Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
(وإن جامع ثم كفر، ثم جامع في يومه، فكفارة ثانية) (١) لأَنه وطءٌ محرم، وقد تكرر، فتكرر هي، كالحج (٢) (وكذلك من لزمه الإمساك) (٣) كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر (٤) أَو نسي النية، أَو أَكل عامدًا (إذا جامع) (٥) فعليه الكفارة، لهتكه حرمة الزمن (٦) . الحواشي
(١) هذا المذهب، نص عليه في رواية حنبل والميموني.(٢) أي فتكرر الكفارة، كما لو كرر المحظور في الحج، قبله وبعده، فالتشبيه معتبر في المسألتين، ولأنه وطء محرم لحرمة رمضان، فوجب أن تتعلق به الكفارة، كالوطء الأول، وعبادة يجب بالجماع بها كفارة، فجاز أن تتكرر الكفارة مع الفساد، وعنه: لا كفارة عليه. لأنه عبادة واحدة، وهو قول الجمهور، وقال الوزير: أجمعوا أنه إذا وطيء وكفر، ثم عاد فوطيء ثانيًا في يومه ذلك، أنه لا يجب عليه كفارة ثانية، وإن أخرج بعض الكفارة، ثم وطيء في يومه، دخلت بقية الأولى في الثانية.(٣) أي وكذا حكم كل مفطر يلزمه الإمساك، إذا جامع، فعليه الكفارة وفاقًا.(٤) إذا جامع فعليه الكفارة.(٥) في نهار رمضان، وظاهره: ولو ناسيًا، أو جاهلاً؛ وتقدم.(٦) أي بالجماع، ولأنها تجب على المستديم الوطء ولا صوم هناك، وكذا هنا، فمراده بالتشبيه وجوب الكفارة، لا التكرار، لكن نص أحمد – في مسافر قدم مفطرًا ثم جامع -: لا كفارة عليه، لأنه سنة عند أكثر العلماء، وحمله بعضهم على رواية عدم لزوم الإمساك.стр. 1542
(ومن جامع وهو معافى، ثم مرض، أو جن (١) أو سافر: لم تسقط) الكفارة عنه، لاستقرارها (٢) كما لو لم يطرأ العذر (٣) (ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان) (٤) لأَنه لم يرد به نص (٥) وغيره لا يساويه (٦) . الحواشي
(١) أو حاضت، أو نفست، لم تسقط الكفارة، لأمره ﵊ الأعرابي بالكفارة، ولم يسأله، وهذا مذهب مالك، وأحد أقوال الشافعي.(٢) أي الكفارة عليه وفاقًا، لأنه ﷺ لم يسأل الأعرابي: هل طرأ له بعد وطئه مرض أو غيره؟ بل أمره بالكفارة، ولو اختلف الحكم لسأله عنه، ولأنه أفسد صيامًا واجبًا من رمضان بجماع، فاستقرت كفارته.(٣) يعني من مرض، أو جنون، أو سفر، أو حيض، أو نفاس ونحو ذلك، ولو مات في أثناء النهار بطل صومه، فإن كان نذرًا، وجب الإطعام من تركته، وإن كان صوم كفارة تخيير، وجبت في ماله.(٤) إجماعًا، فلا كفارة بمباشرة، أو قبلة ونحوها، ولو مع الإنزال وفاقًا، ولو كرر النظر، ولا بالجماع في قضائه أو نذر، أو كفارة، لأن الكفارة لهتك حرمة شهر رمضان.(٥) ولأن الأصل براءة الذمة، فلا يثبت شغلها إلا بدليل من نص، أو إجماع، أو قياس، ولم يوجد واحد منها، وإنما ورد النص وثبت الإجماع في الجماع، في نهار رمضان.(٦) أي غير رمضان لا يساوي رمضان، لاحترامه، وتعينه للعبادة، وليس في معناه، فلا يقاس عليه.стр. 1543
الحواشي
(١) يتلذذ به كالإيلاج، فلو طلع عليه الفجر وهو مجامع، فنزع في الحال، قضى وكفر، وقال في تصحيح الفروع: الصواب أنه إن تعمد الوطء قريبًا من طلوع الفجر، مع علمه بذلك فعليه القضاء والكفارة. اهـ. وعنه: عليه القضاء فقط وفاقًا، وقال المجد: يقضي فقط، وهو أصح عندي. وقال ابن أبي موسى: يقضي قولاً واحدًا. وعنه: لا قضاء عليه، ولا كفارة. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، واختاره أبو حفص، وصاحب الفائق، والشيخ، وغيرهم، وقال: هذا قول طوائف من السلف، كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وإسحاق، وداود، وأصحابه، والخلف، وهؤلاء يقولون: من أكل معتقدًا عدم طلوع الفجر، ثم تبين أنه طلع، فلا قضاء عليه. وهذا القول أصح الأقوال، وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنة، وهو قياس أصول أحمد وغيره، فإن الله رفع المؤاخذة عن الناسي والمخطئ، وهذا مخطئ، وقد أباح الله الأكل، والوطء، حتى يتبين ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ واستحب تأخير السحور، ومن فعل ما ندب إليه، وأبيح له، لم يفرط، فهذا أولى بالعذر من الناسي. اهـ.
وقال غير واحد: إنما النزع ترك للجماع. وقال ابن القيم: من طلع عليه الفجر، وهو مجامع، فالواجب عليه النزع عينًا، ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث، ولا شيء عليه، اختاره شيخنا، وهو الصواب، والحكم في حقه وجوب النزع، والمفسدة في حركة النزع، مغمورة في مصلحة إقلاعه ونزعه. اهـ. وإن استدام، فعليه القضاء والكفارة، وهو مذهب مالك، والشافعي وغيرهم، لأنه جماع في نهار رمضان باختيار، فلا فرق بين ابتدائه ودوامه، ولا يحرم وطء قبل كفارة رمضان، ولا في ليالي صيامها، عكس كفارة الظهار.стр. 1544
والإنزال بالمساحقة كالجماع، على ما في المنتهى (١) (وهي) أي كفارة الوطء في نهار رمضان (٢) (عتق رقبة) مؤمنة، سليمة من العيوب الضارة بالعمل (٣) (فإن لم يجد) رقبة، (فصيام شهرين متتابعين (٤) فإن لم يستطع) الصوم (فإطعام ستين مسكينًا) (٥) . الحواشي
(١) يعني من وجوب القضاء، والكفارة، وجزم في الإقناع: أنه ليس فيه غير القضاء، وهو قول الجمهور وكذا الإنزال بها من مجبوب أو امرأة، وتقدم.(٢) على الترتيب، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن مالك.(٣) على ما يأتي في الظهار، وكون الكفارة عتق رقبة، لا نزاع فيه.(٤) أي فإن لم يجد رقبة، ولا ثمنها، وجب عليه، صيام شهرين متتابعين، إجماعًا، لحديث أبي هريرة المتقدم، فإنه نص فيه على الثلاثة بقوله «فهل تستطيع؟» «فهل تجد؟» وهو ظاهر في الترتيب، وجاء بلفظ «أو يصوم» «أو يطعم» واللفظ الأول، رواه أكثر من ثلاثين، ولأنه لفظ النبي ﷺ ، ومشتمل على زيادة، وأنص منه، ما رواه ابن ماجه في الحديث، أنه قال «أعتق رقبة» قال: لا أجدها، قال «صم شهرين متتابعين» قال لا أطيق، قال «أطعم ستين مسكينًا» فأمره بالعتق أولاً، وظاهر الأمر الوجوب، ولم ينقله إلى الصيام، إلا عند العجز، ثم أمره في صيام الشهرين، بالتتابع، ويشترط التتابع في أربعة مواضع، في كفارة الوطء في نهار رمضان، وكفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة اليمين، وحكى الوزير وغيره: الإجماع على وجوب التتابع فيها.(٥) قال النووي: أجمع عليه العلماء، في الأعصار المتأخرة، وهو اشتراط إطعام ستين مسكينًا. اهـ. فلو قدر لا بعد شروع فيه لزمته، لأنه ﵊: سأل المواقع عما يقدر عليه، حال المواقعة، وهي حالة الوجوب، والمعتبر وقت الوجوب، شرع فيه أولاً.стр. 1545
لكل مسكين مدبر، أَو نصف صاع من تمر، أَو زبيب، أو شعير، أو أقط (١) (فإن لم يجد) شيئًا يطعمه للمساكين، (سقطت) الكفارة (٢) لأن الأعرابي لما دفع إليه النبي ﷺ التمر ليطعمه للمساكين، فأخبره بحاجته قال «أطعمه اهلك» ولم يأمره بكفارة أخرى، ولم يذكر له بقاءها في ذمته (٣) بخلاف كفارة حج (٤) وظهار ويمين ونحوها (٥) ويسقط الجميع، بتكفير غيره عنه بإذنه (٦) . الحواشي
(١) مما يجزئ في فطرة، ولما يأتي في الظهار.(٢) قال الوزير: أجمعوا على أنه إذا عجز عن كفارة الوطء، حين الوجوب، سقطت، إلا الشافعي، في أحد قوليه. اهـ. وكذا كفارة الوطء في الحيض، تسقط بالعجز، دون ما عداهما.(٣) فدل الحديث، على أنه لما لم يجد شيئًا، يطعمه المساكين، سقطت عنه الكفارة.(٤) أي فدية تجب في الحج، على ما سيأتي، فتبقى في الذمة.(٥) ككفارة قتل، فإنها تبقى في الذمة، لعموم أدلتها للوجوب حال الإعسار، ولأنه القياس، خولف في رمضان للنص، قال القاضي وغيره: وليس الصوم سببًا، وإن لم تجب إلا بالصوم والجماع، لأنه لا يجوز اجتماعهما.(٦) إن كان حيًا، وبدونه إن كان ميتًا، ولا يفتقر إلى إذن وليه، أو فعله، سواء كان عن كفارة وطء نهار رمضان أو حج، أو ظهار أو يمين، أو قتل، وإن كفر عنه غيره بإذنه فله أكلها، إن كان أهلاً، وكذا لو ملكه ما يكفر به.стр. 1546
باب ما يكره ويستحب في الصوم
وحكم القضاء
أي قضاء الصوم (١) (يكره) لصائم (جمع ريقه فيبتلعه) (٢) للخروج من خلاف من قال بفطره (٣) (ويحرم) على الصائم (بلع النخامة) ، سواءً كانت من جوفه أو صدره أو دماغه (٤) . الحواشي
(١) لرمضان أو غيره، وما يتعلق بذلك، ويقع القضاء بمعنى الأداء، ممن أفطر بسبب مباح، أو محرم، كمن أبطل صومه، بجماع أو غيره، وقال الشيخ وغيره: وقولهم: بطل صومه، ونحو ذلك، بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليه بشيء، وجاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، وأنه لو كان باطلاً كعدمه، ولا ثواب فيه، لم يجبر بالنوافل شيء وقوله ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ليس بطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله، فلا يكون مبطلاً لجميع عمله.(٢) فرضًا كان الصوم، أو نفلاً، لإمكان التحرز منه، والريق: الرضاب، وهو ماء الفم.(٣) يشير إلى خلاف أبي حنيفة، وأقل أحوال المختلف فيه، أن يكون مكروهًا؛ وقال في الفروع: وقيل: يفطر؛ فيحرم ذلك كعوده وبلعه من بين شفتيه، ولا يفطر ببلعه مجموعًا، وفاقًا، لأنه إذا لم يجمعه، وابتلعه قصدًا، لا يفطر إجماعًا، فكذا إن جمعه ثم بلعه قصدًا، لأنه يصل إلى جوفه من معدنه، أشبه ما لو لم يجمعه.(٤) إذا حصلت في فيه، للاختلاف في الفطر بها، فانبنى التحريم، وينبغي أن يقيد بالفرض، والنخامة: النخاعة، حكاه الجوهري وغيره، وفي المطالع:
النخامة؛ في الصدر، وهو البلغلم اللزج. وقال غيره: النخاعة من الصدر، والنخامة من الرأس.стр. 1547
(ويفطر بها فقط) أي لا بالريق (١) (إن وصلت إلى فمه) لأنها من غير الفم (٢) وكذلك إذا تنجس فمه بدم، أو قيء، ونحوه فبلعه، وإن قل (٣) لإمكان التحرز منه (٤) وإن أخرج من فمه حصاة، أو درهمًا، أو خيطًا ثم أعاده، فإن كثر ما عليه أفطر (٥) وإلا فلا (٦) ولو أخرج لسانه ثم أعاده لم يفطر بما عليه (٧) . الحواشي
(١) فلا يفطر ببلع ريقه إجماعًا، لأن النخامة تنزل من الرأس، أو تخرج من الجوف، والريق من الفم.(٢) كالقيء وتقدم، وذلك لإمكان التحرز منها، وهذا مذهب الشافعي وغيره، لا إن بلع نخامة لم تصل إلى فمه.(٣) أفطر إن تحقق كونه بلع شيئًا نجسًا، نص عليه، لا إن بالغ في تفله، ثم بلع ريقه بعد، لم يضر.(٤) ولأن الفم في حكم الظاهر، فيقتضي الفطر بكل ما يصل منه، وإن تنجس فمه فبصق النجاسة، وبقي الفم نجسًا، فابتلع ريقه لم يفطر، قطع به أبو البركات، لأنه لا يتحقق ابتلاعه لشيء من أجزاء النجاسة، وإن استقصى في البصق، ثم وجد طعمه في حلقه لم يفطر، وإلا أفطر على الصحيح من المذهب، قاله في الإنصاف.(٥) لأنه واصل من خارج، لا يشق التحرز منه.(٦) أي وإن لم يكثر، فلا إفطار، لعدم تحقق انفصاله، والأصل بقاء الصوم.(٧) وفاقًا.стр. 1548
ولو كثر، لأنه لم ينفصل عن محله (١) ويفطر بريق أخرجه إلى ما بين شفتيه ثم بلعه (٢) (ويكره ذوق طعام بلا حاجة) (٣) قال المجد: المنصوص عنه أنه لا بأْس به لحاجة ومصلحة (٤) وحكاه هو والبخاري عن ابن عباس (٥) (و) يكره (مضغ علك قوي) (٦) . الحواشي
(١) بخلاف ما على الدرهم، ونحوه.(٢) وكذا لو خرج ريقه إلى ثوبه، أو بين أصابعه، ثم عاد فابتلعه، لكونه فارق معدنه، مع إمكان التحرز منه عادة، أشبه الأجنبي، لا ما قل عن درهم، أو حصاة، أو خيط ونحوه، إذا عاد إلى فمه، كما على لسانه.(٣) إلى ذوقه لأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه فيفطره، وقال أحمد: أحب أن يجتنب ذوق الطعام، فإن فعل فلا بأس، وظاهره الإطلاق، وهو مذهب مالك.(٤) ككون زوجها أو سيدها سيء الخلق، فتذوقه لذلك، أو لا تجد من يمضغ لصبيها، ممن لا يصوم، وهو مفهوم ما في المتن.(٥) أي حكى المجد والبخاري، عن ابن عباس ﵄، جواز ذوق الطعام لحاجة ومصلحة، واختاره في التنبيه، وابن عقيل، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي. وقال الشيخ: أما إذا ذاق طعامًا ولفظه، أو وضع في فيه عسلاً ومجه، فلا بأس به للحاجة، كالمضمضة، والاستنشاق. وعلى قول المجد ومن تابعه، إذا استقصى في البصق، ثم وجد طعمه في حلقه لم يفطر، وإن لم يستقص أفطر، قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب.(٦) لا يتحلل منه أجزاء، نص عليه وفاقًا، وهو أنواع، أقواه أبيض، ممضوغ ملتئم، ويطلق على كل ما يمضغ ويبقى في الفم، كالمصطكى واللبان، وقال ابن
سيده: ضرب من صمغ الشجر. وفي القاموس: بالكسر، صمغ الصنوبر، والأرزة، والفستق، والسرو، والينبوت، والبطم، وهو أجودها.стр. 1549
وهو الذي كلما مضغه صلب وقوي (١) لأنه يحلب البلغم، ويجمع الريق، ويورث العطش (٢) (وإن وجد طعمهما) أي طعم الطعام، والعلك (في حلقه أفطر) (٣) لأنه أوصله إلى جوفه (٤) (ويحرم) مضغ (العلك المتحلل) مطلقًا، إجماعًا، قاله في المبدع (٥) (إن بلع ريقه) وإلا فلا (٦) . الحواشي
(١) ولم يتحلل منه أجزاء، وقال أحمد – في الرجل يفتل الخيط: - يعجبني أن يبزق.(٢) فكره له ذلك، و «حلب الشيء» استخرج ما فيه؛ و «البلغم» خلط من أخلاط البدن، وهو أحد الطباع الأربع.(٣) صوبه في تصحيح الفروع، وغيره، لإطلاق الكراهة، ومقتضاه: أنه لا فطر إذا قلنا بعدم الكراهة، للحاجة، كما صرح به في شرح المنتهى، وذلك لأنه لا ينزل منه شيء، أشبه ما لو لطخ باطن رِجْلِه بحنظل، ومجرد الطعم لا يفطر.(٤) أشبه ما لو تعمد الأكل.(٥) وقاله في الفروع وغيرهما، لأنه يكون قاصدًا لإيصال شيء من خارج، إلى جوفه مع الصوم، وهو حرام، وتعريض لفساد صومه، وإطلاقه مخالف لقوله «إن بلع ريقه» وإن كان مراده به؛ على الصحيح من المذهب، فمحله القول الثاني أنه يحرم ولو لم يبتلعه، فمعنى الإطلاق هنا أنه سواء ابتلع ريقه أو لا.(٦) أي وإن لم يبتلع ريقه، لم يحرم.стр. 1550
هذا معنى ما ذكره في المقنع والمغني والشرح (١) لأَن المحرم إدخال ذلك إلى جوفه، ولم يوجد (٢) وقال في الإنصاف: والصحيح من المذهب أَنه يحرم مضغ ذلك، ولو لم يبتلع ريقه، وجزم به الأكثر. اهـ. وجزم به في الإقناع والمنتهى (٣) ويكره أن يدع بقايا الطعام، بين أسنانه (٤) وشم ما لا يؤمن أن يجذبه نفسه، كسحيق مسك (٥) (وتكره القبلة) ودواعي الوطء (لمن تحرك شهوته) (٦) . الحواشي
(١) وغيرهما، بل تابعهما الشراح، وهو ظاهر الوجيز وغيره.(٢) أي الإيصال إلى الجوف، فلم يحرم، لأن القاعدة أنه إذا انتفت العلة، انتفى المعلول.(٣) وهو مقتضى إطلاق صاحب المبدع، والفروع وغيرهما.(٤) خشية خروجه، فيجري به ريقه إلى جوفه.(٥) وكافور، ودهن، وبخور بنحو عود، خشية وصوله مع نفسه إلى جوفه، ولا يكره شم نحو ورد، وقطع عنبر، ومسك غير مسحوق.(٦) قال الوزير وغيره: أجمعوا على كراهة القبلة، لمن تحرك شهوته، وإلا فلا، إلا رواية عن مالك. اهـ. وعنه: تحرم لمن تحرك شهوته وجزم به في المستوعب وغيره، وفاقًا لمالك، والشافعي، ومرادهم: قبلة من تباح قبلته في الفطر، كزوجته، وسريته تلذذًا، لا رحمة وتوددًا، فأما من تحرم قبلته في الفطر، ففي الصوم أشد تحريمًا، وكذا دواعي الوطء كمعانقة ولمس، وتكرار نظر للتلذذ، والشهوة، وأما اللمس لغير شهوة، كلمس اليد ليعرف مرضها ونحوه، فلا يكره وفاقًا.стр. 1551
لأَنه ﵇ «نهى عنها شابًا ورخص لشيخ» رواه أبو داود، من حديث أبي هريرة (١) ورواه سعيد عن أبي هريرة، وأبي الدرداء (٢) وكذا عن ابن عباس، بإسناد صحيح (٣) وكان ﷺ يقبل وهو صائم، لما كان مالكًا لإربه (٤) وغير ذي الشهوة في معناه (٥) وتحرم إن ظن إنزالاً (٦) . الحواشي
(١) وذلك أن رجلاً شابًا، سأل النبي ﷺ ، عن التقبيل وهو صائم، فنهاه، خشية أن تغلبه الشهوة، فلذلك ذهب قوم إلى تحريمه، على من تحرك شهوته، والشاب مظنة لذلك، بخلاف الشيخ، فإنه لما سأله عن المباشرة للصائم، رخص له، والتعبير بالشيخ والشاب: جري على الغالب، فلو انعكس الأمر، انعكس الحكم.(٢) والبيهقي: أنه سأله شاب، فنهاه، وسأله شيخ، فرخص له. وقال: «الشيخ يملك إربه» .(٣) أي وكذا روى سعيد في سننه، عن ابن عباس نحو ما تقدم، وقد أقام الشارع المظنة، مقام الحقيقة في مواضع، وتقدم.(٤) ولفظه: كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه. متفق عليه. أي أملككم لنفسه، وآمنكم من الوقوع في قبلة، يتولد منها إنزال، أو شهوة، أو هيجان نفس، ورواه أكثر المحدثين، بفتح الهمزة والراء، وبعضهم بكسر الهمزة، وسكون الراء، حاجة النفس ووطرها، وقيل بالتسكين: العضو، وبالتحريك: الحاجة.(٥) أي غير ذي الشهوة، يباح له، لفعله ﷺ .(٦) قال المجد: بغير خلاف، لتعريضه للفطر، ثم إن أنزل أفطر، وتقدم، وإن لم ينزل، لم يفطر، ذكره ابن عبد البر إجماعًا.стр. 1552
(ويجب) مطلقًا (١) (اجتناب كذب وغيبة) ونميمة (وشتم) ونحوه (٢) لقوله ﷺ «من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أَن يدع طعامه وشرابه» رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود، وغيرهم (٣) . الحواشي
(١) أي في كل وقت، وكل مكان، وفي رمضان، ومكان فاضل آكد، لأن الحسنات والسيئات، تتضاعف بالزمان والمكان الفاضل.(٢) كفحش، إجماعًا في الجملة، والمراد: اجتناب الكذب إذا كان محرمًا، لأن من الكذب ما هو واجب، كتخليص مسلم من قتل، وما هو مباح، كإصلاح بين الزوجين، والكذب: هو الإخبار بما لا يطابق المخبر عنه، خلاف الصدق؛ «والغيبة» هي ذكر الإنسان بما فيه مما يكره، سواء ذكره بلفظه، أو كتابة أو إشارة إليه بعينه، أو يده أو رأسه، وضابطها: كل ما أفهم به غيره نقصان مسلم، فهو غيبة محرمة بالإجماع، وكما تحرم على المغتاب، يحرم استماعها، وإقرارها، واستثنى منها ما نظمه الجوهري:
تظلم واستعن واستفت حذر ... وعرف واذكرن فسق المجاهر
لأن تلك أغراض صحيحة شرعية، لا يمكن الوصول إليها إلا بذكره بما فيه، «والنميمة» اسم من «نم الحديث» أظهره على وجه الإشاعة، والإفساد، وزينه بالكذب «والشتم» السب، والكلام القبيح، ويقال: هو رمي أعراض الناس بالمعايب، وثلبهم، وذكرهم بقبيح القول، حضرًا وغيبًا.(٣) ومعناه الزجر، والتحذير من قول الزور، وهو الكذب. ولأحمد «والجهل» وهو السفه «والعمل به» أي بمقتضاه، لما يحصل من الإثم، المقاوم للصوم، ولأنه لم يحصل منه مقصود الصائم، أو أنها قد تذهب بأجر الصوم،
ويأتي حديث «فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم» وقال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ وفي الصحيحين «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» الحديث. وحديث: عرج به، فمر على قوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم، وصدورهم؛ فقال «يا جبرئيل من هؤلاء؟» قال: الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم. وحديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» وغير ذلك.стр. 1553
قال أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه (١) وكانوا إذا صاموا، قعدوا في المساجد وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب أحدًا (٢) ولا يعمل عملاً يجرح به صومه (٣) . الحواشي
(١) فلا يرفث، ولا يفسق، ولا يجادل، ولا يغتب أحدًا، وإن كان ذلك لا ينبغي كل وقت، ففي حالة الصوم آكد.(٢) صيانة لصيامهم.(٣) من المعاصي، فيسقط أجره، ولا يفطر بغيبة ونحوها، وفاقًا، وقال أحمد: لو كانت الغيبة تفطر، ما كان لنا صوم. وذكره الموفق إجماعًا، لأن فرض الصوم بظاهر القرآن، الإمساك عن الأكل، والشرب، والجماع، وظاهره صحته، إلا ما خصه دليل ولم يأمر ﷺ من اغتاب بترك صيامه، ولكن قد يكثر، فيزيد على الصوم، وقد يقل، وقد يتساويان، قال الشيخ: وهذا مما لا نزاع فيه. وقال الوزير: اتفقوا على أن الكذب والغيبة يكرهان للصائم، ولا يفطرانه، وإن صومه صحيح في الحكم.стр. 1554
(وسن) كثرة قراءة، وذكر، وصدقة (١) وكف لسانه عما يكره (٢) وسن (لمن شتم قوله) جهرًا (إني صائم) (٣) لقوله ﷺ : «فإن شاتمه أحد، أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم» (٤) (و) سن (تأْخير سحور) (٥) . الحواشي
(١) لتضاعف الحسنات به، وكان مالك يترك الحديث فيه، ويقبل على تلاوة القرآن، وكان الشافعي يختم ستين ختمة، وقال إبرهيم: تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة فيما سواه وأخبار مضاعفة الأعمال الصالحة، في رمضان، متظاهرة، والصدقة فيه أفضل، للأخبار الواردة في ذلك.(٢) فيسن له أن يسعى في حفظ لسانه، عن جميع الكلام، إلا ما ظهرت فيه مصلحته، قال ﵊ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت» وعن المباح لقوله «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .(٣) أي قول الصائم جهرًا، في رمضان وغيره: إني صائم؛ وهو ظاهر المنتهى، واختاره الشيخ، لأن القول المطلق باللسان، وفي الفرض لا نزاع فيه، حكاه ابن العربي وغيره، وإنما الخلاف في التطوع بعدًا عن الرياء.(٤) متفق عليه، من حديث أبي هريرة، ولفظه «إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ، ولا يصخب فإن شاتمه» الحديث، وظاهره أنه يجهر بذلك، واختار المجد: في رمضان، لبعده عن الرياء، وليس مختصًا بالصائم، لكنه في حقه آكد، «والرفث» هو السخف، وفاحش الكلام، «والجهل» قريب منه، وهو خلاف الصواب. «وشاتمه» أي شتمه، متعرضًا لمشاتمته، «وقاتله» نازعه ودافعه.(٥) إجماعًا، حكاه الوزير وغيره، وجزم الشيخ وغيره: أن السنة للصائم،
أن يؤخر السحور، والسحور – بفتح السين – اسم لما يؤكل في السحر، وبالضم: اسم للفعل على الأشهر، وقيل: في اسم الفعل الفتح أيضًا، والمراد هنا الفعل فيكون بالضم على الصحيح الأشهر، وكل ما حصل من أكل، أو شرب، حصل به فضيلة السحور، لقوله «ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء» ولأبي داود «نعم سحور المؤمن التمر» .стр. 1555
إن لم يخش طلوع فجر ثان (١) لقول زيد بن ثابت: تسحرنا مع النبي ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. متفق عليه (٢) . الحواشي
(١) ذكره أبو الخطاب، والأصحاب، ويحرم الأكل وغيره: بطلوع الفجر وفاقًا، بل في قول عامة الفقهاء، للآية والأخبار، وما بعد الفجر من النهار، لا من الليل إجماعًا.(٢) ولقوله «كلوا واشربوا، حتى يعترض لكم الأحمر» رواه الترمذي وغيره، وقال: العمل عليه عند أهل العلم. ولقوله «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم» ، وفيه الاعتماد على صوت المؤذن، وجواز الأكل بعد النية، ولأحمد عن أبي ذر: «لا تزال أمتي بخير، ما أخروا السحور، وعجلوا الفطر» ولأنه أقوى على الصوم، وما كان أقرب إلى الفجر، كان أعون عليه، ولا نزاع في مطلوبيته.
وفي الحديث: «كلوا واشربوا حتى يستطير الفجر» ينتشر بياض الأفق معترضًا، وقال تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ والخيط اللون، وفي الحديث «سواد الليل وبياض النهار» وهل العبرة أول طلوعه، أو الاستطارة، أو الانتشار؟ استظهر الأكثر الانتشار، لتعريفهم الصادق به، قال ابن كثير، والنووي وغيرهما: فيه دليل على استحباب السحور، وتأخيره، لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب، ووردت السنة بالحث عليه وفي الصحيحين وغيرهما: «تسحروا، فإن في السحور بركة» ولأحمد «السحور كله بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» ولأنه يقوي على الصيام، وينشط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام، لخفة المشقة فيه على المتحسر، ولمسلم «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب آكلة السحر» لأن الله أباح لنا الطعام، وحرمه عليهم بعد أن يناموا، ومخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر، لتلك النعمة، وفيه «إن هذا الدين يسر» . فحكمته التقوى، أو مخالفة أهل الكتاب، وأحاديث الأمر بالتسحر، والحث عليه وتأخيره، وتعجيل الفطر، متواترة، حكاه الطحاوي وغيره. ولا يجب السحور، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا.стр. 1556
وكره جماع مع شك في طلوع فجر، لا سحور (١) (و) يسن (تعجيل فطر) (٢) . الحواشي
(١) لما في الجماع مع الشك من التعرض لوجوب الكفارة، ولأنه ليس مما يتقوى به، ولا يستحب وفاقًا، وأما السحور مع الشك فلا يكره، وظاهر كلام الموفق: يستحب. قال أحمد: يأكل حتى يتيقن. وقال ابن عباس: كل، ما شككت، حتى لا تشك. وقال الصديق: يا غلام أجف الباب، لا يفجأنا الفجر. ولا يعرف لهما مخالف، بخلاف الجماع، وفي الصحيحين «حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» ، وفي لفظ «حتى يقال له: أصبحت، أصبحت» ولأبي داود «إذا سمع أحدكم النداء، والإناء في يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» والمراد – والله أعلم – ما لم يعلم طلوع الفجر، ولإمكان سرعة أكله وشربه، لتقارب وقته، واستدراك حاجته، واستشراف نفسه، وقوة نهمته، وتوجه شهوته، بجميع همته، مما يكاد يخاف عليه أنه لو منع منه لما امتنع، فأجازه الشارع رحمة عليه، وأما إذا علم انتشار الصبح، فيحرم اتفاقًا.(٢) إجماعًا، حكاه الوزير وغيره، وجزم به الشيخ وغيره.стр. 1557
لقوله ﷺ «لا يزال الناس بخير، ما عجلوا الفطر» متفق عليه (١) . الحواشي
(١) أي مدة فعلهم ذلك، امتثالاً للسنة، ولحديث عائشة: كان يعجل الإطار، صححه الترمذي، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا «يقول الله تعالى إن أحب عبادي إلي، أعجلهم وفطرًا» رواه أحمد، والترمذي؛ ولأبي داود «لا يزال الدين ظاهرًا، ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون» ونحوه في الصحيحين، أي لا يزال أمر هذه الأمة معظمًا، وهم بخير، ما داموا محافظين على هذه السنة، وقوام الدين على مخالفة الأعداء، ولمسلم في رجلين، أحدهما يعجل الإفطار، ويعجل المغرب، والآخر بالعكس، قالت عائشة – في الذي يعجلهما -: هكذا كان رسول الله ﷺ . وقال الحافظ: ومن البدع المنكرة ما أحدث الناس من إيقاع الأذان الثاني، وطفي الأنوار، قبل ثلث ساعة لتحريم الأكل والشرب، للاحتياط، وجرهم إلى أنهم لا يؤذنون المغرب إلا بعد الغروب بدرجة، فأخروا الفطور، وعجلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم الخير، وكثر فيهم الشر.
وقال ابن عبد البر وغيره: أحاديث تعجيل الفطور، وتأخير السحور، صحيحة متواترة. وقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يقتضي الإفطار عند غروب الشمس، حكمًا شرعيًا، لما في الصحيحين وغيرهما «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم» أي دخل في وقت الفطر، وجاز له أن يفطر، أو انقضى صومه وتم، ولا يوصف بأنه صائم، فإن بغروب الشمس خرج النهار، وليس الليل محلاً للصوم.
وقال النووي: هي متلازمة، وإنما جمع بينهما لأنه قد يكون في واد ونحوه، بحيث لا يشاهد غروبها، فيعتمد إقبال الظلام، وإدبار الضياء، وأجمعوا على أن
الصوم ينقضي ويتم، بتمام الغروب، وأنه يدخل فيه بالفجر الثاني، وقال الشيخ: إذا غاب جميع القرص، أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة، الباقية في الأفق، وإذا غاب جميع القرص، ظهر السواد من المشرق، كما قال ﷺ «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، فقط أفطر الصائم» . ويعرف في العمران بزوال الشعاع، وإقبال الظلام من المشرق، للنهي عن الوصال، ومن أحب أن يمسك إلى السحر فله ذلك، لما في الصحيحين «فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر» .стр. 1558
والمراد إذا تحقق غروب الشمس (١) وله الفطر بغلبة الظن (٢) . الحواشي
(١) إجماعًا، فإن شك كره.(٢) وفاقًا، إقامة له مقام اليقين، ولأن الناس أفطروا على عهد رسول الله ﷺ كذلك، وكذلك أفطر عمر والناس في عهده كذلك، ولأن ما عليه أمارة، يدخله التحري كالوقت، والاحتياط إلى أن يتيقن، قال الشيخ: ومع الغيم المطبق، لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك، إلا بعد أن يذهب وقت طويل من الليل، يفوت المغرب، ويفوت تعجيل الفطور، والمصلي مأمور بصلاة المغرب، وتعجيلها، وثبت في صحيح البخاري، عن أسماء: أفطرنا يومًا من رمضان في غيم، على عهد رسول الله ﷺ ، ثم طلعت الشمس. فدل على أنه لا يستحب التأخير مع الغيم، إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم به، والصحابة مع نبيهم أعلم، وأطوع لله ورسوله، والفطر قبل صلاة المغرب أفضل، بالاتفاق، ولخبر عائشة، رواه مسلم، ولخبر أنس: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي حتى يفطر، ولو على شربةٍ من ماء. رواه ابن عبد البر، وقد يستثنى ما لو أقيمت الجماعة، وكان بحيث لو أفطر على نحو تمر، بقي بين أسنانه، ولو اشتغل به فاتته الجماعة، أو فضيلة الإحرام مع الإمام، ما لم يكن بحضرة طعام.стр. 1559
وتحصل فضيلته بشرب، وكمالها بأَكل (١) ويكون (على رطب) (٢) لحديث أنس: كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات، قبل أن يصلي، فإن لم تكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات، حسا حسوات من ماء. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن غريب (٣) . الحواشي
(١) أي وتحصل فضيلة الفطر بشرب، لقوله «ولو أن يجرع جرعة من ماء» وكمال الفضيلة بأكل، من أي نوع من المأكولات.(٢) أي ويسن أن يكون الفطور على رطب، نضيج البسر قبل أن ييبس، جمع «رطبة» بضم ففتح.(٣) أي قال الترمذي: حسن باعتبار سنده، غريب باعتبار كونه من طريق واحد، ويجوز تشديد النون من «تكن» وتخفيفها، فالتشديد على معنى: فإن لم يكنَّ رطبات. والتخفيف على معنى: فإن لم يكن رطب. واستظهر التشديد ابن نصر الله وغيره، وفيه سنية تعجيل الفطور، وأنه على رطب، قدمه على اليابس، فيقدم عليه إن وجد، فإن لم يوجد فيفطر على تمرات، ولفظ الطبراني: وإذا لم يكن رطب، لم يصل حتى يأتيه بتمر وماء. لأن التمر حلو، وكل حلو يقوي البصر، وله وصححه «إذا أفطر أحدكم، فليفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء فإنه طهور» ولو كان بمكة، لأنه ﷺ صام بمكة عام الفتح أيامًا من رمضان، ولم ينقل عنه في ذلك ما يخالف عادته المستقرة، من تقديم التمر، وفي معنى الرطب والتمر كل حلو لم تمسه النار، لأنه يرد للبصر ما زاغ منه بالصوم «وحسا حسوات» أي شرب شربات من ماء.
وقال ابن القيم: هذا من كمال شفقته ﷺ على أمته، ونصحه
لهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو، مع خلو المعدة، أدعى إلى قبوله، وانتفاع القوى به، لا سيما القوى الباصرة، فإنها تقوى به، وأما الماء، فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإن رطبت بالماء، كمل انتفاعها بالغذاء وبعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية، التي لها تأثير في صلاح القلب، لا يعلمها إلا أطباء القلوب.стр. 1560
(فإن عدم) الرطب (فتمر (١) فإن عدم فـ) على (ماء) لما تقدم (٢) (وقول ما ورد) عند فطره (٣) ومنه «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبل مني، إنك أنت السميع العليم» (٤) . الحواشي
(١) أي فإن عدم الرطب، أفطر على تمر، وهو يابسه.(٢) من قوله: وتحصل فضيلته بشرب. وقوله في حديث أنس: فإن لم تكن تمرات، حسا حسوات من ماء. وفي صحيح مسلم «فاجدح لنا» وهو خلط السويق بالماء، فنزل فجدح له، فشرب، وروي عن جماعة من الصحابة آثار تدل على أن الإفطار بما ذكر سنة.(٣) فإن للصائم دعوة لا ترد، كما في الحديث «للصائم عند فطره دعوة لا ترد» رواه ابن ماجه، وللترمذي وحسنه «ثلاثة لا ترد دعوتهم» منهم «الصائم حتى يفطر» .(٤) رواه الدارقطني وغيره من حديث أنس، وابن عباس، وأوله «إذا أفطر أحدكم، فليقل» فدل على أنه قبل الفطر، وعن ابن عمر: اللهم إني أسألك رحمتك التي وسعت كل شيء، أن تغفر لي ذنوبي. وإن شاء قال بعد «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» : فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت،
اللهم إنك عفو، تحب العفو، فاعف عني. ويستحب تفطير الصائم، لحديث «من فطر صائمًا فله مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء» رواه الترمذي وغيره وصححه، قال الشيخ: المراد أن يشبعه.стр. 1561
(ويستحب القضاء) أي: قضاء رمضان، فورًا (متتابعًا) (١) لأن القضاء يحكي الأداء (٢) وسواء أفطر بسبب محرم، أو لا (٣) وإن لم يقض على الفور، وجب العزم عليه (٤) . الحواشي
(١) وفاقًا، مسارعة لبراءة ذمته، ولا بأس أن يفرقه وفاقًا، وقاله البخاري عن ابن عباس، لقوله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وعن ابن عمر مرفوعًا «قضاء رمضان إن شاء فرق، وإن شاء تابع» رواه الدارقطني، وعن محمد بن المنكدر قال: بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء رمضان، قال «ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحد دين، فقضاه الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضى؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر» رواه الدارقطني، وحسن إسناده، ولأنه لا يتعلق بزمان معين، فلم يجب فيه التتابع، كالنذر المطلق. إلا إذا لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليه، فيجب التتابع إجماعًا، لضيق الوقت، كأداء رمضان، في حق من لا عذر له، ولا يكره في عشر ذي الحجة، لأنها أيام عبادة، كعشر المحرم، ,واستحبه ابن عمر، ويقدم رمضان على نذر لا يخاف فوته، لتأكد القضاء، فإن خاف فوت النذر قدمه، ومن فاته رمضان، قضاه عدد أيامه، تامًا كان، أو ناقصًا إجماعًا.(٢) أي يساويه، وفيه خروج من الخلاف.(٣) أي أو أفطر بسبب غير محرم، يستحب القضاء على الفور متتابعًا.(٤) قال النووي: الصحيح عند محققي الفقهاء وأهل الأصول فيه، وفي كل واجب موسع، أنه يجوز تأخيره، بشرط العزم عليه، وأجاز جماعة من الصحابة وغيرهم الأمرين، وقال المجد: يجوز تأخير قضاء رمضان بلا عذر، ما لم يدرك
رمضان ثان، ولا نعلم فيه خلافًا. وكذا ذكر غير واحد، مذهب الأئمة، وجماهير السلف والخلف، أن القضاء يجب على التراخي، ولا يشترط المبادرة به في أول الإمكان، وتقدم قول الشيخ: إنه لا يأثم بتأخير قضاء رمضان ولو مات، لأنه وقت موسع.стр. 1562
(ولا يجوز) تأخير قضائه (إلى رمضان آخر، من غير عذر) (١) لقول عائشة: كان يكون على الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، لمكان رسول الله ﷺ . متفق عليه (٢) فلا يجوز التطوع قبله، ولا يصح (٣) . الحواشي
(١) نص عليه وفاقًا، «ورمضان آخر» مصروف، لأنه نكرة، لوصفه بـ «آخر» وكذا كل معرفة وصفت بـ «آخر» فإنها تنكر.(٢) أي من كونها مهيئة نفسها له ﷺ ، متربصة لاستمتاعه في جميع أوقاتها، إن أراد ذلك، وهذا من الأدب، ولا ريب في إطلاعه على ذلك، واتفق أهل العلم أنها لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر، إلا بإذنه، وإنما كانت تصومه في شعبان، لأن النبي ﷺ كان يصوم معظم شعبان، فلا حاجة له فيها حينئذ في النهار، ولأنه إذا جاء شعبان، يضيق قضاء رمضان، فلا يجوز تأخيره عنه.(٣) نص عليه لخبر «من أدرك رمضان، وعليه من رمضان شيء لم يقضه، لم يتقبل منه صومه» لكن قال الموفق وغيره: متروك. ونقل حنبل: لا يجوز، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه. ولأن المبادرة إلى إبراء الذمة، من أكبر العمل الصالح، وعنه: يجوز، ويصح وفاقًا، وصوبه في تصحيح الفروع وغيره، للعموم، وكالتطوع بصلاة في وقت فرض متسع قبل فعله، فالأوجه أن يصوم العشر ونحوها تطوعًا وقضاء، والتطوع أفضل، كالسنن الراتبة، في أول وقت الصلاة، واستظهر صاحب التنقيح وغيره الجواز مع سعة الوقت، وصححه في تصحيح الفروع.стр. 1563
(فإن فعل) أي: أَخره بلا عذر، حرم عليه (١) وحينئذ (فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم) (٢) ما يجزئ في كفارة، رواه سعيد، بإسناد جيد، عن ابن عباس (٣) والدارقطني بإسناد صحيح، عن أبي هريرة (٤) وإن كان لعذر، فلا شيء عليه (٥) . الحواشي
(١) لأن مقتضاه وجوب القضاء على الفور، وكما لا تؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية، خولف في المعذور، فيبقى ما عداه على الأصل.(٢) وجوبًا، وفاقًا، لمالك والشافعي، وقال الوزير: أجمعوا أنه إن أخره لغير عذر يقضي، وعليه الفدية. وقال الشيخ: إن ترك الأداء لغير عذر وجبت، وإلا فلا.(٣) ولفظه: فإذا قضى أطعم.(٤) ورواه مرفوعًا من حديث أبي هريرة، لكن فيه ضعف، وروي نحوه عن ابن عمر، وذكره غيره عن جماعة من الصحابة، وقال يحيى بن أكثم: لا أعلم لهم مخالفًا. والمجزئ من البرمُدُّ، ومن غيره مُدَّانِ، ويجوز قبل القضاء وبعده، وقال المجد: الأفضل عندنا تقديمه، مسارعة إلى الخير، وتخلصًا من آفات التأخير.(٥) أي وإن كان التأخير إلى رمضان آخر لعذر، كمرض، أو سفر، أو ضيق وقت، ونحو ذلك فيقضي فقط، بلا إطعام وفاقًا، ومن دام عذره بين الرمضانين، ثم زال، صام الرمضان الذي أدركه، ثم قضى ما فاته، ولا إطعام وفاقًا.стр. 1564
(وإن مات) بعد أَن أَخره لعذر، فلا شيء عليه (١) ولغير عذر أَطعم عنه، لكل يوم مسكين، كما تقدم (٢) (ولو بعد رمضان آخر) (٣) لأَنه بإخراج كفارة واحدة زال تفريطه (٤) والإطعام من رأس ماله، أَوصى به أو لا (٥) . الحواشي
(١) أي لا شيء عليه، وذكره النووي اتفاق أهل العلم، ولو مضى عليه أحوال، لأنه حق لله تعالى، وجب بالشرع، ومات من وجب عليه، قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل، كالحج، وأما الحي، فتسقط الكفارة، دون القضاء، لإمكانه.(٢) أي من خبر ابن عباس، وأبي هريرة، ولفظ أبي داود: قال ابن عباس: إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليه، وللترمذي عن ابن عمر مرفوعًا «من مات وعليه صيام شهر رمضان، فليطعم عنه كل يوم مسكين» وقال: الصحيح أنه موقوف، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقال ابن القيم – في قول ابن عباس: يطعم عن الفرض، ويقضى عن النذر -: هذا أعدل الأقوال، وعليه يدل كلام الصحابة، وبه يزول الإشكال.(٣) فأكثر، لم يلزمه لكل سنة فدية.(٤) بالتأخير، أشبه ما لو مات من غير تفريط، ولأنه إنما لزمه للتأخير عن وقته، وكثرة التأخير لا يزاد بها الواجب، كما لو أخر الحج لسبب، لم يكن عليه أكثر من فعله.(٥) أي أو لم يوص به، يخرج من رأس ماله، كسائر الديون.стр. 1565
وإن مات وعليه صوم كفارة، أطعم عنه، كصوم متعة (١) و لا يقضى عنه ما وجب بأَصل الشرع، من صلاة وصوم (٢) . الحواشي
(١) أي أطعم عنه لكل يوم مسكين، كما يطعم عنه فيما إذا مات وعليه صوم متعة حج، ولا يجزئ صوم كفارة عن ميت، وإن أوصى به، وفاقًا.(٢) لأنه لا تدخله النيابة في الحياة، فكذا بعد الموت، وكذا الاعتكاف، ولا فدية، لعدم ورود ذلك، ونقل جميع الإجماع، والمراد إجماع الأكثر، والنسائي وغيره «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه» وعن ابن عمر نحوه، رواه عبد الرزاق، قال مالك: ولم أسمع عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين أمر بصوم، أو صلاة عن أحد، ونقل الجماعة: لا تفعل عنه. وفاقًا، وأجمعوا على أن الصلاة المفروضة، من الفروض التي لا تصح فيها النيابة، بنفس، ولا مال، لأنها عبادة بدنية، محضة، لا يخلفها مال، ولا يجب بإفسادها، ونقل القاضي وغيره الإجماع على أنه لا يصلى عنه صلاة فائتة، وأنه لا يصام عن أحد في حياته.
وقال ابن القيم: يصام عنه النذر، دون الفرض الأصلي، وهذا مذهب أحمد وغيره، والمنصوص عن ابن عباس، وعائشة؛ ولا تعارض بين روايتهما ورأيهما، وبهذا يظهر اتفاق الروايات، وموافقة فتاوى الصحابة، وهو مقتضى الدليل والقياس، لأن النذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدين، ولهذا شبهه النبي ﷺ بالدين، وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء، فهو أحد أركان الإسلام، فلا تدخله النيابة بحال، كما لا تدخل الصلاة والشهادتين، فإن المقصود منهما طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحق العبودية التي خلق لها، وأمر بها، وهذا لا يؤديه عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره، وهكذا من ترك الحج عمدًا، مع القدرة عليه حتى
مات، أو ترك الزكاة، فلم يخرجها حتى مات، فإن مقتضى الدليل، وقواعد الشرع إن فعلها عنه أحد بعد الموت، لا يبرئ ذمته، ولا تقبل منه، والحق أحق أن يتبع.
وقال الشيخ: يطعم عنه كل يوم مسكين، وبذلك أخذ أحمد وإسحاق، وغيرهما، وهذا مقتضى النظر، كما هو موجب الأثر، فإن النذر كان ثابتًا في الذمة، فيفعل عنه بعد الموت، وأما صوم رمضان، فإن الله لم يوجبه على عاجز عنه، بل أمر العاجز بالفدية، طعام مسكين، والقضاء إنما يجب على من قدر عليه، لا على من عجز عنه، فلا يحتاج أن يقضي أحد عن أحد، وأما الصوم وغيره من المنذورات، فيفعل عنه بلا خلاف، للأحاديث الصحيحة، والواجب بالشرع، أيسر من الواجب بالنذر. وقال: وأما الصلاة فلا يصلي أحد عن أحد، ولكن إذا صلى عن الميت أحد أبويه تطوعًا، وأهداه له، أو صام عنه تطوعًا، وأهداه له، نفعه ذلك. وقال في حديث «من مات وعليه صوم، صام عنه وليه» إنه إن تبرع بصوم عمن لا يطيقه، لكبر ونحوه، أو عن ميت، وهما معسران، يتوجه جوازه، لأنه أقرب إلى المماثلة من المال.стр. 1566
(وإن مات وعليه صوم) نذر (١) (أو حج) نذر (٢) . الحواشي
(١) استحب لوليه قضاء نذر الصوم عنه، نص عليه، وعليه الأصحاب، وتقدمت الأدلة عليه، مع ما يأتي، قال الموفق: ولا إطعام فيه بعد الموت، بخلاف رمضان، وقال هو والشيخ وغيرهما: ولا كفارة مع الصوم عنه، ولا إطعام.(٢) استحب لوليه حج النذر عنه، وهو مذهب الشافعي، لصريح خبر ابن عباس فيمن نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت؛ أفأحج عنها؟ قال «نعم، حجي عنها» رواه البخاري وغيره، من غير وجه، قال في الفروع: ومن اعتذر عن ترك القول بذلك هنا، أو في الصوم، باضطراب الأخبار، فهو عذر باطل، لصحة ذلك عن أئمة الحديث.стр. 1567
(أو اعتكاف) نذر (١) (أو صلاة نذر، استحب لوليه قضاؤه) (٢) لما في الصحيحين: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أُمي ماتت وعليها صوم نذر، أَفأَصوم عنها؟، قال «نعم» (٣) ولأن النيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها، وهو أخف حكمًا من الواجب بأصل الشرع (٤) والولي: هو الوارث (٥) . الحواشي
(١) استحب لوليه الاعتكاف عنه، نقله الجماعة، وهو قول الشافعي، وقال سعد بن عبادة للنبي ﷺ : إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه. فقال «اقضه عنها» رواه أبو داود، والنسائي، بسند صحيح، ومعناه في الصحيحين، ولأنه يروى عن عائشة، وابن عباس، وابن عمر، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة.(٢) نص عليه، وعليه الأصحاب.(٣) أي صومي عنها، وفيه: فقال «أفرأيت لو كان على أمك دين، فقضيتيه عنها، أكان ذلك يؤدي عنها؟» قالت: نعم. قال «فصومي عن أمك» وفي الباب أحاديث أخر.(٤) أي والنذر أخف من الواجب بأصل الشرع في الحكم، لكونه لم يجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه الناذر على نفسه، فصحت النيابة فيه.(٥) فإن لم يخلف الناذر ونحوه تركة، لم يلزم الولي شيء اتفاقًا، لكن يسن فعله عنه، لتفرغ ذمته، كقضاء دينه، قال النووي وغيره: الولي القريب، عصبة أو نسبًا، وارثًا، أو غير وارث.стр. 1568
فإن صام غيره جاز مطلقًا، لأنه تبرع (١) وإن خلف تركة وجب الفعل (٢) فيفعله الولي، أو يدفع إلى من يفعله عنه (٣) ويدفع في الصوم عن كل يوم مسكين (٤) وهذا كله فيمن أَمكنه صوم ما نذره فلم يصمه (٥) . الحواشي
(١) أي وإن صام عن الميت – الذي وجب عليه النذر – غير ولي الميت، جاز مطلقًا، بإذن الولي والورثة وعدمه، لأن ذلك الصيام من الأجنبي تبرع، فجاز منه، كقضاء الدين، لأنه ﵊ شبهه بالدين.(٢) أي فعل النذر على ما تقدم، وكقضاء الدين.(٣) أي يفعل الولي ذلك النذر، وكذا حجة الإسلام، بنفسه استحبابًا، أو يدفع من تركته إلى من يفعل عنه ذلك، ويجوز أن يحج عنه بإذن وليه، بلا نزاع، وبدونه على الصحيح من المذهب، ويجزئ صوم جماعة عنه في يوم واحد، عن عدتهم من الأيام، إلا فيما يشترط فيه التتابع، فلا تصح النيابة إلا من واحد، لا من جماعة، اختاره المجد، والنووي، واستظهره في الفروع، وصححه في تصحيحها.(٤) أي فإن لم يفعل الولي، فعليه أن يدفع في الصوم، عن كل يوم طعام مسكين، لأنه فدية الصوم، ولا كفارة مع الصوم عنه، أو الإطعام، وكذا اختار الشيخ وغيره أن الصوم عنه بدل، يجزئ بلا كفارة.(٥) أي كل ما تقدم لا يلزم إلا في حق شخص أمكنه صوم ما نذره، بأن مضى ما يتسع لفعله قبل موته فلم يصمه، فيفعل عنه، لثبوته في ذمته، كقضاء دينه من تركته.стр. 1569
فلو أمكنه بعضه قضي ذلك البعض فقط (١) والعمرة في ذلك كالحج (٢) . الحواشي
(١) أي دون البعض الآخر، كمن نذر صوم شهر، ومات قبل ثلاثين يومًا، فيصام عنه ما مضى منه، دون الباقي، لأنه لم يثبت في ذمته، بخلاف المقدار الذي أدركه، فإنه يثبت في ذمته، وإن كان مريضًا، لأن المرض لا ينافي ثبوت الصوم في ذمته، بدليل وجوب قضاء رمضان مع المرض ونحوه، وكذا لو نذر صوم شهر معين، فمات في أثنائه، فعل عنه ما مضى من الشهر، إذا لم يفعله لمرض ونحوه، وكذا لو مات وعليه حج منذور، فعل عنه، ولو لم يمكنه فعله في حياته، لجواز النيابة فيه حال الحياة، فبعد الموت أولى، ومن مات قبل دخول شهر نذر صومه، لم يصم، ولم يقض عنه، قال المجد: هذا مذهب سائر الأئمة، ولا أعلم فيه خلافًا.(٢) أي العمرة، في أنها تلزم بالنذر، كالحج في لزومه، لكن لا يعتبر تمكنه في حياته، على الصحيح من المذهب، ومن مات عليه صوم من كفارة، أو متعة، أو قران، ونحوه، أطعم عنه من رأس ماله.стр. 1570
باب صوم التطوع (١)
وفيه فضل عظيم (٢) لحديث «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة، ضعف، فيقول الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به» (٣) . الحواشي
(١) وما نهي عن صومه، وذكر ليلة القدر، وما يتعلق بذلك، «وتطوع بالشيء» تبرع به، وتقدم.(٢) كما دلت عليه الآيات والأحاديث، وقال أحمد: الصوم أفضل ما تطوع به.(٣) فإنه أحب العبادات إليه، ولا ينحصر تضعيفه، ومن الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وخصه تعالى بإضافته إليه، قال «يدع طعامه، وشرابه من أجلي» وله من الفضائل والمثوبة، ما لا يحصيه إلا الله، لأنه سر بين الله وبين عبده، لا يطلع عليه سواه، فلا يكون العبد صائمًا حقيقة، إلا وهو مخلص في الطاعة، وقيل: لأنه لا يدخله الرياء، وقيل: جميع العبادات، عبد المشركون بها آلهتهم، إلا الصوم. فلذلك قال الله تعالى «إلا الصوم فإنه لي» لأنه يدع طعامه، وشرابه، وشهواته، من أجل ربه في صورة من لا حاجة له في الدنيا إلا رضى الله «وأنا أجزي به» لأنه لم يشاركني فيه أحد، ولا عبد به غيري، لأنه ليس يظهر من ابن آدم بلسانه، ولا يفعل فتكتبه الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن حركة المطعم، والمشرب، والجماع، فأنا أتولى الجزاء عليه بنفسي، على قدر اختصاصه بي، فدل على عظم فضل الصوم، والحث عليه، وكثرة ثوابه، لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء، اقتضى عظم قدر الجزاء، وسعة العطاء.стр. 1571
وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم (١) (يسن صيام) ثلاثة أيام من كل شهر (٢) والأفضل أن يجعلها (أيام) الليالي (البيض) (٣) لما روى أبو ذر أن النبي ﷺ قال له «إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر» رواه الترمذي وحسنه (٤) . الحواشي
(١) كبيت الله، وما أضيف إليه تعالى، كان أشرف وأعظم.(٢) وفاقًا، وفي الشرح والمبدع وغيرهما: بغير خلاف نعلمه. ويحصل له بصيامها أجر صوم الدهر، الحسنة بعشر أمثالها، من غير حصول ما في صوم الدهر من المشقة، لما في الصحيحين أنه قال لعبد الله بن عمرو «صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر» قال الشيخ: مراده أن من فعل، هذا، حصل له أجر صيام الدهر، بتضعيف الأجر. ولمسلم «يصوم من كل شهر ثلاثة أيام» وللبخاري من حديث أبي هريرة «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر» الحديث. ولأبي داود، والنسائي وغيرهما «ثلاثة من كل شهر أول اثنين وخميسين» ولمسلم «ما يبالي من أي الشهر صام» فيحصل أصل السنة بصوم ثلاثة من أيام الشهر.(٣) وهو قول أكثر أهل العلم، وحكاه الوزير اتفاقًا، وفي الإنصاف: بلا نزاع. ويشير بأن «البيض» صفة لمضاف محذوف، أقيم مقام موصوفها، وفي الإنصاف كغيره، ما يشير إلى أن الإضافة بيانية، وهي الليالي التي لياليهن مقمرة، وهي ليلة البدر، وما قبلها وما بعدها، خصت لتعميم لياليها بالنور المناسب للعبادة، والشكر على ذلك.(٤) ورواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم، من طرق
متعددة، وفي رواية «هو كصوم الدهر» وللنسائي بسند صحيح «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، صيام الدهر، أيام البيض» وقيل: من داوم على صيامها، لم يعتل. لأن الفضلات تهيج في البدن في كل شهر، وهذه الليالي أشد، لقوة القمر، والصوم يذهب فضلات البدن، فمن صامها سلم.стр. 1572
وسميت بيضًا لبياض (*) لياليها كلها بالقمر (١) (و) يسن صوم (الاثنين والخميس) (٢) لقوله ﷺ «هما يومان تعرض فيهما الأَعمال، على رب العالمين, وأُحب أَن يعرض عملي وأنا صائم» رواه أحمد والنسائي (٣) . الحواشي
(١) وهو قول أكثر أهل اللغة والحديث، وذكر أبو الحسين التميمي: أن الله تاب فيها على آدم، وبيض صحيفته. والثلاثة الأولى من الشهر تسمى: الغرر، والتي تليها النفل، والتي تليها التسع، والتي تليها العشر، والتي تليها البيض، والتي تليها الدرع، والتي تليها الظلم، والتي تليها الحنادس، والتي تليها الدآدي، والتي تليها المحاق، ونظمها بعضهم فقال:
الشهر لياليه قسم ... فلكل ثلاث خص سُمُ
منها غرر ونفل وتسع ... عشر بيض درع ظلم
فحنادسها فدآدؤها ... فمحاق ثم فتختتم(٢) بغير خلافة، «والاثنين» بهمزة الوصل، سمي بذلك لأنه ثاني الأسبوع، ولا يثنى، لأنه مثنى، وجمعه أثانين، «والخميس» لأنه خامس الأسبوع، وجمعه: أخمساء وأخمسة.(٣) ولفظ أبي داود: وكان يصومهما فسئل عن ذلك، فقال: «إن أعمال الناس
ــ
(*) وفي نسخة: لا بيضاض.
تعرض يوم الاثنين، والخميس» ، وقال له رجل: أرأيت الاثنين؟، قال «فيه ولدت، وفيه أنزل علي القرآن» ، رواه مسلم. فينبغي تعظيمهما بصومهما، والتقرب إلى الله بالعبادة فيهما، شكرًا لله.стр. 1573
(و) صوم (ست من شوال) (١) لحديث «من صام رمضان، وأَتبعه بست من شوال، فكأنما صام الدهر» أخرجه مسلم (٢) . الحواشي
(١) قال الموفق: بغير خلاف. وقال النووي وغيره: وكرهه مالك وغيره، وعللوه بأنه ربما ظن وجوبها، وهو باطل، في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة، ولا تترك السنة لترك بعض الناس، أو أكثرهم أو كلهم لها، ويلزم ذلك في سائر أنواع الصوم وغيره، المرغب فيه، ولا قائل به. اهـ. وصائمها مع رمضان كأنما صام الدهر.
وسمي «شوال» من: شالت الإبل بأذنابها للطراق، «وست» أصله «سدس» لأن تصغيره سديسة، وجمعها أسداس، وورد في الحديث الصحيح هكذا بغير تاء، والمراد الأيام لأن العرب تغلب في التأريخ الليالي على الأيام، ويحتمل أنه على حذف مضافين، التقدير: «وأتبعه بصيام أيام ست ليال» .(٢) ورواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، من ثلاثة أوجه، حتى قيل إنه متواتر، وروى سعيد عن ثوبان مرفوعًا «من صام رمضان، شهر بعشرة، وصام ستة أيام بعد الفطر، وذلك سنة» يعني أن الحسنة بعشر أمثالها، فذلك سنة كاملة، كما جاء مفسرًا في رواية، سندها حسن «صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام من شوال بشهرين، فذلك صيام السنة» أي مثل صيامها، والمراد التشبيه في حصول العبادة به، على وجه لا مشقة فيه، وإنما كره صوم الدهر، لما فيه من الضعف، والتشبه بالتبتل، ولولا ذلك لكان فيه فضل عظيم، لاستغراق الزمان بالطاعة والعبادة.стр. 1574
ويستحب تتابعها (١) وكونها عقب العيد، لما فيه من المسارعة إلى الخير (٢) (و) صوم (شهر المحرم) (٣) لحديث «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» رواه مسلم (٤) . الحواشي
(١) أي صوم ستة الأيام من شوال متتابعة، وهو ظاهر الخرقي وغيره، قال في الفروع: ويحصل فضلها متتابعة ومتفرقة، ذكره جماعة، وهو ظاهر كلام أحمد، وقال: في أول الشهر وآخره. واختاره الشيخ وغيره، لظاهر الخبر، وذكره قول الجمهور، وذكر بعض أهل العلم أنها تحصل الفضيلة بصومها في غير شوال، كما في خبر ثوبان، وغيره «وصام ستة أيام بعد الفطر» ولعل تقييده بشوال، لسهولة الصوم فيه لاعتياده.(٢) واستحبه الشافعي وغيره، واستظهره في الفروع، وقال: ولعله مراد أحمد والأصحاب. قال الشيخ: وسمى بعض الناس الثامن عيد الأبرار، ولا يجوز اعتقاده عيدًا، فإنه ليس بعيد إجماعًا، ولا شعائره شعائر العيد.(٣) وهو أفضل الصيام بعد شهر رمضان، وهو أول شهور العام، وسمي المحرم، لكونه شهرًا محرمًا، تصريحًا بفضله، وتأكيدًا لتحريمه، لأن العرب كانت تتقلب فيه، فتحله عامًا، وتحرمه عامًا.(٤) من حديث أبي هريرة، ورواه أهل السنن وغيرهم، أي: أفضل شهر تطوع به كاملاً، بعد شهر رمضان، شهر الله المحرم، لأن بعض التطوع قد يكون أفضل من أيامه، كعرفة، وعشر ذي الحجة، فالتطوع المطلق، أفضله المحرم، كما أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، ولم يكن ﷺ يكثر فيه الصوم، إما لعذر، أو لم يعلم فضله إلا أخيرًا، وإضافته إلى الله تعالى تفخيمًا وتعظيمًا، كقولهم: بيت الله. قال بعض الفقهاء: وهو أفضل الأشهر، يعني بعد رمضان.стр. 1575
(وآكده العاشر، ثم التاسع) (١) لقوله ﷺ «لئن بقيت إلى قابل لأَصومن التاسع والعاشر» احتج به أحمد (٢) وقال: إن اشتبه عليه أول الشهر، صام ثلاثة الحواشي
(١) وعبارة غيره: وأفضله العاشر. وسمي عاشوراء، بالمد في الأشهر، وهو اسم إسلامي، لا يعرف في الجاهلية, وهو العاشر من المحرم، رواه الترمذي مرفوعًا وصححه، وأجمعوا على سنية صيام عاشوراء، وأنه ليس بواجب، وقال القاضي: حصل الإجماع على أنه ليس بفرض، وإنما هو مستحب، وعن أحمد: وجب ثم نسخ، اختاره الموفق، والشارح، والشيخ، وغيرهم، وفاقًا لأبي حنيفة، وبقي استحبابه إجماعًا، والأخبار فيه مستفيضة، أو متواترة.
وسئل بن عباس عن صيامه فقال: ما صام رسول الله ﷺ يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهرًا إلا هذا الشهر. يعني رمضان، رواه مسلم.(٢) ورواه هو، والخلال, وغيرهما: بإسناد جيد عن ابن عباس، ولفظ مسلم عنه «لئن بقيت إلى عام المقبل، لأصومن التاسع» وفي رواية «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله، صمت اليوم التاسع» واستحب جمهور العلماء: الجمع بينهما، لأنه ﷺ ، صام العاشر، ونوى صيام التاسع، وهما أفضل الشهر، وقال بعض أهل العلم: لعل السبب في صوم التاسع مع العاشر، أن لا يتشبه باليهود. وفي الحديث إشارة إليه، ولأحمد بسند ضعيف «صوموا يومًا قبله، ويومًا بعده» والمذهب كراهة إفراده، قال الشيخ: وهو مقتضى كلام أحمد، وقول ابن عباس ﵄، وقال في موضع: لا يكره إفراده بالصوم، مع مبالغته في مخالفة المشركين.стр. 1576
أيام ليتيقن صومهما (١) وصوم عاشوراء كفارة سنة (٢) ، ويسن فيه التوسعة على العيال (٣) . الحواشي
(١) أي التاسع والعاشر، وليس من صوم الشك المنهي عنه في شيء، فإن صوم الشك المنهي عنه، في أول رمضان، ومتى شك في أول الشهر، فليعتبر القمر ليلة اثني عشر، فإن غاب مع الفجر فذاك، أو تقدم عليه بنحو عشر درج، فهو ليلة أحد عشر.(٢) أي ماضية، للحديث الآتي، «إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» .(٣) وسأل ابن منصور أحمد عنه فقال: نعم، رواه سفيان، عن ابن المنتشر – وكان أفضل أهل زمانه – أنه بلغه «من وسع على عياله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر سنته» وقال أحمد، أيضًا: لا أصل له، وليس له إسناد ثابت. وقال الشيخ: موضوع، مكذوب على النبي ﷺ . وقال – فيما نقل عن سفيان بن عيينة، أنه قال: جربناه منذ ستين عامًا، فوجدناه صحيحًا -: إنه لا حجة فيه، فإن الله أنعم عليه برزقه، وليس في إنعام الله بذلك أن سبب ذلك كان التوسيع يوم عاشوراء، وقد وسع الله على من هم أفضل الخلق من المهاجرين والأنصار، ولم يكونوا يقصدون أن يوسعوا على أهليهم يوم عاشوراء بخصوصه، وذكر أنه لا يتبع أحد في شيء، إلا أن يكون موافقًا لأمر الله ورسوله، وأن لا تعبد إلا بما شرع.
وقال: ما يفعل من الكحل، والاغتسال، والحنا، والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك، لم يرد في ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة، بل من البدع التي لم يسنها رسول الله ﷺ ، ولا خلفاؤه، وإن كان يورد بعض أتباع الأئمة فيها آثارًا، ويقولون: إن بعض ذلك صحيح. فهم مخطئون، غالطون بلا ريب، عند أهل المعرفة بحقائق الأمور. وقال: وقوم يستحبون الاكتحال، والاغتسال، والتوسعة على العيال، واتخاذ أطعمة غير معتادة، وهو بدعة، وأصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين ﵁، «وكل بدعة ضلالة» ولم يستحب ذلك أحد من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولا عند من استحب ذلك حجة شرعية، بل المستحب يوم عاشوراء الصيام، عند جمهور أهل العلم.стр. 1577
(و) صوم (تسع ذي الحجة) (١) لقوله ﵇ «ما من أَيام العمل الصالح فيهن، أَحب إلى الله من هذه الأَيام العشر» قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل؟ قال «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء» رواه البخاري (٢) . الحواشي
(١) أي ويسن صوم تسع ذي الحجة، وهو قول جمهور أهل العلم، وقال في الإنصاف: بلا نزاع. واتفقوا على فضلهن «وذي الحجة» - بكسر الحاء وتفتح – الشهر الثاني عشر من السنة، سمي بذلك لأن الحج فيه.(٢) وأهل السنن وغيرهم، والمراد بالعشر ههنا: الأيام التسعة من أول ذي الحجة، وللنسائي وغيره: كان يصوم تسع ذي الحجة. وللبيهقي عن ابن عباس «صيام يوم منها يعدل صيام سنة» وفي لفظ «ما العمل الصالح في أيام، أفضل منه في هذه العشر» فدل على أن العمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها، ومن العمل فيها صيامها، وفي رواية القاسم بن أبي أيوب «ما من عمل أزكى عند الله،
ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى» ، وأيام ذي الحجة أفضل الأيام، وليالي العشر أفضل الليالي، وقد يقال: مجموع عشر ذي الحجة، أفضل من مجموع العشر الأخير.
قال الشيخ: وهو الأظهر. وهن الأيام المعلومات، في قول أكثر أهل العلم، وأكثر المفسرين في قوله ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ سميت بذلك للحرص على علمها بحسابها، من أجل وقت الحج في آخرها، وآخرهن يوم النحر، في قول أكثر أهل العلم، وإنما سميت التسع عشرًا من إطلاق الكل على الأكثر، لأن العاشر لا يصام، فإطلاق العشر تغليبًا، وفيه فضل الجهاد، ويأتي إن شاء الله تعالى، وقوله «إلا رجل» لأكثر رواه البخاري أي: إلا عمل رجل. وللمستملي «إلا من خرج بماله ونفسه، فلم يرجع من ذلك بشيء» أي فيكون من لم يرجع بشيء من ذلك أفضل من العامل في أيام العشر، أو مساويًا له، فدل على فضيلة أيام العشر على غيرها من السنة، وتخصيصها بهذه المزاياـ والعمل فيها لا ينحصر.стр. 1578
(و) آكده (يوم عرفة (١) لغير حاج بها) (٢) . الحواشي
(١) إجماعًا، وهو التاسع، سمي بذلك للوقوف بعرفة، وتعارفهم فيها، أو لأن جبرئيل حج بالخليل، فلما أتى عرفة قال: قد عرفت. وقيل: لتعارف آدم وحواء بها. وغير ذلك.(٢) أي فلا يستحب للحاج أن يصوم يوم عرفة بعرفة، وفاقًا لمالك والشافعي، وجمهور أهل العلم، وهو قول الصديق، والفاروق، وذي النورين، وغيرهم، وعن أبي هريرة مرفوعًا «نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة» رواه أبو داود، ولفطره بها ﷺ وهو يخطب الناس، متفق عليه، وفي خبر ابن عمر: أنه حج مع النبي ﷺ ، ثم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلم يصمه أحد منهم. وليتقوى على العبادة، والدعاء، في ذلك اليوم، وكرهه جماعة، وقال الشيخ: لأنه يوم عيد. ويشهد له ما رواه عقبة بن عامر مرفوعًا «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل، وشرب، وذكر لله» رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي، قال المجد وغيره: والمراد إلا المتمتع والقارن عدما الهدي، فيستحب أن يجعل آخر صيام الثلاثة يوم عرفة ويأتي.стр. 1579
وهو كفارة سنتين (١) لحديث «صيام يوم عرفة أَحتسب على الله أَن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده» (٢) وقال في صيام عاشوراء «إني أَحتسب على الله أَن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم (٣) . الحواشي
(١) أي صوم يوم عرفة يكفر سنتين، الماضية، والآتية، لفضله وشرفه.(٢) أي قبل وقوع المكفر، أو يلطف به بسبب صيامه، فلا يأتي بذنب، أو يوفق لما يكفره، وجعل على الضعف من عاشوراء، فقيل: لأن يوم عرفة محمدي، وعاشوراء موسوي، وأعمالنا على الضعف، ولو رأى أهل بلد هلال ذي الحجة، ولم يثبت عند الحاكم، فقال الشيخ: لهم أن يصوموا اليوم الذي هو التاسع ظاهرًا، وإن كان في الباطن العاشر، لحديث «صومكم يوم تصومون» الحديث وتقدم، وقال: وصوم اليوم الذي يشك فيه هل هو التاسع أو العاشر، جائز بلا نزاع، لأن الأصل عدم العاشر، كليلة الثلاثين من رمضان.(٣) من حديث أبي قتادة، مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وتقدم الإجماع على سنيته، ولو قال قائل: إذا كفرت الصلاة، فماذا تكفير الجمعات، ورمضان، وعاشوراء، وعرفة، ونحو ذلك؟ قيل: كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة، ولا كبيرة، كتبت به حسنات، ورفعت به درجات، وإن صادف كبيرة، أو كبائر، ولم يصادف صغيرة، رجونا أن يخفف من الكبائر، وقال النووي وغيره: المراد الصغائر للآية، فإن لم تكن رجي التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن، رفعت له به درجات. وقيل: إطلاق القول أنه يكفر، لا يوجب أن يكفر الكبائر بلا توبة لقوله إذا اجتنبت الكبائر ويأتي قول الشيخ: إن إطلاق التكفير بالعمرة، متناول الكبائر، فكذا هو الخبر ونحوه.стр. 1580
ويلي يوم عرفة في الآكدية يوم التروية، وهو اليوم الثامن (١) (وأَفضله) أَي أَفضل صوم التطوع (صوم يوم، وفطر يوم) (٢) لأمره ﵇ عبد الله بن عمرو وقال «هو أفضل الصيام» متفق عليه (٣) . الحواشي
(١) لحديث «صوم يوم التروية كفارة سنة» رواه أبو الشيخ، وابن النجار، عن ابن عباس مرفوعًا، وسمي ثامن عشر ذي الحجة يوم التروية، لكون الحاج يتروون الماء من مكة ويأتي.(٢) أي أفضل الصيام صوم يوم بين يومين، والزيادة عليه مفضولة.(٣) ولفظه «صم يومًا، وأفطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام» فقال إني أطيق أفضل من ذلك؛ فقال «لا أفضل من ذلك» وقال «لا صام من صام الأبد» مرتين وقال «لا صام ولا فطر» ونهى من يسرد الصوم، وقال «لا صوم فوق صوم داود» رفقًا بأمته، وشفقة عليهم. وإرشادًا لهم إلى مصالحهم، وحثًا لهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيًا لهم عن التعمق، والإكثار من العبادات التي يخاف عليهم الملل بسببها، أو تركها، أو ترك بعضها، كما قال «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وأحب العمل إلى الله ما داوم صاحبه عليه» وقال تعالى في أهل الرهبانية ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ .
وقال ابن مسعود – لما قيل له: إنك تقل الصيام. قال -: إني أخاف أن تضعف نفسي عن القراءة، والقرآن أحب إلي من الصيام، وقال ﵊ «إن لنفسك عليك حقًا» الحديث، ويحرم صيام الدهر إن أدخل فيه العيدين، وأيام التشريق، وإن أفطرها جاز، نص عليه، واختاره المجد وغيره؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، وذكر مالك أنه يسمع أهل العلم يقولونه، لقول حمزة بن عمرو: يا رسول الله إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» متفق عليه، ولأن أبا طلحة وغيره من الصحابة وغيرهم فعلوه، ولأن الصيام أمر مطلوب للشارع، إلا ما استثناه، وأجابوا عن حديث ابن عمرو: أنه خشية عليه، حتى تمنى أنه قبل الرخصة، ولا يبعد لو أن شخصًا لا يفوته من الأعمال الصالحة شيء بالصيام أصلاً، ولا يصوم يومي العيدين، وأيام التشريق، ولا يفوته حق من الحقوق التي خوطب بها، أن يكون أفضل في حقه، وظاهر مجموع النصوص أنه يختلف باختلاف الأحوال.следующие страницы →