص اسم آخر تشبيها كقولنا: أبو عبد الله الحافظ يعني: الذهبي، تشبيها بالبيهقي يعني: الحاكم.
(ش) عادة البيهقي فيما يرويه عن شيخه الحاكم أن يقول: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، والمصنف ﵀ يقول في بعض مصنفاته: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ يعني: به الذهبي نبه على أن هذا ليس من التدليس، للعلم بالمقصود وظهوره.
(ص) ولا بإيهام اللقى والرحلة.
(ش) كقولنا: حدثنا وراء النهر موهما جيحون ويشير إلى نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، لأن ذلك من المعاريض لا من الكذب، قاله في (الإحكام).
(ص): أما مدلس المتون فمجروح.
стр. 946
(ش) قال الأستاذ أبو منصور: وهو الذي يسميه المحدثون بالمدرج، أي أنه أدرج كلامه مع كلام النبي ﷺ ولم يميز بينهما فيظن أن جميعه لفظ النبي ﷺ وهو عكس رواية بعض الحديث.
(ص) مسألة: الصحابي: من اجتمع مؤمنا بمحمد ﷺ وإن لم يرو ولم يطل، بخلاف التابعي مع الصحابي، وقيل: يشترطان وقيل: أحدهما، وقيل: الغزو أو سنة.
(ش) (من) موصولة بمعنى: الذي، وهو مع الاجتماع جنس، (ومؤمنا) حال من الموصول، وهو (١٤٩أ) فصل يخرج المجتمع حال كفره، (وبمحمد) ﷺ فصل ثان يخرج المجتمع بغيره، وإنما غير المصنف لفظة: (رأى) الواقع في مختصر ابن الحاجب وغيره لأنك إن نصبت النبي في قولهم: رأى النبي ﷺ وهو ظاهر - لم يطرد، لورود ابن أم مكتوم وأبي وغيرهما من عميان الصحابة، فإنهم لم يروه ولم ينعكس لأن من رآه في
стр. 947
النوم فقد رآه حقا وليس بصحابي وإن رفعت لزم أن يكون من وقع بصر محمد ﷺ عليه صحابيا وإن لم يقع بصره على محمد ﷺ ولا قائل به ولو قيل به لزم أن يكون كل من عاصره بهذه المثابة، لأنه كشف له ليلة الإسراء وغيرها عنهم أجمعين ورآهم كلهم فلهذا عدل المصنف إلى لفظة الاجتماع وزاد الإيمان وقد ذكره ابن الصلاح من المحدثين، والآمدي من الأصوليين ولا بد منه، فإن من اجتمع كافرا به ﷺ لا تثبت له صحبة، قاله البخاري في (صحيحه) حيث قال: من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
وحكاه القاضي عياض وغيره عن أحمد بن حنبل، وأشار بقوله: وإن لم يرو ولم يطل - إلى الاكتفاء بمجرد الرواية والصحبة ولو ساعة، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، وسواء اختص به أم لا، وهو مقتضى لفظ الصحبة من حيث الوضع بدليل أنه يصح تقسيم الصحبة إلى الصحبة ساعة وإلى الصحبة مدة طويلة، وكذا يصح أن يقال: صحبه ولم يرو عنه، وأشار بقوله: بخلاف التابعي إلى أنه لا يكتفى في كون الشخص تابعيا بمجرد اجتماعه بالصحابي كما يكتفى في الصحابي والفرق أن طلعة المصطفى ﷺ ينطبع من رؤيتها أو مجالستها نور لا يتهيأ لأحد من خلق الله مثله فالمرجع في تفسير التابعي إلى العرف. وقيل يشترطان، أي: طول المجالسة والرواية عنه وقيل تشترط الرواية (ولا تشترط الصحبة الطويلة، وقيل: تشترط) الصحبة الطويلة ولا تشترط الرواية، وهذا مراد المصنف بقوله: وقيل: أحدهما، لأنه لم يذهب أحد إلى اشتراط الرواية، دون المجالسة كما يوهمه ظاهر هذه العبارة قال
стр. 948
الهندي: والخلاف لفظي، والوضع يصحح مذهب االأولين، والعرف مذهب المتأخرين، وكذا قال ابن الحاجب، لكن لفظه وإن ابتنى عليه الخلاف في تعديلهم وقيل: يشترط الغزو أو مدة سنة، وهو قول سعيد بن المسيب، حكاه ابن الصلاح وهو ضعيف يلزم منه إخراج جرير بن عبد الله ووائل بن حجر.
стр. 949
ومعاوية بن الحكم السلمي ممن وفد على رسول الله ﷺ عام تسع وبعده، فأسلم وأقام بعده أياما، ثم رجع إلى قومه وروى عنه أحاديث، ولا خلاف في أنهم من الصحابة.
(ص): ولو ادعى المعاصر العدل الصحبة قبل وفاقا للقاضي.
(ش): لأن وازع العدل يمنعه من الكذب وإنما حكاه المصنف عن القاضي لأن كلام ابن الحاجب يقتضي أن المسألة غير منقولة، وتوقف فيها من حيث إنه يدعي رتبة لنفسه، فهو متهم فيها كما لو قال: أنا عدل.
стр. 950
(ص): والأكثر على عدالة الصحابة وقيل: هم كغيرهم، وقيل: إلى= قتل عثمان، وقيل: إلا من قاتل عليا.
(ش): جمهور الخلف والسلف على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم عدول فلا حاجة إلى الفحص عن عدالتهم، لقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ والخطاب للموجودين، قال إمام الحرمين: ولعل السبب فيه أنهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله ﷺ (١٤٩ب) ولما استرسلت على سائر الأعصار، وقيل: إن حكمهم في العدالة كغيرهم فيجب البحث عنها ومعرفتها في كل واحد منهم، ومنهم من زعم أن الأصل فيهم العدالة إلى أيام قتل عثمان لظهور الفتن، ومنهم من زعم أن من قاتل عليا فهو فاسق لخروجهم
следующие страницы →