Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
ولا نشهد إلا لمن شهد له النبي ﷺ (١) . ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهر العدالة (٢) ويستحب ظن الخير بالمسلم (٣) . الحواشي
(١) يعني بجنة أو نار، بإجماع أهل السنة والجماعة. قال الشيخ: أو تتفق الأمة على الثناء عليه، أو الإساءة، ولعله مراد الأكثر، وأنه الأكثر ديانة، وظاهر كلامه أيضًا: ولو لم تكن أفعال الميت موافقة لقولهم، وإلا لم تكن علامة مستقلة، وفي الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال «وجبت» ثم بأخرى فأثنوا عليها شرًا فقال «وجبت» فقال عمر: ما وجبت؟ قال «هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» والحديث على عمومه، فمن ألهم الناس الثناء عليه، كان دليلاً، سواء كانت أفعاله مقتضية أو لا، وهذا الإلهام يستدل به على تعيينها. اهـ.
ويشرع ثناء الناس على الميت، وهو جائز مطلقًا، بخلاف الحي على تفصيل فيه، وروى الإمام أحمد «ما من مسلم يموت، فيشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الأدنين بخير، إلا قال الله: قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا، وغفرت له ما لم يعلموا» .
وللحاكم قال: «ما هذه الجنازة؟» قالوا: جنازة فلان الفلاني، كان يحب الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها، فقال «وجبت» وقال ضد ذلك في التي أثنوا عليها شرًا، «وجبت، أنتم شهداء في أرضه، أيما مسلم شهد له أربعة، وثلاثة، واثنان بخير، أدخله الله الجنة» وفي الأثر «إذا أردتم أن تعلموا ما للميت عند الله، فانظروا ما يتبعه من حسن الثناء» قال الشيخ: وتواطؤ الرؤيا كتواطيء الشهادات.(٢) بخلاف من ظاهره الفسق، فلا حرج بسوء الظن به، وحديث «إياكم والظن» محمول على ما لم تعضده قرينة، تدل على صدقه.(٣) حيًا وميتًا، ولا ينبغي تحقيق ظنه في ريبة، وعلم منه أنه لا حرج بظن السوء لمن ظاهره الشر.стр. 1192
فصل في الكفن (١)
(يجب تكفينه في ماله) (٢) لقوله ﷺ في المحرم «كفنوه في ثوبيه» (٣) (مقدمًا على دين) ولو برهن (وغيره) من وصيةٍ وإرْث (٤) لأَن المفلس يقدم بالكسوة على الدين، فكذا الميت (٥) . الحواشي
(١) لما فرغ من الكلام في غسل الميت وما يتعلق به، أتبعه الكفن ومؤونة التجهيز، وما يتعلق بذلك، وتقدم أن كفن الميت ومؤونة تجهيزه فرض كفاية على من علم به وأمكنه إجماعًا، وقيل: وحنوطه وطيبه، وفاقًا لمالك وقول للشافعي.(٢) أي لف الميت في كفن، ثوب فأكثر من ماله، للنص والإجماع، وكذا مؤونة تجهيزه بمعروف، وفاقًا، غير حنوط وطيب فمستحب.(٣) متفق عليه، وتقدم، ولما رواه الجماعة من أمر النبي ﷺ بالتكفين في النمرة، ولا مال له غيرها، وقال ابن المنذر: قال بذلك جميع أهل العلم.(٤) وإرث جناية، ولو كانت متعلقة برقبة الجاني، وغير ذلك مما يتعلق بعين المال، وقال الوزير: اجمعوا على تكفين الميت من ماله، وأنه مقدم على الدين والورثة.(٥) يقدم عليه، بل أولى، ولأن سترته واجبة في الحياة، فكذا بعد الموت، وللخبر المتقدم وغيره، ويكون ذلك من رأس ماله، ولأن حمزة ومصعبًا لم يوجد لكل منهما إلا ثوب، فكفنا فيه.стр. 1193
فيجب لحق الله وحق الميت ثوب لا يصف البشرة، يستر جميعه (١) من ملبوس مثله (٢) ما لم يوص بدونه (٣) والجديد أفضل (٤) (فإن لم يكن له) أي للميت (مال (٥) ) فكفنه ومؤونة تجهيزه (على من تلزمه نفقته) (٦) . الحواشي
(١) أي جميع بدن الميت، ذكرًا كان أو أنثى، ما لم يكن محرمًا، لأن العورة المغلظة يجزئ في سترها ثوب واحد، فكفن الميت أولى، ولو أوصى أن يكفن بأقل منه لم تسمع وصيته، لما فيه من إسقاط حق الله، وعبارة الإقناع: ويشترط أن لا يصف البشرة، لأن ما يصفها غير ساتر، فوجوده كعدمه.(٢) في الجمع والأعياد، لأنه لا إجحاف فيه على الميت، ويكره بأعلى من ملبوس مثله، ولو أوصى به، لأنه إضاعة للمال، وللنهي عن التغالي في الكفن، رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد.
ولفظه «لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سريعًا» ولا ينافي الأمر بتحسينه، فإن تحسينه بياضه ونظافته، وسبوغه وكثافته، لا كونه ثمينًا، وولاية شراء الكفن لوارثه.(٣) أي دون ملبوس مثله، لأن الحق له، وقد تركه، فإذا أوصى بذلك جاز إجماعًا، ونقل أبو البركات الإجماع على جواز الوصية بالثوب الواحد.(٤) أي من العتيق، كما فعل به ﷺ ، وللأمر بتحسينه، رواه مسلم وغيره، وذلك ما لم يوص الميت بغيره فيمتثل، لقول الصديق: كفنوني في ثوبي هذين، لأن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هما للمهلة والتراب. رواه البخاري وغيره، والمهلة الصديد.(٥) بأن لم يخلف شيئًا، أو تلف قبل تجهيزه.(٦) ويأتي ذلك في كتاب النفقات إن شاء الله تعالى.стр. 1194
لأن ذلك يلزمه حال الحياة، فكذا بعد الموت (١) (إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته) (٢) ولو غنيًا، لأن الكسوة وجبت عليه بالزوجية والتمكن من الاستمتاع، وقد انقطع ذلك بالموت (٣) فإن عدم مال الميت، ومن تلزمه نفقته، فمن بيت المال، إن كان مسلمًا (٤) فإن لم يكن، فعلى المسلمين العالمين بحاله (٥) . الحواشي
(١) أي فكما أن نفقته تلزمه حال الحياة، فكفنه ومؤونة تجهيزه تلزمه بعد الموت، ويجب كفن الرقيق على مالكه.(٢) وهو رواية عن أبي حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك.(٣) فأشبهت الأجنبية، وعليه لا يلزمه كفنها ومؤونة تجهيزها، وفارقت الرقيق: فإن نفقته تجب بحق الملك، لا بالانتفاع، فتكفن من مالها إن كان، وإلا على من تلزمه نفقتها، وعنه: يلزمه كفنها، وهو رواية عن مالك وأبي حنيفة والشافعي، قال في المبدع: وهو قول أكثر العلماء، ورجح بأن من تلزمه كسوتها في الحياة يلزمه كفنها بعد الوفاة كالأمة مع السيد.(٤) وفاقًا، لأنه للمصالح، وهذا من أهمها، وكنفقته، ويكفن بثوب، وفي الفروع وغيره: ويتوجه ثوب من الوقف على الأكفان إن كان، وخرج الكافر ولو ذميًا، فلا يكفن من بيت المال، لأن الذمة إنما أوجبت عصمتهم، فلا نؤذيهم، لا لإرفاقهم.(٥) أي فإن لم يوجد بيت مال، فكان هنا تامة، أو وجد وتعذر الأخذ منه، فكفن الميت على المسلمين العالمين بحاله، كنفقة الحي وكسوته.стр. 1195
قال الشيخ تقي الدين: من ظن أن غيره لا يقوم به تعين عليه (١) فإن أراد بعض الورثة أن ينفرد به لم يلزم بقية الورثة قبوله (٢) لكن ليس للبقية نبشه وسلبه من كفنه بعد دفنه (٣) .
وإذا مات إنسان مع جماعة في سفر، كفنوه من ماله، فإن لم يكن كفنوه ورجعوا على تركته، أو من تلزمه نفقته إن نووا الرجوع (٤) (ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض) من قطن (٥) . الحواشي
(١) وظاهره سواء تركوا جهلاً أو عجزًا أو بخلاً، ولو من ولاة بيت المال، وقال النووي وغيره: لو مات إنسان ولم يوجد ما يكفن به إلا ثوب مع مالك له، غير محتاج إليه، لزمه بذله بقيمته، كالطعام للمضطر.(٢) لما فيه من المنة عليه وعليهم، وكذا لو تبرع به أجنبي.(٣) لأنه ليس في تبقيته إسقاط حق مملوك لأحد منهم، وإنما هو حق للمتبرع، لا دخل لأحد فيه، ومن نبش وسرق كفنه، كفن من تركته ثانيًا وثالثًا، ولو قسمت، ما لم تصرف في دين أو وصية.(٤) أي أو رجعوا على من تلزمه نفقته، لوجوبه عليه إن نووا الرجوع في ذلك، ولو لم يستأذن الحاكم.(٥) البيض التي لونها البياض، لقوله: «وكفنوا فيها موتاكم» . ولابن ماجه «أحسن ما زرتم الله في قبوركم البياض» واستمر عليه عمل الصحابة ومن بعدهم،
واستحبابه مجمع عليه، والقطن: بضم القاف وسكون الطاء وتحرك، معروف،
وظاهر عبارته: ولو كان عليه دين، أو في الورثة صغير، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، وقيل: تقدم الثلاثة على الإرث والوصية، لا الدين، اختاره في المحرر، وجزم به أبو المعالي.стр. 1196
لقول عائشة: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض، سُحوليَّة جدد، يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرج فيها إدراجًا؛ متفق عليه (١) ويقدم بتكفين من يقدم بغسل (٢) . الحواشي
(١) قال أحمد: أصح الأحاديث في كفن النبي ﷺ حديث عائشة، لأنها أعلم من غيرها.
وقال الترمذي: قد روي في كفن النبي ﷺ روايات مختلفة، وحديث عائشة أصح الروايات التي رويت في كفنه، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، من الصحابة وغيرهم.
وقال الحاكم وغيره: تواترت الأخبار عن علي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن مغفل وعائشة في تكفينه ﷺ في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة، أي لم يكن في أكفانه قميص ولا عمامة، وإنما كفن في ثلاثة أثواب، وهو المستحب عند جماهير العلماء، ولا يكره إن جعل فيها قميص، لقصة ابن أبي، ولا عمامة، لفعل ابن عمر، والسُحولية بضم أوله، ويروى بفتحه: نسبة إلى سحول، قرية باليمن، وقيل بالفتح المدينة، وبالضم الثياب، جمع سحل، وهو الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن، ولفظ «جدد» ليست في الصحيحين، وفي رواية لهما «من كرسف» أي قطن، واليمانية بتخفيف الياء منسوب إلى اليمن، وليست الياء للنسبة إذ الألف عوض عنها.(٢) وتقدم في الغسل: وصيه، ثم أبوه ثم جده، ثم الأقرب، الخ.стр. 1197
ونائبه كهو، والأَولى توليه بنفسه (١) (تجمر) أي تبخر بعد رشها بماء ورد أو غيره، ليعلق (٢) .
(ثم تبسط بعضها فوق بعض) (٣) أوسعها وأحسنها أَعلاها، لأَن عادة الحي جعل الظاهر أَفخر ثيابه (٤) (ويجعل الحنوط) وهو أَخلاط من طيب يُعَدّ للميت خاصة (فيما بينها) (٥) . الحواشي
(١) أي تولى الوصي الغسل بنفسه، وكذا الأب، الخ، لقيامه مقامه، والأولى استثناؤه الوصي إلا أن يجعل إليه.(٢) أي رائحة البخور إن لم يكن محرمًا، ويكون البخور بالعود أو نحوه، يجعل العود على النار في مجمر، ثم يبخر به الكفن، حتى تعبق رائحته، أوصى به أبو سعيد وابن عمر وابن عباس وأسماء، ولأن هذا عادة الحي، ولابن حبان والحاكم عن جابر مرفوعًا «إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثًا» .(٣) ليوضع الميت عليها مرة واحدة، ولا يحتاج إلى حمله ووضعه على واحدة بعد واحدة.(٤) فيجعل أحسنها كذلك، ليظهر الناس، كعادي الحي.(٥) أي يذر فيما بين اللفائف، وهو مشروع، بدليل الخطاب من قوله ﷺ في المحرم «ولا تحنطوه» ولا يقال في غير طيب الميت حنوط.
قال الأزهري: يدخل في الحنوط الكافور والصندل وذريرة القصب، ولو خلط بالمسك فلا بأس، وفي القاموس: الحنوط كل طيب يخلط للميت، وروي أنه كن عند علي مسك، فأوصى أن يحنط به، وقال: هو من فضل حنوط رسول الله ﷺ ، وروي نحو ذلك عن أنس وابن عمر وغيرهم.стр. 1198
لا فوق العليا، لكراهة عمر وابنه وأبي هريرة (١) (ثم يوضع) الميت (عليها) أي اللفائف (مستلقيًا) لأَنه أمكن لإدراجه فيها (٢) (ويجعل منه) أي من الحنوط (في قطن بين أليتيه) (٣) ليرد ما يخرج عند تحريكه (٤) .
(ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان) وهو السراويل بلا أكمام (٥) (تجمع أليتيه ومثانته (٦) ويجعل الباقي) من القطن المحنط (على منافذ وجهه) عينيه ومنخريه وأُذنيه وفمه (٧) . الحواشي
(١) وذكره في الفروع وفاقًا، ولا يجعل على الثوب الذي على النعش وفاقًا، لكراهة السلف لذلك.(٢) وطويها عليه كما سيأتي، ويجب ستره حال حمله بثوب، ويوضع متوجهًا ندبًا.(٣) برفق ويكثر ذلك.(٤) حال التكفين والحمل والوضع.(٥) وقال الجوهري: التبان بالضم والتشديد سروال صغير، بقدر شبر، يستر العورة المغلظة فقط، يكون للملاحين.(٦) أي مَوْضع بوله، ليرد ما يخرج، ويخفى ما يظهر من الروائح، ويصنع كذلك في الجراح النافذة.(٧) لئلا يحدث منها حادث، ويبدأ بها لشرفها، وكذلك يجعل في الجراح النافذة.стр. 1199
لأن في جعلها على المنافذ منعًا من دخول الهوام (١) (و) على (مواضع سجوده) ركبتيه ويديه وجبهته وأَنفه، وأَطراف قدميه، تشريفًا لها (٢) وكذا مغابنه، كطي ركبتيه، وتحت إبطيه وسرته، لأَن ابن عمر كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك (٣) .
(وإن طيب) الميت (كله فحسن) لأَن أنسًا طلي بالمسك، وطلى ابن عمر ميتًا بالمسك (٤) وكره داخل عينيه (٥) وأن يطيب بورس وزعفران (٦) . الحواشي
(١) أي في تلك المنافذ الشريفة.(٢) أي ويجعل الباقي من القطن المحنط على تلك المواضع، تشريفًا لها، لكونها مختصة بالسجود.(٣) فيفعل به كما يفعل بالعروس، قال الزركشي: كذا يروى عن النبي ﷺ . وقال في الإقناع: ويطيب رأسه ولحيته.(٤) وذكر السامري أنه يستحب تطييب جميع بدنه بالصندل والكافور، لدفع الهوام.(٥) نص عليه وفاقًا. لأنه يفسدهما.(٦) أي ويكره أن يطيب بورس وزعفران، لأنهما إنما يستعملان لغذاء أو زينة، وهو غير لائق بالميت، ولأنه لا يعتاد التطيب به، وربما ظهر لونه على الكفن، ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل، والورس نبت كالسمسم باليمن.стр. 1200
وطليه بما يمسكه كصبر ما لم ينقل (١) (ثم يرد طرف اللفافة العليا) من الجانب الأَيسر (على شقه الأَيمن، ويرد طرفها الآخر فوقه) أي فوق الطرف الأَيمن (٢) (ثم) يفعل بـ (الثانية والثالثة كذلك) أي كالأُولى (٣) (ويجعل أكثر الفاضل) من كفنه (على رأُسه) لشرفه (٤) ويعيد الفاضل على وجهه ورجليه بعد جمعه، ليصير الكفن كالكيس فلا ينتشر (٥) (ثم يعقدها) لئلا ينتشر (٦) (وتحل في القبر) (٧) . الحواشي
(١) أي الميت من مكان إلى آخر، لحاجة دعت إليه، فيباح للحاجة بلا مفسدة، والصبر بكسر الموحدة ويسكن لضرورة الشعر، وهو دواء مُرّ، من عصارة شجر مُرًّ.(٢) وعبارة الإقناع وشرحه: ثم يرد طرفها الأيمن على شقه الأيسر، جزم به الموفق وغيره، لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر، ولأنه عادة لبس الحي، في قباء ورداء ونحوهما، ونحوه في المنتهى وشرحه، وقدمه في الفروع وغيره، وجزم به جماعة من الأصحاب، ووجه في الفروع احتمالاً أنهما سواء.(٣) لأنهما في معناها، فيدرج فيها إدراجًا.(٤) أي على الرجلين، ولأنه أحق بالستر منهما، فالاحتياط ليستره بتكثير ما عنده أولى، فيجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه.(٥) أي عند حمله ووضعه.(٦) يعني الكفن، ما لم يكن محرمًا، وفي الإقناع: إن خاف انتشارها يعني اللفائف عقدها «وعقد» من باب ضرب(٧) قال في الإنصاف: بلا نزاع، إذ عقده للخوف من انتشاره، وقد أمن ذلك بدفنه.стр. 1201
لقول ابن مسعود: إذا أَدخلتم الميت القبر فحلوا العقد؛ رواه الأَثرم (١) وكره تخريق اللفائف، لأَنه إفساد لها (٢) (وإن كفن في قميص ومئزر ولفاقة جاز) (٣) لأنه ﵇ ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات، رواه البخاري (٤) وعن عمرو بن العاص أَن الميت يؤزر ويُقَمَّص، ويلف بالثلاثة (٥) . الحواشي
(١) وعن سمرة نحوه، وروي أنه ﷺ لما أدخل نعيم بن مسعود في القبر، نزع الأخلة، ولأن الخوف من انتشاره قد زال، ويفهم منه أنه لا يحل الإزار إذا كان هناك، وصرح به في الإقناع وغيره، وذكر أبو المعالي وغيره أنه لو نسي الملحد أن يحلها نبش – ولو كان بعد تسوية التراب قريبًا – وحلت، لأنه سنة، قال الشافعي وغيره: إن خيف انتشار الأكفان عند الحمل شدت بشداد يعقد عليها، فإذا أدخلوه القبر حلوه، قيل: لأنه يكره أن يكون في القبر شيء معقود.(٢) وتقبيح، مع الأمر بالتحسين، قاله أبو الوفاء وغيره، وذلك والله أعلم أنه كان من عادة أولئك، لئلا ينبش فيؤخذ، وجوز أبو المعالي تخريقه إن خيف نبشه، وكرهه الإمام أحمد، وقال هو وغيره: إنهم يتزاورون فيها.(٣) إجماعًا من غير كراهة، ولو لم تتعذر اللفائف، إلا أن الأول أفضل، والمئزر الإزار، يجعل على الحقوين وما تحتهما، واللفافة بالكسر ما يلف به الشيء.(٤) مكافأة له لما كان كسا العباس حين أسر، وفي الصحيحين أن ابنه قال: أعطني قميصك أكفنه فيه.(٥) فيؤزر بالمئزر، ويلبس القميص، ثم يلف باللفافة بعد ذلك، وفي الفروع: لا يكره في خمسة وفاقًا، ولا يكره تعميمه وفاقًا. وقال ابن عقيل: ومن أخرج فوق العادة فهو على طريق المروءة، لا بقدر الواجب فممنوع، فإن كان من التركة فمن نصيبه، وقال الموفق: تكره الزيادة على الثلاثة، لما فيه من إضاعة المال.стр. 1202
وهذا عادة الحي (١) ويكون القميص بكمين ودخاريص لا بِزِرًّ (٢) (وتكفن المرأة) والخنثى ندبًا (في خمسة أثواب) بيض من قطن (٣) (إزار وخمار وقميص ولفافتين) (٤) .
لما روى أحمد وأبو داود، وفيه ضعف عن ليلى الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أُم كلثوم، بنت رسول الله ﷺ ، فكان الحواشي
(١) كونه يأتزر ويتقمص، ويرتدي ونحوه، والأفضل ما اختار الله لنبيه ﷺ .(٢) ولأنه لا يسن للحي زره فوق إزار، لعدم الحاجة، والكم بالضم مدخل اليد ومخرجها من القميص، والدخاريص دخلات يجعلن في جوانبه، ولا يكره تكفين رجل في ثوبين، لما تقدم من قوله ﷺ في المحرم «وكفنوه في ثوبيه» .
قال الموفق: وقول القاضي: لا يجزئ أقل من ثلاثة لمن يقدر عليها – وأنه لو جاز أقل منها لم يجز التكفين بها في حق من له أيتام – لا يصح، فإنه لا يجوز التكفين بالحسن، مع حصول الإجزاء بما دونه.(٣) وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب .(٤) الإزار غير ما تضم به فخذاها، في خبر أم سليم وغيره، والخمار تقنع به بعد أن تلبس القميص، ثم تلف باللفافتين، كما يأتي، ولما كانت تلبس المخيط في الإحرام، وهو أكمل أحوال الحياة، استحب إلباسها إياه بعد موتها.стр. 1203
أول ما أعطانا الحِقاء، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أُدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر (١) قال أحمد: الحقاءُ الإزار، والدرع القميص (٢) فتؤزر بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمر، ثم تلف باللفافتين (٣) ويكفن صبي في ثوب (٤) ويباح في ثلاثة، ما لم يرثه غير مكلف (٥) وصغيرة في قميص ولفافتين (٦) . الحواشي
(١) وروى الخوارزمي عن أم عطية: وكفناها في خمسة أثواب، وخمرناها كما نخمر الحي، وقال الحافظ: صحيح الإسناد، وإنما استحب لها الخمسة، لأنها تزيد حال حياتها على الرجل في السترة، لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد الموت، وليلى هي بنت قانف.(٢) والحقا بكسر الحاء المهملة، وتخفيف القاف مقصور لغة في الحقو، وهو الإزار، كما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى.(٣) قاله في المبدع وغيره، ونص أحمد أن الخامسة تشد بها فخذاها تحت المئزر، وقال الخرقي وغيره: خرقة تشد بها فخذاها بمئزر تحت درع، ويلف فوق الدرع الخمار باللفافتين، جمعًا بين الأخبار، وظاهره أنها لا تنتقب.(٤) أي ويسن أن يكفن صبي في ثوب واحد وفاقًا، لأنه دون الرجل، ولا خلاف في أنه يجزئه.(٥) رشيد، من صغير أو مجنون أو سفيه، فإن ورثه غير مكلف، لم تجز الزيادة على ثوب، لأن الزائد تبرع.
ومذهب الشافعي: حكمه كالكبير في استحباب الثلاثة، واختاره ابن المنذر، وجمهور العلماء.(٦) أي ويسن أن تكفن صغيرة في قميص ولفافتين بلا خمار، نص عليه، لعدم احتياجها إلى الخمار في حياتها، فكذا بعد موتها.стр. 1204
(والواجب) للميت مطلقًا (ثوب يستر جميعه) (١) لأَن العورة المغلظة يجزئ في سترها ثوب واحد، فكفن الميت أَولى (٢) ويكره بصوف وشعر (٣) ويحرم بجلود (٤) ويجوز في حرير لضرورة فقط (٥) . الحواشي
(١) أي جميع الميت، سواء كان رجلاً أو امرأة، صغيرًا أو كبيرًا، وفي الصحيح عن أم عطية، قالت: ألقى علينا حِقْوَه، فقال «أشعرنها إياه» أي الففنها فيه، ولم يزد على ذلك، وقيل: الواجب ستر العورة، لقصة مصعب في الصحيحين، غطي بها رأسه، وبدت رجلاه، فأمرهم أن يجعلوا على رجليه الإذخر، ويبعد أن يكون معه ما يشتري به ما يستر جميعه، ولو لم يوجد، فمن بيت المال.(٢) ولا فرق بين الرجل والمرأة.
وتقدم أنه لا يجزئ بما يصف البشرة، يعني من بياض وسواد، ويكره برقيق يحكي الهيئة، يعني تقاطيع البدن، وأعضاءه، ويجوز تكفين المرأة في ثوب الرجل، لإعطائهن حقوه يشعرنه ابنته، وحكاه ابن بطال اتفاقًا.(٣) لأنه خلاف فعل السلف ﵃، ويكره بمزعفر ومعصفر، ولو لامرأة، لأنه لا يليق بالحال.(٤) ولو لضرورة، لأمره ﵊ بنزع الجلود عن الشهداء، ولأنها من ملابس أهل النار.(٥) إن لم يجد ما يستره غيره، وفاقًا، لوجوب ستره، ويكون ثوبًا واحدًا، ذكرًا كان الميت أو أنثى، لأنه إنما أبيح الحرير للمرأة حال الحياة، لأنه محل زينة وشهوة، وقد زال بموتها، فلم يبح تكفينها به وفاقًا، إلا لضرورة.
وقال ابن المنذر: لا أعلم فيه خلافًا، وعلم منه أنه إذا لم تكن ضرورة حرم تكفين بحرير ومذهب ومفضض، ولو لامرأة.стр. 1205
فإن لم يجد إلا بعض ثوب ستر العورة، كحال الحياة (١) والباقي بحشيش أو ورق (٢) وحرم دفن حلي وثياب غير الكفن، لأَنه إضاعة مالٍ (٣) ولحي أَخذ كفن ميت لحاجة حر أَو برد بثمنه (٤) . الحواشي
(١) في وجوب تقديمها بالستر على سائر البدن. وإن بقي شيء ستر به رأسه وما يليه، لشرفه على باقيه.(٢) لما روى البخاري وغيره من قصة مصعب لما قتل يوم أحد ولم يوجد له شيء يكفن به إلا نمرة، فكانت إذا وضعت على رأسه بدت رجلاه، وإذا وضعت على رجليه بدا رأسه، فأمر النبي ﷺ أن يغطى رأسه، ويجعل على رجليه إذخر، وكان مستعملاً إذ ذاك عند العرب، فإن لم يوجد فما تيسر من نبات الأرض، فإن لم يوجد إلا ثوب واحد، ووجد جماعة من الأموات، جمع فيه ما يمكن جمعه، وقال ابن تميم: قال شيخنا: يقسم بينهم، ويستر عورة كل واحد، ولا يجمعون فيه، اهـ.
ولو قيل حيث جاز دفن اثنين فأكثر فالجمع، وإلا فيستر عورة كل لكان حسنًا، ومنبوش طري يكفن كالذي لم يدفن، وفي الإقناع وغيره: يسن تغطية نعش بأبيض، ويكره بغيره، وفي شرحه: ويحرم بحرير ومنسوج بذهب أو فضة.(٣) وعادة جاهلية، وقد نهى عنه ﵊.(٤) قال المجد وغيره: إن خشي التلف، وإن كان لحاجة الصلاة فيه فالميت أحق بكفنه، ولو كان لفافتين، ويصلى الحي عليه عريانًا.стр. 1206
فصل
في الصلاة على الميت (١)
تسقط بمكلف (٢) الحواشي
(١) وهي فرض كفاية إجماعًا، غير شهيد معركة، وقيل: ومقتول ظلمًا وتقدم، لمفهوم قوله تعالى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ قال الشيخ: دليل الخطاب أن المؤمن يصلى عليه، ولأمره ﷺ بها، وفعله المستفيض في غير ما حديث كقوله «صلوا على صاحبكم» وقوله «صلوا على أطفالكم» «صلوا على من قال لا إله إلا الله» وتواتر فعلها منه صلوات الله وسلامه عليه، وأجمع المسلمون عليها، ويكفر منكرها، وتقدم أنه إن لم يعلم به إلا واحد، وأمكنه تعينت عليه، وهي من أكبر القربات، وفي فعلها الأجر الجزيل، كما في الصحاح وغيرها، وقال الفاكهي: الصلاة على الميت من خصائص هذه الأمة، وأتبعت التكفين لمناسبتها له، وكونها تفعل بعده.(٢) أي تسقط الصلاة على الميت بصلاة مكلف عليه، ذكر، ولو أنثى، أو عبد، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وقول للشافعي، وقدم في المحرر: أو مميز، لأنها فرض تعلق به، فسقط بالواحد، وقيل تسقط بثلاثة وفاقًا، لما جاء أنه صلى ﷺ على عمير بن أبي طلحة في منزلهم، وأبو طلحة وراءه، وأم سليم وراء أبي طلحة.
قال شيخ الإسلام: وفروض الكفايات إذا قام بها رجل سقط عن الباقين، ثم إذا فعل الكل ذلك كان فرضًا، ذكره ابن عقيل محل وفاق، ولا تسقط بالصلاة عليه بعد الدفن، بل تقديمها واجب، فيأثمون بدفنه قبلها.стр. 1207
وتسن جماعة (١) وأن لا تنقص الصفوف عن ثلاثة (٢) و (السنة أن يقوم الإمام عند صدره) أي صدر ذكر (٣) . الحواشي
(١) أي تسن الصلاة على الميت جماعة، بإجماع المسلمين، لفعله ﷺ ، وفعل أصحابه رضوان الله عليهم، واستمرار عمل المسلمين عليه، وتسن تسوية الصفوف، كما في الصحيحين، في صلاته على النجاشي فصف بهم، وقال أحمد: يسوون صفوفهم، فإنها صلاة، وعن أبي المليح أنه صلى على جنازة، فالتفت فقال: استووا، ولتحسن شفاعتكم. وتجوز فرادى كنساء، عند مالك والشافعي، والمذهب يصلين عليه جماعة، وتقف إمامتهن وسطهن، وفاقًا لأبي حنيفة.(٢) لحديث مالك بن هبيرة: كان إذا صلى على ميت جزأ الناس ثلاثة صفوف، ثم قال: قال رسول الله ﷺ «من صلى عليه ثلاثة صفوف من الناس، فقد أوجب» رواه الترمذي والحاكم وصححه، وفي رواية «ما من ميت يموت، فيصلي عليه ثلاثة صفوف، إلا غفر له» حسنه الترمذي.
وروى ابن بطة عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ شهد جنازة، وهو سابع سبعة، فأمرهم أن يصفوا ثلاثة صفوف خلفه، فصف ثلاثة واثنين وواحدًا خلف الصف، فصلى على الميت ثم انصرف، وصرح القسطلاني وغيره أن الثلاثة في الفضيلة سواء، وأنه إنما لم يجعل الأول أفضل محافظة على مقصود الشارع من الثلاثة الصفوف، وكلما كثر الجمع كان أفضل، لما في صحيح مسلم «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» وفي حديث ابن عباس «أربعون» .(٣) وفاقًا لأبي حنيفة، وعنه: عند رأس الرجل، وفاقًا للشافعي وجماهير العلماء، ولم يذكر ابن المنذر وغيره عن أحمد غيرها، وهي عبارة المقنع.
قال الشارح: وهو قريب من الأول، فإن الواقف عند أحدهما واقف عند الآخر.стр. 1208
(وعند وسطها) أي وسط أُنثى (١) والخنثى بين ذلك (٢) والأَولى بها وصيه العدل (٣) فَسيَّد بِرَقِيِقِهِ (٤) . الحواشي
(١) لما رواه الترمذي، وإسناده ثقات، عن أنس أنه صلى على رجل، فقام عند رأسه، ثم صلى على امرأة، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء: هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. فلما فرغ قال: «احفظوا» وأخرج الجماعة من حديث سمرة، أنه صلى وراء رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها، وهذا مذهب جمهور العلماء الشافعي وغيره، وما سوى ذلك لا مستند له.
وكذا روي عن ابن مسعود وغيره، وصححه الوزير وغيره، ومنفرد كإمام، والحكمة في ذلك والله أعلم أن القلب في الصدر، ووسط المرأة محل حملها، وقيل لسترها، وظاهر إطلاقهم أن الصبي والصبية كذلك، وهو ظاهر الوجيز وغيره.(٢) أي بين الصدر والوسط، لاستواء الاحتمالين فيه، والسنة وضع رأسه مما يلي يمين الإمام، كما هو المعروف.(٣) أي والأولى بإمامة الصلاة المفروضة على الميت وصي الميت العدل، لإجماع الصحابة، فإنهم ما زالوا يوصون بذلك، ويقدمون الوصي، فأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر، وعمر صهيبًا، وأم سلمة سعيد بن زيد، وأبو بكرة أبا برزة، وابن مسعود الزبير، وغيرهم ممن لا يحصون سلفًا وخلفًا، وجاء أمير الكوفة عمرو بن حريث ليصلي على أبي سريحة، فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فقدم زيدًا، وهذه قضايا اشتهرت، من غير إنكار ولا مخالف، فكانت إجماعًا، وهو قياس مذهب مالك، وكالمال، بل الميت يختار لذلك من هو أظهر صلاحًا، وأقرب إجابة.(٤) أي أولى بالإمامة في الصلاة عليه، بعد وصيه وفاقًا، لأنه مالكه.стр. 1209
فالسلطان، فنائبه الأمير، فالحاكم (١) فالأَولى بغسل رجل (٢) . الحواشي
(١) أي فالسلطان بعد وصي الميت وسيده أولى بالإمامة في الصلاة عليه، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، لأنه ﷺ وخلفاءه من بعده كانوا يصلون على الموتى، ولم ينقل عنهم استئذان العصبة، وفي الصحيح عن الحسن: أدركت الناس وأحقهم بالصلاة على جنائزهم من رضوه لفرائضهم. وقال علي وابن مسعود: الإمام أحق من صلى على الجنازة، ولو تقدم غير الأولى صح.
وقال الوزير: الوالي أحق من الولي، عند مالك وأبي حنيفة، والقديم من قولي الشافعي، وقال في الفروع: ليس تقديم الخليفة والسلطان على سبيل الوجوب. وفي الإنصاف: فبعد الوصي والحاكم أبوه، ثم جده، ثم أقرب العصبة، على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. اهـ. ثم نائب السلطان، يعني الأمير على بلد الميت، لأنه في معناه، وقال أبو هريرة: شهدت حسينًا حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص أمير المدينة، وهو يقول: لولا السنة ما قدمتك. ومقتضاه أنه سنة، ,خلفه يومئذ ثمانون من الصحابة، قال الموفق: ولم ينكر، فكان إجماعًا. وكالجمع والأعياد، ثم الحاكم أي القاضي، وقدم الأمير هنا على القاضي، عكس ما في النكاح، لأنه هنا منظور فيه للقوة والبأس، ولقوله «لا يؤمنَّ الأمير في سلطانه» وهو أقوى بسلطنته من الحاكم.(٢) أي فالأولى بالإمامة في الصلاة على الميت، بعد من تقدم، الأولى بغسل رجل، على ما تقدم في الغسل، وإن كان الميت أنثى، فيقدم أب فأبوه وإن علا، لأنه يشارك الابن في العصوبية، وزاد عليه بالحنو والشفقة، وبها يحصل مقصود الدعاء الذي هو مقصود صلاة الجنازة، ثم ابن، ثم ابنه وإن نزل، وفي حديث أسيد «ومن برهما الصلاة عليهما» ونقل أبو الطيب الإجماع على تقديمه على الأخ، ثم أخ لأبوين، ثم لأب، وهكذا على ترتيب الميراث، ومع التساوي يقدم الأولى بالإمامة، وقيل الأسن، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لأن دعاءه أقرب إجابة، لأنهم أفجع بالميت من غيرهم، وهو أكبر المقصود، فكانوا في التقديم أحق، فإن استووا في الصفات أقرع.стр. 1210
فزوج بعد ذوي الأرحام (١) ومن قدمه ولي بمنزلته، لا من قدمه وصي (٢) و إذا اجتمعت جنائز: قدم إلى الإمام أفضلهم ، وتقدم (٣) . الحواشي
(١) لأن له مزية على باقي الأجانب، فقدم لأجلها.(٢) أي ومن قدمه ولي من أولياء الميت صار بمنزلته، في إمامة الصلاة على الميت، مع أهليته، كولاية النكاح، لا من قدمه وصي في الصلاة على الميت، فإن ذلك لما أمله الميت في الوصي من الخير، فإن لم يصل الوصي فإلى من بعده، وهذا إذا لم يجعل الموصي له ذلك، فإن جعله صح، وإن تقدم أجنبي بغير إذن ولي أو وصي صح، لأنه ليس فيه كبير افتيات تشح بها الأنفس عادة، فإن صلى الولي خلفه صار إذنًا، وإلا فله أن يعيد الصلاة عليه، لأنها حقه.(٣) يعني في باب صلاة الجماعة، من أنه يليه الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء وفاقًا، وهو قول عثمان وعلي وجمهور الصحابة والتابعين، وكذا في المسير، وإذا دفنوا في قبر واحد، وروى البيهقي عن ابن عمر، أنه صلى على تسع جنائز، رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة، وأخرج أبو داود والنسائي وغيرهما، بسند صحيح، قال عمار: شهدت جنازة أم كلثوم وابنها، فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكرت ذلك عليه، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة. وفي رواية البيهقي: ونحوٌ من ثمانين من أصحاب النبي ﷺ ، وذكر المصلي
سعيد بن العاص، ولم يذكر ابن المنذر وغيره عنهم خلاف ذلك، وكان ﵊ يقدم في القبر من كان أكثر قرآنًا، فيقدم حر مكلف الأفضل فالأفضل، فَعبْدٌ كذلك،، فصبي كذلك، ثم خنثى، ثم امرأة كذلك، قال الموفق: ولا نعلم خلافًا في تقديم الخنثى على المرأة.стр. 1211
فأَسن فأَسبق (١) ويقرع مع التساوي (٢) وجمعهم بصلاة أفضل (٣) ويجعل وسط أُنثى حذاءَ صدر رجل، وخنثى بينهما (٤) (ويكبر أربعًا) لتكبير النبي ﷺ على النجاشي أربعًا، متفق عليه (٥) . الحواشي
(١) أي فإن استووا في الفضل قدم أسن، لعموم قوله ﷺ «كبر كبر» فإن تساووا في السن فسابق لسبقه.(٢) في الكل، فقدم إلى الإمام من تخرج له القرعة كالإمامة.(٣) أي من إفراد كل ميت بصلاة، وهو مذهب مالك، ولأنه أسرع، وأبلغ في توفر الجمع، وقيل عكسه، وفاقًا للشافعي، قال في الفروع: ويتوجه احتمال بالتسوية، وفاقًا لأبي حنيفة. اهـ. وإذا اجتمع موتى قدم من الأولياء للصلاة عليهم أولادهم بالإمامة، فإن تساووا أقرع، ولولي كل ميت أن ينفرد بصلاته على ميته.(٤) إذا اجتمعوا، ليقف الإمام أو المنفرد من كل واحد من الموتى موقفه. ويسوى بين رؤوس كل نوع، وتكون عن يمين الإمام ندبًا، فلو كانت عن يساره أجزأت، صرح به المالكية، ووسط بفتح السين، وكل ما كان مصمتًا، وما كان يبين بعضه من بعض كوسط الصف فبالسكون.(٥) من غير وجه، وفي الصحيح عن أنس أنه ﷺ كبر على الجنازة أربعًا، وفيهما عن ابن عباس أنه ﷺ صلى على قبر، بعدما دفن، وكبر أربعًا, ويأتي.стр. 1212
(يقرأُ في الأُولى) أَي بعد التكبيرة الأُولى، وهي تكبيرة الإحرام و (بعد العوذ) والبسملة (الفاتحة) سرًا ولو ليلاً (١) لما روى ابن ماجه عن أم شريك الأنصارية قالت: أَمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأَ على الجنازة بفاتحة الكتاب، ولا نستفتح، ولا نقرأ سورة معها (٢) (ويصلي على النبي ﷺ في) أي بعد التكبيرة (الثانية) كالصلاة في (التشهد) الأَخير (٣) . الحواشي
(١) وفاقًا في غير التعوذ، للأمر به، وعنه: لا يتعوذ وفاقًا، وأما البسملة فأجمعوا على الإتيان بها، وتقدم أنها آية من القرآن، قبل كل سورة سوى براءة، وأما الاستفتاح فأكثر العلماء أنه لا يستفتح، خلافًا لأبي حنيفة، لأن مبناها على التخفيف، كما أنه لا يقرأ السورة بعد الفاتحة، ولأنه لم يرد الاستفتاح فيها، فتركا لطولهما، ونقل إمام الحرمين الإجماع على أنه لا يستحب قراءة سورة معها.(٢) ولما رواه النسائي وغيره، عن أبي أمامة قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة. وإسناده على شرطهما، وأبو أمامة هذا صحابي، ونحوه عن الضحاك، وللبخاري عن ابن عباس أنه صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنها سنة. وقال مجاهد: سألت ثمانية عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ عن القراءة على الجنازة، فكلهم قال: يقرأ. وكالصلوات، ولأنه فعل السلف، واستمر العمل عليه.(٣) لنقل الخلف عن السلف من طرق متعددة، وعمل المسلمين عليه.стр. 1213
لما روى الشافعي عن أبي أمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى، سرًا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاءَ للميت، ثم يسلم (١) (ويدعو في الثالثة) لما تقدم (٢) . الحواشي
(١) وأخرجه الحاكم وابن الجارود وغيرهما، قال الحافظ: ورجاله مخرج لهم في الصحيحين، ولفظ الحاكم: أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أخبروه أنه من السنة. وزاد الأثرم وغيره: والسنة أن يفعل من وراء الإمام مثل ما يفعل الإمام، وذكر أبو أمامة عن جماعة من الصحابة الصلاة على النبي ﷺ ، في الصلاة على الجنازة، ولأنه ﷺ لما سألوه: كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك، وقال أبو هريرة: إذا وضعت، يعني الجنازةـ كبرت وحمدت الله، وصليت على نبيه ﷺ رواه مالك.(٢) أي من قوله: ويخلص الدعاء للميت. وقال ﵊ «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، ويدعو بأحسن ما يحضره من الدعاء. قال الموفق: والأولى أن يدعو لنفسه ولوالديه، وللميت، وللمسلمين بما روي عن النبي ﷺ ، ولا توقيت فيه، ونص عليه أحمد، وقال: ادع بأحسن ما يحضرك. وأخرج عن أبي الزبير: سألت جابرًا عما يدعى به للميت، فقال: ما أتاح لنا رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر ولا عمر. ومعنى: أتاح؛ قدر، والأمر المطلق بإخلاص الدعاء للميت يقضي بأن يخلص للمسيء كالمحسن، فإن ملابس المعاصي أحوج إلى دعاء
إخوانه المسلمين، ولذلك قدموه بين أيديهم، قيل: إن كان محسنًا فزده إحسانًا، وإن كان مسيئًا فأنت أولى بالعفو عنه خلاف وإخلاص الدعاء له، وفي صحيح مسلم عن عائشة «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه» .стр. 1214
(فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا (١) وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا (٢) إنك تعلم منقلبنا ومثوانا (٣) وأنت على كل شيءٍ قدير (٤) اللهم من أَحييته منا فأَحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منَّا فتوفه عليهما) (٥) . الحواشي
(١) الغائب ضد الشاهد، والشاهد الحاضر.(٢) المقصود الشمول والاستيعاب، كأنه قيل: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات. وذكر الصغير لعله لرفع الدرجات.(٣) يجوز أن يكونا مصدرين، أي انقلابنا وثوانا، وأن يراد بهما المنزل. أي: إنك تعلم مرجعنا ومنصرفنا، ومأوانا ومنزلنا الذي نعود إليه.(٤) قادر على المغفرة لنا معشر المسلمين، والعفو والرحمة أو النقمة، فلك القدرة العامة الشاملة لكل شيء فما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن.(٥) أي على الإسلام والسنة، وفي رواية: فتوفه على الإيمان. والإسلام هو العبادات كلها، والإيمان شرط فيها، ووجودها في حال الحياة ممكن، بخلاف حالة الموت، فإن وجودها متعذر، فلهذا اكتفى بالموت على الإيمان خاصة، وطلب الحياة على الإسلام، الذي الإيمان جزء منه، ويفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال الباطنة إذا اقترنا، وإذا افترقا فسر كل منهما بالآخر، والسنة في اللغة السيرة والطريقة التي سنها رسول الله ﷺ ، وشرع الاجتماع عليها، جمعها سنن، كغرفة وغرف.стр. 1215
رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، من حديث أبي هريرة (١) لكن زاد فيه الموفق: وأنت على كل شيءٍ قدير. ولفظة: السنة (٢) (اللهم اغفر له، وارحمه وعافه واعف عنه (٣) وأكرم نزله) بضم الزاي وقد تسكن، وهو القرى (٤) (وأَوسع مدخله) بفتح الميم مكان الدخول، وبضمها الإِدخال (٥) (واغسله بالماء والثلج والبرد (٦) ونقه من الذنوب والخطايا، كما ينقى الثوب الأَبيض من الدنس (٧) الحواشي
(١) وأصله في صحيح مسلم، وفي آخره «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده» قال ابن القيم وغيره: روي من طرق تدل على أن له أصلاً.(٢) أي زاد الموفق ﵀ في المقنع لفظ: وأنت على كل شيء قدير؛ ولفظة: السنة. لكونه لائقًا بالمحل، ونبه عليه ليعلم أنه ليس في متن الحديث.(٣) الضمير عائد إلى الميت، فلا يحول الضمير.(٤) يهيأ للضيف أول ما يقدم، وفي رواية: وقه فتنة القبر، وعذاب القبر.(٥) وليس هذا موضعه، فالفتح أولى، ليكون المعنى: وأوسع مكان الدخول.(٦) بالتحريك، يعني المطر المنعقد، وجمع بينها مبالغة في التطهير، وليس المراد بالغسل هنا على ظاهره. وإنما هو استعارة بديعة، للطهارة العظيمة من الذنوب.(٧) أي نقه من الذنوب بأنواع المغفرة، كما أن هذه الأشياء أنواع المطهرات من الدنس.стр. 1216
وأبدله دارًا خيرًا من داره، وزوجًا خيرًا من زوجه (١) وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار) (٢) رواه مسلم عن عوف بن مالك، أنه سمع النبي ﷺ يقول ذلك على جنازة، حتى تمنى أن يكون ذلك الميت (٣) وفيه «وأبدله أهلاً خيرًا من أهله، وأدخله الجنة» (٤) وزاد الموفق لفظ: من الذنوب (٥) (وافسح له في قبره، ونور له فيه) لأَنه لائق بالمحل (٦) . الحواشي
(١) والزوج، بغير هاء، يقال للذكر والأنثى، وقد يقال للمرأة زوجة بالهاء. والمراد بالإبدال الفعلي أو التقديري، أي خيرًا من زوج لو تزوج، إذ منهم من ليس له دار بالدنيا.(٢) وهذا من أجمع الأدعية، وقال ابن عبد البر: عذاب القبر، غير فتنته بدلائل من السنة الثابتة.(٣) ولفظه: قال: فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ لذلك الميت، بهذا الدعاء الجامع الشامل، إذ من أدخل الجنة، ونجي من عذاب القبر، وعذاب النار فقد تمَّ فوزه.(٤) أي بعد قوله: «وأبدله دارًا خيرًا من داره» قال: «وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة ... » الخ.(٥) أي فليست في صحيح مسلم، ورواه البيهقي وغيره بدونها، والذنب هو الإثم، والخطيئة الذنب.(٦) «افسح» بفتح السين أي وسع، زاد الخرقي وغيره: اللهم إنه عبدك، وابن أمتك، نزل بك، وأنت خير منزول به. وقال ابن القيم: وحفظ من دعاء
النبي ﷺ «اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر، ومن عذاب النار، فأنت أهل الوفاء والحق، فاغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم» ومنه: «اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وتعلم سرها وعلانيتها، جئنا شفعاء، فاغفر لها» ورواه أبو داود وغيره.
وأصل الشفع الزيادة، فكأنهم طلبوا أن يزاد بدعائهم من رحمة الله، إلى ماله بتوحيده وعمله.стр. 1217
وإن كان الميت أُنثى أَنث الضمير (١) وإن كان خنثى قال: هذا الميت ونحوه (٢) ولا بأْس بالإشارة بالإصبع حال الدعاء للميت (وإن كان) الميت (صغيرًا) ذكرًا أو أنثى، أو بلغ مجنونًا واستمر (٣) (قال) بعد: ومن توفيته منا فتوفه عليهما (٤) (اللهم اجعله ذخرًا لوالديه (٥) . الحواشي
(١) فيقول: اللهم اغفر لها، وارحمها؛ والأولى أن لا يحول، لعوده على الميت.(٢) كهذه الجنازة، لأنه يصلح لهما، وينبغي عوده على الميت اتباعًا، لإطلاق النص.(٣) يعني على جنونه، حتى مات.(٤) وكذا إن أكمل الحديث، فقال: «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله» لفعل السلف والخلف، ولمناسبته للحال، استحب أن يقول مكان الاستغفار للميت هذا الدعاء الآتي.(٥) شبه تقدمه لهما بشيء نفيس يكون أمامهما مدخرًا، إلى وقت حاجتهما له.стр. 1218
وفرطًا) أي سابقًا مهيئًا لمصالح والديه في الآخرة، سواءً مات في حياة والديه أو بعدهما (١) (وأجرًا وشفيعًا مجابًا (٢) اللهم ثقل به موازينهما (٣) وأعظم به أجورهما (٤) وأَلحقه بصالح سلف المؤمنين (٥) واجعله في كفالة إبراهيم (٦) . الحواشي
(١) وأصل الفرط والفارط فيمن يتقدم الجماعة الواردة إلى الماء، ليهيء لهم أسبابهم في المنزل، أي فاجعله سابقًا أمام والديه، مهيئًا لمصالحهما، بمدخر نفيس في الآخرة، إلى وقت حاجتهما له بشفاعته لهما.
قال القاضي: وهو في هذا الدعاء الشافع يشفع لوالديه، وللمؤمنين المصلين عليه، وقال ﵊ فيما رواه أحمد وغيره «أما تحب أنك لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك» .(٢) أي أجرًا لوالديه، وشفيعًا لهما، مجاب الشفاعة، وللبيهقي عن أبي هريرة مرفوعًا «اللهم اجعله لنا سلفًا وفرطًا وذخرًا» وفي لفظ «وأجرًا» وزاد بعضهم «وعظة واعتبارا» .(٣) أي بثواب الصبر على فقده أو الرضى به.(٤) وسيأتي ذكر ما في الصبر عليه من الأجر الجزيل.(٥) أي آبائهم المتقدمين، ومن فضل الله وكرمه أنه يلحق بالذين آمنوا وعملوا الصالحات ذريتهم.(٦) إشارة إلى ما رواه ابن أبي الدنيا وغيره عن خالد بن معدان «إن في الجنة لشجرة يقال لها طوبى، كلها ضروع، من مات من الصبيان الذين يرضعون رضع من طوبى، وحاضنهم إبراهيم خليل الرحمن ﵇» .стр. 1219
وقه برحمتك عذاب الجحيم) (١) ولا يستغفر له، لأَنه شافع غير مشفوع فيه، ولا جرى عليه قلم (٢) .
وإذا لم يعرف إسلام والديه دعا لمواليه (٣) (ويقف بعد الرابعة قليلاً) (٤) ولا يدعو، ولا يتشهد، ولا يسبح (٥) . الحواشي
(١) لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا، «والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» وفي رواية «بالعافية والرحمة» رواهما أحمد، ولفظ الترمذي وغيره «والطفل» الخ وأي دعاء دعا به مما ذكر ونحوه أجزأ، والجحيم اسم من أسماء النار، قال الخليل: هي النار الشديدة.(٢) فالدعاء لوالديه أولى من الدعاء له، وما ذكر من الدعاء لائق بالمحل، مناسب لما هو فيه، فشرع فيه الاستغفار للبالغ.(٣) أي موالي الصغير والمجنون، حيث كان له موال يعلم إسلامهم لقيامهما مقام والديه في المصاب به، فيقول: ذخرًا لمواليه الخ، قال شيخ الإسلام: ومن كان من أمة أصلها كفار، لم يجز أن يستغفر لأبويه، إلا أن يكونا قد أسلما للآية. اهـ. وأما ولد الزنا فيدعى لأمه فقط، لثبوت نسبه منها، بخلاف أبيه، وإن كان كل منهما زانيًا، وكذا المنفي بلعان.(٤) لحديث زيد بن أرقم: كان يكبر أربعًا، ثم يقف ما شاء الله، فكنت أحسب أن هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف رواه الجوزجاني، ولما يأتي من حديث ابن أبي أوفى وغيره.(٥) وفاقًا في الأخيرتين، لما تقدم من أن مبناها على التخفيف، وأما الدعاء فعنه: يدعو بعد الرابعة كالثالثة، اختاره المجد وغيره، وفاقًا لجمهور العلماء،
ولأن ابن أبي أوفى فعله، وأخبر أن النبي ﷺ أمر به وفعله، رواه أحمد وابن ماجه، والبيهقي، والحاكم وصححه، وقال أحمد: هو أصلح ما روي، ولا أعلم شيئًا يخالفه، ولأنه قيام في جنازة، أشبه الذي قبله، وقال في المحرر: بل يجوز في الرابعة، ولم يذكر خلافًا، فقول ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وصح أن أنسًا كان لا يدعو بدعاء إلا ختمه بهذا الدعاء، واختار أبو بكر، وفاقًا للشافعية وغيرهم: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله. ولأنه لائق بالمحل.стр. 1220
(ويسلم) تسلمية (واحدة عن يمينه) (١) روى الجوزجاني عن عطاء بن السائب أن النبي ﷺ سلم على الجنازة، تسليمة واحدة (٢) . الحواشي
(١) وفاقًا لمالك، يجهر بها الإمام كالمكتوبة.(٢) ولقوله «وتحليلها التسليم» وقيل لأحمد: أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلم على الجنازة تسليمتين؟ قال: لا؛ ولكن عن ستة من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة خفيفة. وذكره البيهقي عن عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال ابن القيم: وهو المعروف عن ابن أبي أوفى. اهـ. وتقدم، ولأنه أشبه بالحال، وأكثر ما روي في التسليم، وقول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، ولأن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف، وقال ابن المبارك: من سلم على جنازة تسليمتين فهو جاهل جاهل، واختار القاضي أن المستحب تسليمتان، وواحدة تجزئ، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، قال الموفق: وقول القاضي مخالف لقول إمامه وأصحابه، ولإجماع الصحابة والتابعين. والجوزجاني هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق، ثقة مات سنة ٢٥٩هـ وعطاء بن السائب أبو محمد الثقفي الكوفي، صدوق مات سنة ١٣٦هـ.стр. 1221
ويجوز تلقاء وجهه، وثانية (١) وسن وقوفه حتى ترفع (٢) (ويرفع يديه) ندبًا (مع كل تكبيرة) لما تقدم في صلاة العيدين (٣) (وواجبها) أي الواجب في صلاة الجنازة مما تقدم (٤) . الحواشي
(١) أي ويجوز أن يسلم من صلاة الجنازة تلقاء وجهه، من غير التفات، ويجوز أن يسلم تسليمة ثانية عن يساره، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لما ذكر الحاكم وغيره عن ابن أبي أوفى: ثم سلم عن يمينه، وعن شماله، فلما انصرف قال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع. قال في المبدع: ويتابع الإمام في الثانية كالقنوت، وظاهر كلام ابن الجوزي يُسِرُّ بها وفاقًا، ويجزئ وإن لم يقل: ورحمة الله؛ لما روى الخلال عن علي، وفيه وقال: السلام عليكم، لكن ذكر الرحمة أليق بالحال، فكان أولى.(٢) أي ويسن وقوف المصلي على الجنازة مكانه، إمامًا كان أو مأمومًا، حتى ترفع الجنازة من بين أيديهم، قال مجاهد: رأيت ابن عمر لا يبرح من مصلاه، حتى يراها على أيدي الرجال. وقال الأوزاعي: لا تنفَضُّ الصفوف حتى ترفع الجنازة، وهو قول عامة العلماء.(٣) وقال الشافعي: ترفع للأثر، والقياس على السنة في الصلاة، ورواه هو والبيهقي وغيرهما عن ابن عمر وأنس، وسعيد عن ابن عباس، والأثرم عن عمر وزيد بن ثابت، ولأنه لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود، فسن فيها الرفع، كالصلاة، وحكى الشارح أن الرفع في التكبيرة الأولى إجماع، وصفة الرفع وانتهاؤه كما سبق، وروى الترمذي وغيره، بسند فيه ضعف: أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في أول التكبير، ويضع اليمنى على اليسرى.(٤) يعني من المطلوب في صفتها ستة أشياء ، و «صلاة الجنازة» من إضافة الشيء إلى سببه.стр. 1222
(قيام) في فرضها (١) (وتكبيرات) أربع (٢) . الحواشي
(١) أي قيام قادر، إن كانت الصلاة على الميت فرضًا وفاقًا، حكاه الوزير وغيره، كسائر الصلوات المفروضة، لعموم «صل قائمًا» فلا تصح من قاعد، ولا راكب راحلة بلا عذر، وعلم منه أنها لو تكررت لم يجب القيام على من صلى على جنازة، بعد أن صلى عليها غيره، لسقوط الفرضية بالأولى.(٢) أجماعًا، لما في الصحيحين وغيرهما من غير وجه، عن ابن عباس وأبي هريرة، وجابر وأنس وغيرهم، أنه ﷺ كبر أربعًا، وجمع عمر الناس على أربع تكبيرات، وقال: لا يجوز النقص عن الأربع، وقال النخعي: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ في بيت أبي مسعود، فأجمعوا على أربع، وذكر ابن عبد البر وغيره أنه قد أجمع الفقهاء، وأهل الفتوى بالأمصار على أربع، على ما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما سوى ذلك عندهم شذوذ.
وقال النووي: قد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في أن التكبير المشروع خمس، أم أربع، أم غير ذلك، ثم انقرض ذلك الخلاف، وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات، بلا زيادة ولا نقص. اهـ. فإن ترك غير مسبوق تكبيرة عمدًا بطلت، وسهوا يكبرها ما لم يطل الفصل، فإن طال، أو وجد مناف، من كلام أو نحوه استأنف، لفعل أنس، لما كبر ثلاثًا قيل له؛ فكبر الرابعة، رواه البخاري وغيره، ورواه حرب وغيره من طريق آخر، أنه رجع فكبر أربعًا، ولعل الأولى مع عدم المنافي، وفي الرواية الثانية أنه تكلم، وعوده إلى ذلك دليل إجماعهم على أنه لا بد من أربع، والأولى أن لا يزيد على أربع، لأن المداومة تدل على الفضيلة.
وقال النووي أيضًا: صحت الأحاديث بأربع تكبيرات وخمس، وهو من الاختلاف المباح، وليس إخلالاً بصورة الصلاة، فلا تبطل به، وقال ابن القيم: وكان ﷺ يكبر أربع تكبيرات، وصح أنه كبر خمسًا، وكان
الصحابة بعده يكبرون أربعًا وخمسًا، وستًا وسبعًا، وقال سعيد بن منصور: هذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع منها، وقال في الشرح: ولا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات، لا يختلف المذهب فيه، وقال غيره: لا خلاف في أنه لا يتابع في الزائد عليها، قال أحمد: هو أكثر ما جاء فيه اهـ. ولا تستحب إجماعًا. وحكى الوزير عن أبي حنيفة ومالك والشافعي، ورواية عن أحمد: لا يتابع ما زاد على أربع، قال أبو المعالي: وهو المذهب، لأنه زاد على القدر المشروع. وذكر ابن حامد وجهًا: تبطل بمجاوزة أربع عمدًا، وقال الشافعي؛ واحتج بحديث النجاشي، قال أحمد: والحجة له. ولا يجوز للمأموم أن يسلم قبل إمامه، نص عليه أحمد وغيره.стр. 1223
(والفاتحة) ويتحملها الإمام عن المأْموم (١) (والصلاة على النبي ﷺ (٢) ودعوة للميت، والسلام) (٣) . الحواشي
(١) أي وتجب قراءة الفاتحة على الإمام والمنفرد، على الأصح، وفاقًا للشافعي، لقوله «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وغير ذلك مما تقدم، وعنه: لا تجب، قال شيخ الإسلام: لا تجب قراءة الفاتحة، بل هي سنة، وفاقًا لمالك والشافعي، ويتحمل قراءة الفاتحة الإمام عن المأموم كالفريضة.(٢) لقوله «لا صلاة لمن لم يصل على نبيه ﷺ » ونحوه، ولا يتعين لفظ صلاة مخصوص، لأن المقصود مطلق الصلاة.(٣) أي والخامس دعوة للميت أي دعاء له، وفاقًا، لأنه هو المقصود، فلا يجوز الإخلال به، وقد نقل فيه ما لم ينقل في القراءة، والصلاة على النبي ﷺ ، فهو أوكد، وقال النووي: الدعاء واجب في الثالثة بلا خلاف، وليس لتخصيصه بها دليل واضح اهـ. وإنما قدم الثناء على الله، والصلاة على النبي ﷺ ، لأنهما سنة الدعاء، والسادس السلام إجماعًا، والمراد واحدة، كما هو قول الجمهور، فـ «أَلْ» للعهد، لأنه ﵊ يسلم في صلاة الجنائز، وقال «صلوا كما رأيتموني أصلي» .стр. 1224
ويشترط لها النية (١) فينوي الصلاة على الميت (٢) ولا يضر جهله بالذكر وغيره (٣) فإن جهله نوى: على من يصلي عليه الإمام (٤) وإن نوى أَحد الموتى اعتبر تعيينه (٥) وإن نوى: على هذا الرجل، فبان امرأَة أَو بالعكس أَجزأَ، لقوة التعيين، قاله أبو المعالي (٦) . الحواشي
(١) أي للصلاة على الميت، وتقدم حديث «إنما الأعمال بالنيات» وأنها القصد، وأن التلفظ بها بدعة، وعبارة الإقناع والمنتهى: ويشترط لها ما يشترط لمكتوبة، إلا الوقت، وحكاه غير واحد اتفاقًا، مع حضور الميت وإسلامه وتطهيره.(٢) ذكرًا كان أو أنثى، أو على هؤلاء الموتى، وإن كانوا جماعة فمعرفة عددهم أولى.(٣) أي غير الذكر، وهو الأنثى أو الخنثى، قال في الرعاية: ولا يشترط معرفة عين الميت في الصلاة، لعدم توقف المقصود على ذلك، فينوي الصلاة على الجنازة الحاضرة، أو على هذه الجنازة، ونحو ذلك.
وقال في الإقناع: والأولى معرفة ذكوريته وأنوثيته، واسمه وتسميته في دعائه له، ولا يعتبر ذلك.(٤) واجزأت، وعليه العمل، ولم يرو أن كل مصل يسأل عمن يصلي عليه.(٥) لتزول الجهالة، وإذا عينه لم تصح على غيره، لأن قوة التعيين تصير ما سوى المعين غير مراد، ولا مقصود، ولفظ أبي المعالي: فإن نوى الصلاة على معين من موتى، كأن يريد زيدًا فبان غيره لم تصح، قال في الفروع: وهو معنى كلام غيره.(٦) وعكسه إن نوى على هذه المرأة، فبان رجلاً أجزأ، لعدم اختلاف المقصود باختلاف ذلك.стр. 1225
وإسلام الميت (١) وطهارته من الحدث والجنس مع القدرة (٢) . الحواشي
(١) لأن الصلاة شفاعة له ودعاء، والكافر ليس أهلاً لذلك، قال تعالى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ .
وقال أحمد: الرافضة والجهمية لا يصلى عليهم. وقال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم، لأن النبي ﷺ ترك الصلاة على من به دون ذلك، فالأولى أن تترك الصلاة عليهم.
وقال شيخ الإسلام: من كان مظهرًا للإسلام، فإنه يجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة، من تغسيله والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، لكن من علم من النفاق والزندقة، فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان مظهرًا للإسلام، وذكر الآية، وقوله ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
ثم قال: وأما من كان مظهرًا للفسق، مع ما فيه من الإيمان، كأهل الكبائر، فلا بد أن يصلي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع زجرًا لأمثاله كما فعل النبي ﷺ ، كان حسنًا، وإن صلى يرجو رحمة الله، ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان حسنًا، وإن امتنع في الظاهر، ودعا في الباطن، كان أولى، وكل من لم يعلم منه النفاق، وهو مسلم، يجوز الاستغفار له، والصلاة عليه، ويؤمر به، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وإن اختلط المسلمون بالمشركين، ولم يتميزوا غسل الجميع، وصلي عليهم، سواء كان عدد المسلمين أقل أو أكثر، وهذا مذهب مالك والشافعي، قياسًا على ما ثبت عنه ﷺ في السلام على المجلس الذي فيه أخلاط من المسلمين والمشركين.(٢) وفاقًا، لأن العجز عن الطهارة، لا يسقط فرض الصلاة كالحي، وكباقي الشروط.стр. 1226
وإلا صلي عليه (١) والاستقبال والسترة كمكتوبة (٢) وحضور الميت بين يديه (٣) فلا تصح على جنازة محمولة، ولا من وراء جدار (٤) (ومن فاته شيءٌ من التكبير قضاه) ندبًا (على صفته) (٥) لأَن القضاءَ يحكي الأَداءَ، كسائر الصلوات (٦) . الحواشي
(١) أي وإن عجز عن طهارته من الحدث أو النجس يمم وصلي عليه.(٢) أي كما يشترط للمكتوبة، من الاستقبال إلى جهة القبلة، وستر العورة، فيشترط في صلاة الجنازة استقبال القبلة، وستر أحد عاتقيه على المذهب، بخلاف النفل فلا يشترط له ذلك.(٣) أي يدي المصلي، والمراد قبل الدفن، وصرح به جماعة في المسبوق وفاقًا، ولأنه لا صلاة بدون الميت، وقال عثمان: لو كبر على جنازة، ثم جيء بأخرى، كبر ثانية ونواهما، فإن جيء بثالثة كبر الثالثة، ونوى الجنائز الثلاث، فإن جيء برابعة كبر الرابعة ونوى الكل، فيصير مكبرًا على الأولى أربعًا، وعلى الثانية ثلاثًا، وعلى الثالثة اثنتين، وعلى الرابعة واحدة فيأتي بثلاث تكبيرات أخر، فيتم سبعًا يقرأ في خامسة ما ذكر في المتن.(٤) قبل الدفن، نص عليه وفاقًا، ولا من وراء خشب، كالتابوت المغطى بخشب، فلا تصح على الميت وهو فيه، بخلاف السترة من غير ذلك، فإنها لا تمنع الصحة، وكذا يشترط تكفينه، فلا تصح قبل أن يغسل، أو ييمم لعدم، ويكفن، وسن دنوه منها، وقال المجد وغيره: قربها من الإمام مقصود، لأنه يسن الدنو منها.(٥) أي أتى بالتكبير نسقًا، ويقضي الثلاث استحبابًا.(٦) فيتابع إمامه فيما أدركه فيه، ولا ينتظر تكبيرة الإمام المستقبلة، بل يدخل معه في الحال، كالفريضة، ولقوله «فما أدركتم فصلوا» وهذا مذهب الشافعي، ورواية عن مالك، وقول جمهور العلماء، وحكي إجماعًا، والمحاكاة المضاهاة أي المشابهة.стр. 1227
والمقضي أول صلاته، يأْتي فيه بحسب ذلك (١) وإن خشي رفعها تابع التكبير، رفعت أَم لا (٢) وإن سلم مع الإمام، ولم يقضه صحت، لقوله ﷺ لعائشة «ما فاتك لا قضاء عليك» (٣) (ومن فاتته الصلاة عليه) أي على الميت (صلى على القبر) (٤) . الحواشي
(١) فإذا سلم إمامه كبر وقرأ الفاتحة، ثم راعى باقي التكبيرات ترتيب نفسه، لا ما يقوله إمامه، وفاقًا للشافعي، وعنه يقضيه على صفته، على ما تقدم في أحكام المسبوق، ومتى أدرك الإمام في الأولى، فكبر وشرع في القراءة، ثم كبر الإمام قبل أن يتمها، قطع القراءة وتابعه.(٢) أي والي بين التكبير، من غير ذكر ولا دعاء، رفعت الجنازة أو لم ترفع من بين يديه، قدمه في الفروع، وحكاه نصًا.
واختاره أكثر الأصحاب وفاقًا، لما روى نافع عن ابن عمر أنه قال: لا يقضي، فإن كبر متتابعًا فلا بأس. قال الموفق: ولم يعرف له مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا.(٣) وعنه: يقضيه بعد سلام إمامه، لا يأتي به ثم يتابع الإمام، في أصح الروايتين وفاقًا، واختاره أبو بكر، والآجري والحلواني وابن عقيل وشيخنا وغيرهم، ويستحب للمسبوق أن يدخل ولو بين التكبيرتين إجماعًا.(٤) أي استحب له الصلاة على القبر بلا نزاع، وقال أحمد: من يشك في الصلاة على القبر؟ ويكون الميت بينه وبين القبلة، وفي الإقناع: استحب له إذا وضعت أن يصلي عليها، قبل الدفن أو بعده، ولو جماعة على القبر.стр. 1228
إلى شهر من دفنه (١) لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس أن النبي ﷺ صلى على قبر (٢) . وعن سعيد بن المسيب، أن أُم سعد ماتت، والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر. الحواشي
(١) وتجوز قريبًا منه، لدلالة الخبر عليه.(٢) ولفظ حديث أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها النبي ﷺ فسأل عنها، فقالوا: ماتت، قال «أفلا آذنتموني؟ دلوني على قبرها» فدلوه فصلى عليها. ولفظ حديث ابن عباس: أنه انتهى إلى قبر رطب، فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعًا، وجاء في الصلاة على القبر أحاديث كثيرة.
قال ابن رشد: ثابتة باتفاق من أصحاب الحديث. اهـ.
فأما من لم يصل عليه، ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة والإجماع باق؛ قال أحمد: يروى عن النبي ﷺ من ستة أوجه أو ثمانية، أنه صلى على قبر بعدما دفن.
ومن صُلَّي عليه فقد قال بمشروعية الصلاة عليه الجمهور، ومن اعتذر عن هذه السنة المشهورة فلعلها لم تبلغه من طريق يثق به، وفي الفصول: لا يصلى عليه مرتين كالعين، وقيل يصلى، اختاره في الفنون، وشيخ الإسلام، وجمهور السلف، لأنه دعاء، ويجوز جماعة وفرادى.
قال أحمد: لا بأس به، قد فعله عدة من أصحاب النبي ﷺ . وفي المحرر: يصلي تبعًا، وإلا فلا، إجماعًا وقال: تستحب إعادتها تبعًا مع الغير، ولا تستحب ابتداء. اهـ.
وكما لو صُلَّي عليه بلا إذن ولي حاضر، أو ولي بعده حاضر، فإنها تعاد تبعًا وفاقًا، وقال شيخ الإسلام: لا تعاد الصلاة عليها إلا لسبب، مثل أن يعيد غيره فيعيد معهم، أو يكون أحق بالإمامة من الطائفة الثانية، فيصلي بهم.стр. 1229
رواه الترمذي، ورواته ثقات، قال أحمد: أكثر ما سمعت هذا (١) وتحرم بعده، ما لم تكن زيادة يسيرة (٢) (و) يصلي (على غائب) عن البلد، ولو دون مسافة قصر (٣) . الحواشي
(١) يعني إلى شهر، فحد الصلاة على القبر بشهر، إذ هو أكثر ما روي عن النبي ﷺ أنه صلى بعده، والحديث رواه البيهقي، وروى نحوه عن ابن عباس، وقال الحافظ: إسناده مرسل صحيح، وحده الشافعي بما إذا لم يبل الميت، ومنع منه مالك وأبو حنيفة، إلا للولي إذا كان غائبًا، وقال ابن القيم: صلى النبي ﷺ على القبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يوقت في ذلك وقتًا انتهى، وقال ابن عقيل: يجوز مطلقًا، لقيام الدليل على الجواز، وما وقع من الشهر فاتفاق، ويؤيده أنه ﷺ صلى على قتلى أحد، بعد ثمان سنين، رواه البخاري وغيره، وفي السنن وغيرها أنه صلى على قبر بعد شهرين.(٢) كيوم أو يومين، وقالوا: إن شك في نقصان المدة صلى حتى يعلم فراغها، ويؤخذ من كلامهم الشك في التوقيت من الشارع، وتقدم في الصحيح أنه صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، ولم يثبت توقيت يجب المصير إليه، وأما الصلاة عليه مطلقًا فباطل، فإن قبر النبي ﷺ لا يصلى عليه الآن إجماعًا.(٣) قال الحافظ: وبذلك قال الشافعي وأحمد، وجمهور السلف، وقال ابن جزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه، قال الشافعي: الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر، وقيل: إن لم يكن صلي عليه، وإلا فلا. اختاره الشيخ، وقال: ولا يُصلَّى كل يوم على غائب، لأنه لم ينقل. وقال ابن القيم: مات خلق عظيم وهم غيب، فلم يصل عليهم، وإنما صلى على النجاشي، وفعله سنة، وتركه سنة، وصوب أنه إن مات ببلد لم يصل عليه صلي عليه، كما صلى النبي ﷺ على النجاشي، وإلا فلا. اهـ.
ولا يصلى على غائب في أحد جانبي البلد، ولو كان كبيرًا، ولو لمشقة مطر أو مرض، قال الشيخ: والقائلون بالجواز قيدوه بالكبير، وفي الإنصاف: هو مراد من أطلق، قال الشيخ: وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة، لأنه إذًا من أهل الصلاة في البلد، فلا يعد غائبًا عنها، قال: ولا بد من انفصاله عن البلد، بما يعد الذهاب إليه نوع سفر.стр. 1230
فتجوز صلاة الإمام والآحاد عليه (بالنية إلى شهر) (١) لصلاته ﵇ على النجاشي كما في المتفق عليه عن جابر (٢) وكذا غريق وأَسير ونحوهما (٣) . الحواشي
(١) قال في الفروع: ولم يوقت في ذلك وقتًا، وصحح في تصحيحها الجواز، وتقدم جوازه إلى سنة أو ما لم يبل.(٢) ولفظه: أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعًا. وفي لفظ: أنه ﷺ قال: «توفي اليوم رجل صالح من الحبشة، فهلموا فصلوا عليه» فصففنا خلفه فصلى عليه، ونحن صفوف، ونحوه للجماعة عن أبي هريرة: نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات. والنجاشي هو ملك الحبشة، وكان اسمه «أصحمة» ومعناه بالعربية عطية، ويسمى كل من ملك الحبشة النجاشي، كما يسمى كل خليفة للمسلمين أمير المؤمنين، ومن ملك الروم قيصر، والفرس كسرى، والترك خاقان، والقبط فرعون، ومصر العزيز.(٣) فيصلى عليه، والمذهب إلى شهر، ويسقط شرط الحضور للحاجة، والغسل للتعذر، وإن حضر استحب أن يصلى عليه ثانيًا، جزم به ابن تميم وغيره.следующие страницы →