Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
الحواشي
(١) هو أحد أركان الإسلام، وفرض من فروض الله، المعلوم من الدين بالضرورة، وإجماع المسلمين، بل من العلم العام، الذي توارثته الأمة، خلفًا عن سلف، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وأجمعوا على أن من أنكر وجوبه كفر، قال تعالى ﴿كُتِبَ﴾ أي فرض ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فهو وصلة إلى التقوى، لما فيه من قهر النفس، وترك الشهوات، وقال ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ والأمر للوجوب، لما في من تزكية النفس، وطهارتها، وتنقيتها من الأخلاط الرديئة، والأخلاق الرذيلة.
وقال ﷺ «بني الإسلام على خمس» وذكر منها صوم رمضان، والأحاديث كثيرة في الدلالة على فرضيته وفضله.
وفي الحديث «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به» ويأتي، وقال «والصوم جنة» .
وقال «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع بالصوم» فإذا أكل أو شرب انبسطت نفسه إلى الشهوات، وضعفت إرادتها، ومحبتها للعبادات، ولما فيه من التزهيد في الدنيا، وشهواتها، والترغيب فيما عند الله، والرحمة، والعطف على المساكين، وموافقتهم، يتحمل ما يتحملون أحيانًا.стр. 1472
لغة مجرد الإمساك (١) يقال للساكت: صائم؛ لإمساكه عن الكلام (٢) . الحواشي
(١) والكف، والامتناع، والترك، من «صام يصوم صومًا» أمسك، وفي اللسان، والمحكم: الصوم ترك الطعام، والشراب، والنكاح، والكلام. وكان معقولاً عندهم أن الصيام هو الإمساك عن هذه، لقوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال الشيخ: كانوا يعرفونه قبل الإسلام، ويستعملونه كما في الصحيحين: يوم عاشوراء كان يومًا تصومه قريش في الجاهلية.(٢) وامسك عن الشيء، وكف عنه، وتركه، فهو صائم، وقال ابن قتيبة: كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير، فهو صائم. ويقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس، وصام الفرس، أمسك عن العلف وهو قائم، أو عن الصهيل في موضعه، قال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
أي ممسك عن الصهيل.стр. 1473
ومنه (إني نذرت للرحمن صومًا) (١) وفي الشرع: إمساك بنية (٢) عن أشياء مخصوصة (٣) في زمن معين (٤) من شخص مخصوص (٥) وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة (٦) . الحواشي
(١) أي سكوتًا وإمساكًا عن الكلام، وأشار بـ «مِنْهُ» فصلاً له عما قبله، للخلاف في ذلك، وقد قرئ به (صيامًا) ، وكانوا لا يتكلمون في صيامهم.(٢) فلا يجزئ بدون النية إجماعًا، وكذا سائر العبادات، والأولى «وشرعًا» للمناسبة.(٣) هي مفسداته الآتية في الباب بعده، من أكل، وشرب، وجماع، وغيرها مما ورد به الشرع، ويتبع ذلك الإمساك عن الرفث، والفسوق.(٤) وهو: من طلوع الفجر الثاني، إلى غروب الشمس، قال تعالى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ يعني بياض النهار، من سواد الليل، فالخيط الأبيض هو الصباح، ولا يكون السحور إلا قبله إجماعًا، ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وهذا مجمع عليه، قال ابن نصر الله: فظاهره أنه لا يجب إمساك جزء من الليل في أوله، والمذهب وجوبه، وكذا في آخره، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.(٥) وهو المسلم، البالغ، العاقل، القادر، المقيم، غير الحائض والنفساء، فلا يتحتم فعله مع قيام العذر، بل يجب القضاء مع زوال العذر، كما سيأتي، والصوم خمسة أنواع، المفروض بالشرع، وهو صوم شهر رمضان أداء، وقضاء، والصوم الواجب في الكفارات، والصوم الواجب بالنذر، وصوم التطوع.(٦) إجماعًا، حكاه غير واحد من أهل العلم.стр. 1474
قال ابن حجر في شرح الأربعين: في شعبان. انتهى (١) فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات إجماعًا (٢) (يجب صوم رمضان برؤية هلاله) (٣) لقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤) . الحواشي
(١) أي انتهى كلام ابن حجر، وصوبه في الإمداد، وفيه: أركانه ثلاثة: صائم، ونية، وإمساك عن المفطرات. اهـ. يعني حقيقة وحكما، وحكمه الأخروي نيل الثواب، والدنيوي سقوط الواجب إن كان لازمًا.(٢) حكاه غير واحد من أهل العلم بالأخبار والسير، لفرضه في السنة الثانية في شعبان، وأكثر صيامه تسعًا وعشرين، والشهر ينقص أحيانًا، ويكمل، وثوابهما واحد، في الفضل المرتب على رمضان، لا المترتب على كل يوم، فيفوق الكامل.(٣) بإجماع المسلمين، ويستحب ترائي الهلال، ليلة الثلاثين من شعبان، احتياطًا لصومهم، وحذارًا من الاختلاف، وعن عائشة: كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان، ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه، عد ثلاثين، ثم صام. رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني، وقال: هذا إسناد صحيح. ويستحب قول ما ورد إذا رآه، ومنه «الله أكبر» ثلاثًا «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله، هلال رشد وخير» الحمد لله الذي جاء بشهر رمضان، وذهب بشهر شعبان.(٤) وهذا إيجاب من الله حتم، على من شهد شهر رمضان كله، فليصم الشهر كله، وقبله قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أي فرض عليكم وأوجب ﴿كَمَا﴾ فرض ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ أي كتب عليكم صيام شهر رمضان، ولا نزاع في ذلك.стр. 1475
ولقوله ﵇ «صوموا لرؤْيته، وأَفطروا لرؤْيته» (١) والمستحب قول: شهر رمضان؛ كما قال الله تعالى (٢) ولا يكره قول: رمضان (٣) (فإن لم ير) الهلال (مع صحوٍ، ليلة الثلاثين) من شعبان (أَصبحوا مفطرين) (٤) وكره الصوم، لأَنه يوم الشك المنهي عنه (٥) . الحواشي
(١) أي صوموا لرؤية هلال شهر رمضان، فيجب صومه برؤيته، بإجماع المسلمين «وأفطروا لرؤيته» أي هلال شوال إجماعًا، هو حديث متواتر، قاله الطحاوي وغيره، ولانعقاد الإجماع على وجوبه بالرؤية، وللعلم بدخوله ثلاث طرق، الرؤية، والشهادة عليها أو الإخبار، وإكمال شعبان ثلاثين.(٢) أي في كتابه العزيز ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ .(٣) لوروده في السنة الصحيحة، ولم يثبت فيه نهي، وما روي «لا تقولوا رمضان، فإنه اسم من أسماء الله تعالى» موضوع، قاله الشيخ وغيره، ولا يسمى به إجماعًا، وسمي شهر الصوم رمضان، قيل: لحر جوف الصائم فيه ورمضه، والرمضاء: شدة الحر. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام شدة الحر ورمضه. وقيل: لأنه يحرق الذنوب. وروي مرفوعًا، وقيل غير ذلك، وثبت «رمضان سيد الشهور» .(٤) بلا نزاع، وهو ما يلي التاسع والعشرين من شعبان، لأنه لا يعلم كونه من رمضان، وسمي شعبان من تشعب القبائل، وتفرق اللغات، ويقال لأول ليلة وثانية وثالثة هلال، ثم هو قمر، وقيل: الأولى والثانية. وقيل: إلى أن يستدير بخطة دقيقة، وقيل: إلى أن يبهر ضوءه سواد الليل، والصحو ذهاب الغيم.(٥) وهو مذهب مالك، والشافعي، وجمهور أهل العلم، وقال عمار:
من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ . رواه أبو داود، والترمذي وصححه، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم. ورواه البخاري تعليقًا، وروي – من غير وجه النهي عن صومه – مرفوعًا عن حذيفة، وابن عباس، وغيرهما، قال أبو عمر: نهى ﷺ عن صوم يوم الشك، اطراحًا لأعمال الشك. وهذا أصل عظيم من الفقه أن لا يدع الإنسان ما هو عليه، من الحال المتيقنة، إلا بيقين في انتقالها.
وقال الشيخ: هو يوم شك أو يقين من شعبان، ينهى عن صومه بلا توقف، لأن الأصل والظاهر عدم الهلال، فصومه تقدم لرمضان بيوم، وقد نهى النبي ﷺ عنه، وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره، فإن المشكوك في وجوبه لا يجب فعله، ولا يستحب، بل يستحب ترك فعله احتياطًا، فلم تحرم أصول الشريعة الاحتياط، ولم توجبه بمجرد الشك. اهـ. وكذا إن كان غير يوم شك، فقد نهى عنه ﷺ فقال «لا تقدموا رمضان بيوم ولا بيومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل، فليصم ذلك الصوم» رواه الجماعة، من حديث أبي هريرة ﵁، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم وله عن ابن عباس – وصححه، من غير وجه - «لا تصوموا قبل رمضان» ولأبي داود وغيره، عن حذيفة مرفوعًا «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة» وللترمذي وصححه «إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا» وذلك لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه، ويستثنى النذر، والورد، كمن عادته صوم الخميس، فوافق آخر الشهر، وصوم يوم وفطر يوم، للخبر، ومن عليه قضاء، وكره الشافعي وأحمد صومه قضاء، فتطوع أولى.стр. 1476
(وإن حال دونه) أَي دون هلال رمضان (١) . الحواشي
(١) أيُّ حائل، ومرادهم المانع الذي يمتنع مع وجوده رؤية الهلال، صغيرًا كان أو كبيرًا.стр. 1477
بأن كان في مطلعه ليلة الثلاثين من شعبان (غيم (١) أَو قتر) بالتحريك أَي غبرة، وكذا دخان (٢) (فظاهر المذهب يجب صومه) (٣) . الحواشي
(١) وهو السحاب، وجمعه غيوم وغيام، وكذلك الضباب، وقيل: أن لا يرى شمسًا من شدة الدجن.(٢) أي حال بين الأبصار وبين رؤية الهلال دخان، وهو معروف، ويقال له: العثان، والغبرة في الهواء، وقال أبو زيد: القترة ما ارتفع من الغبار، فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض، وذكر بعضهم أن البعد مانع كالغيم، وكمن بينه وبينه شيء يحول، كالجبل ونحوه، وكالمسجون.(٣) أي الظاهر البائن، الذي ليس يخفى أنه المشهور في المذهب، أنه يجب صومه، وعنه: لا يجب صومه قبل رؤية هلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين، نص عليه وجزم به صاحب الإقناع وغيره وفاقًا، وقال الشيخ: هي المذهب الصريح، المنصوص عنه، وذهب إليها المحققون في مذهب أحمد وغيرهم، بل يكره أو يحرم، ورواية حنبل تحريمه، وفاقًا للأئمة الثلاثة واختاره القاضي، وأبو الخطاب، وابن عقيل، وابن رزين، وابن مندة، والشيخ، وجميع أصحابه، وهو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة المتواترة.
واختاره إمام هذه الدعوة، ومن أخذ عنه، ونهوا عن صيامه، لوجوه، منها أن تلك الليلة من شعبان، بحسب الأصل، ولا تكون من رمضان إلا بيقين، ومنها النهي الصحيح الصريح عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، ومن صامه فقد تقدم رمضان، ومنها الأحاديث الصحيحة الصريحة بالنهي عن صيامه، كقوله «فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين» من غيره وجه، والأمر بالشيء نهي عن ضده، ومنها حديث عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
ونحوه عن حذيفة، وابن عباس، وغيرهما، ومنها رواية المروذي: إن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال، يوم الشك؛ وهو قول جمهور أهل العلم والأئمة الأربعة وغيرهم، وجزم به شيخ الإسلام وغيره، والأصحاب كرهوا صومه كما ترى، واستدلوا بفعل صحابي، خالفه غيره من الصحابة، وقوله إنما هو حجة مع عدم المخالف، فكيف إذا خالف نصوص السنة.стр. 1478
أَي صوم يوم تلك الليلة، حكمًا ظنيًا، احتياطيًا، بنية رمضان (١) قال في الإنصاف: وهو المذهب عند الأصحاب، ونصروه، وصنفوا فيه التصانيف (٢) . الحواشي
(١) للخروج من عهدة الوجوب، بنية أنه من رمضان، وقال ابن عقيل وغيره: لا يجوز تقديم يوم لا يتحقق من رمضان، للنهي عنه، وقيل: للتحريم. نقله حنبل، وهو مذهب مالك، والشافعي. وقال الشيخ: قولهم «احتياطًا» بناء على ما تأولوه من الحديث، وبناء على أن الغالب على شعبان هو النقص، فيكون الأظهر طلوع الهلال، كما هو الغالب، فيجب بغالب الظن، وقالت طائفة: لا يجوز. كابن عقيل، والحلواني، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، استدلالاً بما جاء من الأحاديث، وبناء على أن الوجوب لا يثبت، بل نهي عن صوم يوم الشك، لما يخالف، من الزيادة في الفرض.(٢) من ذلك «إيجاب الصوم ليلة الغمام» للقاضي أبي يعلى و «رد اللوم والضيم، في صوم يوم الغيم» لابن الجوزي و «درء اللوم» ليوسف بن عبد الهادي وغيرهم، وقابلهم آخرون، فصنفوا أيضًا في كراهته وتحريمه، منهم محمد بن عبد الهادي، ولا تترك الأحاديث الصحيحة لقول مقلد بلا حجة ولا برهان، ولا يحتج بقول على قول، بل يتعين الأخذ بالحجج الشرعية، وقال شيخ الإسلام: يجوز صومه، ويجوز فطره، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح
عنه، وهو مذهب كثير من الصحابة، والتابعين أو أكثرهم، وأصول الشريعة كلها متقررة على أن الاحتياط ليس بواجب، ولا محرم، وتحريمه، وإيجابه فيه بعد عن أصول الشريعة، والأحاديث المأثورة في الباب إذا تؤملت، إنما يصرح غالبها بوجوب الصوم بعد إكمال العدة، ولو قيل بجواز الأمرين، واستحباب الفطر، لكان أولى.стр. 1479
وردوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أَحمد تدل عليه انتهى (١) وهذا قول عمر وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق، ﵃ (٢) . الحواشي
(١) قال في الفروع: كذا قالوا، ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته إليه، ولهذا قال شيخنا: لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ولا في كلام أحد من الصحابة. واحتج الأصحاب بحديث ابن عمر وفعله، وليس بظاهر في الوجوب، وإنما هو احتياط قد عورض بنهي، واحتجوا بأقيسة تدل على الاحتياط فيما ثبت وجوبه، أو كان الأصل، كثلاثين من رمضان، وفي مسألتنا لم يثبت الوجوب، والأصل بقاء الشهر. وقال: ولكن الثابت عن أحمد، أنه كان يستحب صيامه، اتباعًا لعبد الله بن عمر، وغيره من الصحابة، ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس، بل كان يفعله احتياطًا، وكان الصحابة فيهم من يصوم احتياطًا، ومنهم من لا يصوم، مثل كثير من الصحابة، ومنهم من كان ينهى عنه، كعمار وغيره، فأحمد كان يصومه احتياطًا، وأما إيجابه فلا أصل له.(٢) قال الشيخ: وقد روي عنهم وعن غيرهم النهي عن صوم يوم الشك،
والأمر بإكمال العدة، وذكره عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي سعيد، وأنس، وأبي هريرة، وحذيفة، وعمار، وعائشة، ﵃، فيقابل ما روي عنهم بما ذكر الشارح، وتبقى النصوص التي لا دافع لها، وما عليه جماهير العلماء، وعمرو بن العاص، هو ابن وائل، بن هاشم، بن سعيد، بن سهم، بن عمرو، بن هصيص، بن كعب بن لؤي، القرشي، السهمي، أحد دهاة العرب، وأمير مصر، أسلم قبل الفتح، وتوفي سنة ٤٣هـ، وله ٩٩، ومعاوية هو ابن أبي سفيان، بن صخر، بن حرب، بن أمية، بن عبد شمس، بن عبد مناف، القرشي الأموي، أمير المؤمنين، كاتب الوحي، ولد قبل البعثة بخمس، وتأمر عشرين سنة، وعشرينًا خليفة، حلمه، وفقهه، وفصاحته مشهورة، مات سنة ستين، وأسماء بنت أبي بكر، كانت تحت الزبير، وهي ذات النطاقين، توفيت بعد قتل ابنها عب دالله بيسير، ولها مائة سنة.стр. 1480
لقوله ﷺ «إنما الشهر تسعة وعشرون يومًا، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليك فاقدروا له» (١) قال نافع: كان عبد الله بن عمر إذا مضى من الشهر تسعة وعشرون يومًا، يبعث من ينظر له الهلال، فإن رؤي فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر؛ أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب الحواشي
(١) بكسر الدال وضمها، يقال: قدرت الشيء، أقدره، وأقدره، بكسر الدال وضمها؛ وقدرته، وأقدرته؛ كلها بمعنى، «وغم» أي حال بينكم وبينه سحاب ونحوه، وفي لفظ غبي وغمي، وهو بمعنى «غم» من: غممت الشيء؛ إذا غطيته.стр. 1481
أو قتر أصبح صائمًا (١) . ومعنى «اقدروا له» أي ضيقوا، بأن يجعل شبعان تسعًا وعشرين، وقد فسره ابن عمر بفعله، وهو راويه، وأعلم بمعناه، فيجب الرجوع إلى تفسيره (٢) . الحواشي
(١) رواه أحمد، وأبو داود، وعبد الرازق، وغيرهم، قال الشيخ: ثبت أن ابن عمر روى أن الشهر يكون مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين، والفارق بينهما هو الرؤية فقط.(٢) بل يجب الرجوع إلى روايته، وثبت عنه مرفوعًا، من غير وجه «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» فنهى ﷺ عن الصوم قبل رؤيته، وعن الفطر قبل رؤيته، ورؤيته إحساس الأبصار به، فمتى لم يره المسلمون: كيف يجوز ذلك؟ وذهب جماهير أهل العلم، من السلف والخلف، إلى أن معنى «اقدروا له» إتمام العدد ثلاثين، أو: احسبوا تمام ثلاثين، وثبت من غير وجه، من حديث أبي هريرة وغيره «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين» وصححه الترمذي وغيره، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام، قبل دخول رمضان، لمعنى رمضان، وإن كان يصوم صومًا، فوافق صيامه، فلا بأس به عندهم, وله عن ابن عباس مرفوعًا «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال دونه غيابة، فأكملوا ثلاثين يومًا» وصححه، وذكر أنه روي من غير وجه.
وقال الحافظ الزركشي: السنة الصحيحة ترد تأويلهم. اهـ. فتفسير الشارع وبيانه، أولى من رجوع إلى ظن تفسير، بفعل ثبت عنه تفسيره بخلافه، مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، ولا يجوز خلاف ما تواتر عنه ﷺ «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأكملوا شعبان ثلاثين» «فاقدروا له» معناه، احسبوا له قدره، وذلك ثلاثون، من: قدر الشيء. ليس من الضيق في شيء، وصرح الراوي بمعناه، عن أفصح العرب ﷺ ، تصريحًا لا يقبل التأويل، وأيضًا فليس قول أحدهم، حجة على الآخر بالاتفاق، بل يجب الرد إلى الشرع، وقوله «فإن غم عليكم فأكملوا العدة» فاصل في المسألة، وابن عمر ﵁ له أفعال انفرد بها، لم يتابع عليها، كغسل داخل عينيه في الوضوء، وتتبع المواضع التي مر بها النبي ﷺ ، ليصلي فيها، وغير ذلك، وكذلك لغيره من الأفاضل، وكل يؤخذ من قوله، وكذا فعله، ويترك إلا رسول الله ﷺ .стр. 1482
ويجزئ صوم ذلك اليوم، إن ظهر منه (١) وتصلى التراويح تلك الليلة (٢) . الحواشي
(١) أي من رمضان، بأن ثبتت رؤيته بموضع آخر، لأن صومه وقع بنية رمضان، لمستند شرعي، أشبه الصوم، وقال الشيخ: إن صام بنية مطلقة، أو معلقة، بأن ينوي: إن كان غدًا من رمضان، كان عن رمضان، وإلا فلا، فإن ذلك يجزئه، في مذهب أبي حنيفة، وأحمد، والقول الثاني: لا يجزئه إلا بنية أنه من رمضان، وأصلها أن تعيين النية لشهر رمضان، هل هو واجب؟ فيه ثلاثة أقوال «احدها» لا يجزئه إلا أن ينوي رمضان، فإن صام بنية مطلقة، أو معلقة، أو بنية النفل، أو النذر لم يجزئه، كالمشهور من مذهب الشافعي وأحمد، وتحقيق المسألة أن النية تتبع العلم، فإن علم أن غدًا من رمضان، فلا بد من التعيين في هذه الصورة، فإن نوى نفلاً، أو صومًا مطلقًا لم يجزئه، لأن الله تعالى أمره أن يقصد أداء الواجب عليه، فإذا لم يفعل الواجب، لم تبرأ ذمته، وأما إذا كان لا يعلم أن غدًا من رمضان، فهنا لا يجب عليه التعيين، ومن أوجب التعيين مع عدم العلم، فقد أوجب الجمع بين الضدين.(٢) احتياطًا، لأنه ﵊ وعد من صامه وقامه بالغفران، ولا
يتحقق قيامه كله إلا بذلك، وتثبت سائر أحكامه، كوجوب كفارة، ونحو ذلك، ما لم يتحقق أنه من شعبان، واختار أبو حفص والتميميون وغيرهم: لا تصلي التراويح، ولا تثبت بقية الأحكام، اقتصارًا على النص، قال في الفروع: وهو الأشهر، عملاً بالأصل.стр. 1483
ويجب إمساكه على من لم يبيت نيته (١) لا عتق أو طلاق معلق برمضان (٢) (وإن رؤي) الهلال (نهارًا) ولو قبل الزوال (فهو لليلة المقبلة) (٣) كما لو رؤي آخر النهار (٤) . الحواشي
(١) أي يجب إمساك يوم الغيم ونحوه، في اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان، قالوا: وكذا يجب على الواطئ فيه الكفارة، ما لم يتحقق أنه من شعبان، والأولى العمل بالأصل، ولا يخرج عنه إلا بيقين، فلا إمساك، كما أنه لا يصام لأنه يوم شك.(٢) ولا تثبت بقية الأحكام الشهرية بالغيم، فلا يحل دين مؤجل به، ولا تنقضي به عدة، ولا عدة إيلاء به ونحوه، عملاً بالأصل.(٣) إجماعًا، ولعل إتيان الشارح هنا بـ «لو» إشارة إلى الخلاف عن أحمد، أنه إذا رؤي قبل الزوال، فهو لليلة الماضية، ولا أثر لرؤية الهلال نهارًا، وإنما يعتد بالرؤية بعد الغروب، أول الشهر، أو آخره، فلا يجب به صوم، ولا يباح به فطر، وروى الدارقطني عن أبي وائل قال: جاءنا كتاب عمر: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا، فلا تفطروا حتى تمسوا، أو يشهد رجلان مسلمان، أنهما رأياه بالأمس عشية.(٤) قال الزركشي: أما بعد الزوال فللمقبلة، بلا نزاع نعلمه، لقربه منها، ولقصة عمر. اهـ. وقد صرحت أئمة المذاهب الأربعة، بأن الصحيح أنه لا عبرة برؤية الهلال نهارًا، وإنما المعتبر رؤية الهلال ليلاً.стр. 1484
وروى البخاري في تأْريخه مرفوعًا «من أَشراط الساعة، أَن يروا الهلال، يقولون: هو ابن ليلتين» (١) (وإذا رآه أهل بلد) أي متى ثبتت رؤْيته ببلد (لزم الناس كلهم الصوم) (٢) . الحواشي
(١) مرادهم بإيراده أنها تكبر الأهلة، وإن صح، فمن أجل ظنون المتأخرين، وتقدم قول عمر: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض. ولا شك أن الله أجرى العادة بسير الشمس والقمر، وإن ثبت ما رواه البخاري، فقولهم راجع إلى كبره المعهود المتعارف، لا إلى تغير المنازل، فقد قال تعالى ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ*لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ وكبر الهلال، لتقدم سير الشمس عنه، فيظهر نورها عليه أكثر، قال الشيخ: وقول من يقول: إن رؤي الهلال صبيحة ثمان وعشرين، فالشهر تام، وإن لم ير فهو ناقص؛ هذا بناء على أن الاستسرار لا يكون إلا ليلتين، وليس بصحيح، بل قد يستسر ليلة تارة، وثلاث ليال أخرى.(٢) لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه، أو كان قريبًا منه، وقال الوزير: اتفقوا على أنه إذا رؤي بالليل، رؤية فاشية، فإنه يجب الصوم على أهل الدنيا. وظاهره: ولو اختلفت المطالع، وهو الصحيح من المذهب، والصواب أنه إنما يلزم من قرب مطلعهم، ولأصحاب أبي حنيفة قول، فيما يختلف فيه المطالع، حكاه الوزير، وقال الشافعي: إذا كانت البَلَدانِ متقاربتين. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الرؤية لا تراعى مع البعد، كالأندلس من خراسان، وخولف، وصحح النووي وغيره اعتبار اختلاف المطالع، فإن اختلاف المنازل لا نزاع فيه، بحيث أنه يطلع في إحدى البلدتين دون الأخرى، بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم، وشمس لآخرين، وغروب لبعض، ونصف ليل لغيرهم، وقدر بمسيرة شهر فأكثر.
وذكر شيخ الإسلام أن المطالع تختلف، باتفاق أهل المعرفة بهذا، وقال: إن اتفقت لزم الصوم، وإلا فلا. اهـ. وقطع به غير واحد، وصححوه، وتأخر سير القمر عن الشمس، معلوم بالحس، فإنه يطلع خلفها، ويغرب بعدها، في أخر نصف كرة الأرض، فضلاً عن كلها، فرؤية أهل المغرب، لا تكون لأهل المشرق، بخلاف عكسه.стр. 1485
لقوله ﷺ «صوموا لرؤْيته وافطروا لرؤيته» وهو خطاب للأُمة كافة (١) فإن رآه جماعة ببلد، ثم سافروا لبلد بعيد، فلم ير الهلال به في آخر الشهر أفطروا (٢) . الحواشي
(١) وكذا قوله «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» خطاب عام، ولأنه إذا رآه أهل بلد، فقد رآه المسلمون، ولا يشترط رؤية كل إنسان إجماعًا، ولأن الشهر في الحقيقة ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في جميع الأحكام، وهذا مع اتفاق المطالع كما تقدم، وإذا أخبر عدلان عن أهل بلد أنهم أفطروا، وفيهم قاض، اعتمد هذا الخبر، وكذا جرت العادة، على الاعتماد على كتاب القاضي، وتقرر فيه قبول شهادة الفرع عن الأصل.(٢) لتعلق الحكم بهم، وأما أهل تلك البلد فباعتبار المطالع كما يأتي، وكذلك إذا رآه جماعة ببلد، ثم سارت بهم ريح، في سفينة أو نحو ذلك، فوصلوا آخر الليل إلى بلد بعيدة لم ير الهلال به، لم يلزمهم الصوم أول الشهر، ولم يحل لهم الفطر آخره، ولمسلم عن كريب، قال: قدمت الشام، واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيناه ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس. فأخبرته، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم، حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقال: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
والمناظر تختلف، باختلاف المطالع والعروض، فكان اعتبارها أولى، ونبه غير واحد على أنه يلزم من الرؤية في البلد الشرقي، الرؤية في البلد الغربي، من غير عكس، وعليه يحمل حديث كريب، وجزم الشيخ وغيره، بأن الشمس تطلع على أهل المشرق، قبل أهل المغرب بنصف يوم، وهو نصف منزلة للقمر، وانفصال الهلال من شعاع الشمس، بخروجه من تحتها، يجعل الله فيه النور، ثم هو يزداد كلما بعد، حتى يقابلها، فيختلف باختلاف الأقطار، وكل قوم مخاطبون بما عندهم، كما في أوقات الصلاة، وأجمعوا على أنه لا اعتبار بالحساب، لقوله «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» ولم يقل: للحساب.
وقال الشيخ: المعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل، وعلم الحساب، فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، وإنما غاية الحساب منهم، إذا عدل، أن يعرف كم بين الهلال والشمس، درجة، وقت الغروب مثلاً، لكن الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة، فإنها تختلف باختلاف حدة النظر، وكلاله، وارتفاع المكان الذي يتراءى فيه الهلال، وانخفاضه، وباختلاف صفاء الجو، وكدره، وقد يراه بعض الناس لثمان درجات، وآخرون لا يرونه لثنتي عشرة درجة، فيجب طرحه، والمعول بما عول عليه الشرع.стр. 1486
(ويصام) وجوبًا (برؤْية عدل) مكلف (١) ويكفي خبره بذلك (٢) . الحواشي
(١) لا صغير ولا مستور، فيعتبر كونه عدلاً باطنًا وظاهرًا، والعدالة ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة.(٢) أي بدون لفظ الشهادة، لأنه من باب الرواية، فيصام بقوله: رأيت الهلال. ولو لم يقل: أشهد أو شهدت. وإن رجع المخبر فهل يقال: إن كان بعد ما شرعوا في الصيام لم يقبل، وإلا قبل كالشهادة. أو يقبل مطلقًا، كما إذا أقر الراوي أنه كاذب؟.стр. 1487
لقول ابن عمر: ترائى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود (١) ، (ولو) كان (أُنثى) أو عبدًا أو بدون لفظ الشهادة (٢) ولا يختص بحاكم (٣) فيلزم الصوم من سمع عدلاً يخبر برؤيته (٤) . الحواشي
(١) ورواه غيره، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن حزم، وغيرهم، ولأبي داود وغيره عن ابن عباس: جاء أعرابي فقال: إني رأيت الهلال. يعني رمضان، فقال النبي ﷺ «تشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال «وتشهد أني رسول الله؟» قال: نعم. قال «قم يا بلال فناد في الناس فليصوموا» وأقره المنذري، وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام وبه يقول الشافعي وأحمد، وأهل الكوفة، وقال النووي: وهو الأصح، ولأنه خبر ديني، لا تهمة فيه، بخلاف آخر الشهر، ولأنه الأحوط.(٢) أي: ولو كان المخبر به أنثى، أو عبدًا، كالرواية، أو كان إخبار الأنثى والعبد بدون لفظ الشهادة، كسائر الأخبار، ولا يجوز لمن لم يره الشهادة برؤيته، أو بما يفيدها، وإن أخبره بها عدد متواتر.(٣) أي ولا يختص ثبوته بحكم حاكم.(٤) لأنه من باب الرواية، ويلزم الإمساك، إن كان أهلاً للوجوب، قال بعضهم: ولو رد الحاكم قوله، لجواز أن يكون لعدم علمه بحال المخبر، وقد يجهل الحاكم من يعلم غيره عدالته. وجزم به الموفق وغيره، ويأتي أن الصوم يوم يصوم الناس.стр. 1488
وتثبت بقية الأحكام (١) ولا يقبل في شوال وسائر الشهور إلا ذكران، بلفظ الشهادة (٢) ولو صاموا ثمانية وعشرين يومًا، ثم رأوه، قضوا يومًا فقط (٣) (وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا، فلم ير الهلال) لم يفطروا (٤) لقوله ﷺ «وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا» (٥) . الحواشي
(١) إذا ثبت رؤيته بواحد، من حلول ديون ونحوها تبعًا، وكذا توابع الصوم، من تراويح، واعتكاف ونحوهما.(٢) لقول ابن عمر وابن عباس: كان رسول الله ﷺ لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين. وقال الترمذي وغيره: لم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل إلا بشهادة رجلين، أي عدلين يشهدان، لأنه مما يطلع عليه الرجال غالبًا، وإنما اجتزي بواحد في الصوم احتياطًا للعبادة اهـ. إلا أبا ثور جوزه بعدل. وقال الوزير: أجمعوا أنه لا يقبل في شوال إلا عدلين ولأنه ليس بمال، ولا يقصد به المال، ولا احتياط فيه، أشبه الحدود، و «شوال» بوزن صوام، مصروف، سمي بذلك لأن الإبل فيه حال التسمية شوالاً.(٣) احتج بقول علي، ولأنه يبعد الغلط بيومين، وثبت من غير وجه، عنه ﷺ : «الشهر تسعة وعشرون» ، أي الشهر اللازم الثابت، الذي لا بد منه، تسعة وعشرون. وقال «ثلاثون» وزيادة اليوم عن التسعة والعشرين، قد تدخل فيه، وقد تخرج منه، وهذا معلوم بالشرع والحس.(٤) كما أنه لا يعتبر عند الفطر، احتياطًا للعبادة.(٥) رواه النسائي، ولحديث: شهد أعرابيان، فأمرهم ﷺ أن يفطروا. صححه ابن المنذر وغيره، ولأن الفطر لا يستند إلى شهادة واحد،
كما لو شهد بهلال شوال، بالإجماع، بخلاف غروب الشمس ونحوه، لما عليه من القرائن التي تورث غلبة الظن، فإذا انضم إليها إخبار الثقة قوي، وربما أفاد العلم.стр. 1489
(أو صاموا لأجل غيم) ثلاثين يومًا، ولم يروا الهلال (لم يفطروا) (١) لأن الصوم إنما كان احتياطًا، والأصل بقاء رمضان (٢) وعلم منه أنهم لو صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يومًا ولم يروه أفطروا، صحوا كان أو غيمًا، لما تقدم (٣) . الحواشي
(١) وجهًا واحدًا، قال الشارح وغيره، لاستناده إلى غير بينة، والأصل كونه من شعبان.(٢) فموافقة الأصل أولى، فلو غم لشعبان ولرمضان، وجب تقدير رجب وشعبان ناقصين، فلا يفطروا قبل اثنين وثلاثين بلا رؤية، وكذا الزيادة، لو غم رمضان وشوال، وأكملنا شعبان ورمضان، وكانا ناقصين، وكذا لو غم رجب، ولا يقع النقص متواليًا في أكثر من أربعة أشهر، ذكره النووي عن أهل العلم، وقال الشيخ: قد يتوالى شهران وثلاثة وأكثر، ثلاثين ثلاثين، وقد يتوالى شهران وثلاثة وأكثر تسعة وعشرين يومًا. وقال: قول من يقول: إن رؤي الهلال صبيحة ثمان وعشرين، فالشهر تام، وإن لم ير فهو ناقص. هذا بناء على أن الإستسرار لا يكون إلا ليلتين، وليس بصحيح، بل قد يستسر ليلة تارة، وثلاث ليال أخرى، وتقدم.(٣) من قوله ﷺ «وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» وحكاه في المستوعب وجهًا واحدًا، ولأن شهادة العدلين يثبت بها الفطر ابتداء، فتبعًا لثبوت الصوم أولى، ولأن شهادتهما بالرؤية السابقة إثبات إخبار به، عن يقين ومشاهدة، فكيف يقابلها الإخبار بنفي وعدم، ولا يقين معه، وذلك أن الرؤية يحتمل حصولها بمكان آخر.стр. 1490
(ومن رأى وحده هلال رمضان، ورد قوله) لزم الصوم، وجميع أحكام الشهر، من طلاق وغيرة، معلق به (١) لعلمه أنه من رمضان (٢) . الحواشي
(١) أي الطلاق ونحوه، وكعتق، وظهار معلق بهلال رمضان، يعني إذا لم ير الحاكم الصيام بشهادة واحد، ونحو ذلك.(٢) وفاقًا، للعموم، وكعلم فاسق بنجاسة، فلزمه حكمه، وإنما جعل من شعبان في حق غيره ظاهرًا، لعدم علمهم، ويلزمه إمساكه لو أفطر فيه، والكفارة إن جامع فيه، وإذا لم يجب صومه، وجب عليه أداء الشهادة، وإن لم يسألها، هذا المذهب، ونقل حنبل: لا يلزمه الصوم. وروي عن الحسن وابن سيرين، لأنه محكوم أنه من شعبان، أشبه التاسع والعشرين، واختاره الشيخ وغيره، وقال: لا يلزمه الصوم، ولا الأحكام المعلقة بالهلال، من طلاق وغيره.
وقال: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال، لقوله ﷺ «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون» وقال: فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة، وعظم الناس، وأنه لو رأى هلال النحر وحده، لم يقف دون سائر الحاج، وأصل هذه المسألة أن الله علق أحكامًا شرعية، بمسمى الهلال والشهر، كالصوم والفطر والنحر، فقال ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وقال ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ أنه أوجب شهر رمضان، وهذا متفق عليه بين المسلمين. وذكر تنازع الناس في الصوم، ثم قال: لكن النحر ما علمت أن أحدًا قال: من رآه يقف وحده، دون سائر الحاج. وذكر تنازعهم في الصوم وتناقضهم. ثم قال: وتناقض هذه الأقوال، يدل على أن الصحيح صنعه مثل في ذي الحجة، وحينئذ فشرط كونه هلالاً وشهرًا:
شهرته بين الناس، واستهلال الناس به، حتى لو رآه عشرة، ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد، لكون شهادتهم مردودة، أو لكونهم لم يشهدوا به، كان حكمهم حكم سائر المسلمين، فلذلك لا يصومون إلا مع المسلمين، فكما لا يقفون، ولا ينحرون، ولا يصلون العيد إلا من المسلمين، فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين، وهذا معنى قوله صومكم يوم تصومون ونحركم وأضحاكم الحديث. ولهذا قال أحمد: يصوم مع الإمام، وجماعة المسلمين، في الصحو والغيم. وقال: يد الله على الجماعة.
قال الشيخ: وعلى هذا تفترق أحكام الشهر، هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم، أو ليس شهرًا في حقهم كلهم، يبين ذلك قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فإنما أمر بالصوم من شهد الشهر، والشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس، حتى يتصور شهوده والغيبة عنه، وقوله ﷺ «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» و «صوموا من الوضح، إلى الوضح» ونحو ذلك: خطاب للجماعة، لكن من كان في مكان ليس فيه غيره، إذا رآه صامه. فإنه ليس هناك غيره، وعلى هذا فلو أفطر، ثم تبين أنه رؤي في مكان آخر، وثبت نصف النهار، لم يجب عليه القضاء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فإنه إنما صار شهرًا في حقهم، من حين ظهر واشتهر، ومن حينئذ وجب الإمساك، كأهل عاشوراء، الذين أمروا بالصوم في أثناء اليوم، ولم يؤمروا بالقضاء على الصحيح. اهـ. ولا يلزم طلاقه وعتقه، المعلق بهلال رمضان، وغير ذلك من خصائص الرمضانية، واختاره وفاقًا لأبي حنيفة، وذكر ابن عبد البر: أنه قول أكثر العلماء.стр. 1491
(أَو رأَي) وحده (هلال شوال صام) ولم يفطر (١) . الحواشي
(١) نقله الجماعة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وقاله عمر وعائشة وغيرهما، قال الموفق: ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما، فكان إجماعًا. وقال الشيخ: هو أصح القولين، ولاحتمال خطئه وتهمته، فوجب الاحتياط، وعند مالك يفطر سرًا، وحكى بعضهم الإجماع أنه لا يجوز له إظهار الفطر، وقال الشيخ: باتفاق العلماء إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر، كمرض وسفر.стр. 1492
لقوله ﷺ «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس» رواه الترمذي وصححه (١) . الحواشي
(١) قال الشيخ: أي هذا اليوم الذي تعلمون أنه وقت الصوم والفطر والأضحى، فإذا لم تعلموه لم يترتب عليه حكم، و الأصل أن الله علق الحكم بالهلال والشهر ، والهلال اسم لما يستهل به، أي يعلن به، ويجهر به، فإذا طلع في السماء، ولم يعرفه الناس، ويستهلوا، لم يكن هلالاً، وكذا الشهر، مأخوذ من الشهرة، فإن لم يشتهر بين الناس، لم يكن الشهر قد دخل، ولأبي داود نحو حديث أبي هريرة، عن عائشة وأبي موسى، أن رجلين قدما المدينة، وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صيامًا، فأتيا عمر فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال. وقال للآخر، قال: أنا صائم. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام. فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا، لأوجعت رأسك. ثم نودي في الناس: أن أخرجوا. رواه سعيد. وهو وإن اعتقده من شوال يقينًا، فلا يثبت به اليقين في نفس الأمر، لجواز أنه خيل إليه، فينبغي أن يتهم في رؤيته، احتياطًا للصوم، وموافقة للجماعة.
وتقدم قول الشيخ في صومه؛ ففي فطره أولى، ولأنه لا يسمى هلالاً إلا بالظهور والاشتهار، كما دل عليه الكتاب والسنة، وقال: والسبب أن الفطر يوم يفطر الناس، وهو يوم العيد، والذي صامه، المنفرد برؤية الهلال، ليس هو يوم العيد، الذي نهي عن صومه، والمنفرد بمفازة يبني على يقين رؤيته، لأنه لا يتيقن مخالفة الجماعة، وإن رآه عدلان، ولم يشهدا عند الحاكم، جاز لمن سمع شهادتهما الفطر، إذا عرف عدالتهما، ولكل واحد منهما أن يفطر بقولهما، إذا عرف عدالة الآخر، هذا كلامهم، وهو واضح فيمن كان بمكان ليس فيه غيره، وإلا فمع الجماعة، وإن شهدا عند الحاكم، فرد شهادتهما، لجهله بحالهما، فلمن علم عدالتهما الفطر، كما لو ثبتت عدالتهما بعد ذلك، وإن ردت فلا. وقال في الفروع: إن رآه عدلان، ولم يشهدا عند الحاكم، أو شهدا فردهما، لجهله بحالهما، لم يجز لأحدهما، ولا لمن عرف عدالتهما الفطر بقولهما، في قياس المذهب، قاله المجد؛ ولما فيه من الاختلاف، وتشتيت الكلمة، وجعل مرتبة الحكم لكل إنسان؛ قال الشيخ: وما ثبت من الحكم، لا يختلف الحال فيه، مجتهدًا، مصيبًا كان أو مخطئًا أو مفرطًا، فإنه إذا لم يظهر الهلال ويشتهر، لم يصر هلالاً.стр. 1493
و إن اشتبهت الأَشهر، على نحو مأْسور، تحرى وصام (١) وأَجزأَه إن لم يعلم أنه تقدمه (٢) ويقضي ما وافق عيدًا أو أيام تشريق (٣) . الحواشي
(١) أي اجتهد في معرفة شهر رمضان، وصام ما غلب على ظنه أنه رمضان بأمارة، لأنه غاية جهده، ونحو المأسور من طمر، أو أسلم بدار كفر، ومن بمفازة، ونحوهم.(٢) وفاقًا، كمن تحرى في غيم وصلى، وشك هل صلى قبل الوقت، أو بعده؛ كما لو وافقه وما بعده، وإن علم أنه تقدمه، كصومه شعبان مثلاً، لم يجزئه وفاقًا، لأنه أتى بالعبادة قبل وقتها، وإن ظن أن الشهر لم يدخل، فصام لم يجزئه، ولو أصاب، قال الوزير: أجمعوا على أن الأسير إذا اشتبهت عليه الشهور، واجتهد وصام، أجزأه إن وافق صومه أو ما بعده، سوى أيام العيد والتشريق، لا ما قبله فلا.(٣) يعني لو صام ذا الحجة باجتهاده، قضى تلك، لعدم صحة صومها.стр. 1494
(ويلزم الصوم) في شهر رمضان (لكل مسلم) لا كافر (١) ولو أَسلم في أَثنائه قضى الباقي فقط (٢) (مكلف) لا صغير ومجنون (٣) . الحواشي
(١) إجماعًا، لقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ والضمير عائد إلى المسلم، دون الكافر إجماعًا، فلا يجب عليه الصوم ولو مرتدًا، لأنه عبادة بدنية محضة تفتقر إلى نية، فكان من شرطه الإسلام، ولا يصح صوم كافر، بأي كفر كان إجماعًا، والردة تمنع صحته إجماعًا، لأن الصوم عبادة محضة، فنافاها الكفر، كالصلاة، بلا خلاف، ويقضي ما فاته زمن الردة، لأنه التزم الوجوب بالإسلام، دون الكفر الأصلي إجماعًا، وترغيبًا في الإسلام.(٢) أي فلا يلزمه قضاء ما مضى من الأيام، وهو إجماع، لحديث وفد ثقيف: قدموا في رمضان، وضرب عليهم قبة في المسجد، فلما أسلموا، صاموا ما بقي من الشهر، فمن أسلم فيه صام بلا خلاف، ويلحق به من كلف أو أفاق، عند الجمهور، أو زال عذره المانع له من الصوم إجماعًا، ولأن كل يوم عبادة مفردة، وما قبله لا يلحق به، ومراد الشارح: لو أسلم الكافر في أثناء اليوم، أمسك بقية يومه، وقضى ذلك اليوم الذي أسلم فيه، جزم به الموفق وغيره، وفي عبارته غموض، وقال شيخ الإسلام وغيره: يمسك بقية يومه، ولا يقضي، وهو مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن الشافعي. وهذا أصل عند الشيخ وغيره، وهو: أن العبادات لا تلزم قبل بلوغها المكلف.(٣) باتفاق الأئمة، حكاه الوزير وغيره، لحديث «رفع القلم عن ثلاثة، مجنون حتى يفيق، وصغير حتى يبلغ» ولأنهما غير مخاطبين، ولا يصح من المجنون، لعدم إمكان النية منه، ويصح من مميز كصلاته، ولا يجب حتى يبلغ عند أكثر أهل العلم.стр. 1495
(قادر) لا مريض يعجز عنه، للآية (١) وعلى ولي صغير مطيق، أمره به، وضربه عليه، ليعتاده (٢) (وإذا قامت البينة في أَثناء النهار) برؤْية الهلال تلك الليلة (وجب الإمساك، والقضاء) لذلك اليوم الذي أَفطره (على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه) أي وجوب الصوم (٣) . الحواشي
(١) وهي قوله تعلى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فإطاقته معتبرة، حسًا وشرعًا، وكذا يجب على مقيم إجماعًا، فدخل في عبارته المقيم والمسافر، والصحيح، والمريض، والطاهر، والحائض، والنفساء، والمغمى عليه، فإن هؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في ذممهم، بحيث أنهم يخاطبون بالصوم، ليعتقدوا الوجوب في الذمة، والعزم على الفعل، إما أداء، وإما قضاء، ثم منهم من يخاطب بالفعل في نفس الشهر أداء، وهو الصحيح المقيم، إلا الحائض والنفساء، ومنهم من يخاطب بالقضاء فقط، وهو الحائض، والنفساء، والمريض الذي لا يقدر على الصوم أداء، وهو يقدر عليه قضاء، ومنهم من يخير بين الأمرين، وهو المسافر، والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقة شديدة، من غير خوف التلف، وهذا مما لا نزاع فيه.(٢) وينشأ عليه، كالصلاة، وذلك إصلاح، لا عقوبة، إلا أن الصوم أشق، فاعتبرت له الطاقة، لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصوم، ولا يتقيد بسن، وقال المجد: لا يؤاخذ به، ويضرب عليه فيما دون العشر كالصلاة، وهو قول أكثر أهل العلم. قال: واعتباره بالعشر أولى للخبر.(٣) وفاقًا، لثبوته من رمضان، ولم يأتوا فيه بصوم صحيح، فلزمهم قضاؤه، وإمساك بقية اليوم من خواص رمضان، وقال الموفق وغيره: كل من أفطر لغير عذر، ومن ظن أن الفجر لم يطلع، وقد طلع، أو أن الشمس قد غابت ولم تغب، والناسي للنية، ونحوهم، يلزمهم الإمساك بغير خلاف بين أهل العلم. وتقدم قول الشيخ في القضاء، وكذا إن لم يعلم بالرؤية إلا بعد الغروب، ومن شرط صحة الصوم الإمساك عن الأكل والشرب والجماع إجماعًا.стр. 1496
وإن لم يكن حال الفطر من أَهل وجوبه (١) (وكذا حائض ونفساءُ طهرتا) في أَثناء النهار، فيمسكان ويقضيان (٢) (و) كذا (مسافر قدم مفطرًا) يمسك، ويقضي (٣) . الحواشي
(١) بأن أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو بلغ صغير، لزمهم إمساك ذلك اليوم وقضاؤه، لحرمة الوقت، ولقيام البينة فيه بالرؤية، ولإدراكه جزءًا منه كالصلاة، وقال الشيخ: يمسك ولا يقضي. والقضاء في حقهم من المفردات.(٢) أما الإمساك فعلى الأصح، وفاقًا لأبي حنيفة، واختاره الشيخ وغيره، وأما القضاء فحكي إجماعًا، وحكاه الوزير وغيره اتفاقًا، وقال الموفق وغيره: لا خلاف فيه. لقوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ والتقدير: فأفطر. وفي الصحيحين عن عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم. ويحرم فعله إجماعًا، قال الشيخ: ثبت بالسنة واتفاق المسلمين، أنه ينافي الصوم، فلا يحل مع الحيض أو النفاس ومن فعله منهن حاله، لم يصح منه، قال: وهو فق القياس، فإن الشرع جاء بالعدل في كل شيء، فصيامها وقت خروج الدم، يوجب نقصان بدنها، وضعفها، وخروج صومها عن الاعتدال، فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض، فيكون صومها في ذلك صومًا معتدلاً، لا يخرج فيه الدم، الذي يقوي البدن، الذي هو مادته، بخلاف المستحاضة، ومن ذرعه القيء، مما ليس له وقت محدد، يمكن الاحتراز منه، فلم يجعل منافيًا للصوم.(٣) لإدراكه جزءًا من الوقت مقيمًا، فلزمه الإمساك، والقضاء، كالصلاة، وكمقيم تعمد الفطر، وفاقًا.стр. 1497
وكذا لو برئَ مريض مفطرًا (١) أَو بلغ صغير في أثنائه مفطرًا، أَمسك وقضى (٢) فإن كانوا صائمين أَجزأَهم (٣) وإن علم مسافر أنه يقدم غدًا، لزمه الصوم (٤) لا صغير علم أنه يبلغ غدًا، لعدم تكليفه (٥) . الحواشي
(١) يلزمه الإمساك، على الأصح، وهو مذهب أبي حنيفة، ويلزمه القضاء إجماعًا، وكذا كل من أفطر في صوم يجب عليه، فإنه يلزمه الإمساك، والقضاء، كالفطر لغير عذر.(٢) أي وإن بلغ صغير – ذكرًا كان أو أنثى في أثناء نهار رمضان، بسن أو احتلام – صائمًا أتم صومه بلا نزاع، وقضى عند أبي الخطاب، وهو مذهب أبي حنيفة، لأنه مَعْنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ أوجب الإمساك، وقال في الإقناع وغيره: لا قضاء عليه إن نوى من الليل وأجزأه، كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أوله نفلاً، وباقيه فرضًا، كنذر إتمام نفل.(٣) أي المسافر، والمريض، إذا كانوا صائمين، ونووه من الليل، أجزأهم وفاقًا، كمقيم صائم مرض، ثم لم يفطر حتى عوفي وفاقًا، وأما الصغير فمشكل على ما تقدم، وعلى ما في الإقناع وغيره فظاهر، لعدم امتناع ذلك.(٤) أي غلب على ظنه ذلك، وإلا فالعلم بالشيء قبل حصوله متعذر، لأنه قد يخطئ بعائقة قد تحصل له، تمنعه من القدوم في ذلك اليوم، وقال المجد، إن علم بمقتضى الظاهر.(٥) يعني قبل دخول الغد، وقيل: يستحب وفاقًا؛ لوجود سبب الرخصة، قال المجد: وهو أقيس.стр. 1498
(ومن أفطر لكبر، أو مرض لا يرجى برؤُه (١) أطعم لكل يوم مسكينًا) (٢) ما يجزئ في كفارة: مدبُرًّ، أو نصف صاع من غيره (٣) لقول ابن عباس – في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ -: ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم. رواه البخاري (٤) والمريض الذي لا يرجى برؤُه، في حكم الكبير (٥) . الحواشي
(١) كشيخ هرم، وعجوز يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة، وكسل، وله ذلك إجماعًا، لعدم وجوبه عليه، لأنه عاجز عنه، فلا يكلف به، لقوله تعالى ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا﴾ .(٢) وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وجمهور العلماء، وصححه ابن كثير وغيره، وقال: وعليه أكثر العلماء، كما قاله ابن عباس وغيره. وفي الإنصاف: بلا نزاع. ولا قضاء عليه، لأنه ليس له حال يصير إليها، يتمكن فيها من القضاء، وقال ابن القيم: ولا يصار إلى الفدية إلا عند اليأس من القضاء.(٣) تمر، أو زبيب، أو شعير، أو أقط.(٤) ومعناه عن ابن أبي ليلى عن معاذ، رواه أحمد وغيره، ولأنه صوم واجب، فجاز أن ينوب عنه المال، كالصوم في كفارة الظهار، ولا يجزئ أن يصوم عنه غيره، لأنه عبادة بدنية محضة، وجبت بأصل الشرع، فلم تدخله النيابة، كالصلاة إجماعًا، وقال الشيخ: وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطيقه، لكبر ونحوه، أو عن ميت – وهما معسران – توجه جوازه، لأنه أقرب إلى المماثلة من المال، ويأتي.(٥) أي فيطعم لكل يوم مسكينًا، ما يطعم كبير عاجز عن صوم، ويقضي عدد ما أفطره من الأيام، لقوله تعالى ﴿َعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .стр. 1499
لكن إن كان الكبير، أو المريض الذي لا يرجى برؤُه مسافرًا، فلا فدية، لفطره بعذر معتاد، ولا قضاء، لعجزه عنه (١) (وسن) الفطر (لمريض يضره) الصوم (٢) (ولمسافر يقصر) (٣) . الحواشي
(١) فيعايا بها، فيقال: مسلم مكلف، أفطر في رمضان، لم يلزمه قضاء، ولا كفارة؛ وجوابه: كبير، عاجز عن الصوم، كان مسافرًا. وكذا نذر، وقضاء، وكفارة. لأنه جاء عن جمع من الصحابة، ولا مخالف لهم، وإن أطعم، ثم قدر على القضاء، فكمعضوب.(٢) وهذا بالإجماع في الجملة، وقال الوزير: أجمعوا على أن المريض، إذا كان الصوم يزيد في مرضه، أنه يفطر ويقضي، وإذا احتمل وصام أجزأ. ولم يذكروا خلافًا في الإجزاء، وفي الإنصاف: إن خاف المريض زيادة مرضه، أو طوله، أو صحيح مرضًا في يومه، أو خاف مرضًا لأجل العطش، استحب له الفطر، وكره صومه وإتمامه إجماعًا، وإن خاف التلف وصام أجزأ، وقيل: بلا خلاف. وكره، وقيل: يحرم. واختار الشيخ الفطر للتقوي على الجهاد.(٣) قال أحمد: الفطر للمسافر أفضل، وإن لم يجهده الصوم. وقاله ابن حبيب المالكي، وثبت في السنن أن من الصحابة من يفطر إذا فارق عامر قريبته، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله ﷺ ، ولأنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وعبارة المقنع: والمريض إذا خاف الضرر، والمسافر استحب لهما الفطر. وأما كونه جائزًا، فبالنصوص، وإجماع المسلمين، وقال الشيخ: سواء كان سفر حج، أو جهاد، أو تجارة، ونحو ذلك من الأسفار، التي لا يكرهها الله ورسوله، وتنازعوا في سفر المعصية، فأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فإنه يجوز فيه الفطر باتفاق الأمة. وقال: يجوز في كل ما يسمى سفرًا، ولو كان قصيرًا.стр. 1500
ولو بلا مشقة (١) لقوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) . الحواشي
(١) فإن شق، بأن جهده، كره له فعله، وكان الفطر أفضل، وصومه صحيح حكاه الوزير وغيره اتفاقًا، وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والأكثرون إلى أن الصوم أفضل لمن أطاقه، بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر، فالفطر أفضل من الصوم، لصوم النبي ﷺ وبعض أصحابه، ولأنه يحصل به براءة الذمة في الحال، وأما جوازه، فقال الشيخ: باتفاق الأئمة، سواء كان قادرًا على الصيام، أو عاجزًا، وسواء شق عليه الصوم، أو لم يشق، ومن قال: إن الفطر لا يجوز إلا لمن عجز عن الصيام. فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك من أنكر على المفطر، فإنه يستتاب من ذلك، ومن قال: إن المفطر عليه إثم، فإنه يستتاب من ذلك، فإن هذه الأقوال خلاف كتاب الله، وخلاف سنة رسول الله ﷺ ، وخلاف إجماع الأئمة.
وقال: الشارع أطلق السفر، ولم يقيد، فما عد سفرًا جاز فيه القصر، والفطر، إذا ترك البيوت وراء ظهره، فإنه ما لم يتجاوزها، فهو حاضر، غير مسافر، فيدخل في قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقال: ويفطر من عادته السفر، إذا كان له بلد يأوي إليه، كالتاجر والجلاب، والمكاري، والبريد، ونحوهم، وكذلك الذي له مكان في البر يسكنه، وأما من كان في السفينة، ومعه أهله، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا، فلا يقصر ولا يفطر، وأهل البادية، الذي يشتون في مكان، ويصيفون في آخر، يفطرون في حال ظعنهم، لا في حال نزولهم، ويتتبعون المراعي.(٢) أي فليفطر، وليقض عدد ما أفطره ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقال ﷺ «ما خيرت بين أمرين، إلا اخترت أيسرهما» وفي الصحيحين «ليس من البر الصيام في السفر» ويذكر أنه متواتر، وفي المسند
وغيره «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» وفي الحديث «خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون» وفي الصحيح أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إني رجل أكثر الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال «إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس» وفي صحيح مسلم «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم، فلا جناح عليه» ومن كمال حكمة الشارع، أن خفف أداء فرض الصوم في السفر، فإنه قطعة من العذاب، وهو في نفسه مشقة وجهد، ولو كان المسافر من أرفه الناس، فإنه فيه مشقة، وجهد بحسبه، واتفق أئمة المسلمين على أنه يجوز للمسافر أن يصوم ويفطر، واستحباب الفطر مقيد برمضان، لأن له ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فأما صيام عاشوراء، فنص أحمد على استحبابه، وهو قول طائفة من السلف، وقياسه يوم عرفة لغير حاج بها، وكل ما يفوت محله لعدم المانع.стр. 1501
ويكره لهما الصوم (١) ويجوز وطء لمن به مرض ينتفع به فيه (٢) . الحواشي
(١) أي يكره الصوم وإتمامه، لمريض يضره الصوم، أو يخاف زيادة مرضه، أو طوله، أو لصحيح مرض في يومه، أو خاف مرضًا بعطش، أو غيره، ويكره الصوم وإتمامه لمسافر يقصر، وعلة الكراهة إضرارهما بأنفسهما، وترك تخفيف الله تعالى، ورخصته، المطلوب إتيانها، ولأن بعض العلماء لا يصحح صومه، كما نقل عن أبي هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، لكن لو فعل أجزأ إجماعًا، لإتيانه بالأصل الذي هو العزيمة، وصار كمن أبيح له ترك القيام في الصلاة، فتكلف وقام، وقال المجد: وعندي لا يكره لمسافر قوي عليه، واختاره الآجري، وفاقًا للجمهور، ولا يفطر مريض لا يتضرر بالصوم وفاقًا، فيشترط أن يخاف زيادة المرض، أو بطء البرء، قيل لأحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع. قيل: مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟.(٢) أي ينتفع بالجماع في مرضه.стр. 1502
أو به شبق، ولم تندفع شهوته بدون وطء (١) ويخاف تشقق أنثييه (٢) ولا كفارة ويقضي (٣) ما لم يتعذر لشبق، فيطعم كالكبير (٤) وإن سافر ليفطر حرما (٥) (وإن نوى حاضر صوم يوم، ثم سافر في أَثنائه فله الفطر) (٦) . الحواشي
(١) كالإستمناء بيد زوجته، أو بوطء فيما دون الفرج، فله الفطر، لأنه يخاف على نفسه، فهو كالمريض، «والشبق» بفتح الشين المعجمة، والباء الموحدة، شدة الشهوة.(٢) فإن اندفعت شهوته بدونه لم يجز، لعدم الحاجة إليه.(٣) أي بدل ما وطيء فيه، ولا كفارة، لإمكان القضاء، ومتى لم يمكنه إلا بإفساد صوم موطوءة، جاز للضرورة، وصائمة أولى من حائض، وتتعين من لم تبلغ.(٤) أي ما لم يتعذر عليه القضاء، لدوام شبقه فيطعم، كما يطعم الكبير العاجز عن الصوم، ولا قضاء، إلا مع عذر معتاد، كمرض أو سفر.(٥) أي السفر والإفطار، حيث لا علة للسفر إلا الفطر، فأما الفطر فلعدم العذر المبيح، وهو السفر المباح، وأما السفر فلأنه وسيلة إلى الفطر المحرم، قال عثمان: ومنه يعلم أنه لو أراد السفر لتجارة مثلاً، فأخر السفر إلى رمضان ليفطر أنه يجوز له ذلك.(٦) حكي اتفاقًا، ولما في السنن وغيرها عن بعض الصحابة أنه السنة، وقال ابن القيم: جاءت الآثار عن الصحابة، في الفطر لمن أنشأ السفر في أثناء يوم وبما شاء، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، من أكل، أو جماع أو غيره، لأن من له الأكل فله الجماع، ولا كفارة، لحصول الفطر بالنية قبل الفعل، وعدم لزوم الإمساك، وكذا مريض يباح له الفطر، وكما يفطر بعد سفره إجماعًا.стр. 1503
إذا فارق بيوت قريته ونحوها (١) لظاهر الآية، والأخبار الصحيحة (٢) والأفضل عدمه (٣) (وإن أفطرت حامل، أو) أفطرت (مرضع، خوفًا على أنفسهما) فقط، أو مع الولد (قضتاه) أي قضتا الصوم (فقط) من غير فدية (٤) . الحواشي
(١) مما تقدم في قصر الصلاة، لأنه قبله لا يسمى مسافرًا، وتقدم قول الشيخ قريبًا، فلا يفطر قبل خروجه وفاقًا.(٢) فالآية هي قوله تعالى ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ والأخبار منها ما روى عبيد بن جبير، قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري، من الفسطاط، في شهر رمضان، ثم قرب غداءه، فقال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ فأكل. رواه أبو داود وغيره، وعن أنس أنه رحلت له راحلته، فدعا بطعام فأكل، وقال: سنة، ثم ركب، رواه الترمذي وغيره، وقال ابن العربي: صحيح. فصرح هذان الصحابيان أنه سنة، ولأن السفر مبيح للفطر، كالمرض الطارئ، واستظهر الشيخ وغيره جوازه، وقال: كما ثبت في السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله ﷺ ، وقد ثبت في الصحيح، عن النبي ﷺ أنه نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء، فأفطر، والناس ينظرون إليه. وأما اليوم الثاني، فيفطر بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين، في مذهب جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم.(٣) أي والأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه، إتمام صوم ذلك اليوم، خروجًا من خلاف من لم يبح له الفطر، وهو قول أكثر العلماء، وحكاه الوزير وغيره اتفاق الأئمة إلا أحمد في رواية عنه.(٤) وفاقًا، وحكاه الوزير وغيره، مع اختلاف عن مالك، وفي المبدع:
بغير خلاف نعلمه، كالمريض إذا خاف على نفسه، ولقدرتهما عليه، بخلاف الكبير.стр. 1504
لأنهما بمنزلة المريض، الخائف على نفسه (١) (و) إن أفطرتا خوفًا (على ولديهما) فقط (قضتا) عدد الأيام (٢) (وأطعمتا) أي وجب على من يمون الولد أن يطعم عنهما (٣) (لكل يوم مسكينًا) ما يجزئُ في كفارة (٤) . الحواشي
(١) فإنه يقضي من غير إطعام، وكره صومهما مع خوف الضرر وفاقًا، وذكر ابن عقيل: إن خافت حامل ومرضع، على حمل وولد، حال الرضاع، لم يحل الصوم، وعليها الفدية، وإن لم تخف لم يحل الفطر. اهـ. وإن صامتا أجزأ، كالمريض والمسافر.(٢) أي عدد أيام فطرهما فورًا، لقدرتهما على القضاء، ولا يؤخران القضاء كالمريض.(٣) على الفور، لأنه مقتضى الأمر، كسائر الكفارات، ولا يؤخر إلى القضاء، ويجزئ فيه ما يجزئ في كفارة، ولا يسقط هذا الإطعام بالعجز، وكذا عن الكبير، والمأيوس منه.(٤) وظاهره الوجوب على من يمون الولد من ماله، لأن الإفطار لأجله، وعبارة الماتن توهم أن الإطعام عليها نفسها، فلأجل ذلك صرفها الشارح، وفي الفروع: والإطعام على من يمونه. وفي الفنون: يحتمل أنه على الأم، وهو أشبه لأنه تبع لها، ويحتمل أنه بينها وبين من تلزمه نفقته من قريب، أو من ماله. لأن الإرفاق لهما.стр. 1505
لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١) قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأَة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكينًا (٢) والمرضع والحبلى، إذا خافتا على أولادهما، أَفطرتا وأَطعمتا. رواه أبو داود (٣) وروي عن ابن عمر (٤) وتجزئ هذه الكفارة إلى مسكين واحد جملة (٥) . الحواشي
(١) قال الشيخ: تفطر وتقضي، عن كل يوم يومًا، وتطعم عن كل يوم مسكينًا، رطلاً من خبز بأدمه.(٢) أي إذا أفطر، والحامل والمرضع يطيقان الصوم، فدخلا في الآية الكريمة، لا يقال: إنها منسوخة بما بعدها من قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هكذا في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع، قال ابن عباس: أثبتت للحبلى والمرضع. وظاهره نسخ الحكم في حق غير الحامل والمرضع، وبقاء الحكم فيهما، وقوله الآتي: إنها محكمة غير منسوخة، وإنها إنما أريد بها هؤلاء؛ من باب إطلاق العام، وإرادة الخاص، وهو أولى من ادعاء النسخ، فإنه خلاف الأصل، فالواجب عدمه، أو تقليله مهما أمكن.(٣) ورواه غيره من غير وجه، بألفاظ متقاربة.(٤) أي نحو ما روى أبو داود وغيره عن ابن عباس، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، وقال ابن القيم: أفتى ابن عباس وغيره من الصحابة في الحامل والمرضع، إذا خافتا على ولديهما، أن تفطرا، وتطعما كل يوم مسكينًا، إقامة للإطعام مقام الصيام.(٥) واحدة، لظاهر الآية، وقال غير واحد: بلا نزاع.стр. 1506
ومتى قبل رضيع ثدي غيرها وقدر أن يستأْجر له، لم تفطر (١) وظئر كأُم (٢) ويجب الفطر على من احتاجه لإنقاذ معصوم من هلكة كغرق (٣) . الحواشي
(١) أي أمه، لعدم الحاجة إليه، واستؤجر له، قال في الإنصاف: ولعله مراد من أطلق.(٢) أي وحكم ظئر مرضعة لغير ولدها، كأم في إباحة فطر، إن خافت على نفسها، أو الرضيع، وعدمه، وفدية، وعدمها، فإن لم تفطر، وتغير لبنها، أو نقص، فلمستأجر الفسخ، وتجبر على فطر، إن تأذى الرضيع، جزم به الخطابي وغيره، لإمكان تداركه بالقضاء، وإن قصدت الإضرار أثمت، وللحاكم إلزامها بطلب مستأجر.(٣) جزم به غير واحد من أهل العلم، وصوبه في تصحيح الفروع وغيره، ومثله من ذهب في طلب تائه، من مال، أو إنسان، أو مغصوب ليدركه، والحشاش والرعاة، ونحوهم، إذا اشتد بهم العطش، فلهم الفطر، فإن الضرورة تبيح مثل هذا، ولا يترك التكسب من أجل خوف المشقة، وقال الآجري: من صنعته شاقة. وتضرر بتركها، وخاف تلفًا، أفطر وقضى، وإن لم يضره تركها أثم، وإلا فلا. وقال: هذا قول للفقهاء رحمهم الله تعالى، وذكر الحنفية وغيرهم أنه لو ضعف عن الصوم لاشتغاله بالمعيشة، فله أن يفطر ويقضي، إن أدرك عدة من أيام أخر، وإلا أطعم عن كل يوم نصف صاع، وأنه لا شك في الحصاد ونحوه، إذا لم يقدر عليه مع الصوم، ويهلك الزرع بالتأخر مثلاً، جاز له الفطر، وعليه القضاء. اهـ. وكذا البناء ونحوه إذا خاف على المال إن صام، وتعذر العمل ليلاً، جزم به غير واحد.
قال ابن القيم: و أسباب الفطر أربعة ، السفر، والمرض، والحيض، والخوف
على هلاك من يخشى عليه بصوم، كالمرضع، والحامل، ومثله مسألة الغريق، وأجاز شيخ الإسلام الفطر للتقوى على الجهاد، وفعله، وأفتى به لما نزل العدو دمشق في رمضان، وأنكر عليه بعض المتفقهة، وقال: ليس ذلك بسفر. فقال الشيخ: هذا فطر للتقوى على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر للسفر، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام، لم يمكنهم النكاية فيهم، وربما أضعفهم الصوم عن القتال، فاستباح العدو بيضة الإسلام، وهل يشك فقيه أن الفطر ههنا، أولى من فطر المسافر؟ وقد أمرهم النبي ﷺ في غزوة الفتح بالإفطار، للتقوى على عدوهم. قال ابن القيم: إذا جاز فطر الحامل والمرضع، لخوفهما، وفطر من يخلص الغريق، ففطر المقاتلين أولى بالجواز، وهذا من باب قياس الأولى، ومن باب دلالة النص وإيمائه. اهـ. فإن أفطر لضرر العطش فزال بالشرب، لزمه الإمساك حتى يضربه ثانيًا، ولا يجوز أن يعمل عملاً يصل به إلى الضعف.стр. 1507
وليس لمن أُبيح له فطر رمضان، صوم غيره فيه (١) (ومن نوى الصوم ثم جن، أَو أُغمي عليه، جميع النهار، ولم يفق جزءًا منه، لم يصح صومه) (٢) . الحواشي
(١) أي لا يجوز لمن أبيح له الفطر في رمضان – مريضًا كان، أو مسافرًا، أو حاملاً، أو مرضعًا يضرهما، ونحوهم – صوم غير رمضان في رمضان، وفاقًا لمالك والشافعي، لأن الفطر أبيح تخفيفًا ورحمة، فإذا لم يؤده لزمه الإتيان بالأصل، كالمقيم الصحيح، ولأنه لا يسع غير ما فرض فيه، ولو من رمضان آخر، أو عن يوم من رمضان، في يوم ثان منه، وينكر على من أكل في رمضان ظاهرًا، وإن كان هناك عذر.(٢) وهذا مذهب مالك والشافعي.стр. 1508
لأَن الصوم الشرعي الإمساك مع النية (١) فلا يضاف للمجنون، ولا للمغمى عليه (٢) فإن أفاق جزءًا من النهار، صح الصوم (٣) سواءً كان من أول النهار، أو آخره (٤) (لا إن نام جميع النهار) فلا يمنح صحة صومه (٥) لأن النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية (٦) . الحواشي
(١) ومتى لم يوجد إمساك ولا نية، لم يصر صائمًا.(٢) يعني الصوم لعدم حصول الإمساك من المجنون والمغمى عليه، فلم يجزئهما، والنية وحدها لا تجزئ، لما في الصحيحين وغيرهما: يقول الله تعالى «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي» فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، ومن جن، أو أغمى عليه جميع النهار، لم يضف إليه إمساك البتة، فلا يصح صومه، إذ المركب ينتفي بانتفاء جزئه.(٣) أي فإن أفاق المجنون، أو المغمي عليه، جزءًا من النهار الذي بيت النية له، صح الصوم منه، حيث بيت النية، للخبر، ولوجود الإمساك في الجملة، ولصحة إضافة الترك إليه.(٤) أي سواء كانت إفاقة المجنون أو المغمى عليه من أول النهار، أو آخره، قال الوزير: اتفقوا على أن من وجد منه إفاقة في بعض النهار، ثم أغمي عليه باقيه، فإن صومه صحيح، وقليل الإغماء لا يفسد الصوم وفاقًا، والجنون كالإغماء وفاقًا، ومن جن في صوم قضاء، أو كفارة ونحوهما، قضاه بالوجوب السابق، كالصلاة.(٥) وهو إجماع قبل الإصطخري من الشافعية، وإن استيقظ لحظة منه صح إجماعًا.(٦) لأنه متى نبه انتبه، فهو كذاهلٍ وساهٍ.стр. 1509
(ويلزم المغمى عليه القضاءُ) أي قضاءُ الصوم الواجب زمن الإغماء (١) لأَن مدته لا تطول غالبًا، فلم يزل به التكليف (٢) (فقط) بخلاف المجنون، فلا قضاء عليه، لزوال تكليفه (٣) (ويجب تعيين النية) (٤) بأَن يعتقد أنه يصوم من رمضان، أو قضائه، أو نذر، أو كفارة (٥) . الحواشي
(١) على الأصح وفاقًا، وقال الشارح: لا نعلم فيه خلافًا، لأنه نوع مرض، وهو مغط على العقل.(٢) وقال الزركشي وغيره: ولا نزاع في ذلك، لأن الولاية لا تثبت عليه، فلم يزل به التكليف كالنوم، ولهذا جاز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.(٣) سواء فات بالجنون الشهر أو بعضه، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وليس في الشرع ما يوجب القضاء عليه، من نص، ولا قياس، بخلاف الصرع، وهو الخنق ثم يصحو منه وقتا، فصفاه ملحق بالإغماء، بخلاف الجنون، فإنه يزيل العقل خاصة، فيلحق بالبهائم، وينبغي تقييده بما إذا لم يتصل جنونه بشرب محرم، كما تقدم في الصلاة.(٤) في كل صوم واجب، وفاقًا لمالك والشافعي.(٥) وهذا مذهب مالك، والشافعي، والجماهير، فإن لم يعين لم يجزئه، وكذا إن نوى صوما مطلقًا، أو تطوعًا، لم يجزئه، قال الشيخ: لا بد من نية رمضان، فلا يجزئ نية مطلقة، ولا معينة بغيره، وهو قول الشافعي وأحمد في إحدى روايتيه. وقال: إنه مع العلم يجب عليه تعيين النية، ومع عدم العلم كمن لم يعلم.стр. 1510
لقوله ﵇ «وإنما لكل امرئ ما نوى» (١) (من الليل) (٢) لما روى الدارقطني بإسناده عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» وقال: إسناده كلهم ثقات (٣) ولا فرق بين أول الليل، ووسطه، وآخره (٤) . الحواشي
(١) فالعامل لا يحصل له إلا ما نواه، ولأن التعيين مقصود في نفسه، فلا بد من حصوله، وأما أصل النية في الصوم وإن كان تطوعًا، فبإجماع المسلمين، لقوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ولهذا الخبر وغيره، فلا يصح صوم إلا بنية، كالصلاة، والزكاة، والحج، وسائر العبادات إجماعًا.(٢) أي يجب تعيين نية الواجب من الليل، لا من النهار، لأن النية لا تنعطف على الماضي، فإذا فات جزء من النهار لم توجد فيه، لم يصح صوم ذلك اليوم، الذي فات جزء منه.(٣) وللخمسة عن ابن عمر عن حفصة، عن النبي ﷺ أنه قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له» وفي لفظ «من لم يجمع» أي يعزم الصيام من الليل، فلا صيام له، وروي موقوفًا على ابن عمر، وصححه الترمذي، وهو مذهب جمهور أهل العلم، أن من لم يجمع الصيام من الليل، لم يجزئه إلا في التطوع، ولأن النية عند ابتداء الصيام، كالصلاة، والحج، وحكى الشيخ ثلاثة أقوال، ثالثها أن الفرض لا يجزئ إلا بتبييت النية من الليل، كما دل عليه حديث حفصة وابن عمر، لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم، والنية لا تنعطف على الماضي، وقال: هذا أوسط الأقوال.(٤) فأي جزء نواه فيه أجزأ، قال الوزير: قال مالك، والشافعي، وأحمد:
يجوز في جميع الليل، وأول وقتها بعد غروب الشمس، وآخره طلوع الفجر الثاني، واتفقوا على أنه ما ثبت في الذمة من الصوم، كقضاء رمضان، وكقضاء النذور والكفارات، لا يجوز صومه إلا بنية من الليل.следующие страницы →