Полный текст (1 929 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
(ش) قال الأستاذ أبو منصور: وهو الذي يسميه المحدثون بالمدرج، أي أنه أدرج كلامه مع كلام النبي ﷺ ولم يميز بينهما فيظن أن جميعه لفظ النبي ﷺ وهو عكس رواية بعض الحديث.
(ص) مسألة: الصحابي: من اجتمع مؤمنا بمحمد ﷺ وإن لم يرو ولم يطل، بخلاف التابعي مع الصحابي، وقيل: يشترطان وقيل: أحدهما، وقيل: الغزو أو سنة.
(ش) (من) موصولة بمعنى: الذي، وهو مع الاجتماع جنس، (ومؤمنا) حال من الموصول، وهو (١٤٩أ) فصل يخرج المجتمع حال كفره، (وبمحمد) ﷺ فصل ثان يخرج المجتمع بغيره، وإنما غير المصنف لفظة: (رأى) الواقع في مختصر ابن الحاجب وغيره لأنك إن نصبت النبي في قولهم: رأى النبي ﷺ وهو ظاهر - لم يطرد، لورود ابن أم مكتوم وأبي وغيرهما من عميان الصحابة، فإنهم لم يروه ولم ينعكس لأن من رآه في
стр. 947
النوم فقد رآه حقا وليس بصحابي وإن رفعت لزم أن يكون من وقع بصر محمد ﷺ عليه صحابيا وإن لم يقع بصره على محمد ﷺ ولا قائل به ولو قيل به لزم أن يكون كل من عاصره بهذه المثابة، لأنه كشف له ليلة الإسراء وغيرها عنهم أجمعين ورآهم كلهم فلهذا عدل المصنف إلى لفظة الاجتماع وزاد الإيمان وقد ذكره ابن الصلاح من المحدثين، والآمدي من الأصوليين ولا بد منه، فإن من اجتمع كافرا به ﷺ لا تثبت له صحبة، قاله البخاري في (صحيحه) حيث قال: من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
وحكاه القاضي عياض وغيره عن أحمد بن حنبل، وأشار بقوله: وإن لم يرو ولم يطل - إلى الاكتفاء بمجرد الرواية والصحبة ولو ساعة، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، وسواء اختص به أم لا، وهو مقتضى لفظ الصحبة من حيث الوضع بدليل أنه يصح تقسيم الصحبة إلى الصحبة ساعة وإلى الصحبة مدة طويلة، وكذا يصح أن يقال: صحبه ولم يرو عنه، وأشار بقوله: بخلاف التابعي إلى أنه لا يكتفى في كون الشخص تابعيا بمجرد اجتماعه بالصحابي كما يكتفى في الصحابي والفرق أن طلعة المصطفى ﷺ ينطبع من رؤيتها أو مجالستها نور لا يتهيأ لأحد من خلق الله مثله فالمرجع في تفسير التابعي إلى العرف. وقيل يشترطان، أي: طول المجالسة والرواية عنه وقيل تشترط الرواية (ولا تشترط الصحبة الطويلة، وقيل: تشترط) الصحبة الطويلة ولا تشترط الرواية، وهذا مراد المصنف بقوله: وقيل: أحدهما، لأنه لم يذهب أحد إلى اشتراط الرواية، دون المجالسة كما يوهمه ظاهر هذه العبارة قال
стр. 948
الهندي: والخلاف لفظي، والوضع يصحح مذهب االأولين، والعرف مذهب المتأخرين، وكذا قال ابن الحاجب، لكن لفظه وإن ابتنى عليه الخلاف في تعديلهم وقيل: يشترط الغزو أو مدة سنة، وهو قول سعيد بن المسيب، حكاه ابن الصلاح وهو ضعيف يلزم منه إخراج جرير بن عبد الله ووائل بن حجر.
стр. 949
ومعاوية بن الحكم السلمي ممن وفد على رسول الله ﷺ عام تسع وبعده، فأسلم وأقام بعده أياما، ثم رجع إلى قومه وروى عنه أحاديث، ولا خلاف في أنهم من الصحابة.
(ص): ولو ادعى المعاصر العدل الصحبة قبل وفاقا للقاضي.
(ش): لأن وازع العدل يمنعه من الكذب وإنما حكاه المصنف عن القاضي لأن كلام ابن الحاجب يقتضي أن المسألة غير منقولة، وتوقف فيها من حيث إنه يدعي رتبة لنفسه، فهو متهم فيها كما لو قال: أنا عدل.
стр. 950
(ص): والأكثر على عدالة الصحابة وقيل: هم كغيرهم، وقيل: إلى= قتل عثمان، وقيل: إلا من قاتل عليا.
(ش): جمهور الخلف والسلف على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم عدول فلا حاجة إلى الفحص عن عدالتهم، لقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ والخطاب للموجودين، قال إمام الحرمين: ولعل السبب فيه أنهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله ﷺ (١٤٩ب) ولما استرسلت على سائر الأعصار، وقيل: إن حكمهم في العدالة كغيرهم فيجب البحث عنها ومعرفتها في كل واحد منهم، ومنهم من زعم أن الأصل فيهم العدالة إلى أيام قتل عثمان لظهور الفتن، ومنهم من زعم أن من قاتل عليا فهو فاسق لخروجهم
стр. 951
على الإمام الحق. وهذه المذاهب كلها باطلة، سوى مذهب الجمهور.
(ص): مسألة المرسل: قول غير الصحابي: قال النبي ﷺ .
(ش): غير الصحابي يشمل التابعي وتابع التابعي، وهلم جرا، هذا قول الأصوليين، وأما المحدثون فيخصونه بالتابعين، وبعضهم بكبار التابعين كسعيد
стр. 952
بن المسيب فإن سقط واحد قبل التابعي، كقول من روى عن سعيد بن المسيب: قال رسول الله ﷺ فيسمى منقطعا، وإن سقط أكثر سمي معضلا، وعلى هذا فتفسير الأصوليين أعم، فما انقطع دون التابعي مرسل عند الأصوليين، منقطع عند المحدثين، وعلم من كلامه: أنه لا مرسل للصحابة، وهو كذلك، وسيأتي.
(ص): واحتج به أبو حنيفة ومالك والآمدي مطلقا، وقوم إن كان المرسل من أئمة النقل، ثم هو أضعف من المسند خلافا لقوم، والصحيح رده، وعليه الأكثر منهم الشافعي والقاضي، قال مسلم: وأهل العلم بالأخبار.
(ش): اختلف في قبول المرسل على مذاهب:
أحدها: أنه حجة مطلقا، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في أشهر الروايتين واختاره الآمدي.
стр. 953
والثاني: يقبل مرسل من هو من أئمة النقل دون غيره، وهو قول عيسى بن أبان، واختاره ابن الحاجب، وصاحب (البديع) وأئمة النقل، يدخل فيه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين، ثم هو على القول بكونه حجة أضعف من المسند خلافا لقوم من الحنفية، حيث زعموا أنه أقوى من المسند.
والثالث: أنه ليس بحجة، وعليه الشافعي واختاره القاضي أبو بكر، وقال مسلم في (صحيحه): المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم، بالأخبار ليس بحجة، فلهذا نقله المصنف عن الأكثر، وفي ذلك فائدة، وهي الرد على من زعم أن الشافعي أول من أبى قبول المرسل، وفي تسوية المصنف بين الشافعي ﵁، والقاضي في الإنكار مطلقا نظر، فإن الشافعي ﵁، قبله في بعض المواضع، قال القاضي: ونحن لا نقبل المراسيل مطلقا، ولا في الأماكن التي قبلها فيه الشافعي ﵁، حسما للباب، بل زاد القاضي فأنكر مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي نص عليه في (التقريب).
стр. 954
(ص): فإن كان لا يروي إلا عن عدل كابن المسيب - قبل، وهو مسند.
(ش): هذا إشارة إلى توسط في المسألة، وتنزيل كلام الشافعي ﵁ عليه، وهو التفصيل بين أن يكون المرسل من عادته الرواية عن العدل وغيره، فليس بحجة، وهو قول الشافعي ﵁ بإطلاق المنع، وإن كان إماما عالما بالقوادح، وعادته أن لا يروي إلا عن عدل - فمرسله حجة، فإذا قال: قال رسول الله ﷺ فهذا بالغ في ثقته عمن روى له، ولأن مأخذ رد المرسل عند الشافعي ﵁ إنما هو احتمال ضعف الواسطة، وأن المرسل لو سماه لبان أنه لا يحتج به، فإذا علم من عادة المرسل أنه لا يسمي إلا ثقة - كان مرسله حجة والتحق بالمسند. وقد أشار إمام الحرمين إلى أن هذا مذهب الشافعي ﵁ مستندا إلى قوله: وأقبل مراسيل ابن المسيب، لأني اعتبرتها فوجدتها لا ترسل إلى عمن يقبل خبره، قال: ومن هذا حاله أحببت (١٥٠أ) مراسيله، وفي هذا فائدتان:
إحداهما: أن الشافعي ﵁ لا يرد المرسل مطلقا.
والثانية: أنه لا يخص القبول بمرسل سعيد كما فهمه جماعة، فلهذا جعل
стр. 955
المصنف الضابط انحصار روايته عن العدل، نعم جعله كالمسند فيه نظر، لما سنذكره عن الشافعي ﵁ أنه جعله صالحا للترجيح، وقال النووي في (الإرشاد): اشتهر عند فقهاء أصحابنا أن مرسل سعيد حجة عند الشافعي ﵁ وليس كذلك، وإنما قال الشافعي في (مختصر المزني): وإرسال ابن المسيب عنده حسن، فذكر صاحب (المهذب) وغيره من أصحابنا في أصول الفقه في معنى كلامه وجهين:
أحدهما: أن مراسيله حجة، لأنها فتشت فوجدت مسانيد.
والثاني: ليس بحجة، بل هي كغيرها وإنما رجح الشافعي به، والترجيح بالمرسل صحيح وحكاه الخطيب ثم قال: الصحيح عندنا الثاني، لأن في مراسيل سعيد: ما لم يوجد مسندا بحال من وجه يصح وذكر البيهقي نحوه، وأن الشافعي لم يقبل مراسيل لابن المسيب حيث لم يجد لها ما يؤكدها وإنما يزيد ابن المسيب على غيره أنه أصح التابعين إرسالا فيما زعم الحفاظ، قال النووي: فهذا كلام الخطيب والبيهقي وهما ماهران في معرفة نصوص الشافعي وطريقته، وأما قول القفال في شرح (التلخيص): قال الشافعي في (الرهن الصغير) مرسل ابن المسيب حجة عندنا - فهو محمول على ما قاله الخطيب والبيهقي.
(ص): وإن عضد مرسل كبار التابعين ضعيف مرجح كقول صحابي، أو فعله، أو الأكثر إسنادا أو إرسالا، أو قياس، أو انتشار أو عمل العصر - كان المجموع حجة، وفاقا للشافعي لا مجرد المرسل ولا المنضم.
стр. 956
(ش): عمدة الشافعي في رد المراسيل أن حذف الواسطة يخرم الثقة ويتطرق التردد إلى الخبر فحيث اقترن به ما يؤكده ويغلب على الظن الثقة به -فإنه يقبله وذلك يتناول صورا:
إحداها: أن يعتضد بقول صحابي أو فعله، فإن الظن يقوى عنده.
ثانيها: بقول الأكثر من أهل العلم وظن القاضي أن الشافعي ﵁ يريد الإجماع أو قول العوام، فردد عليه الكلام وإنما أراد أكثر أهل العلم.
ثالثها: أن يسنده غير مرسله، قال في (المحصول): وهذا في سند لم تقم الحجة بإسناده يعني وإلا فالعمل حينئذ بالمسند.
رابعها: أن يرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول.
خامسها: أن يعضده قياس.
سادسها: أن ينتشر ولا نكير.
سابعها: أن يعضده عمل أهل العصر، وبه أشار المصنف بقوله: (كان المجموع حجة) إلى الجواب عما اعترض به القاضي وغيره على الشافعي في هذه المواضع بأن قول الصحابي لا يحتج به كغيره، وكذا قول الأكثر ومجيئه مرسلا وضمه الضعيف إلى الضعيف لا يوجب القبول، وأجاب المحققون بأن مراد الشافعي أن
стр. 957
الاحتجاج بالمجموع، فإن حالة الاجتماع تفيد ظنا غالبا، وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا، لأن الظن يتقوى، فلا يلزم من عدم الاحتجاج بالأضعف عدم الاحتجاج بالأقوى، ولم يعتمد الشافعي على مجرد المرسل ولا على المنضم إليه، ونظيره خبر الواحد إذا احتفت به القرائن يفيد القطع عند قوم، مع أنه لا يفيد ذلك بمجرده ولا القرائن بمجردها، فإن قيل: هذا صحيح إذا كان المنضم إليه ضعيفا، فإن كان قويا كالمسند فالعمل حينئذ بمجرد المنضم، ولهذا قال ابن الحاجب: الأول غير وارد (على الشافعي والثاني وارد.
قلنا: بل هو غير وارد) أيضا، لأنه إذا أسنده غير مرسله، فقد انضم مسند إلى مرسل، وذلك يوجب التقوية (١٥٠ب) أيضا، وحتى لو عارض مسندا آخر يكون راجحا عليه، لكونه مسندا ومرسلا معا، والآخر مسند فقط.
تنبيهات: الأول: أن من تأمل نصوص الشافعي في (الرسالة)، وجدها مصرحة بأنه لم يطلق القول بأن المرسل حينئذ يصير حجة مطلقا كما نقله المصنف وغيره، بل سوغ الاحتجاج به، ولهذا قال الشافعي بعد ذلك: ولا أستطيع أن أقول: الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل. انتهى. وفائدة ذلك أنه إذا عارضه متصل كان المتصل مقدما عليه، ولو كان حجة مطلقا لتعارضا، وقد قال القاضي في (التقريب): قال الشافعي: في هذه المواضع أستحب قبوله، ولا أستطيع أن أقول: الحجة تثبت به ثبوته بالمتصل، قال: فقد نص على أن القبول عند هذه الأمور مستحب لا واجب، لكن قال البيهقي: مراده بقوله: أجبنا، اعتبرنا.
الثاني: نبه بقوله (كبار التابعين) على أن هذه الأسباب تختص بهم دون صغارهم، وإلى هذا أشار الشافعي في (الرسالة) فيستدل به على إطلاق (المنهاج)
стр. 958
و (المختصر) وغيرهما اعتضاد مطلق المرسل بهما، وإنما قرن نفس كبار التابعين وصغارهم هنا، لأن المأخذ عنده مزيد القوة، وذلك موجود في كبار التابعين دون غيرهم.
الثالث: قوله: (ضعيف) فاعل (عضده) وقوله: (مرجح) صفة له أي ضعيف صالح للترجيح، ليحترز به عن ضعيف لا يصلح للترجيح فلا أثر له، وكذا القوي، إذ لا حاجة له بالمرسل، إلا أن ذكره المسند في أمثلة المرجح الضعيف منتقد، فلو قال: أو إسناد غير منتهض، لاستقام.
(ص): فإن تجرد ولا دليل سواه فالأظهر الانكفاف لأجله.
(ش): هذا الذي رجحه توسط بين قولين، فإن الماوردي في باب الربا من (الحاوي) زعم أن الشافعي يحتج بالمرسل إذا لم يجد في الباب دلالة سواه، وإن لم يكن شيء من الرجحان، وقال البيهقي: قال الشافعي: يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها فإن لم ينضم إليها ما يؤكدها لم يقبلها سواء كان مراسيل ابن المسيب وغيره.
(ص) مسألة: الأكثر على جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف، وقال الماوردي: إن نسي اللفظ وقيل: إن كان موجبه علما، وقيل: بلفظ مرادف وعليه الخطيب ومنعه ابن سيرين، وثعلب، والرازي، وروي عن ابن عمر.
(ش) في رواية الحديث بالمعنى مذاهب:
أحدها: يجوز ويجب قبوله، كما لو روي باللفظ، وبه قال الأئمة الأربعة وأكثر السلف، لكن بشرط أن يكون الراوي عارفا بدلالات الألفاظ واختلاف مواقعها، وأن لا يزيد ولا ينقص فيه، ويساوي الأصل في الجلاء والخفاء وشرط
стр. 959
إمام الحرمين أن يقطع بالتساوي يعني فلو ظن ذلك لم يجز، لأن الخطاب تارة يقع بالمحكم، وأخرى بالمتشابه وغير ذلك مما لله تعالى فيه من حكمة، فلا يجوز تغيرها عن موضعها.
الثاني: يجوز إن نسي اللفظ، لأنه قد تحمل اللفظ والمعنى وعجز عن أحدهما، فيلزمه أداء الآخر، لا سيما أن تركه قد يكون كتما للأحكام، فإن كان يحفظ اللفظ لم يجز أن يؤديه بغيره، لأن في كلام الرسول ﷺ من الفصاحة ما لا يوجد في غيره، وهذا قول الماوردي في (الحاوي) لنفسه، وجعل محل الخلاف في الصحابي وأما غير الصحابي فلا يجوز له قطعا.
الثالث: إن كان يوجب العلم من ألفاظ (١٥١أ) الحديث، فالمعول فيه على المعنى، ولا يجب مراعاة اللفظ، وأما الذي يجب العمل به منها، فمنه ما لا يجوز الإخلال بلفظه، كقوله: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)) و ((خمس يقتلن في الحل والحرام)) حكاه ابن السمعاني وجها لبعض أصحابنا.
стр. 960
والرابع: يجوز إبدال اللفظ بما يرادفه دون غيره، وعليه الخطيب البغدادي.
والخامس: المنع مطلقا، سواء كان عارفا بدلالة الألفاظ أم لا، وهو مذهب ابن سيرين واختاره ثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية ورواه ابن السمعاني عن ابن عمر.
стр. 961
(ص) مسألة: الصحيح يحتج بقول الصحابي: قال ﷺ .
(ش) أي حملا على سماعه منه، لأن الظاهر من حال الصحابي: أنه لا يجزم بذلك إلا فيما سمعه وحكى الآمدي وابن الحاجب عن القاضي أنه متردد بين أن يكون قد سمعه من النبي ﷺ وبين غيره، فينبني على عدالة جميع الصحابة، من يقول بعدالتهم فحكمه حكم ما سمعه من النبي ﷺ ومن لم يقل بها فكالمرسل وهذا هو مقابل الصحيح في كلام المصنف لكنه زعم في (شرح المختصر)، أنه لا خلاف في ذلك، وأن حكاية ابن الحاجب والآمدي عن القاضي أبي بكر وهم.
وكذا قال الهندي في (النهاية) في كلامه على المرسل، فأما الصحابي إذا قال: قال رسول الله ﷺ فهو مقبول لا يتجه فيه خلاف، لظهوره في الرواية عنه ﷺ وبتقدير روايته عن الصحابي فغير قادح لثبوت عدالتهم، وأما احتمال روايته عن تابعي
стр. 962
فنادر، قلت: لكن القاضي في (التقريب) لما ذكر المرسل واختار رده - قال: وكذلك مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي، وهو مذهب الأستاذ أبو إسحاق وأغرب ابن برهان في (الأوسط) فقال: إنه الأصح، ويتحصل من كلامهم خلاف في سبب المنع، وإن كان الكل عدولا، هل هو احتمال روايته عن تابعي أو عن صحابي قام به مانع كسارق رداء صفوان ونحوه، وقال ابن الأثير: ظاهره النقل وليس نصا صريحا فيه إذ يقول الواحد منا: قال رسول الله ﷺ اعتمادا على ما نقل إليه وإن لم يسمعه منه.
(ص) وكذا عن وإن على الأصح.
(ش) لظهوره في السماع، وصححه البيضاوي والهندي، وليس مقابل الأصح المنع، بل التوقف، كما يقتضيه كلام (المحصول) وأما الخلاف في (إن) فإنما ذكره المحدثون بالنسبة إلى غير الصحابي، قال ابن عبد البر: ذهب أبو بكر البرديجي أن حرف (إن) محمول على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى قال: والجمهور على أن (عن) و (إن) سواء إذا ثبت السماع واللقي. انتهى.
نعم، لا تبعد التسوية بين (عن) و (إن) في إجراء الخلاف بالنسبة للصحابي أيضا، ثم رأيت الهندي صرح به في (عن)، فقال: منهم من ذهب إلى أنه ظاهر في
стр. 963
أنه أخبره به إنسان آخر عنه ﵊ وهو ساقط كما سبق في المرسل.
(ص) وكذا: سمعته أمر ونهى.
(ش) أي على الأصح لأنه وإن اختلف في صيغ الأمر والنهي، وأن الأمر نهي عن أضداده إلى غير ذلك - فالظاهر منه مع معرفته باللغة وعدالته أنه لا يطلق ذلك إلا عند تحققه، وحكى القاضي في (التقريب) عن بعض أهل العلم: أنه ليس بحجة، لاحتمال أن يظن ما ليس بأمر أمرا.
(ص) أو أمرنا.
(ش) أمر بصيغة البناء للمفعول، لانصرافه إلى من له الأمر وهو النبي ﷺ فيكون حجة، وعن الصيرفي والكرخي أنه متردد بين أمره كل الأمة، أو بعض الولاة.
(ص) أو حرم وكذا: رخص، في الأظهر.
(ش) لأن ذلك وإن احتمل أن مسنده استنباط أو قياس، لكونه من الشرع فيضيفه إليه ﷺ (١٥١ب) لكنه ضعيف وفي حكاية المصنف الخلاف نظر، فقد قال الشيخ أبو إسحاق في (التبصرة): إذا قال صحابي: أرخص لنا بكذا - يرجع إلى رسول الله ﷺ بلا خلاف.
(ص) والأكثر يحتج بقوله: من السنة.
(ش) حملا له على سنة الرسول ﷺ لأنه المتبادر عند الإطلاق، وهذا ما
стр. 964
عليه الإمام والآمدي، والمتأخرون، ويؤيده قول الشافعي في (الأم) في باب عدد الكفن: ابن عباس والضحاك ابن قيس صحابيان، لا يقولان السنة، إلا لسنة رسول الله ﷺ وخالفه الصيرفي والكرخي والمحققون كما نقله الإمام في (البرهان) لاحتمال أن يريد به غير سنة الرسول ويشهد له قول الصيدلاني في أسنان إبل الخطأ: أن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي ثم رجع عنه لأنهم قد يطلقونه ويريدون به سنة البلد.
стр. 965
فإن قلت: يخرج من هذا، أن هذا لا يختص بالصحابي، ولهذا ذكر الشافعي قول سعيد بن المسيب في إعسار الرجل بالنفقة، يفرق بينهما، فقيل له: سنة؟ فقال: (نعم) قال الشافعي: فيشبهه أن يريد سنة رسول الله ﷺ .
قلت: مراده أنه يصير مرسلا، وحينئذ فلا يحتج به إلا مع الاعتضاد بما سبق، بخلاف ما إذا كان قائله صحابيا فإنه لا إرسال فيه.
(ص) فكنا معاشر الناس، أو كان الناس يفعلون في عهده ﷺ
(ش) لأن الظاهر من حال الصحابي قصد تعليم الشرع، وحكاه الهندى عن الأكثرين، وقال المصنف: لا يتجه أن يكون فيه خلاف، لتصريحه بنقل الإجماع المعتضد بمعرفة النبي ﷺ .
(ص) فكنا نفعل في عهده، فكان الناس يفعلون فكانوا لا يقطعون في الشيء التافه.
(ش) هذه ثلاث صيغ متفاوتة، وهي دون ما قبلها، فلهذا أتى بالفاء:
أولها: أن لا يصرح بجميع الناس، وهو دون ما قبلها، لأن الضمير في كنا، يحتمل طائفة مخصوصة، وحكى ابن الصلاح عن أبي بكر الإسماعيلي إنكار كونه من المرفوع أما إذا قال: كنا نفعل ولم يضفه لعهد النبي ﷺ فموقوف بلا خلاف.
стр. 966
ثانيها: أن لا يصرح بعهده ﷺ وهي دون ما قبلها من جهة عدم التصريح بالعهد، لكنها فوقها، من جهة تصريحه بجميع الناس فيحتمل تساويها، والأظهر رجحان تلك، لأن التقييد بالعهد ظاهر في التقرير وهو تشريع.
ثالثهما: نحو قول عائشة ﵂: (كانوا لا يقطعون اليد في الشيء التافه)، وهي دون الكل، ولهذا أخرها لعدم التصريح بالنبي ﷺ وبما يعود عليه الضمير في قوله: كانوا.
(ص) خاتمة: مسند غير الصحابي: قراءة الشيخ إملاء وتحديثا، فقراءته عليه، فسماعه.
(ش) إذا كان الراوي غير صحابي: فمراتب روايته عشر: أعلاها: أن يسمع قراءة الشيخ إملاء وتحديثا من غير إملاء اقتداء بالنبي ﷺ فإنه كان يعلم أصحابه السنن ويقرأ عليهم القرآن، وسواء كان سماعه من حفظه أو من كتاب.
стр. 967
ثانيها: قراءته على الشيخ، والشيخ ساكت يسمع اقتداء بالذي قال للنبي ﷺ : سألت أهل العلم فأخبروني أنه على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإن على امرأة هذا الرجم، فصدق ﵇ قوله هذا، وأقره عليه، وكان الناس يسألون الصحابة ﵃ الأحكام، فيقرون الحق وينكرون الباطل، وشرط إمام الحرمين في صحة التحمل بها أن يكون بحيث لو فرض من القارئ تحريف (١٥٢أ) أو تصريف لرده الشيخ، وسموها عرضا، من حيث إن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرأه، ويقول له بعد الفراغ: هل سمعت؟ فيقول الشيخ: نعم، وما صرح به المصنف إنها دون السماع وهو الأصح، وقيل: مثله، وقيل: فوقه، وذكره صاحب (البديع): أن الأول قول المحدثين، وأن التسوية هو المختار، وخص الخلاف بما إذا قرأ الشيخ من كتاب، لأنه قد يسهو فلا فرق بينه وبين القراءة عليه، أما إذا قرأ الشيخ من حفظه فهو أعلاها بالاتفاق.
стр. 968
ثالثها: سماعه بقراءة غيره، وهي المرتبة الثالثة وشرط قوم إقرار الشيخ بها نطقا.
(ص) فالمناولة مع الإجازة، فالإجازة بخاص في خاص، فخاص في عام، فعام في خاص فعام في عام، فلفلان ومن يوجد ومن سيوجد من نسله، فالمناولة فالإعلام فالوصية، فالوجادة.
(ش) الرتبة الرابعة: المناولة مع الإجازة، بأن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعا مقابلا به، فيقول: هذا سماعي لروايتي عن فلان، فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني، وإنما قال: مع الإجازة، لينبه على أنها أعلى أنواع الإجازة، وأجمعوا على صحتها كما قال القاضي عياض في (الإلماع) وإنما اختلفوا في أنها في رتبة
стр. 969
السماع أم لا كما حكاه ابن الصلاح، وصحح أنها منحطة عنه، وحكاه الحاكم عن الشافعي، وصاحبيه المزني والبويطي، ولهذا أتى المصنف بعدها بالفاء لينبه على التراخي في الرتبة، وقال ابن خزيمة: هي في مرتبة السماع. حكاه عنه الخطيب: وفائدة هذا الخلاف تظهر في أنه هل يجوز له أن يقتصر على قوله: أخبرني أو حدثني، قال الهندي: والأظهر أنه لا يجوز، لأنه يشعر بنطق الشيخ بذلك وهو كذب.
الخامسة: الإجازة المجردة عن المناولة، وهي أقسام: أعلاها: أن يجيز لخاص في خاص بأن يقول: أجزت لك الكتاب الفلاني، ثانيها: أن يجيز لخاص في عام مثل: أجزت لك أو أجزت لكم جميع مسموعاتي، والخلاف في هذا النوع أقوى من الذي قبله والجمهور على تجويزه، ثالثها: أن يجيز لعام في خاص، مثل: أجزت للمسلمين أو أجزت، لمن أدرك حياتي رواية البخاري عني، فمنعه جماعة، وجوزه
стр. 970
الخطيب وغيره.
رابعها: أن يجيز لعام في عام مثل: أجزت لجميع المسلمين أن يرووا عني جميع مسموعاتي.
المرتبة السادسة: الإجازة للمعدوم تبعا، نحو: أجزت لفلان ومن يوجد من نسله، وقد فعله أبو بكر بن أبي داود، فقال: أجزت لك ولولدك ولحبل الحبلة
стр. 971
أما لو ذكر المعدوم ابتداء فقال: أجزت لمن يولد لفلان، فالصحيح المنع.
السابعة: المناولة المجردة بأن يناوله الكتاب ويقول: هذا من حديثي أو سماعي ولا يقول: اروه عني فكلام المصنف يفهم صحة التحمل بها، وإنها دون ما قبلها وليس كذلك، بل لها صورتان:
إحداهما: أن يقتصر على المناولة بالفعل، أو يقول: خذ هذا الكتاب ولا يخبر بسماعه ولا يأذن له في روايته عنه فلا يجوز له عنه الرواية بالاتفاق كما قاله الهندي.
الثانية: أن يقول مع ذلك: هذا من سماعي ولا يأذن له في روايته، قال ابن الصلاح: وهي مناولة مختلة لا تجوز الراوية بها عند الجمهور وحكى الخطيب عن قوم جوازها.
الثامنة: الإعلام المجرد عن المناولة والإجازة، بأن يقول: هذا سماعي من فلان، وهذا أولى بالمنع من التي قبلها، فليس له أن يرويه عنه خلافا لابن جريج وطائفة
стр. 972
من المحدثين والظاهرية حتى قالوا: لو قال: ولا تروه عني رواه، لأن ذلك الكتاب قد يكون مسموعه ولا يأذن له في روايته (١٥٢ب) لخلل علمه منه فلا تجوز روايته.
التاسعة: الوصية بالكتب بأن يوصي الراوي بكتاب يرويه عند موته أو سفره لشخص، فعن بعض السلف أنه جوز به رواية الموصى له بذلك عن الموصي قال ابن الصلاح: وهو بعيد جدا وأنكره عليه ابن أبي الدم، وقال: الوصية أرفع مرتبة من الوجادة بلا خلاف وهي معمول بها عند الشافعي وغيره، كما سيأتي فهذه أولى.
العاشرة: الوجادة، وهي مصدر مؤكد ليس عن العرب بأن يجد الحديث
стр. 973
بخط رجل فيقول: وجدت بخط فلان أو قرأت بخطه، ولا يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا، وهي معمول بها عند الشافعي ونظار أصحابه خلافا لمعظم المحدثين والفقهاء إذ قد يغلب على الظن، بل يقرب من القطع صحة ذلك عن المروي عنه وإلا لانسد باب النقل.
(ص) ومنع الحربي وأبو الشيخ والقاضي والحسين والماوردي الإجازة وقوم العامة منها والقاضي أبو الطيب، من يوجد من نسل زيد، وهو الصحيح، والإجماع على منع من يوجد مطلقا.
(ش) الجمهور على الرواية والعمل بالإجازة، ومعناه إذا صح عنده أن مجيزه روى هذا بطريق صحيح فيرويه هو عنه، يقتضي الإجازة فيتصل السند، وإذا اتصل جاز العمل، وحكى الباجي فيه الاتفاق ولكن منع منها طائفة من المحدثين، منهم
стр. 974
الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني وإبراهيم بن إسحاق الحربي وكذلك شعبة وأبو زرعة الرازي، وقال: ما رأيت أحدا يفعله ولو تساهلنا لذهب العلم، ولم يكن للطلب معنى، ومن الفقهاء: القاضيان الحسين والماوردي وقالا: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، وهذا الاحتجاج قاله قبلهما شعبة فيما حكاه
стр. 975
الخطيب بل هو قول الشافعي رواه الربيع عنه، ونقل ابن وهب عن مالك قال: لا أرى هذا يجوز ولا يعجبني ونقله في (الإحكام) عن أبي حنيفة وقال أبو طاهر الدباس من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني، فكأنه يقول له: أجزت لك أن تكذب علي، إذ الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع، وقال ابن حزم إنها بدعة غير جائزة وفي المسألة مذهب ثالث: إن كان المجيز والمستجاز يعلمان ما في الكتاب
стр. 976
من الأحاديث جاز وإلا فلا وهو اختيار أبي بكر الرازي من الحنفية ونقل عن مالك، فعلى هذا الإجازة بكل ما يثبت أنه مسموع الشيخ لا يجوز، ضرورة، أنهما لا يعلمان جميع تلك الأحاديث، وقال في (البديع): المختار إن كان المجيز عالما بما في الكتاب والمجاز له فهما ضابطا جازت الرواية وإلا بطلت عند أبي حنفية ومحمد وصحت عند أبي يوسف تخريجا من كتاب القاضي إلى مثله، فإن علم ما فيه شرط عندهما لا عنده والأحوط ما قالاه صونا للسنة وحفظا لها واحتج ابن الصلاح للجواز بأنه إذا جاز له أن يروي عنه مروياته فقد أخبره بها جملة فهو كما لو أخبره بها تفصيلا وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا كما في القراءة على الشيخ.
ومنع قوم الإجازة العامة، كأجزت لجميع المسلمين ومنع القاضي أبو الطيب الإجازة للمعدوم ابتداء، كأجزت من يوجد من نسل زيد وهو الصحيح، لأن الإجازة في حكم الأخبار بالمجاز جملة، فكما لا يصح الإخبار
стр. 977
للمعدوم لا يصح إجازته، وجوزها الخطيب وغيره وانعقد الإجماع على الإجازة للمعدوم مطلقا، أي: على العموم وكأنها إجازة من معدوم لمعدوم.
تنبيه: ما حكاه المصنف عن إبراهيم الحربي تابع فيه ابن الصلاح وكذا حكاه عنه الخطيب، ثم روى في موضع آخر عن سليمان بن إسحاق الجلاب، قال: سألت إبراهيم الحربي قلت: سمعت كتاب الكلبي، وقد تقطع علي والذي هو عنده يريد الخروج، فكيف ترى لي ترى أستجيزه أو أسأله أن يكتب به إلي؟ قال: قل له يكتب به إليك، فتقول: كتب إلي فلان والإجازة ليست هي شيئا. قال الخطيب: قد ذكرنا فيما تقدم أن إبراهيم الحربي كان لا يعد الإجازة والمناولة شيئا وههنا قد اختار المكاتبة على إجازة المشافهة والمناولة أرفع من المكاتبة لأن المناولة إذن ومشافهة في رواية لمعين، والمكاتبة مراسلة بذلك، قال: فأحسب أن إبراهيم رجع عن القول الذي أسلفناه عنه إلى ما ذكره ههنا من تصحيح المكاتبة وأما اختياره لها على إجازة المشافهة فإنه قصد بذلك، إذا لم يكن للمستجيز بما استجازه نسخة منقولة من أصل المجيز ولا مقابلة به (وهذا القول في معنى ما ذكره لي البرقاني عند سؤالي إياه عن الإجازة المطلقة، ويروى أن إبراهيم ذهب إلى أن
стр. 978
الإجازة لمن لم يكن له نسخة منقولة من الأصل أو مقابلة به ليست شيئا لأن تصحيح ذلك سماعا للراوي ومقابلا بأصل كتابه، وربما كان في غير البلد الذي الطالب فيه متعذر إلا بعد المشقة، والمكاتبة بما يروي وإنفاذه إلى الطالب أقرب إلى السلامة وأجدر بالصحة.
(ص): وألفاظ الرواية من صناعة المحدثين.
(ش): أي: ألفاظ الراوي عند الأداء إذ الحمل بالطريق السابقة من صناعة المحدثين، فلا وجه لذكرها هنا، خوفا من خلط العوام. اهـ ما أردته والحمد لله أولا وآخرا.
لقد تم بحمد الله تعالى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله
الفصل السادس
في المصالح المرسلة
стр. 979
الفَصْلُ السَّادِسُ
في
المَصالِحِ المُرسَلَةِ
стр. 980
تَمْهيدٌ
خلَقَ اللَّهُ الإنسانَ وتكفَّلَ بحِفْظِهِ ورِعايَتِهِ، ومهَّدَ له السَّبيلَ لِلحُصولِ على ما يَحتاجُ إليه في مَعاشِه ومَعادِه، وأَرسلَ الرُّسُلَ لِهِدايتِه، وشَرَعَ الأحكامَ لِتنظيمِ حَياتِه وسُلوكِه، فجاءتِ الشَّرائعُ شَريعةً بعدَ شَريعةٍ بِأحكامٍ تُلائِمُ الظُّروفَ والأَحْوالَ والزَّمانَ والمكانَ، وقدِ ارْتَبَطَتِ الأحكامُ بالمَصالِحِ، بَل الشَّرائِعُ نفْسُها قَصَدَتْ إلى تحقيقِ المصلحةِ لِلْخَلْقِ ودفعِ الضَّرَرِ عنهم، والدَّليلُ على ذلكَ حُدوثُ التَّغْييرِ في الشَّرائِعِ ووُقوعُ النَّسْخِ فيها حتَّى كانتْ رِسالةُ سيِّدِنا محمَّدٍ ﷺ خاتَمةَ الرِّسالاتِ، وشَريعَتُه خاتَمَةَ الشَّرائِعِ، وقدْ بيَّنَ أنَّ شَريعَةَ الإِسلامِ هيَ شَريعةٌ كاملةٌ، بما اشْتَملَتْ عليهِ مِن قواعدَ وأصولٍ يُعرَفُ بها الحُكْمُ مِنَ الدَّليلِ، وعنْ طَريقِها يَستنبِطُ المُجتهدُ الأحكامَ مِنَ النُّصوصِ، فالتَّشريعُ للَّهِ وَحْدَهُ ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ وقدْ نصَّ على بعضِ الأحكامِ صَراحةً، ونبَّهَ علَى البَعْضِ بِطريقِ الإشارةِ والتَّنبِيهِ، كما أشارَ إلَى العِلَلِ والمَعانِي في كَثيرٍ مِن النُّصوصِ الَّتي ارْتَبَطتِ الأحكامُ بها وشُرِعَتْ مِن أجْلِها، فما شَرَعَهُ اللَّهُ مِن أُمورٍ تعبُّديَّةٍ خالِصَةٍ لهُ تعالَى، خصَّها بِنُصوصٍ مُحْكَمَةٍ لا يصِحُّ الخُروجُ عنْها بِالتَّاوِيلِ؛ لِئَلاَّ يكونَ ذلكَ ذَرِيعَةً لِلابْتِداعِ في الدِّينِ، وأمَّا تَشْريعُه تعالَى في المُعامَلاتِ فقدْ قَصَدَ منْه ما يُصْلِحُ النَّاسَ في دُنْياهمْ وأُخْراهمْ، فوَضعَ الحُدُودَ، وقيَّدَ المُعاملاتِ أوْ أَطْلقَها، وخَصَّ بعضَها بِالذِّكْرِ اتِّباعاً أوِ اجْتِناباً وسَكَتَ عنْ أُمورٍ، أوْ وَكَلَ أمْرَها لِلْقائِمينَ علَى شُؤُونِ المسلِمِينَ، وأوْحَى إِلَى رسولِه صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُبيِّنَ لهمْ طريقَ الاجتِهادِ في اسْتِنباطِ الأَحْكامِ، فأبانَهُ بِنورِ الحقِّ ، لِيَقِفوا مِن خِلالِه علَى ما يُصْلِحُ حالَهمْ في الدُّنيا والآخرةِ، وبذلكَ تكونُ المصالحُ مِن حيثُ اعتِبارُ الشَّارعِ الحكيمِ لها وعَدَمِهِ ثلاثةَ أنواعٍ:
نوعٌ اعتبَرَه، ونوعٌ ألغاهُ، ونوعٌ سَكَتَ عنه فلمْ يَنُصَّ علَى اعْتِبارِه أوْ إلغائِه.
وقَبلَ بيانِ هذهِ الأنْواعِ نُعَرِّفُ أوَّلاً المصلحةَ في اللُّغَةِ والاصطِلاحِ.
стр. 981
تعريفُ المَصلحةِ:
تُطْلَقُ المصلحةُ في اللُّغةِ بِعِدَّةِ إطْلاقاتٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَصلحةَ مَصدرٌ بِمعنَى الصَّلاحِ، كالمنْفَعةِ بِمعنَى النَّفْعِ، والصَّلاحُ: كونُ الشَّيءِ علَى هيئَةٍ كاِملةٍ بِحَسَبِ ما يُرادُ ذلكَ الشَّيءُ لهُ، كالقَلَمِ يكونُ علَى هيئَتِه الصَّالِحَةِ لِلْكِتابَةِ بِه، والسَّيفِ علَى هيئَتِه الصَّالِحَةِ لِلضَّربِ. كَما تُطْلقُ المصلحةُ علَى الواحِدَةِ مِنَ المَصالِحِ، فهيَ بهذا اسْمٌ كالمنفعةِ واحِدَةُ المَنافِعِ، وعلَى هذا تكونُ المَصْلَحةُ بِهذا الإِطْلاقِ لغةً: واحِدَةُ الْمَصالِحِ، وهيَ إمَّا مَصدرٌ بمعنَى الصَّلاحِ، أوِ المَنفعةِ بمعنَى النَّفْعِ، وإمَّا اسمٌ لِلْواحِدَةِ مِنَ المَصالِحِ؛ كالمَنْفعةِ اسْمٌ لِلواحِدَةِ مِن المنافعِ.
الثَّاني: أنَّ المصلحةَ وسيلةُ الشَّيءِ، كالعَمَلِ الَّذي يَبذُلُه الإنسانُ لِيَتَوصَّلَ بِه إلَى ما يَطلُبُه، وفي ذلكَ يقولُ صاحبُ (الْمِصْبَاحِ): وفِي الأمْرِ مَصلحَةٌ؛ أي: خيرٌ، وقالَ فِي مَوضِعٍ آخرَ: والنَّفْعُ: الخَيرُ وهو ما يَتَوصَّلُ بِه الإنسانُ إلَى مَطلوبِه، فإذَنِ
стр. 982
المصلحةُ خيرٌ، والخيرُ ما يُتَوصَّلُ بهِ إلَى المَطْلوبِ، فالمصلحةُ ما يُتَوصَّلُ بِه إلَى المَطْلوبِ.
ومِن اسْتِعْمالِها فِي هذا المَعْنَى قولُ الشَّيخَينِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ ﵄: (هوَ واللَّهِ خيرٌ) في شأنِ جَمْعِ القُرآنِ الكرِيمِ في المُصْحَفِ حِينَما اسْتَحَرَّ القتلُ بالقُرَّاءِ يومَ اليَمامَةِ، فالضَّميرُ في َقولِهما: (هُوَ) يعودُ إلًى جَمْعِ القرآنِ، ولا شكَّ في أنَّ جَمْعَ القرآنِ مُؤَدٍ إِلى مَطْلوبٍ لهما، بَلْ إلى مَطْلوبٍ عامٍّ وهوَ حِفْظُ القرآنِ الكريمِ مِن أنْ يَضيعَ.
الثَّالِثُ: تُطلَقُ المصلحةُ علَى ذاتِ الفِعْلِ الجالِبِ لِلنَّفْعِ والدَّافِعِ لِلضَّررِ، فإطْلاقُ المصلحةِ علَى الفِعلِ إطْلاقٌ مَجازِيٌّ، مِن بابِ إطْلاقِ المُسَبَّبِ علَى السَّبَبِ، وعَلاقَتُه السَّبَبِيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ، فأُطْلِقَ لفظُ المصلحةِ الَّتي هي حاصلةٌ بسببِ الفِعلِ علَى الفِعلِ الَّذي هوَ سببٌ لها، فيُقالُ: التِّجارَةُ مَصلَحةٌ؛ أي: َسببٌ لِلمَنافِعِ المادِّيَّةِ، وطَلبُ العِلْمِ مَصلحةٌ، بمعنَى أنَّه سببٌ لِلمَنافِعِ المَعْنَوِيَّةِ، فالمَصلحةُ ضِدُّ المَفْسدَةِ فهُما نَقيضانِ لا يَجتمِعانِ ولا يَرتفِعانِ، كما أنَّ النَّفْعَ ضِدُّ الضَّررِ، وعلى هذا يكونُ دفْعُ المَضرَّةِ مَصْلحةً.
قالَ صاحبُ (لِسَانِ العَرَبِ): الصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ، وأصْلَحَه ضِدُّ أفْسَدَه، والإصْلاحُ نقيضُ الإِفْسادِ، والمصْلحةُ واحدةُ المَصالِحِ، والاسْتِصْلاحُ نَقيضُ الاسْتِفْسادِ. اهـ.
والمصلحةُ بِمعْناها الأَعمِّ كَما يَتصَوَّرُها الإنسانُ: كلُّ ما فيه نفْعٌ له سَواءٌ أكانَ بالجَلْبِ والتَّحْصيلِ كتَحْصيلِ الفَوائِدِ واللَّّّّّّذائذِ، أوْ بالدَّفْعِ والارْتِقاءِ كاسْتِبْعادِ المَضارِّ والآلاَمِ، فكُلُّ ما فيهِ نَفْعٌ جدِيرٌ بأنْ يُسمَّى مَصلَحةً.
وقدْ عرَّفَها الأُصُولِيُونَ في مَوضِعَينِ:
الأوَّلُ: عندَ الكَلامِ على المُناسِبِ المُرْسَلِ، فقالوا: هو الوَصْفُ الظَّاهِرُ المُنضَبِطُ
стр. 983
الَّذي يترتَّبُ على شَرْعِ الحُكْمِ عندَه جَلْبُ مصْلحةٍ مقصُودَةٍ للشَّارعِ أو دفْعُ مضرَّةٍ.
وهذا إذا اعتبرْناهُ تعْريفاً للْمَصْلَحةِ، يكونُ تعرِيفاً لها بالفِعْلِ الَّذي اشْتملَ عليها، فهوَ مِن بابِ إِطلاقِ السَّببِ وإرادةِ المُسَبَّبِ، ومِنه تعْريفُ الإمامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ المصْلحةَ بالفِعْلِ الَّذي يجْلِبُ مَنفعَةً راجِحَةً ولمْ يرِدْ في الشَّرْعِ ما ينفِيهِ.
المَوضُوعُ= الثَّانِي: عندَ الكَلامِ عنها بِاعتِبارِها دليلاً شرْعيًّا فقالوا: المصْلَحةُ في الأصْلِ عِبارةٌ عن جلْبِ منفَعَةٍ أوْ دفْعِ مَضرَّةٍ.
فالمصْلَحةُ تُطلَقُ على المَنفَعَةِ أوْ دفْعِ المَضرَّة كما تُطلَقُ على المُناسِبِ، كما أشارَ إلى ذلكَ الغَزَالِيُّ في تعريفِه، قالَ: ونَعْنِي بها ـ أي المصْلحةِ ـ المُناسِبَ المُخَيَّلَّ، وهذا مواِفقٌ لمَعْناها في اللُّغَةِ، فقدْ سبَقَ أنَّ المَصْلحةَ تُطلَقُ على المَنفَعةِ حقيقَةً وعلى السَّبَبِ المُؤَدِّي لها مَجازاً، ولمَّا كانتِ المصلحةُ نقِيضَ المَفْسدَةِ كان دفْعُ المَفْسَدةِ مصْلَحةً أيضاً، ولِهذا جاءَ في تعْريفِها: جلْبُ منْفَعةٍ أوْ دفْعُ مضَرَّةٍ.
وقدْ قسَّموا المَصْلحةَ والمَفْسدَةَ إلى: نفْسِيٍّ، وبدَنِيٍّ، ودُنْيَوِيٍّ، وأُخْرَوِيٍّ، ومثَّلُوا لِلْمصلَحةِ بالمَلَذَّاتِ وأسْبابِها، ولِلمَفْسدَةِ بالآلاَمِ وأسْبابِها.
قالَ العِزُّ بنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: المَصالِحُ أرْبعَةُ أنْواعٍ: اللَّذَّاتُ وأسْبابُها، والأَفْراحُ وأسْبابُها، والمَفاسِدُ أرْبعَةُ أنْواعٍ: الآلاَمُ وأسْبابُها، والغُمُومُ وأسْبابُها، وهي مُنقسِمَةٌ إلى دُنْيَوِيَّةٍ وأُخْرَوِيَّةٍ، فأمَّا لذَّاتُ الدُّنيا وأسْبابُها، وأفْراحُها وأسبابُها، وآلامُها وأسبابُها، وغُمومُها وأسبابُها، فمَعْلومَةٌ بالعاداتِ، ومِن أفْضَلِ لذَّاتِ الدُّنْيا لذَّاتُ المَعارِفِ، وأمَّا لذَّاتُ الآخِرَةِ وأسْبابُها، وأفْراحُها وأسْبابُها وآلامُها وأسْبابُها، وغُمومُها وأسبابُها، فقدْ دَلَّ عليه الوَعِيدُ والزَّجْرُ والتَّهديدُ، وأمَّا اللَّذَّاتُ فمِثْلَ قوْلِه
стр. 984
تعالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ وأمَّا الأفْراحُ ففي مِثْلِ قوْلِه تعالَى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وأمَّا الآلاَمُ ففي مِثْلِ قولِه تعالَى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وأمَّا الغُمومُ ففي مِثْلِ قولِه تعالَى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾.
فصارَتِ المصالِحُ ضرْبَينِ، أحدُهمَا: حقِيقيٌّ، وهو اللَّذَّاتُ والأفْراحُ.
والثَّاني: مَجازِيٌّ، وهو أسْبابُها، وصارتِ المَفسَدةُ كذلكَ.
ورُبَّما تكونُ أسبابُ المصالحِ مَفاسِدَ فيُؤمَرُ بها أو تُباحُ لا لِكَونِها مَفاسِدَ بَلْ لِكَونِها مُؤَدِّيَةً إلى المَصالِحِ، وذلكَ كقَطْعِ الأيْدي المُتآكِلةِ، فإنَّ القَطْعَ مَفْسدَةٌ لكِنْ لمَّا كانَ إبْقاؤُها يُؤدِّي إلى ضرَرٍ أصْبحَ القَطْعُ سَبباً لِمَصلَحةٍ هي: حِفْظُ النُّفُوسِ، وكذلكَ الجِهادُ؛ فإنَّ فيه مُخاطرَةً بالنَّفْسِ، فإنَّ هلاكَ النَّفسِ مَفسدَةٌ، لكِنْ شُرِعَ معَ هذه المُخاطَرَةِ لِمصلحةٍ هي: المُحافظةُ على بَقاءِ كِيانِ الأُمَّةِ وإعْلاءِ كَلِمةِ اللَّهِ، وكذلك العقوباتُ مِن قَتْلٍ ورَجْمٍ وجَلْدٍ هي مَضارٌ ومَفاسِدٌ واقِعةٌ على الأشخاصِ الَّتي هي مَحَلُ تلكَ العُقوباتِ، لكنَّها مَصالِحُ اعتَبَرَها الشارِعُ بالنَّظرِ لِما يترَتَّبُ عَليها مِن مَصالِحَ مَقصودَةٍ للشَّارِعِ.
والمصلحةُ أُمورٌ اعْتِبارِيَّةٌ تخْتَلِفُ حَسَبَ اخْتِلافِ مَشاعرِ النَّاسِ وعاداتِهمْ وأخْلاقِهمْ، وليسَ هذا هو المَقْصودُ هُنا، ولَكنَّ المَقصودَ بالمصلحةِ هنا: المُحافظةُ على مَقصودِ الشَّارعِ مِن المَصالِحِ النَّافِعةِ، الَّتي وَضَعَها وحدَّدَ حُدودَها، لاَ على مُقتَضى أهْواءِ النَّاسِ وشَهَواتِهمْ، لأِنَّه لا شَكَّ أنَّ المصالحَ المَبْنِيَّةَ على أهْواءِ النَّاسِ وشَهَوَاتِهمْ
стр. 985
هي مَفاسدُ في نَظرِ الشَّرْعِ كَوَادِ البَناتِ، وغَيرِه قالَ الغَزَالِيُّ: ونَعْني بالمَصلَحةِ: المُحافَظةَ على مَقْصودِ الشَّرْعِ، ومَقصودُ الشَّرعِ مِن الخَلْقِ خَمْسةٌ: وهو أنْ يَحفظَ عليهم دِينَهمْ ونَفْسَهمْ وعَقْلَهمْ ونَسْلَهمْ ومالَهمْ، فكُلُّ ما يضْمنُ حِفْظَ هذه الخَمْسةِ فهو مَصلحةٌ، وكُلُّ ما يُفَوِّتُ هذه الأُصولَ فهو مَفسدَةٌ ودَفْعُه مَصلحةٌ، وإذا أطْلَقْنا المَعْنى المُخَيَّلَ أوِ المُناسِبَ في بابِ القِياسِ أرَدْنا به هذا الجِنسَ. اهـ.
وبَعْدَ تعْريفِ المَصلحةِ نَعودُ إلى بَيانِ أنْواعِها مِن حَيثُ الاعتبارُ الشَّرْعِيُّ لها وعدَمُه:
النَّوعُ الأَوَّلُ: المصلحةُ المُعتَبَرَةُ؛ أي: ما عُلِمَ اعْتِبارُ الشَّرْعِ لها، وهي كُلًُّ مَصلحةٍ ثَبَتَ الحُكْمُ المُؤَدِّي إليها بِدَليلٍ مِن نَصٍّ، أوْ إجْماعٍ. وقدْ عبَّرَ الأُصولِيُّونَ عنْها بِالمَصْلَحةِ المُعْتَبرَةِ، أوِ المُناسِبِ المُعْتَبَرِ، وهذا النَّوعُ يَجوزُ بِناءُ الأحْكامِ عليه، والتَّعْليلُ به بِإجْماعِ القائِلينَ بحُجِّيَّةِ القِياسِ.
وقدْ أشارَ الشَّاطِبِيُّ إلى ذلكَ بِقولِه: المَعْنى المُناسِبُ الَّذي يُربَطُ به الحُكْمُ لا يَخْلو مِن ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
أحدُها: أنْ يشْهدَ الشَّرعُ بِقَبولِه؛ فَلا إشْكالَ في صِحَّتِه، ولا خِلافَ في إعْمالِه، وإِلاَّ كان مُناقَضةً للشَّريعَةِ؛ كشَرْعيَّةِ القِصاصِ حِفْظاً لِلنَّفسِ والأَطْرافِ. اهـ.
وهو أربعةُ أقْسامٍ:
القسْمُ الأوَّلُ: أنْ يُعْتبَرَ عَيْنُ الوَصْفِ في عَينِ الحُكْمِ بِنصٍ أوْ إجْماعٍ، وهو المُؤَثِّرُ، سُمِّيَ بذلكَ لِحُصولِ التَّاثيرِ فيه عَيْناً وجِنْساً فظَهرَ تاثيرُه في الحُكْمِ، ويُعْرَفُ عندَ الأُصولِيِّينَ بِالمَصلحةِ المُؤَثِّرَةِ أوِ المُناسِبِ المُؤَثِّرِ، والأمثِلَةُ لِهذا القِسْمِ كَثيرَةٌ.
следующие страницы →