Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
(وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق) (١) لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية (٢) . الحواشي
(١) سواء كان محرما أو محلا، وكون المحرم يكبر من صلاة الظهر يوم النحر، لأن التلبية تقطع برمي جمرة العقبة، ووقته المسنون ضحى يوم العيد، فكان المحرم فيه كالمحل فلو رمى جمرة العقبة قبل الفجر فكذلك حملا على الغالب، يؤيده أنه لو أخر الرمي حتى صلى الظهر، اجتمع في حقه التكبير والتلبية، فيبدأ بالتكبير لأن مثله مشروع في الصلاة، فهو بها أشبه، ويؤخذ منه تقديمه على الاستغفار والتهليل والتسبيح، وهو الذي عليه عمل الناس، وتكبير المحل، عقب ثلاث وعشرين فريضة، والمحرم عقب سبع عشرة، وأيام التشريق حادي عشر، وثاني عشر، وثالث عشر ذي الحجة سميت بذلك من تشريق اللحم، أي تقديده، أو من قولهم: أشرق ثبير، أو لأن الهدي لا يذبح حتى تشرق الشمس، والمغيا لا يدخل في الغاية إلا في ثلاث، المرفقين والكعبين في الغسل، وعصر آخر أيام التشريق في التكبير المقيد.(٢) وأول صلاة بعد قطع التلبية الظهر، ولو رمى قبل الفجر كبر عقبه.стр. 1087
والجهر به مسنون إلا للمرأة (١) وتأتي به كالذكر عقب الصلاة، قدمه في المبدع (٢) وإذا فاتته صلاة من عامة فقضاها فيها (٣) جماعة كبر لبقاء وقت التكبير (٤) (وإن نسيه) أي التكبير (قضاه) مكانه (٥) فإن قام أو ذهب عاد فجلس (٦) (ما لم يحدث، أو يخرج من المسجد) أو يطل الفصل لأنه سنة فات محلها (٧) . الحواشي
(١) فتخفيه لئلا يسمعها الرجال.(٢) يعني إذا صلت في جماعة مع رجال، ولا تجهر به مطلقا قال البخاري: كان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق، مع الرجال في المسجد.(٣) أي في هذه الأيام التي يسن فيها التكبير.(٤) يعني إذا قضى فريضة، في أيام التكبير المقيد، من صلاة عامة الذي هو إذ ذاك فيه، فإنه يسن التكبير إذا صلاها جماعة، لأنها فريضة، فعلت في تلك الأيام، وصوب في تصحيح الفروع أنه تبع للصلاة في حكم المقضي، أي فليكبر.(٥) ولو بعد كلامه، ما لم يطل الفصل عرفًا.(٦) أي فإن قام من مكانه الذي صلى فيه، أو ذهب عنه، ناسيًا أو عامدًا عاد إليه، فجلس ثم كبر، لأن فعله جالسًا في مصلاه سنة، فلا تترك مع إمكانها وإن قضاه ماشيًا فلا بأس.(٧) أما الحدث فإنه مبطل للصلاة، والذكر تابع لها، وقال الموفق وغيره: الأولى أن يكبر، لأنه ذكر منفرد، فلا تشترط له الطهارة اهـ وأما الخروج من المسجد فلأن المسجد مختص بالصلاة، وقال الشافعي: يكبر، واختاره الموفق والشيخ، ولأنه ذكر بعد الصلاة فاستحب وإن خرج كالدعاء وأما طول الفصل فيفوت به محله، أشبه سجود السهو فلا يقضيه إذا.стр. 1088
ويكبر المأموم إذا نسيه الإمام (١) والمسبوق إذا قضى، كالذكر والدعاء (٢) (ولا يسن) التكبير (عقب صلاة عيد) لأن الأثر إنما جاء في المكتوبات (٣) ولا عقب نافلة، ولا فريضة صلاها منفردا لما تقدم (٤) (وصفته) أي التكبير (شفعًا (٥) الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد) (٦) لأنه ﵇ كان يقول كذلك رواه الدراقطني (٧) . الحواشي
(١) ليحوز الفضيلة كالتأمين.(٢) أي يأتي بالتكبير كما يأتي بالذكر والدعاء لأنه ذكر مسنون بعد الصلاة فاستوى فيه المسبوق وغيره كالذكر قال الشارح وغيره: هو قول أكثر أهل العلم.(٣) قاله أبو الخطاب، والوجه الثاني: يكبر قال القاضي: هو ظاهر كلام أحمد، واختاره أبو بكر والموفق والشارح، لأنها صلاة مفروضة في جماعة وأخص بالعيد فكانت أحق بتكبيره.(٤) يعني من قول ابن مسعود، وكذا من فعل ابن عمر، وأقوال الأئمة في النافلة، وأعاده لما استثنى الماتن صلاة العيد، رفعا للإيهام.(٥) أي لا وترا، بل يقرن التكبيرة بأخرى، و (شفع العدد) يشفعه صيره شفعًا، أي أضاف إلى الواحد ثانيًا.(٦) لما تقدم، وقال الشيخ: صفة التكبير المنقول عن أكثر الصحابة، وقد روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ الله أكبر الله أكبر إلخ وتقدم.(٧) عن جابر: كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح، من غداة عرفة، أقبل على أصحابه فيقول «مكانكم» فيقول: «الله أكبر» وتقدم.стр. 1089
قاله علي، وحكاه ابن المنذر عن عمر (١) ولا بأس بقوله لغيره: تقبل الله منا ومنك، كالجواب (٢) . الحواشي
(١) ورواه بسند جيد عن علي وابن مسعود ﵄، أنهما يكبران من فجر عرفة وإلى عصر آخر أيام التشريق، وأخرجه ابن أبي شيبة وغيره، عن ابن مسعود موقوفا، بسند جيد، وروي عن إبراهيم قال: كانوا يكبروا يوم عرفة، وأحدهم مستقبل القبلة، في دبر الصلاة، الله أكبر الله أكبر إلخ.(٢) أي لا بأس ب تهنئة الناس بعضهم بعضا ، بما هومستفيض بينهم، ويحتج لعموم التهنئة لمايحدث الله من نعمة، ويدفع من نقمة، بمشروعية سجود الشكر، والتعزية، وتبشير النبي ﷺ بقدوم رمضان وتهنئة طلحة لكعب، بحضرة النبي ﷺ وإقراره له، والقياس تهنئة المسلمين بعضهم بعضًا بمواسم الخيرات، وأوقات وظائف الطاعات.
وقال شيخ الإسلام: وقد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره، وذكر الحافظ وغيره مشروعيته، وفيها آثار يحتج بها في مثل ذلك، والمقصود منها التودد وإظهار السرور، وهو في العيدين شعار الدين، وليس كسائر الأيام.
وفي النصيحة هو قول الصحابة، وقول العلماء، ومنه أن يقول لغيره بعد الفراغ من الخطبة، تقبل الله منا ومنك، وأحاله الله علينا وعليك، ونحو ذلك وكالجواب لمن قال له ذلك أن يقول له: تقبل الله منا ومنك، أو حاله الله علينا وعليك، وغير ذلك، مما جرت العادة به، ومنه المصافحة إن اتحد الجنس، لا أمرد، وقال أحمد: لا أبتدئ به، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأمورًا بها، ولا هو أيضا مما نهي عنه.стр. 1090
ولا بالتعريف عشية عرفة بالأمصار، لأنه دعاء وذكر، وأول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث (١) . الحواشي
(١) قاله أحمد ﵀، لكن قيل له، تفعله أنت؟ قال: أما أنا فلا، والتعريف هو اجتماع الناس في المساجد عشية عرفة، للدعاء والذكر، حتى تغرب الشمس، كما يفعله أهل عرفة، والتحقيق أن الوقوف بعرفة عبادة مختصة، بمكان مخصوص، فلا يشبه هذا التعريف به، كسائر المناسك، بل مفسدة اعتقادية تتوقع بل نفس الوقوف، وكشف الرءوس يستلزم التشبه، وقال قتادة عن الحسن: أول من صنع ذلك ابن عباس، وسئل عنه اهحكم وحماد وإبراهيم فقالوا: محدث، وأجمع أهل العلم أن الأصل في العبادات التشريع، وقال شيخ الإسلام: بدعة، لم يره أبو حنيفة ومالك وغيرهما بغير عرفة، ولا نزاع بين العلماء أنه منكر، وفاعله ضال، ويستحب الاجتهاد في عمل الخير أيام عشر ذي الحجة، من الذكر والدعاء والصيام والصدقة، وسائر أعمال البر، لأنها أفضل الأيام لحديث «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة» ، ويأتي لأحمد «فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير حضرا وسفراً» .стр. 1091
باب صلاة الكسوف (١) .
يقال: كسفت بفتح الكاف وضمها، ومثله، خسفت (٢) . الحواشي
(١) أي صفتها وأحكامها وما يتبع ذلك، وهي سنة مؤكدة بالكتاب والسنة، واتفاق المسلمين، أما الكتاب فاستنبطها بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾ وأما السنة فقد تواترت عن رسول الله ﷺ وحكى الاتفاق على مشروعيتها جمع والكسوف آية من آيات الله، يخوف الله به عباده، ويعتبرهم فينظر من يحدث منهم توبة قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ ولما كسفت الشمس، خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد مسرعًا فزعا، يجر رداءه فصلى بالناس، وأخبرهم أن الكسوف آية من آيات الله، يخوف الله به عباده، وأنه قد يكون سبب نزول عذاب بالناس، وأمر بما يزيله، فأمر بالصلاة عند حصوله، والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق، وغير ذلك مما يدفعه من الأعمال الصالحة حتى يكشف ما بالناس، وفيه الاستعداد بالمراقبة لله، والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال، وحدوث ما يخاف بسببه.(٢) بفتح الخاء وضمها، وهما بمعنى يقال: كسفت الشمس وخسفت وبالعكس، ويقال انكسفا وخسفا وخسفا وانخسفا، وكلاهما جاءت به الأخبار وقال ثعلب: أجود الكلام: خسف القمر، وكسفت الشمس، وهو الأشهر في ألسنة الفقهاء، والكسوف مصدر لازم يقال: كسفت الشمس كسوفًا، والكسف مصدر المتعدي: كسفها الله كسفًا، ومعنى الكسف التغير إلى سواد، والخسوف ذهاب النور أو النقصان وكسفت الشمس كأنها أسودت في المرأى، وذهب شعاعها وإنما حال القمر دونها، وخسف القمر، وقع في ظل الأرض.стр. 1092
وهو ذهاب ضوء الشمس أو القمر أو بعضه (١) وفعلها ثابت بالسنة المشهورة (٢) واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (٣) . الحواشي
(١) أي والكسوف ذهاب ضوء الشمس كله أو ضوء القمر كله أو بعض ضوء الشمس أو القمر، والمراد استتاره لا فقده لقوله «ينجلي» ونحوه القمر.(٢) المستفيضة من أمره وفعله ﷺ ففي الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها، من وجوه كثيرة: منها ما أخرجاه من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافرغوا إلى ذكر الله، وإلى الصلاة» وفيهما أيضًا من حديث المغيرة، نحوه، وفي آخره «فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي» وفيهما من حديث جابر نحوه وفي آخره «فصلوا حتى ينجلي» ، وفي رواية عن ابن مسعود، «فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» ، ومن حديث عائشة «حتى يكشف ما بكم» ، ويأتي، وفي البخاري عن أبي موسى قال: «هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يخوف بها عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» وغير ذلك مما استفاض عنه ﷺ أنه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف، يوم مات ابنه إبراهيم.(٣) أي اسجدوا لله عند كسوفهم والمراد على هذا التقدير الصلاة، عند طائفة من أهل العلم، فإنه حيث كان شرك المشركين منه بالشمس والقمر، وهو جعل حق رب العالمين لبعض الخلق، فالاستنباط بأن الله أمر بالسجود بعد ذكر أنها من آياته، ووقته عند تغيرهما، فاستنبطوا السجود من عمومها، ودل على أنه يسجد عند آياته، ويرشحه ما ورد في السنة، وقال زكريا الأنصاري: احتج بقوله ﴿وَاسْجُدُوا للهِ﴾ أي عند كسوفها، لأنه أرجح من احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما، لأنهم كانوا يعبدون غيرهما، فلا معنى لتخصيصهما بالنهي، والمراد على تقديم تمام هذا الاحتجاج بالسجود الصلاة اهـ والحكمة في ذلك والله أعلم، لما يحصل عند ذلك من الخشوع، والمراقبة في تلك الحال المدهشة بحيث أن آيتين من أعظم آيات الله، لا صنع لهما، بل هما كسائر المخلوقات، يطرأ عليهما النقص والتغيير كغيرهما، ولأحمد «آيتان من آيات الله، يعتبر بهما عباده، فينظر من يحدث منهم توبة» .стр. 1093
(تسن) صلاة الكسوف (جماعة) (١) وفي جامع أفضل (٢) لقول عائشة: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد: فقام وكبر، وصف الناس وراءه، متفق عليه (٣) . الحواشي
(١) وهو أفضل وفاقا، وقيل بوجوبها، وتقدم تأكد سنيتها وحكاه الوزير والنووي وغيرهما إجماعا، ومذهب مالك وأبي حنيفة يصلى لخسوف القمر فرادى، وثبتت الأحاديث بالتسوية، وجماعة بالنصب على التمييز، محول عن نائب الفاعل، ويصح جعله حالا، ويصح الرفع أي فيها.(٢) وفاقا، وتشرع في حق النساء، لأن عائشة وأسماء صلتا مع رسول الله ﷺ رواه البخاري، ويسن أن ينادى لها «الصلاة جامعة» لأن النبي ﷺ بعث مناديا ينادي الصلاة جامعة متفق عليه، واتفقوا على أنه لا يؤذن لها، ولا يقام.(٣) ولأحمد فافزعوا إلى المساجد، فإن لم يخرج الإمام لها صلوها جماعة، فإن لم يجدوا إمامًا يصلي بهم صلوها فرادى، وهذا مذهب مالك والشافعي.стр. 1094
(وفرادى) كسائر النوافل (١) (إذا كسف أحد النيرين) الشمس والقمر (٢) ووقتها من ابتدائه إلى التجلي ولا تقضى كاستسقاء وتحية مسجد (٣) فيصلي (ركعتين) (٤) . الحواشي
(١) فلم يشترط لها الجماعة لا حضرًا ولا سفرًا، فلا يشترط لها الإيطان، ولا يشترط لها أيضا إذن الإمام وفاقا، لأنها نافلة، وكالجمعة وأولى، ويسن ذكر الله والدعاء والاستغفار والتكبير، والصدقة والعتق، والتقرب إلى الله ما استطاع العبد من القرب، لقوله: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبروا وصلوا وتصدقوا» الحديث متفق عليه، ولهما أنه أمر بالعتاقة، فيه.(٢) لقوله ﵊ فإذا رأيتم ذلك «فصلوا» ، متفق عليه، ولما تواتر من فعله ﷺ وعبارة المقنع وغيره، إذا كسف الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة، وهو أولى حظا على المبادرة لقوله ﷺ «فافزعوا إلى الصلاة» ، وفي لفظ إلى المساجد وخرج يجر رداءه مسرعًا إليها صلوات الله وسلامه عليه.(٣) أي وقت صلاة الكسوف من ابتداء كسوف الشمس أو القمر، إلى تجليه لقوله ﷺ «إذا رأيتم شيئا من ذلك فصلوا، حتى ينجلي» رواه مسلم. أي لا تقضي صلاة الكسوف بعد التجلي، كما لا تقضي صلاة الاستسقاء وتحية مسجد لفوات محلها، لقوله: إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، فجعله غاية لها، فإن تجلى قبل أن يعلموا به لم يصل له وفاقا، ولأن المقصود منها زوال العارض، وعود النعمة بنورهما وقد حصل.(٤) بأربع ركعات، وأربع سجدات، كما ثبت من غير وجه، عن عائشة وجابر وابن عباس وعمرو بن العاص وغيرهم، وقال الشافعي وأحمد والبخاري
وابن عبد البر والشيخ وغيرهم: هذا أصح ما في الباب، وهو مذهب جمهور العلماء وباقي الروايات ضعيفة.стр. 1095
ويسن الغسل لها (١) (يقرأ في الأولى جهرًا) ولو في كسوف الشمس (٢) (بعد الفاتحة سورة طويلة) من غير تعيين (٣) (ثم يركع) ركوعًا (طويلاً) من غير تقدير (٤) (ثم يرفع) رأسه (ويسمع) أي يقول سمع الله لمن حمده، في رفعه (ويحمد) أي. الحواشي
(١) الصواب أنه لا ينبغي لتأكد سنية المبادرة إلى فعلها من حين العلم به، قال ابن القيم وغيره: الصحيح أنه لا يسن الغسل لها، لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يغتسلوا لها، بل بادروا إلى فعلها.(٢) لحديث عائشة المتفق عليه، أنه ﷺ جهر في صلاة الخسوف، وللترمذي وصححه أنه صلى صلاة الكسوف، فجهر بالقراءة فيها، قال أحمد وابن عبد البر: هذا أصح ما في الباب، وباقي الروايات معللة ضعيفة، وقال شيخ الإسلام: ثبت في الصحيح الجهر بالقراءة فيها، لكن روى في القراءة المخافتة، والجهر أصح اهـ والكسوف الذي صلى رسول الله ﷺ بالمسلمين فيه، إنما وقع أول النهار بلا نزاع.(٣) قاله في المبدع وغيره، واقتصر عليه في المقنع والمنتهى وغيرهما، وذكر جماعة يقرأ بالبقرة أو قدرها، وفي الصحيحين عن ابن عباس: قام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، وحزرت عائشة أنه قرأ بها، وفي الثانية بآل عمران، وهذا مذهب مالك والشافعي، ومهما قرأ به من السور جاز، لعدم تعيين القراءة.(٤) جزم به جماعة، وفي الشرح وغيره: نحو مائة آية، وهو مذهب الشافعي، وقيل: بقدر معظم القراءة والأولى أن يكون نسبيا كالفريضة.стр. 1096
يقول: ربنا ولك الحمد، بعد اعتداله كغيرها (١) (ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى (٢) ثم يركع فيطيل) الركوع (وهو دون الأول (٣) ثم يرفع) فيسمع ويحمد كما تقدم، ولا يطيل (٤) (ثم يسجد سجدتين طويلتين) (٥) ولا يطيل الجلوس بين السجدتين (٦) (ثم يصلي) الركعة (الثانية كـ) الركعة (الأولى (٧) ) . الحواشي
(١) يعني من الصلوات، وتقدم ما يقوله فيها.(٢) يعني دون القراءة في الأولى كمعظمها، وفي الشرح: آل عمران أو قدرها ومذهب مالك والشافعي، أنها لا تصح الصلاة إلا بقراءة الفاتحة في القيام الثاني.(٣) نسبته إلى القراءة كنسبة ركوع الأولى من قراءة الأولى، قاله في المبدع وغيره، وفي الشرح نحوا من سبعين آية.(٤) يعني اعتداله وفاقا، وحكاه القاضي إجماع العلماء، لعدم ذكره في الرويات الصحيحة، ولا يقرأ بل يقول: ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا إلى آخره، كما ثبت ذلك في الصحيحين من فعله ﷺ .(٥) بالنسبة إلى القيام، قالت عائشة: ما ركعت ركوعا قط، ولا سجدت سجودا قط كان أطول منه، وهو ثابت من رواية جماعة، ولا يزيد عليهما إجماعًا، لأنه لم يرد في شيء من الأخبار.(٦) إجماعًا لعدم وروده.(٧) بركوعين طويلين، وسجودين طويلين، مثل ما فعل في الركعة الأولى إجماعًا للأخبار.стр. 1097
لكن دونها في كل ما يفعل فيها (١) (ثم يتشهد ويسلم) لفعله ﵊ (٢) كما روي عنه ذلك من طرق، بعضها في الصحيحين (٣) ولا يشرع لها خطبة، لأنه ﵊ أمر بها دون الخطبة (٤) . الحواشي
(١) وفاقًا، قال القاضي وغيره: القراءة في كل قيام أقصر مما قبله، وكذا التسبيح، وحكاه النووي وغيره اتفاق أهل العلم، والجمهور على إطالة الركوع والسجود نحو الذي قبله، للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك.(٢) الذي استفاض عنه ﷺ أنه صلى بالمسلمين صلاة
الكسوف يوم مات ابنه إبراهيم، والأحاديث الصحيحة في ذلك كلها متفقة لا تختلف.(٣) وكذا في المسانيد والسنن وغيرها، فمنها ما روت عائشة ﵂ أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ فقام وكبر، وصف الناس وراءه، فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعًا طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعًا طويلاً، هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات، وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف متفق عليه، ومنها ما رواه جابر وابن عمر وابن عباس وغيرهم من غير وجه، وفي بعض ألفاظ حديث جابر، حتى جعلوا يخرون.(٤) وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وإنما خطب النبي ﷺ بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وعنه: يخطب وفاقا للشافعي وجمهور السلف
لما في الصحيح عن عائشة، أن النبي ﷺ انصرف فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله وكبروا، وصلوا وتصدقوا» إلخ فيسن أن يخطب، ويحذرهم الغفلة، والإغترار، ويأمرهم بالإكثار من الدعاء والاستغفار كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ .стр. 1098
ولا تعاد إن فرغت قبل التجلي (١) بل يدعو ويذكر كما لو كان وقت نهي (٢) (فإن تجلى الكسوف فيها) أي الصلاة (أتمها خفيفة) (٣) لقوله ﵇ «فصلوا وادعوا، حتى ينكشف ما بكم» متفق عليه من حديث ابن مسعود (٤) . الحواشي
(١) وفاقًا لأنه سبب واحد، فلا يتعدد مسببه، ولأنه ﷺ لم يزد على ركعتين.(٢) يعني من أنه يدعو ويذكر ولا يصلي، فكذلك إن فرغت الصلاة قبل التجلي، يدعو ويذكر للأمر بالدعاء والذكر، قال شيخ الإسلام: فإن فرغ من الصلاة قبل التجلي ذكر الله ودعاه، إلى أن يتجلى اهـ وتقدم أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي، للأدلة الدالة على ذلك، المخصصة لعموم النهي، فيصلي صلاة الكسوف إذا حصل الكسوف، ولو كان وقت نهي، للأمر المطلق بالصلاة إذا حصل الكسوف.(٣) لأن المقصود التجلي وقد حصل، وعلم منه أنه لا يقطعها لقوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ .(٤) وتقدم من حديث المغيرة وجابر، «حتى ينجلي» ومن حديث عائشة «حتى
يكشف ما بكم» ، وغيرها من الأدلة، على أن الصلاة تكون وقت الكسوف إلى أن
يتجلى، قال شيخ الإسلام: والكسوف يطول زمانه تارة، ويقصر أخرى، بحسب ما يكسف منه، فقد تكسف كلها، وقد يكسف نصفها أو ثلثها، فإذا عظم الكسوف طول الصلاة، حتى يقرأ بالبقرة ونحوها في أول ركعة، وبعد الركوع الثاني يقرأ بدون ذلك، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ بما ذكرنا، وذكر ما تقدم منها، وشرع تخفيفها لزوال السبب، وكذا إذا علم أنه لا يطول، وإن خف قبل الصلاة شرع وأوجز، وعليه جماهير أهل العلم، لأنها شرعت لعلة وقد زالت، وإن تجلى قبلها لم يصل وتقدم.стр. 1099
(وإن غابت الشمس كاسفة (١) أو طلعت) الشمس أو طلع الفجر (والقمر خاسف) لم يصل (٢) . الحواشي
(١) لم يصل، ومفهومه أنه إن غاب القمر خاسفًا ليلا يصلي، قال في الفروع: والأشهر أن يصلي إذا غاب خاسفًا ليلاً اهـ، وغيوبته خاسفًا ليلاً لا يمكن لأنه لا ينخسف إلا في ليالي الإبدار، إذا تقابل جرم الشمس والقمر، فحالت بينهما الأرض، قال الشيخ: وقد أجرى الله العادة أن القمر لا ينخسف إلا وقت الإبدار، وهي الليالي البيض، وللشمس والقمر ليالٍ معتادة، من عرفها عرف الكسوف والخسوف، كما أن من علم ما مضى من الشهر يعلم أن الشهر يطلع في الليلة الفلانية أو التي قبلها، والعلم بالعادة فيه، يعرفه من يعرف حساب جريانهما وليس من باب علم الغيب، وإذا تواطأ خبرهم بوقت الصلاة لا يكادون يخطئون ومع ذلك لا يترتب على خبرهم حكم شرعي، فإنها لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك اهـ، وقال غير واحد: معرفة الكسوف لا يختص بالمنجمين، بل هو مما إذا حسبه الحاسب عرفه.(٢) أي أو طلعت الشمس والقمر خاسف لم يصل، قولاً واحدًا، أو طلع الفجر والقمر خاسف لم يصل، قدمه القاضي وغيره، أشبه ما إذا طلعت الشمس وهو خاسف.стр. 1100
لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما (١) ويعمل بالأصل في بقائه وذهابه (٢) (أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل) (٣) لعدم نقله عنه وعن أصحابه ﵇ (٤) مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرياح والصواعق (٥) . الحواشي
(١) وزال التخويف، وانعدمت العلة التي لأجلها شرعت الصلاة، وصوابه إفراد الضمير لما تقدم.
وقال غير واحد: لأن القمر آية الليل، وقد ذهب الليل.(٢) أي يعمل إذا شك في الكسوف بالأصل، فلا يصلى إذا شك في وجوده مع غيم ونحوه، لأن الأصل عدمه، ويصلى إذا علم الكسوف، ثم حصل غيم فشك في التجلي لأن الأصل بقاؤه، وكذا إذا خرج بعضه صافيا، وشك في ذهابه عن باقيه، لأن الأصل عدم ذهابه، وقد يقال: يغني قوله: في بقائه، عن قوله: وذهابه إذا المراد أنه يعمل بالأصل في بقائه كلاًٍ أو بعضًا.(٣) وفاقًا لمالك والشافعي، وذلك كظلمة نهارًا، وضياءً ليلاً، وريح شديدة وصواعق وثلج ومطر دائمين.(٤) فتركه مع وجوده في زمنه ﷺ وأصحابه هو السنة، كما أن ما فعله هو وأصحابه هو السنة.(٥) كما هو مستفيض ولا ينكر وجود الآيات في عصرهم إلا مكابر وانشقاق القمر من أكبر الآيات التي دلت على رسالة محمد ﷺ ولم يصل لها، وعنه: يصلي لكل آية، وفاقًا لأبي حنيفة، وصرح به في النصيحة وقال ابن أبي موسى: يصلى لكل آية، وهو ظاهر كلام أحمد، وفي الرعاية: قيل يصلى للرجفة، وفي الصاعقة، والريح الشديدة، وانتشار النجوم، ورمي الكواكب، وظلمة النهار، وضوء الليل وجهان.
وقال شيخ الإسلام: يصلى لكل آية كما دل على ذلك السنن والآثار وقاله
المحققون من أصحاب أحمد وغيرهم، ولولا أن ذلك يكون لشر وعذاب لم يصح التخويف بذلك، وهذه صلاة رهبة وخوف، كما أن صلاة الاستسقاء صلاة رغبة، ورجاء، وقد أمر الله عباده أن يدعوه خوفًا وطمعًا وقال ﵊: «إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئًا، فافزعوا إلى الصلاة» وقال ابن القيم: التخويف إنما يكون بما هو سبب لشر المخوف، كالزلزلة والريح العاصف، وإلا فما وجوده متكرر لا يحصل به تخويف اهـ وقال: «إذا رأيتم آية فاسجدوا» فدل على أن السجود شرع عند الآيات، وينبغي أن يوعظوا عند نزول البلاء، ويؤمروا بالتوبة والصدقة، وإن صلى أحدهم في بيته ركعتين، توبة إلى الله فحسن، لأن صلاة التوبة مشروعة.стр. 1101
وأما الزلزلة وهي رجفة الأرض واضطرابها وعدم سكونها فيصلى لها إن دامت (١) لفعل ابن عباس رواه سعيد والبيهقي (٢) وروى الشافعي عن علي نحوه، وقال: لو ثبت هذا الحديث لقلنا به (٣) (وإن أتى) مصلي الكسوف (في كل ركعة بثلاث ركوعات، أو أربع، أو خمس جاز) رواه مسلم من حديث الحواشي
(١) أي الزلزلة وسببها والله أعلم جولان الرياح في الأرض، ودخولها في تجاويفها، وتحدث فيها الأبخرة وتطلب منفذًا ويتعذر فيأذن الله لها في التنفس، فتحدث فيها الزلازل العظام، ويحدث من ذلك الخوف للعباد، والخشية والإنابة، والإقلاع عن المعاصي، والتضرع إلى الله، والندم، حتى قال بعض السلف: إن ربكم يستعتبكم وربما تنخسف منها قطعة، وتهوي في باطن الأرض، فإن لم تدم الزلزلة لم يصل لها.(٢) في سننه، وابن جرير عن عبد الله بن الحارث ﵄.(٣) وقال: هو ثابت عن ابن عباس ﵄.стр. 1102
جابر، أن النبي ﷺ صلى ست ركعات، في أربع سجدات (١) ومن حديث ابن عباس: صلى النبي ﷺ ثماني ركعات، في أربع سجدات (٢) وروي أبو داود عن أبي ابن كعب، أنه ﷺ صلى ركعتين، في كل ركعة خمس ركعات وسجدتين (٣) واتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء (٤) . الحواشي
(١) لكن سئل عنه الشافعي فقال: هو من وجه منقطع، ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد ووجه نراه والله أعلم غلطًا وقال الشيخ فيما زاد على ركوعين في ركعة، هي غلط وإنما صلى ﷺ مرة واحدة.(٢) ومع كونه في صحيح مسلم، وصححه الترمذي، فقد قال ابن حبان: ليس بصحيح، لأنه من رواية حبيب، عن طاوس، ولم يسمعه حبيب منه، وحبيب معروف بالتدليس.(٣) لكن في إسناده عيسى بن عبد الله الرازي، قال الفلاس: سيء الحفظ وقال ابن المديني: يخلط، وقال البخاري وغيره، من أهل العلم بالحديث، لا مساغ لحمل هذه الأحاديث على بيان الجواز، إلا إذا تعددت الواقعة وهي لم تتعدد لأن مرجعها كلها إلى صلاته ﷺ في كسوف الشمس يوم مات ابنه إبراهيم، وحينئذ يجب ترجيح أخبار الركوعين فقط، لأنها أصح وأشهر اهـ والمصير إلى الترجيح أمر لا بد منه، وأحاديث الركوعين، أصح وأرجح بلا مرية.(٤) يعني أنه أتى في كل ركعة بركوعين على الصحيح، وفي بعض الروايات ثلاث ركوعات، وأربع وخمس في كل ركعة.стр. 1103
قال النووي: وبكل نوع قال بعض الصحابة (١) وما بعد الأول سنة، لا تدرك به الركعة (٢) ويصح فعلها كنافلة (٣) وتقدم جنازة على كسوف، وعلى جمعة وعيد أمن فوتهما (٤) . الحواشي
(١) وقال شيخ الإسلام: قد ورد في صلاة الكسوف أنواع، ولكن الذي استفاض عند أهل العلم بسنة رسول الله ﷺ ورواه البخاري ومسلم من غير وجه، وهو الذي استحبه أكثر أهل العلم كمالك والشافعي وأحمد ﵏، أنه صلى بهم ركعتين، في كل ركعة ركوعان.(٢) أي وما بعد الركوع الأول في كل ركعة لا تدرك به الركعة.(٣) إن تجلى قبل الركوع الأول، أو فيه، وإلا أتمها صلاة كسوف، لتأكدها بخصائصها.(٤) وفاقًا، فتقدم صلاة جنازة على صلاة كسوف، لأنها فرض كفاية ويخشى على الميت بالانتظار، فيقدم على ما يقدم عليه، والوجه الثاني يقدم الكسوف وصوبه في تصحيح الفروع، ويقدم هو على جمعة إن أمن فوتها، ولم يشرع في خطبتها وفاقًا، ويقدم على مكتوبة أمن فوتها خشية تجليه قبل الصلاة وللأمر بالإسراع إليه، فإن خيف فوت الجمعة، أو كان شرع في خطبتها، أو خيف فوت مكتوبة قدمت، لتعين الوقت لها، إذ السنة لا تعارض فرضًا، ويقدم على صلاة عيد، إن أمن فواته اتفاقا، قاله في الفروع وغيره، واتفاقه مع العيد بعيد، لا يتصور اجتماعهما ولم تجربه عادة.
قال شيخ الإسلام: وأما ما ذكره طائفة من الفقهاء، ومن اجتماع صلاة العيد والكسوف فهذا ذكروه في ضمن كلامهم، فيما إذا اجتمع صلاة الكسوف وغيرها من الصلوات، فقدروا اجتماعها مع الظهر والوتر، وذكروا صلاة العيد مع عدم استحضارهم، هل يمكن ذلك في الخارج أو لا يمكن؟ فلا يوجد في تقديرهم ذلك العلم بوجود ذلك في الخارج، لكن استفيد من ذلك العلم علم ذلك على تقدير وجوده، كما يقدرون مسائل يعلم أنها لا تقع، لتحرير القواعد، وتمرين الأذهان على ضبطها اهـ وقيل: قد يتصور بأن يشهدوا على نقصان رجب وشعبان فيقع العيد في آخر رمضان، فإن خشي فواته قدم وفاقا، لأن صلاة العيد واجبة في قول والكسوف سنة.стр. 1104
وتقدم تراويح على كسوف، إن تعذر فعلهما (١) ، ويتصور كسوف الشمس والقمر في كل وقت (٢) . الحواشي
(١) أي التراويح والكسوف في وقتهما، لأن التراويح تختص برمضان، فتفوت بفواته، والكسوف بالتجلي، والوجه الثاني يقدم الكسوف، صوبه في تصحيح الفروع، لأن الكسوف آكد، ويقدم على وتر، ولو خيف فوته، لأنه يقضى دونها ولأنها آكد منه.(٢) وقال في الإقناع: ولا يمكن كسوف الشمس إلا في الاستسرار، آخر الشهر، إذا اجتمع النيران، ولا خسوف القمر إلا في الإبدار، وهو إذا تقابلا اهـ فكسوف الشمس بحيلولة القمر بيننا وبينها، فيمنع وصول ضوئها إلينا، وخسوف القمر بحيلولة الأرض، بينه وبين الشمس، فيقع ظلها عليه، لأن نوره مستمد من نورها، فإذا حالت الأرض بينهما صار لا نور له.
وقال شيخ الإسلام: أجرى الله العادة أن الشمس لا تنكسف إلا وقت الاستسرار، وأن القمر لا ينخسف إلا وقت الإبدار، ومن قال من الفقهاء، إن الشمس تنخسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط.
وقال: ما ليس له به علم، والكسوف والخسوف لهما أوقات مقدرة، كما لطلوع الهلال وقت مقدر، وذلك مما أجرى الله عادته بالليل والنهار،
وسائر ما يتبع جريان الشمس، وذلك من آيات الله، وما يروى عن الواقدي
أن ابن النبي ﷺ مات يوم العاشر من الشهر وهو اليوم
الذي كسفت فيه الشمس، فغلط، وهو لا يحتج بمسانيده، فكيف بما أرسله من غير أن يسنده إلى أحد، وهذا فيما لم يعلم أنه خطأ فأما هذا فيعلم أنه خطأ قطعا، والفقهاء ﵏ ذكروه مع عدم استحضارهم هل ذلك ممكن أم لا؟ ومن جوز هذا فقد قال ما ليس له به علم، ومن حاج في ذلك فقد حاجَّ فيما ليس له به علم.стр. 1105
والله على كل شيء قدير (١) فإن وقع بعرفة صلى ثم دفع (٢) . الحواشي
(١) بإجماع المسلمين، بقدرة عامة شاملة، متعلقة بكل ممكن، وهو ما ليس بواجب الوجود، ولا مستحيل الوقوع، بل اتفقت جميع الكتب والرسل أنه تعالى قادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء يريده، بل هو الفعال لما يريد، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.(٢) أي فإن وقع الكسوف بعرفة صلى صلاة الكسوف، ثم دفع، وتقدم أنه مستحيل كسوفها بعرفة، ولم تجر به عادة، كما لم تجر بالاستهلال ونحوه في غير وقته، والمستحيل عادة كالمستحيل في نفسه.стр. 1106
باب صلاة الاستسقاء (١)
وهو الدعاء بطلب السقي (٢) على صفة مخصوصة، أي الصلاة لطلب السقي على الوجه الآتي (٣) (إذا أجدبت الأرض) أي أمحلت، والجدب نقيض الخصب (٤) . الحواشي
(١) أي صفتها وأحكامها، وما يتعلق بذلك، والاستسقاء استفعال من السقي، بضم السين، والنفوس مجبولة على الطلب ممن يغيثها، ولا تلتفت فيه إلا لبارئها، وكان في الأمم الماضية، وأجمع المسلمون على مشروعيته.(٢) الباء للتصوير أو الملابسة، أي: الاستسقاء شرعًا: نداء الله نداء ملتبسًا بطلب السقي، أي استنزال الغيث على البلاد والعباد.(٣) بيانه وهو على ثلاثة أضرب: أحدها: صلاتهم جماعة أو فرادى على ما يأتي تفصيله، وهو أكملها، واتفق فقهاء الأمصار على مشروعيته.
والثاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها كما فعل ﷺ واستفاض عنه من غير وجه، وهذا الضرب مستحب وفاقا، واستمر عمل المسلمين عليه، والثالث: دعاؤهم عقب صلواتهم، وفي خلواتهم، ولا نزاع في جواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة.(٤) بالكسر أي النماء والبركة، من أخصب المكان فهو مخصب، وفي لغة من باب تعب، فهو خصب، وأخصب الله الموضع أنبت به العشب، والكلأ والجدب المحل وزنًا ومعنى، يقال: أجدب القوم إذا أمحلوا وهو انقطاع المطر، ويبس الأرض، من باب تعب، وقال الأزهري، الأرض الجدبة التي لم تمطر والخصبة الممطورة التي أمرعت.стр. 1107
(وقحط) أي احتبس (المطر) وضر ذلك (١) وكذا إذا ضرهم غور ماء عيون أو أنهار (٢) (صلوها جماعة وفرادى) (٣) وهي سنة مؤكدة (٤) لقول عبد الله بن زيد: خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة، متفق عليه (٥) . الحواشي
(١) أي ضر احتباسه، ولم يكن لهم أودية وآبار وأنهار يشربون منها، ويسقون مواشيهم وزروعهم، أو كان ذلك، إلا أنه لا يكفي، فزعوا إلى الصلاة جماعة أو فرادى، وقحط كمنع وفرح وعني، قحطا وقحطًا وقحوطا، إذا انقطع عنه المطر، وأقحط وقحط الناس كسمع قليل، أي أصابهم القحط.(٢) أي ومثل جدب الأرض، وقحط المطر إذا ضرهم غر عيون إلى الأرض وهو ذهابه فيها، أو ضرهم غور أنهار جمع نهر، بفتح الهاء وسكونها مجاري الماء، وكذا لو نقص ماؤها وضر، وكذا لو تغير، بملوحة فزعوا إلى الصلاة لذلك كقحط المطر.(٣) أي إذا أجدبت الأرض صلوا صلاة الاستسقاء عند الحاجة إليها، جماعة في صلاتها، أو فرادى كل واحد وحده، لأنها لا تجب جماعة، فجازت فرادى.(٤) بإجماع أهل العلم، وشذ أبو حنيفة فقال: ليس فيها صلاة مسنونة وقوله مردود فإنه مخالف للأحاديث الصحيحة المستفيضة، والقياس فإنه معنى سن له الاجتماع والخطبة، فسن له الجماعة، كالعيد والكسوف، ولأنهم أجمعوا أنه يسن فيه الاجتماع والخطبة، والسنة بينت الصلاة، فوجب اعتمادها، دون القياس، وقد توافقا، وأيضا قال: إذا صح الحديث، فهو مذهبي، فصار إجماعًا.(٥) قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وحكى النووي وغيره: الإجماع على استحباب الجهر بالقراءة فيها.стр. 1108
والأفضل جماعة حتى بسفر (١) ولو كان القحط بغير أرضهم (٢) ولا استسقاء لانقطاع مطر عن أرض غير مسكونة ولا مسلوكة، لعدم الضرر (٣) (وصفتها في موضعها وأحكامها كـ) صلاة (عيد) (٤) قال ابن عباس: سنة الاستسقاء سنة العيدين (٥) فتسن في الصحراء (٦) . الحواشي
(١) وفاقًا لمالك والشافعي، لفعله ﷺ لها جماعة، واستمرار أمر المسلمين عليه.(٢) لحصول الضرر به، ولأنه من باب التعاون على البر والتقوى، أما لو كان غير المحتاج ببلد المحتاج إليه صلى معه اتفاقا، ما لم يكن ذا بدعة أو ضلالة.(٣) أي بانقطاعه عنها، فمشروعية الاستسقاء لإزالة ما يصيب الناس من الضرر.(٤) أي وصفة صلاة الاستسقاء في موضعها، فيستحب فعلها في المصلى، كصلاة العيد، وأحكامها كصفة صلاة العيد، عند الجمهور، في العدد والجهر والقراءة وفي كونها قبل الخطبة، وبتكبيراته، ورفع أيديهم ويقف بين كل تكبيرتين قائلا ما ورد كما سيأتي لأنها في معناها، إلا أنه لا وقت لصلاتها، وإلا أنها لا تفعل وقت النهي بلا خلافٍ، والأولى وقت صلاة العيد، لحديث عائشة وغيره.(٥) رواه أهل السنن بلفظ: ثم صلى ركعتين، كما يصلي في العيد، وقال الحافظ في قول ابن عباس الآتي، كما صنع في العيد: ظاهره أنه صلاها في وقت صلاة العيد.(٦) أي فتسن صلاة الاستسقاء قبل الخطبة في الصحراء القريبة عرفًا، لأنه ﷺ لم يصلها إلا في الصحراء، بلا نزاع، ولأبي داود عن عائشة: شكى الناس إلى رسول الله ﷺ قحط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ولأن الناس يكثرون، فكان المصلى أرفق بهم، ولأنه أبلغ في الافتقار والتواضع.стр. 1109
ويصلي ركعتين، يكبر في الأولى ستًا زوائد، وفي الثانية خمسًا، من غير أذان ولا إقامة (١) قال ابن عباس: صلَّى النبي ﷺ ركعتين كما يصلي العيد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢) ويقرأ في الأولى بسبح، وفي الثانية بالغاشية (٣) وتفعل وقت صلاة العيد (٤) . الحواشي
(١) وفاقا للشافعي.(٢) وصححه الحاكم وغيره، قال الموفق وغيره، هي ركعتان عند العاملين بها لا نعلم بينهم خلافًا في ذلك، وأما التكبير فدلالة هذا الخبر، مع ما رواه الشافعي وغيره أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعًا وخمسًا، وعن ابن عباس ونحوه، رواه الدارقطني، وهو مذهب الشافعي وجماعة.(٣) لما رواه الدارقطني وغيره عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ بهما، وإن شاء قرأ بـ (إنا أرسلنا نوحا) وسورة غيرها، من غير تعيين.(٤) وفاقًا لمالك والشافعي، ووقته وقت صلاة الضحى، وتقدم لحديث جابر أن رسول الله ﷺ خرج حين بدا حاجب الشمس، رواه أبو داود، قال الشارح، وليس لها وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي، بغير خلاف، ولا تقيد بزوال الشمس، فيجوز فعلها كسائر النوافل، واستنبط بعضهم أنها لا تصلى بالليل، من كونه جهر فيها بالقراءة، كالعيد وذكر ابن حبان أن خروجه ﷺ لها في رمضان سنة ست من الهجرة.стр. 1110
(وإذا أراد الإمام الخروج لها (١) وعظ الناس) أي ذكرهم بما يلين قلوبهم من الثواب والعقاب (٢) (وأمرهم بالتوبة من المعاصي (٣) والخروج من المظالم) بردها إلى مستحقيها (٤) لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات (٥) . الحواشي
(١) أي لصلاة الاستسقاء وكذا نائبه.(٢) وخوفهم العواقب، يقال: وعظه يعظه وعظًا وموعظة نصحه وذكره فاتعظ أي قبل الموعظة، والوعظ التخويف والتذكير، والنصح بما يلين القلوب، ويسوقها إلى التوبة، وإصلاح السيرة والسريرة، وفي التعريفات، الوعظ هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب.(٣) أي وأمرهم الإمام بنفسه أو نائبه بالتوبة، وهي الرجوع، من: تاب إذا رجع، وهي واجبة على الفور إجماعًا، ويشترط لها الندم على ما مضى من الذنوب، والإقلاع في الحال، والعزم على ترك العود في المستقبل، فإن كان الحق لآدمي فلا بد من رده إليه أو تحليله، والمعاصي جمع معصية وهي كل ما عصي الله به، ومنها المحرمات لحق الله وحق الآدميين.(٤) لأن ذلك واجب، والمظالم ظلامات الآدميين، جمع مظلمة، فمرادهم بالمظالم حقوق الآدميين، وبالمعاصي حقوق الله تعالى فالمعاصي أعم من المظالم والظلم وضع الشيء في غير موضعه.(٥) قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وفي الحديث ما بخس قوم المكيال والميزان، إلا منعوا القطر من السماء، وقال مجاهد في قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ قال: دواب الأرض تلعنهم، يقولون: يمنع عنا القطر بخطاياهم.стр. 1111
(و) أمرهم بـ (ترك التشاحن) من الشحناء وهي العداوة (١) لأنها تحمل على المعصية والبهت (٢) وتمنع نزول الخير (٣) لقوله ﵊ «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت» (٤) (و) أمرهم بـ (الصيام) لأنه وسيلة إلى نزول الغيث (٥) ولحديث «دعوة الصائم لا ترد» (٦) (و) أمرهم بـ (الصدقة) لأنها متضمنة للرحمة (٧) . الحواشي
(١) امتلأت منها النفس، وتشاحنوا تباغضوا، والمشاحن العدو المباغض، شديد العداوة، والعداوة الخصومة والمباعدة، والعدو ضد الصديق.(٢) أي الكذب والافتراء، وتوجب غضب الرب جل وعلا.(٣) من مطر وبركة ورحمة وغيرها.(٤) يعني رفع علم تعيينها في يوم مخصوص، وهو صريح في أنه تقدم له علمها، والرجلان اللذان تلاحيا قيل: هما عبد الله بن أبي حدرد، وكعب بن مالك.(٥) لما في الصيام من كسر الشهوة، والتذلل للرب ﵎.
وقال جماعة ثلاثة أيام، يخرجون في اليوم الآخر منها، ولا يلزم بأمره مع وجوب طاعته، لأنه سنة وطاعته إنما تجب في الطاعة، وفي السياسة والتدبير والأمور المجتهد فيها من مصالح العامة، وما هنا ليس كذلك، وتسن في المسنون، وتكره في المكروه.(٦) أي فعسى أن تقبل دعوته، وذكر ابن تميم وغيره الصدقة، ولم يذكر الصوم، والصيام لم يشرع له، والعبادة مبناها على التوقيف، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع فحيث ترك في عصر النبوة فتركه هو السنة.(٧) المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث، وحكاه الجزولي اتفاقًا.стр. 1112
(ويعدهم) أي يعين لهم (يوما يخرجون فيه) ليتهيئوا للخروج، على الصفة المسنونة (١) (ويتنظف) لها بالغسل، وإزالة الروائح الكريهة، وتقليم الأظفار، لئلا يؤذي (٢) (ولا يتطيب) لأنه يوم استكانة وخضوع (٣) (ويخرج) الإمام كغيره (متواضعًا (٤) متخشعًا) أي خاضعًا (٥) (متذللاً) من الذل وهو الهوان (٦) . الحواشي
(١) لحديث عائشة قالت: «وعد الناس يوما يخرجون فيه» ، رواه أبو داود وغيره بسند جيد.(٢) لأنه يوم يجتمع له، أشبه الجمعة، وقال ابن القيم وغيره: لا يسن الغسل لها، لم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه.(٣) فلا يتطيب فيه وفاقًا، لأنه من كمال الزينة، وهذا يوم تواضع وانكسار، وتذلل وخشوع.(٤) أي يخرج الإمام إلى المصلى كغيره متواضعًا وفاقًا، لأن التواضع لله من أسباب الإجابة والتواضع التذلل والتخشع ضد التكبر.(٥) بقلبه وعينه ومشيه وجلوسه وغيرها، والخشوع سكون القلب على المقصود، من غير التفات إلى غيره، وسكون الجوارح في غير المفعول، وفي المطلع: التذلل ورمي البصر إلى الأرض، وخفض الصوت، وسكون الأعضاء، وقريب منه الخضوع، إلا أن الخشوع أكثر منه، يستعمل في الصوت والبدن، والخضوع في الأعناق وتقدم نحوه.(٦) وهان هونًا وهوانًا، ذل وخضع، والهون السكينة، أي خرج مستكينًا خاضعًا متذللاً، في هيئته وثيابه.стр. 1113
(متضرعا) أي مستكينًا (١) لقول ابن عباس: خرج النبي ﷺ للاستسقاء متذللاً متواضعًا متخشعًا متضرعًا، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢) (ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ) لأنه أسرع لإجابتهم (٣) (والصبيان المميزون) لأنه لا ذنوب لهم (٤) وأبيح خروج طفل وعجوز وبهيمة (٥) . الحواشي
(١) بلسانه إلى الله في كلامه وفي مشيه وجلوسه، مبتهلاً إلى الله، مع حضور القلب، وامتلائه بالهيبة والخوف من الله متصاغرًا ومتعرضًا في جلب الحاجة.(٢) ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وقال ابن حبان: في رمضان سنة ست من الهجرة وروي مبتذلاً، أي لابسًا ثياب البذلة، وهي ما يلبس من ثياب المهنة وقت العمل، تاركًا ثياب الزينة، تواضعًا لله تعالى، وإظهارا للافتقار إليه، وإرادة جبر الانكسار متخشعًا أي خاضعًا، مظهرًا للخشوع، ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله ، متضرعًا أي مظهرًا للضراعة وهي التذلل عند طلب الحاجة، أو باللسان في أنواع الذكر.(٣) أي فخروجهم أشد استحبابًا، وإلا فيستحب الخروج لكافة الناس، والشيوخ جمع شيخ، وله جموع كثيرة، وهو من جاوز الخمسين سنة.(٤) أي فيستحب إخراجهم، وفاقًا لمالك والشافعي، لأنهم يكتب لهم، ولا يكتب عليهم، فترجى إجابة دعائهم، وفي الفصول: نحن لخروج الصبيان أشد استحبابًا والصبيان بكسر الصاد وضمها لغتان، أفصحهما وأشهرهما الكسر.(٥) لأن الأطفال خلق من خلق الله ، وعيال من عياله، والرزق مشترك بين الكل قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وروى البزار وغيره مرفوعًا «لولا أطفال رضَّع، وعباد ركَّع، وبهائم رتَّع، لصب عليكم البلاء
صبَّا» .
وقيل: يستحب إخراج العجائز، وفاقًا لأبي حنيفة، ويكره من النساء ذوات الهيئات وفاقًا، خوف الفتنة، والتفات القلوب إليهن عن الخضوع لله، والتضرع بين يديه، ولأن القصد إجابة الدعاء، وضررهن أكثر، وفي الشرح: لا يستحب إخراج البهائم لأنه ﷺ لم يفعله، وأخرج الحاكم وغيره أن سليمان ﵇ خرج ليستقي فرأى نملة مستلقية وهي تقول: «اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم، ويؤمر سادة العبيد بإخراج عبيدهم، رجاء استجابة دعائهم، لانكسارهم بالرق، وفي الصحيح، «وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» .стр. 1114
والتوسل بالصالحين (١) (وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين) بمكان (٢) لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٣) (لا) إن انفردوا (بيوم (٤) ) . الحواشي
(١) أي التوسل بالدعاء منهم، كما كان الصحابة ﵃ يتوسلون بدعاء النبي ﷺ في حياته، وتوسل عمر بالعباس بعد وفاته ﷺ ومعاوية بيزيد الجرشي، لأن دعوة الصالح مستجابة، وأما التوسل بذوات الصالحين فكالإقسام بهم، ولا يقسم على الله بأحد من خلقه، ولا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة، بل يقتضي تركه والنهي عنه.(٢) لم يمنعوا وانفرادهم لئلا يصيبهم عذاب فيعمهم، وكذا كل من يخالف دين الإسلام.(٣) يحذر تعالى عباده المؤمنين فتنة اختبار أو محنة، يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها العاصي، أي اتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم.(٤) وكذا نساؤهم وصبيانهم ورقيقهم وعجائزهم مثلهم، أما الشابة فتمنع بلا خلاف.стр. 1115
لئلا يتفق نزول غيث يوم خروجهم وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم (١) وربما افتتن بهم غيرهم (٢) (لم يمنعوا) أي أهل الذمة لأنه خروج لطلب الرزق (٣) (فيصلي بهم) ركعتين كالعيد لما تقدم (٤) . الحواشي
(١) فيقولون: هذا حصل بدعائنا وإجابتنا، ولا يبعد أن يجيبهم الله، لأنه ضمن أرزاقهم.(٢) من ضعفاء العوام فقالوا: هذا حصل بهم.(٣) والله تعالى ضمن أرزاقهم، كما ضمن أرزاق المسلمين، ويكره إخراجنا لهم وفاقًا، لأنهم أعداء الله فهم أبعد إجابة.(٤) يعني من قول ابن عباس: سنة الاستسقاء سنة العيدين، ولما يأتي من قوله: صنع في الاستسقاء كما صنع في العيد، وقد دلت الأحاديث الصحيحة الشهيرة على مشروعية صلاة الاستسقاء، وهو قول جمهور السلف والخلف، إلا أبا حنيفة وتقدم أنها سنة مؤكدة، ولا التفات لخلافه، وفي الصحيحين: «خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه، ورفع يديه، واستسقى واستقبل القبلة، وقال البغوي: السنة في الاستسقاء أن يخرج إلى المصلى، فيبدأ بالصلاة، فيصلي ركعتين مثل صلاة العيد، وذكر التكبيرات ثم قال: ويجهر فيهما بالقراءة ثم يخطب، روي ذلك عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعلي، وهو قول الشافعي وأحمد اهـ والمرجح عند الشافعية والمالكية البداءة بالصلاة، قبل الخطبة، قال النووي: وبه قال الجماهير، وقال آخرون: هو مذهب العلماء كافة، وليس بإجماع، فقد ذهب قوم إلى جواز البداءة بالخطبة للأخبار، وحملها بعضهم على الجواز، ولمسلم: خرج ليستسقي بالناس، فصلى ركعتين ثم استسقى، وهو أكثر أحواله ﷺ ويقرأ بسبح والغاشية، وفي النصيحة: في الأولى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ وفي الثانية ما أحب.стр. 1116
(ثم يخطب) خطبة (واحدة) (١) لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ خطب بأكثر منها (٢) ويخطب على منبر (٣) ويجلس للاستراحة ذكره الأكثر، كالعيد في الأحكام (٤) والناس جلوس قاله في المبدع (٥) (يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) (٦) . الحواشي
(١) هذا المذهب عند أكثر الأصحاب.(٢) ولأبي داود وغيره: ولم يخطب خطبكم هذه أي كما يفعل في الجمعة، ولكن خطبة احدة، وقال الزيلعي: ولم يرو أنه خطب خطبتين، وعنه: خطبتين وفاقا لمالك والشافعي، واختاره الخرقي وابن حامد وعبد العزيز وغيرهم، والأمر واسع والاتباع أولى، ومحل الخطبة بعد الصلاة، وهو مذهب مالك والشافعي، قال ابن عبد البر وغيره: وعليه جماعة الفقهاء، لما رواه أحمد وغيره، عن أبي هريرة قال: صلى بنا النبي ﷺ ثم خطبنا، وكالعيد وعنه: قبلها كالجمعة، لما تقدم في الصحيح، وروي عن عمر وابن الزبير، وعنه يخير، والأول هو الأفضل، لأنه أكثر أحواله ﷺ واستمر عمل أكثر المسلمين عليه.(٣) وتقدم في العيدين أنه يخطب على منبر، وعن عائشة، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، رواه أبو داود وغيره بسند جيد، فيستحب للإمام صعود المنبر لخطبة الاستسقاء للآثار وقياسًا على غيرها.(٤) أي ويجلس إذا صعد المنبر للاستراحة ليتراد إليه نفسه.(٥) وفي الفروع: وفاقًا، ولأنه لم ينقل غيره، واستمر عمل المسلمين عليه.(٦) وعنه: بالحمد وهو رواية عن مالك، واختاره الشيخ وصاحب الفائق، واستظهره ابن رجب وتقدم، وعن عائشة ﵂، قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم» ، ثم قال: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم» ، إلخ قال غير واحد: ولم تأت رواية عنه ﷺ أنه افتتح الخطبة بغير التحميد.стр. 1117
لقول ابن عباس صنع رسول الله ﷺ في الاستسقاء كما صنع في العيد (١) (ويكثر فيها الاستغفار (٢) وقراءة الآيات التي فيها الأمر به) كقوله ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآيات (٣) قال في المحرر والفروع: ويكثر فيها الدعاء والصلاة على النبي ﷺ لأن ذلك معونة على الإجابة (٤) . الحواشي
(١) وأصله في السنن وغيرها بلفظ: صلى فيها كما يصلي في العيد، وأما افتتاح الخطبة بالتكبير فخلاف سائر خطبه ﷺ .(٢) لأنه سبب لنزول الغيث، وخرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت، قال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء، الذي يستنزل به المطر ثم قرأ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ وعن علي نحوه، والمجاديح واحدهامجدح، قال أهل اللغة: المجدح كل نجم كانت العرب تقول يمطر به، فأخبر عمر أن الاستغفار هو المجاديح الحقيقية التي يستنزل بها القطر، لا الأنواء، وإنما قصد التشبيه، وقيل مجاديحها مفاتيحها وهي رواية.(٣) وتمامها ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ وكقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ وغيرها لأن الاستغفار سبب لنزول الغيث، والمعاصي سبب لانقطاعه، والاستغفار، والتوبة يمحوان المعاصي.(٤) قال تعالى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي الحديث «إن الله يحب الملحين في الدعاء» ، ولأن الدعاء هو السبب في إرسال الأمطار، وعن عمر قال: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك محمد ﷺ رواه الترمذي، وتقدم أن من أكبر أسباب استجابة الدعاء الثناء على الله ، والصلاة على رسوله ﷺ ويكبر فيها كالعيد، وفاقًا لمالك والشافعي.стр. 1118
(ويرفع يديه) استحبابا في الدعاء (١) لقول أنس: كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يرى بياض إبطيه، متفق عليه (٢) وظهورهما نحو السماء لحديث رواه مسلم (٣) . الحواشي
(١) قال في الإنصاف: بلا نزاع، ويرفعون أيديهم، لحديث أنس، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، ويؤمنون جلوسًا، ويكثر من الدعاء قائمًا، ويلح في الدعاء، لأنه السبب الأكبر في استنزال الغيث.(٢) لعل المراد: لم أره يرفع، أو لم يرفع كما يرفع في الاستسقاء، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه أنه كان يرفع يديه في الدعاء ما يزيد عن ثلاثين حديثًا، والدعاء ثلاثة أقسام، أحدها أن تسأل الله بأسمائه وصفاته، الثاني أن تسأله بحاجتك وفقرك إليه ونحو ذلك، والثالث أن تسأل حاجتك، والأول أكمل من الثاني، والثاني أكمل من الثالث، فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل، وهذه عامة أدعية النبي ﷺ .(٣) ولفظه: أشار بظهر كفيه إلى السماء، وذلك والله أعلم مبالغة في الرفع، واختار الشيخ أن تكون بطونهما نحو السماء، وقال: صار ظهور أكفهما نحو السماء لشدة الرفع، لا قصدًا منه، وإنما كان توجه ببطونهما مع القصد، وعن ابن عباس مرفوعًا، «إذا دعوت فادع بباطن كفيك، ولا تدع بظهورهما» رواه أبو داود، ويدعو قائما كسائر خطبه.стр. 1119
(فيدعو بدعاء النبي ﷺ تأسيًا به (١) (ومنه) ما رواه ابن عمر (اللهم اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها (٢) (غيثًا) أي مطرًا (٣) (مغيثًا) أي منقذًا من الشدة يقال: غاثه وأغاثه (٤) (إلى آخره) أي آخر الدعاء، أي هنيئًا مريئًا (٥) . الحواشي
(١) ﷺ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ وروى أبو داود عن عائشة أنهم شكوا إليه جدب ديارهم وتقدم، وفيه ثم قال: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين ثم رفع يديه إلخ.(٢) وصل الهمزة حذفها لفظًا مع الدرج، وقطعها إثباتها مع الابتداء والدرج.(٣) منقذًا بإروائه، ويطلق الغيث على النبات تسمية له باسم سببه.(٤) وقد غاث الغيث الأرض، أي أصابها، وأغاث الله البلاد يغيثها غيثًا، أنزل عليها المطر، وقال ابن قتيبة: المغيث المحيي بإذن الله، وقال الأزهري وغيره هو الذي يغيث الخلق، ويشبعهم، وقال آخرون: منقذًا لنا مما استسقينا منه.(٥) «هنيئا» بالمد والهمز، طيب المساغ، لا مشقة فيه ولا تنغيص، والمعنى ها منميًا للحيوان، من غير ضرر ولا تعب، وقيل: هو الطيب الذي لا ينغصه شيء، «ومريئًا» بالمد أيضا، سهلاً نافعًا، محمود العاقبة، منميًا للحيوان، لا وباء فيه، فالهنيء النافع ظاهرًا، والمريء النافع باطنًا، وفي لفظ «مريعًا» بالعين، وضم الميم، أي آتيَا بالريع، وهو الزيادة، من المراعة وهي الخصب، وروي «مربعًا» ، وروي «مرتعًا» .стр. 1120
غدقا مجللاً عامًا سحًّا طبقًا دائمًا (١) اللهم أسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين (٢) اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق (٣) . الحواشي
(١) «غدقًا» بكسر الدال وفتحها، كثير الماء والخير، أو كثير القطر، وأعدق المطر، واغدودق، كبر قطره، ومجللاً، على صفة اسم الفاعل، من المضعف، أي ساترا للأفق، لعمومه، أو يجلل الأرض يعمها، وقال الأزهري: هو الذي يعم البلاد والعباد نفعه، ويتغشاهم خيره، و «عاما» أي شاملاً مستوعبًا للأرض، و «سحا» أي صبَّا من سحَّ يسحَّ: إذا جرى من فوق إلى أسفل، أو من ساح يسيح، إذا جرى على وجه الأرض، وقال الأزهري: هو المطر الشديد، و «طبقا» بالتحريك أي يطبق البلاد مطره أي يستوعبها، وبدأ بالعام ثم أتبعه بالسح، والطبق لأنهما صفتان زائدتان في العام، فقد يكون عاما، وهو طل يسير، ودائمًا أي متصلاً إلى أن يحصل الخصب، وإلى انتهاء الحاجة وتمام الحديث «نافعًا غير ضار، عاجلاً غير آجل» ، رواه أبو داود، وللشافعي، عن سالم بن عبد الله عن أبيه نحوه، وفي الصحيحين «اللهم أغثنا» ثلاثًا، من الإغاثة بمعنى المعونة، أو من طلب الغيث، أي هب لنا غيثًا، أو ارزقنا غيثًا.(٢) أي الآيسين من الرحمة، رواه الشافعي وغيره، والغيث المطر، وغيثت الأرض، فهي مغيثة ومغيوثة، ولأبي داود، كان إذا استسقى قال: «اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت» .(٣) رواه الشافعي عن المطلب بن حنطب مرسلاً، وأكثره في الصحيحين والسقيا بضم السين اسم من قولك: سقاه الله وأسقاه، ومضافة فيهما أي اسقنا سقيا رحمة، وهو أن يغاث الناس غيثًا، نافعًا، لا ضرر فيه ولا تخريب والهدم بسكون الدال والغرق بفتح الغين والراء.стр. 1121
«اللهم إنَّ بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك (١) اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرَّ لنا الضرع (٢) وأسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك (٣) اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري (٤) واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك (٥) . الحواشي
(١) ذكره الشافعي عن ابن عمر عن النبي ﷺ و «اللأواء» بالمد شدة المجاعة، والمراد السنة، والجهد بضم الجيم قلة الخير، وبفتحها المشقة وسوء الحال والغاية، والضنك بفتح الضاد الضيق في المعيشة، والشدة بالكسر المجاعة، اسم من الاشتداد وهي الصلابة واحدة الشدائد، أي المكاره «ما لا نشكوه إلا إليك» ، أي ما لا نخبر به سواك.(٢) هو لكل ذات ظلف أو خف بمنزلة الثدي للمرأة، جمعه ضروع، مدر اللبن.(٣) أي المطر، ولم يذكر هنا وبركات الأرض وهو في الحديث المذكور وبركات السماء كثرة مطرها، مع الريع والنماء، وبركات الأرض ما يخرج منها من زرع ومرعى، والسماء هنا السحاب، وتقدم أن كل ما علاك فهو سماء.(٤) الجوع اسم جامع للمخمصة، ضد الشبع، والجهد بالفتح المشقة، وجهد الناس فهم مجهودون إذا أجدبوا والعري بالضم خلاف اللبس، أي نسأله تعالى رفع هذه المصائب.(٥) رواه الشافعي وغيره عن ابن عمر، ولأبي داود عن جابر «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل» ، ومنه ما ثبت عنه ﷺ اللهم اسق عبادك وبهائمك، ففي إضافتهما إليه تعالى مزيد الاستعطاف فالعباد كالسبب للسقي، والبهائم ترحمه فتسقى، وفي الخبر «لولا البهائم لم تمطروا» «وانشر رحمتك» أي ابسط مطرك ومنافعه، وأحي بلدك الميت وفيه تلميح بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ «اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين» .стр. 1122
«اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا (١) فأرسل السماء علينا مدرارا» (٢) ويسن أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة (٣) ويحول رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن (٤) . الحواشي
(١) أي لم تزل تغفر ما يقع من هفوات عبادك.(٢) ذكره الشافعي عن ابن عمر، وفي الآية ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا *﴾ والسماء هنا السحاب، أي نسألك أن ترسل علينا المطر مدرارا، أي دائما إلى انتهاء الحاجة، قال النووي: بكسر الميم كثير الدر ومعناه مطر كثير.(٣) ولمسلم: فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجه قبل القبلة، وحول رداءه.(٤) لما في الصحيحين أنه حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ولمسلم، حول رداءه حين استقبل القبلة، زاد البخاري، جعل اليمين على الشمال، وزاد ابن ماجه وابن خزيمة: والشمال على اليمين، ولأحمد وغيره من حديث أبي هريرة: خطب ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة، رافعا يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ونقل تحويل الرداء جمع، وفيه حجة على استحباب استقبال القبلة في سائر الطاعات إلا ما خرج بدليل كالخطبة ونحوها.стр. 1123
ويفعل الناس كذلك (١) ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم (٢) ويدعو سرًا (٣) فيقول: «اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا» (٤) . الحواشي
(١) أي يحولون أرديتهم، فيجعلون ما على الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، لأن ما ثبت في حقه ﷺ ثبت في حق غيره، ما لم يقل دليل على اختصاصه، ولأحمد: وحول الناس معه أرديتهم، واستحبه جماهير العلماء، مالك وأحمد والشافعي وغيرهم، حكاه الوزير والحافظ وغيرهما، وقال الموفق: في قول أكثر أهل العلم، وللدارقطني عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه ﷺ حول رداءه، ليتحلو القحط، وقيل: الحكمة أنه للتفاؤل بتحويل الحال، عما هي عليه، وقال النووي: شرع تفاؤلاً بتغيير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب، ومن ضيق الحال إلى سعته.(٢) لعدم نقل إعادته.(٣) حال استقبال القبلة وفاقًا، لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع، وأسرع في الإجابة قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وإنما استحب الجهر ببعضه ليسمع الناس، فيؤمنون على دعائه.(٤) إنك لا تخلف الميعاد، لأن في ذلك استنجازًا لما وعد من فضله، حيث قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وإن قال: اللهم فامنن علينا بمغفرة ذنوبنا وإجابتنا في سقيانا، وسعة أرزاقنا: ثم يدعو بما شاء من أمر دين أو دنيا، وإن دعا بغير ما مر فلا بأس، وفي الإقناع وغيره: فإذا فرغ من الدعاء استقبلهم، ثم حضهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسر، ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين، أو نحوه، وقد تمت الخطبة.стр. 1124
فإن سقوا وإلا عادوا ثانيًا وثالثًا (١) (وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله (٢) وسألوه المزيد من فضله) ولا يصلون (٣) إلا أن يكونوا تأهبوا للخروج فيصلونها شكرا لله، ويسألونه المزيد من فضله (٤) . الحواشي
(١) حكاه الوزير وغيره اتفاقًا، وألحوا في الدعاء، لأنه أرجى للإجابة، وتقدم: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» ، ولقوله: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت، فلم يستجب لي» ، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، فاستحب كالأول، ولأن العلة الموجبة للاستسقاء أولا هي الحاجة للغيث، والحاجة إلى الغيث قائمة، وإنما الأولى آكد، لورود السنة بها، وثانيًا وثالثًا أي عودًا ثانيًا وثالثًا صفة لمصدر محذوف، وإن نقصت العيون أو غارت وتضرر الناس، فقال أصبغ: استسقى للنيل خمسة وعشرين يومًا متوالية، وحضره ابن وهب وابن القاسم، وجمع صالحون فلم ينكر، وقال ابن حبيب: لا بأس أن يستسقى لإبطاء النيل، فيستحب الاستسقاء لذلك، كما يستحب لانقطاع المطر، وقال الأصحاب: لم ينقل وغار النيل وغيره في زمن عمر وتوفر الصحابة ولم يستسقوا.(٢) على ما أولاهم من فضله، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ .(٣) لحصول المقصود من فضل الله ونعمته.(٤) لأن الصلاة لطلب رفع الجدب، ولا يحصل بمجرد نزول المطر، وقد أمر الناس بالشكر على ما أولى، ومنه العمل وأفضله الصلاة وقد تأهبوا لها، وعزموا على فعلها، وهذا اختيار القاضي، وعبارة المغني والشرح: وإن تأهبوا فسقوا قبل خروجهم لم يخرجوا وشكروا الله، وحمدوه على نعمه اهـ، وإن سقوا بعد خروجهم فقال في المبدع: صلوا وجهًا واحدًا، وفي الإنصاف: بلا خلاف أعلمه.стр. 1125
(وينادى) لها (الصلاة جامعة) كالكسوف والعيد (١) بخلاف جنازة وتراويح (٢) والأول منصوب على الإغراء (٣) والثاني على الحال (٤) وفي الرعاية، برفعهما وبنصبهما (٥) .
(وليس من شرطها إذن الإمام) كالعيدين وغيرهما (٦) (ويسن أن يقف في أول المطر (٧) . الحواشي
(١) هذا المذهب والصحيح عند جماهير أهل العلم أن النداء مختص بالكسوف، وقال الشيخ: القياس على الكسوف فاسد الاعتبار اهـ.
وأجمعوا على أنه لا أذان ولا إقامة، والنداء الصوت «ينادى» أي بصوت.(٢) أي فلا ينادي لهما لعدم وروده.(٣) وهو تنبيه المخاطب على أمر محمود ليلزمه.(٤) والحال لفظ يدل على هيئة الفاعل والمفعول به، والمعنى: احضروا الصلاة أو الزموها حالة كونها جامعة للناس، أو مطلوب جمع المكلفين لها، أو ذات جماعة.(٥) فرفعهما على الابتداء والخبر، ونصبهما على الإغراء، وعلى الحال كما قرره الشارح.(٦) أي كما أنه ليس من شروط صلاة العيدين وغيرهما، فليس من شروطها لا في الخروج، ولا في الصلاة، ولا في الخطبة، لأنها نافلة أشبهت سائر النوافل فيفعلها المسافر وأهل القرى.(٧) ليصيبه منه، ويقول: «اللهم صيبا نافعًا» ، لما في الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال: «اللهم صيبا نافعا» ، أي اجعله صيبًا نافعًا، أي منهمرًا متدفقًا، ونافعًا، صفة لصيب، احترز بها عن الصيب الضار، وفي رواية: صيبًا هنيئًا، ويقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، كما سيأتي وروي حديث ضعيف مرفوع: «يستجاب الدعاء عند ثلاثة التقاء الجيوش وإقامة الصلاة، ونزول الغيث» ، وقال الشافعي وغيره: حفظت من غير واحد طلب الإجابة عند نزول الغيث.следующие страницы →