Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وإلا صلي عليه (١) والاستقبال والسترة كمكتوبة (٢) وحضور الميت بين يديه (٣) فلا تصح على جنازة محمولة، ولا من وراء جدار (٤) (ومن فاته شيءٌ من التكبير قضاه) ندبًا (على صفته) (٥) لأَن القضاءَ يحكي الأَداءَ، كسائر الصلوات (٦) . الحواشي
(١) أي وإن عجز عن طهارته من الحدث أو النجس يمم وصلي عليه.(٢) أي كما يشترط للمكتوبة، من الاستقبال إلى جهة القبلة، وستر العورة، فيشترط في صلاة الجنازة استقبال القبلة، وستر أحد عاتقيه على المذهب، بخلاف النفل فلا يشترط له ذلك.(٣) أي يدي المصلي، والمراد قبل الدفن، وصرح به جماعة في المسبوق وفاقًا، ولأنه لا صلاة بدون الميت، وقال عثمان: لو كبر على جنازة، ثم جيء بأخرى، كبر ثانية ونواهما، فإن جيء بثالثة كبر الثالثة، ونوى الجنائز الثلاث، فإن جيء برابعة كبر الرابعة ونوى الكل، فيصير مكبرًا على الأولى أربعًا، وعلى الثانية ثلاثًا، وعلى الثالثة اثنتين، وعلى الرابعة واحدة فيأتي بثلاث تكبيرات أخر، فيتم سبعًا يقرأ في خامسة ما ذكر في المتن.(٤) قبل الدفن، نص عليه وفاقًا، ولا من وراء خشب، كالتابوت المغطى بخشب، فلا تصح على الميت وهو فيه، بخلاف السترة من غير ذلك، فإنها لا تمنع الصحة، وكذا يشترط تكفينه، فلا تصح قبل أن يغسل، أو ييمم لعدم، ويكفن، وسن دنوه منها، وقال المجد وغيره: قربها من الإمام مقصود، لأنه يسن الدنو منها.(٥) أي أتى بالتكبير نسقًا، ويقضي الثلاث استحبابًا.(٦) فيتابع إمامه فيما أدركه فيه، ولا ينتظر تكبيرة الإمام المستقبلة، بل يدخل معه في الحال، كالفريضة، ولقوله «فما أدركتم فصلوا» وهذا مذهب الشافعي، ورواية عن مالك، وقول جمهور العلماء، وحكي إجماعًا، والمحاكاة المضاهاة أي المشابهة.стр. 1227
والمقضي أول صلاته، يأْتي فيه بحسب ذلك (١) وإن خشي رفعها تابع التكبير، رفعت أَم لا (٢) وإن سلم مع الإمام، ولم يقضه صحت، لقوله ﷺ لعائشة «ما فاتك لا قضاء عليك» (٣) (ومن فاتته الصلاة عليه) أي على الميت (صلى على القبر) (٤) . الحواشي
(١) فإذا سلم إمامه كبر وقرأ الفاتحة، ثم راعى باقي التكبيرات ترتيب نفسه، لا ما يقوله إمامه، وفاقًا للشافعي، وعنه يقضيه على صفته، على ما تقدم في أحكام المسبوق، ومتى أدرك الإمام في الأولى، فكبر وشرع في القراءة، ثم كبر الإمام قبل أن يتمها، قطع القراءة وتابعه.(٢) أي والي بين التكبير، من غير ذكر ولا دعاء، رفعت الجنازة أو لم ترفع من بين يديه، قدمه في الفروع، وحكاه نصًا.
واختاره أكثر الأصحاب وفاقًا، لما روى نافع عن ابن عمر أنه قال: لا يقضي، فإن كبر متتابعًا فلا بأس. قال الموفق: ولم يعرف له مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا.(٣) وعنه: يقضيه بعد سلام إمامه، لا يأتي به ثم يتابع الإمام، في أصح الروايتين وفاقًا، واختاره أبو بكر، والآجري والحلواني وابن عقيل وشيخنا وغيرهم، ويستحب للمسبوق أن يدخل ولو بين التكبيرتين إجماعًا.(٤) أي استحب له الصلاة على القبر بلا نزاع، وقال أحمد: من يشك في الصلاة على القبر؟ ويكون الميت بينه وبين القبلة، وفي الإقناع: استحب له إذا وضعت أن يصلي عليها، قبل الدفن أو بعده، ولو جماعة على القبر.стр. 1228
إلى شهر من دفنه (١) لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس أن النبي ﷺ صلى على قبر (٢) . وعن سعيد بن المسيب، أن أُم سعد ماتت، والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر. الحواشي
(١) وتجوز قريبًا منه، لدلالة الخبر عليه.(٢) ولفظ حديث أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها النبي ﷺ فسأل عنها، فقالوا: ماتت، قال «أفلا آذنتموني؟ دلوني على قبرها» فدلوه فصلى عليها. ولفظ حديث ابن عباس: أنه انتهى إلى قبر رطب، فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعًا، وجاء في الصلاة على القبر أحاديث كثيرة.
قال ابن رشد: ثابتة باتفاق من أصحاب الحديث. اهـ.
فأما من لم يصل عليه، ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة والإجماع باق؛ قال أحمد: يروى عن النبي ﷺ من ستة أوجه أو ثمانية، أنه صلى على قبر بعدما دفن.
ومن صُلَّي عليه فقد قال بمشروعية الصلاة عليه الجمهور، ومن اعتذر عن هذه السنة المشهورة فلعلها لم تبلغه من طريق يثق به، وفي الفصول: لا يصلى عليه مرتين كالعين، وقيل يصلى، اختاره في الفنون، وشيخ الإسلام، وجمهور السلف، لأنه دعاء، ويجوز جماعة وفرادى.
قال أحمد: لا بأس به، قد فعله عدة من أصحاب النبي ﷺ . وفي المحرر: يصلي تبعًا، وإلا فلا، إجماعًا وقال: تستحب إعادتها تبعًا مع الغير، ولا تستحب ابتداء. اهـ.
وكما لو صُلَّي عليه بلا إذن ولي حاضر، أو ولي بعده حاضر، فإنها تعاد تبعًا وفاقًا، وقال شيخ الإسلام: لا تعاد الصلاة عليها إلا لسبب، مثل أن يعيد غيره فيعيد معهم، أو يكون أحق بالإمامة من الطائفة الثانية، فيصلي بهم.стр. 1229
رواه الترمذي، ورواته ثقات، قال أحمد: أكثر ما سمعت هذا (١) وتحرم بعده، ما لم تكن زيادة يسيرة (٢) (و) يصلي (على غائب) عن البلد، ولو دون مسافة قصر (٣) . الحواشي
(١) يعني إلى شهر، فحد الصلاة على القبر بشهر، إذ هو أكثر ما روي عن النبي ﷺ أنه صلى بعده، والحديث رواه البيهقي، وروى نحوه عن ابن عباس، وقال الحافظ: إسناده مرسل صحيح، وحده الشافعي بما إذا لم يبل الميت، ومنع منه مالك وأبو حنيفة، إلا للولي إذا كان غائبًا، وقال ابن القيم: صلى النبي ﷺ على القبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يوقت في ذلك وقتًا انتهى، وقال ابن عقيل: يجوز مطلقًا، لقيام الدليل على الجواز، وما وقع من الشهر فاتفاق، ويؤيده أنه ﷺ صلى على قتلى أحد، بعد ثمان سنين، رواه البخاري وغيره، وفي السنن وغيرها أنه صلى على قبر بعد شهرين.(٢) كيوم أو يومين، وقالوا: إن شك في نقصان المدة صلى حتى يعلم فراغها، ويؤخذ من كلامهم الشك في التوقيت من الشارع، وتقدم في الصحيح أنه صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، ولم يثبت توقيت يجب المصير إليه، وأما الصلاة عليه مطلقًا فباطل، فإن قبر النبي ﷺ لا يصلى عليه الآن إجماعًا.(٣) قال الحافظ: وبذلك قال الشافعي وأحمد، وجمهور السلف، وقال ابن جزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه، قال الشافعي: الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر، وقيل: إن لم يكن صلي عليه، وإلا فلا. اختاره الشيخ، وقال: ولا يُصلَّى كل يوم على غائب، لأنه لم ينقل. وقال ابن القيم: مات خلق عظيم وهم غيب، فلم يصل عليهم، وإنما صلى على النجاشي، وفعله سنة، وتركه سنة، وصوب أنه إن مات ببلد لم يصل عليه صلي عليه، كما صلى النبي ﷺ على النجاشي، وإلا فلا. اهـ.
ولا يصلى على غائب في أحد جانبي البلد، ولو كان كبيرًا، ولو لمشقة مطر أو مرض، قال الشيخ: والقائلون بالجواز قيدوه بالكبير، وفي الإنصاف: هو مراد من أطلق، قال الشيخ: وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة، لأنه إذًا من أهل الصلاة في البلد، فلا يعد غائبًا عنها، قال: ولا بد من انفصاله عن البلد، بما يعد الذهاب إليه نوع سفر.стр. 1230
فتجوز صلاة الإمام والآحاد عليه (بالنية إلى شهر) (١) لصلاته ﵇ على النجاشي كما في المتفق عليه عن جابر (٢) وكذا غريق وأَسير ونحوهما (٣) . الحواشي
(١) قال في الفروع: ولم يوقت في ذلك وقتًا، وصحح في تصحيحها الجواز، وتقدم جوازه إلى سنة أو ما لم يبل.(٢) ولفظه: أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعًا. وفي لفظ: أنه ﷺ قال: «توفي اليوم رجل صالح من الحبشة، فهلموا فصلوا عليه» فصففنا خلفه فصلى عليه، ونحن صفوف، ونحوه للجماعة عن أبي هريرة: نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات. والنجاشي هو ملك الحبشة، وكان اسمه «أصحمة» ومعناه بالعربية عطية، ويسمى كل من ملك الحبشة النجاشي، كما يسمى كل خليفة للمسلمين أمير المؤمنين، ومن ملك الروم قيصر، والفرس كسرى، والترك خاقان، والقبط فرعون، ومصر العزيز.(٣) فيصلى عليه، والمذهب إلى شهر، ويسقط شرط الحضور للحاجة، والغسل للتعذر، وإن حضر استحب أن يصلى عليه ثانيًا، جزم به ابن تميم وغيره.стр. 1231
وإن وجد بعض ميت لم يصل عليه فككله (١) إلا الشعر والظفر والسن (٢) فيغسل ويكفن ويصلى عليه (٣) ثم إن وجد الباقي فكذلك، ويدفن بجنبه (٤) ولا يصلى على مأْكول ببطن آكل (٥) ولا مستحيل بإحراق ونحوه (٦) ولا على بعض حي مدة حياته (٧) . الحواشي
(١) أي كل الميت لو وجد، يغسل ويكفن، ويصلى عليه.(٢) فلا لأنه في حكم المنفصل حال الحياة، بل ولا حياة فيها.(٣) وجوبًا، إن لم يكن صلي عليه، لأن أبا أيوب صلى على رجل إنسان، رواه أحمد، وصلى عمر على عظام بالشام، وأبو عبيدة على رؤوس، رواهما عبد الله بن الإمام أحمد والبيهقي.
وقال الشافعي: ألقى طائر يدًا بمكة، من وقعة الجمل، عرفت بالخاتم، وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فصلى عليها أهل مكة، وهذا مذهب مالك والشافعي، وجماهير أهل العلم، وقال الموفق: هو إجماع الصحابة، ولأنه بعض من ميت، فثبت له حكم الجملة، فإن كان بعضًا من ميت صلي عليه فندباً، وإن كان الباقي أكثر فوجوبًا، وقيل: يصلى عليه مطلقًا، وأما تغسيله وتكفينه، ودفنه فيجب وفاقًا.(٤) أي ثم إن وجد الباقي بعد غسل بعض الميت وتكفينه ودفنه، يغسل ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن بجنب القبر، أو في جانبه، ولا ينبش ليضاف إليه.(٥) أي من سبع أو غيره، ولو مع مشاهدة الآكل، لفقد شرطها من الغسل والتكفين.(٦) كما لو وقع في ملاحة، أو حلة صابون، لأنه لم يبق منه ما يصلى عليه.(٧) كيد وساق قطعت في سرقة، أو لآكلة، لأن الصلاة على الميت دعاء له وشفاعة، وهذا عضو لا حكم له في الثواب والعقاب.стр. 1232
(ولا) يسن أن (يصلي الإمام) الأَعظم، ولا إمام كل قرية، وهو واليها في القضاء (على الغال) وهو من كتم شيئًا مما غنمه (١) . لما روى زيد بن خالد قال: توفي رجل من جهينة يوم خيبر، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال «صلوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه القوم، فلما رأَى ما بهم قال «إن صاحبكم غل في سبيل الله» ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود، ما يساوي درهمين، رواه الخمسة إلا الترمذي، واحتج به أحمد (٢) (ولا على قاتل نفسه) عمدًا، لما روى جابر بن سمرة، أن النبي ﷺ جاؤه برجل قد قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه، رواه مسلم وغيره (٣) . الحواشي
(١) ليأخذه لنفسه ويختص به، وفي اللغة الخائن، قال القاضي عياض: لكنه صار في عرف الشرع لخيانة المغانم خاصة، يقال: غل وأغل.(٢) ورجال إسناده رجال الصحيح، وإنما ترك النبي ﷺ الصلاة عليه زجرًا لأمثاله عن الغلول، كما امتنع من الصلاة على المديون، وأمرهم بالصلاة عليه، وفي الحديث جواز الصلاة على العصاة، وتقدم أنهم أحق بالشفاعة، وأحوج إليها، وتحريم الغلول محتم، وإن كان حقيرًا، وقد ورد في الوعيد عليه أحاديث كثيرة، وفيه معجزة للنبي ﷺ ، لإخباره بذلك، وانكشاف الأمر.(٣) فرواه أصحاب السنن والمساند وغيرهم. واختار المجد وغيره أنه لا يصلى على كل من مات على معصية ظاهرة بلا توبة, وامتناع النبي ﷺ من الصلاة عليه وعلى الغال، وهو الإمام الأعظم، عليه أفضل الصلاة والسلام، يدل على ذلك، وما ثبت في حقه ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، والأصل عدم الخصوصية وأمره بالصلاة عليهما، يدل على وجوبها عليهما، فيصلى عليهما، وعلى سائر العصاة، كسارق وشارب خمر، ومقتول قصاصًا أو حدًا أو نحوه، فإنه ﷺ صلى على الغامدية، وعلى الأسلمي.
وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، إلى أنه يصلي على الفاسق، وأن النبي ﷺ إنما ترك الصلاة على الغال وقاتل نفسه زجرًا للناس، وصلت عليهما الصحابة، ويدل عليه قوله «صلوا على من قال لا إله إلا الله» وقوله «أما أنا فلا أصلي عليه» .
وقال النووي وغيره: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم، ومحدود ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنا، ونحوهم، وقال أحمد: من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، نصلي عليه، وندفنه، قال شيخ الإسلام: وإن كان منافقًا، كمن علم نفاقه، لم يصل عليه، اهـ. ولو صلى الإمام الأعظم عليهما فلا بأس، كبقية الناس، وعنه: يصلي على كل، اختاره ابن عقيل وغيره، وذكره في الفروع وفاقًا، وإن تركهما أئمة الدين زجرًا فهو أولى، وإن صلى يرجو رحمة الله، ولم يكن في الامتناع مصلحة راجحة فحسن، وإن امتنع في الظاهر، ودعا له في الباطن فحسن أيضًا وتقدم.стр. 1233
والمشاقص جمع مشقص كمنبر، نصل عريض أو سهم فيه ذلك، أو نصل طويل، أو سهم فيه ذلك، يرمى به الوحش (١) . الحواشي
(١) كما في القاموس، وفي النهاية: نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض، فإذا كان عريضًا فهو المعبلة.стр. 1234
(ولا بأْس بالصلاة عليه) أي على الميت (في المسجد) إن أَمن تلويثه (١) لقول عائشة صلى رسول الله ﷺ على سهيل بين بيضاء في المسجد؛ رواه مسلم (٢) وصلي على أبي بكر وعمر فيه، رواه سعيد (٣) . الحواشي
(١) وإن لم يؤمن تلويث المسجد حرم، خشية تنجيسه، وهذا مذهب الشافعي وابن المنذر، وغيرهم من الفقهاء، وبعض أصحاب مالك، وقال ابن القيم وغيره: لم يكن من هديه الراتب الصلاة على الجنائز في المسجد، وإنما كان يصلي خارجه، وربما صلى عليها فيه، ولكن لم يكن من سنته وعادته، وكلاهما جائز، والأفضل خارجه.(٢) بألفاظ منها: لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد، سهيل وأخيه. وفي رواية: أمرت أن تمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد، فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسي الناس! ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد، وفي رواية: أرسل أزواج النبي ﷺ نحوه، وبنوا بيضاء ثلاثة، سهل وسهيل وصفوان، وأمهم البيضاء، وصف لها، واسمها دعد، وأبوهم وهب بن ربيعة الفهري القرشي.(٣) الأول عن عروة، والثاني عن ابن عمر، ورواه مالك أيضًا، وأخرجهما ابن أبي شيبة بلفظ: أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبًا صلى على عمر في المسجد، قال الخطابي: ثبت ذلك، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا ذلك، وذكره ابن المنذر عن أبي بكر وعمر وغيرهما، وعن سائر أزواج النبي ﷺ وغيرهن، وهو مذهب الجمهور، وكرهه أبو حنيفة ومالك، واحتجوا بما روي «من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له» قال أحمد وغيره: ضعيف، لا يحتج به، وفي النسخ المشهورة المحققة من سنن أبي داود «فلا شيء عليه» فلا حجة فيه، ولا ينبغي أن يكره شيء مما فعله رسول الله ﷺ .стр. 1235
وللمصلي قيراط، وهو أمر معلوم عند الله تعالى (١) وله بتمام دفنها آخر، بشرط أن لا يفارقها من الصلاة حتى تدفن (٢) . الحواشي
(١) ففي الصحيحين وغيرهما من غير وجه «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» قيل: وما القراطان؟ قال «مثل الجبلين العظيمين» وللبخاري، «من شيع» ولمسلم «من خرج معها ثم تبعها حتى تدفن» وذكر ابن القيم أنه لم يزل حريصًا على معرفة المراد بالقيراط، حتى رأى لابن عقيل أنه نصف سدس درهم مثلاً، أو نصف عشير دينار، وأنه لا يجوز أن يكون المراد هنا جنس الأجر، لأن ذلك يدخل فيه ثواب الأعمال الصالحة، كالصلاة والحج، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ إليه، وأنه لم يبق إلا أن يرجع إلى الأجر المعهود، وهو العائد إلى الميت، ويتعلق به صبر على المصيبة فيه، وتجهيزه، وغسله ودفنه، وغير ذلك، فكان للمصلي من ذلك الأجر قيراط، نصف دانق، سدس درهم، وإن تبعه كان له قيراطان، فيكون نسبة القيراط إلى الأجر الكامل، وهو بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه، وكلما كان أعظم، كان القيراط منه بحسبه. اهـ. ولا سيما بحسب المشقة والإخلاص.
ولما كان المتعارف به حقيرًا، نبه الشارع على عظم القيراط الحاصل لمن فعل ذلك، وأخبر أنه مثل الجبل العظيم، وفي رواية «مثل أحد» وفي رواية في القيراطين «أصغرهما مثل أحد» ، فبين أن زنة الثواب المترتب على ذلك العمل مثل الجبلين العظيمين، وكثيرًا ما يمثل الشارع أمور الآخرة بأمور الدنيا للتقريب إلى الأفهام، وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها، وخص الصلاة عليه والدفن بالذكر لكونهما المقصود، بخلاف باقي أحوال الميت، فإنها وسائل.(٢) لقوله ﷺ «حتى تدفن» وظاهره أن من شرط حصول القيراط الثاني شهود الصلاة، ولأحمد «حتى توضع في اللحد» بدل تدفن.стр. 1236
فصل
في حمل الميت ودفنه (١)
ويسقطان بكافر وغيره كتكفينه، لعدم اعتبار النية (٢) . و (يسن التربيع في حمله) (٣) لما روى سعيد وابن ماجه، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليطوع، وإن شاءَ فليدع. إسناده ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه (٤) . الحواشي
(١) هو مشروع بالكتاب والسنة، وتقدم أن حمله ودفنه من فروض الكفاية، وكذا مؤنهما، والمراد على من علم، كباقي مُؤن التجهيز، قال تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ يكونون فيها أحياء، ويدفنون فيها أمواتًا، وقال ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ جعله مقبورًا، وقبره دفنه، والأحاديث به مستفيضة، وفعله بر وطاعة، وإكرام للميت وأهله، وفعله الصحابة وأهل الفضل، واستمر عمل المسلمين عليه.(٢) أي في حمله ودفنه وفاقًا، ولا يختص أن يكون الفاعل من أهل القربة، بخلاف الغسل والصلاة، ويكره أخذ الأجرة على ذلك، لأنه يذهب بالأجر.(٣) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي وأصحاب مالك، وقال مالك: هو وبين العمودين سواء.(٤) ولابن أبي شيبة بسند صحيح، عن أبي الدرداء: من تمام أجر الجنازة أن تُشَيَّعَها من أهلها، وأن تحمل بأركانها الأربعة، وأن تَحشُْوَ في القبر، وهذا يقتضي أنه سنة النبي ﷺ في ذلك.стр. 1237
لكن كرهه الآجري وغيره إذا ازدحموا عليها (١) فيسن أن يحمله أربعة (٢) والتربيع أن يضع قائمة السرير اليسرى في المقدمة على كتفه الأيمن (٣) ثم ينتقل إلى المؤخرة (٤) ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى (٥) ثم ينتقل إلى المؤخرة (٦) (ويباح) أن يحمل كل واحدة على عاتقه (بين العمودين) (٧) . الحواشي
(١) يعني على الجنازة، ولو كان ازدحام الحاملين، كما يفعل في بعض البلدان مسنونًا، لتوفرت الهمم والدواعي على نقله، نقلاً لا يقبل الاختلاف، ولكان السلف الأول أولى بالمسارعة إليه، فعلم أنه لم يكن الأمر كذلك، وأن الازدحام الموجب للدبيب بها بدعة، لمخالفة الإسراع المأمور به.(٢) يأخذ كل واحد بقائمة من قوائم السرير، ولنسبة التربيع في حمله إليهم.(٣) أي حال السير، لأنها تلي يمين الميت من عند رأسه.(٤) فيضعها على كتفه اليمنى أيضًا، ثم يدعها لغيره.(٥) لأنها تلي يسار الميت من عند رأسه.(٦) فيضعها على كتفه اليسرى، فتكون البداءة من الجانبين بالرأس، والخاتمة من الجانبين بالرجلين، ونقله الجماعة عن أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، قال الموفق: وهو الصحيح، لأن الصحابة فعلوه، وفيهم أسوة حسنة. ولما فيها من الموافقة لكيفية غسله، ولعله ما لم يَزْدَ حِمُوا، ويمنعوا الإسراع به.(٧) وهما قائمتا السرير، كل عمود على عاتق، نص عليه، وهو الأفضل عند الشافعية، ولا بأس بحمله على أعمدة، للحاجة، كجنازة ابن عمر ﵄.стр. 1238
لأَنه ﵇ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين (١) وإن كان الميت طفلاً فلا بأْس بحمله على الأَيدي (٢) ويستحب أن يكون على نعش (٣) فإن كان امرأة استحب تغطية نعشها بمكبة، لأَنه أَستر لها (٤) ويروى أن فاطمة صنع لها ذلك بأَمرها (٥) ويجعل فوق المكبة ثوب (٦) . الحواشي
(١) رواه الشافعي وابن سعد. وروي عن سعد وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير أنهم فعلوا ذلك، وعثمان حمل سريرًا بين العمودين، فلم يفارقه حتى وضع، ويبدأ من عند رأسه، ثم من عند رجليه، لكن المؤخر إن توسط بين العمودين، لم ير ما بين قدميه، فلا يهتدي إلى المشي، فيحمله حينئذ ثلاثة، وعنه: هما سواء، وفاقًا لمالك.(٢) لحمل النبي ﷺ جليبيبًا على ذراعيه حتى دفن، رواه مسلم، ولحمل علي إبراهيم بن النبي ﷺ وغيره، واستمر العمل عليه.(٣) بعد أن يغسل ويكفن، مستلقيًا على ظهره، لأنه أمكن، والنعش تقدم أنه سرير الميت، وأنه لا يسمى نعشًا إلا وعليه الميت، وإلا فهو سرير.(٤) والمكبة تعمل من خشب أو جريد أو قصب، مثل القبة، فوقها ثوب، تكون فوق السرير.(٥) أي صنع لها مكبة تغطي نعشها، قال ابن عبد البر: هي أول من غطي نعشها في الإسلام، ثم زينب بنت جحش، وقيل هي أول من اتخذ ذلك.(٦) يعني إن كان الميت امرأة استحب تغطية نعشها بمكبة، وجعل فوقها ثوب، لأنه أستر لها.стр. 1239
وكذا إن كان بالميت حدب ونحوه (١) وكره تغطيته بغير أبيض (٢) ولا بأْس بحمله على دابة لغرض صحيح، كبعد قبره (٣) (ويسن الإسراع بها) دون الخبب (٤) لقوله ﵇ «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» متفق عليه (٥) . الحواشي
(١) كمن لم يمكن تكره على النعش إلا بمثله، وفي الفصول: المقطع تلفق أعضاؤه بطين حر ويغطى، حتى لا يتبين تشويهه، فإن ضاعت لم يعمل شكلها من طين، والواجب جمع أعضائه في كفن واحد، وقبر واحد، وتقدم.(٢) حكاه في الفروع، قال: ويسن به، ويكره مرقعة. قال الآجري: كرهه العلماء.(٣) وكسمن مفرط، والحمل على سرير أو لوح أو محمل، وأي شيء حمل عليه أجزأ، وعلى الأيدي والرقاب للحاجة، وظاهر كلامهم كغيرهم لا يحرم حمله على هيئة مزرية، كحمل في قفة، وغرارة وزنبيل ومكتل، أو على هيئة يخاف معها سقوطه، بل يكره، وفي الفروع: يتوجه احتمال يحرم. وفاقًا للشافعي.(٤) باتفاق الأمة، زاد بعضهم: وفوق السعي، وقال الشافعي: الإسراع سجية، فوق المشي المعتاد، ودون الخبب، والخبب بفتحتين، ضرب من السير فسيح سريع.(٥) وفي لفظ «وإن كانت غير ذلك» . ولأبي داود وغيره بأسانيد صحيحة، عن أبي بكرة: لقد رأيتنا، ونحن نرمل رملاً، مع رسول الله ﷺ ، يعني بالجنازة، وذكر غير واحد: لا يفرط في الإسراع، فتمخض مخضًا، ويؤذي متبعها، ولأحمد أنه ﷺ مر عليه بجنازة تمخض مخضًا،
فقال «عليكم بالقصد في جنائزكم» وذكر جمع: لا يخرج بها عنا لمشي المعتاد، وتراعى المصلحة والحاجة وفاقًا، فإن خيف عليه من الإسراع، مشى به الهوينا، ولا ينبغي الإبطاء في شيء من حالاتها، من غسل ووقوف عند القبر، وقال ابن القيم: وأما دبيب الناس اليوم، خطوة خطوة، فبدعة مكروهة، مخالفة للسنة، ومتضمنة للتشبيه بأهل الكتاب، قال الشيخ: وكان الميت على عهده ﷺ يخرج به الرجال، يحملونه إلى المقبرة، لا يسرعون ولا يبطئون، بل عليهم السكينة، ولا يرفعون أصواتهم لا بقراءة ولا غيرها، وهذه هي السنة باتفاق المسلمين.стр. 1240
(و) يسن (كون المشاة أمامها) (١) قال ابن المنذر: ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أَمام الجنازة (٢) . الحواشي
(١) وهو مذهب مالك والشافعي، وجمهور أهل العلم. ولا يكره خلفها.(٢) ورواه أحمد وأهل السنن وغيرهم، واحتج به أحمد، وقال أبو صالح: كان أصحاب النبي ﷺ يمشون أمام الجنازة. وقال الترمذي: روي عن بعض الصحابة أنهم يتقدمون الجنازة، فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم، ولا يكره أن يكونوا خلفها، قال الأوازعي: إنه أفضل، لأنها متبوعة، لكن قال البيهقي وغيره: الآثار في المشي أمامها أصح وأكثر، وهو المذهب، وفاقًا لمالك والشافعي وجماهير العلماء، ولا يكره أن يمشوا حيث شاؤا، عن يمينها أو يسارها، أو خلفها أو أمامها، بحيث يتقدمون تابعين لها، لما روى المغيرة أن النبي ﷺ قال «الراكب يمشي خلف الجنازة، والماشي كيف شاء منها» ، رواه أحمد والنسائي، والترمذي وصححه، وكذلك أحمد في رواية أحمد بن أبي عبيدة، وقال الموفق وغيره: حيث مشى فحسن، وقال سفيان الثوري: كل ذلك في الفضل سواء، والقرب من الجنازة أفضل، فإن بعد أو تقدم إلى القبر فلا بأس، لكن بحيث أن ينسب إليها، وفي الصحيح «من تبع جنازة وكان معها حتى يفرغ من دفنها» الحديث.стр. 1241
(و) كون (الركبان خلفها) (١) لما روى الترمذي وصححه، عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا «الراكب خلف الجنازة» (٢) وكره ركوب لغير حاجة وعود (٣) . الحواشي
(١) أي يسن ذلك وفاقً، وقال الخطابي: لا أعلمهم اختلفوا في أن الراكب خلفها، وفي الإنصاف: بلا نزاع.(٢) أي سنة الراكب في المشي مع الجنازة أن يمشي خلف الجنازة، وتقدم. ولأن سيره أمامها يؤذي متبعها، قال النخعي: كانوا يكرهونه.(٣) أي وكره ركوب تابع الجنازة لغير حاجة، وهو مذهب مالك والشافعي، لما رواه الترمذي وغيره أنه ﵊ رآى رجلاً راكبًا مع جنازة، فقال «ألا تستحيون، ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب» وأما لحاجة فلا يكره، وكذلك لا يكره عوده راكبًا، ولو لغير حاجة، لما روى جابر بن سمرة أن النبي ﷺ تبع جنازة أبي الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس، رواه أحمد وغيره، وصححه الترمذي وغيره، ولفظ مسلم: فلما انصرف أتي بفرس مُعْرَوْرَى فركبه. و «مُعْرَوْرَى» بضم الميم وسكون العين، وفتح الرائين، وفي رواية: عُرْي؛ واتباع الجنازة سنة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وحكى غير واحد إجماع المسلمين على استحبابه، وحضورها حتى تدفن، وفي حديث البراء: أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنازة؛ متفق عليه. وفي الرعاية: فرض كفاية للأمر به، وهو حق للميت وأهله.
قال الشيح: لو قدر أنه لو انفرد الميت لم يستحق هذا الحق، لمزاحم أو لعدم استحقاقه، تبعه لأجل أهله، إحسانًا إليهم، لتألف أو مكافأة أو غيره، وذكر فعل النبي ﷺ مع عبد الله بن أبي، وذكر الآجري أنه من القضاء
لحق أخيه المسلم، واتباعها على ثلاثة أضرب (أحدها) أن يصلي عليها ثم ينصرف، (والثاني) أن يتبعها إلى القبر، ثم يقف حتى تدفن (والثالث) أن يقف بعد الدفن على القبر، ويسأل له التثبيت، ويدعو له بالمغفرة والرحمة.стр. 1242
(وي كره جلوس تابعها حتى توضع) بالأرض للدفن، إلا لمن بعد (١) لقوله ﵇ «من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع» متفق عليه عن أبي سعيد (٢) وكره قيامه لها إن جاءَت أَو مرت به وهو جالس (٣) . الحواشي
(١) أي سبق إلى القبر، لما في انتظاره قائمًا حتى تصل إليه وتوضع من المشقة؛ ولأبي داود وغيره عن البراء: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فانتهينا إلى القبر ولم يلحد، فجلس مستقبل القبلة، وجلسنا معه. وتقدم أنه روي عن بعض الصحابة أنهم يتقدمون الجنازة، فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم.(٢) وعن أبي هريرة «حتى توضع في الأرض» وقال البخاري: باب من شهد جنازة فلا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال. وللنسائي: ما رأيناه شهد جنازة فجلس حتى توضع. قال النووي وغيره: مذهب الجمهور استحبابه، وللبيهقي عن علي: رأى ناسًا قيامًا ينتظرون الجنازة حتى توضع، فأشار إليهم بدرة معه أو سوط أن اجلسوا، فإن رسول الله ﷺ قد جلس، بعدما كان يقوم وقد صحت الأحاديث بالقيام، ولم يثبت في القعود شيء إلا حديث علي، ويحتمل القعود لبيان الجواز، أو نسخ قيام القاعد، دون استمرار قيام متبعها، كما هو المعروف من مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة.(٣) لحديث علي قال: رأينا رسول الله ﷺ قام، فقمنا تبعًا له، وقعد فقعدنا تبعًا له. وللنسائي عن ابن عباس: قام ثم قعد. وقال الموفق: آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك القيام لها، وقال قوم بالتخيير وأن به تتفق الأدلة، وقال أحمد: إن قام لم أعبه، وإن قعد فلا بأس، وفي الصحيحين «إذا رأيتم الجنازة فقوموا» .
ولمسلم «إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا» وروي غير ذلك، وكلها ترجع إلى تعظيم أمر الله، وتعظيم أمر القائمين به، وفي الصحيح أنه ﷺ قام لجنازة يهودي، وعنه: يستحب، اختاره الشيخ وابن عقيل، والنووي وغيرهم، فيستحب القيام لها ولو كافرة، لفعله ﷺ ، متفق عليه.стр. 1243
ورفع الصوت معها، ولو بقراءة (١) وأن تتبعها امرأة (٢) . الحواشي
(١) أو تهليل، حكاه الشيخ وغيره اتفاقًا، لأنه بدعة، ولنهي النبي ﷺ أن تتبع الجنازة بصوت أو نار، رواه أبو داود، وكان من فعل أهل الكتاب. وقد شرط عليهم أن لا يفعلوا ذلك، ونهينا عن التشبه بهم، فيما ليس هو من طريق سلفنا الأول، فكيف وقد نهينا عنه، وحرمه أبو حفص وغيره، قال الشيخ: وحرمه جماعة من الحنفية وغيرهم اهـ.
وكذا قولهم: استغفروا له؛ ونحوه بدعة محرمة، قال ابن عمر وسعيد بن جبير لقائل ذلك: لا غفر الله لك بعد. وكذا اتباعها بنار يحرم إجماعًا، إلا لحاجة، وروى ابن ماجة عن أبي بردة قال: اوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: لا تتبعوني بجمر فقالوا له: أو سمعت فيه شيئًا؟ قال: نعم من رسول الله ﷺ . ولئلا يكون آخر زاده من الثناء، أو تفاؤلاً.(٢) سواء كانت مميزة أو لا، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، ورواية عن مالك في العجوز، لحديث ام عطية: نهينا عن اتباع الجنائز. وظاهره التحريم، وفاقًا لمالك وجمهور العلماء، ولم يكن يخرجن على عهد النبي ﷺ ، وما روي من قولها: ولم يعزم علينا. رأي لها ﵂، ظنت انه ليس نهي تحريم، والحجة في قول الشارع، لا في ظن غيره.стр. 1244
وحرم أن يتبعها مع منكر، إن عجز عن إزالته (١) وإلا وجبت (٢) (ويسجي) أي يغطى ندبًا (قبر امرأة) وخنثى (فقط) (٣) ويكره لرجل بلا عذر (٤) لقول علي – وقد مر بقوم دفنوا ميتًا، وبسطوا على قبره الثوب، فجذبه وقال – إنما يُصْنعُ هذا بالنساء رواه سعيد (٥) . الحواشي
(١) أي المنكر، بنحو طبل، ونياحة ولطم، وتصفيق، ورفع صوت، لأنه يؤدي إلى استماع محظور، ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك، وعنه يتبعها، وينكره بحسبه، وهو مذهب أبي حنيفة.(٢) أي وإن لم يعجز عن إزالة المنكر تبعها، ووجبت الإزالة، بل لو ظن أنه إن اتبعها أزيل المنكر، اتبعها إجراء للظن مجرى العلم، ولحصول المقصودين، قال شيخ الإسلام: وضرب النساء بالدف منكر، نهي عنه بالاتفاق، ومن دعي لغسل ميت، فمسح طبلاً أو نوحًا، فقال في تصحيح الفروع: الصواب إن غلب على ظنه زوال الطبل والنوح ذهب لغسله، وإلا فلا.
ويستحب لمُتبّع الجنازة الخشوع والتفكر في مآله، والاتعاظ بالموت، وما يصير إليه الميت، قال سعد بن معاذ: ما تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها. ويكره التبسم، والضحك أشد منه، والتحدث في أمر الدنيا.(٣) للخبر الآتي، وقال الموفق وصاحب المبدع: لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم، ولأنها عورة، فلا يؤمن أن يبدو منها شيء، فيراه الحاضرون، ولأن بناء أمرها على الستر، ولو كانت صغيرة، والخنثى كالأنثى في ذلك احتياطًا.(٤) كمطر ونحوه، ولئلا يشبه بالمرأة.(٥) ولأنه ليس بعورة، وكشفه أبعد عن التشبه بالنساء.стр. 1245
(و اللحد أفضل من الشق) (١) لقول سعد: الحدوا لي لحدًا، وانصبوا على اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ . رواه مسلم (٢) . واللحد هو أَن يحفر إذا بلغ قرار القبر، في حائط القبر، مكانًا يسع الميت (٣) . الحواشي
(١) وفاقًا، وحكى الوزير الاتفاق على أن السنة اللحد، وأن الشق ليس بسنة، وأجمع العلماء على أن الدفن في اللحد، وفي الشق جائزان، واللحد أصله الميل، وكل مائل عن الاستواء لحد، بفتح اللام وضمها، لغتان مشهورتان، ولحَدْتُ وأَلحَدْتُ لغتان، والشق بفتح الشين.(٢) قاله ﵁ في مرضه الذي مات فيه، وقال عروة: كان بالمدينة رجلان، أحدهما يلحد، والآخر يشق، فقال أصحاب النبي ﷺ : أيهما جاء أولاً، عمل عمله. فجاء الذي يلحد، فلحد لرسول الله ﷺ . واتفق الصحابة على ذلك، ونقلوا عَدَدَ اللبن تسعًا، ولولا مزيد فضله ما عانوه، كما في الخبر: فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد وفي السنن «اللحد لنا، والشق لغيرنا» .
وفي رواية لأحمد «لأهل الكتاب» فيسن نصب اللبن عليه نصبًا وفاقًا، ويجوز ببلاط وغيره، كأحجار كبيرة، واللبن بفتح اللام وكسر الباء، ويجوز إسكانها مع فتح اللام وكسرها.(٣) أي في جانب القبر مما يلي القبلة، إذا نصب اللبن، ولا يعمق، بحيث ينزل فيه جسد الميت كثيرًا، بل يقدر ما يكون الجسد ملاصقًا للبن، هذا إذا كانت الأرض صلبة، وإن كانت رخوة اتخذ لها من الأحجار ونحوها ما يسندها باللحد، ولا يلحد منها، لئلا يخر القبر على الميت.стр. 1246
وكونه مما يلي القبلة أفضل (١) والشق أن يحفر في وسط القبر كالنهر ويبنى جانباه (٢) وهو مكروه بلا عذر (٣) كإدخاله خشبًا، وما مسته النار (٤) ودفن في تابوت (٥) . الحواشي
(١) فيكون ظهره إلى جهة ملحده.(٢) يعني باللبن أو غيره، مما لا يكره إدخاله القبر، أو يشق وسطه، فيصير كالحوض ثم يوضع الميت فيه، ويسقف عليه بأحجار ونحوها، ويرفع السقف قليلاً، بحيث لا يمس الميت.(٣) قال أحمد: لا أحب الشق، لحديث «اللحد لنا، والشق لغيرنا» فإن كان ثم عذر، بأن كانت الأرض رخوة، لا يثبت فيها اللحد، ولا يمكن دفع انهيارها بنصب لبن ولا حجارة ونحوهما، شق فيها للحاجة، وإن أمكن جعل شبه اللحد من الجنادل والحجارة واللبن فعل به، ولم يعدل إلى الشق، نص عليه.(٤) فيكره، كما يكره إدخال القبر خشبًا، تفاؤلاً بأن لا تمسه النار، ولأحمد عن عمرو بن العاص: لا تجعلوا في قبري خشبًا، ولا حجرًا، ولكراهة السلف لذلك، ولأنه مُعدَدٌ لمَسَّ النارِ، وما مَسْته نار كآجُرًّ. قال النخعي: كانوا يكرهون الآجُرَّ والبناء بالآجر.
رواه الأثرم، وعن زيد بن ثابت أنه منع منه، وكذا حديد ونحوه، بل حكى الوزير الإجماع على جواز اللبن، وكراهة الآجر والخشب.(٥) أي ويكره دفن في تابوت، ولو امرأة، إجماعًا، قال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون اللبن، ويكرهون الخشب، ولا يستحبون الدفن في تابوت لأنه خشب. ولم ينقل عنه ﷺ ، ولا عن أصحابه، والأرض أنشف لفضلاته.стр. 1247
وسن أن يوسع ويعمق قبر بلا حد (١) ويكفي ما يمنع من السباع والرائحة (٢) ومن مات في سفينة، ولم يمكن دفنه، أُلقي في البحر سَلاَّ، كإدْخاله القبر (٣) . الحواشي
(١) لقوله ﵊ في قتلى أحد «احفروا وأوسعوا وعمقوا» قال الترمذي: حسن صحيح. ولأبي داود «أوسع من قبل رأسه، وأوسع من قبل رجليه» ولأن التوسيع أطيب لأنفس أهله، والتعميق هو الزيادة في النزول، وهو أنفى لظهور الرائحة التي يستضر بها الأحياء، وأبعد لقدرة الوحش على نبشه، وآكد لستر الميت.(٢) أي ويكفي من التعميق ما يمنع السباع والرائحة، لأنه لم يرد فيه تقدير فيرجع إليه، فرجع إلى ما يحصل به المقصود، وقال بعضهم: قامة وسط، وأوصى ابن عمر أن يعمق قبره قامة، ولم ينكر، فهو إجماع.(٣) وفاقًا للشافعي، ورواية عن مالك، وصفة إدخاله القبر سَلا أن يجعل رأس الميت في الموضع الذي تكون فيه رجلاه إذا دفن، ثم يسل فيه سلاً رفيقًا، لأنه ﵊ سل من قبل رأسه، رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح، وأدخل عبد الله بن يزيد الحارث قبره من قبل رجلي القبر.
وقال «هذا من السنة» رواه أحمد وأبو داود، والبيهقي وصححه، وعن أنس، أنه كان في جنازة، فأمر بالميت فسل من عند رجلي القبر، رواه أحمد وغيره، ولأنه ليس موضع توجه، بل دخول، فدخول الرأس أولى، ولأنه المعروف عند الصحابة، وهو عمل المهاجرين والأنصار، رواه الشافعي وغيره عنهم، وقال: لا يختلف في أنه يسل سلاً. اهـ. وإن لم يكن إدخاله القبر من قبل رجليه أسهل، أدخل من حيث سهل، إذ المقصود الرفق بالميت.
وقال أبو حنيفة: يوضع عرضًا من ناحية القبلة، ثم يدخل القبر معترضًا،
وقال مالك: كلاهما سواء، واستظهر في المبدع أنه بحسب الحاجة، وإن أمكن دفن من مات في سفينة، بأن كان البر قريبًا، وجب دفنه فيه، ولو حبسوه يومًا أو يومين، ما لم يخافوا عليه الفساد، قال أحمد: أرجو أن يجدوا له موضعًا للدفن. وروى البيهقي بإسناد صحيح، أن أبا طلحة ركب البحر، فمات، لم يجدوا له جزيرة إلا بعد سبعة أيام، فدفنوه فيها، ولم يتغير.стр. 1248
بعد غسله وتكفينه، والصلاة عليه، وتثقيله بشيءٍ (١) (ويقول مدخله) ندبًا (بسم الله وعلى ملة رسول الله) (٢) لأَمره ﵇ بذلك، رواه أَحمد عن ابن عمر (٣) . الحواشي
(١) ليستقر في قرار البحر، فيحصل الستر المقصود به، وإن مات في بئر، أخرج وجوبًا، ليغسل ويكفن، ويصلى عليه ويدفن، وإلا طمت عليه إن لم يحتج لها، ومع الحاجة يخرج مطلقًا، سواء تغير أو لا.(٢) ﷺ ، وملته دينه وشريعته، ويذكر عنه ﷺ أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال «بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ » أي بسم الله وضعناك، وعلى سنة رسول الله ﷺ سلمناك.(٣) ولفظه: أن النبي ﷺ قال «إذا وضعتم موتاكم في القبور، فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ » وفي لفظ: كان إذا وضع الميت قال «بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ » رواه الخمسة إلا النسائي، وحسنه الترمذي، وإن قرأ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ أو أتى بذكر أو دعاء لائق بالمحل فلا بأس به، لفعله ﷺ ، وفعل أصحابه.стр. 1249
(ويضعه) ندبًا (في لحده، على شقه الأَيمن) لأَنه يشبه النائم، وهذه سنته (١) ويقدم بدفن رجل من يقدم بغسله (٢) وبعد الأَجانب محارمه من النساء (٣) ثم الأَجنبيات (٤) وبدفن امرأة محارمها الرجال (٥) فزوج فأَجانب (٦) . الحواشي
(١) أي سنة النائم أن ينام على شقه الأيمن، وفي الحديث: كان ينام على شقه الأيمن. رواه البغوي وغيره، وفي الإنصاف: يستحب على جنبه الأيمن بلا نزاع.(٢) ولأنه ﵊ تولى دفنه العباس وعلي وأسامة، وهم الذين تولوا غسله، ولأنه أقرب إلى ستر أحواله، وقلة الإطلاع عليه، وقال علي: إنما يلي الرجل أهله.(٣) أي وبعد الرجال الأجانب محارم الميت من النساء، وإنما قدم الأجانب على المحارم من النساء لضعفهن عن ذلك، وخشية انكشاف شيء منهن، ولأنه لا مدخل لهن في إدخال القبر والدفن إلا لضرورة.(٤) للحاجة إلى دفنه، وليس فيه مس ولا نظر، بخلاف الغسل.(٥) الأقرب فالأقرب، لأن امرأة عمر لما توفيت قال لأهلها: انتم أحق بها، ولأنهم أولى بها حال الحياة، فكذا بعد الموت، والمراد من كان يحل له النظر إليها والسفر بها، قال الزركشي: وهذا مما لا خلاف فيه، وعنه: الزوج أولى بدفنها من المحارم، وفاقًا لمالك والشافعي، ورواية لأبي حنيفة، قال في الإنصاف: وعلى كلا الروايتين لا يكره دفن الرجال للمرأة، وإن كان محرمها حاضرًا نص عليه.(٦) أي ثم بعد محارمها الرجال على المذهب زوج، لأنه أشبه بمحارمها من الأجانب، ثم الأولى بعد الزوج الأجانب، فيقدمون على نساء محارمها، لأنه عليه
الصلاة والسلام أمر أبا طلحة أن ينزل قبر ابنته، وهو أجنبي، فلا يكره مع حضور محرمها، ولأن تولي النساء لذلك لو كان مشروعًا لفعل في عصر النبي ﷺ ، وعصر خلفائه، ولم ينقل، ورأى ﵊ نسوة في جنازة، فقال «هل تحملن؟» قلن: لا، قال «أتدفنه؟» قلن: لا. قال «فارجعن مأزورات غير مأجورات» رواه ابن ماجه، وهو استفهام إنكار، فيدل على أنه غير مشروع لهن، ويأتي لعنه زوارات القبور، وظاهر كلامهم أن الترتيب مستحب لا واجب، ولأنه يحل عقد الكفن، وينبغي أن لا ينظر إلى وجهها، لعدم الحاجة.стр. 1250
ويجب أن يكون الميت (مستقبل القبلة) (١) لقوله ﵇ في الكعبة «قبلتكم أَحياءً وأَمواتًا» (٢) وينبغي أن يدنى من الحائط، لئلا ينكب على وجهه (٣) وأَن يسند من ورائه بتراب، لئلا ينقلب (٤) ويجعل تحت رأسه لبنة (٥) ويشرح اللحد باللبن (٦) . الحواشي
(١) إجماعًا، تنزيلاً له منزلة المصلي.(٢) رواه أبو داود وغيره، تقدم، ولأن ذلك طريق المسلمين بنقل الخلف عن السلف، ولأن النبي ﷺ هكذا دفن، وكأنهم نزلوه منزلة المصلي مضطجعًا.(٣) فيسند وجهه ورجلاه إلى جدار القبر، أو يسند أمامه بتراب.(٤) أي على ظهره، فهذا يمنعه الاستلقاء، وذلك يمنعه الانكباب.(٥) فإن لم توجد فحجر، فإن عدم فقليل من تراب، وتكره مخدة وفاقًا، والمنصوص مُضَرَّبَة وفاقًا، وقال أحمد: ما أحبهما، وكذا قطيفة ونحوها.(٦) أي يبنى عليه باللبن، وعمل المسلمين عليه.стр. 1251
ويتعاهد خلاله بالمدَر ونحوه (١) ثم بطين فوق ذلك (٢) وحثو التراب عليه ثلاثًا باليد، ثم يهال (٣) وتلقينه (٤) . الحواشي
(١) كالحجارة، ليتحمل ما يوضع عليه من طين ونحوه، والمدر قطع اللبن، يوضع بين خلال اللبن ونحوه.(٢) لئلا ينتخل عليه التراب منها، لقوله «سدوا خلال اللبن» ثم قال «وليس هذا بشيء، ولكن يطيب نفس الحي» رواه أحمد وغيره عن مجاهد مرفوعًا.(٣) يعني التراب على القبر، بمساح ونحوها، إسراعًا بتكميل الدفن، «ويهال» أي يصب، يقال: هلت التراب والدقيق وغيرهما، أهيله هيلاً، صببته، فانهال أي انصب، وتهيل تصبب، فيسن ذلك لمن حضره، وفاقًا للشافعي وغيره، لحديث أبي هريرة أنه ﷺ حثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا، رواه ابن ماجه، بسند جيد، ونحوه للدارقطني والبيهقي، عن عامر بن ربيعة، ولأن مواراته فرض كفاية، وبالحثي يكون فيمن شارك فيها، ولأن في ذلك أقوى عبرة واستذكارًا، فاستحب ذلك، ولأحمد بسند ضعيف أنه ﵊ قال – لما وضعت ابنته في القبر – ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ واستحب بعض أهل العلم أن يقال ذلك عند حثي التراب، استئناسًا بهذا الخبر.(٤) أي وينبغي تلقين الميت بعد الدفن، فيقوم الملقن عند رأسه، بعد تسوية التراب عليه، فيقول: يا فلان اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية، لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. واستجبه الأكثر، وكرهه جماعة من العلماء، وأنكره آخرون، لاعتقاد أنه بدعة مكروهة، وقال
شيخ الإسلام: تلقين الميت الأظهر أنه مكروه، لأنه لم يفعله ﷺ ، بل المستحب الدعاء له، يقوم على قبره فيقول: اسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل، وقال: لم يكن من عمل المسلمين، المشهور بينهم، على عهد النبي ﷺ وخلفائه، بل ذلك مأثور عن طائفة من الصحابة، كأبي أمامة وواثلة، فمن الأئمة من رخص فيه كأحمد، وقد استحبه طائفة من أصحابه، وأصحاب الشافعي. ولم ينقل عن الشافعي فيه شيء، ومن العلماء من يكرهه، كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيره، لاعتقاده أنه بدعة، فالأقوال فيه ثلاثة، الاستحباب، والكراهة والإباحة، وهذا أعدل الأقوال.
قال: وقد ثبت أن المقبور يسأل ويمتحن، وأنه مأمور بالدعاء له، فلهذا قيل إن التلقين ينفعه، فإن الميت يسمع النداء، كما ثبت في الصحيح أنه قال «إنه ليسمع قرع نعالهم» وأنه قال «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وأنه أمرنا بالسلام على الموتى، فقال «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد ﵇» وروي فيه حديث، لكنه ما لم يحكم بصحته. اهـ.
واحتج بعض الفقهاء بحديث «لقنوا موتاكم» وهو وإن شمله اللفظ فليس بمراد، كما صرح به في الفروع وغيره، وإلا لنقله الخلف عن السلف، وشاع، ومال بعض المحققين إلى أن الأولى تركه، اقتفاء لما عليه السلف، وقال ابن القيم: لم يكن ﷺ يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت، وحديث التلقين لا يصح.стр. 1252
والدعاء له بعد الدفن عند القبر (١) . الحواشي
(١) واقفًا، نصل عليه وفاقًا، لمفهوم قوله تعالى ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ قال أكثر المفسرين: بالدعاء والاستغفار، بعد الفراغ من دفنه. فيدل على أن ذلك كان عادة للنبي ﷺ في المسلمين، قال شيخ الإسلام: لما نهى نبيه ﷺ عن الصلاة على المنافقين، وعن القيام على قبورهم، كان دليل الخطاب أن المؤمن يصلى عليه قبل الدفن، ويقام على قبره بعد الدفن، واستحب هو وغيره من أهل العلم وقوفه، وفعله علي والأحنف وغيرهما، ولأبي داود عن عثمان أنه ﵊ إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» .
وقال ابن المنذر: قال بمشروعيته الجمهور، وقال الآجري وغيره: يستحب الوقوف بعد الدفن قليلاً، والدعاء للميت، فيقال: اللهم هذا عبدك، وأنت أعلم به منا، ولا نعلم منه إلا خيرًا، وقد أجلسته لتسأله، اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة، كما ثبته في الدنيا، اللهم ارحمه، وألحقه بنبيك، ولا تضلنا بعده ولا تحرمنا أجره.
قال الترمذي: الوقوف على القبر، والسؤال للميت في وقت الدفن، مدد للميت بعد الصلاة عليه، لأن الصلاة بجماعة المسلمين كالعسكر له، قد اجتمعوا بباب الملك، يشفعون له، والوقوف على القبر، وسؤال التثبيت، مدد للعسكر، وتلك ساعة شغل الميت، لأنه استقبله هول المطلع، وسؤال الفتانين.стр. 1253
ورشه بماءٍ بعد وضع حصباءَ عليه (١) (ويرفع القبر عن الأَرض قدر شبر) (٢) . الحواشي
(١) لما روى الشافعي وغيره أنه ﵊ رش على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع عليه حصباء، ولأنه فعل بقبر سعد بن معاذ، رواه ابن ماجه.
وأمر به ﷺ في قبر عثمان بن مظعون، رواه البزار، ولأن ذلك أثبت له، وأبعد لدروسه وأمتع لترابه من أن تذهب به الرياح والسيول، وروي أنه فعل ذلك بقبر النبي ﷺ واستمر عمل المسلمين عليه.(٢) ليعرف فيزار ويحترم.стр. 1254
لأَنه ﵇ رفع قبره عن الأرض قدر شبر، رواه الساجي من حديث جابر (١) ويكره فوق شبر (٢) ويكون القبر (مُسَنَّمًا) (٣) لما روى البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنمًا (٤) . الحواشي
(١) ورواه الشافعي وابن حبان في صحيحه، وعن القاسم: قلت لعائشة يا أمة اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. رواه أبو داود وغيره، بإسناد صحيح.(٢) أي يكره رفع القبر فوق شبر، لقوله ﷺ لعلي «ولا قبرًا مشرفًا إلا سَوَّيته» رواه مسلم وغيره، والمشرف ما رفع كثيرًا، بدليل ما سبق عن القاسم وغيره، وأمر فضالة بقبر فسوي، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها، رواه مسلم، ويكره زيادة التراب عليه، للنهي، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، إلا أن يحتاج إليه، لحديث جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على القبر، أو يزاد عليه رواه النسائي وأبو داود، ولأن العادة أنه يفضل من التراب ما يكفي لتسنيمه، فلا حاجة إلى الزيادة.(٣) أي مُحَدبًا كهيئة السنام، خلاف المسطح وهو المربع، وهو مذهب أبي حنيفة، ونقله القاضي عياض عن أكثر العلماء.(٤) وعن الحسن مثله، وقال الشعبي: رأيت قبور شهدا أحد مسنمة، وحكاه الطبري عن جماعة أن السنة التسنيم، ولم يزل المسلمون يسنمون قبورهم، والغرض في رفعه ليعلم أنه قبر فيتوقّى، وسفيان التمار هو ابن دينار الكوفي، ثقة أدرك كبار الصحابة، روى عن مصعب وغيره، وعنه ابن المبارك وغيره، ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة أو نحوهما، لما روى أبو داود وغيره، عن المطلب، أنه أمره ﵊ لما توفي عثمان بن مظعون أن يأتيه بحجر فوضعها عند رأسه، وقال «أعلم بها قبر أخي، أدفن إليه من مات من أهل» ورواه ابن ماجه وغيره عن أنس.стр. 1255
لكن من دفن بدار حرب لتعذر نقله، فالأَولى تسويته بالأَرض وإخفاؤُه (١) (ويكره تجصيصه) وتزويقه، وتخليقه، وهو بدعة (٢) .
(والبناء) عليه لاصقَةُ أَولا (٣) لقول جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأَن يبنى عليه. رواه مسلم (٤) . الحواشي
(١) لئلا ينبش فيمثل به، وقد أخفى الصحابة قبر دانيال خشية الافتنان به.(٢) منكرة، أول من أحدثها الرافضة والجهمية، وبنوا عليها المساجد، وتجصيصه بنيه وتبيضه بالجص، وقيل بالجير، وتخليقه طَلْيه بالطيب، وكذا تبخيره وتقبيله، والتمسح به، والتبرك به، والعكوف عنده، والطواف به، وكتابة الرقاع إليه، ودسها في الأنقاب، والاستشفاء بالتربة، ونحو ذلك، كله من البدع المحدثة في الدين، فمنه ما هو من الوسائل المفضية إلى الشرك بأهل القبور، ومنه ما هو شرك أكبر، كتقبيله وما عطف عليه، وكسؤاله النفع والضر، وعبادة القبور أول شرك حدث على وجه الأرض.(٣) أي سواء لاصق البناء الأرض أو لم يلاصقها، ولو في ملكه من قبة أو غيرها.(٤) ورواه أبو داود والترمذي وغيرهما وصححه، وتقدم حديث علي وأمره ﵊ بتسويته، وحديث فضالة، ولأبي داود بسند صحيح «أو يزاد عليه» ولابن ماجه عن أبي سعيد. نهى أن ينبى على القبور. فقد ثبت في الصحيح والسنن من غير وجه نهيه ﵊ عن البناء على القبور، والأمر بهدمه، وقال الشافعي: رأيت العلماء بمكة يأمرون بهدم ما ينبى عليها. وفي شرح الرسالة: ومن البدع اتخاذ المساجد على مقبرة الصالحين، ووقد القنديل عليها، والتمسح بالقبر عند الزيارة، وهو من فعل النصارى، وكل ذلك ممنوع، بل محرم. اهـ.
وهو من وسائل الشرك وعلاماته وشعائره، فإن الله بعث محمدًا ﷺ بهدم الأوثان، ولو كانت على قبر رجل صالح، لأن اللات رجل صالح، فلما مات عكفوا على قبره، وبنوا عليه بنية، وعظموها، فلما أسلم أهل الطائف، أمر ﵊ بهدمها فهدمت، وفيه أوضح دليل على أنه لا يجوز إبقاء شيء من هذه القبب التي بنيت على القبور، واتخذت أوثانًا، ولا لحظة، وإذا كانت تعبد فهي أوثان، كاللات والعزى، ومناة، بلا نزاع، بل تعظيم القبور، بالبناء عليها ونحوه، هو أصل شرك العالم، الذي أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، بالنهي عنه، والوعيد على فاعله بالخلود في النار، وكره أحمد الفِسْطاط والخيمة على القبر، وفي الصحيح أن ابن عمر رأى فسطاطًا على قبر عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام، فإنما يظله عمله.
قال شيخ الإسلام في كسوة القبر بالثياب: اتفق الأئمة على أنه منكر إذا فعل بقبور الأنبياء والصالحين، فكيف بغيرهم. اهـ. والمراد كراهة التحريم، وهو مراد إطلاق أحمد ﵀ الكراهة، في البناء عليه، لما تقدم من نهي النبي ﷺ عن ذلك، والأمر بهدمه، ولأنه من الغلو في القبور، الذي يصيرها أوثانًا تعبد، كما هو الواقع، وقد لعن رسول الله ﷺ المتخذين عليها المساجد والسرج، وأخبر أن من بنى على قبور الصالحين فهو من شرار الخلق عند الله، ومن ظن أن الأصحاب أرادوا كراهة التنزيه، دون التحريم، فقد أبعد النجعة.стр. 1256
.......................................................
стр. 1257
(و) تكره (الكتابة والجلوس والوطء عليه) لما روى الترمذي وصححه، من حديث جابر مرفوعًا: نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن توطأ (١) . وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا «لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتخرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير من أن يجلس على قبر» (٢) (و) يكره (الإتكاءُ إليه) لما روى أحمد أن النبي ﷺ رأى عمرو بن حزم متكئًا على قبر فقال «لا تؤذه» (٣) ودفن بصحراء أفضل (٤) . الحواشي
(١) أي بالأرجل والنعال، لما فيه من الاستخفاف بأصحابها، والمراد بالكتابة كتابة اسم صاحب القبر ونحوه، في لوح أو غيره.(٢) وله عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» وقال الخطابي: ثبت أن رسول الله ﷺ نهى أن توطأ القبور.(٣) وهو مذهب الجمهور، ودل على أن الجلوس عليه والوطء من باب أولى، وذلك لما فيه من الاستخفاف بحق المسلم، إذا القبر بيت المسلم، وحرمته ميتًا كحرمته حيًا.(٤) أي من الدفن بعمران، والصحراء الأرض المستوية، أو الفضاء الواسع، لا آكام به ولا جبال.стр. 1258
لأنَه ﵇ كان يدفن أَصحابه بالبقيع (١) سوى النبي ﷺ (٢) واختار صاحباه الدفن عنده تشرفًا وتبركًا (٣) وجاءت أخبار تدل على دفنهم كما وقع (٤) ويكره الحديث في أمر الدنيا عند القبور (٥) والمشي بالنعل فيها (٦) . الحواشي
(١) موضع مشهور بظاهر المدينة، والدفن فيه صحيح متواتر، معروف فيه قبور أهلها، كان به شجر الغرقد، وهو العوسج، وقال الهروي: هو من العضاه، وهو كل شجر له شوك. اهـ. سمي بشجرات كانت به قديمًا، فذهبت وبقي اسمه، ولأنه أقل ضررًا على الأحياء من الورثة، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له، والترحم عليه، ولم تزل الصحابة والتابعون فمن بعدهم يدفنون في الصحراء.(٢) فإنه قبر في بيته، صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة: خشي أن يتخذ قبره مسجدًا. رواه البخاري، ولما روي «تدفن الأنبياء حيث يموتون» ورأى أصحابه تخصيصه بذلك، ولا ينبغي أن يدفن في الدار، لاختصاص هذه السنة بالأنبياء، بل ينقل إلى مقابر المسلمين.(٣) فأبو بكر أوصى أن يدفن إلى جنب النبي ﷺ ، واستأذن عمر عائشة أن يدفن معهما.(٤) كرؤيا عائشة ثلاثة أقمار في حجرتها، وأخبار: دخل هو وأبو بكر وعمر، وخرج هو وأبو بكر وعمر، فكانوا جميعًا أحياء وأمواتًا.(٥) لأنه موضع مذكر للموت، وحالة الموتى، والعد معهم، ولأنه غير لائق بالحال، بل هو مزهد في الدنيا، ومرغب في الاستعداد للآخرة.(٦) أي في المقبرة، لقوله ﷺ لبشير بن الخصاصية «ألق سبتيتيك» رواه أبو داود، وقال أحمد: إسناده جيد ولأن خلع النعلين أقرب
إلى الخشوع، وزي أهل التواضع، واحترام أموات المسلمين، وذكر ابن القيم أن إكرامها عن وطئها بالنعال، من محاسن هذه الشريعة، وقال: من تدبر نهيه عن الجلوس على القبر، والإتكاء عليه، والوطء عليه، علم أن النهي إنما كان احترامًا لساكنها، أن يوطأ بالنعال على رؤوسهم، قال: والقبور دار الموتى، ومنازلهم، ومحل تزاورهم، وعليها تنزل الرحمة، فهي منازل المرحومين، ومهبط الرحمة، ويلقى بعضهم بعضًا على أفنية قبورهم، يتجالسون ويتزاورون، كما تظافرت به الآثار، وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة، تذهب حيث شاءت، قال الشيخ: ولهذا روي أنها على أفنية القبور، وأنها في الجنة، والجميع حق.стр. 1259
إلا خوف نجاسة أو شوك (١) وتبسم، وضحك أشد (٢) ويحرم إسراجها (٣) واتخاذ المساجد (٤) . الحواشي
(١) ونحوهما مما يتأذى منه، كحرارة الأرض أو برودتها، فلا يكره المشي بالنعال فيها، لأنه عذر، ولا يكره بخف، لأنه ليس بنعل، ولا في معناه، وأما وطء القبر نفسه فمكروه مطلقًا، للأخبار.(٢) أي من التبسم كراهة، لمنافاته حالة المحل.(٣) أي إسراج القبور إجماعًا، للخبر الآتي وغيره، والوقوف عليها باطلة، وتصرف على المساجد، وفي المصالح.(٤) أي على القبور أو بينها إجماعًا، قال شيخ الإسلام: يتعين إزالتها، لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، سواء كانت قبور أنبياء أو غيرها، لما في السنن وغيرها «لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» وفي الصحيح «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ولهما «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» والنهي عنه مستفيض عن النبي ﷺ .
قال ابن القيم: لو وضع المسجد والقبر معًا لم يجز، ولم يصح الوقوف ولا الصلاة، وتعظيم القبور بالبناء عليها، وإسراجها، واتخاذها أعيادًا ومساجد، هو أصل شرك العالم.стр. 1260
والتخلي عليها، وبينها (١) (ويحرم فيها) أي في قبر واحد (دفن اثنين فأكثر) معًا (٢) أو واحدًا بعد آخر، قبل بلاء السابق (٣) لأَنه ﵇ كان يدفن كل ميت في قبر، وعلى هذا استمر فعل الصحابة، ومن بعدهم (٤) . الحواشي
(١) لما روى ابن ماجه وغيره عن عقبة بن عامر، مرفوعًا «لأن أطأ على جمرة أو سيف، أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق» بل القبور أولى، وتقدم، لأن حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًا.(٢) أي جميعًا، في حال الاختيار من جنس، لا من غير جنس، ونقل أبو طالب: إذا ماتت امرأة، وقد ولدت ولدًا ميتًا، فدفن معها، جعل بينها وبين حاجز من تراب، أو يحفر له في ناحية منها، وإن لم يدفن معها فلا بأس. ولعله يختص بما إذا كانا أو أحدهما ممن لا حكم لعورته لصغره، لأجل النص، وعنه: يكره، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، واختاره ابن عقيل والشيخ وغيرهما، واستظهره في الفروع، وجزم في المحرر: لا يحرم رواية واحدة.(٣) أي صيرورته ترابًا، ويكفي الظن في ذلك، ويرجع إلى أهل الخبرة في تلك الناحية.(٤) من السلف والخلف، لا ينازع في ذلك مسلم، وإنما يجعل الإثنان فأكثر في قبر عند الحاجة.стр. 1261
وإن حفر فوجد عظام ميت دفنها (١) وحفر في مكان آخر (٢) (إلا لضرورة) ككثرة الموتى، وقلة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم (٣) . الحواشي
(١) أي في محلها، ولم يجز دفن ميت آخر عليه.(٢) لكي يدفن ميته فيه، ويحرم نبش قبر ميت باق، لدفن ميت آخر، ومتى ظن أنه بلي الأول جاز عند الأكثر، ومتى كان رميمًا جازت الزراعة والحرث وغير ذلك، ما لم يخالف شرط واقف إجماعًا، وإلا فلا، وفي المدخل: اتفق العلماء على أن الموضع الذي دفن فيه الميت وقف عليه، ما دام منه شيء موجود فيه، حتى يفنى، فإذا فني حينئذ يدفن غيره فيه، فإن بقي شيء ما من عظامه فالحرمة باقية كجميعه، ولا يجوز أن يحفر عليه، ولا يدفن معه غيره، ولا يكشف عنه اتفاقًا، قال تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ فالستر في الحياة ستر العورات، وفي الممات ستر جيف الأجساد، وتغير أحوالها، فالبنيان في القبور ونحو ذلك سبب لخرق هذا الإجماع، وانتهاك حرمة موتى المسلمين، في حفر قبورهم، والكشف عنهم، وصرح غير واحد أنه لا يجوز تغييرها، ولا حرثها، ولا غير ذلك. اهـ. وقال غير واحد: ومن نبش القبور التي لم تبل أربابها، وأدخل أجانب عليهم، فهو من المنكر الظاهر، وليس من الضرورة المبيحة لجمع ميتين فأكثر في قبر، أما إن صار الأول ترابًا، ولم يمكن أن يعد لكل ميت قبر، لا سيما في الأمصار الكبيرة، جاز، وإلا لزم أن تعم القبور السهل والوعر.(٣) فإذا كان ذلك جاز، لأن الضرورات تبيح المحظورات، وقال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وإن انتفت الضرورة، كان مكروهًا، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي والجمهور.стр. 1262
لقوله ﵇ يوم أُحد «ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد» رواه النسائي (١) ويقدم الأَفضل للقبلة وتقدم (٢) (ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب) ليصير كل واحد كأنه في قبر منفرد (٣) وكره الدفن عند طلوع الشمس، وقيامها، وغروبها (٤) . الحواشي
(١) وصححه الترمذي، وذلك لما قالوا له ﷺ : الحفر علينا لكل إنسان شديد. وروى عبد الرزاق، عن واثلة أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل، ويجعل المرأة وراءه، وكأنه كان يجعل بينهما حائلاً من تراب، ولا سيما إن كانا أجنبين، وإذا دفن اثنين فأكثر في قبر واحد، فإن شاء سوى بين رؤوسهم، وإن شاء حفر قبرًا طويلاً، وجعل رأس كل واحد عند رجلي الآخر أو وسطه كالدرج، ويجعل رأس المفضول عند رجلي الفاضل.(٢) يعني في تقديم الأفضل إلى الإمام، في الصلاة عليه مفصلاً، فكذلك مثله يقدم الأفضل فالأفضل إلى القبلة في القبر، لحديث هشام بن عامر قال: شكي إلى رسول الله ﷺ كثرة الجراحات يوم أحد، فقال «احفروا وأوسعوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا الأكثر قرآنًا» يعني إلى القبلة، صححه الترمذي.(٣) ويقال: حجزه حجزًا منعه، وحجز بينهما فصل، والحاجز الحائل، والمراد على سبيل السنة لا الوجوب، كما صرح به في الإقناع وغيره.(٤) نص عليه عند طلوعها، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وعند غروبها وفاقًا لمالك أيضًا، وخالف عند قيامها، وقيامها وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته، أي وقفت، والمعنى أن الشمس إذا بلغت وسط السماء، أبطأت حركة الظل، إلى أن يزول، وتقدم اختيار الشيخ وغيره، أنه إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره.стр. 1263
ويجوز ليلاً (١) ويستحب جمع الأَقارب في بقعةٍ، لتَسْهُلَ زيارتهم (٢) قريبًا من الشهداء والصالحين، لينتفع بمجاورتهم (٣) الحواشي
(١) ذكره النووي والحافظ وغيرهما قول جمهور العلماء، وذكره الوزير إجماعًا، لأنه ﷺ لم ينكر عليهم، وإنما أنكر عدم إعلامه بذلك، والصحابة دفنوا أبا بكر ليلاً، وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز، وصح أن عليًا دفن فاطمة ليلاً، ونهارًا أولى إجماعًا، للأحاديث الصحيحة المشهورة، وليحضره كثير من الناس، فيصلون عليه، وقيل: عن رداءة الكفن، فلا يبين في الليل، قيل: ولعل النبي ﷺ قصدهما، وعنه: لا يفعل إلا لضرورة، فيتأكد استحبابه نهارًا للإجماع، والأخبار، والخروج من الخلاف، وقال الحافظ: إن رجي بتأخيره إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب، وإلا فلا.(٢) لما تقدم من قوله ﵊ – لما دفن عثمان بن مظعون، وعلم قبره، قال - «لأدفن إليه من مات من أهلي» وغير ذلك، ولأنه أبعد لاندراس قبورهم، والبقعة القطعة من الأرض وواحدة البقاع.(٣) أي ويستحب أيضًا الدفن قريبًا مما كثر فيه الشهداء والصالحون، لينتفع بمجاورتهم، ولأنه أقرب إلى الرحمة.
وقال الشيخ: إنه يخفف العذاب عن الميت، بمجاورة الرجل الصالح، كما جاءت بذلك الآثار المعروفة، ولتناله بركتهم، ولذلك التمس عمر الدفن عند صاحبيه، وسأل عائشة ذلك، حتى أذنت له.стр. 1264
في البقاع الشريفة (١) . ولو وَصَّى أن يدفن في ملكه دفن مع المسلمين (٢) ومن سبق إلى مسبلة قدم، ثم يقرع (٣) وإن ماتت ذمية حامل من مسلم، دفنها مسلم وحدها إن أَمكن (٤) . الحواشي
(١) أي ويستحب الدفن في البقاع الشريفة، فقد سأل موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة، وعمر سأل الشهادة في سبيل الله، والموت في بلد رسول الله ﷺ ، متفق عليهما، وأما القتلى فلا، لحديث «ادفنوا القتلى في مصارعهم» و «جاوره مجاورة» صار جارًا له، والجار ما قرب من المنازل، وحقيقته إنما يتناول الملاصق، والمجاورة الملاصقة، أو يتناول الملاصق وغيره ممن يسكن محلته، ولا بأس بتحويل الميت ونقله إلى مكان آخر بعيد، لغرض صحيح، كبقعة شريفة ومجاورة صالح، مع أمن التغير، قال مالك: سمعت غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة فدفنا بها، وأوصى ابن عمر أن يدفن بسرف، وقال جابر: دفن مع أبي رجل، فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة. رواه البخاري، وحول طلحة، وحولت عائشة ﵄، فيجوز نبشه لغرض صحيح، وأخرج عبد الله بن أبي، بعدما دفن، فنفث فيه ريقه الشريفة، صلوات الله وسلامه عليه، وألبسه قميصه، متفق عليه، قال ابن القيم: وفيه دليل على جواز إخراج الميت من القبر بعد الدفن، لعلة أو سبب.(٢) لأن دفنه بملكه يضر بالورثة، لمنعهم من التصرف فيه، فيكون منتفيًا، لحديث «لا ضرر ولا ضرار» ولا بأس بشراء موضع قبره، ويوصي بدفنه فيه، فعله عثمان وعائشة ﵄.(٣) أي فإن لم يحصل السبق بل جا آمعًا أقرع.(٤) أي دفنها وحدها، في مكان غير مقابر المسلمين، وغير مقابر الكفار،
نص عليه، وحكاه عن واثلة بن الأسقع، ورواه البيهقي وغيره، وقال شيخ الإسلام: لا تدفن في مقابر المسلمين، ولا مقابر النصارى، لأنه اجتمع مسلم وكافر فلا يدفن الكافر مع المسلم، ولا المسلم مع الكفار، بل تدفن منفردة. اهـ. لأنها إذا دفنت في مقبرة المسلمين، تأذوا بعذابها، وإذا دفنت في مقبرة النصارى، تأذى الولد بعذابهم، فإن قيل: فالولد يتأذى بعذابها؟ قيل: هذا ضرورة، وهو أخف من عذاب المجموع.стр. 1265
وإلا فمعنا، على جنبها الأَيسر، وظهرها إلى القبلة (١) (ولا تكره القراءَة على القبر) (٢) لما روى أَنس مرفوعًا «قال من دخل المقابر، فقرأَ فيها (يس) ، خفف عنهم يومئذ، وكان له بعددهم حسنات» (٣) . الحواشي
(١) أي وإلا يمكن دفنها منفردة، إما لخوف، أو لعدم محل تدفن فيه، فتدفن معنا، على جنبها الأيسر، وظهرها إلى قبلة، ليكون الجنين على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة، لأن ظهر الجنين لوجه أمه، قال الشيخ: فإذا دفنت كذلك، كان وجه الصبي المسلم مستقبل القبلة، والطفل يكون مسلمًا بإسلام أبيه، وإن كانت أمه كافرة، باتفاق العلماء. وقال: لا بد أن تكون مقابر أهل الذمة متميزة عن مقابر المسلمين، تميزًا ظاهرًا، بحيث لا يختلطون بهم، ولا يشبه قبور المسلمين بقبور الكفار، وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة، بلبس الغيار ونحوه، فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة، ومقابر الكفار فيها العذاب، بل ينبغي مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين، وكلما بعدت عنها كانت أصلح.(٢) قالوا: ولا في المقبرة، بل تستحب، وفاقًا للشافعي، لما ذكر من الخبرين.(٣) لم يعزه إلى شيء من كتب الحديث المعروفة، وإنما رواه عبد العزيز
صاحب الخلال، بسنده عن أنس، وللدارقطني نحوه عن علي، في قراءة سورة الإخلاص، ونحوه أيضًا عن اللجلاج عند الطبراني، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة، وليس فيه حديث صحيح ولا حسن، والأحاديث الصحيحة، في النهي عن العكوف عند القبور، واعتيادها متظاهرة.следующие страницы →