Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وإن حفر فوجد عظام ميت دفنها (١) وحفر في مكان آخر (٢) (إلا لضرورة) ككثرة الموتى، وقلة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم (٣) . الحواشي
(١) أي في محلها، ولم يجز دفن ميت آخر عليه.(٢) لكي يدفن ميته فيه، ويحرم نبش قبر ميت باق، لدفن ميت آخر، ومتى ظن أنه بلي الأول جاز عند الأكثر، ومتى كان رميمًا جازت الزراعة والحرث وغير ذلك، ما لم يخالف شرط واقف إجماعًا، وإلا فلا، وفي المدخل: اتفق العلماء على أن الموضع الذي دفن فيه الميت وقف عليه، ما دام منه شيء موجود فيه، حتى يفنى، فإذا فني حينئذ يدفن غيره فيه، فإن بقي شيء ما من عظامه فالحرمة باقية كجميعه، ولا يجوز أن يحفر عليه، ولا يدفن معه غيره، ولا يكشف عنه اتفاقًا، قال تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ فالستر في الحياة ستر العورات، وفي الممات ستر جيف الأجساد، وتغير أحوالها، فالبنيان في القبور ونحو ذلك سبب لخرق هذا الإجماع، وانتهاك حرمة موتى المسلمين، في حفر قبورهم، والكشف عنهم، وصرح غير واحد أنه لا يجوز تغييرها، ولا حرثها، ولا غير ذلك. اهـ. وقال غير واحد: ومن نبش القبور التي لم تبل أربابها، وأدخل أجانب عليهم، فهو من المنكر الظاهر، وليس من الضرورة المبيحة لجمع ميتين فأكثر في قبر، أما إن صار الأول ترابًا، ولم يمكن أن يعد لكل ميت قبر، لا سيما في الأمصار الكبيرة، جاز، وإلا لزم أن تعم القبور السهل والوعر.(٣) فإذا كان ذلك جاز، لأن الضرورات تبيح المحظورات، وقال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وإن انتفت الضرورة، كان مكروهًا، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي والجمهور.стр. 1262
لقوله ﵇ يوم أُحد «ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد» رواه النسائي (١) ويقدم الأَفضل للقبلة وتقدم (٢) (ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب) ليصير كل واحد كأنه في قبر منفرد (٣) وكره الدفن عند طلوع الشمس، وقيامها، وغروبها (٤) . الحواشي
(١) وصححه الترمذي، وذلك لما قالوا له ﷺ : الحفر علينا لكل إنسان شديد. وروى عبد الرزاق، عن واثلة أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل، ويجعل المرأة وراءه، وكأنه كان يجعل بينهما حائلاً من تراب، ولا سيما إن كانا أجنبين، وإذا دفن اثنين فأكثر في قبر واحد، فإن شاء سوى بين رؤوسهم، وإن شاء حفر قبرًا طويلاً، وجعل رأس كل واحد عند رجلي الآخر أو وسطه كالدرج، ويجعل رأس المفضول عند رجلي الفاضل.(٢) يعني في تقديم الأفضل إلى الإمام، في الصلاة عليه مفصلاً، فكذلك مثله يقدم الأفضل فالأفضل إلى القبلة في القبر، لحديث هشام بن عامر قال: شكي إلى رسول الله ﷺ كثرة الجراحات يوم أحد، فقال «احفروا وأوسعوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا الأكثر قرآنًا» يعني إلى القبلة، صححه الترمذي.(٣) ويقال: حجزه حجزًا منعه، وحجز بينهما فصل، والحاجز الحائل، والمراد على سبيل السنة لا الوجوب، كما صرح به في الإقناع وغيره.(٤) نص عليه عند طلوعها، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وعند غروبها وفاقًا لمالك أيضًا، وخالف عند قيامها، وقيامها وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته، أي وقفت، والمعنى أن الشمس إذا بلغت وسط السماء، أبطأت حركة الظل، إلى أن يزول، وتقدم اختيار الشيخ وغيره، أنه إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره.стр. 1263
ويجوز ليلاً (١) ويستحب جمع الأَقارب في بقعةٍ، لتَسْهُلَ زيارتهم (٢) قريبًا من الشهداء والصالحين، لينتفع بمجاورتهم (٣) الحواشي
(١) ذكره النووي والحافظ وغيرهما قول جمهور العلماء، وذكره الوزير إجماعًا، لأنه ﷺ لم ينكر عليهم، وإنما أنكر عدم إعلامه بذلك، والصحابة دفنوا أبا بكر ليلاً، وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز، وصح أن عليًا دفن فاطمة ليلاً، ونهارًا أولى إجماعًا، للأحاديث الصحيحة المشهورة، وليحضره كثير من الناس، فيصلون عليه، وقيل: عن رداءة الكفن، فلا يبين في الليل، قيل: ولعل النبي ﷺ قصدهما، وعنه: لا يفعل إلا لضرورة، فيتأكد استحبابه نهارًا للإجماع، والأخبار، والخروج من الخلاف، وقال الحافظ: إن رجي بتأخيره إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب، وإلا فلا.(٢) لما تقدم من قوله ﵊ – لما دفن عثمان بن مظعون، وعلم قبره، قال - «لأدفن إليه من مات من أهلي» وغير ذلك، ولأنه أبعد لاندراس قبورهم، والبقعة القطعة من الأرض وواحدة البقاع.(٣) أي ويستحب أيضًا الدفن قريبًا مما كثر فيه الشهداء والصالحون، لينتفع بمجاورتهم، ولأنه أقرب إلى الرحمة.
وقال الشيخ: إنه يخفف العذاب عن الميت، بمجاورة الرجل الصالح، كما جاءت بذلك الآثار المعروفة، ولتناله بركتهم، ولذلك التمس عمر الدفن عند صاحبيه، وسأل عائشة ذلك، حتى أذنت له.стр. 1264
في البقاع الشريفة (١) . ولو وَصَّى أن يدفن في ملكه دفن مع المسلمين (٢) ومن سبق إلى مسبلة قدم، ثم يقرع (٣) وإن ماتت ذمية حامل من مسلم، دفنها مسلم وحدها إن أَمكن (٤) . الحواشي
(١) أي ويستحب الدفن في البقاع الشريفة، فقد سأل موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة، وعمر سأل الشهادة في سبيل الله، والموت في بلد رسول الله ﷺ ، متفق عليهما، وأما القتلى فلا، لحديث «ادفنوا القتلى في مصارعهم» و «جاوره مجاورة» صار جارًا له، والجار ما قرب من المنازل، وحقيقته إنما يتناول الملاصق، والمجاورة الملاصقة، أو يتناول الملاصق وغيره ممن يسكن محلته، ولا بأس بتحويل الميت ونقله إلى مكان آخر بعيد، لغرض صحيح، كبقعة شريفة ومجاورة صالح، مع أمن التغير، قال مالك: سمعت غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة فدفنا بها، وأوصى ابن عمر أن يدفن بسرف، وقال جابر: دفن مع أبي رجل، فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة. رواه البخاري، وحول طلحة، وحولت عائشة ﵄، فيجوز نبشه لغرض صحيح، وأخرج عبد الله بن أبي، بعدما دفن، فنفث فيه ريقه الشريفة، صلوات الله وسلامه عليه، وألبسه قميصه، متفق عليه، قال ابن القيم: وفيه دليل على جواز إخراج الميت من القبر بعد الدفن، لعلة أو سبب.(٢) لأن دفنه بملكه يضر بالورثة، لمنعهم من التصرف فيه، فيكون منتفيًا، لحديث «لا ضرر ولا ضرار» ولا بأس بشراء موضع قبره، ويوصي بدفنه فيه، فعله عثمان وعائشة ﵄.(٣) أي فإن لم يحصل السبق بل جا آمعًا أقرع.(٤) أي دفنها وحدها، في مكان غير مقابر المسلمين، وغير مقابر الكفار،
نص عليه، وحكاه عن واثلة بن الأسقع، ورواه البيهقي وغيره، وقال شيخ الإسلام: لا تدفن في مقابر المسلمين، ولا مقابر النصارى، لأنه اجتمع مسلم وكافر فلا يدفن الكافر مع المسلم، ولا المسلم مع الكفار، بل تدفن منفردة. اهـ. لأنها إذا دفنت في مقبرة المسلمين، تأذوا بعذابها، وإذا دفنت في مقبرة النصارى، تأذى الولد بعذابهم، فإن قيل: فالولد يتأذى بعذابها؟ قيل: هذا ضرورة، وهو أخف من عذاب المجموع.стр. 1265
وإلا فمعنا، على جنبها الأَيسر، وظهرها إلى القبلة (١) (ولا تكره القراءَة على القبر) (٢) لما روى أَنس مرفوعًا «قال من دخل المقابر، فقرأَ فيها (يس) ، خفف عنهم يومئذ، وكان له بعددهم حسنات» (٣) . الحواشي
(١) أي وإلا يمكن دفنها منفردة، إما لخوف، أو لعدم محل تدفن فيه، فتدفن معنا، على جنبها الأيسر، وظهرها إلى قبلة، ليكون الجنين على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة، لأن ظهر الجنين لوجه أمه، قال الشيخ: فإذا دفنت كذلك، كان وجه الصبي المسلم مستقبل القبلة، والطفل يكون مسلمًا بإسلام أبيه، وإن كانت أمه كافرة، باتفاق العلماء. وقال: لا بد أن تكون مقابر أهل الذمة متميزة عن مقابر المسلمين، تميزًا ظاهرًا، بحيث لا يختلطون بهم، ولا يشبه قبور المسلمين بقبور الكفار، وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة، بلبس الغيار ونحوه، فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة، ومقابر الكفار فيها العذاب، بل ينبغي مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين، وكلما بعدت عنها كانت أصلح.(٢) قالوا: ولا في المقبرة، بل تستحب، وفاقًا للشافعي، لما ذكر من الخبرين.(٣) لم يعزه إلى شيء من كتب الحديث المعروفة، وإنما رواه عبد العزيز
صاحب الخلال، بسنده عن أنس، وللدارقطني نحوه عن علي، في قراءة سورة الإخلاص، ونحوه أيضًا عن اللجلاج عند الطبراني، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة، وليس فيه حديث صحيح ولا حسن، والأحاديث الصحيحة، في النهي عن العكوف عند القبور، واعتيادها متظاهرة.стр. 1266
وصح عن ابن عمر أَنه أَوصى إذا دفن، أَن يقرأَ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، قاله في المبدع (١) (وأَيّ قربة) من دعاء واستغفار، وصلاة وصوم، وحج وقراءة وغير ذلك (فعلها) مسلم (٢) . الحواشي
(١) وكان أحمد ينكر ذلك، ولا ريب أن القراءة على القبر عكوف، يضاهي العكوف في المساجد بالقرب، وعنه: يكره، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك وعامة السلف، بل أنكروه وشددوا فيه، قال شيخ الإسلام: نقل الجماعة كراهته، وهو قول جمهور السلف، وعليه قدماء الأصحاب. اهـ. ولو كان مشروعًا لَسَنّهُ رسول الله ﷺ لأمته، وفيه مفسدة عظيمة، كما في الصلاة عنده، بل هو عكوف عند القبور، مضاهاة لما كان يعتاده عباد القبور، عن العكوف عندها بأنواع القرب، بل وسيلة إلى عبادتها، وعنه: بدعة، وفاقًا للشافعي، لأنه ليس من فعله ﵊، ولا من فعل أصحابه، فعلم أنه محدث، وسأله عبد الله: يحمل مصحفًا إلى القبر، فيقرأ فيه عليه؟ قال: بدعة.
وقال شيخ الإسلام: ولم يقل أحد من العلماء المعتبرين أن القراءة عند القبور أفضل، ولا رخص في اتخاذها عند أحد منهم، كاعتياد القراءة عنده في وقت معلوم، أو الذكر، أو الصيام قال: واتخاذ المصاحف عنده ولو للقراءة فيها بدعة، ولو نفع الميت لفعله السلف، ولا أجر للميت بالقراءة عنده، كمستمع، ومن قال: إنه ينتفع بسماعها دون ما إذا بعد القارئ. فقوله باطل، مخالف للإجماع.(٢) سواء كان من أقارب المدعو له أو غيرهم، كما ينتفع بصلاة المصلين عليه، ودعائهم له عند قبره.стр. 1267
(وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك) (١) قال أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، للنصوص الواردة فيه. ذكره المجد وغيره (٢) . الحواشي
(١) قال ابن القيم: من صام أو صلى أو تصدق، وجعل ثوابه لغيره، من الأموات والأحياء جاز، ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة، ويحصل له الثواب بنيته له قبل الفعل، أهداه أو لا، ولكن تخصيص صاحب الطاعة نفسه أفضل، ويدعو كما ورد في الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة، واعتبر بعضهم إذا نوى الثواب حال الفعل أو قبله، واستحب بعضهم أن يقول: اللهم اجعل ثوابه لفلان. ويثاب كل من المهدي والمهدى له، وظاهره أنه إذا جعلها لغير مسلم لا ينفعه، وهو صحيح لقوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، وغيرها من الآيات والأحاديث.(٢) وقال شيخ الإسلام: أئمة الإسلام متفقون على انتفاع الميت بدعاء الخلق له، وبما يعمل عنه من البر، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فمن خالف ذلك كان من أهل البدع. وذكر استغفار الملائكة والرسل والمسلمين للمؤمنين، وما تواتر من الصلاة على الميت، والدعاء له، وما صح عن النبي ﷺ فيمن توفيت أمه، وقال: أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال «نعم» وتصدق لها ببستان، ومن توفيت ولم توص، وقال ابنها: هل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال «نعم» وقال لعمرو بن العاص «لو أقر أبوك بالتوحيد فصمت عنه، أو تصدقت عنه، نفعه ذلك» وذكر اتفاقهم على وصول الصدقة ونحوها، وتنازعهم في العبادات البدنية، كالصلاة والصوم والحج والقراءة، وذكر ما في الصحيحين من حديث عائشة «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وعن ابن عباس وفيه «فصومي عن أمك» وحديث عَمْرو «إذا صاموا عن المسلم
نفعه» ، وما ورد في الحج وغير ذلك، ثم قال: فهذا الذي ثبت بالكتاب والسنة والإجماع علم مفصل مبين، ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة من بلغته، وإنما خالفها من لم تبلغه.
وأما الحي فيجزئ، عند عامتهم، ليس فيه إلا اختلافًا شاذًا، وما تقدم لا ينافي قوله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ ولا قوله «إذا مات ابن آدم انقطع عمله» الخ، لأن ذلك ليس من عمله، والله تعالى يثيب هذا الساعي، وهذا العامل على سعيه وعمله، ويرحم هذا الميت يسعي هذا الحي، وعمله بسعي غيره، وليس من عمله، ولكن ذكر أن أفضل العبادات ما وافق هدي النبي ﷺ ، وهدي أصحابه، وقول ابن مسعود: من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ . وأن الذي كان معروفًا بين المسلمين، في القرون المفضلة، أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة، فرضها ونقلها، ويدعون للمؤمنين والمؤمنات، كما أمر الله بذلك، لأحيائهم وأمواتهم، في قيام الليل وغيره، وفي صلاتهم على الجنائز، وعند زيارة القبور، وغير ذلك من مواطن الإجابة، ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعًا، أو صاموا تطوعًا، أو حجوا أو قرؤا القرآن، يهدون ذلك لموتاهم المسلمين، بل كان من عادتهم الدعاء كما تقدم، فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف، فهو أفضل وأكمل.стр. 1268
وحتى لو أهداها للنبي ﷺ جاز، ووصل إليه الثواب (١) . الحواشي
(١) ولم يره شيخ الإسلام وغيره من أهل التحقيق، فإن له صلوات الله وسلامه عليه كأجر العامل، فلم يحتج إلى أن يهدي إليه ثواب صلاة، أو صوم، أو صدقة أو قراءة من أحد، ورآه هو وبعض الفقهاء بدعة، ولم يكن الصحابة يفعلونه، وفي الاختيارات: لا يستحب إهداء القرب للنبي ﷺ ، بل هو بدعة، هذا هو الصواب المقطوع به. اهـ. وذلك بخلاف الوالد، فإن له أجرًا كأجر الولد.стр. 1269
(ويسن أن يصلح لأَهل الميت طعام، يبعث به إليهم) ثلاثة أيام (١) لقوله ﵇ «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد جاءهم ما يشغلهم» رواه الشافعي وأحمد، والترمذي وحسنه (٢) . الحواشي
(١) حاضرًا كان الميت، أو غائبًا وأتاهم نعيه، وأهل الميت عائلته الذين كانوا في نفقته وكلفته، استظهره ابن نصر الله وغيره وقيل: الذين كانوا يأوون معه في بيته، ويتولون أمره وتجهيزه، والأول هو المعروف في اللغة.(٢) من رواية عبد الله بن جعفر، ورواه أحمد وابن ماجه أيضًا من رواية أسماء بنت عميس، قال الزبير: فعمدت سلمى مولاة رسول الله ﷺ إلى شعير فطحنته، وآدمته بزيت جعل عليه، وبعث به إليهم. ولشغلهم بالمصيبة، وهو قول الشافعي، ويروى عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: فما زالت تلك السنة فينا، حتى تركها من تركها. ويقصد به أهل الميت، لا من يجتمع عندهم، قال شيخ الإسلام: لكن إنما يطيب إذا كان بطيب نفس المهدي، وكان على سبيل المعاوضة، مثل أن يكون مكافأة عن معروف مثله، فإن علم الرجل أنه ليس بمباح لم يأكل منه، وإن اشتبه أمره فلا بأس بتناول اليسير منه، إذا كان فيه مصلحة راجحة، مثل تأليف القلوب ونحو ذلك. اهـ.
وجعفر ﵁ هو ابن أبي طالب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد السابقين الأولين، شقيق علي، ولد قبله بعشر سنين، قال أبو هريرة: إنه أفضل الناس بعد النبي ﷺ . وفي الصحيح «أشبهت خَلْقي وخُلُقي» أسلم النجاشي على يده، وقتل ﵁ في جمادى، سنة ثمان من الهجرة، في غزوة مؤتة، موضع معروف بالشام، عند الكرك، اقتحم عن فرسه فعقرها، وكان أول من عقر في الإسلام، ثم قاتل حتى قتل، قال ابن عمر: ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين، من طعنة ورمية. وسمي ذا الجناحين، لأنه قاتل حتى قطعت يداه، قالت عائشة: لما جاءت وفاته رؤي في وجه رسول الله ﷺ الحزن.стр. 1270
(ويكره لهم) أَي لأَهل الميت (فعله) أي فعل الطعام (للناس) (١) لما روى أَحمد عن جرير قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وإسناده ثقات (٢) . الحواشي
(١) لأنه معونة على مكروه، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت، بل بدعة وخلاف للسنة، فإنهم مأمورون أن يصنعوا لأهل الميت طعامًا، فخالفوا، وكلفوهم صنع الطعام لغيرهم، وقد علل ﷺ بما هم فيه من الشغل بمصابهم، وفي الطراز: وأما إصلاح أهل الميت طعامًا، وجمع الناس عليه، فقد كرهه جماعة، وعدوه من البدع، لأنه لم ينقل فيه شيء، وليس ذلك موضع الولائم.(٢) وقال شيخ الإسلام: جمع أهل المصيبة الناس على طعامهم، ليقرؤا ويهدوا له، ليس معروفًا عند السلف، وقد كرهه طوائف من العلماء من غير وجه، وقرب دفنه منهي عنه، عده السلف من النياحة، وذكر خبر جرير، وهذا في المحتسب، فكيف من يقرأ بالكراء، قال: واكتراء من يقرأ ويهدي للميت بدعة، لم يفعلها السلف، ولا استحبها الأئمة، والفقهاء تنازعوا في جواز الإكتراء على تعليمه، فأما اكتراء من يقرأ ويهدي فما علمت أحدًا ذكره، ولا ثواب له، فلا شيء للميت، قاله العلماء، ولا تنفذ وصيته بذلك. اهـ. وقال أحمد: هو من فعل أهل الجاهلية، وقال الموفق وغيره: إلا من حاجة، كأن يجيء من يحضر ميتهم، من أهل القرى البعيدة، ويبيت عندهم، فلا يمكن إلا أن يطعموه. اهـ.
ويكره الأكل مما صنع، وقال الطرطوشي: أما المآتم فممنوعة بإجماع العلماء، والمأتم هو الاجتماع على المصيبة، وهو بدعة منكرة، لم ينقل فيه شيء، وكذا ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث، والرابع والسابع، والشهر والسنة، فهو طامة، وإن كان من التركة، وفي الورثة محجور عليه، أو من لم يأذن حرم فعله، وحرم الأكل منه، وجرير هو ابن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي،
الصحابي الشهير، بعثة النبي ﷺ إلى ذي الخلصة، فهدمها، وقدمه عمر في حروب العراق على بجيلة، وأرسله علي إلى معاوية، ثم اعتزل، وسكن قرقيسًا، ومات سنة إحدى وخمسين. اهـ.стр. 1271
ويكره الذبح عند القبر، والأَكل منه (١) لخبر أنس «لا عقر في الإسلام» رواه أحمد بإسناد صحيح (٢) وفي معناه الصدقة عند القبر، فإنه محدث، وفيه رياءٌ (٣) . الحواشي
(١) وقال شيخ الإسلام: يحرم الذبح والتضحية عند القبر، ولو نذره، ولو شرطه واقف كان شرطًا فاسدًا.(٢) أصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم، فنهى عنه ﷺ ، لأنهم كانوا إذا مات الميت عقروا عند قبره شاة أو بعيرًا، ويقولون: إنه كان يعقر للأضياف أيام حياته، فيكافيه بمثل صنيعه بعد وفاته، أو ليكون مطعمًا بعد وفاته.(٣) أي وفي معنى الذبح عند القبر الصدقة عنده، فإنه محدث، لم يفعله السلف، ولم يرد الأمر به «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» وفيه أيضًا رياء، وهو محرم.
قال شيخ الإسلام: إخراج الصدقة مع الجنازة بدعة مكروهة، وهو يشبه الذبح عند القبر، ولا يشرع شيء من العبادات عند القبور، لا صدقة ولا غيرها، قال: وأنكر من ذلك أن يوضع عند القبر الطعام أو الشراب ليأخذه الناس.стр. 1272
فصل (١)
(تسن زيارة القبور) (٢) وحكاه النووي إجماعًا (٣) لقوله ﵇ «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها» رواه مسلم، والترمذي وزاد «فإنها تذكر الآخرة» (٤) . الحواشي
(١) في سنية زيارة القبور، وهي مشروعة بالسنة والإجماع، فإنها تورث رقة القلب، وتذكر الموت والبلى، وينتفع المزور بدعاء الزائر له.(٢) للذكور بلا شَدَّ رَحْلٍ، لما في الصحيحين «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» وأجمعوا على العمل به في الجملة.
ولمسلم «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد» لاختصاصها بما اختصت به، ولازمة منع السفر إلى كل موضع غيرها.(٣) وكذا حكاه الموفق وغيره، للذكور دون النساء، ولما ينشأ بقلب زائرها من الرجال، دون النساء لضعفهن.(٤) والحديث متواتر عن النبي ﷺ من طرق كثيرة.
وقال: أبو هريرة زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، وقال «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» متفق عليه، ولأحمد وغيره عن أبي سعيد «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة» ولفظ ابن ماجه بسند صحيح عن ابن مسعود «فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة» وقال تعالى ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فزيارة الميت المشروعة بالدعاء والاستغفار، هي من هذا القيام المشروع.
وذكر شيخ الإسلام أن الزيارة على قسمين: شرعية وبدعية، فالشرعية المقصود بها السلام على الميت، والدعاء له، كما يقصد بالصلاة على جنازته، من غير شد رحل، والبدعية أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت، وهذا شرك أكبر، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو الدعاء به، وهذا بدعة منكرة، ووسيلة إلى الشرك، وليس من سنة النبي ﷺ ولا استحبه أحد من سلف الأمة، وأئمتها. اهـ. والمقصود من زيارة القبور الاعتبار، ونفع المزور، والزائر، بالدعاء، فلا ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه، وللميت، ولا عن الاعتبار بحاله، كيف تقطعت أوصاله، وتفرقت أجزاؤه، وكيف يبعث من قبره، وأنه عما قريب يلحق به، وقال القرطبي: ينبغي أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها ويتعظ بأهلها وأحوالهم، ويعتبر بهم، وما صاروا إليه.стр. 1273
وسن أن يقف زائر أمامه، قريبًا منه، كزيارته في حياته (١) (إلا للنساء) فتكره لهن زيارتها (٢) . الحواشي
(١) وتقدم، فينبغي أن يدنو منه، من جهة رأسه، بقدر ما يدنو من صاحبه في الحياة، ويكون مستقبلاً وجهه مستدبرًا القبلة، ولا يتمسح به، ولا يصلي عنده، ولا يقصده لأجل الدعاء عنده، قال شيخ الإسلام: ليس هذا ونحوه من دين المسلمين، بل مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك. وقال: اتفق السلف والأئمة على أن من سلم على النبي ﷺ ، أو غيره من الأنبياء والصالحين، فإنه لا يتمسح بالقبر، ولا يقبله، بل اتفقوا أنه لا يستلم ولا يقبل إلا الحجر الأسود، والركن اليماني يستلم ولا يقبل، على الصحيح.(٢) يعني كراهة تحريم، لصراحة الحديث، ورجحه الشيخ وغيره، وقال: وعلى هذا العمل في أظهر قولي أهل العلم، واحتج أهل القول الآخر بالإذن، وليس بجيد، فإن اللفظ لفظ مذكر، وهو مختص بالذكور، أو متناول لغيرهم، فإن كان مختصًا فلا ذكر للنساء، وإن كان متناولاً كان لفظ الحديث الآتي وغيره مختصًا، ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة، فكان مقدمًا على العام، عند عامة أهل العلم، كما لو علم أنه بعدها. اهـ. وفي الخبر: «واحتملها الرجال» ، ولأبي يعلى من حديث أنس قال «أتحملنه؟» قلن: لا قال «أتدفنه؟» قلن: لا. قال «فارجعن مأزورات، غير مأجورات» ونقل النووي أنه لا خلاف في ذلك.стр. 1274
غير قبره ﷺ ، وقبري صاحبيه ﵄ (١) روى أحمد والترمذي وصححه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور (٢) . الحواشي
(١) يعني أبا بكر وعمر، وهذا الاستثناء فيه نظر ظاهر، فإنها تحرم زيارتهن لقبره ﷺ ، وقبريهما ﵄ لعدم الاستثناء في النصوص الصحيحة الصريحة في نهيهن مطلقًا، ولبقاء العلة المعلل بها في زيارة القبور.(٢) وفي لفظ «زائرات القبور» وهذا صريح في التحريم، وعن ابن عباس مرفوعًا: لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، قال شيخ الإسلام: وفي نسخ صحيحة تصحيحه، وقد تعددت طرقها، وليس فيها متهم، ولا خالفها أحد من الثقات، وقد روي هذا عن صاحب وهذا عن صاحب آخر، وذلك يبين أن الحديث في الأصل معروف، وفي الصحيح أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز، وفي السنن، وصححه أبو حاتم من حديث ابن عمر، قال: فلما فرغنا – يعني من دفن الميت – انصرف رسول الله ﷺ ، وانصرفنا معه، فلما توسطنا الطريق، إذا نحن بامرأة مقبلة، فلما دنت إذا هي فاطمة، فقال لها «ما أخرجك؟» قالت: أتيت أهل هذا البيت فعزيناهم بميتهم، فقال «لعلك بلغت معهم الكدى؟» قالت: معاذ الله أن أكون بلغت معهم الكدى، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر. فقال «لو بلغتيها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك» وقد فسر الكدى بالقبور، وبالأرض الصلبة، لأن مقابرهم كانت في مواضع صلبة، والنبي ﷺ علل الإذن للرجال بأن ذلك يذكر بالموت، ويرقق القلب، ويدمع العين.
ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب، أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة، لما فيها من الضعف، وكثرة الجزع، وقلة الصبر، وأيضًا فإن ذلك سبب لتأذى الميت ببكائها، والرجال بصوتها وصورتها، كما في الخبر «فإنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت» وإذا كانت مظنة، فمن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية، أو غير منتشرة علق الحكم بمظنتها، فيحرم هذا الباب سدًا للذريعة، وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، فإنه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت، وذلك ممكن في بيتها، ولهذا قال الفقهاء: إذا علمت من نفسها أنها إذا زارت المقبرة بدا منها ما لا يجوز، من قول أو عمل، لم تجز لها الزيارة بلا نزاع. وقال: إذا كانت زيارة النساء فطنة ومنشأ للامور المحرمة، فغنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع، اما لو مرت في طريقها على مقبرة وسلمت فلا بأس، لأنها لا تسمّى زائرة، وقال: وإن اجتازت بقبر في طريقها، ولم تكن خرجت له، فسلمت عليه ودعت له فحسن.стр. 1275
(و) يسن أن (يقول إذا زارها) أو مر بها (١) (السلام عليكم دار قوم مؤمنين (٢) الحواشي
(١) أي زار قبور المسلمين قاصدًا ذلك، أو مر بها على طريقه، من غير قصد زيارتها.(٢) أو أهل الديار من المؤمنين. فالمتن: لفظ حديث أبي هريرة. ودار منصوب على النداء، وقيل: على الاختصاص. وفي المطالع: يجوز جره يعني أهل دار، وعلى البدل.стр. 1276
وإنا إن شاءَ الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأْخرين (١) نسأل الله لنا ولكم العافية (٢) اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) (٣) للأخبار الواردة في ذلك (٤) . الحواشي
(١) أي المتقدمين بالوفاة، والمستأخرين بها، ليعم أولهم وآخرهم، ولفظ مسلم «منا ومنكم» .(٢) من كل مكروه، وعافاه الله معافاة وعفاء وعافية، أو العافية اسم منه وهب له العافين من كل سوء، والحديث في الصحيح من حديث أبي هريرة، ولمسلم من حديث بريدة: كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم «السلام عليكم أهل الديار من المسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» .(٣) رواه أحمد من حديث عائشة، وللترمذي من حديث ابن عباس «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا، ونحن بالأثر» و «حرمَهُ» الشيء يحرمُه حرمانًا إذا منعه إياه، وكان بعض السلف إذا وقف على المقابر قال: أنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز من سيئاتكم، وقبل حَسَناتكم. وروي «ما الميت في قبره إلا كالغريق المبهوت، ينتظر دعوة تلحقه، من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار» والزيارة الشرعية: المقصود منها ثلاثة أشياء، الدعاء للميت، والإحسان إليه بذلك الدعاء، واعتبار الزائر بحاله، والتفكر في مآله، وتذكر الآخرة كما في الخبر.(٤) المستفيضة مما تقدم وغيره، وللإجماع، واستمرار فعلها خلفًا عن سلف.стр. 1277
وقوله «إن شاء الله بكم للاحقون» استثناء للتبرك، أو راجع للحوق لا للموت، أَو إلى البقاع (١) ويسمع الميت الكلام (٢) ويعرف زائره يوم الجمعة، بعد الفجر، قبل طلوع الشمس، وفي الغنية: يعرفه كل وقت، وهذا الوقت آكد (٣) . الحواشي
(١) فالأول قاله أكثر العلماء، وقال النووي: هو أصحها، لأن الموت واقع لا محالة، وامتثالاُ لقوله ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ والثاني ذكره البغوي وغيره، والثالث ذكره في الشافي وغيره، والتبرك التّيَمُّنُ والفوز بالبركة، والتبرك به تفاؤل بالبركة منه، واللحوق اللزوم في الإسلام، واللحاق الإدراك، والبقاع والبقعة القطع والقطعة من الأرض في الدفن معهم فيها.(٢) في الجملة لما في الصحيحين وغيرهما، قال «إنه ليسمع خفق نعالهم» وقال في قتلى بدر «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وقال «إنهم ليسمعون الآن» وأمر بالسلام على أهل القبور، ولم يكن ليأمر بالسلام على من لا يسمع، وغير ذلك من البراهين الدالة على أن الميت يسمع في الجملة، وقال الشيخ، وابن كثير وغيرهما: سماع الموتى هو الصحيح من كلام أهل العلم، وهذا السمع سمع إدراك، لا يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي في القرآن، وإن سمع فلا يمكنه إجابة الداعي، ولا ينتفع بالأمر والنهي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع بحال دون حال، كما يعرض للحي.(٣) قال ابن القيم: والأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء، علم به المزور، وسمع كلامه، وأنس به، ورد عليه، وذلك عام في حق الشهداء وغيرهم، ولا توقيت في ذلك. اهـ. وقال شيخ الإسلام: استفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار
بأنه يرى، ويدري بما فعل عنده، ويُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا. وقال: جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم، وعرض أعمال الأحياء على الأموات، فيجتمعون إذا شاء الله، كما يجتمعون في الدنيا، مع تفاوت منازلهم، وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا أو متقاربة، لكن الأعلى ينزل إلى الأسفل، والأسفل لا يصعد إلى الأعلى، وللروح اتصال بالبدن متى شاء الله، وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض، وانتباه النائم، كما تظاهرت به الآثار، وقال مالك: بلغنا أن الأرواح مرسلة، تذهب حيث شاءت.стр. 1278
وتباح زيارة قبر كافر (١) (وتسن تعزية) المسلم (المصاب بالميت) (٢) ولو صغيرًا، قبل الدفن وبعده (٣) . الحواشي
(١) ولا يسلم عليه، كحال الحياة، ولا يدعو له، لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه، وقال شيخ الإسلام: تجوز زيارته للاعتبار، ولزيارته ﵊ قبر أمه.(٢) أي تسليته، صغيرًا كان أو كبيرًا، بلا خلاف، وحثه على الصبر، بوعد الأجر، والدعاء للميت والمصاب، «وعزاه تعزية» سلاه وصبره، وأمره بالصبر، وقال له: أحسن الله عزاك. أي رزقك الصبر الحسن، وعزى وتعزى عنه تعزيًا تصبر، وقيل: أصله تعززت أي تشددت، وفي الحديث «من لم يتعز بعزاء الله فليس منا» قال الأزهري: أصلها التصبير لمن أصيب بمن يعز عليه. اهـ. والعزاء اسم أقيم مقام التعزية، وفي الصحيحين لما أرسلت إحدى بناته، تخبره أن صبيًا لها في الموت، قال «أخبرها أن الله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب» وتواتر حديث «لا يموت لأحد ثلاثة، من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم» .(٣) أي تسن تعزيته، ولو كان صغيرًا، لعموم الأخبار، وكذا صديق للميت، وجار ونحوهما، وسواء قبل الدفن أو بعده، من حين الموت، وفاقًا
للشافعي، وبعده، أولى، لاشتغال أهل الميت بتجهيزه، إلا أن يرى منهم جزعًا، ولا بأس بالجلوس بقرب دار الميت، ليتبع الجنازة، أو يخرج وليه فيعزيه، قال في الإنصاف وغيره: فعله السلف.стр. 1279
لما روى ابن ماجه وإسناده ثقات، عن عمرو بن حزم مرفوعًا «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» (١) ولا تعزية بعد ثلاث (٢) فيقال لمصاب بمسلم: أَعظم الله أَجرك، وأَحسن عزاك، وغفر لميتك (٣) . الحواشي
(١) وله عن ابن مسعود مرفوعًا «من عزى مصابًا فله مثل أجره» أي من عمد إلى قلب قد أقلقه ألم المصيبة، فداواه بآيات الوعيد، وثواب الصبر، وذم الجزع، حتى يزيل ما به، أو يقلله، فيصير ثواب المسلي كثواب المصاب، لأن كليهما دفع الجزع، ورواه الترمذي وغيره، وله «من عزى ثكلى كسي بردًا في الجنة» والثكلى المرأة تفقد ولدها، أو من يعز عليها، وللطبراني مرفوعًا «من عزى مصابًا كساه الله حلتين، من حلل الجنة، لا تقوم لهما الدنيا» .(٢) إلا إن كان غائبًا، فلا بأس بتعزيته بعدها، ما لم ينس المصيبة، قال في الفروع: ولم يحدها جماعة، منهم شيخ الإسلام، فالظاهر تستحب مطلقًا، وهو ظاهر الخبر.(٣) قاله شيخ الإسلام وغيره: ولا تعيين في ذلك، بل يدعو بما ينفع، قال الموفق وغيره: لا أعلم في التعزية شيئًا محدودًا، إلا أنه يروى أن النبي ﷺ عزى رجلاً فقال «﵀، وآجرك» رواه أحمد. و «آجره الله» أعطاه أجره، وجزاه صبره، وهمه في مصيبته، و «أحسن عزاك» أي رزقك الصبر الحسن، وروي أنه عزى امرأة في ابنها فقال «إن لله ما أخذ، وله ما أعطي، ولكل أجل مسمى، وكل إليه راجع، فاحتسبي واصبري، فإن الصبر عند أول الصدمة الأولى» وللطبراني عن معاذ أنه مات ابن له، فكتب إليه رسول الله ﷺ «إني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله ، الرهينة، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك في أجر كبير، الصلاة والرحمة والهدى، فاصبْر ولا يحبط جزعك أجرك، فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد شيئًا، ولا يدفع قدرًا، وما هو نازل فكائن مدرك» وإن شاء أخذ بيد من عزاه.стр. 1280
وبكافر: أَعظم الله أَجرك، وأحسن عزاك (١) وتحرم تعزية كافر (٢) وكره تكرارها (٣) ويرد معزى بـ «استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك» (٤) . الحواشي
(١) ويهون عليه المصيبة، ويسليه منها ويحظه على الرضا بالقضاء، ويدعو له يجزيل الثواب، إذ لا يمتنع أن يؤجر به، ويمسك عن الدعاء للميت الكافر، لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه.(٢) سواء كان الميت مسلمًا أو كافرًا، لأن فيها تعظيمًا للكافر، كبداءته بالسلام، ويأتي كلام الشيخ أنها تجوز.(٣) أي التعزية، و «كرر الشيء» أعاده مرة بعد أخرى، فلا يعزى عند القبر من عزي قبله، ولا بعده من عزي عنده، ويكره الجلوس لها، لما في ذلك من استدامة الحزن، وفاقًا لمالك والشافعي، وقيل بقدرها، إلا بقرب دار الميت ليتبع جنازته، أو ليخرج وليه فيعزيه.(٤) وهكذا رد الإمام أحمد وكفى به قدوة، ولا تعيين في ذلك، كما تقدم، و «معزى» بفتح الزاي المشددة، من أصابته المصيبة.стр. 1281
وإذا جاءته التعزية في كتاب ردها على الرسول لفظًا (١) (ويجوز البكاءُ على الميت) (٢) لقول أَنس: رأيت رسول الله ﷺ وعيناه تذرفان. وقال «إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا – وأَشار إلى لسانه – أَو يرحم» متفق عليه (٣) . الحواشي
(١) فيقول: استجاب الله دعاءه، ورحمنا وإياه.(٢) إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة، فإن أخبار النهي محمولة على بكاء معه ندب أو نياحة، أو أنه كثرة البكاء، والدوام عليه أيامًا كثيرة، فالبكاء المباح، والحزن الجائز هو ما كان بِدَمْع العين، ورقة القلب، من غير سخط لأمر الله، قال الشيخ: ولا بد من حمل الحديث على البكاء الذي معه ندب ونياحة، ونحو ذلك، وما هيج المصيبة، من وعظ، وإنشاد شعر، فمن النياحة، وأما البكاء فيستحب، رحمة للميت، وهو أكمل من الفرح، لقوله ﷺ «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده» متفق عليه، ولأحمد وغيره مرفوعًا «مهما كان من العين والقلب فمن الله، ومن رحمته، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان» والاعتدال في الأحوال، هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة، لا يفرط في الحزن، حتى يقع في المحذور، من اللّطْمِ والشق، ولا يفرط في التجلد، حتى يفضي إلى القسوة، والاستخفاف بقدر المصاب، قال الجوهري: البكاء يمد ويقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون معه البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها.(٣) أي يعذب إن قال بلسانه سوءًا، أو يرحم إن قال خيرًا، فمجرد البكاء بدمع العين، من غير زيادة عليه، لا يضر، وكذا مجرد الحزن، والحزن الهم،
وضده السرور، وجمعه أحزان، «وتذرفان» أي يجري دمعهما، وفيهما أنه ﵊ رفع إليه ابن ابنته، ونفسه تقعقع، كأنها شن، يعني لها صوت وحشرجة، كصوت ما ألقي في قربة بالية، ففاضت عيناه: فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال «هذه رحمة، جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» وقال «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا» ولما قتل زيد وجعفر وابن رواحة، جلس ﷺ يعرف في وجهه الحزن، وكذلك حزن لما قتل القراء، وقال تعالى عن يعقوب ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ والبث شدة الحزن، ولذلك كان أرضى الخلق عن الله في قضائه، وأعظمهم له حمدًا، فالبكاء على الميت على وجه الرَّحْمَةِ حسن مستحب، ولا ينافي الصبر، بل ولا الرضي، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه.стр. 1282
الحواشي
(١) أما الصبر فواجب إجماعًا، حكاه شيخ الإسلام وغيره، وذكر في الرضى قولين، ثم قال: وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة، لما يرى من إنعام الله عليه بها، اهـ. والصبر المنع والحبس، وشرعًا حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب، ونحوها، وهو خلق فاضل، يمتنع به من فعل ما لا يحسن، وقوة به صلاح العبد، قال تعالى ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وقال ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وغير ذلك في أكثر من تسعين موضعًا.
وقال ﵊ «والصبر ضياء» وقد وردت أخبار في ثواب أهل البلاء، وأجر الصابرين كقوله «من يرد الله به خيرًا يصب منه» وقوله «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على حسب دينه» إلى قوله «فما يزال به، حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة» وقال «إن عظم الجزاء مع عظم
البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فَمَنْ رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» حسنه الترمذي، وله «إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة في الدنيا» وغير ذلك.
وفي الصبر على موت الولد أجر كبير، وردت به الأخبار، منها في الصحيحين «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسه النار إلا تحلة القسم» وفيهما «وكانوا حجابًا له من النار» وفيهما «ما من مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة» قال ابن المنير: ويدخل الكبير في ذلك بطريق الفحوى، وفي الصحيح «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» ولأحمد والترمذي وحسنه «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟، فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟، فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد» وفيه: عن صهيب مرفوعًا «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» .
ولأحمد وابن ماجه وغيرهما عن الحسن مرفوعًا «ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة، فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث عند ذلك استرجاعًا، إلا جدد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب» ومن نظر في كون المصيبة لم تكن في دنيه، هانت عليه مصيبته بلا شك، والثواب في المصائب على الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها، فإنها ليست من كسب ابن آدم، وإنما يثاب على صبره، وأما الرضى فمنزلة فوق الصبر، فإنه يوجب رضى الله، واختار الشيخ استحبابه، وقال: لم يجيء الأمر به، كما جاء بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم.стр. 1283
.....................................
стр. 1284
والاسترجاع، فيقول (إنا لله وإنا إليه راجعون) (١) «اللهم آجرني في مصيبتي، وأَخِلف لي خيرًا منها» (٢) ولا يلزم الرضى بمرض وفقر وعاهة (٣) . الحواشي
(١) الاسترجاع سنة إجماعًا، قال تعالى ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي على الرزايا والبلايا، «واسترجع في المصيبة» استعاذ بقوله (إنا لله) أي عبيد له، وملك له، يفعل فينا ما يشاء (وإنا إليه راجعون) يوم القيامة، فيجازي كلا بعمله، وقال ابن كثير وغيره: تسلوا بقولهم هذا، عما أصابهم، وعملوا أنهم ملك لله، عبيد له، يتصرف فيهم بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وراجعون إليه في الدار الآخرة. ولهذا أخبر عما أعطاهم على ذلك فقال ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي ثناء من الله عليهم ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ في الدنيا والآخرة. اهـ. فهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في العاجلة والآجلة، فإنه إذا تحقق بمعرفتها تسلى عن مصيبته، وإذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، هانت عليه المصيبة.(٢) آجرني بالمد والقصر، وكسر الجيم، و «اخلف» بقطع الهمزة، وكسر اللام، يقال لمن ذهب منه ما يتوقع مثله: أخلف الله عليك. أي رد عليك مثله، فإن ذهب منه ما لا يتوقع مثله: خلف الله عليك. أي كان الله خليفة منه عليك، وفي صحيح مسلم وغيره عن أم سلمة مرفوعًا «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها. إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها» .(٣) لأن الرضى إنما يجب بالقضاء والقدر، لا بالمقضي والمقدور، لأنهما صفتان للعبد، والأوليان صفتان للرب، والعاهة الآفة، وأصلها عوهة، وجمعها عاهات، وأهل العاهات المصابون بها.стр. 1285
ويحرم بفعل المعصية (١) و كره لمصاب تغيير حاله (٢) وتعطيل معاشه (٣) لا جعل علامة عليه، ليعرف فيعزى (٤) وهجره للزينة وحَسن الثياب ثلاثة أيام (٥) . الحواشي
(١) أي يحرم الرضى بفعل المعصية منه أو من غيره، حكاه ابن عقيل وجمع إجماعًا، لوجوب إزالتها بحسب الإمكان فالرضى أولى، والرضى بالكفر كفر إجماعًا، قال شيخ الإسلام: إذا نظر إلى إحداث الرب تعالى لذلك، للحكمة التي يحبها ويرضاها، رضي لله بما يرضاه لنفسه، فيرضاه ويحبه مفعولاً مخلوقًا لله، ويبغضه ويكرهه فعلاً للمذنب المخالف لأمر الله.(٢) أي هيئته، من خلع ردائه ونعله وعمامته، ونحو ذلك.(٣) كغلق حانوته ودكانه، ونحو ذلك، لما في ذلك من إظهار الجزع، ومن علم أن ما قضي لا بد منه، قل حزنه وفَرَحُهُ، وقال إبراهيم الحربي: اتفق العقلاء من كل أمة أن من لم يتمش مع القدر لم يَتَهَنَّ بعيش.(٤) العلامة الأمارة يعرف بها بين الناس، ليخص بالدعاء له بأحسن الله عزاك ونحوه، أي فلا يكره جعل علامة للتعزية، هذا قول بعض المتأخرين ﵏، وهو مكروه، بل منكر عند السلف، وكرهه الشيخ وتلميذه.(٥) أي وما بعد الثلاث فحرام، وهجر الزينة ترك ما يتزين به، والإعراض عنها، ونظَّره ابن القيم وغيره، وأنكره شيخ الإسلام وغيره، وذكر أنه لا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك، فلا يجعلون علامة يعرف المصاب بها ليعزى، ولم يكونوا يغيرون شيئًا من زيهم قبل المصيبة، ولا كانوا يتركون ما كانوا يعملونه قبلها، فإن ذلك كله مناف للصبر، فكيف يهجر الزينة أيامًا، والآثار صريحة في رد هذا القول، منها كراهة بعضهم ترك لبس ما عادته لبسه، وصرح بعض الأصحاب بكراهة ليس خلاف زيه المعتاد.стр. 1286
(ويحرم الندب) أي تعداد محاسن الميت (١) كقوله: واسيداه، وانقطاع ظهراه (٢) (والنياحة) وهي رفع الصوت بالندب (٣) (وشق الثوب ولطم الخد ونحوه) كصراخ (٤) . الحواشي
(١) يقال: ندب الميت؛ بكاه وعدد محاسنه، والاسم الندب، لما يتفجع عليه أو يتوجع منه، والمحاسن جمع حسن ضد القبح.(٢) وفي الترمذي وغيره «ما من ميت يموت، فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه، واسيداه. إلا وكل الله به ملكين يلهزانه، ويقولان له: أهكذا كنت؟» وفي الفصول: يحرم النحيب والتعداد، أي تعداد المحاسن والمزايا، وإظهار الجزع، لأن ذلك يُشْبِهُ التظلم من ظالم، وهو عدل من الله، لأن له أن يتصرف في خلقه بما شاء، لأنهم ملكه وتصرفه فيهم بما تقتضيه حكمته، التي يحبها ويرضاها، ومما يستحق أن يحمد عليه، وقطع المجد بأنه لا بأس بيسير الندب، إذا لم يخرج مخرج النوح، ولا قصد نظمه، كفعل أبي بكر وفاطمة لما ثقل رسول الله ﷺ ، وجعل يتغشاه الكرب: واكرب أبتاه. فقال «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. رواه البخاري.(٣) ويقال: البكاء مع تعدادها. ويقال: ذكر محاسن الميت وأحواله. وقال القاضي عياض: النوح والنياحة اجتماع النساء للبكاء على الميت، متقابلات، والتناوح التقابل، ثم استعمل في صفة بكائهم بصوت ورنة وندب.(٤) بضم الصاد الصوت، أو الشديد منه، وصرخ يصرخ صراخًا وصريخًا: صاح شديدًا، واستغاث وأغاث، وشق الثوب من شق الشيء يشقه شقًا، صدعه وفرقه، والخد جمعه خدود، وهو من المحجر إلى اللّحْيِ من الجانبين، ولطمه يلطمه لطمًا: ضربه، وخَصَّ الخد لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك.стр. 1287
ونتف شعر ونشره، وتسويد وجه وخمشه (١) لما في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٢) وفيهما أنه ﷺ : برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. والصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة (٣) . الحواشي
(١) ونحو ذلك إجماعًا، ونشر الشعر خلاف طيه، والسواد لون مظلم، والتسويد التلطيخ به، وخمش وجهه يخمشه خمشًا خدشه ولطمه، والخمش في البدن والوجه، مثل الخدش، جمعه خموش، وخمشت وجهها: خدشته ولطمته، حزنًا على من فجعت به، وبظفرها جرحت ظاهر البشرة.(٢) قال القاضي وغيره: هي النياحة، وندبة الميت، والدعاء بالويل، وشبهه. والمراد بالجاهلية ما كان في الفترة قبل الإسلام، وهذا الحديث عن ابن مسعود ﵁، ولمسلم «بدعوى أهل الجاهلية» أي من النياحة ونحوها، وكذا الدعاء بالويل والثبور، ولابن ماجه: لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور. ولأبي داود: أخذ علينا أن لا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلاً، ولا ننشر شعرًا، وجيب القميص طوقه، وجمعه جُيُبٌ، وما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره، ونحوه وهو من علامات التسخط.(٣) وهذا الحديث عن أبي بردة قال: وجع أبو موسى، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فأقبلت تصيح برنة، فلم يستطيع أن يرد عليها، فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ ، إنه برئ من الصالقة الحديث، والصالقة بالصاد المهملة والقاف، ويقال بالسين والقاف، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثيابها عند المصيبة، قال النووي وغيره: هذا المشهور المعروف، وقال آخرون: الصلق بضرب الوجه، وفي رواية «أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق» والسلق والصلق الصوت الشديد، وإنما نهي عن ذلك لما فيه من إظهار الجزع، وعدم الرضا بقضاء الله، والتسخط من فعله، وفي شق الجيوب أيضًا إفساد للمال من غير حاجة.стр. 1288
وفي صحيح مسلم أنه ﷺ : لعن النائحة والمستمعة (١) . الحواشي
(١) يقال: ناحت المرأة على الميت، إذا ندبته أي بكت عليه، وعددت محاسنه، وقيل: النوح بكاء وصراخ، والمراد بها التي تنوح على الميت، وعلى ما فاتها من متاع الدنيا، فإنه ممنوع منه، والمستمعة التي تقصد السماع، ويعجبها، ولمسلم من حديث أبي هريرة «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت» وقال «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» وفي الصحيحين عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ في البيت أن لا ننوح. ولهما عن عمر مرفوعًا «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه» وتواترت الأحاديث بتعذيب الميت بالنياحة عليه، والبكاء عليه، فيتألم من ذلك، ولا يقال أنه يعاقب بذنب الحي.
قال شيخ الإسلام:..... يتأذى بالبكاء عليه، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة، من «أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» وفي لفظ «من ينح عليه، يعذب بما نيح عليه» وأنكرت ذلك طوائف من السلف والخلف، واعتقدوا أنه من باب تعذيب، الإنسان بذنب غيره، وتنوعت طرقهم في ذلك، بما لا يرد بمثله تلك الأحاديث الصحيحة، والشارع قال «يعذب» ولم يقل: يعاقب، والعذاب أعم من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من يتألم بسبب، كان ذلك عقابًا له على ذلك السبب، وذكر الشارع «أن السفر قطعة من العذاب» والإنسان يعذب بالأمور المكروهة، التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة، والأرواح الخبيثة، والصور القبيحة، فهو يتعذب بذلك، ولم يكن عملاً له عوقب عليه، فكذا الإنسان في قبره، يعذب بكلام بعض الناس، ويتألم برؤية بعضهم، وبسماع كلامه، فيتألم إذا عملت عنده المعاصي، كما جاءت به الآثار، كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم، ثم النياحة سبب العذاب، وقد يندفع حكم السبب بما يمانعه. اهـ.
وينبغي أن يوصي بترك النياحة عليه، حيث كان من عادة أهله، لأنه متى غلب على ظنه فعلهم لها، ولم يوص بتركها مع القدرة، فقد رضي بها، صححه المجد وغيره، فيكون كتارك المنكر مع القدرة، وتقدم أنه لا بأس بتعريف أصدقائه ونحوهم بموته.стр. 1289
......................................................
стр. 1290
الحواشي
(١) أي ذكر أحكامها وشروطها، وبيان من تجب عليه، وما تجب فيه من الأموال، وغير ذلك، والزكاة أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، كما تظاهرت به دلائل الكتاب والسنة، وقرنها تعالى بالصلاة في كتابه في اثنين وثمانين موضعًا، على كمال الاتصال، لعظم شأنها وكمال الاتصال بينهما. كقوله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقال ﵊ «بني الإسلام على خمس» فذكر الشهادتين والصلاة، وثلث بالزكاة، وفي الصحيح عن جرير: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وفيه أيضًا «وتؤدي الزكاة المفروضة» .
وأجمع المسلمون على ركنيتها وفرضيتها، وصار أمرًا معلومًا، مقطوعًا به، يستغني عن الاحتجاج له، وذكر شيخ الإسلام وغيره أنها فرضت بالمدينة، وقال في الفروع: ولعل المراد طلبها، وبعث السعاة لقبضها، وقال الدمياطي: فرضت في السنة الثانية، بعد زكاة الفطر. بدليل قول قيس بن سعد: أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة. وجعل تعالى دينه ثلاث درجات: إسلام، ثم إيمان، ثم إحسان، وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق، وقد أفهم الشرع أنها شرعت طهرة للمال، وعبودية للرب، وتقربًا إليه، بإخراج محبوب العباد له للفقراء، في الأموال التي تحتمل المواساة، ويكثر فيها الربح، وتنمو، فمن ذلك ما ينمو بنفسه، كالماشية والحرث. وما ينمو بالتغيير فيه والتصرف كالعين، وجعل المال المأخوذ على حساب التعب، فما وجد من أموال الجاهلية ففيه الخمس، وما فيه التعب من طرف واحد فنصف الخمس. ومن طرفين ربع الخمس، وفي طول السنة كالعين ثمن الخمس.стр. 1291
لغة: النماءُ والزيادة، يقال: زكا الزرع، إذا نما وزاد (١) وتطلق على المدح (٢) والتطهير، والصلاح (٣) . الحواشي
(١) وكل شيء ازداد فقد زكا. وقال القتبي: كثر ريعه. ومنه نفس زكية. وقال ابن قتيبة: الزكاة من الزكاء والنماء، سميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه، يقال: زكا الزرع إذا كثر ريعه. وزكت النفقة، إذا بورك فيها. وأصل التسمية قوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فسميت زكاة لأنها تزكي المال، أي تنميه من حيث لا يرى بالخلق أو تنمي أجرها. وقال الأزهري: تزكي الفقراء، أي تنميهم. وقال الشيخ: لفظ الزكاة في اللغة يدل على النمو. والزرع يقال فيه: زكا إذا نما. اهـ. فسميت شرعًا زكاة للمعنى اللغوي. وسميت صدقة لأنها دليل لصحة إيمان مؤديها وتصديقه.(٢) قال تعالى ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال ابن عباس وغيره: لا تَمْدَحوها والزكاة يمدح بها الدافع، ويثني عليه بالجميل.(٣) لأنها تطهر مؤديها من الإثم، أي تنزهه عنه، وتنمي أجره، وسمي بذلك لوجود تلك المعاني كلها فيه، قال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ، أي طهرها من الأدناس، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ نفس المتصدق تزكو، وماله يزكو يطهر ويزيد في المعنى، ويقال: رجل زكي، أي زائد الخير، من قوم أزكياء، وزكّى القاضي الشهود إذا بين زيادتهم في الخير، فلفظ الزكاة يدل على الطهارة، لأن الزرع لا ينمو إلا إذا خلص من الدغل، وقال بعض أهل العلم: حكمتها التطهير من الأدناس، ورفع الدرجة، وحكمها سقوط الواجب في الدنيا، وركنها الإخلاص ولفظها يعم الفرض والنفل. وكذا الصدقة. لكن الزكاة لا تطلق غالبًا إلا على المفروض، دون التطوع، فهي أخص من التطوع من هذا الوجه، ولفظ الصدقة من حيث الإطلاق على الفرض مرادف الزكاة، لا من حيث الإطلاق على النفل، وقد يتكرر لفظ الصدقة على المفروض، ولكن الأغلب التفرقة.стр. 1292
وسمي المخرج زكاة لأَنه يزيد في المخرج منه ويقيه الآفات (١) وفي الشرع: حق واجب في مال خاص (٢) لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص (٣) (تجب) الزكاة في سائمة بهيمة الأنعام (٤) ، والخارج من الأرض (٥) ، والأَثمان، وعروض التجارة، ويأْتي تفصيلها (٦) . الحواشي
(١) ويوفره في المعنى، حكاه الواحدي وغيره، وقال ابن القيم: طهرة للمال ولصاحبه، وقيدًا للنعمة، وحفظًا وتنمية، ودفعًا للآفات، وحصنًا وحارسًا. اهـ. والمخرج بفتح الراء فيهما.(٢) أي الزكاة عند إطلاقها في الشرع تنصرف إلى واجب عشر أو نصفه أو ربعه، ونحوه مما يأتي مفصلاً.(٣) قاله الماوردي وغيره، وهو تمام الحول في الماشية والأثمان، وعروض التجارة، وعند اشتداد الحب، وعند بدو صلاح الثمرة، وعند حصول ما تجب فيه من العسل، واستخراج ما تجب فيه من المعادن، وعند غروب الشمس لوجوب زكاة الفطر، والمال اسم لجميع ما يملكه الإنسان، وحكي عن ثعلب: أقل المال ما تجب فيه الزكاة. والطائفة المخصوصة هم الأصناف الثمانية، ويأتي بيانهم، ولو عبر بشرعًا. ليطابق ما قبله لكان أولى.(٤) سميت بهيمة لما في صوتها من الإبهام، والسائمة هي الراعية، قال الجوهري: سامت الماشية رعت، وأسمتها أخرجتها إلى الرعي. واحترز بالسائمة عن المعلوفة والعوامل.(٥) من حبوب وثمار وعسل ونحوه، ومعدن وركاز على ما يأتي.(٦) في أبوابها مرتبة، وذكر غير واحد أن الزكاة لا تكون إلا في العين والحرث والماشية، وقال ابن عبد البر: الزكاة فيها إجماع، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب في تسعة أشياء، الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة والبر والشعير والتمر والزبيب، إذا بلغ من كل صنف منها ما تجب فيه الزكاة. اهـ. والشارع اعتنى ببيان ما تجب فيه، لأنه خارج عن الأصل، فيحتاج إلى بيانه، لا ببيان ما لا تجب فيه، اكتفاء بأصل عدم الوجوب. فلا تجب في غير ذلك من خيل وبغال وحمير ورقيق وغيرها من أموال القنية اتفاقًا. وقال ابن رشد: لا خلاف في عدم وجوب الزكاة في العبد المتصرف، والفرس المعد للركوب. وقال الوزير: أجمعوا على أنه ليس في دور السكنى، وثياب البذلة، وأثاث المنزل، ودواب الخدمة، وعبيد الخدمة، وسلاح الاستعمال زكاة، لما في الصحيحين «ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقه» ، قال النووي وغيره: هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وهو قول العلماء من السلف والخلف، إلا أبا حنيفة في الخيل. اهـ. والحديث حجة عليه، ورباط الخيل من جنس آلات السلاح والحرب، فما كان منها – ما عساه أن يكون – ولم يكن للتجارة لم يكن فيه زكاة.
فسائر أموال القنية مشغولة بالحاجة الأصلية، وليست بنامية أيضًا، وكل منهما مانع من وجوب الزكاة.стр. 1293
(بشروط خمسة) أَحدها (حرية) فلا تجب على عبد، لأَنه لا مال له (١) ولا على مكاتب، لأَنه عبد، وملكه غير تام (٢) . الحواشي
(١) فزكاة ما بيده على سيده، لأنه مالكه، وهو مذهب جمهور العلماء مالك والشافعي وأصحاب الرأي وسائر العلماء، إلا ما حكي عن عطاء وأبي ثور، وعن أحمد: على العبد إذا ملك. وفرضيتها على المسلم الحر ظاهر، لعموم الكتاب والسنة والإجماع.(٢) فلم تجب عليه الزكاة، عند أحد من العلماء إلا أبا ثور، قال ابن المنذر
والموفق والشارح وغيرهم: لا نعلم أحدًا خالف فيه إلا أبا ثور، وحكاه الوزير إجماعًا، وروى الدارقطني، من حديث جابر «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» وقاله جابر وابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف، فكان كالإجماع، ولحاجته إلى فك رقبته، وكذا لا تجب على مدبر، ولا أم ولد وفاقًا، فإن عجز استقبل سيده بما في يده حولاً، كالذي ورثه، أو اتهبه ونحوه، وإن أدى وفضل بيده نصاب استقبل به حولاً، لاستقرار ملكه عليه حينئذ.стр. 1294
وتجب على مبعض بقدر حريته (١) (و) الثاني (إسلام) فلا تجب على كافر، أصلي أو مرتد (٢) فلا يقضيها إذا أَسلم (٣) (و) الثالث (ملك نصاب) (٤) . الحواشي
(١) فيزكي ما ملك بحريته، لأنه ملكه عليه تام، أشبه الحر.(٢) يعني وجوب أداء بلا نزاع، إذ الزكاة قربة وطاعة، والكافر ليس من أهلها، ولافتقارها إلى نية، وهي ممتنعة من الكافر، وأما وجوب الخطاب، بمعنى العقاب في الآخرة فثابت وتقدم، وفي حديث معاذ «فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» وذكر الصلاة، ثم قال «فإن هم أطاعوك لذلك فأعملهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» متفق عليه، فجعل الإسلام شرطًا لوجوب الزكاة.(٣) لعموم «إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف» «الإسلام يجب ما قبله» .(٤) فلا تجب الزكاة فيما دون النصاب للنصوص، حكاه الوزير والنووي وغيرهما إجماعًا، وعمل المسلمين عليه، وهو سبب وجوب الزكاة، فلا زكاة في مال حتى يبلغ نصابًا، لما يأتي، والنصاب بكسر النون: قدر معلوم لما تجب فيه الزكاة، ويأتي تفصيله، وقال الجوهري: النصاب من المال القدر الذي تجب فيه الزكاة إذا بلغه، نحو مائتي درهم وخمس من الإبل.стр. 1295
ولو لصغير أو مجنون، لعموم الأَخبار (١) وأقوال الصحابة (٢) فإن نقص عنه فلا زكاة إلا الركاز (٣) . الحواشي
(١) كقوله «أعلمهم أن عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم» رواه الجماعة، وقوله «ابتغوا في أموال اليتامى، لا تستهلكها الصدقة» رواه الشافعي وغيره، ولغير ذلك.(٢) عمر وعلي وغيرهما، واعتمد أحمد ﵀ وغيره على أقوال الصحابة. وقال: عن خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة. وقال الشيخ: تجب في مال اليتامى عند مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وهو مروي عن عمر وعائشة وعلي وابن عمر وجابر، قال عمر: اتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها النفقة. وروي عن الحسن بن علي، وهو قول عطاء وجابر بن زيد، ومجاهد وابن سيرين وغيرهم. اهـ. ولأنها مواساة، وهما من أهلها. وأبو حنيفة وافق في المعشرات والفطر، وعلل ما سوى ذلك بأنها تطهير ولا ذنب لهما، والغالب أنها تطهر وليس شرطًا، واتفقنا على وجوب العشر والفطر، وإن كان تطهيرًا في أصله وقوله «رفع القلم عن ثلاثة» المراد رفع الإثم والوجوب، وهي إنما تجب في مالهما، ويطالب بها وليهما، ومقصود الزكاة سد خلة الفقير في مال الأغنياء، شكرًا لله، وتطهيرًا للمال، ومالهما قابل لأداء القربات والنفقات.(٣) فلا يشترط فيه بلوغ نصاب، لأن شبهة بالغنيمة أكثر من الزكاة، فلهذا وجب فيه الخمس، ولا يمنعه الدين، وظاهر عباراتهم إطلاق النقص فيما سوى الركاز ولو يسيرًا، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، قال الشارح: وهو ظاهر الأخبار، فينبغي أن لا يعدل عنه. وفي الفروع وغيرها أن الصحيح من المذهب والذي عليه أكثر الأصحاب أنها لا تضر حبة وحبتان، وأنه لا اعتبار بنقص داخل في الكيل، وجزم به غير واحد من الأئمة، وحكي اتفاقهم عليه، ويجب فيما زاد على النصاب بالحساب في الحب ونحوه اتفاقًا، وفي النقدين عند الجمهور، لخبر رواه الأثرم وغيره، وروي عن علي وابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة. لا في أوقاص السائمة للأخبار.стр. 1296
(و) الرابع (استقراره) أي تمام الملك في الجملة (١) فلا زكاة في دين الكتابة لعدم استقراره، لأنه يملك تعجيز نفسه (٢) (و) الخامس (مضي الحول) (٣) . لقول عائشة عن النبي ﷺ «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» رواه الحواشي
(١) إجماعًا كسائمة وغلة أرض، وشجر وقف على معين، إن بلغت نصابًا وليست ملكًا تامًا، فإن معنى تمام الملك أن لا يتعلق به حق غيره، بحيث يكون له التصرف فيه على حسب اختياره، وفوائده عائدة عليه.(٢) ويمتنع من الأداء، فلا تجب وفاقًا، وقال الموفق: بغير خلاف علمناه، ولهذا لا يصح ضمانها، ولا تجب فيما ليس بتام الملك. وفاقًا لمالك والشافعي، كالموقوف على غير معين قولاً واحدًا، وكالمساكين أو مسجد ورباط ونحوهما، كمال موصي به في وجوه بر، أو يشترى به وقف، وأما على معين فالمذهب وجوبه للعموم، وأما المرأة إذا طلقت قبل الدخول وتنصف المهر فإنه لا يلزمها زكاة ما سقط منه، وذكر غير واحد هذه الأربعة شروطًا للوجوب كالحول.(٣) على نصاب تام من أثمان وماشية وعروض تجارة، إجماعًا، وهذا الضرب يعتبر فيه الحول عند عامة المسلمين، والضرب الثاني ما تجب الزكاة بوجوده كالحبوب والثمار لا يعتبر فيها الحول، وإنما يستقر وجوبها فيها بجعلها في البيدر.стр. 1297
ابن ماجه (١) ورفقًا بالمالك ليتكامل النماءُ فيواسي منه (٢) ويعفى فيه عن نصف يوم (٣) (في غير المعشر) أي الحبوب والثمار (٤) . الحواشي
(١) وهو من رواية حارثة بن محمد، وقد ضعفه جماعة، وروى الترمذي معناه من حديث ابن عمر «من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول» وعن الحارث عن علي «إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم» وذكر في الذهب نحو ذلك «فما زاد فبحساب ذلك» قال الحارث: فلا أدري أعليّ قال: فبحساب ذلك. أم رفعه إلى رسول الله ﷺ ؟ «وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول» رواه أبو داود، وأخرج مالك أن أبا بكر لم يكن يأخذ من مال زكاة حتى يحول عليه الحول، قال البيهقي: المعتمد في اشتراط الحول على الآثار الصحيحة عن أبي بكر وعثمان وابن عمر وغيرهم. وقال شيخ الإسلام: الحول شرط في وجوب الزكاة في العين والماشية، كما كان النبي ﷺ يبعث عماله على الصدقة كل عام، وعمل بذلك الخلفاء، لما علموه من سنته، قال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا.(٢) والنماء لا يتكامل قبل الحول، ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال، فلا بد لها من ضابط، لئلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن المتقارب، فيفنى المال، والمقصود المواساة على وجه لا يصير فقيرًا، بأن يعطي من ماله قليلاً من كثير بعد الحول، ليتمكن من تحقيقها في الوجود فيحصل النماء المانع من حصول ضد المقصود.(٣) وقطع به في المبدع والمنتهى، وصححه في تصحيح الفروع، قال في المحرر: لأنه لا ينضبط غالبًا، ولا يسمى في العرف نقصًا.(٤) فلا يشترط فيها مضي الحول، إنما هي نماء في نفسها، تؤخذ الزكاة منها عند وجودها، ثم لا تجب فيها زكاة ثانية، لعدم إرصادها النماء.стр. 1298
لقوله تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) وكذا المعدن والركاز والعسل، قياسًا عليهما (٢) فإن استفاد مالاً بإرث أو هبة ونحوهما (٣) ، فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول (٤) (الإنتاج السائمة، وربح التجارة (٥) . الحواشي
(١) فنفى اعتبار الحول في الحبوب ونحوها، وأثبت الوجوب وقت حصولها.(٢) أي على الحبوب والثمار، فإنها تؤخذ منها عند وجودها، ثم لا تجب فيها إلا أن يكون المعدن أثمانًا فتجب عند كل حول، لأنها مظنة النماء من حيث أنها قيم الأموال، وقال الشيخ: أما الذهب والفضة ففيه الزكاة عند أخذه عند مالك والشافعي وأحمد، وزاد أحمد: الياقوت والزبرجد، والبلور والعقيق والكحل، والزرنيخ، وأبو حنيفة يجعل فيها الخمس، وأما ما يخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان فلا زكاة فيه عند الجمهور.(٣) كأجرة وصداق وعوض خلع.(٤) لما تقدم، وقال في الفروع: ويستقبل بالصداق وعوض الخلع والأجرة بالعقد حولاً، عينًا كان أو دينًا، مستقرًا أو لا، نص عليه، وفاقًا للشافعي، وكذلك مالك في غير نقد، للعموم، ولأنه ظاهر إجماع الصحابة، وعنه حتى يقبض ذلك وفاقًا لأبي حنيفة، وعنه لا زكاة في صداق قبل الدخول حتى يقبض، فيثبت الانعقاد والوجوب قبل الدخول، قال المجد: بالإجماع. لكن يستقبل بصداق ونحوه من عقد، وبمبهم من تعيين.(٥) النتاج بكسر النون الولد، والتجارة بكسر التاء، يقال: تجر يتجر بضم الجيم، تجرًا بإسكانها وتجارة، فهو تاجر، وقوم تجر كصاحب وصَحْب، وتِجَارٌ وتُجَّارٌ بالضم وتشديد الجيم كفجار وفجار.стр. 1299
ولو لم يبلغ) النتاج أو الربح (نصابًا، فإن حولهما حول أصليهما) فيجب ضمها إلى ما عنده (إن كان نصابًا) (١) . لقول عمر: اعتد عليهم بالسخلة ولا تأْخذها منهم. رواه مالك (٢) ولقول علي: عُدّ عليهم الصغار والكبار (٣) فلو ماتت واحدة من الأُمَّات فنتجت سخلة انقطع، بخلاف ما لو نتجت ثم الحواشي
(١) يبني كل واحد منهما على حوله، ويزكي النتاج والربح لحول الأصل وفاقًا، وقال الشيخ: عند جمهور أهل العلم. وعند مالك إذا تم عند الحول بربحه ففيه الزكاة.(٢) وروى عن سفيان الثقفي أن عمر بعث مصدقًا، وكان يعد عليهم السخل، فقالوا: تعد علينا السخل، ولا تأخذ منها شيئًا، فلما قدم على عمر ذكر ذلك له، فقال عمر: نعد عليهم السخلة يحملها الراعي، ولا نأخذها، ولا نأخذ الأكولة ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، ونأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره. والسخلة بفتح السين وإسكان الخاء، جمعها سخال بكسر السين وسخل، وهي من ولد الضأن، والمعز، تطلق على الذكر والأنثى، من حين تولد إلى أن تستكمل أربعة أشهر، فإذا بلغتها وفصلت عن أمها، فأولاد المعز جفار، الواحدة جفرة، والذكر جفر، فإذا رعى وقوي فهو عتود، وجمعه عتدان، وهو في ذلك جدي، والأنثى عناق بفتح العين، ما لم يأت عليه الحول، فإذا أتى عليه الحول فالذكر تيس، والأنثى عنز، ذكره الأزهري وغيره.(٣) قال في المبدع وغيره: ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة، وقول الفقهاء عامة، ولأن السائمة تختلف وقت ولادتها، فإفراد كل واحدة يشق، فجعلت تبعًا لأماتها، ولأنها تابعة لها في الملك، فتتبعها في الحول، وربح التجارة كذلك معنى، فوجب أن يكون مثله حكمًا.стр. 1300
ماتت (١) ، (وإلا) يكن الأَصل نصابًا (ف) ـحول الجميع (من كماله) نصابًا (٢) فلو ملك خمسًا وثلاثين شاة، فنتجت شيئًا فشيئًا، فحولها من حين تبلغ أربعين (٣) وكذا لو ملك ثمانية عشر مثقالاً وربحت شيئًا فشيئًا، فحولها منذ بلغت عشرين (٤) ولا يبني الوارث على حول الموروث (٥) ويضم المستفاد إلى نصاب بيده من جنسه أو في حكمه (٦) . الحواشي
(١) أي لم ينقطع، وهذا تفريع على قوله: إلا نتاج السائمة، ولا ينقطع بموت الأمات والنصاب تام بالنتاج اتفاقًا، قال بعضهم: كذا يقال «أُمَّاتٍ» وإنما يقال: أمهات في بنات آدم فقط، ويقل أُمَّاتٍ بدون هاء.(٢) أي فمبتدأ حول الجميع يعني الأمات والنتاج، أو رأس المال وربحه، من كماله نصابًا، وكمل بفتح الميم وضمها وكسرها، والكمال التمام، وفيه ثلاث لغات أردأها الكسر، حكاه الجوهري وغيره.(٣) أي فابتداء حولها من حين كملت أربعين، وإذا تم الحول من حين كملت وجبت، وتقدم حكاية الإجماع في اشتراط مضي الحول. وإن كان قد خالف معاوية وابن عباس، فالخلفاء حجة على من خالفهم، وهو مذهب فقهاء المدينة، وفقهاء الأمصار.(٤) يعني مثقالاً ووزنه ثنتان وسبعون حبة من الشعير، ويأتي.(٥) ذكره الإمام أحمد وابن عبد البر وغيرهما إجماعًا، بل يستأنف حولاً من حين ملكه.(٦) أي يضم المستفاد من إرث أو هبة ونحو ذلك إلى نصاب بيد المستفيد من جنس ما استفاد، كذهب إلى ذهب أو عرض إلى عرض، ونحو ذلك، أوفي
حكمه أي حكم جنسه كفضة إلى ذهب، أو عروض تجارة، كما لو ملك عشرين مثقالاً ذهبًا في المحرم، ثم عشرة في صفر، فتضم إلى العشرين، فمثال ما هو من جنسه الأول، ومثال ما هو في حكمه كمائة درهم فضة، ملك بعدها عشرين مثقالاً ذهبًا.следующие страницы →