Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
(ولا يمنعها الدين) ، لأنها ليست واجبة في المال (١) (إلا بطلبه) أي طلب الدين، فيقدمه إذًا (٢) لأن الزكاة واجبة مواساة، وقضاء الدين أهم (٣) (فيخرج) زكاة الفطر (عن نفسه) لما تقدم (٤) (و) عن (مسلم يمونه) من الزوجات والأقارب (٥) وخادم زوجته إن لزمته مؤنته (٦) ، وزوجة عبده الحرة (٧) وقريبه الذي يلزمه إعفافه (٨) . الحواشي
(١) وقاله ابن عقيل وغيره، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أبي حنيفة، لتأكدها كالنفقة، وكالخراج والجزية، وقال الشيخ: كما يطعم عياله يوم العيد.(٢) أي الدين على زكاة الفطر، لوجوب أدائه عندها، ولقوله «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» رواه أحمد.(٣) فيبدأ به، نص عليه، وهو رواية عن مالك، لأنه لا فضل عنده، قال في الفروع: واختاره الأكثر.(٤) من خبر ابن عمر، وقوله «ابدأ بنفسك» والأحاديث صالحة بذلك، والمراد إخراجها عن نفسه من ماله، وأما من أخرجها من مال من تلزمه نفقته فلا تجزئه.(٥) إن قدر وفاقًا، وقال الوزير: من أولاده الصغار، ومماليكه المسلمين، الذين ليسوا للتجارة.(٦) بأن لم يكن مكرى ولا معارًا، وإلا فلا تلزمه مؤنته، فكذلك فطرته.(٧) كما تجب نفقتها، بخلاف الأمة إذا تسلمها ليلاً فقط، فعلى سيدها.(٨) وهو من تجب عليه نفقته وفاقًا، وترتيبها كالنفقة.стр. 1402
لعموم قوله ﷺ «أَدوا الفطرة عمن تمونون» (١) ولا تلزمه فطرة من يمونه من الكفار، لأنها طهرة للمخرج عنه، والكافر لا يقبلها، لأنه لا يطهره إلا الإسلام، ولو عبدًا (٢) ولا تلزمه فطرة أجير وظئر استأجرهما بطعامهما (٣) ولا من وجبت نفقته في بيت المال (٤) (ولو) تبرع بمؤنة شخص جميع (شهر رمضان) ، أدى فطرته (٥) لعموم الحديث السابق (٦) . الحواشي
(١) رواه البيهقي والدارقطني، وإسناده ضعيف، وصوب وقفه، ورواه أبو بكر في الشافي، من حديث أبي هريرة، «والفطرة» كأنها من الفطرة التي هي الخلقة، المرادة بقوله ﴿فِطْرَةَ اللهِ﴾ قال ابن تميم: قيل لها فطرة، لأن الفطرة الخلقة، وفي بعض طرق حديث ابن عمر «فرض صدقة الفطر، عن كل صغير وكبير، وحر وعبد، ممن تمونون» رواه الدارقطني، ولإطلاق «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وغيره.(٢) نص عليه، وفاقًا لمالك والشافعي، ولا تلزم الكافر عن عبده المسلم وفاقًا، لظاهر الخبر.(٣) وفاقًا، لأن الواجب هنا أجرة تعتمد الشرط في العقد، فلا يزاد عليها، كالأثمان، وكما لو كانت دراهم، وكذلك الضيف وفاقًا.(٤) كلقيط، لأن ذلك ليس بإنفاق، بل إيصال حق إلى مستحقه، ولا لقن لا مالك له معين، كعبد الغنيمة والفيء.(٥) نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب.(٦) «أدوا الفطرة عمن تمونون» وعنه: لا تلزمه وفاقًا. وحكاه الوزير
اتفاقًا، إلا ما روي عن أحمد، واختاره أبو الخطاب، وصاحب الفائق، والموفق وغيرهم، وقال: هو قول أكثر أهل العلم. قال الشارح: وهو الصحيح. وصوبه في تصحيح الفروع، والحديث محمول على من تلزمه مؤنته، لا حقيقة المؤنة، بدليل وجوبها على الآبق، ويحمل قول أحمد على الاستحباب، لعدم الدليل، ولأن سبب الوجوب وجوب النفقة، بدليل وجوبها لمن تجب له.стр. 1403
بخلاف ما لو تبرع به بعض الشهر (١) (فإن عجز عن البعض) وقدر على البعض (بدأ بنفسه) لأن نفقة نفسه مقدمة، فكذا فطرتها (٢) (فامرأته) لوجوب نفقتها مطلقًا (٣) ولآكديتها، ولأنها معاوضة (٤) (فرقيقه) لوجوب نفقته مع الإعسار (٥) . الحواشي
(١) ولو لم يبق إلا ليلة، لأنه يصدق عليه اسم البعض، ولو كان الكثير، هذا على ما مشى عليه الأكثر، وعلى القول الثاني، الذي عليه الجمهور؛ لا تلزمه من باب أولى، وكذا إن مانه جماعة، جزم به في الإقناع وغيره.(٢) مقدمة على فطرة غيره، فهي تبنى على النفقة، لخبر «ابدأ بنفسك» وخبر «أنفقه على نفسك» وفي الإنصاف: بدأ بنفسه، بلا نزاع.(٣) معسرًا كان أو موسرًا، وموسرة هي أو معسرة، بخلاف الأقارب، وحكم فطرتها فيمن تدفع إليه، حكم فطرته، وكذا غيرها.(٤) أي ووجه البداءة بفطرة امرأته، آكدية نفقتها عليه، ولأن نفقتها معاوضة، فتأكد تقديمها.(٥) فتجب فطرته عليه إجماعًا، وقال ابن عقيل: ويحتمل تقديمهم على الزوجة، لأن فطرتهم متفق عليها، وكذا عبيده، لأنهم ملكه وفاقًا، ولعله ما لم تجب نفقتهم على العبد، فكذا فطرتهم.стр. 1404
ولو مرهونًا أو مغصوبًا، أو غائبًا، أو لتجارة (١) (فأُمه) لتقديمها في البر (٢) (فأَبيه) لحديث: من أَبر يا رسول الله؟ (٣) (فولده) لوجوب نفقته في الجملة (٤) . الحواشي
(١) اتفاقًا، إلا أبا حنيفة فقال: لا يلزمه ذلك، لأنها زكاة، ولا تجب في مال واحد زكاتان. وعموم الأحاديث في وجوبها على الحر والعبد، يشملهم، وفي الحديث «ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر» وهي إنما تجب على البدن، ونفقتهم واجبة، فكعبيد القنية، «والغائب» الذي لا تعلم حياته، تجب فطرته، إذا علم أنه حي، قال ابن المنذر: في قول أهل العلم «والرقيق» المملوك، واحد أو جمع «والرق» بالكسر العبودية، وبالفتح ما يكتب فيه، وبالضم مارق من ماء البحر والنهر.(٢) أي على الأب وغيره من سائر الأقارب، وتكرير حقها وتأكده، وضعفها عن التكسب.(٣) قال «أمك» قال: ثم من؟ قال «أمك» قال: ثم من؟ قال «أباك» ولحديث «أنت ومالك لأبيك» .
وقال الوزير: اتفقوا على أنه يجب على الابن الموسر – وإن سفل – زكاة الفطر عن أبويه، وإن عليا، إذا كان معسرين، إلا أبا حنيفة، وقال مالك: إلا عن أجداده.(٤) لأن الفطرة كالنفقة، أي فلا تجب له على كل حال، كما لا تجب النفقة على كل حال، ولو قال: لقربه، ولوجوب نفقته بالنص. لكان أولى، فأما ولده الصغير، فلأن نفقته ثابتة بالنص والإجماع، فكذلك فطرته، حتى قيل بتقديمه على الزوجة، وأما الكبار فالجمهور على أنه يجب عليه أن يخرج عنهم؛ إذا كانوا في عياله، إلا أبا حنيفة.стр. 1405
(فأقرب في ميراث) لأنه أولى من غيره (١) فإن استوى اثنان فأكثر، ولم يفضل إلا صاع، أُقرع (٢) (والعبد بين شركاء عليهم صاع) بحسب ملكهم فيه، كنفقته (٣) وكذا حر وجبت نفقته على اثنين فأكثر، يوزع الصاع بينهم، بحسب النفقة (٤) لأن الفطرة تابعة للنفقة (٥) (ويستحب) أن يخرج (عن الجنين) لفعل عثمان ﵁ (٦) ولا تجب عنه (٧) . الحواشي
(١) فقدم كالميراث، ولحديث مسلم «فإن فضل شيء، فلذي قرابتك» .(٢) بينهم كأولاد، وإخوة، وأعمام. ولم يفضل ما يكفيهم أقرع بينهم، لتساويهم، وعدم المرجح.(٣) وحكاه الوزير وغيره اتفاقًا، إلا أبا حنيفة فقال: لا تجب عليهم. وأنهم اتفقوا على أنه لا يلزم المكاتب أن يخرج عن نفسه، إلا أحمد، وحكي عن مالك والشافعي أن السيد يزكي عنه.(٤) كجد، وأخ لغير أم.(٥) لقوله «عمن تمونون» وغيره.(٦) واتفق عليه الأئمة الأربعة وغيرهم، وعن أبي قلابة: كان يعجبهم الفطر عن الحمل، في بطن أمه.(٧) يعني عن الجنين، حكاه ابن المنذر: إجماع من يحفظ عنه، من علماء الأمصار. والجنين ما استتر في بطن أمه، فإن خرج حيًا فهو ولد، وإن خرج ميتًا فهو سقط.стр. 1406
لأنها لو تعلقت به قبل ظهوره، لتعلقت الزكاة بأجنة السوائم (١) (ولا تجب لـ) زوجة (ناشز) (٢) لأنها لا تجب عليه نفقتها (٣) وكذا من لم تجب نفقتها لصغر ونحوه (٤) ، لأنها كالأجنبية، ولو حاملاً (٥) ولا لأَمة تسلمها ليلاً فقط (٦) وتجب على سيدها (٧) (ومن لزمت غيره فطرته) كالزوجة والنسيب المعسر (٨) (فأخرج عن نفسه بغير إذنه) أي إذن من تلزمه (أَجزأَت) (٩) . الحواشي
(١) ولا قائل بذلك، فصار الجنين كذلك، لا تجب عنه، ولأنه لا تثبت له أحكام الدنيا، إلا في الإرث والوصية، بشرط خروجه حيًا.(٢) أي لا تجب على الزوج فطرة الزوجة الناشز، وقت وجوب زكاة الفطر، وفاقًا لمالك والشافعي.(٣) كغير المدخول بها، إذا لم تسلم إليه.(٤) كحبسها، وسفرها لقضاء حاجتها أو حج نفل، ولو بإذنه.(٥) بخلاف النفقة، فإنها لا تجب لها، بل لحملها.(٦) دون نهار، لأنها زمن الوجوب عند السيد.(٧) لأن نفقتها على سيدها، فكذا فطرتها، إلا أن يشترط تسلمها نهارًا، أو يبذله له سيد.(٨) أي القريب، لما تقدم، وليس المراد به من كان من جهة الزوجة، كأخيها ونحوه، فإنها لغة عامية.(٩) أي من مال نفسه، وهل يجزئ إخراج أهله عنه، أم لابد من الوكالة؟ استظهر ابن ذهلان: لا تجزئ إلا بوكالة، إلا إن أخرج عنه المتصرف والمخرج في حضوره وغيبته جاز، لأنه كالوكيل المطلق. وأما من أخرجها من مال، من تلزمه نفقته بدون إذنه، فلا تجزئ.стр. 1407
لأنه المخاطب بها ابتداءً، والغير متحمل (١) ومن أَخرج عمن لا تلزمه فطرته بإذنه أَجزأَ، وإلا فلا (٢) (وتجب) الفطرة (بغروب الشمس ليلة) عيد (الفطر) (٣) لإضافتها إلى الفطر، والإضافة تقتضي الاختصاص والسببية (٤) وأول زمن يقع فيه الفطر من جميع رمضان، مغيب الشمس من ليلة الفطر (٥) (فمن أسلم بعده) أي بعد الغروب (٦) (أو ملك عبدًا) بعد الغروب (٧) . الحواشي
(١) لكونها طهرة له، لا أصيل، وإن كان مخاطبًا بها، ولو لم يخرج من تلزمه فطرة غيره مع قدرته، لم يلزم الغير شيء، وله مطالبته بالإخراج، كنفقته.(٢) أي وإن لم يكن إخراجه عنه بإذنه، فلا تجزئ عنه، قال الآجري: هذا قول فقهاء المسلمين.(٣) وفاقًا لمالك والشافعي.(٤) يعني في قول ﷺ «زكاة الفطر» فتجب بغروب شمس ليلة الفطر، حيث أضيفت إليه.(٥) لما تقدم من حديث ابن عمر وابن عباس: فرض صدقة الفطر من رمضان؛ فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر للصائم. والفطر من رمضان في الحقيقة، يحصل بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فوجب أن يتعلق الوجوب به.(٦) لم تلزم فطرته، لعدم وجود السبب الموجب لها.(٧) لم تلزم سيده فطرته.стр. 1408
(أو تزوج) زوجة بعد الغروب (١) (أو ولد له ولد) بعد الغروب (لم تلزمه فطرته) في جميع ذلك، لعدم وجود سبب الوجوب (٢) (و) إن وجدت هذه الأشياء (قبله) أي قبل الغروب (تلزم) الفطرة لمن ذكر، لوجود السبب (٣) (ويجوز إخراجها) معجلة (قبل العيد بيومين فقط) (٤) لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر: فرض رسول الله ﷺ الحواشي
(١) لم تلزم الزوج فطرة زوجته، لعدم وجود السبب.(٢) وهو وجود ما ذكر، قبل الغروب ليلة الفطر، فلا فطرة، وكذا لو أيسر بعد الوجوب، فلا فطرة وفاقًا، وعنه: إن أيسر يوم العيد وجبت، اختاره أبو العباس، لحصول اليسار في وقت الوجوب، فهو كالمتمتع إذا قدر على الهدي يوم النحر، وعنه: يخرج متى قدر. وقال الشيخ: من عجز عن صدقة الفطر وقت وجوبها عليه، ثم أيسر فأداها، فقد أحسن.(٣) اتفاقًا، فإن الاعتبار بحال الوجوب، بأن أسلم، أو تزوج، أو ولد له، أو ملك عبدًا، أو أيسر، وإلا فلا، ولا تسقط بعد وجوبها، بموت ولا غيره، قال في الإنصاف: بلا نزاع. وذكره المجد إجماعًا في عتق عبد، وتخرج من مال من وجبت عليه، فإن مات قبل أدائها، أخرجت من ماله، فإن كان عليه دين، وله مال يفي بهما قضيا، وإلا قضي بين الدين والفطرة بالجصص.(٤) باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وأجاز أبو حنيفة والشافعي أكثر من يومين، حتى من أول الشهر، والنص يدل لمالك وأحمد، وقيل: يجوز بثلاث ونحوها، إلى من تجمع عنده، ليفرقها يوم العيد قبل الصلاة. وفي الموطأ أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر، إلى الذي تجمع عنده، قبل الفطر بيومين أو ثلاثة.стр. 1409
صدقة الفطر في رمضان. وقال في آخره: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين (١) . وعلم من قوله: فقط. أنها لا تجزئٌ قبلهما (٢) ، لقوله ﷺ «أَغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» (٣) ومتى قدمها بالزمن الكثير، فات الإغناءُ المذكور (٤) (و) إخراجها (يوم العيد قبل) مضيه إلى (الصلاة أفضل) (٥) لحديث ابن عمر، السابق أول الباب (٦) . الحواشي
(١) ففيه الإشارة إلى جماعتهم، فيكون بالإجماع، ولم يختلف الأصحاب في ذلك، ولا الأئمة، وقوله «أغنوهم عن السؤال في ذلك اليوم» لا يدفع ذلك، إذ ما قارب الشيء، أعطي حكمه.(٢) أي اليومين، كما هو مذهب مالك.(٣) رواه الدارقطني والحاكم وغيرهما، والإغناء عن الطلب يوم العيد ونحو ذلك، يقتضي أنه لا يجوز التقديم مطلقًا، خرج منه التقديم باليوم واليومين لما تقدم، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.(٤) في قوله «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» ومذهب مالك المنع قبل وجوبها، إلا إلى نائب الإمام ليقسمها في وقتها، بغير مشقة.(٥) أي صلاة العيد، وبعد طلوع الفجر الثاني وفاقًا، وصرح به غير واحد، من الأصحاب وغيرهم، وقال غير واحد: الأفضل إذا خرج إلى المصلى. وقوله: قبل مضيه. ليس شرطًا، بل مثله: قبل قدر صلاة العيد، حيث لا تصلي.(٦) وهو قوله فيه: وأمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.
لفظ مسلم، ولفظ البخاري: وأن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولأبي داود، من حديث ابن عباس «من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» . وقال عكرمة: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر، بين يدي صلاته، فإن الله تعالى يقول ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ قال في الفروع: والأولى الاقتصار على الأمر بالإخراج، في الوقت الخاص، خرج التقديم باليوم واليومين لفعلهم.стр. 1410
(وتكره في باقيه) أي باقي يوم العيد، بعد الصلاة (١) (ويقضيها بعد يومه) ويكون (آثمًا) بتأْخيرها عنه (٢) لمخالفته أمره ﷺ بقوله «أغنوهم في هذا اليوم» رواه الدارقطني، من حديث ابن عمر (٣) . الحواشي
(١) لمخالفة الأمر، وخروجًا من الخلاف في تحريمها، وقال شيخ الإسلام وغيره: إن أخرها بعد صلاة العيد، فهي قضاء، لخبر ابن عباس «فمن أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» وقال ابن القيم: مقتضى قوله «من أداها قبل الصلاة» . الخ. أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، وأنها تفوت بالفراغ من الصلاة، وصوبه، وقال: قواه شيخنا ونصره.(٢) إذا أخرها عمدًا إجماعًا، وقال ابن رشد: تأخيرها عن يوم العيد، حرام بالاتفاق. وقال الوزير: اتفقوا على أنها لا تسقط عمن وجبت عليه بتأخير، وهو دين عليه، حتى يؤديها.(٣) وهو عام في جميعه، وكان ﵊ يقسمها بين مستحقيها بعد الصلاة، فدل على أن الأمر بتقديمها على الصلاة للاستحباب، ولأنها عبادة، فلم تسقط بخروج الوقت كالصلاة.стр. 1411
ولمن وجبت عليه فطرة غيره، إخراجها مع فطرته مكان نفسه (١) . الحواشي
(١) أي المحل الذي المخرج فيه، بلا نزاع، كما لو وجبت عليه زكاة قريب، وهو في مكان غير الذي هو فيه، فيخرجها مع زكاته في مكانه، وظاهر عبارته الجواز، وعبر غيره بالوجوب، وعليه أكثر الأصحاب، قالوا: ومن وجبت عليه فطرة غيره، أخرجها مكان نفسه مع فطرته، وصوبه في تصحيح الفروع، لأنها طهرة للمخرج عنه، بخلاف زكاة المال، وهذا مذهب مالك والشافعي، وقيل: يخرجها مكانهما، قريبًا كان أو بعيدًا، قال في الفروع: قدمه بعضهم، وفاقًا لأبي يوسف، وحكي عن أبي حنيفة، لأنها كمال مزكى في غير بلد مالكه.стр. 1412
فصل (١)
(ويجب) في الفطرة (صاع) أربعة أمداد، وتقدم في الغسل (٢) (من بر أو شعير (٣) أو دقيقهما أو سويقهما) أي سويق البر أو الشعير، وهو ما يحمص ثم يطحن (٤) . الحواشي
(١) أي في قدر الواجب، ونوعه، ومستحقه، وما يتعلق بذلك.(٢) وكذا تقدم تعريفها، في زكاة الحبوب والثمار، وأن الصاع أربع حفنات، بكفي الرجل المعتدل الخلق، وعبر بعضهم: بصاع النبي ﷺ ، وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي، عند الجماهير. والحكمة كفاية الصاع للفقراء أيام العيد، وإن أخرج فوق صاع فأجره أكثر.(٣) هذا مذهب الجمهور في البر، وأما الشعير فإجماع، وما أحسن ما قيل:
زكاة رؤوس الناس في يوم فطرهم ... إذا تم شهر الصوم صاع من البر(٤) رواه سفيان وهو ثقة، فتقبل زيادته، ولقوله «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» وهو مذهب أبي حنيفة، ولا ريب أن الغنى يحصل بالدقيق أكثر، قال المجد: بل هو أولى، لأنه كفي مؤنته، كتمر منزوع نواه، وعنه: لا يجزئ؛ وفاقًا لمالك والشافعي. وقال ابن القيم لما ذكر الخمسة الأنواع: وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنما عليهم صاع من قوتهم، فإن كان قوتهم من غير الحبوب، كاللبن واللحم والسمك، أخرجوا فطرتهم من قوتهم، كائنًا ما كان، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد، ومواساتهم، من جنس ما يقتات أهل بلدهم، وعلى هذا، فيجزئ إخراج الدقيق، وإن لم يصح فيه الحديث، وأما إخراج الخبز أو الطعام، فإنه وإن كان أنفع للمساكين، لقلة المؤنة والكلفة فيه، فقد يكون الحب أنفع لهم، لطول بقائه. ثم قال: إلا أن يكون أهل بلد، عادتهم اتخاذ الأطعمة يوم العيد، فيسوغ القول به.стр. 1413
ويكون الدقيق أَو السويق بوزن حبه (١) (أو) صاع من (تمر (٢) أو زبيب أَو أَقط) (٣) يعمل من اللبن المخيض (٤) لقول أبي سعيد الخدري: كنا نخرج زكاة الفطر – إذ كان فينا رسول الله ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط. متفق عليه (٥) . الحواشي
(١) لتفرق الأجزاء بالطحن، ولو بلا نخل، لأنه بوزن حبه.
وقال الشيخ: يخرج بالوزن، لأن الدقيق يريع إذا طحن.(٢) إجماعًا، ولا عبرة بوزنه، بل مكيل مثل مكيل البر، بأن يتخذ ما يسع صاعًا من جيد البر كما تقدم، ويحتاط في ثقيل التمر، وجوبًا إن أخرجه وزنًا.(٣) وفاقًا، ومكيله مثل مكيل البر، وهو بفتح الهمزة وكسر القاف، ويجوز إسكانها مع فتح الهمزة وضمها وكسرها.(٤) غير منزوع الزبد، معروف يابس، واختار شيخ الإسلام إخراج اللبن الحليب الخالص، عند فقد غيره، لأن الأصل المواساة. اهـ.
وقال ابن تميم وابن حمدان: وظاهر كلام الإمام أحمد إجزاء اللبن، وقواه في تصحيح الفروع، عند عدم الأقط.(٥) وفيهم من حديث أبي سعيد: كنا نخرج صاعًا من طعام. وفيه: حتى
قدم معاوية المدينة، فقال: إني لأرى مدين من سمراء الشام، تعدل صاعًا من تمر. فأخذ الناس بذلك، ولأبي داود.
من حديث ابن عمر: جعل نصف صاع حنطة، مكان صاع. وله وغيره، عن ابن المسيب وغيره نحوه، وعنه: لا يجزئ نصف صاع من بر، وفاقاً لمالك والشافعي، وفي خبر أبي هريرة: أو صاع من قمح، رواه الدارقطني، وله: «أدوا صاعًا من بر» وذكر ابن المنذر وغيره أن أخبار: نصف صاع. لم تثبت عن النبي ﷺ ، وقوله «صاعًا من طعام» أي بر، لأن الطعام هو البر، في عرف أهل الحجاز، وقال الخطابي وغيره: قد كانت لفظة «الطعام» تستعمل في الحنطة عند الإطلاق، وقال: المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه اسم خاص له، ويدل عليه ذكر الشعير، وغيره من الأقوات، والحنطة أعلاها، فلولا أنه أرادها بذلك، لكان ذكرها على التفصيل، كغيرها من الأقوات، والجمهور يقولون: خالف معاوية أبو سعيد وغيره، ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بأحوال النبي ﷺ . وقال النووي: وظاهر الحديث والقياس على اشتراط الصاع من الحنطة كغيره، فوجب اعتماده.стр. 1414
والأَفضل تمر، فزبيب (١) فبر، فأَنفع (٢) فشعير (٣) فدقيقهما، فسويقهما، فأَقط (٤) . الحواشي
(١) ولو كان التمر غير غالب قوت البلد، لفعل ابن عمر، ولأنه قوت وحلاوة، وأقرب تناولاً، وأقل كلفة، وعنه: البر. جزم به في الكافي، وفاقًا لمالك، ومذهب الشافعي: الأفضل البر مطلقًا.(٢) أي مما سوى الثلاثة المذكورة.(٣) أي فإن استوت فشعير.(٤) سواء كان قوته، أو لم يكن، أو وجدت الأربعة الباقية، أو عدمت، ويجزئ أحدها وإن كان يقتات غيره، بلا خلاف.стр. 1415
(فإن عدم الخمسة) المذكورة (أَجزأَ كل حب) يقتات (وثمر يقتات) كالذرة، والدخن، والأَرز، والعدس، والتين اليابس (١) و (لا) يجزئ (معيب) كمسوس، ومبلول، وقديم تغير طعمه (٢) . الحواشي
(١) وكذا الدبس، والمظلا، ونحو ذلك وفاقًا، إذا كان قوته، لظاهر الحديث، والعدول عنه عدول عن المنصوص عنه، وعنه: يجزئ كل حب وثمر يقتات، ولو لم تعدم الخمسة، اختاره الشيخ وغيره، وقال: هو قول جمهور العلماء، مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. واحتج بقوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وبقوله «صاع من طعام» والطعام قد يكون برًا أو شعيرًا، وقال أيضًا: يخرج من قوت بلده، مثل الأرز وغيره، ولو قدر على الأصناف المذكورة في الحديث، وهو رواية عن أحمد، وقول أكثر العلماء. وقال في موضع آخر: هو قول أكثر العلماء، وهو أصح الأقوال، فإن الأصل في الصدقات، أنها تجب على وجه المساواة للفقراء. وذكر الآية والحديث، ثم قال: لأن هذا كان قوت أهل المدينة، ولو كان هذا ليس قوتًا لهم، بل يقتاتون غيره، لم يكلفهم أن يخرجوا مما لا يقتاتونه. اهـ. وكذا قال غير واحد: أي أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنما عليهم صاع من قوتهم، كائنًا ما كان، وأنه قول جمهور العلماء. وقال ابن القيم وغيره: وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد، ومواساتهم، من جنس ما يقتات أهل بلدهم، لقوله «أغنوهم في هذا اليوم» وصحح النووي أنه يتعين عليه غالب قوت بلده.(٢) تغيرًا ظاهرًا، للآية وفاقًا، إذ المعلوم أن القديم ليس كالحديث في الطعم، ولو كان أقل قيمة، و «المبلول» لأن البلل ينفخه، «والمسوس» لأن السوس أكل جوفه، وما لم يتغير طعمه ولا ريحه أجزأ لصلاحيته، والجديد أفضل.стр. 1416
وكذا مختلط بكثير مما لا يجزئ (١) فإن قل زاد بقدر ما يكون المصفى صاعًا، لقلة مشقة تنقيته (٢) وكان ابن سيرين يحب أن ينقى الطعام (٣) وقال أحمد: وهو أَحب إلي (٤) (ولا) يجزئ (خبز) لخروجه عن الكيل والادخار (٥) (ويجوز أَن يعطى الجماعة) من أهل الزكاة (ما يلزم الواحد (٦) الحواشي
(١) لأنه لا يعلم قدر المجزئ، كقمح اختلط بكثير زوان، وهي حبوب غير صالحة للأكل، ذكر الأطباء أن أكلها يورث خبالاً في العقل.(٢) أي فإن قل الخلط مما لا يجزئ، زاد بقدر ما يكون المصفى المخرج صاعًا، وأجزأ، لقلة مشقة تنقية الصاع المجزئ.(٣) وكذا غيره من السلف، وتقدم وجوب إخراج الحب مصفى.(٤) أي تنقية المخرج في صدقة الفطر، كالزكاة.(٥) فلا يعلم قدره، ويتغير بالبقاء، فتفوت منفعته على المساكين، وقال الوزير: اتفقوا على أنه لا يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: يجوز. اهـ. قال بعض الحنفية: إنه خلاف السنة، ولم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه إخراج القيمة في زكاة الفطر، قال أحمد: لا يعطي القيمة. قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة؟ قال: يدعون قول رسول الله ﷺ ، ويقولون: قال فلان، وقد قال ابن عمر: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا ... الخ» .(٦) لأنها صدقة، فيدخل تحت قوله ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ وقوله «فترد إلى فقرائهم» وقال الموفق وغيره: لا أعلم فيه خلافًا. ويمنع منها من يمنع من صدقة الأموال، ومن لغير حاجة نفسه، فقوله «طعمة للمساكين» نص في ذلك فتجرى مجرى الكفارات، وتعطى لمن هو أحوج، لحاجة نفسه، لا في المؤلفة والرقاب، وهذا أقوى دليلاً ممن قال: تجرى مجرى زكاة المال. قال الشيخ: ولا يجوز دفعها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم.стр. 1417
وعكسه) بأَن يعطى الواحد ما على الجماعة (١) والأَفضل أن لا ينقص معطى عن مدَّبّر، أو نصف صاع من غيره (٢) وإذا دفعها إلى مستحقها، فأَخرجها آخذها إلى دافعها (٣) ، أو جمعت الصدقة عند الإمام، ففرقها على أَهل السهمان (٤) . الحواشي
(١) أي يجوز أن يدفع للواحد فيها ما يلزم الجماعة، كصدقة المال، ولما تقدم من الأدلة، وذكره النووي وغيره اتفاقًا، إلا ما روي عن الشافعي، وذكر الشيخ أنه قول جمهور العلماء، وقال: فإنهم يجوزون دفع صدقة الفطر إلى واحد، كما عليه المسلمون، قديمًا وحديثًا. وذكر أن ما كان على عهده ﷺ وخلفائه وصحابته دفعها إلى الواحد، وأنهم لو رأوا من يقسم الصاع على بضعة عشر نفسًا لأنكروه، وعدوه من البدع، فإنَّ قدر المأمور به، صاع من تمر أو شعير، ومن البر إما نصف صاع، وإما صاع، على قدر الكفاية التامة للواحد من المساكين، فإذا أخذ المسكين حفنة، لم ينتفع بها، وكذلك من عليه دين، وإن جاز أن يكون مقصودًا في بعض الأوقات، كما لو فرض أن عددًا مضطرون، وإن قسم بينهم الصاع عاشوا، وإن خص به بعضهم مات الباقون، فهنا ينبغي تفريقه بين جماعة، لكن هذا يقتضي أن التفريق هو المصلحة.(٢) أي البر، كتمر وشعير، ليغنيه عن السؤال ذلك اليوم.(٣) أجزأت، لأن قبضه أزال ملك المخرج، وعادت إليه بسبب آخر، أشبه ما لو عادت إليه بميراث.(٤) بضم السين، أجزأت.стр. 1418
فعادت إلى إنسان صدقته جاز، ما لم يكن حيلة (١) . الحواشي
(١) أي تواطًا على عدم إخراج الزكاة، كأن يشترط عليه عند الإعطاء أن يردها إليه عن نفسه، فيمتنع الإجزاء، كسائر الحيل المحرمة، وهو المشهور في المذهب.
وقال أبو بكر: مذهب أحمد لا كشرائها فيجوز رجوع الصدقة فرضًا أو نفلاً إلى من تصدق بها في ثلاث صور، إذا دفعها إلى الإمام أو نائبه ثم ردها إليه، لأنها بلغت محلها، وأما إن تركها الإمام أو نائبه لصاحبها قبل القبض، لم تحل له، والثانية إذا ردها إليه الميراث، والثالثة إذا دفعها إلى من له عليه دين وردها إليه وفاء، بعد التمكن، إن لم يكن حيلة.
وإذا كان من تدفع إليه ببلد، مسافة قصر فأكثر، ولا يمكن دفعها إليه، فإن المستحق يوكل من يقبضها، فإن دفعها إلى جاره ونحوه، وقال: اقبضها لفلان الغائب. لم تجزه، صرح به أبا بطين وغيره.стр. 1419
باب إخراج الزكاة (١)
يجوز لمن وجبت عليه الزكاة الصدقة تطوعًا قبل إخراجها (٢) (ويجب) إخراج الزكاة (على الفور مع إمكانه) (٣) كنذر مطلق وكفارة (٤) لأَن الأَمر المطلق يقتضي الفورية (٥) . الحواشي
(١) أي زكاة المال المستقرة، وما يتعلق به، من حكم النقل والتعجيل ونحوه.(٢) ولم يزل المسلمون يتصدقون من الأموال الظاهرة والباطنة قبل الإخراج، فكان إجماعًا، بخلاف صوم التطوع، فإنه لا يقدم على الفرض.(٣) يعني قدرته على إخراجها في الجملة، وهو مذهب مالك والشافعي، لقوله تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والمراد الزكاة المستقرة، كزكاة المال، وأما زكاة الفطر، فتقدم أنها تجب بدخول ليلة العيد، مع أن الأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة.(٤) أي كما يجب إخراج النذر المطلق، كأن يقول: لله علي أن أصلي أربع ركعات. ولم يقيدها بوقت، أو: أن أصوم عشرة أيام. ولم يقيدها بشهر، ومثله موقت دخل وقته، وإخراج كفارة على الفور.(٥) ومنه ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فإنه يقتضي الفورية بدليل ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرتُكَ﴾ وبدليل أن المؤخر يستحق العقاب، ولو جاز التأخير لكان: إما إلى غير غاية؛ وهو مناف للوجوب، وإما إلى غاية، ولا دليل عليه، وفي الصحيح: صلى العصر فأسرع، فقيل له؛ فقال «خلفت في البيت تبرًا من الصدقة» وللشافعي وغيره عن عائشة، قال: «ما خالطت الصدقة مالاً إلا أهلكته» ولأنها عبادة تتكرر، فلم يجز تأخيرها، فإن أخرها أثم، وفاقًا لمالك والشافعي، وقول بعض الحنفية.стр. 1420
وكما لو طالبه بها الساعي (١) ولأَن حاجة الفقير ناجزة، والتأْخير مخل بالمقصود (٢) وربما أَدى إلى الفوات (٣) (إلا لضرورة) كخوف رجوع ساع (٤) أَو على نفسه، أَو ماله، ونحوه (٥) وله تأْخيرها لأَشد حاجة (٦) وقريب، وجار (٧) . الحواشي
(١) فإن مطالبة الساعي بالزكاة، تقتضي الفورية إجماعًا، فكذا بطلب الله تعالى، وكعين مغصوبة، قال المجد بلزومه، وأما أبو حنيفة فإنما يوجب الفورية إذا طلبها الساعي «والساعي» هو العامل، «وسعى الرجل» يسعى؛ عمل وكسب، وكل من ولي شيئًا على قوم فهو ساع عليهم، وأكثر ما يقال ذلك، في ولاة الصدقة.(٢) أي فيجب إخراجها على الفور لذلك.(٣) بنحو طروء إفلاس، أو موت؛ ولأن النفوس طبعت على الشح، وهو أيضًا أخلص للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم، وأرضى للرب، وأمحى للذنب.(٤) أي على صاحب المال، إذا أخرجها هو بنفسه، مع غيبة الساعي، فله تأخيرها إذًا.(٥) كمعيشته، فله تأخيرها حينئذ، لما في تعجيلها من الضرر، وفي الحديث، «لا ضرر ولا ضرار» ولأنه يجوز تأخير دين الآدمي لذلك، فالزكاة أولى.(٦) أي ليدفعها لمن حاجته أشد ممن هو حاضر، وكذا لأفضل، وقيده كثير من المحققين بالزمن اليسير، لأنه قد تقرر أنه لا يجوز ترك واجب لمندوب، وظاهر كلام جماعة المنع.(٧) لأنها على القريب صدقة وصلة، والجار في معناه، وعنه: له أن يعطي قريبه كل شهر شيئًا، وينبغي أن يقيد الكل بما إذا لم يشتد ضرر الحاضر، لأن دفع ضررهم فرض، فلا يترك لحيازة فضيلة.стр. 1421
ولتعذر إخراجها من المال، لغيبة ونحوها (١) (فإن منعها) أي الزكاة (جحدًا لوجوبها، كفر عارف بالحكم) (٢) وكذا جاهل عرف فعلم وأصر (٣) وكذا جاحد وجوبها، ولو لم يمتنع من أَدائها (٤) (وأَخذت) الزكاة (منه (٥) . الحواشي
(١) أي لغيبة المال، ونحو الغيبة، كالمنع من التصرف فيه، وكغصبه، وسرقته، وكونه دينًا، إلى قدرته عليه، أو كان المالك فقيرًا، محتاجًا إلى زكاته، تختل كفايته ومعيشته بإخراجها، وتؤخذ منه عند يساره، لفعل عمر، ولأنها مواساة، فلا يكلفها من غيره.
ولو قدر أن يخرجها من غيره، ولإمام وساع تأخيرها عند ربها لمصلحة، كقحط ونحوه، لقوله «هي علي ومثلها» ولفعل عمر ﵁.(٢) إجماعًا، لتكذيبه لله ورسوله، وإجماع الأمة.(٣) أي ومثل من منعها جحدًا لوجوبها جاهل به، لقرب عهده من الإسلام، أو كونه نشأ ببادية بعيدة عن القرى، بحيث يخفى عليه وجوبها، وعرف وجوبها ليرجع عن الخطأ، «فأصر» أي على جحوده، كفر إجماعًا، لأنه مكذب لله ورسوله، وقوله «فعلم» ليس بقيد، ولهذا لم يذكره الأكثر، بل قالوا: عرف فأصر. وكذا لم يذكره في الصلاة.(٤) يكفر إجماعًا، لظهور أدلة الوجوب من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فلا عذر له.(٥) إن كانت وجبت عليه، لوجوبها عليه قبل كفره، فلم تسقط به كالدين، ولاستحقاق أهل الزكاة لها.стр. 1422
وقتل) لردته، بتكذيبه لله ورسوله، بعد أَن يستتاب ثلاثًا (١) (أو بخلاً) أي ومن منعها بخلاً، من غير جحد (أُخذت منه) فقط قهرًا، كدين الآدمي، ولم يكفر (٢) (وعزر) إن علم تحريم ذلك (٣) وقوتل إن احتيج إليه (٤) . الحواشي
(١) إجماعًا، لقوله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» وقال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. متفق عليه.(٢) وإنما تؤخذ منه الزكاة، وهو مذهب مالك والشافعي، كما يؤخذ العشر وفاقًا «والبخل» بضم الباء وفتحها، وسكون الخاء وبفتحها، منع الفضل، والبخل شرعي وعرفي، فالشرعي: منع الواجب؛ كالزكاة ونحوها. والعرفي: منع ما يعد مانعه بخيلاً. وقوله «فقط» أي من غير زيادة وفاقًا، لحديث الصديق «من سأل فوق ذلك فلا يعطه» مع توفر الصحابة، ولم ينقل عنهم أخذ الزيادة، ولا قول به، ولأنه لا يزاد على أخذ الحق من المظالم، كسائر الحقوق، وقيل: وشطر ماله؛ إن علم تحريمه، لحديث «فإنا آخذوها وشطر ماله» ، وهو من رواية بهز، قال الشافعي وغيره: حديث بهزلا يثبته أهل العلم، ولو ثبت لقلنا به. وإن غيب، أو كتم، وأمكن أخذها، أخذت من غير زيادة، وهو قول أكثر الفقهاء، لأنه لم ينقل أن الصحابة أخذوا زيادة عليها.(٣) يعزره إمام عادل أو نائبه، لارتكابه محرمًا، وإن كان جاهلاً – كحديث عهد بالإسلام – لم يعزر، لأنه معذور، وعرف وبصر، وأخذت منه فقط.(٤) يقاتله إمام يضعها في مواضعها، لاتفاق الصحابة مع الصديق على قتال مانعي الزكاة، ولأنها أحد مباني الإسلام، فإن تاب، وأخرجها، وإلا قتل حدًا، وأخذت من تركته، من غير زيادة، وكذا إن غيب، أو كتم، واستتيب فلم يخرج قتل حدًا، قال في المبدع: على الأصح، لظاهر الكتاب والسنة. وذكر الشيخ أن من أداها، لم تجز مقاتلته، للخلف في إجزائها.стр. 1423
ووضعها الإمام في مواضعها (١) ولا يكفر بقتاله للإمام (٢) ومن ادعى أَداءَها، أو بقاءَ الحول، أو نقص النصاب (٣) أَو أَن ما بيده لغيره ونحوه، صدق بلا يمين (٤) . الحواشي
(١) أي وعلم أن الإمام يضعها في مواضعها قوتل، وإلا يضعها في مواضعها فلا.(٢) وفاقًا، لأن الصحابة لم يعتقدوا كفرهم، حين امتنعوا، ولقول عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. رواه الترمذي، وما ورد من التكفير فيه، محمول على جاحد الوجوب، أو التغليظ. قال الشيخ: ولو كان لمانعي الزكاة ديون، لم تقم يوم القيامة بالزكاة، لأن عقوبة الزكاة أعظم.(٣) أي ومن ادعى أداء الزكاة وقد طولب بها، صدق بلا يمين وفاقًا، أو ادعى بقاء الحول، أو ادعى نقص النصاب، أو زوال ملكه عن النصاب في الحول، أو تجدده قريبًا، صدق بلا يمين وفاقًا.(٤) أي وإن ادعى أن ما بيده من مال زكوي لغيره، أو أنه منفرد، أو مختلط، ونحوه مما يمنع وجوبها، أو ينقصها، كدعوى علف سائمة نصف الحول أو أكثره، أو نية قنية بعرض تجارة، أو أقر بقدر زكاته، ولم يذكر قدر ماله، صدق بلا يمين وفاقًا، لأنها عبادة مؤتمن عليها، فلا يستحلف عليها، كالصلاة والكفارة، قال في المبدع: وظاهره لا تشرع. نقل حنبل: لا يسأل المصدق عن شيء، ولا يبحث، إنما يأخذ ما أصابه مجتمعًا، وفي الفروع: يتوجه احتمال: إن اتهم.стр. 1424
(وتجب) الزكاة (في مال صبي ومجنون) ، لما تقدم (١) (فيخرجها وليهما) في مالهما (٢) كصرف نفقة واجبة عليهما (٣) لأَن ذلك حق تدخله النيابة، ولذلك صح التوكيل فيه (٤) (ولا يجوز إخراجها) أي الزكاة (إلا بنية) من مكلف (٥) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (٦) والأولى قرن النية بدفع (٧) . الحواشي
(١) من العمومات، كقوله «في كل أربعين شاة شاة» .(٢) أي الصبي والمجنون، وتعتبر نيته، كما تعتبر من رب المال، وحكي اتفاقًا.(٣) أي يخرجها عنهما كما أنه يصرف النفقة الواجبة عليهما.(٤) أي في الإخراج، كما صحت النيابة عنهما في النفقة ونحوها.(٥) لعدم أهلية غير المكلف لأداء الواجب، ولأن أداء الزكاة تصرف مالي، أشبه سائر التصرفات.(٦) وأداؤها عمل، وقال ﷺ «لا عمل إلا بنية» وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ولا نزاع عند الأصحاب في ذلك، إذا كان المخرج هو المالك، أو النائب عنه، كولي صبي ومجنون.
وقال الشارح: مذهب عامة أهل العلم أن النية شرط في إخراج الزكاة. قال الوزير: أجمعوا على أن إخراج الزكاة لا يصح إلا بالنية.(٧) فاعتبر بعضهم النية عند الدفع، وفاقًا لمالك والشافعي، فلو عزلها لم تكف النية، وقال أبو حنيفة: لا يصح أداؤها إلا بالنية مقارنة الأداء. وجوز بعضهم النية عند عزل مقدار الواجب منها، فاكتفي بوجود النية حالة العزل تيسيرًا.стр. 1425
وله تقديمها بزمن يسير كصلاة (١) فينوي الزكاة، أَو الصدقة الواجبة، ونحو ذلك (٢) وإذا أُخذت منه قهرًا أَجزأَت ظاهرًا (٣) وإن تعذر وصول إلى المالك، لحبس أو نحوه، فأَخذها الإمام أو نائبه، أَجزأَت ظاهرًا وباطنًا (٤) (والأَفضل أن يفرقها بنفسه) ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها (٥) . الحواشي
(١) أي يجوز له تقديم النية قبل الإخراج بزمن يسير، كما يجوز تقديم النية على الصلاة بزمن يسير، وتقدم، وكالطهارة والحج.(٢) كصدقة المال أو الفطرة، لا صدقة مطلقة، فلو نوى صدقة مطلقة لم تجز، ولو تصدق بجميع ماله، كصدقة نصاب من غير جنسه وفاقًا، ولأنها عبادة يتكرر وجوبها، فافتقرت إلى تعيين النية، وفاقًا كالصلاة، ولأن مصرف المال إلى الفقراء له جهات، فاعتبرت نية التمييز.(٣) يعني من غير نية رب المال، فلا يطالب بها ثنانيًا، بلا نزاع، وأما باطنًا فلا تجزئ، لعدم النية، اختاره أبو الخطاب وابن عقيل، والشيخ وغيرهم، إذ الزكاة عبادة، فلا تجزئ بغير نية من وجبت عليه كالصلاة، وقال: ما يأخذه ولاة الأمور، بغير اسم الزكاة، لا يعتد بها.(٤) لأن له إذاً ولاية على الممتنع، فقامت نيته مقام نيته، كولي صبي، وكالدين، ولأن له أخذها من الممتنع بالاتفاق، ولو لم تجزئه لما أخذها، وسواء المال الظاهر والباطن، وقيل: يجب دفع زكاة المال الظاهر إلى الإمام، ولا تجزئ بدونه، وهو قول الحنفية والمالكية، والقول القديم للشافعي.(٥) وصيانة لحقهم عن الجنابة عليه، وتفريج كربة مستحقها، مع إعطائها للأولى بها، وفي المنتهى وغيره: ويفرقها بنفسه، بشرط أمانته، فإن لم يثق بنفسه، فالأفضل له دفعها إلى الساعي، لأنه ربما منعه الشح من إخراجها أو بعضها، وعند أبي الخطاب: دفعها إلى الإمام العادل أفضل، واختاره ابن أبي موسى وغيره، للخروج من الخلاف، وزوال التهمة.стр. 1426
وله دفعها إلى الساعي (١) ويسن إظهارها (٢) (و) أن (يقول عند دفعها هو) أي مؤديها (وآخذها ما ورد) (٣) . الحواشي
(١) قال الشارح: لا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز، سواء كان عدلاً أو غير عدل، وسواء الأموال الظاهرة والباطنة، ويبرأ بدفعها، تلفت في يد الإمام أو لا، صرفها من مصارفها أو لا، وقيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمر. فقال: ادفعها إليهم، وللإمام طلبها من الأموال الظاهرة والباطنة إن وضعها في أهلها وفاقًأ وإن علم أنه لا يزكي، فعليه أن يقول: أدها، وإلا ادفعها إلي. وما يأخذه الولاة من العشر، وزكاة الماشية، وغير ذلك، فقال الشيخ وغيره: يسقط عن صاحبه، إذا كان الإمام عادلاً، يصرفه في مصارفه، باتفاق العلماء، فإن كان ظالمًا، لا يصرفه في مصارفه الشرعية، فينبغي لصاحبه أن لا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقها، فإن أكره على دفعها إلى الظالم، بحيث لو لم يدفعها إليه يحصل له ضرر، فإنه يجزئه في هذه الصورة. اهـ. وللمالك أن يفرق زكاة ماله الباطن بنفسه، قال النووي: وهذا لا خلاف فيه، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين.(٢) سواء كان بموضع يخرجها أهله، أم لا، وسواء نفى عنه ظن السوء أم لا، لتنتفي عنه التهمة، ويقتدي به، وقوله ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ محمولة على صدقة التطوع.(٣) ندبًا، للآية والأخبار، والصلاة هنا الدعاء والتبريك، وليس بواجب، لأنه لم يأمر معاذًا به، ولا يجب على الفقير.стр. 1427
فيقول دافعها «اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا» (١) ويقول آخذها: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا (٢) . وإن وكل مسلمًا ثقة جاز (٣) وأَجزأَت نية موكل مع قرب (٤) وإلا نوى موكل، عند دفع لوكيل (٥) ووكيل عند دفع لفقير (٦) . الحواشي
(١) رواه ابن ماجه، ويحمد الله على توفيقه لأدائها «ومغنمًا» أي مثمرة، لأن التثمير كالغنيمة «ومغرمًا» أي منقصة، لأن النقص كالغرامة.(٢) لأنه مأمور به في قوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادع لهم، قال عبد الله بن أوفى: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال «اللهم صل عليهم» متفق عليه، وهذا إذا كان الدافع ربها، وإلا دعا له بالغيبة، وللرسول الحاضر، كرد السلام.(٣) لأنها عبادة، والكافر ليس من أهلها، وغير الثقة لا يؤمن عليها، وظاهره ولو مميزًا، واشترط بعضهم التكليف، لأن المميز ليس أهلاً للعبادة، وصوبه في تصحيح الفروع، وتوسط عثمان وغيره، فاستحسن القول بجوازه مع القرب، دون البعد، ويجوز التوكيل في إخراج الزكاة وفاقًا.(٤) أي قرب زمن الإخراج، من زمن التوكيل، لأن الفرض متعلق بالموكل، ولا يضر تأخير الأداء بزمن يسير.(٥) لتعلق الفرض بالموكل، ووقوع الإجزاء عنه.(٦) أي وينوي وكيل عند الدفع أيضًا، كما ينوي الموكل، صححه الشارح وغيره، لئلا يخلو الدافع إلى المستحق من نية مقارنة أو مقاربة، ولا تجزئ نية وكيل وحده إجماعًا، ويشترط لإجزائها، وملك فقير لها قبضها، ولا يصح تصرفه قبله، ولو وكل الفقير رب المال في القبض من نفسه، وأن يشتري بها بعد ذلك ثوبًا أو نحوه صح.стр. 1428
ومن علم أَهلية آخذ، كره إعلامه بها (١) ومع عدم عادته، لا يجزئه الدفع له إلا إن أَعلمه (٢) (والأَفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده) (٣) ويجوز نقلها إلى دون مسافة قصر، من بلد المال، لأَنه في حكم بلد واحد (٤) (ولا يجوز نقلها) مطلقًا (إلى ما تقتصر فيه الصلاة) (٥) . الحواشي
(١) قال أحمد: لِمَ يُبكِّته؟ يعطيه ويسكت، ما حاجته إلى أن يقرعه؟، والمراد بالعلم هنا الظن.(٢) أي ومن علم أهليته، مع علمه بعدم عادته للأخذ، لم يجزئه دفعها له، لأنه لا يقبل زكاة ظاهرًا.(٣) أي المال ولو تفرق، أو كن المالك بغيره، بدليل الأحكام، ورخص السفر، ما لم تتشقص زكاة سائمة، ففي بلد واحد، وعلل المجد عدم النقل في الجملة، بأن فقراء كل مكان، لا يعلم بهم غالبًا إلا أهله، وكذلك تجب نفقة الفقير، على من علم بحاله، ويبذل الزكاة للمضطر، ويحرم نقلها إلى مضطر، أو محتاج، في مكان آخر، ويؤيده «أيما أهل عرصة، أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله» رواه أحمد.(٤) ويبدأ بالأقرب فالأقرب، فإن نقلها إلى البعيد، لتحري قرابة، أو من كان أشد حاجة، لا بأس به.
قال أحمد: لا بأس أن يعطي زكاته في القرى التي حوله.(٥) وفاقًا للشافعي، سواء نقلها لقريب، أو أشد حاجة، أو لثغر أو غيره، أو لاستيعاب الأصناف، وسواء كان الناقل لها ربها أو غيره.стр. 1429
لقوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن «أَعلمهم أَن الله قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أَغنيائهم، فترد على فقرائهم» (١) . الحواشي
(١) متفق عليه، وعن طاووس قال: في كتاب معاذ «خرج من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته» رواه الأثرم، فيفرقها الساعي، في مكان رب المال وما قاربه، ويبدأ بأقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم، وعنه: يجوز النقل، ويجزئ، قال الشارح: وهو قول أكثر أهل العلم، لأنه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئ كالدين، ولعموم قوله «فترد على فقرائهم» والضمير للمسلمين، ولقوله ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ إلى آخر الآية، ولم يفرق بين فقراء وفقراء، وقوله لقبيصة «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» فدل على أنها كانت تنقل إليه، فيفرقها في فقراء المهاجرين والأنصار، واختار أبو الخطاب وغيره الجواز، لأن الأدلة في المسألة متقاربة، وقد وصلت إلى الفقراء، فدخلت في عموم الآية.
وقال الشيخ: يجوز نقل الزكاة وما في حكمها، لمصلحة شرعية، وإذا نقل الزكاة إلى المستحقين بالمصر الجامع، مثل أن يعطي من بالقاهرة، من العشور التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك، فإن سكان المصر إنما يعانون من مزارعهم، بخلاف النقل من إقليم إلى إقليم، مع حاجة أهل المنقول عنها، وإنما قال السلف: جيران المال أحق بزكاته، وكرهوا نقل الزكاة، إلى بلد السلطان وغيره، ليكتفي أهل كل ناحية بما عندهم من الزكاة، ولهذا في كتاب معاذ «من انتقل من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره في مخلاف جيرانه» «والمخلاف» عندهم كما يقال «المعاملة» وهو ما يكون فيه الوالي والقاضي، وهو الذي يستخلف فيه ولي الأمر جابيًا، يأخذ الزكاة من أغنيائهم، فيردها إلى فقرائهم، ولم يقيد ذلك بمسيرة يومين، وتحديد المنع من نقل الزكاة، ليس عليه دليل شرعي.стр. 1430
بخلاف نذر، وكفارة، ووصية مطلقة (١) (فإن فعل) أي نقلها إلى مسافة قصر (أَجزأَت) (٢) لأنه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئَ من عهدته، ويأْثم (٣) (إلا أَن يكون) المال (في بلد) أو مكان (لا فقراءَ فيه، فيفرقها في أقرب البلاد إليه) لأَنهم أولى (٤) . الحواشي
(١) أي لم تقيد تلك بمكان معين، فله نقلها، ولو إلى مسافة قصر، والفرق كون الزكاة مواساة راتبة، فكانت لجيران المال، بخلاف هذه الأشياء، فإن كان النذر معينًا، بأن عينه الناذر لفقراء بلده، أو مكان معين، وجب صرفه لهم، لتعينهم، وكذا كفارة معينة، بأن قيدها الحالف بمكان معين، أو وصية، لم يجز إلا لما قيده به، من بلد معين، أو مكان معين.(٢) للعمومات، وفاقًا لمالك، واختاره أبو الخطاب، والموفق، وغيرهما، وظاهر كلامهم يعني مع الحرمة.(٣) يعني على القول بتحريم النقل، ولو لأجل رحم، أو شدة حاجة، والساعي وغيره في ذلك سواء، وله جعل الصرف إلى رب المال.(٤) أو ما بقي منها بعد مستحقي مكانه، وبعث معاذ إلى عمر صدقة من اليمن، فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيًا، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فتردها في فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد من يأخذه مني. رواه أبو عبيد، قال الوزير: وأجمعوا على أنه إذا استغنى أهل بلد عنها، جاز نقلها إلى من هم أهلها. والمسافر يفرقها في موضع أكثر الإقامة فيه، ما لم يفض إلى تأخيرها.стр. 1431
وعليه مؤنة نقل، ودفع، وكيل، ووزن (١) (فإن كان) المالك (في بلد وماله في) بلد (آخر أخرج زكاة المال في بلده) أي بلد به المال، كل الحول أو أكثره، دون ما نقص عن ذلك (٢) لأن الأطماع إنما تتعلق به غالبًا بمضي زمن الوجوب، أو ما قاربه (٣) (و) أخرج (فطرته في بلد هو فيه) وإن لم يكن له به مال، لأن الفطرة إنما تتعلق بالبدن كما تقدم (٤) . الحواشي
(١) أي وعلى من وجبت عليه مؤنة نقل زكاة، مع حله أو حرمته، وعليه مؤنة تسليمها إلى مستحقها كاملة، وذلك من تمام التوفية، وكتسليم المبيع، وهل يجوز أن يوكل الفقير من يقبضها من بلد المالك لأن وكيله كهو، وهي بعد قبض الوكيل في ملك الموكل أم لا؟ استحسن بعضهم الأول.(٢) نص عليه وفاقًا، وكذا إذا كان أكثر إقامته به فيه، وقال في الغاية: ومع تساوٍ يخير.(٣) ولئلا تنقل الصدقة عن بلد المال، ولأن المال سبب الزكاة، فوجب إخراجها حيث وجد السبب، متفرقًا كان البلد أو مجتمعًا، إلا في نصاب سائمة في بلدين، فيجوز في أحدهما، لئلا يفضي إلى تشقيص زكاة الحيوان، والمراد بالأطماع أطماع الفقراء، «وطمع في الشيء وبه» حرص عليه.(٤) أي من قوله: ومن وجبت عليه فطرة غيره، أخرجها مع فطرته، مكان نفسه.стр. 1432
ويجب على الإمام بعث السعاة قرب زمن الوجوب، لقبض زكاة المال الظاهر، كالسائمة، والزرع، والثمار، لفعله ﵊، وفعل خلفائه ﵃ بعده (١) (ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل) (٢) لما روى أبو عبيد في الأموال، بإسناده عن علي: أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين (٣) . الحواشي
(١) يعني لقبض الزكاة كل عام، كما هو مستفيض، وجرى عليه عمل المسلمين، وقال تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ومن الناس من لا يزكي، ولا يعلم ما عليه، فإهمال ذلك، إضاعة للزكاة، وعن عبد الله بن عمرو مرفوعًا «تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم» رواه أحمد وأبو داود، وفي رواية «لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا على مياههم» قال مالك: سنة السعاة أن يخرجوا أول الصيف، عند اجتماع أرباب المواشي بمواشيهم على المياه، للتخفيف عليهم، وعلى السعاة، واستظهر في الفروع عدم الوجوب، وأنه لم يذكر جماعة هذه المسألة بالكلية.(٢) اقتصارًا على ما ورد، وتركه أفضل، خروجًا من الخلاف، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز تقديمها حولاً واحدًا. وفي الرواية الأخرى: أكثر من حول. وما زاد عن الحولين فلا يجوز عندنا، رواية واحدة.(٣) ولفظ أحمد وأبي داود: أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك. «وأبو عبيد» هو الحافظ الفقيه، القاسم بن سلام، الأزدي، البغدادي، يقال: كان أبوه روميًا. ولد سنة مائة وأربع وخمسين، وله مصنفات كثيرة، منها «غريب الحديث» و «كتاب الأموال» وغيرهما، قال الحافظ: أحسن من صنف في الفقه وأجوده، توفي سنة مائتين وأربع وعشرين.стр. 1433
ويعضده رواية مسلم «فهي علي ومثلها» (١) وإنما يجوز تعجيلها إذا كمل النصاب (٢) لاعمَّا يستفيده (٣) . الحواشي
(١) أي تعجلتها منه، وفي لفظ غير مسلم «إنا تعجلنا منه صدقة عامين» ولفظ البخاري والنسائي «هي على صدقة، ومثلها معها» ، «وعضده» نصره وأعانه، أي يتقوى ما رواه أبو عبيد برواية مسلم، لأنه يحتمل أن معناه: تعجلت منه صدقة سنتين، فصارت دينًا علي، وقيل: قبض منه صدقة عامين، العام الذي شكا فيه العامل، وتعجل صدقة عام ثان، وكما لو تعجل لعام واحد، ولأنه حق مال، أجل للرفق، فجاز تعجيله قبل أجله كالدين، وقطع في الشرح والمنتهى بصحة التعجيل قبل الشروع فيه، وقدمه في الفروع، ونصره ابن نصر الله وغيره، فهو كتعجيله عن الحول الثاني قبل دخوله.(٢) وفاقًا، لأنها سببها، فلم يجز تقديمها عليه، قال الموفق: بغير خلاف نعلمه «وكمل» بتثليث الميم، والضم أفصح، ويستعمل في الذوات والصفات، يقال: كمل. إذا تمت أجزاؤه، وكملت محاسنه، بمعنى التمام.(٣) أي لا يجوز تعجيل الزكاة عما يستفيده من النصاب، لأنه تعجيل عما ليس في ملكه، لعدم وجوده، فلو ملك بعض نصاب، فعجل زكاته، أو زكاة نصاب، لم يجزئه، وفي الإقناع: ولا قبل السوم. واستظهر في المبدع الإجزاء بعد طلوع الطلع والحصرم، واختاره أبو الخطاب، وقدمه في الفروع، لأن وجود ذلك كالنصاب، والإدراك كالحول، وحكم الزرع كذلك، وقال الشيخ وغيره: يجوز تعجيل الزكاة قبل وجوبها، بعد سبب الوجوب، عند جمهور العلماء، أبي حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز تعجيل زكاة الماشية، والنقدين، وعروض التجارة،
إذا ملك النصاب، ويجوز تعجيل العشريات قبل وجوبها، إذا كان قد طالع الثمر، قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع، قبل اشتداد حبه، فإذا اشتد حبه، وبدا صلاح الثمر، وجبت الزكاة، وصرح ابن نصر الله وغيره بجواز تعجيلها من ولي كمالك.стр. 1434
وإذا تم الحول، والنصاب ناقص قدر ما عجله، صح وأَجزأَه (١) لأن المعجل كالموجود في ملكه (٢) فلو عجل عن مائتي شاة شاتين، فنتجت عند الحول سخلة، لزمته ثالثة (٣) وإن مات قابض معجلة، أَو استغنى قبل الحول، أَجزأَت (٤) لا إن دفعها إلى من يعلم غناه فافتقر، اعتبارًا بحال الدفع (٥) . الحواشي
(١) ولو ظن ماله ألفًا، فعجل زكاته، فبان خمسمائة، أجزأه المعجل عن عامين.(٢) حقيقة أو تقديرًا، ولهذا يتم به النصاب، ويجزئه من ماله، وإن عجل عن أربعين شاتين منها، لحولين، لا يجزئه عنهما، وينقطع الحول لنقص النصاب.(٣) فكأن الحول حال على مائتين وواحدة، تفريع على قوله: لأن المعجل كالموجود في ملكه. ولو عجل من أربعين شاة شاة، فتم الحول عليها كذلك أجزأت، فلو نقصت شاة أخرى، وتم عليها الحول كذلك، استأنف حولاً إذا تمت، ولو تجزئه المعجلة، ولو عجل عن أحد نصابيه وتلف، لم يصرفه إلى الآخر، كما لو عجل شاة عن خمس من الإبل فتلفت، وله أربعون شاة، لم تجزئه عنها وفاقًا.(٤) لأنه أداها لمستحقها، كالدين إذا عجله المدين، وكما لو عدمت عند الحول، لأنه يعتبر وقت القبض، لئلا يمتنع التعجيل.(٥) وهو فيها غير مستحق لها لغناه، وكذا لكافر فأسلم، لأنه لم يدفعها إلى مستحقها، أشبه ما لو لم يفتقر، أو يسلم.стр. 1435
(ولا يتسحب) تعجيل الزكاة (١) ولمن أَخذ الساعي منه زيادة أَن يعتد بها من قابلة (٢) قال الموفق: إن نوى التعجيل (٣) . الحواشي
(١) في ظاهر كلام الأصحاب، وتقدم أن تركه أفضل، خروجًا من الخلاف، قال في الفروع: ويتوجه احتمال بأن تعتبر المصلحة.(٢) ذكره الشيخ وغيره، ولفظه: ما أخذه باسم الزكاة، ولو فوق النصاب بلا تأويل، اعتد به، وإلا فلا، وظاهره أن ما أهداه لعامل، أو أخذه العامل لا باسم الزكاة، بل غصبًا، لا يحتسب به من الزكاة.(٣) جمعًا بين رواية عدم الاحتساب بالزيادة، وبين الاحتساب، وكذا حمل المجد رواية الجواز، على أن الساعي أخذ الزيادة بنية الزكاة، إذا نوى التعجيل، فإن علم أنها ليست عليه، وأخذها، لم يعتد بها على الأصح، لأنه أخذها غصبًا.стр. 1436
باب أهل الزكاة (١)
وهم (ثمانية) أصناف (٢) لا يجوز صرفها إلى غيرهم (٣) . الحواشي
(١) أي من يجزئ دفع الزكاة إليه، ومن لا يجزئ، وما يتعلق بذلك، من بيان شروطهم، وقدر ما يعطاه كل واحد، وصدقة التطوع، وحكم السؤال.(٢) أي أهلها الذين جعلهم الله محلاً لدفعها إليهم، لا يجوز صرف شيء منها إلى غيرهم إجماعًا، قال أحمد: هي لمن سماهم الله تعالى، وأخرج أبو داود وغيره، عن زياد بن الحارث مرفوعًا: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء» وقال للسائل «إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» وذلك لما اعترض بعض المنافقين على النبي ﷺ في الصدقات، بين الله تعالى أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره، فجزأها تعالى لهؤلاء المذكورين.(٣) أي غير الذين جعلهم الله محلاً لها، قال الشارح وغيره: لا نعلم خلافًا أنه لا يجوز دفعها إلى غيرهم، إلا ما روي عن أنس والحسن، ولا يلتفت إلى قول يخالف النص، وقال ابن نصر الله: لو فقدت الأصناف الثمانية، فهل يسقط وجوبها، أو الأداء خاصة؟ لأن الأصناف شرط للأداء، لا للوجوب، لأن إيجابها – وإن كانت حكمته إغناء الأصناف فإنما شرع لأمر عام – لا يختلف حكمه لفقد ما شرع لسببه، كالقصر في حق من سافر، فلم يجد مشقة، فيبقى الواجب في ذمته، متى وجد مستحقه دفع إليه. وقال الشيخ: ويجب صرفها إلى الأصناف الثمانية إن كانوا موجودين، وإلا صرفت إلى الموجود منهم، ونقلها إلى حيث يوجدون. وقال: ولا ينبغي أن يعطى منها من لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله فرضها معونة على طاعته، لمن يحتاج إليها من المؤمنين، أو من يعاونهم، فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطى منها، حتى يتوب، ويلتزم أداء الصلاة.стр. 1437
من بناءِ المساجد، والقناطر، وسد البثوق، وتكفين الموتى، ووقف المصاحف، وغيرها من جهات الخير (١) لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (٢) . الحواشي
(١) قال الوزير وغيره: اتفق الأئمة على أنه لا يجوز ولا يجزئ دفع الزكاة في بناء مساجد، وقناطر، ونحو ذلك، ولا تكفين موتى ونحوه، وإن كان من القربى، لتعيين الزكاة لما عينت له، «والقناطر» جمع قنطرة، بالقاف والنون، الجسر يبنى على الماء، للعبور معه، والبثق منبعث الماء من الكسر، في شط أو نهر ونحوهما.(٢) وتمامها ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قال الشيخ: وصدقة التطوع تدخل في آية الزكاة، بإجماع المسلمين، وكذا سائر المعروف. اهـ.
و «إنما» المفيدة للحصر تفصح بإثبات ما بعدها، ونفي ما سواه، وكذلك تعريف الصدقات بـ «ألْ» فإنها تستغرقها، وقال الشيخ: «إنما» للحصر، وإنما يثبت المذكور، ويبقى ما عداه، والمعنى: ليست الصدقة لغير هؤلاء، بل لهؤلاء؛ ومعلوم أنه لم يقصد تبيين الملك، بل قصد تبيين الحل، أي لا تحل لغير هؤلاء، فيكون المعنى: بل تحل لهم. وذكر ابن جرير وغيره أن عامة أهل العلم يقولون: للمتولي قسمتها، وضعها في أي الأصناف الثمانية شاء، وإنما سمى الله الأصناف الثمانية، إعلامًا منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها، لا إيجابًا بقسمتها بين الأصناف الثمانية، والصواب أن الله جعل الصدقة في معنيين، أحدهما سد خلة المسلمين، والثاني معونة الإسلام وتقويته.стр. 1438
أحدهم (الفقراء، وهم) أَشد حاجة من المساكين، لأن الله تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم (١) فهم (من لا يجدون شيئًا) من الكفاية (٢) (أو يجدون بعض الكفاية) أي دون نصفها (٣) وإن تفرغ – قادر على التكسب – للعلم لا للعبادة، وتعذر الجمع أُعطي (٤) (و) الثاني (المساكين) الذين (يجدون أكثرها) أي أكثر الكفاية (أو نصفها) (٥) . الحواشي
(١) وبدأ بهما المصنف كغيره، اتباعًا للنص، وهم في أحكام الزكاة، غير المساكين، لأنهم إذا اجتمعوا افترقوا، وبالعكس، والفقير مشتق من فقر الظهر، فعيل بمعنى مفعول، أي مفقور، وهو الذي نزعت فقرة ظهره، فانقطع صلبه.(٢) البتة، ولا قدرة لهم على شيء بالكلية، وذلك أشد الحاجة.(٣) من كسب أو غيره، مما لا يقع موقعًا من الكفاية، ومثله بعضهم بالزمن والأعمى، لأنهما في الغالب كذلك، وربما لا يقدرون على شيء أصلاً، قال تعالى ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية، قال الوزير: وهو الصحيح عندي، لأن الله بدأ به، فقال ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ الآية.(٤) أي تعذر الجمع بين التكسب والاشتغال بالعلم، أعطي من الزكاة بقدر حاجته، لاشتغاله بالعلم، وإن لم يكن العلم لازمًا له، قال الشيخ: ويجوز أخذه ما يحتاج إليه، من كتب العلم، التي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها، بخلاف العبادة، والفرق بين العلم والعبادة تعدي العلم، وقصور العبادة.(٥) من كسب أو غيره، مفعيل من السكون، وهو الذي أسكنته الحاجة، قال تعالى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فسماهم مساكين ولهم سفينة، وروي «اللهم أحيني مسكينًا» ولا يجوز أن يسأل شدة الحاجة، فدل على أن المسكين أحسن حالاً من الفقير، وعنه: أنه فقير، والأول مسكين، وأن المسكين أشد حاجة، اختاره ثعلب وغيره، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، لقوله ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ وأجيب بأنه يجوز التعبير عن الفقير بالمسكين، وهما صنفان في الزكاة، وصنف واحد في سائر الأحكام، لأن كل واحد من الاسمين ينطلق عليهما.стр. 1439
فيعطى الصنفان تمام كفايتهما مع عائلتهما سنة (١) ومن ملك – ولو من أثمان – ما لا يقوم بكفايته، فليس بغني (٢) . الحواشي
(١) من الزكاة وجوبًا، يتكرر بتكرر الحول، ما يكفيه إلى مثله، وكل واحد من عائلتهما مقصود دفع حاجته، فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد، ومن تمام الكفاية ما يأخذه الفقير ليتزوج، إن لم يكن له زوجة، واحتاج إلى النكاح.(٢) وفي الوجيز وغيره: وكفاية عياله؛ أي فليس بذي غنى، يمنعه من أخذ الزكاة، وإن كثرت قيمته، أو ملك عقارات أو غيرها، لا تقوم بكفايته، لقوله «حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سدادًا من عيش» رواه مسلم، والسداد الكفاية، ولم يحك متقدموا الأصحاب خلافًا و «ما» موصولة، و «لا» نافية، والغني ما عده الناس غنيًا، قال الشافعي: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًا مع كسبه، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله. وقال أحمد: إذا كان له عقار وضيعة، يستغلهما عشرة آلاف، أو أكثر، لا تكفيه، يأخذ من الزكاة. وقيل له: يكون له الزرع القائم، وليس عنده ما يحصده، أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم. قال الشيخ: وفي معناه ما يحتاج إليه لإقامة مؤنة، وإن لم ينفقه بعينه في المؤنة، وكذا من له كتب يحتاجها، للحفظ والمطالعة، أو لها حلي للبس أو كراء، تحتاج إليه، فلا يمنع ذلك الأخذ من الزكاة. قال: و الغنى في باب الزكاة
نوعان ، نوع يوجبها، ونوع يمنعها، والغنى هنا ما يحصل به الكفاية على الدوام، إما من تجارة، أو صناعة، أو أجرة عقار، أو غير ذلك، فمن كان محتاجًا، حلت له الزكاة، وإن ملك نصبًا، ومن لم يكن محتاجًا، لم تحل له، وإن لم يملك شيئًا، لحديث «لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، رجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سداد من عيش» وذكر قول عمر: أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا، ولأن في العرف أن من كان محتاجًا فهو فقير، فيدخل في عموم النص.стр. 1440
(و) الثالث (العاملون عليها وهم) السعاة، الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة من أربابها (١) كـ (ـجباتها، وحفاظها) وكتابها، وقسامها (٢) وشرط كونه مكلفًا، مسلمًا، أمينًا، كافيًا (٣) . الحواشي
(١) للنص والعمل المستمر المجمع عليه.(٢) بين مستحقيها، وعدادها وكيالها، ووزانها، وجماع المواشي، ورعاة وجمال، ومن يحتاج إليه فيها، لدخولهم في مسمى العاملين عليها، وكان ﷺ يبعث على الصدقة سعاة، ويعطيهم عليها، فبعث عمر، وأبا موسى، وغيرهما، وليس فيه اختلاف، مع ما ورد من النص.(٣) أي قادرًا على ذلك العمل وفاقًا، لأنها ضرب من الولاية، ولعل هذا الشرط متضمن لكونه: عالمًا بفرائض الصدقة، فقد قيل: من شرطه معرفة ما تجب فيه الزكاة، وجنسه. وقيل: إن كان من عمال التفويض. ولا تشترط حريته، وفاقًا للشافعي، لقوله «وإن استعمل عليكم عبد حبشي» ولا يشترط فقره إجماعًا، لحديث أبي سعيد «لا تحل لغني، إلا لخمسة، لعامل عليها» الحديث، والمراد بالأمانة هنا العدالة، ولأن غير الأمين لا تجوز توليته، وشرط كونه مسلمًا، لأنها ولاية على المسلمين، فاشترط الإسلام فيها، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ وقال عمر: لا تأمنوهم وقد خونهم الله. ويأتي المنع من تولية أهل الذمة، في الجهاد إن شاء الله تعالى، وقيل: لا يشترط. لأن ما يأخذه بحق جبايته، ويجوز أن يكون حاملها وراعيها ونحوهما، وشرط التكليف، لأن غير المكلف مولى عليه، لعدم أهليته.следующие страницы →