Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
«اللهم إنَّ بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك (١) اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرَّ لنا الضرع (٢) وأسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك (٣) اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري (٤) واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك (٥) . الحواشي
(١) ذكره الشافعي عن ابن عمر عن النبي ﷺ و «اللأواء» بالمد شدة المجاعة، والمراد السنة، والجهد بضم الجيم قلة الخير، وبفتحها المشقة وسوء الحال والغاية، والضنك بفتح الضاد الضيق في المعيشة، والشدة بالكسر المجاعة، اسم من الاشتداد وهي الصلابة واحدة الشدائد، أي المكاره «ما لا نشكوه إلا إليك» ، أي ما لا نخبر به سواك.(٢) هو لكل ذات ظلف أو خف بمنزلة الثدي للمرأة، جمعه ضروع، مدر اللبن.(٣) أي المطر، ولم يذكر هنا وبركات الأرض وهو في الحديث المذكور وبركات السماء كثرة مطرها، مع الريع والنماء، وبركات الأرض ما يخرج منها من زرع ومرعى، والسماء هنا السحاب، وتقدم أن كل ما علاك فهو سماء.(٤) الجوع اسم جامع للمخمصة، ضد الشبع، والجهد بالفتح المشقة، وجهد الناس فهم مجهودون إذا أجدبوا والعري بالضم خلاف اللبس، أي نسأله تعالى رفع هذه المصائب.(٥) رواه الشافعي وغيره عن ابن عمر، ولأبي داود عن جابر «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل» ، ومنه ما ثبت عنه ﷺ اللهم اسق عبادك وبهائمك، ففي إضافتهما إليه تعالى مزيد الاستعطاف فالعباد كالسبب للسقي، والبهائم ترحمه فتسقى، وفي الخبر «لولا البهائم لم تمطروا» «وانشر رحمتك» أي ابسط مطرك ومنافعه، وأحي بلدك الميت وفيه تلميح بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ «اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين» .стр. 1122
«اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا (١) فأرسل السماء علينا مدرارا» (٢) ويسن أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة (٣) ويحول رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن (٤) . الحواشي
(١) أي لم تزل تغفر ما يقع من هفوات عبادك.(٢) ذكره الشافعي عن ابن عمر، وفي الآية ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا *﴾ والسماء هنا السحاب، أي نسألك أن ترسل علينا المطر مدرارا، أي دائما إلى انتهاء الحاجة، قال النووي: بكسر الميم كثير الدر ومعناه مطر كثير.(٣) ولمسلم: فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجه قبل القبلة، وحول رداءه.(٤) لما في الصحيحين أنه حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ولمسلم، حول رداءه حين استقبل القبلة، زاد البخاري، جعل اليمين على الشمال، وزاد ابن ماجه وابن خزيمة: والشمال على اليمين، ولأحمد وغيره من حديث أبي هريرة: خطب ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة، رافعا يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ونقل تحويل الرداء جمع، وفيه حجة على استحباب استقبال القبلة في سائر الطاعات إلا ما خرج بدليل كالخطبة ونحوها.стр. 1123
ويفعل الناس كذلك (١) ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم (٢) ويدعو سرًا (٣) فيقول: «اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا» (٤) . الحواشي
(١) أي يحولون أرديتهم، فيجعلون ما على الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، لأن ما ثبت في حقه ﷺ ثبت في حق غيره، ما لم يقل دليل على اختصاصه، ولأحمد: وحول الناس معه أرديتهم، واستحبه جماهير العلماء، مالك وأحمد والشافعي وغيرهم، حكاه الوزير والحافظ وغيرهما، وقال الموفق: في قول أكثر أهل العلم، وللدارقطني عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه ﷺ حول رداءه، ليتحلو القحط، وقيل: الحكمة أنه للتفاؤل بتحويل الحال، عما هي عليه، وقال النووي: شرع تفاؤلاً بتغيير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب، ومن ضيق الحال إلى سعته.(٢) لعدم نقل إعادته.(٣) حال استقبال القبلة وفاقًا، لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع، وأسرع في الإجابة قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وإنما استحب الجهر ببعضه ليسمع الناس، فيؤمنون على دعائه.(٤) إنك لا تخلف الميعاد، لأن في ذلك استنجازًا لما وعد من فضله، حيث قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وإن قال: اللهم فامنن علينا بمغفرة ذنوبنا وإجابتنا في سقيانا، وسعة أرزاقنا: ثم يدعو بما شاء من أمر دين أو دنيا، وإن دعا بغير ما مر فلا بأس، وفي الإقناع وغيره: فإذا فرغ من الدعاء استقبلهم، ثم حضهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسر، ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين، أو نحوه، وقد تمت الخطبة.стр. 1124
فإن سقوا وإلا عادوا ثانيًا وثالثًا (١) (وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله (٢) وسألوه المزيد من فضله) ولا يصلون (٣) إلا أن يكونوا تأهبوا للخروج فيصلونها شكرا لله، ويسألونه المزيد من فضله (٤) . الحواشي
(١) حكاه الوزير وغيره اتفاقًا، وألحوا في الدعاء، لأنه أرجى للإجابة، وتقدم: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» ، ولقوله: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت، فلم يستجب لي» ، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، فاستحب كالأول، ولأن العلة الموجبة للاستسقاء أولا هي الحاجة للغيث، والحاجة إلى الغيث قائمة، وإنما الأولى آكد، لورود السنة بها، وثانيًا وثالثًا أي عودًا ثانيًا وثالثًا صفة لمصدر محذوف، وإن نقصت العيون أو غارت وتضرر الناس، فقال أصبغ: استسقى للنيل خمسة وعشرين يومًا متوالية، وحضره ابن وهب وابن القاسم، وجمع صالحون فلم ينكر، وقال ابن حبيب: لا بأس أن يستسقى لإبطاء النيل، فيستحب الاستسقاء لذلك، كما يستحب لانقطاع المطر، وقال الأصحاب: لم ينقل وغار النيل وغيره في زمن عمر وتوفر الصحابة ولم يستسقوا.(٢) على ما أولاهم من فضله، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ .(٣) لحصول المقصود من فضل الله ونعمته.(٤) لأن الصلاة لطلب رفع الجدب، ولا يحصل بمجرد نزول المطر، وقد أمر الناس بالشكر على ما أولى، ومنه العمل وأفضله الصلاة وقد تأهبوا لها، وعزموا على فعلها، وهذا اختيار القاضي، وعبارة المغني والشرح: وإن تأهبوا فسقوا قبل خروجهم لم يخرجوا وشكروا الله، وحمدوه على نعمه اهـ، وإن سقوا بعد خروجهم فقال في المبدع: صلوا وجهًا واحدًا، وفي الإنصاف: بلا خلاف أعلمه.стр. 1125
(وينادى) لها (الصلاة جامعة) كالكسوف والعيد (١) بخلاف جنازة وتراويح (٢) والأول منصوب على الإغراء (٣) والثاني على الحال (٤) وفي الرعاية، برفعهما وبنصبهما (٥) .
(وليس من شرطها إذن الإمام) كالعيدين وغيرهما (٦) (ويسن أن يقف في أول المطر (٧) . الحواشي
(١) هذا المذهب والصحيح عند جماهير أهل العلم أن النداء مختص بالكسوف، وقال الشيخ: القياس على الكسوف فاسد الاعتبار اهـ.
وأجمعوا على أنه لا أذان ولا إقامة، والنداء الصوت «ينادى» أي بصوت.(٢) أي فلا ينادي لهما لعدم وروده.(٣) وهو تنبيه المخاطب على أمر محمود ليلزمه.(٤) والحال لفظ يدل على هيئة الفاعل والمفعول به، والمعنى: احضروا الصلاة أو الزموها حالة كونها جامعة للناس، أو مطلوب جمع المكلفين لها، أو ذات جماعة.(٥) فرفعهما على الابتداء والخبر، ونصبهما على الإغراء، وعلى الحال كما قرره الشارح.(٦) أي كما أنه ليس من شروط صلاة العيدين وغيرهما، فليس من شروطها لا في الخروج، ولا في الصلاة، ولا في الخطبة، لأنها نافلة أشبهت سائر النوافل فيفعلها المسافر وأهل القرى.(٧) ليصيبه منه، ويقول: «اللهم صيبا نافعًا» ، لما في الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال: «اللهم صيبا نافعا» ، أي اجعله صيبًا نافعًا، أي منهمرًا متدفقًا، ونافعًا، صفة لصيب، احترز بها عن الصيب الضار، وفي رواية: صيبًا هنيئًا، ويقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، كما سيأتي وروي حديث ضعيف مرفوع: «يستجاب الدعاء عند ثلاثة التقاء الجيوش وإقامة الصلاة، ونزول الغيث» ، وقال الشافعي وغيره: حفظت من غير واحد طلب الإجابة عند نزول الغيث.стр. 1126
وإخراج رحله وثيابه ليصيبها (١) لقول أنس: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه، رواه مسلم (٢) وذكر جماعة: ويتوضأ ويغتسل (٣) لأنه روي عنه ﵊ أنه كان يقول إذا سال الوادي «اخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهورا فنتطهر به» (٤) وفي معناه ابتداء زيادة النيل ونحوه (٥) . الحواشي
(١) أي المطر، وهو الاستمطار وروى الشافعي، وغيره أن ابن عباس أمر غلامه بإخراج فراشه ورحله ليصيبه المطر، فقيل له: لم تفعل؟ فقال: أما تقرأ ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ فأحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي، والرحل في الأصل مركب للبعير، وما يستصحبه من الأثاث، وهو المراد هنا.(٢) حسر ثوبه أي عن بعض بدنه، و «حديث عهد بربه» ، أي جديد قريب لم يتناول بعد، ولم يتغير بملابسة شيء.(٣) منهم صاحب الإقناع، وفي المنتهى: الغسل، وجزم بهما الشافعية، واقتصر الموفق والشارح على الوضوء.(٤) رواه الشافعي مرسلاً، فيدل على المشروعية، و «سال الوادي» أي سال ماؤه.(٥) كالأنهار والعيون، ولم أره لغيره من الأصحاب ولا غيرهم، ولم يرد به أثر، ولا يصح فيه القياس.стр. 1127
(وإذا زادت المياه وخيف منها (١) سن أن يقول: اللهم حوالينا) أي أنزله حوالي المدينة، في مواضع النبات (٢) (ولا علينا) في المدينة، ولاغيرها من المباني (٣) (اللهم على الظراب) أي الروابي الصغار (٤) (والآكام) بفتح الهمزة تليها مدة، على وزن آصال (٥) وبكسر الهمزة بغير مد، على وزن جبال (٦) . الحواشي
(١) أي زادت عن حاجتهم وخافوا الضرر من زيادة المياه.(٢) أي سن سؤالهم أن يكشفه عنهم، ويجعله في الأودية والمراعي التي تحيط بهم ولا يضرها، من غير صلاة، باتفاق أهل العلم، لأن الضرر بزيادة المياه أحد الضررين، فاستحب الدعاء لإزالته، وكذا إن زادت مياه العيون بحيث يضر استحب الدعاء لتخفيفه، «وحوالينا» جمع حوال، وإن كان ظاهره التثنية وقيل تثنية حوال، ولمسلم «حولنا» ، وحولنا وحوالينا وحولينا، كلها بمعنى.(٣) أي لا تنزله على الأبنية والطرق، فهو بيان للمراد بالذي قبله، لشموله للأبنية والطرق التي حواليهم.(٤) حكاه الجوهري وغيره، فهي دون الجبل، وفوق الرابية، والظراب بكسر الظاء المشالة جمع ظرب بكسر الراء، خصها بالطلب لأنها أطيب للراعية من شواهق الجبال، وللبخاري على رءوس الجبال، وفي لفظ «ظهور الجبال» .(٥) جمع أكم ومفرده أكمة، وقال ابن سيده: والجمع أكَم وأكم وأكُم وإكّام، وقال ابن جني: آكم.(٦) قال في اللسان: ويجوز أن يكون آكام كجبل وأجبال، وفي المطلع: الأكمة مفرد، جمع أربع مرات أكمة ثم أكم بفتح الهمزة والكاف، ثم إكام كجبال، ثم أكم كعنق، ثم آكام كآصال.стр. 1128
قال مالك: هي الجبال الصغار (١) (وبطون الأودية) أي الأمكنة المنخفضة (٢) (ومنابت الشجر) أي أصولها لأنه أنفع لها (٣) لما في الصحيح أنه ﵇ كان يقول ذلك (٤) (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) (٥) . الحواشي
(١) وقيل: هي التراب المجتمع، وقيل: الهضبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير، وقال عياض: ما ارتفع من الأرض وعلا، ولم يبلغ أن يكون جبلاً، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله كالتلول ونحوها.(٢) والمراد بها ما يتحصل فيها الماء لينتفع به.(٣) ولا ضرر فيه، والمنبت كمجلس ومقعد، موضع النبات، جمعه منابت، وعند العرب، وإنه لفي منبت صدق، في أصل صدق.(٤) متفق عليه، عن أنس من طرق وفيه من الفوائد معنى التعليل، لئلا يكون علينا، وفيه تعليمنا الأدب حيث لم يدع برفعه مطلقاً، لأنه قد يحتاج إلى استمراره، بالنسبة لبعض الأودية والمزارع، فطلب منع ضرره، وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق بحيث لا يتضرر به سالك، ولا ابن سبيل، وسأل بقاء نفعه على بطون الأودية وغيرها، وأنَّ من وصلت إليه نعمة لا يتسخط بعارض قارنها، بل يسأل الله رفعه وبقاءها وأن الدعاء برفع المضر لا ينافي التوكل.(٥) هكذا بخط المصنف بإسقاط الواو، والتلاوة بإثباتها، ولعله لعدم ما يعطف عليه، وكذا في المنتهى وغيره، أي لا تحملنا من البلاء والمحن والمشاق، والمصائب ما لا طاقة لنا به، أتى بها لأنها تناسب الحال، فاستحب قولها، كالأقوال اللائقة بمحالها، ويدعو كذلك لزيادة ماء العيون والأنهار، بحيث يتضرر بالزيادة قياسا على المطر.стр. 1129
أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق (١) (الآية) أي (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) (٢) ويستحب أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته (٣) ويحرم بنوء كذا (٤) . الحواشي
(١) هذا تفسير لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ فلعله سبق قلم.(٢) اعف عنا: أي تجاوز عنا ذنوبنا وامحها عنا، واصفح عنا فيما بيننا وبينك، مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا واغفر لنا أي استر علينا، ولا تفضحنا فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا، وارحمنا فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، فإننا لا ننال العمل ولا ترك معصيتك إلا برحمتك والسنة أن يسألوا الله في نحو خطبة الجمعة، وأعقاب الصلوات لأنه نازلة.(٣) لما ثبت في الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب» .
وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب، فأخبر أن العباد قسمان، فيسن أن يقول في إثر المطر، مطرنا بفضل الله ورحمته.(٤) أي يحرم قول: مطرنا بنوء النجم النلاني، ولعل مراده إذا قصد نسبة الفعل إلى الله بسبب النجم، وأما نسبة الفعل إلى النجم فكفر إجماعًا كما ذكره الشارح وأدخلوه في باب الاستسقاء لأن العرب كانت تنتظر السقيا في الأنواء، والنوء النجم مال للغروب، جمعه أنواء، وهي ثمانيه وعشرون منزلة للقمر، يسقط في المغرب كل ثلاث عشرة ليلة، منزلة مع طلوع الفجر، ويطلع أخرى تقابلها ذلك الوقت، في المشرق، وتنقضي جميعها مع انقضاء السنة الشمسية كبروج الشمس، وتقدم وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة، وطلوع نظيرها يكون مطر، فينسبونه إليها، فيقولون: مطرنا بنوء كذا، وسمي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط بالمغرب ناء الطالع بالمشرق.стр. 1130
ويباح في نوء كذا (١) وإضافة المطر إلى النوء دون الله كفر إجماعًا قاله في المبدع (٢) . الحواشي
(١) كما لو قال: مطرنا في شهر كذا فإنه لا بأس بذلك.(٢) وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم في الأموات والغائبين لجلب نفع أو دفع ضر.
تتمة
قال ابن القيم: المطر معلوم عند السلف والخلف أن الله تعالى يخلقه من الهوى، ومن البخار المتصاعد، لكن خلقه للمطر من هذا كخلق الإنسان من نطفة، وخلقه للشجر والزرع من الحب والنوى، ولم يخلق شيئًا إلا من مادة اهـ وإذا رأى سحابًا أوهبت ريح سأل الله من خيره، وتعوذ من شره، ولا يجوز سب الريح، لما في الصحيح «الريح من روح الله تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فلا تسبوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها» .
وإذا سمع صوت الرعد والصواعق، قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» ، ويستحب أن يقول: سبحان من سبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، لما صح أن ابن الزبير كان إذا سمعه ترك الحديث وقال ذلك، وقال مجاهد: الرعد ملك، والبرق أجنحته يسقن السحاب، قال الشافعي: ما أشبهه بظاهر القرآن يعني قوله: ﴿والمدبرات أمرًا﴾ وللترمذي وصححه «معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله» فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: «زجره السحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر» ولا يتبع بصره البرق أو الرعد أو المطر.
قال الماوردي: لأن السلف الصالح كانوا يكرهون الإشارة إلى الرعد والبرق، ويقولون عند ذلك: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبوح قوس» فيختار الاقتداء بهم في ذلك، وروي عن ابن مسعود قال: أمرنا أن لا نتبع أبصارنا الكواكب إذا انقضت، وأن نقول عند ذلك: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله فيستحب أن يقول إذا انقض كوكب ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وإذا سمع نهيق حمار أو نباح كلب قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا سمع صياح الديك سأل الله من فضله وورد أن قوس قزح أمان من الغرق، وهو من آيات الله، ودعوى العامة: إن غلبت حمرته كانت الفتن، وإن غلبت خضرته كان رخاءً وسرورًا، هذيان.
آخر المجلد الثاني من حاشية الروض المربع ويليه المجلد الثالث
وأوله كتاب الجنائز.стр. 1131
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الجنائز (١)
بفتح الجيم جمع جنازة بالكسر (٢) والفتح لغة (٣) اسم للميت أو للنعش عليه ميت (٤) . الحواشي
(١) أي صفة عيادة المريض وتلقينه، وتغسيل الميت وتكفينه، والصلاة عليه ودفنه، وغير ذلك.
قال ابن القيم: وكان هديه ﷺ في الجنائز أكمل الهدي ، مخالفًا لهدي سائر الأمم، مشتملاً على إقامة العبودية لله تعالى على أكمل الأحوال، وعلى الإحسان للميت، ومعاملته بما ينفعه في قبره، ويوم معاده، من عبادة وتلقين، وتطهير، وتجهيز إلى الله تعالى على أحسن أحواله وأفضلها، فيقفون صفوفًا على جنازته، يحمدون الله ويثنون عليه، ويصلون على نبيه محمد ﷺ ، ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز، ثم على قبره يسألون له التثبيت، ثم الزيادة إلى قبره والدعاء له، كما يتعاهد الحي صاحبه في الدنيا، ثم الإحسان إلى أهله وأقاربه وغير ذلك.(٢) والجنائز بالفتح لا غير، قاله النووي والحافظ وغيرهما.(٣) حكاه ابن قتيبة وجماعة والكسر أفصح.(٤) ويقال: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت، بدل عكسه، حكاه صاحب المطالع، وقيل هما لغتان فيهما، ولفظ القاموس: الجنازة الميت ويفتح، أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير، أو عكسه، أو بالكسر السرير مع الميت.стр. 1132
فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال نعش، ولا جنازة، بل سرير، قاله الجوهري (١) واشتقاقه من جَنَزَ إذا ستر (٢) وذكره ها لأّن أهم ما يفعل بالميت الصلاة (٣) ويسن الإكثار من ذكر الموت (٤) والاستعداد له (٥) . الحواشي
(١) ولفظه: والنعش سرير الميت، سمي بذلك لارتفاعه، فإذا لم يكن عليه ميت، فهو سرير. وقال: الجنازة الميت على السرير، فإذا لم يكن ميت فهو سرير ونعش عن الأصمعي، وقال الأزهري: لا يسمى جنازة حتى يشد الميت عليه مكفنًا.(٢) وبابه ضرب، قاله ابن فارس وغيره، وفي القاموس: جنزه يجنزه ستره وجمعه. قال النووي: والمضارع يجتز بكسر النون، وقيل لمناسبة موجودة، لأنه إما ساتر أو مستور، فكان معناه لغة الستر.(٣) عليه لما فيها من فائدة الشفاعة له، والدعاء له بالنجاة من العذاب، لا سيما عذاب القبر الذي سيدفن فيه، وإلا فحقه أن يذكر بين الوصايا والفرائض، وأفرده وأخره لمغايرتها لمطلق الصلاة نظرًا لتلك المغايرة، فإنها ليست صلاة من كل وجه، ولتعلقها بآخر ما يعرض للحي وهو الموت.(٤) باتفاق أهل العلم، لأنه أدعى إلى امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والموت مفارقة الروح والجسد، وقد مات يموت ويمات بفتح الياء وتخفيف الميم، فهو ميت، وميت بالإسكان، وليس الموت بإفناء وإعدام، وإنما هو انتقال، وتغير حال، وفناء للجسد دون الروح، إلا ما استثنى من عجب الذنب.(٥) أي التأهب وأخذ العدة، بالمبادرة إلى التوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، لأنه شرط لصحة التوبة، بل أهم شروطها، لمن كان عنده مظلمة لأحد من نفس أو مال أو عرض، وبالجملة فيسن مبادرته إلى الإقبال على الخير، ومجانبة الشر، لئلا يفجأه الموت المفوت له، فيلاحظ الجوف من الله، والعرض والسؤال مما يقع له بعد الموت، ونقل عن أحمد أنه استحسن استعداد الكفن، لحل أو لعبادة فيه، لما فيه من أثر الطاعة، وقال الشيخ: لا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإن النبي ﷺ لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت، فهذا إنما يكون بالعمل الصالح.стр. 1133
لقوله ﵊: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» هو بالذال المعجمة (١) . الحواشي
(١) رواه الخمسة بأسانيد صحيحة، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهاذم اللذات هو الموت، فيسن الإكثار من ذكره، والاستعداد له، والتوبة قبل نزوله، والهذم القاطع، وتمام الحديث «فيما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره» أي ما ذكر في قليل الرزق إلا استكثره الإنسان، لاستقلال ما بقي من عمره، وما ذكر في كثير إلا قلله، لأن كثير الدنيا إذا عَلمّ انقطاعَهُ بالموت قلّل ما عنده، وللترمذي وغيره عن ابن مسعود مرفوعًا «استحيوا من الله حق الحياء» قالوا: إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله؛ قال «ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» ولابن ماجه عن أنس مرفوعًا: أنه أبصر جماعة يحفرون قبرًا، فبكى حتى بل الثرى بدموعه، وقال «لمثل هذا فاستعدوا» وإسنادهما حسن، وفي الصحيح «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وروي عنه «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت» وسئل: أي الناس أكيس وأحزم؟ قال «أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادً، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف، الدنيا والآخرة» رواه ابن ماجه وغيره.стр. 1134
الحواشي
(١) ما لم يغلبه لأنه يترجم عن الشكوى، بل عليه أن يستحضر ما وعد الله الصابرين، وفإنه قال ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ويجب الصبر إجماعًا، فإن الثواب في الصائب معلق على الصبر عليها، والصبر حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك، والصبر الجميل صبر بلا شكوى إلى المخلوق، والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، بل مطلوبة شرعًا مندوب إليها اتفاقًا، وأما الرضا فمنزلة فوق الصبر، فإنه يوجب رضي الله ، ومن شكى إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعا، لقوله لجبرائيل «أجدني مغمومًا، أجدني مكروبًا» وقوله «بل أنا وارأساه» وقال له ابن مسعود: إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال «أجل كما يوعك رجلان منكم» متفق عليه، وقول أيوب ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ ونحو ذلك مما يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من المصائب، ولا يكون ذلك شكوى.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود: إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك، فإذا حمد الله تعالى، ثم أخبر بعلته، لم يكن شكوى منه، إلا أن أخبر بها تبرمًا وتسخطً، لا للاعتبار والتسلية، كقول خباب: ما لقي أحد ما لقيت. وكقول أبي هريرة عن جوعه وربطه الحجر، وإذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها فكتمانها من أعمال الله الخفية، وذكر الشيخ أن عمل القلب من التوكل وغيره واجب باتفاق الأئمة، ويحسن ظنه بالله، فصح عنه ﷺ أنه قال «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بالله» أي أن يغفر له ويرحمه، ويتدبر ما ورد من الآيات والأحاديث من كرم الله وعفوه ورحمته، وما وعد به أهل توحيده، وما يبدلهم من الرحمة يوم القيامة، وفي الصحيح «أنا عند ظن عبدي بي» زاد أحمد «إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًا فله» وقال «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرًا» .
وفي الصحيحين «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن ذكره لقاء الله كره الله لقاءه» فتأكد أن على العبد أن يحسن ظنه عند إحساسه بلقاء الله، لئلا يكره لقاء الله، ويسن لمن عنده تحسين ظنه، وتطعيمه في رحمه ربه، ويذكر له الآيات والأحاديث في الرجاء، وينشطه لذلك، وقيل بوجوبه إذا رأى منه أمارات اليأس والقنوط، لئلا يموت على ذلك فيهلك، فهو من النصيحة الواجبة، ويغلب الرجاء لقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وأما في الصحة فيغلب الخوف، ليحمله على العمل، ونص أحمد: يكون خوفه ورجاءه واحدًا، فأيهما غلب على صاحبه هلك. قال الشيخ: هذا العدل، لأن من غلب عليه الخوف أوقعه في نوع من اليأس، ومن غلب عليه الرجاء أوقعه في نوع من الأمن من مكر الله، والرجاء بحسب رحمة الله يجب ترجحيه وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد، ومن أقبح القبائح أن يكون آخر عهده من الدنيا التفريط.стр. 1135
الحواشي
(١) أي ويكره تمني الموت لضر نزل به من مرض، أو ضيق دنيا أو غير ذلك، لحديث «لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبله أن يأتيه، إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا» رواه مسلم، ولأحمد وغيره «وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، حتى يرزقه الله الإنابة» وعن بعض السلف: إن كان من أهل الجنة فالبقاء خير له، وإن كان من أهل النار فما يعجله إليها. وعن أنس «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» متفق عليه، ولهما «لا يتمنن أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب» ولما في التمني المطلق من الاعتراض ومراغمة القدر، وفي هذه الصورة ونحوها نوع تفويض وتسليم للقضاء، والمرض كفارة له، وموعظة في المستقبل.
وأما تمني الموت لضرر في الدين، أو وقوع في فتنة ونحوها فلا يكره، بل
يستحب، للحديث المشهور «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» صححه الترمذي وغيره، ولقوله ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ وقال عن مريم ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ ولعل المراد أيضًا مع عدم الضرر، لحديث عمار «اللهم بعلمك الغيب؛ وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» الحديث رواه أحمد وغيره بسند جيد، ومراد الأصحاب غير تمني الشهادة، فإنه مستحب، لا سيما عند حضور أسبابها، لما ثبت في الصحيح وغيره عنه ﷺ «من تمنى الشهادة خالصًا من قلبه، أعطاه الله منازل الشهداء» وفيه عن عمر قال: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك» .стр. 1136
ويباح التداوي بمباح (١) وتركه أفضل (٢) ويحرم بمحرم مأكول وغيره (٣) . الحواشي
(١) إجماعًا، ولا يجب عند جمهور العلماء، ولو ظن نفعه، واختار القاضي وابن عقيل وابن الجوزي وغيرهم فعله، وفاقًا لأكثر الشافعية، وعند الحنفية أنه مؤكد، حتى يدانى به الوجوب، ومذهب مالك أن التداوي وتركه سواء.(٢) هذا المشهور في المذهب، لخبر السبعين ألفًا يدخلون الجنة، ولأنه أقرب إلى التوكل، وجاءت الأحاديث بإثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، قال الشيخ: ينبغي أن يعلق الرجاء بالله لا بمخلوق، ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله شرك، وإن كان الله جعل لها أسبابًا، فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والقدح في الأسباب بالكلية قدح في الشرع.(٣) وهو مذهب جماهير العلماء، لما في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» ورواه ابن حبان وغيره مرفوعًا، ولأبي داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا «إن الله أنزل الدواء وأنزل الداء، وجعل لكل داء دواء، ولا تداووا بحرام» ولأحمد والترمذي وغيرهما عنه: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء بالخبيث. وفي صحيح مسلم وغيره في الخمر «إنه ليس بدواء ولكنه داء» فهي أم الخبائث، وحسم الشارع عن قربانها، حتى في تناولها على وجه التداوي.
ويحرم التداوي بـ «سم» ، لقوله ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وفي بعض ألفاظ حديث النهي عن الدواء بالخبيث: يعني السم. فإن كان الداء مسمومًا، وغلبت منه السلامة، ورجي نفعه أبيح، لدفع ما هو أعظم منه، كغيره من الأدوية، وكذا نبات فيه سمية إن غلبت السلامة مع استعماله، ويدخل فيما تقدم ترياق فيه لحوم حيات، أو خمر أو ضفدع، وقد نهى النبي ﷺ عن قتل الضفدع لذلك، وكتب عمر إلى خالد بن الوليد، وكان قد بلغه أنه يتدلك بالخمر، فقال: إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنها، وقد حرم مس الخمر، كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم، فإنها نجسة.
وقال شيخ الإسلام في التداوي بالتلطخ به ثم يغسله بعد ذلك: الصحيح أنه يجوز للحاجة، كما يجوز استنجاء الرجل بيده، وإزالة النجاسة بيده، وكلبس الحرير للتداوي به، لا ما أبيح للضرورة، كالمطاعم الخبيثة، فلا يجوز التداوي بها. وذكر الدليل والتعليل في غير موضع، وجوز هو وغيره الاكتحال بميل الذهب والفضة للحاجة.
ولا بأس بالحمية، وهي منع المريض من تناول ما يضره، وتحرم التميمة، وهي عوذ أو خرز أو خيوط ونحوها يتعلقها، لقوله «من تعلق تميمة فلا أتم الله له» ، وفي رواية «من تعلق تميمة فقد ِأشرك» وذلك لما فيها من تعلق القلب على غير الله، في جلب نفع، أو دفع ضر، فكان شركًا من هذه الحيثية، ولا بأس بكتب قرآن ذكر في إناء ثم يسقى فيه مريض وحامل لعسر الولد.стр. 1137
............................................................
стр. 1138
من صوت ملهاة وغيره (١) ويجوز ببول إبل فقط، قاله في المبدع (٢) ويكره أن يستطب مسلم ذميًا، لغير ضرورة (٣) وأن يأخذ منه دواءً لم يبين له مفرداته المباحة (٤) . الحواشي
(١) الملهاة بكسر الميم آلة اللهو، كالعود والطنبور والطبل ونحو ذلك، وغير صوت الملهاة كسماع الغناء المحرم، وأما السماع الطيب فهو طيب الأنفس، وراحة القلوب، وغذاء الأرواح، ومن أجل الطب الروحاني، وسبب السرور، ويقوى أفعال القوى، ويدفع أمراضًا ويخصب أبدانًا، ويلائم أصحاب العلل، وأنفعه سماع كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ، مما ثبت عنه في الرقائق، وأبيات موزونة في الزهد، وقال ابن القيم وغيره: وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه، وصلاحه وتقوية أرواحه وقواه بالصدقة، وفعل الخير والإحسان، والإقبال على الله والدار الآخرة، فليس بطبيب، ومن أعظم العلاج فهو الخير والإحسان، والذكر والدعاء، والتضرع إلى الله، والتوبة، وتأثيره أعظم من الأدوية، لكن بحسب استعداد النفس وقبولها.(٢) أي ويجوز التداوي ببول إبل فقط، لا غيره مما أكل لحمه، ونقل جماعة: يجوز ببول ما أكل لحمه، قياسًا على الإبل، وتقدم أمره العرنين أن يشربوا من أبوالها وألبانها.(٣) أي يكره أن يستوصف مسلم ذميًا أو يطلب منه مداواته، ولا يأمنه وقد خونه الله، إلا لضرورة نزلت به، أما إذا كان بحال ضرورة فلا كراهة، فإن الضرورة تبيح المحظور.(٤) من أي جنس من أجناس الأدوية المركبة، وذلك لئلا يجعل في نحو معاجين يكون منها نحو خمر.стр. 1139
و (تسن عيادة المريض) (١) . الحواشي
(١) أي زيادة وافتقاده، من العود وهو الرجع، حكاه النووي وغيره إجماعًا لما في الصحيحين وغيرهما «خمس تجب للمسلم على أخيه» وذكر عيادة المريض، وفي لفظ «حق المسلم على المسلم» وفي الصحيح «عودوا المريض» وغير ذلك من الأحاديث، وقال شيخ الإسلام: الذي يقتضيه النص وجوب عيادة المريض، كرد السلام، وأوجبها أبو الفرج وغيره، ولعل المراد مرة، أو على الكفاية، اختاره الشيخ، والسنة تدل على أنها واجبة أو مندوبة مؤكدة، شبيهة بالواجب الذي لا ينبغي تركه، أو في حق بعض دون بعض.
وورد في فضلها آثار كثيرة: منها ما رواه مسلم وغيره «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في مخرفة الجنة» أي يخترف من ثمارها «حتى يرجع» وورد عن نحو عشرة من الصحابة مرفوعًا «من عاد مريضًا خاض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته» وللترمذي أنه قال «من عاد مريضًا نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً» ويسن أكثر من مرة إجماعًا، لقصة سعد، ومن كل مرض، ولو من وجع ضرس، أو رمد، أو دمل ونحوه، وكان ﵊ يعود من الرمد، وغيره، رواه أبو داود وغيره، ولو عدوًا، ومن لا يعرفه، وكذا ذمي قريب، أو جار ونحوهما، ومن يرجى إسلامه.
ونص أحمد: لا يعاد المبتدع. وعنه الداعية فقط، وفي النوادر: تحرم عيادة المبتدع، ومن جهر بالمعصية، ومن فعل بحيث يعلم جيرانه ولو في داره فمعلن، والمستتر من لا يعلم به غالبًا، إما لبعده أو نحوه، غير من حضره، واعتبر الشيخ المصلحة في ذلك، وقال في عيادة النصراني: لا بأس بها، فإنه قد يكون في ذلك مصلحة، لتأليفه على الإسلام، اهـ. وعاد النبي ﷺ غلامًا له يهوديًا فأسلم، وعاد عمه وهو مشرك، ولا تكره عيادة رجل لامرأة غير محرم، لقصة أبي بكر مع أم أيمن وغيرها، إلا مع خوف الفتنة.стр. 1140
والسؤال عن حاله، للأَخبار (١) ويغب بها (٢) وتكون بكرة وعشيًا (٣) . الحواشي
(١) نحو: كيف حالك؟، وكيف تجدك؟. وكان ﵊ يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله، ويقول «كيف تجدك؟» ويسأل عما يشتهيه، ويخبره المريض بما يجده، بلا شكوى، الحديث بشر بن الحارث، ولما بلغ أحمد قال: أجد كذا، أجد كذا.(٢) أي بالعيادة وروي «أغبوا في عيادة المريض، وأربعوا» يقول: عد يومًا ودع يومًا، أو دع يومين وعد اليوم الثالث، أي لا تعودنَّ في كل يوم، لما يجده من ثقل العواد.
وصوب في الإنصاف اختلافه باختلاف حال الناس، وقطع به ابن عبد القوي وغيره فنحو القريب والصديق ممن يستأنس به المريض، أو يشق عليه عدم رؤيته كل يوم، يسن لهم المواصلة، ما لم يفهموا أو يعلموا كراهية، ومراد الأصحاب في الجملة.
شعرًا:
لا تضجرن عليلاً في مسائله ... إن العيادة يوم بين يومين
بل سله عن حاله وادع الإله له ... واجلس بقدر فواق بين حلبين
من زار غبًا أخًا دامت مودته ... وكان ذاك صلاحًا للخليلين(٣) أي في أول النهار أو آخره، فالواو هنا بمعنى «أو» قال أحمد عن وسط النهار: ليس هو موضع عيادة. وفي رمضان ليلاً، لأنه أرفق بالعائد، وقال ابن القيم وغيره: لم يخص ﷺ يومًا من الأيام، ولا وقتًا من الأوقات بعيادة، بل شرع لأمته ذلك ليلاً ونهارًا، وفي سائر الأوقات. اهـ. وتكون العيادة من أول المرض لخبر «إذا مرض فعده» ولا يطليل الجلوس عنده في الجملة، بل يختف باختلاف الزائر، أو يعمل بالقرائن، وظاهر الحال.стр. 1141
ويأخذه بيده، ويقول: لا بأس طهور إن شاء الله تعالى. لفعله ﵇ (١) وينفس له في أَجله، لخبر رواه ابن ماجه عن أبي سعيد (٢) فإن ذلك لا يرد شيئًا (٣) ويدعو له بما ورد (٤) . الحواشي
(١) رواه البخاري عن ابن عباس ﵄، قال: كان إذا دخل على من يعوده قال «لا بأس طهور إن شاء الله» وربما قال «كفارة وطهور» .(٢) ولفظه «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله» ورواه الترمذي وغيره، فيهون عليه مما هو فيه.(٣) أي من القضاء والقدر، ولا بأس عليكم بتنفيسكم، وإنما هو تطييب لنفسه، وإدخال للسرور عليه، وتخفيف لما يجده من الكرب، وقيل لهارون وهو عليل: هون عليك، وطيب نفسك، فإن الصحة لا تمنع من الفناء، والعلة لا تمنع من البقاء. فقال: والله لقد طيبت نفسي، وروحت قلبي.(٤) فإنه ﷺ يدعو للمريض ثلاثًا، كما قال لسعد «اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا» رواه مسلم، وكان أحيانًا يضع يده على جبهة المريض، ثم يمسح صدره وبطنه، ويقول «اللهم اشفه» وكان يمسح بيده اليمنى على المريض ويقول «أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» أخرجاه، ولأحمد وأبي داود وغيرهما «ما من مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يشفيك. إلا عوفي» وعن أبي سعيد أن جبرائيل عاد النبي ﷺ فقال «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل شر أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك» رواه مسلم.
وكان ﷺ يرقي من به قرحة، أو جرح أو شكوى، فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها، ويقول «بسم الله بتربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى
سقيمنا، بإذن ربنا» أخرجاه، ويستحب أن يقرأ عنده فاتحة الكتاب، وسورة الإخلاص والمعوذتين، لما ثبت عنه ﷺ أنه كان ينفث على نفسه بها، وقال لعثمان بن أبي العاص «ضع يدك على الذي يألم من جسدك, وقل: باسم الله، ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته، من شر ما أجد وأحاذر» وكان ﷺ إذا أيس من المريض قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون» .стр. 1142
(و) يسن (تذكيره التوبة) لأنها واجبة على كل حال (١) وهو أحوج إليها من غيره (٢) . الحواشي
(١) من كل ذنب، وفي كل وقت، فقد يأتي الموت بغتة، ومن تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح، والاستغفار بين يدي ربه، ليلقاه طاهرًا مطهرًا من كل ذنب، فيقدم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًا عنه، وتتأكد في حق المريض، والتوبة الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزيمة على أن لا يعود، والتوبة من ظلم الناس برد أموالهم، وتحللهم من أعراضهم، وإلا فالأمر إلى الله، ولا بد للمظلوم من الانتصاف يوم القيامة، ومن لم يتمكن فليكثر من فعل الخير ليرجح ميزان الحسنات، ومن تاب توبة عامة كانت مقتضية لغفران الذنوب كلها، وإن لم يستحضر أعيان الذنوب، إلا أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب عنه، لقوة إرادته إياه، أو لاعتقاده أنه حسن.(٢) لنزول مقدمات الموت به، قال ﷺ «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» أي تبلغ روحه إلى حلقه، فإن قرب الموت لا يمنع من قبولها، بل المانع مشاهدة الأهوال التي يحصل العلم عندها على سبيل الاضطرار، فلا تقبل توبة اليائس، بجامع عدم الاختيار، وخروج النفس من البدن، وينبغي له أن يحرص
على تحسين خلقه، والاشتغال بنفسه، وما يعود عليه، وأن يجتنب المخاصمة، والمنازعة في أمور الدنيا، وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار العمل، فيختمها بخير، ويستحل أهله وجيرانه، ومن بينه وبينه معاملة، ويوصي أهله بالصبر عليه، والدعاء له، ويجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال.стр. 1143
(والوصية) (١) لقوله ﵇ «ما حق امرئٍ مسلم له شيءٌ يوصي به، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» متفق عليه عن ابن عمر (٢) . الحواشي
(١) أي ويسن أن يذكر المريض الوصية، ويرغبه فيها، ولو كان مرضه غير مخوف، لأن ذلك مطلوب حتى من الصحيح، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوصية، والجمهور على استحبابها، وهذا في المتبرع بها، وأما الوصية بأداء الديون ورد الأمانات فواجب عليه.(٢) وفي رواية «ليلة» وفي رواية «ثلاثًا» أي ليس الحزم والاحتياط والمعروف شرعًا لامرئ إلا ذلك، و «ما» نافية، وجملة «له شيء» صفة «امرئ» وجملة «يوصي به» صفة لشيء، وجملة «يبيت ليلتين» خبر، وجملة «ووصيته» الخ، حال، والمعنى لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً، في حال من الأحوال، إلا أن يبيت بهذه الحال، وهي أن تكون وصيته مكتوبة عنده، وذكر الليلتين تأكيد لا تحديد، فلا ينبغي أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً إلا ووصيته مكتوبة عنده، لأنه لا يدري متى يدركه الموت، قال الشيخ: وقد روي «من مات ولم يوص لا يستطيع الكلام» ويعتمد على الله فيمن يحب من بنيه وغيرهم، ويراه أهلاً، ويوصي بقضاء ديونه، وتفرقة وصيته، ونحو غسله، والصلاة عليه، وعلى غير بالغ رشيد من أولاده للأرجح في نظره، أمانة، وعدالة، وإصلاحًا، من قريب أو أجنبي، لأنه المصلحة، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على استحباب الوصية لمن له أو عليه ما يفتقر إلى الإيصاء به، من أمانة وضيعة وغير ذلك مع الصحة، وعلى تأكدها مع المرض.стр. 1144
(وإذا نُزل به) أي نزل به ملك الموت لقبض روحه (١) (سن تعاهد) أرفق أهله وأتقاهم لربه بـ (بل حلقه بماءٍ أو شراب (٢) وندي شفتيه) بقطنة (٣) لأن ذلك يطفئُ ما نزل به من الشدة (٤) ويسهل عليه النطق بالشهادة (٥) (ولقنه لا إله إلا الله) (٦) . الحواشي
(١) وأيس من حياته، وظهر عليه علامات الموت، وخروج الروح، والروح هنا في النفس الناطقة المستعدة للبيان، وفهم الخطاب، ولا تفني بفناء الجسد.(٢) أي تعاهد ورعاية ألطف أهله، من والد وولد وقريب، وأتقاهم وأحناهم، وأعرفهم بمداراة المريض، فيجرع الماء أو الشراب ندبًا، بل وجوبًا إن ظهرت أمارة تدل على احتياجه له، كأن يهش إذا فعل به ذلك، لأن العطش يغلب حينئذ، لشدة النزع، وأجمع العلماء على وجوب الحضور عنده، لتذكيره وتأنيسه، وتغميضه والقيام بحقوقه، ويستحب لأهل المريض ومن يخدمه الرفقُ به، واحتمال الصبر على ما يشق من أمره، وكذا من قرب موته بسبب حد أو قصاص أو نحوهما، لقوله ﵊ لولي التي زنت «أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها» .(٣) أي بل شفتيه عند نشافهما بقطنة.(٤) أي لأن تعاهد بل حلقه وشفتيه يبرد ما نل به من شدة النزع، قال في الإنصاف: بلا نزاع.(٥) لأن تعاهده بذلك يسهل عليه التلفظ بلا إله إلا الله.(٦) أي ويسن إجماعًا لقنه، بفتح فسكون، يعني أي تذكيره عند الاحتضار بكلمة الإخلاص ليموت عليها فتنفعه بحصول ما وعده الله عليها، ولأن تلك الحالة يتعرض فيها الشيطان لإفساد اعتقاد الإنسان، فيحتاج إلى مذكر له ومنبه على التوحيد، ولفعله ﷺ ، والمراد ختم كلامه بلا إله إلا الله،
فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلا أنجاه الله من النار، وروي من حديث عطاء عن أبيه عن جده «من لقن عند الموت لا إله إلا الله. دخل الجنة» ، واقتصر عليها لأنه يلزم من قولها الاعتراف بأن محمدًا رسول الله.стр. 1145
لقوله ﵇ «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» رواه مسلم عن أبي سعيد (١) (مرة، ولم يزد على ثلاث) لئلا يضجره (٢) . الحواشي
(١) ورواه أحمد وأهل السنن، ولمسلم عن أبي هريرة بمثل حديث أبي سعيد، وصرح المناوي وغيره بتواتره، والتلقين سنة مأثورة لهذا الخبر وغيره، عمل بها المسلمون، وأجمعوا عليها، وعلى جميع القيام بحقوقه، وعن معاذ مرفوعًا «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه أحمد وغيره، ولمسلم «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» وله أيضًا: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله؛ ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة» وروى غيره نحو ذلك من طرق كثيرة، وروى سعيد عن معاذ بن جبل مرفوعًا «من كان آخر قوله عند الموت: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. هدمت ما كان قبلها من الخطايا والذنوب، فلقنوها موتاكم» فقيل: فكيف هي للأحياء؟ قال «أهدم وأهدم» واستفاض من غير وجه في الصحيحين وغيرهما، أن قول لا إله إلا الله من موجبات دخول الجنة، من غير تقييد بحال الموت، فبالأولى أن توجب ذلك إذا كان في وقت لا تعقبه معصية، وقوله «موتاكم» أي من قرب منه الموت، سماه ميتًا باعتبار ما يؤول إليه، كقوله «من قتل له قتيل» .(٢) ولا يقال له: قل، بل يتشهده عنده، ولا يكثر التكرار، وكره أهل العلم الإكثار عليه، والموالاة، لئلا يضجره، فيقول: لا أقول. أو يتكلم بغيرها مما لا يليق، لضيق حاله، وشدة كربه، أو يكره ذلك بقلبه، وقال ابن المبارك مع ورعه لمن أكثر عليه: إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم. والجمهور على تلقينه مرة، وذكره في الفروع اتفاقًا.стр. 1146
(إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه) ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله (١) ويكون (برفق) أي بلطف ومداراة (٢) لأنه مطلوب في كل موضع، فهنا أولى (٣) (ويقرأُ عنده) سورة (يس) (٤) لقوله ﵇ «اقرؤا على موتاكم سورة يس» رواه أبو داود (٥) . الحواشي
(١) وتقدم «أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» وكذا إن لم يجب أعاد تلقينه، ليكون آخر كلامه الشهادة، وفي قصة وفاة أبي طالب: فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه.(٢) لئلا ينفر، ذكره النووي وغيره إجماعًا.(٣) أي اللطف والمداراة لما نزل به، ويسره برفق، لأنه مشغول بما هو فيه، فربما حصل له التأذي به إذا كان بعنف، وينبغي أن لا يلقنه من يتهمه، لكونه وارثًا، أو عدوًا أو حاسدًا ونحوهم، واستحب الشيخ وغيره تطهير ثيابه قبل موته.(٤) بسكون النون على الحكاية، واستحب شيخ الإسلام وغيره قراءتها عند المحتضر.(٥) ورواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان، وقال: أراد من حضرته المنية، لا أن الميت يقرأ عليه كذلك. وذكر ابن القيم رواية «عند موتاكم» أي من حضره الموت منهم، لأن الميت لا يقرأ عليه، وقال الشيخ: القراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر، فإنها تستحب بـ (يس) وقيل: الحكمة في قراءتها اشتمالها على أحوال القيامة وأهوالها، وتغير الدنيا وزوالها، ونعيم الجنة وعذاب جهنم، فيتذكر بقراءتها تلك الأحوال الموجبة للثبات، قال الشيخ: وعرض الأديان عند الموت، ليس عامًا لكل أحد، ولا منفيًا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان، ومنهم من لا تعرض عليه، وذلك كله من فتنة المحيا، والشطيان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم وقت الموت.стр. 1147
ولأَنه يسهل خروج الروح (١) ويقرأُ عنده أيضًا الفاتحة (٢) (ويوجهه إلى القبلة) (٣) لقوله ﵇ عن البيت الحرام «قبلتكم أَحياءً وأَمواتًا» رواه أبو داود (٤) وعلى جنبه الأّيمن أَفضل إن كان المكان واسعًا (٥) وإلا فعلى ظهره مستلقيًا، ورجلاه إلى القبلة (٦) . الحواشي
(١) أي لأن قراءة (يس) عند المحتضر يسهل عليه خروج الروح، لما فيها من ذكر تغير الدنيا، وزوالها وغير ذلك.(٢) لفضلها، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ لفضلها أيضًا، وورد أنها المنجية من عذاب القبر. وقال أحمد: يقرأ عند الميت إذا حضر، ليخفف عنه بالقرآن.(٣) قبل النزول به وتيقن موته، لأنه الذي عليه الناس، خلفًا عن سلف، وقال بعضهم: لا يوجه قبل النزول به، وتيقن موته، وبعد تيقن الموت يوجه إجماعًا.(٤) ولحديث أبي قتادة أخرجه البيهقي وغيره، وأوضح منه قصة البراء بن معرور في إيصائه أن يوجه إلى القبلة، فقال رسول الله ﷺ «أصاب السنة» رواه الحاكم والبيهقي وغيرهما، وروي عن حذيفة أنه أمر أصحابه عند موته أن يوجهوه إلى القبلة، وكذا روي عن فاطمة وغيرها.(٥) أي لتوجيهه على جنبه، للأدلة على توسد اليمين عند النوم، فإنه ينبغي أن يكون المحتضر كذلك، وهو مذهب الجمهور مالك وأبي حنيفة ووجه للشافعية.(٦) أي وإن لم يكن المكان واسعًا لتوجيهه على جنبه، بل ضاق عن ذلك، فعلى ظهره مستلقيًا، ورجلاه إلى القبلة، كوضعه على مغتسله، وعنه: يوجه مستلقيًا على قفاه، سواء كان المكان واسعًا أو ضيقًا، اختاره أكثر أصحاب الأئمة وغيرهم، لأنه أيسر لخروج الروح، ولتغميضه، وشد لحييه، وأمنع من تقويس أعضائه، قال الموفق وغيره: ويحتمل أن يجعل على ظهر بكل حال.стр. 1148
ويرفع رأسه قليلاً، ليصير وجهه إلى القبلة (١) (فإذا مات سن تغميضه) (٢) لأّنه ﵇ أَغمض أَبا سلمة، وقال «إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» رواه مسلم (٣) ويقول: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله ﷺ (٤) ويغمض ذات محرم وتغمضه (٥) وكره من حائض وجنب (٦) . الحواشي
(١) دون السماء، قاله جماعة، ولعله ما لم يشق.(٢) إجماعًا، للخبر، لا قبله، فذكر أبو داود أن أبا ميسرة غمض جعفرًا المعلّم في حالة الموت فرآه في منامه يقول: أعظم ما كان علي تغميضك لي قبل الموت، ومات الإنسان يموت ويمات، فهو مَيَّت ومَيْت، إذا فارقت روحه جسده.(٣) أول الحديث «إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فلا تقولوا إلا خيرًا» أي فلا يتكلم من حضره إلا بخير، ولأحمد عن شداد مرفوعًا «إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت» ولأنها إذا لم تغمض بقيت مفتوحة، فيقبح منظره، ويساء به الظن، ويقال: أغمض عينيه وغمضها، لغتان، وفي قصة أبي سلمة قال ﷺ «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه» فينبغي أن يقال مثل ذلك.(٤) يعني حال تغميضه، نص عليه، لما رواه البيهقي وغيره، عن بكر بن عبد الله المزني، ولفظه: وعلى ملة رسول الله ﷺ .(٥) كأمه وأخته وأم زوجته، وأخته من رضاع، وكأبيها وأخيها، وظاهره لا يباح لغير محرم، ولعله إن أدى إلى لمسه، أو نظر ما لا يجوز، ممن لعورته حكم.(٦) أي كره تغميض الميت من حائض أو جنب، نص عليه، وكره أن يقرباه
لعدم دخول الملائكة البيت الذي فيه جنب، وقيس الحائض على الجنب بجامع العذر.стр. 1149
وأن يقرباه (١) ويغمض الأنثى مثلها أو صبي (٢) (وشد لحييه) لئلا يدخله الهوام (٣) (وتليين مفاصله) ليسهل تغسيله (٤) فيرد ذراعيه إلى عضديه، ثم يردهما إلى جنبيه ثم يردهما (٥) ويرد ساقيه إلى فخذيه، وهما إلى بطنه، ثم يردهما، ويكون ذلك عقب موته، قبل قسوتها (٦) فإن شق ذلك تركه (٧) . الحواشي
(١) لتحضره الملائكة، وحكى ابن المنذر الإجماع جوازه، ولكن الأولى أن يكون المتولي والحاضر طاهرًا، لأنه أكمل وأحسن.(٢) أي يغمض الأنثى أنثى مثلها، أو صبي لم يبلغ الحلم.(٣) أي ويسن إذا مات شد لحييه، بعصابة ونحوها، تجمع لحييه ويربطها فوق رأسه، وعن عمر لما حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله: إذا رأيت روحي بلغت لهاتي، فضع كفك اليمنى على جبهتي، واليسرى تحت ذقني. ولئلا يبقى ذقنه مفتوحًا, ويتشوه خلقه، وتدخله الهام، أو الماء وقت غسله.(٤) أي وينبغي تليين مفاصل أعضاء يديه ورجليه، جمع مفصل، ويكون عقب موته، قبل قسوتها، لبقاء الحرارة في البدن عقب الموت، فإنها إذا ألينت المفاصل حينئذ لانت، فسهل تغسيله، ولا يمكن تليينها بعد برودته.(٥) ويرد أصابع يديه إلى كفيه ثم يبسطهما.(٦) وبرودة أعضائه، فلا تلين عند الغسل.(٧) أي فإن شق تليين مفاصله على ما تقدم، تركه، للأمر بالرفق بهстр. 1150
(وخلع ثيابه) لئلا يحمي جسده فيسرع إليه الفساد (١) (وستره بثوب) (٢) لما روت عائشة أن النبي ﷺ حين توفي سجي ببرد حبرة، متفق عليه (٣) وينبغي أن يعطف فاضل الثوب عند رأْسه ورجليه، لئلا يرتفع بالريح (٤) (ووضع حديدة) أو نحوها (على بطنه) (٥) . الحواشي
(١) ويتغير بدنه بسببها، وربما خرجت منه نجاسة فلوثتها، واحترامًا له، وصونًا له عن الهوام.(٢) أي ويسن ستر وجهه وسائر بدنه بثوب، إجماعًا.(٣) وكانت وفاته ﷺ يوم الاثنين، لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة عشر من هجرته صلوات الله وسلامه عليه، ودفن ليلة الأربعاء ﷺ تسليمًا كثيرًا، و «سجي» بضم السين وشد الجيم المكسورة، أي غطي جميع بدنه، قال الجوهري: سجيت الميت تسجية، إذا مددت عليه ثوبًا. وحكمته صيانته من الانكشاف، وستر عورته المتغيرة عن الأعين، والتسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها، والبرد أكسية معروفة، أو ثوب مخطط، والحبرة بكسر الحاء وفتح الباء، ثوب فيه أعلام، أي مخطط ومحسن.(٤) وعلل الشافعية بأن لا ينكشف.(٥) أي ويسن وضع حديدة كمرآة وسيف وسكين ونحوها، كقطع طين على بطنه، فوق ثوبه المسجي به، وهو مستلق على ظهره، وقال ابن عقيل وغيره: هذا لا يتصور إلا وهو على ظهره، فيجعل تحت رأسه شيء عال، ليحصل مستقبلاً بوجهه القبلة، وقدموا الحديد لأنه أبلغ في دفع النفخ.стр. 1151
لقول أنس: ضعوا على بطنه شيئًا من حديد، لئلا ينتفخ بطنه (١) (ووضعه على سرير غسله) لأنه يبعد عن الهوام (٢) (متوجهًا) إلى القبلة، على جنبه الأيمن (٣) (منحدرًا نحو رجليه) أي أن يكون رأسه أعلى من رجليه، لينصب عنه الماء وما يخرج منه (٤) (وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأَة) (٥) لقوله ﵇: «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» رواه أبو داود (٦) . الحواشي
(١) فيقبح منظره، رواه البيهقي وغيره، ولفظه: أنه مات مولى لأنس، عند مغيب الشمس، فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدًا. وقدر بعضهم ما يوضع على بطنه بقدر عشرين درهمًا، ويصان عنه مصحف، وكتب حديث وفقه ونحوهما.(٢) ويرتفع عن نداوة الأرض، لئلا يتغير بنداوتها، أو يحمي على فراش، فيتغير، فإن كانت الأرض صلبة، جاز جعله عليها، لزوال العلة وهو سرعة تغيره.(٣) لما تقدم، وتقدم أنه يوضع على ظهره مستلقيًا.(٤) أي من الميت، لئلا ينفجر بعد، ويستحب أن يلي ذلك منه أرفق الناس به بأرفق ما يقدر عليه.(٥) أي يسن إسراع في تجهيزه، من غسل وتكفين وصلاة ودفن إجماعًا، فإن مات فجأة انتظر به من غدوة إلى الليل، نص عليه، وقال القاضي: يومين أو ثلاثة، ما لم يخف فساده، والفجاءة بضم الفاء والمد وكتمرة: الموت بغتة، من غير تقدم سبب من مرض وغيره، وتيقن موته أو من غير مرض ولا نزع ونحوه.(٦) وعن علي نحوه، رواه أحمد وغيره، ويشهد له أيضًا أحاديث الإسراع بالجنازة، ولأنه أحفظ له، وأصون من التغير، قال أحمد: كرامة الميت تعجيله،
وأول الحديث «ما أراه إلا قد حدث فيه الموت، فإذا مات فآذنوني، حتى أصلي عليه، وعجلوا به، فإنه لا ينبغي» الخ.стр. 1152
ولا بأْس أن ينتظر به من يحضره، من وليه أو غيره، إن كان قريبًا، ولم يخش عليه، أو يشق على الحاضرين (١) فإن مات فجأَة (٢) أَو شك في موته انتظر به حتى يعلم موته، بانخساف صدغيه (٣) وميل أنفه، وانفصال كفيه (٤) . الحواشي
(١) نص عليه، لما يؤمل من الدعاء له إذا صلي عليه، ويباح إعلام الناس بموت قريبهم، للمبادرة لتهيئته، وشهود جنازته، والصلاة عليه وغير ذلك، بخلاف نعي الجاهلية، وهو النداء بموت الشخص، وذكر مآثره ومفاخره، قال ابن العربي وغيره: يؤخذ من مجموع الأحاديث في النعي ثلاث حالات، إعلام الأقارب والأصحاب وأهل الصلاح، فسنة، ودعوة الحفل للمفاخرة فتكره، والإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فتحرم اهـ. ونعي النبي ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه، ونعى الأمراء، «ونعى الميت» أخبر بموته، والنعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، يرسلون من يعلن بخبر موت الميت، على أبواب الدور والأسواق.(٢) أي بغتة بسبب صعقة أو هدم أو حرق، أو خوف من حرب أو سبع أو ترد من جبل، أو في بئر أو نحو ذلك، وكذا المطعون والمبطون، ونحوهم، انتظر به حتى يتيقن موته، بالعلامات الدالة عليه، لئلا يكون مغنى عليه، أو انطبق حلقه، أو غلب المرار عليه، أو غير ذلك.(٣) وغيبوبة سواد عينيه في البالغين، وهو أقواها، والصدغ ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن، مثل قفل.(٤) أي انخلاعهما من ذراعيه، بأن تسترخي عصبة اليد، فتبقى كأنها منفصلة في جلدتها عن عظم الزند.стр. 1153
واسترخاء رجليه (١) (وإنفاذ وصيته) لما فيه من تعجيل الأَجر (٢) (ويجب) الإسراع (في قضاءِ دينه) (٣) . الحواشي
(١) أي لينها واسترسالها، بعد خروج الروح لصلابتها قبله، وكذا امتداد جلدة وجهه، وجلدة خصيتيه لانشمارهما بالموت، وأوضح علامات موته تغير رائحته، ولا ريب أن هذه العلامات دالة على موته يقينًا، ووجه تأخير من مات فجأة، أوشك في موته احتمال أن يكون عرض له سكتة ونحوها، وقد يفيق بعد يوم أو يومين أو ثلاثة، وقد يعرف موت غير الفجأة بهذه العلامات أيضًا وغيرها، وموت الفجأة أشق، وفيه أثر، ولأحمد، قال: أكره موت الفوات، ولعله لما فيه من خوف حرمان الوصية، وفوات الاستعداد للمعاد، بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة، وعن عائشة وابن مسعود: موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر. وذكر المدائني: أن الخليل وجماعة من الأنبياء ماتوا فجأة، قال: وهو موت الصالحين، وهو تخفيف على المؤمنين، وقد يقال: إنه لطف ورفق بأهل الاستعداد للموت، وغضب ممن له تعلقات يحتاج إلى إيصاء وتوبة، وفي الخبر «المحروم من حرم وصيته» فينبغي لولده أن يستدرك من أعمال البر ما أمكنه، مما يقبل النيابة.
وينبغي أن لا يترك الميت في بيت وحده، قال الآجري فيمن مات عشية: يكره تركه في بيت وحده، بل يبيت معه أهله. وقال النخعي: كانوا لا يتركونه في بيت وحده، يقولون: يتلاعب به الشيطان.(٢) وقدمها تعالى على الدين حثًا على إخراجها لم أشبهت الميراث، في كونها بلا عوض، وكان في إخراجها مشقة على الوارث، ولذلك جيء بكلمة «أو» التي تقتضي التسوية، فاستويا في الاهتمام، وعدم التضييع، وإن كان الدين مقدمًا عليها.(٣) وما فيه إبراء ذمته، قبل الصلاة عليه، لتركه ﵊ الصلاة على من عليه دين، وقوله «صلوا على صاحبكم» فإن تعذر قضاء دينه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل عنه، لئلا يحبس على دينه.стр. 1154
سواءٌ كان لله تعالى أو لآدمي (١) لما روى الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه عن أبي هريرة مرفوعًا: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (٢) ولا بأس بتقبيله والنظر إليه، ولو بعد
تكفينه (٣) . الحواشي
(١) أي سواء كان الدين على الميت لله تعالى، من زكاة أو حج أو نذر طاعة أو كفارة ونحو ذلك، أو كان لآدمي، كرد أمانة وغصب وعارية وغير ذلك، وسواء أوصى بذلك أو لم يوص به، ويقدم على الوصية اتفاقًا، وإنما قدم ذكرها في القرآن لمشقة إخراجها على الوارث، فقدمت حثًا على الإخراج، لا تقديمًا لها على قضاء الدين، كما هو معروف عن رسول الله ﷺ واستمر عمل المسلمين عليه.(٢) أي مطالبه بما عليه، ومحبوسة عن مقامها، حتى يقضى عنه، والنفس لها ثلاث معان (أحدها) بدنه، (الثاني) الدم في جسد الحيوان، (الثالث) الروح الذي إذا فارق البدن لم يكن بعده حياة، وهو المراد بالنفس في هذا الحديث. ولأحمد عن سمرة «إن صاحبكم محتبس على باب الجنة في دين عليه» أي حتى يقضي عنه وارثه ونحوه، ففيه الحث على إسراع قضائه، ولحديث: قضى النبي ﷺ بالدين قبل الوصية. وهو مقيد بمن له مال يقضى منه دينه، ومن لا مال له ومات عازمًا على القضاء فقد ورد أحاديث تدل على أن الله يقضي عنه بل محبته لقضائه موجبة لقضاء الله عنه، وأن يقضي عنه من بيت مال المسلمين.(٣) ممن يباح له ذلك في حال الحياة، نص عليه، لحديث عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يقبل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل. وقال جابر: لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه، وأبكي، والنبي ﷺ لا ينهاني. قال الشارح وغيره: والحديثان صحيحان. ولتقبيل أبي بكر للنبي ﷺ ولم ينكر، فكان إجماعًا.стр. 1155
فصل (١)
(غسل الميت) المسلم (٢) (وتكفينه) فرض كفاية (٣) لقول النبي ﷺ في الذي وقصته راحلته «اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه» متفق عليه عن ابن عباس (٤) (والصلاة عليه) فرض كفاية (٥) . الحواشي
(١) في غسل الميت وما يتعلق به.(٢) مرة، أو ييمم لعذر من عدم الماء، أو عجز عن استعماله لخوف نحو تقطع أو تهرّ، فرض كفاية إجماعًا، على من علم به وأمكنه، وخالف بعض المالكية، ورد ابن العربي وغيره على من لم يقل به، وقد توارد به القول والعمل، وغُسَّلَ الطاهرُ فكيف بمن سواه، وهو حق لله تعالى، فلو أوصى بعدمه لم يسقط، وإن لم يعلم به إلا واحد تعين عليه، وكذا جار بقربه.(٣) بإجماع المسلمين على كل من أمكنه، على ما تقدم في تغسيله، وقد تواتر به القول والعمل، كما قاله ابن العربي وغيره.(٤) وأول الحديث: بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة، إذا وقع عن راحلته فأوقصته، أي ألقته عن ظهرها، والوقص كسر العنق، فقال «اغسلوه» الخ، وأجمعوا على وجب تغسيله بالماء مع القدرة، وعلى استحباب جعل سدر في الماء، وعلى وجوب التكفين، كما هو نص الخبر وغيره، و «ثوبيه» إزاره ورداؤه.(٥) بإجماع المسلمين.стр. 1156
لقوله ﵇: «صلوا على من قال لا إله إلا الله» رواه الخلال والدارقطني، وضعفه ابن الجوزي (١) (ودفنه فرض كفاية) (٢) لقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ قال ابن عباس: معناه أكرمه بدفنه (٣) وحمله أيضًا فرض كفاية (٤) وإتباعه سنة (٥) وكره الإمام للغاسل أخذ أجرة على عمله إلا أن يكون محتاجًا، فيعطى من بيت المال (٦) . الحواشي
(١) وله طرق لا تخلو من مقال، وهو عند أبي نعيم وغيره، ومن قال: لا إله إلا الله. عالمًا بمعناها، عاملاً بمقتضاها، فهو مسلم، وهو إجماع، ويصلي عليه، ولو أصاب شيئًا من المعاصي دون الشرك، ويأتي.(٢) إجماعًا، وتقدم معنى فرض الكفاية أنه من فعله من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم.(٣) ولم يجعله ملقى للسباع والطيور، وهذا مكرمة لبني آدم، دون سائر الحيوانات. وقال تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ وقد أرشد الله قابيل إلى دفن أخيه هابيل ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ فكانت سنة في سائر بني آدم، ويذكر أن الغراب وكثيرًا من السباع إذا أحس بالموت غيب جثته، في مكان لا يطلع عليه غالبًا. ولأن في ترك جثة ابن آدم أذى للناس، وهتكًا لحرمته، فوجب دفنه، قال الموفق وغيره: لا نعلم فيه خلافًا.(٤) إجماعًا، لأنه وسيلة لدفنه، والوسائل لها حكم الغايات.(٥) ويأتي الندب إليه.(٦) لأنه لمصالح المسلمين، وهذا منها، والظاهر ما يختص أن يكون فاعله من أهل القربة كما يأتي في الإجارة. والغسل ليس مختصًا، لصحة الغسل من الكافر، إذا حصل مسلم ينوبه.стр. 1157
فإن تعذر أعطي بقدر عمله، قاله في المبدع (١) والأفضل أن يختار لتغسيله ثقة، عارف بأحكامه (٢) (وأولى الناس بغسله وصيه) العدل (٣) لأن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء (٤) وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين (٥) (ثم أبوه) لاختصاصه بالحنو والشفقة (٦) . الحواشي
(١) وقال في الإقناع: يكره أخذ أجرة على شيء من ذلك، يعني الغسل والتكفين والحمل والدفن، ويأتي في الإجارة أن كل عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، لا يجوز أخذ الأجرة عليه، وأما الصلاة عليه فيحرم أخذ الأجرة عليها، قولاً واحدًا.(٢) ونقل حنبل: لا ينبغي إلا ذلك. وأوجبه أبو المعالي.(٣) قال الخلوتي: يتجه ولو ظاهرًا، وظاهره ولو كان أنثى. اهـ. وكذا غير الوصي لعدم الفرق.(٤) أخرجه مالك في الموطأ، ولا نزاع في جوازه، حكاه أحمد وابن المنذر وابن عبد البر وغيرهم، ويشهد له قول عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه. رواه أحمد وغيره. وأسماء هي بنت عميس الخثعمية، أسلمت قديمًا بمكة، وهاجرت مع جعفر، ثم تزوجها بعده أبو بكر، ثم علي ﵃.(٥) الأنصاري الثقة العابد، كبير القدر المتوفي سنة عشر ومائة، ولأنه حق للميت، فقد فيه وصيه على غيره، كباقي حقوقه.(٦) أي لاختصاص الأب بالعطف والشفقة عليه، «وأشفق على الشيء» خاف عليه ووجل.стр. 1158
(ثم جده) وإن علا، لمشاركته الأب في المعنى (١) (ثم الأقرب فالأقرب من عصباته) (٢) فيقدم الابن، ثم ابنه وإن نزل (٣) ثم الأخ لأبوين، ثم الأخ لأب، على ترتيب الميراث (٤) (ثم ذووا أرحامه) كالميراث (٥) ثم الأجانب (٦) وأجنبي أولى من زوجة وأمة (٧) وأجنبية أولى من زوج وسيد (٨) . الحواشي
(١) وجاء اسمه به في الكتاب والسنة.(٢) لقوله ﵊ «ليلة أقربكم، إن كان يعلم» رواه أحمد وغيره.(٣) لقربه، ولما يأتي أن من البر أن يصلي عليه، فالتغسيل كذلك، وهو أحنى العصبة.(٤) فيقدم عم لأبوين، ثم لأب وهكذا، ثم المعتق ثم عصبته الأقرب فالأقرب.(٥) فالأخ لأم، والجد لها، والعم لها، وابن الأخت ونحوهم.(٦) ويقدم الأصدقاء منهم، ثم غيرهم الأدين، لقوله ﵊ «ليلة أقربكم إن كان يعلم، فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظًا من ورع وأمانة» رواه أحمد، ويقدم الجار على أجنبي وفاقًا، لا على صديق.(٧) للخروج من الخلاف في تغسيلهما الزوج والسيد، لكن قال النووي وغيره: إنما هي رواية عن أحمد، فإن ثبتت فمحجوج بالإجماع. اهـ. وأكثر الأصحاب لم يذكروا هذه الرواية عنه ﵏، منهم القاضي والشريف، وأبو الخطاب والشيرازي وغيرهم.(٨) خروجًا من الخلاف في منعه غسلها، وبعض الأصحاب لم يذكر خلافًا، قياسًا له عليها، ولأحمد وغيره عن عائشة: أنه ﷺ قال «ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك، وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك» .стр. 1159
زوج أولى من سيد (١) وزوجة أولى من أم ولد (٢) (و) الأولى (ب) ـغسل (أنثى وصيتها) العدل (٣) (ثم القربى فالقربى من نسائها) (٤) فتقدم أمها وإن علت (٥) ثم بنتها وإن نزلت (٦) ثم القربى كالميراث (٧) وعمتها وخالتها سواء (٨) وكذا بنت أخيها وبنت أختها، لاستوائهما في القرب والمحرمية (٩) (ولكل) واحد (من الزوجين) إن لم تكن الزوجة ذمية (غسل صاحبه) (١٠) الحواشي
(١) يعني إذا ماتت رقيقة مزوجة، فزوجها أولى بغسلها من سيدها، لإباحة استمتاعه بها، إلى حين موتها، بخلاف سيدها.(٢) أي إذا مات رجل له زوجة وأم ولد، فزوجته أولى بغسله من أم ولده، لبقاء علقة الزوجية من الإعداد والإحداد.(٣) ولو ظاهرًا، كما تقدم في الرجال.(٤) لما رواه البيهقي وغيره، عن أم سليم مرفوعًا «وليس غسلها أولى الناس بها، وإلا فامرأة ورعة» .(٥) كأم أمها وهكذا.(٦) وبنت ابنها وإن نزل.(٧) فيقدم منهن من يقدم بالإرث.(٨) لاستوائهما في الميراث.(٩) ثم الأجنبيات كما في الرجال.(١٠) فتغسل المرأة زوجها، حكاه أحمد وابن المنذر وجماعة إجماعاً، وحكاه الوزير اتفاقًا، ويغسل زوجته، وفاقًا لمالك والشافعي وجمهور العلماء، وخالف أبو حنيفة، لزوال الزوجية، والمعتمد القياس على غسلها له، واحترز عن الذمية، لأنها ليست أهلاً لغسله.стр. 1160
لما تقدم عن أبي بكر، وروى ابن المنذر أن عليًا غسل فاطمة (١) ولأن آثار النكاح من عدة الوفاة والإرث باقية، فكذا الغسل (٢) ويشمل ما قبل الدخول (٣) وأنها تغسله وإن لم تكن في عدة، كما لو ولدت عقب موته (٤) والمطلقة الرجعية إذا أُبيحت له (٥) (وكذا سيدمع سريته) أي أمته المباحة له، ولو أم ولد (٦) . الحواشي
(١) واشتهر، ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على علي وأسماء، فكان إجماعًا، وغسل أبو موسى زوجته، رواه أحمد، وأوصى جابر وعبد الرحمن ابن الأسود امرأتيهما أن تغسلاهما، رواهما سعيد، ولأحمد عن عائشة: لو استقبلت
من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه. وتقدم.(٢) أي يصير باقيًا، كبقاء آثار النكاح.(٣) أي يشمل كلام الماتن لو مات أحد الزوجين قبل الدخول، لثبوت المحرمية بالعقد.(٤) أي ولم تتزوج.(٥) أي والمطلقة الرجعية تغسل زوجها، إن قلنا مباحة، أي لم تلزمها عدة من غيره، وإلا فلا، جزم به في المغني، وأما إذا وطئت بشبهة فلا.(٦) ومدبرة ومكاتبة، ذكره جماعة، وفاقًا لجمهور العلماء، مالك والشافعي وغيرهما، وسواء شرط وطء المكاتبة أو لا، لأنه يلزمه كفنها، ومؤونة تجهيزها، قال في الفروع: ومتى جاز، نَظَرَ كل منهما غير العورة. اهـ. ولا يجوز أن يغسل الرجل أمه وابنته، وغيرهما من محارمه، وفاقًا لأبي حنيفة، وقال الموفق وغيره: هو قول أكثر أهل العلم، وأجازه مالك والشافعي عند الضرورة، وقالوا: إنه كالرجل بالنسبة إليه في العورة والخلوة، واستعظمه أحمد وغيره، ولم يعجبهم وذلك أنها محرمة حال الحياة، فكذا بعد الموت، والسرية قال الجوهري: هي الأمة التي بوأتها بيتًا، منسوبة إلى السر وهو الجماع أو الإخفاء، لأن الإنسان كثيرًا ما يسرها ويسترها عن امرأته، وضمت سينه لأن الأبنية قد تغير في النسبة خاصة، وسمي الجماع سرًا لأنه يكون في السر، وليس لآثم بقتل حق في غسل مقتول.следующие страницы →