Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
أيام ليتيقن صومهما (١) وصوم عاشوراء كفارة سنة (٢) ، ويسن فيه التوسعة على العيال (٣) . الحواشي
(١) أي التاسع والعاشر، وليس من صوم الشك المنهي عنه في شيء، فإن صوم الشك المنهي عنه، في أول رمضان، ومتى شك في أول الشهر، فليعتبر القمر ليلة اثني عشر، فإن غاب مع الفجر فذاك، أو تقدم عليه بنحو عشر درج، فهو ليلة أحد عشر.(٢) أي ماضية، للحديث الآتي، «إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» .(٣) وسأل ابن منصور أحمد عنه فقال: نعم، رواه سفيان، عن ابن المنتشر – وكان أفضل أهل زمانه – أنه بلغه «من وسع على عياله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر سنته» وقال أحمد، أيضًا: لا أصل له، وليس له إسناد ثابت. وقال الشيخ: موضوع، مكذوب على النبي ﷺ . وقال – فيما نقل عن سفيان بن عيينة، أنه قال: جربناه منذ ستين عامًا، فوجدناه صحيحًا -: إنه لا حجة فيه، فإن الله أنعم عليه برزقه، وليس في إنعام الله بذلك أن سبب ذلك كان التوسيع يوم عاشوراء، وقد وسع الله على من هم أفضل الخلق من المهاجرين والأنصار، ولم يكونوا يقصدون أن يوسعوا على أهليهم يوم عاشوراء بخصوصه، وذكر أنه لا يتبع أحد في شيء، إلا أن يكون موافقًا لأمر الله ورسوله، وأن لا تعبد إلا بما شرع.
وقال: ما يفعل من الكحل، والاغتسال، والحنا، والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك، لم يرد في ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة، بل من البدع التي لم يسنها رسول الله ﷺ ، ولا خلفاؤه، وإن كان يورد بعض أتباع الأئمة فيها آثارًا، ويقولون: إن بعض ذلك صحيح. فهم مخطئون، غالطون بلا ريب، عند أهل المعرفة بحقائق الأمور. وقال: وقوم يستحبون الاكتحال، والاغتسال، والتوسعة على العيال، واتخاذ أطعمة غير معتادة، وهو بدعة، وأصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين ﵁، «وكل بدعة ضلالة» ولم يستحب ذلك أحد من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولا عند من استحب ذلك حجة شرعية، بل المستحب يوم عاشوراء الصيام، عند جمهور أهل العلم.стр. 1577
(و) صوم (تسع ذي الحجة) (١) لقوله ﵇ «ما من أَيام العمل الصالح فيهن، أَحب إلى الله من هذه الأَيام العشر» قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل؟ قال «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء» رواه البخاري (٢) . الحواشي
(١) أي ويسن صوم تسع ذي الحجة، وهو قول جمهور أهل العلم، وقال في الإنصاف: بلا نزاع. واتفقوا على فضلهن «وذي الحجة» - بكسر الحاء وتفتح – الشهر الثاني عشر من السنة، سمي بذلك لأن الحج فيه.(٢) وأهل السنن وغيرهم، والمراد بالعشر ههنا: الأيام التسعة من أول ذي الحجة، وللنسائي وغيره: كان يصوم تسع ذي الحجة. وللبيهقي عن ابن عباس «صيام يوم منها يعدل صيام سنة» وفي لفظ «ما العمل الصالح في أيام، أفضل منه في هذه العشر» فدل على أن العمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها، ومن العمل فيها صيامها، وفي رواية القاسم بن أبي أيوب «ما من عمل أزكى عند الله،
ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى» ، وأيام ذي الحجة أفضل الأيام، وليالي العشر أفضل الليالي، وقد يقال: مجموع عشر ذي الحجة، أفضل من مجموع العشر الأخير.
قال الشيخ: وهو الأظهر. وهن الأيام المعلومات، في قول أكثر أهل العلم، وأكثر المفسرين في قوله ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ سميت بذلك للحرص على علمها بحسابها، من أجل وقت الحج في آخرها، وآخرهن يوم النحر، في قول أكثر أهل العلم، وإنما سميت التسع عشرًا من إطلاق الكل على الأكثر، لأن العاشر لا يصام، فإطلاق العشر تغليبًا، وفيه فضل الجهاد، ويأتي إن شاء الله تعالى، وقوله «إلا رجل» لأكثر رواه البخاري أي: إلا عمل رجل. وللمستملي «إلا من خرج بماله ونفسه، فلم يرجع من ذلك بشيء» أي فيكون من لم يرجع بشيء من ذلك أفضل من العامل في أيام العشر، أو مساويًا له، فدل على فضيلة أيام العشر على غيرها من السنة، وتخصيصها بهذه المزاياـ والعمل فيها لا ينحصر.стр. 1578
(و) آكده (يوم عرفة (١) لغير حاج بها) (٢) . الحواشي
(١) إجماعًا، وهو التاسع، سمي بذلك للوقوف بعرفة، وتعارفهم فيها، أو لأن جبرئيل حج بالخليل، فلما أتى عرفة قال: قد عرفت. وقيل: لتعارف آدم وحواء بها. وغير ذلك.(٢) أي فلا يستحب للحاج أن يصوم يوم عرفة بعرفة، وفاقًا لمالك والشافعي، وجمهور أهل العلم، وهو قول الصديق، والفاروق، وذي النورين، وغيرهم، وعن أبي هريرة مرفوعًا «نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة» رواه أبو داود، ولفطره بها ﷺ وهو يخطب الناس، متفق عليه، وفي خبر ابن عمر: أنه حج مع النبي ﷺ ، ثم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلم يصمه أحد منهم. وليتقوى على العبادة، والدعاء، في ذلك اليوم، وكرهه جماعة، وقال الشيخ: لأنه يوم عيد. ويشهد له ما رواه عقبة بن عامر مرفوعًا «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل، وشرب، وذكر لله» رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي، قال المجد وغيره: والمراد إلا المتمتع والقارن عدما الهدي، فيستحب أن يجعل آخر صيام الثلاثة يوم عرفة ويأتي.стр. 1579
وهو كفارة سنتين (١) لحديث «صيام يوم عرفة أَحتسب على الله أَن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده» (٢) وقال في صيام عاشوراء «إني أَحتسب على الله أَن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم (٣) . الحواشي
(١) أي صوم يوم عرفة يكفر سنتين، الماضية، والآتية، لفضله وشرفه.(٢) أي قبل وقوع المكفر، أو يلطف به بسبب صيامه، فلا يأتي بذنب، أو يوفق لما يكفره، وجعل على الضعف من عاشوراء، فقيل: لأن يوم عرفة محمدي، وعاشوراء موسوي، وأعمالنا على الضعف، ولو رأى أهل بلد هلال ذي الحجة، ولم يثبت عند الحاكم، فقال الشيخ: لهم أن يصوموا اليوم الذي هو التاسع ظاهرًا، وإن كان في الباطن العاشر، لحديث «صومكم يوم تصومون» الحديث وتقدم، وقال: وصوم اليوم الذي يشك فيه هل هو التاسع أو العاشر، جائز بلا نزاع، لأن الأصل عدم العاشر، كليلة الثلاثين من رمضان.(٣) من حديث أبي قتادة، مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وتقدم الإجماع على سنيته، ولو قال قائل: إذا كفرت الصلاة، فماذا تكفير الجمعات، ورمضان، وعاشوراء، وعرفة، ونحو ذلك؟ قيل: كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة، ولا كبيرة، كتبت به حسنات، ورفعت به درجات، وإن صادف كبيرة، أو كبائر، ولم يصادف صغيرة، رجونا أن يخفف من الكبائر، وقال النووي وغيره: المراد الصغائر للآية، فإن لم تكن رجي التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن، رفعت له به درجات. وقيل: إطلاق القول أنه يكفر، لا يوجب أن يكفر الكبائر بلا توبة لقوله إذا اجتنبت الكبائر ويأتي قول الشيخ: إن إطلاق التكفير بالعمرة، متناول الكبائر، فكذا هو الخبر ونحوه.стр. 1580
ويلي يوم عرفة في الآكدية يوم التروية، وهو اليوم الثامن (١) (وأَفضله) أَي أَفضل صوم التطوع (صوم يوم، وفطر يوم) (٢) لأمره ﵇ عبد الله بن عمرو وقال «هو أفضل الصيام» متفق عليه (٣) . الحواشي
(١) لحديث «صوم يوم التروية كفارة سنة» رواه أبو الشيخ، وابن النجار، عن ابن عباس مرفوعًا، وسمي ثامن عشر ذي الحجة يوم التروية، لكون الحاج يتروون الماء من مكة ويأتي.(٢) أي أفضل الصيام صوم يوم بين يومين، والزيادة عليه مفضولة.(٣) ولفظه «صم يومًا، وأفطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام» فقال إني أطيق أفضل من ذلك؛ فقال «لا أفضل من ذلك» وقال «لا صام من صام الأبد» مرتين وقال «لا صام ولا فطر» ونهى من يسرد الصوم، وقال «لا صوم فوق صوم داود» رفقًا بأمته، وشفقة عليهم. وإرشادًا لهم إلى مصالحهم، وحثًا لهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيًا لهم عن التعمق، والإكثار من العبادات التي يخاف عليهم الملل بسببها، أو تركها، أو ترك بعضها، كما قال «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وأحب العمل إلى الله ما داوم صاحبه عليه» وقال تعالى في أهل الرهبانية ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ .
وقال ابن مسعود – لما قيل له: إنك تقل الصيام. قال -: إني أخاف أن تضعف نفسي عن القراءة، والقرآن أحب إلي من الصيام، وقال ﵊ «إن لنفسك عليك حقًا» الحديث، ويحرم صيام الدهر إن أدخل فيه العيدين، وأيام التشريق، وإن أفطرها جاز، نص عليه، واختاره المجد وغيره؛ وفاقًا لمالك، والشافعي، وذكر مالك أنه يسمع أهل العلم يقولونه، لقول حمزة بن عمرو: يا رسول الله إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» متفق عليه، ولأن أبا طلحة وغيره من الصحابة وغيرهم فعلوه، ولأن الصيام أمر مطلوب للشارع، إلا ما استثناه، وأجابوا عن حديث ابن عمرو: أنه خشية عليه، حتى تمنى أنه قبل الرخصة، ولا يبعد لو أن شخصًا لا يفوته من الأعمال الصالحة شيء بالصيام أصلاً، ولا يصوم يومي العيدين، وأيام التشريق، ولا يفوته حق من الحقوق التي خوطب بها، أن يكون أفضل في حقه، وظاهر مجموع النصوص أنه يختلف باختلاف الأحوال.стр. 1581
وشرطه أن لا يضعف البدن، حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام، كالقيام بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده اللازمة (١) وإلا فتركه أفضل (٢) . الحواشي
(١) أي شرط فضيلة صوم يوم، وفطر يوم، أن لا يضعف عما هو أفضل منه، واجبًا كان أو سنة، فإن تقديم المفضول على الفاضل لا يحسن إلا في أشياء معدودة، وفي بعض الأوقات، أو الحالات.(٢) أي وإن كان يضعف البدن، حتى يعجز عما هو أفضل منه، فترك ذلك أفضل، اختاره الشيخ وغيره وقال: الصواب قول من جعله تركًا للأولى، أو كرهه، ولهذا أشار الشارع إلى ذلك، فإن من حق النفس اللطف بها، حتى توصل صاحبها إلى المنزل، ويحرم إذا دخل فيه يوما العيد، وأيام التشريق.стр. 1582
(ويكره إفراد رجب) بالصوم (١) لأَن فيه إحياء لشعار الجاهلية (٢) فإن أَفطر منه، أَو صام معه غيره، زالت الكراهة (٣) . الحواشي
(١) قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصمه متواليًا، بل يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان. وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا «نهى عن صيام رجب» قال الشيخ: وكراهية إفراد رجب، وكذا الجمعة بصوم، سدًا للذريعة اتخاذ شرع لم يأذن به الله، من تخصيص زمان، أو مكان لم يخصه الله به، كما وقع من أهل الكتاب، وسمي رجبًا من الترجيب، وهو التعظيم، لأن العرب كانت تعظمه في الجاهلية، ولا تستحل فيه القتال، ويقال له: رجب مضر. لأنهم كانوا أشد تعظيمًا له، وهو الشهر الفرد من الأشهر الحرم، وقيل: هو أفضلها، وله فضل على غيره من الأشهر التي ليست بحرم، وقيل: المحرم؛ وقيل: ذو الحجة؛ واختاره ابن رجب، وليس رجب أفضل الشهور عند الله، بل شهر رمضان أفضل منه إجماعًا، وقال الشيح: يكفر من فضل رجب على رمضان.(٢) يعني بتعظيمه، ولأحمد عن خرشة بن الحر، قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين، حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية. وله عن ابن عمر، أنه إذا رأى الناس، وما يعدونه لرجب كرهه، وقال: صوموا منه وأفطروا. وثبت عنه أنه كان يضرب فيه، ويقول: كلوا، إنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية. وقال الشيخ: وكل حديث يروى في فضل صومه، أو الصلاة فيه، فكذب باتفاق أهل العلم بالحديث. وقال: من صامه يعتقد أنه أفضل من غيره من الأشهر، أثم وعزر، وحمل عليه قول عمر.(٣) أي أفطر من رجب بعضه، أو صام شهرًا آخر معه، - قال المجد: وإن لم يله – زالت كراهة صومه. وقال الشيخ: من نذر صومه كل سنة، أفطر بعضه وقضاه. ولا يكره إفراد شهر بالصوم غير شهر رجب، قال في المبدع:
اتفاقًا؛ وقال المجد: لا نعلم فيه خلافًا؛ للأخبار، منها أنه كان يصوم شعبان ورمضان، ولم يداوم إلا على رمضان، ولم يستحب الأكثر صيام شعبان، ولم يستكمل غيره، كما ثبت عن عائشة، وغيرها، وقال: «ترفع فيه أعمال الناس، فأحب أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم» وسنده صحيح، وصومه كالراتبة مع الفرائض.стр. 1583
(و) كره إفراد يوم (الجمعة) (١) لقوله ﵇ «لا تصوموا يوم الجمعة، إلا وقبله يوم، أو بعده يوم» متفق عليه (٢) . الحواشي
(١) يعني إفراد صومه وفاقًا، إلا ما روي عن مالك، وقال النووي: السنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعين القول به، ومالك معذور، فإنه لم يبلغه، قال الداودي: لم يبلغ هذا الحديث مالكًا، ولو بلغه لم يخالفه. وفي الإنصاف: لا خلاف في كراهة إفراد الجمعة. وقال الشيخ: لا يجوز. اهـ. فإن صام الجمعة والسبت لم يكره، لحديث أبي هريرة، ويكره إفراد قيام ليلتها، باتفاق أهل العلم، حكاه النووي وغيره، وقلما كان ﷺ يفطر يوم الجمعة، واستحب قوم صيامه وقبله يوم، أو بعده يوم، وإن لم يقصده بعينه، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فإنه يصومه دون ما قبله، وما بعده، لكن في جملة أيام، أو أراد أن يصوم يوم عرفة، أو يوم عاشوراء، فكان ذلك يوم جمعة ونحوه لم يكره، قال الوزير: اتفقوا على كراهته إلا أن يوافق عادة.(٢) ولمسلم «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بيان الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصوم من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» وعن جابر مرفوعًا: نهى أن يفرد بصوم. ودخل على جويرية وهي صائمة، فقال لها «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال «أتصومين غدًا؟» قالت: لا. قال «فأفطري» رواهما
البخاري، قال النووي وغيره: والحكمة أنه يوم دعاء، وذكر، وعبادة، فاستحب الفطر فيه، ليكون أعون عليها، ولأنه عيد الأسبوع.стр. 1584
(و) كره إفراد يوم (السبت) (١) لحديث «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم» رواه أحمد (٢) . الحواشي
(١) يعني بصوم، ما لم يوافق عادة، أو يصمه عن قضاء، أو نذر، أو نحوه، مأخوذ من «السبت» وهو القطع، والسبت الراحة، سمي بذلك لانتهاء العدد عنده، وكانت العرب تسمي الأيام «أول» ثم «أهون» ثم «جبار» ثم «دبار» ثم «مؤنس» ثم «العروبة» ثم «شيار» .(٢) ورواه الترمذي وحسنه، والحاكم، وقال النووي: صححه الأئمة. ولأن اليهود تعظمه، وتخصه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، فيصير صومه تشبهًا بهم، وتخصيصه أيضًا بالإمساك عن الاشتغال والكسب، من عادتهم، فيشبه تعظيمهم ولو بالفطر، ومن ثم كره إفراد الأحد إلا لسبب، لأن النصارى تعظمه، بخلاف ما لو جمعهما بالصوم.
وقال الشيخ: حديث «لا تصوموا يوم السبت» شاذ، أو منسوخ، واختار هو وغيره أنه لا يكره صوم يوم السبت منفردًا، وأنه قول أكثر العلماء، وحملوا الحديث على الشذوذ، أو أنه منسوخ. وقال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت، أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بشر، منها حديث أم سلمة: أنه كان يصوم السبت والأحد، ويقول «هما عيدان للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم» وإسناده جيد، وصححه جماعة، فإن صام معه غيره لم يكره إجماعًا، لهذا الخبر، وخبر جويرية، وغيرهما، وسبب تعظيم اليهود يوم السبت لما كان تمام الخلق فيه، ظنت أن ذلك يوجب فضيلة، وعظمت النصارى يوم الأحد لما كان بدء الخلق فيه، بحكم عقولهم، وهدى الله هذه الأمة المحمدية، فعظمت ما عظمه الله.стр. 1585
وكره صوم يوم النيروز والمهرجان (١) وكل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم (٢) . الحواشي
(١) لئلا يوافق الكفار في تعظيمهما، وقاله الشيخ وغيره، لأن العادة لها أثر في ذلك «والمهرجان» معرب «مهركان» «ونيروز» اليوم الجديد، تحل فيه الشمس برج الحمل «والمهرجان» أول حلولها الميزان، وهو أول السنة القبطية، وهو وقت الاعتدال الخريفي، «والنيروز» وقت الاعتدال الربيعي، أول يوم تنتهي فيه الشمس إلى أول برج الحمل، وقيل الرابع منه، وقيل التاسع عشر منه، وهما عيدان للكفار، فيكره صومهما، لما فيه من موافقة الكفار في تعظيمهما، وقال عبد الله بن عمر: من صنع ببلاد الأعاجم نيروزهم، ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت، حشر معهم.(٢) قال الشيخ وغيره؛ ما لم يوافق عادة، أو يصمه عن نذر ونحوه؛ قال: وكذلك يوم الخميس الذي يكون في آخر صومهم يوم عيد المائدة، ويوم الأحد يسمونه يوم عيد الفِصْح، وعيد النور، والعيد الكبير، ونحو ذلك، ليس للمسلم أن يشابههم في أصله ولا في وصفه. وقال: لا يحل للمسلمين يتشبهون بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام، ولا لباس، ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة، من معيشة، أو عبادة، أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة، ولا الإهداء، ولا الصنع بما يستعان به على ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب التي في الأعياد، ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام، لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم، وتخصيصه بما تقدم، لا نزاع بين العلماء في كفر من يفعل هذه الأمور، لما فيها من تعظيم شعائر الكفر.
وقد اشترط عمر، والصحابة، وسائر أئمة المسلمين أن لا يظهروا أعيادهم في
ديار المسلمين، فكيف إذا أظهرها المسلمون، قال عمر: لا تتعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم، يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم. وإذا كان كذلك فكيف بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم، مما هو من شعائر دينهم، قال غير واحد من السلف – في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالوا -: أعياد الكفار. وفي المسند والسنن «من تشبه بقوم فهو منهم» «ليس منا من تشبه بغيرنا» وإن كان في العادة، فكيف بما هو أبلغ من ذلك.стр. 1586
(و) يوم (الشك) (١) وهو يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يكن غيم ولا نحوه (٢) لقول عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ . رواه أبو داود، الحواشي
(١) أي ويكره صوم يوم الشك تطوعًا، نص عليه، وجزم به الأصحاب، وقال الترمذي: هو قول أكثر أهل العلم. وتقدم، وكذا تقدم كراهة استقبال رمضان بيوم أو يومين، في قول عامة أهل العلم، وظاهر نص أحمد التحريم، وكذا تقدمه بيوم أو يومين، أولى عنده بالتحريم، لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه.(٢) الأولى: وهو اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان، لأنه اليوم الذي يشك فيه، هل هو من شعبان، أو من رمضان؟ إذا كان صحوًا، فإن كان غيم، أو قتر، فعندهم لا يكره، بل عندهم يجب صيامه، وليس مقصورًا على الكراهية فحسب، كما تقدم في أوائل كتب الصيام، وإن وافق عادة فلا يكره وفاقًا، أو كان موصولاً بصيام أيام قبله لم يكره، لخبر أبي هريرة «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه» أو يكون قضاء، أو نذرًا أو كفارة، فيصومه لوجوبه.стр. 1587
والترمذي وصححه البخاري تعليقًا (١) ويكره الوصال، وهو أَن لا يفطر بين اليومين أو الأيام (٢) ولا يكره إلى السحر (٣) وتركه أولى (٤) (ويحرم صوم) يومي (العيدين) إجماعًا (٥) للنهي المتفق عليه (٦) . الحواشي
(١) المعلق – في اصطلاح المحدثين – هو ما كان سقوطه من مبادئ السند، سواء كان واحدًا، أو أكثر، والمراد: من صام اليوم الذي يشك فيه، هل هو من رمضان، أو من شعبان؟ كأن يحول بينهم وبينه قتر ونحوه، ويتحدث الناس برؤيته، ولم تثبت رؤيته؛ فقد عصى أبا القاسم ﷺ . قال الشيخ: وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره، فإن المشكوك في وجوبه لا يجب فعله ولا يستحب، بل يستحب تركه احتياطًا، وتقدم.(٢) في قول أكثر أهل العلم، لحديث ابن عمر: واصل النبي ﷺ في رمضان، فواصل الناس، فنهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل. قال: «إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى» متفق عليه، ولم يحرم، لأن النهي وقع رفقًا ورحمة، وقيل: يحرم. حكاه ابن عبد البر عن الأئمة الثلاثة وغيرهم، ولا يبطل الصوم، قال المجد: بلا خلاف.(٣) لحديث أبي سعيد مرفوعًا «فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر» رواه البخاري وغيره.(٤) أي ترك الوصال إلى السحر أولى، للنهي عنه، وللمحافظة على الإتيان بالسنة، وهو تعجيل الفطر.(٥) حكاه جماعة ممن يحكي الإجماع، منهم ابن المنذر، والنووي.(٦) من حديث أبي سعيد «نهى عن صيام يومين، يوم الفطر، ويوم النحر»
وفي لفظ للبخاري «لا صوم في يومين» ولمسلم «لا يصح الصوم في يومين» وفيهما أيضًا عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع عمر ﵁، فصلى، ثم انصرف، فخطب الناس، فقال: إن هذين يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما، يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم.стр. 1588
(ولو في فرض (١) و) يحرم (صيام أيام التشريق) (٢) لقوله ﷺ «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله» رواه مسلم (٣) . الحواشي
(١) حكاه الوزير وغيره إجماعًا، إلا ما روي عن أبي حنيفة من الإجزاء عن النذر، فإن قصد صيامهما كان عاصيًا إجماعًا، لقصده ارتكاب ما نهى الشارع عنه، ولم يجزئه عن فرض، وهو مذهب مالك، والشافعي، لارتكابه النهي المقتضي للفساد، وهو لا يجامع الإجزاء، وحكم التطوع كذلك، أما عيد الفطر فحرم تمييزًا لوقت العبادة عن غيره، لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب، كما فعلت النصارى، وأكده بتعجيل الفطر، وتأخير السحور، واستحباب تعجيل الفطر يوم العيد قبل الصلاة، وعيد النحر للأكل من النسك المتقرب بذبحه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بقوله «تأكلون فيه من نسككم» وهو يستلزم النحر، ولما في صومهما من الإعراض عن ضيافة الله تعالى لعباده.(٢) تطوعًا، وقال الوزير: أجمعوا على كراهة صيام أيام التشريق، ومن قصده نقلاً فقد عصى الله ورسوله، إلا أبا حنيفة فقال: ينعقد مع الكراهة.(٣) من حديث نبيشة الهذلي، وأعقبها بالذكر، لئلا يستغرق العبد حظوظ نفسه، وينسى حق الله عليه، ولأحمد نحوه من حديث أبي هريرة، وسعد، قال: أمرني رسول الله ﷺ «أن أنادي أيام منى إنها أيام أكل،
وشرب، ولا صوم فيها» وروى الشافعي وأحمد النهي من حديث علي بإسناد جيد، وعن أنس أن النبي ﷺ نهى عن صوم خمسة أيام في السنة، يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق؛ رواه الدارقطني وغيره، وحكي أنه متواتر، ولعل من صامها، أو رخص في صيامها، لم يبلغه النهي، قال المجد: أو تأوله على إفرادها كيوم الشك، وسميت أيام التشريق، لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها، وهو تقديرها، ونشرها في الشمس، ويقال لها الأيام المعدودات.стр. 1589
(إلا عن دم متعة وقران) فيصح صوم أيام التشريق لمن عدم الهدي (١) لقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري (٢) (ومن دخل في فرض موسع) من صوم أَو غيره (حرم قطعه) كالمضيق (٣) . الحواشي
(١) فيصوم الثلاثة فيها إذا لم يصمها قبل، وحكي عن مالك في البدل عن دم المتعة فقط.(٢) أي لم يجد هديًا، ولم يصم قبل أيام التشريق، «ويرخص، ويُصَمْنَ» بالبناء للمفعول، أي لم يرخص ﷺ ، فيصوم الثلاثة فيها إذا لم يصمها قبل، رخصة لمن كان متمتعًا أو قارنًا أو محصرًا، لإطلاق الحديث، وعموم الآية، وهو مذهب مالك، والشافعي في القديم، وعن أحمد: لا يجوز. وحكي اتفاقًا، لخبر «هي أيام أكل وشرب» وهذا الحديث يدل على الجواز، فإن حمل المطلق على المقيد واجب، وكذا بناء العام على الخاص، وأخرج الدارقطني والطحاوي بلفظ: رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق. وإن كان فيه مقال، فأصله متفق على صحته، والقول به أقوى، فيصح صوم أيام التشريق لمن عدم الهدي، إذا لم يصمها قبل.(٣) بغير خلاف، وذلك كقضاء رمضان، ومكتوبة في أول وقتها، ونذر مطلق، وكفارة، أو فرض كفاية، كصلاة جنازة.стр. 1590
فيحرم خروجه من الفرض بلا عذر (١) لأَن الخروج من عهدة الواجب متعين (٢) ودخلت التوسعة في وقته رفقًا، ومظنة للحاجة (٣) فإذا شرع تعينت المصلحة في إتمامه (٤) (ولا يلزم) الإتمام (في النفل) من صوم، وصلاة، ووضوء، وغيرها (٥) . لقول عائشة: يا رسول الله أُهدي لنا حيس؛ فقال: «أَرنيه، فلقد أصبحت صائمًا» فأَكل. رواه مسلم وغيره (٦) . الحواشي
(١) قال المجد وغيره: لا نعلم فيه خلافًا. وقال في الفروع: من دخل في واجب موسع، كقضاء رمضان، والمكتوبة أول وقتها، وغير ذلك، كنذر مطلق، وكفارة – إن قلنا: يجوز تأخيرها – حرم خروجه منها بلا عذر وفاقًا.
قال الشيخ: وإن شرعت في قضاء رمضان وجب عليها إتمامه، ولم يكن لزوجها تفطيرها، وإن أمرها أن تؤخره كان حسنًا، لحقه عليها.(٢) فحرم قطعه بلا عذر، ولو خالف وخرج فلا شيء عليه.(٣) قاله المجد وغيره، وذلك ما لم يشرع فيه.(٤) ذكره الناظم، ويسن إتمامه خروجًا من الخلاف، ولأن به تكمل العبادة، وذلك مطلوب، وقد يجب قطع الفرض لرد معصوم عن هلكة، وإنقاذ غريق ونحوه، ولهرب غريم، وله قلبها نفلاً وتقدم.(٥) وهو مذهب الشافعي، بل يستحب إتمامه خروجًا من خلاف من أوجبه، ولعموم قوله ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وفي المبدع: ولا يلزم في الصدقة، والقراءة، والأذكار، بالشروع فيها وفاقًا، ولا يقضي من أفطر لعذر لا صنع له فيه إجماعًا.(٦) فرواه الخمسة وغيرهم. والحيس – بفتح الحاء المهملة، وسكون الياء – تمر، مخلوط بسمن وأقط.стр. 1591
وزاد النسائي بإسناد جيد «إنما مثل صوم التطوع، مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» (١) وكره خروجه منه بلا عذر (٢) (ولا قضاءُ فاسده) أي لا يلزم قضاءُ ما فسد من النفل (٣) (إلا الحج) والعمرة، فيجب إتمامهما (٤) لانعقاد الإحرام لازمًا (٥) . الحواشي
(١) وفي لفظ: قال طلحة: فحدثت مجاهدًا بهذا الحديث، فقال: تلك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها. وفي لفظ قال «إنما منزلة من صام في غير رمضان – أو في التطوع – بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله، فجاد منها بما شاء فأمضاه» قال الموفق وغيره: لو نوى الصدقة بمال مقدر، وشرع في الصدقة، فأخرج بعضه، لم يلزمه الصدقة بباقيه إجماعًا، وكذا القراءة، والأذكار بلا نزاع، ولأحمد عن أم هانئ، أنه ﷺ قال لها «إن شئت فاقضي، وإن شئت فلا تقضي» .(٢) لما روى أبو داود عن عائشة، قالت أهدي لحفصة طعام، وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل رسول الله ﷺ ، فقلنا: أهدي لنا هدية واشتهيناها فأفطرنا؛ فقال «لا عليكما» أي لا بأس عليكما، أو لا حرج، ويسن إتمام التطوع، خروجًا من الخلاف.(٣) نص عليه، لأن القضاء يتبع المقضي عنه، فإن لم يكن واجبًا لم يكن القضاء واجبًا بل يسن، لهذا الخبر، وقصة أم هانئ، وخروجًا من الخلاف، والخروج من الخلاف مستحب، بلا خلاف.(٤) وفاقًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى.(٥) لظاهر آية الاحصار، ولأن نفله كفرضه في الكفارة إجماعًا، ولعدم الخروج منهما بالمحظورات.стр. 1592
فإن أفسدهما أو فسدا، لزمه القضاء (١) (وترجى ليلة القدر في العشر الأَخير) من رمضان (٢) لقوله ﷺ «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه (٣) . وفي الصحيحين «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٤) . الحواشي
(١) أي إن أفسد الحج أو العمرة، أو فسد الحج أو العمرة، لزمه القضاء وفاقًا، قاله في الفروع وغيره، وقال المجد وغيره: بغير خلاف نعلمه.(٢) هذه الصحيح من المذهب، وقول جمهور العلماء، من الصحابة وغيرهم، ومذهب مالك، والشافعي، وأكثر الأحاديث الصحاح تدل عليه، وعلى هذا لو نذر الاعتكاف، أو الطلاق في ليلة القدر، لزمه اعتكاف العشر كلها، ووقع الطلاق في آخر ليلة منها، هذا إن صدر قبل مضي شيء منها، فإذا نذر أو علق بعد أن مضى ليلة، لم تطلق إلا بمضي العشر كلها من العام الآتي، ولم يف بالنذر إلا باعتكاف ما بقي، مع عشر الآتي أيضًا، وليلة القدر في رمضان وفاقًا، فتطلب فيه، لشرفها وعظمها، وبركتها، صرح به الموفق وغيره.(٣) من حديث عائشة، أي اطلبوها في العشر الأواخر، ولهما من حديث أبي سعيد «قيل لي: إنها في العشر الأواخر» قال ابن عباس: دعا عمر أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر «من كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» ولمسلم قال «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلب على السبع البواقي» .(٤) أخرجاه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «من
قام ليلة القدر» بالتهجد فيها، والصلاة، والذكر والدعاء، والفكر، وهذا صيغة ترغيب، وندب، دون إيجاب، وأجمعت الأمة على استحبابه، ويحصل بمطلق ما يصدق عليه القيام «إيمانًا» تصديقًا بأنه حق، قصد فضيلته «واحتسابًا» لثوابها عند الله وحده، لا يريد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص «غفر له ما تقدم من ذنبه» .стр. 1593
زاد أحمد «وما تأخر» (١) وسميت بذلك لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة (٢) أو لعظم قدرها عند الله (٣) أو لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا (٤) وهي أفضل الليالي (٥) . الحواشي
(١) أي من ذنبه، وله من عبادة «من قامها ابتغاءها، ثم وقعت له، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» وللنسائي من حديث قتيبة «غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ، قال الحافظ: وإسناده على شرط الصحيح، وقيامها يكفر الذنوب لمن وافقت له، شعر بها أو لم يشعر.(٢) أي لما تكتبه فيها الملائكة من الأقدار، والأرزاق، والآجال، وما يكون في تلك السنة، إلى مثلها من السنة المقبلة، لقوله تعالى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهو قول أكثر المفسرين، والمراد التقدير الخاص، لا التقدير العام، فإنه متقدم على خلق السموات والأرض، كما صحت به الأخبار.(٣) وشرفها، فهي شريفة معظمة.(٤) يضاعف فيها الثواب، فسميت به.(٥) إجماعًا، ذكره الخطابي وغيره، لقوله تعالى ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي قيامها، والعمل فيها، خير من العمل في ألف شهر خالية منها، وتقدم أن من قامها غفر له، ولأحمد من حديث أبي هريرة «فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم
خيرها فقد حرم» وأفضل الأيام يوم الجمعة، قال الشيخ: أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وأفضل أيام العام يوم النحر، كما في الحديث «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر» رواه أبو داود. قال ابن القيم: وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبه من الاعتراض الذي لا حيلة له في دفعه. اهـ. وقيل: أفضل الأيام يوم عرفة.стр. 1594
وهي باقية، لم ترفع للأخبار (١) (وأوتاره آكد) (٢) لقوله ﵇ «اطلبوها في العشر الأواخر، في ثلاث بقين، أو سبع بين، أو تسع بقين» (٣) . الحواشي
(١) المتواترة بطلبها وقيامها، ونقل جمع من أهل المذاهب أنها خاصة بهذه الأمة، ولم تكن في الأمم قبلهم، وأمارتها ما في حديث أبي وغيره: أن الشمس تطلع في صبيحتها كالطشت، وهذا أشهر علاماتها، ولأحمد عن عبادة: إنها صافية، بالجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى يصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس فيها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، لا يحل لشيطان أن يخرج معها حينئذ، قال الشيخ: وقد يكشف الله لبعض الناس في المنام، أو اليقظة، فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له: هذه ليلة القدر، وقد يفتح الله على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الأمر.(٢) أي أوتار العشر الأخير من رمضان، آكد من الشفع، وأبلغ من بقية ليالي الشهر، وهو مذهب جمهور العلماء، وهي الحادية، والثالثة، والخامسة، والسابعة، والتاسعة والعشرون.(٣) صححه الترمذي، ونحوه في الصحيحين، وفي الصحيح «فالتمسوها في العشر الأواخر، في الوتر منها» قال الشيخ: فعلى هذا إن كان الشهر تامًا فكل ليلة من العشر وتر، إما باعتبار الماضي، كإحدى وعشرين، وإما باعتبار الباقي
كالثانية، وإن كان ناقصًا فالأوتار باعتبار الباقي، موافقة لها باعتبار الماضي، وإذا كان الأمر هكذا، فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأخير جميعه، كما قال ﷺ «تحروها في العشر الأواخر» وتكون في السبع الأواخر أكثر.стр. 1595
(وليلة سبع وعشرين أبلغ) أي أرجاها (١) لقول ابن عباس وأبي بن كعب وغيرهما (٢) وحكمة إخفائها ليجتهدوا في طلبها (٣) (ويدعو فيها) لأن الدعاء مستجاب فيها (٤) (بما ورد) عن عائشة، قالت: يا رسول الله إن وافقتها فبم أدعو؟ قال «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني» (٥) . الحواشي
(١) أي أكثر، وأشد رجاء يقال: ثناء أبلغ. أي مبالغ فيه «وأرجى» بغير همز، وكلاهما أفعل تفضيل.(٢) كزر بن حبيش، وكان أبي بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين، فقيل له: بأي شيء علمت ذلك؟ قال: بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أخبرنا أن الشمس تطلع في صبيحتها كالطشت. وللترمذي عنه وصححه: إنها في ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا، ولأبي داود عن معاوية مرفوعًا «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين» .(٣) ويجدوا في العبادة، طمعًا في إدراكها، بإحياء جميع ليالي العشر، كما أخفي ساعة الإجابة يوم الجمعة، واسم الله الأعظم، وغير ذلك.(٤) والاستغفار، والتوبة، لشرفها.(٥) أي تجاوز عني، فلا تؤاخذني بجرمي، واستر على ذنبي، واكفني عذابك، واصرف عن عقابك.стр. 1596
رواه أحمد وابن ماجه، وللترمذي معناه وصححه (١) ومعنى العفو: الترك (٢) وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا «سلوا الله العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، فما أُوتي أحد بعد يقين خيرًا من معافاة» (٣) فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة، لتضمنها دوام العافية (٤) . الحواشي
(١) ولفظه عنها: أنها قالت لرسول الله ﷺ : أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ أي من الدعاء، قال «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني» ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.(٢) وترك الشيء ودعه، وفي القاموس: العفو عفو الله عن خلقه، والصفح، وترك عقوبة المستحق. اهـ. وزنه فعول، من «العفو» وهو بناء المبالغة، والعفو الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسيء، والمحو، من «عفت الريح الأثر» إذا درسته، فكأن العافي عن الذنب يمحوه بصفحه عنه.(٣) ففيه مشروعية سؤال العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، كل وقت، فما يتحرى فيه ليلة القدر آكد لشرفها.(٤) فهو من أجمع الدعاء، وينبغي الإكثار فيها من الدعاء والاستغفار، لأن الدعاء فيها مستجاب، ويذكر حاجته في دعائه الذي يدعو به تلك الليلة.стр. 1597
باب الاعتكاف (١)
(هو) لغة لزوم الشيء (٢) ومنه (يعكفون على أصنام لهم) (٣) واصطلاحًا: (لزوم مسجد) (٤) . الحواشي
(١) الاعتكاف سنة وقربة، بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من الشرائع القديمة، وفيه من القرب المكث في بيت الله، وحبس النفس على عبادة الله، وقطع العلائق، عن الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق، وإخلاء القلب من الشواغل عن ذكر الله، والتحلي بأنواع العبادات المحضة من الفكر، والذكر، وقراءة القرآن، والصلاة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، إلى غير ذلك من أنواع القرب، وفي الحديث «المعتكف يعكف الذنوب، ويجرى له من الحسنات كعامل الحسنات كلها» وأعقبه الصوم اقتداء بالكتاب العزيز، فإنه نبه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم، وفي ذكره بعده إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام، أو في آخر شهر الصيام، كما هو ثابت من فعل رسول الله ﷺ ، وأصحابه، وأتباعهم.(٢) والاحتباس، والمكث، والوقوف، والمقام، والإقبال عليه، يقال: عكف على الشيء، يعكُف ويعكِف، عكوفًا، وربما قيل: عكفًا. إذا لزمه وأقبل عليه مواظبًا «واعتكف» لزم المكان، والعكوف الإقامة في المسجد.(٣) بضم الكاف وفتحها، قراءتان، أي لفظة (يعكفون) من الاعتكاف اللغوي وقال تعالى ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ .(٤) المراد الاصطلاح الشرعي لا العرفي، وعبر الأكثر بـ «شرعًا» ، قال الشيخ وغيره: وفي لسان الشرع عند الإطلاق، مختصًا بالعكوف لله وعليه في بيته. وقال الوزير: وهو في الشرع عبارة عن اللبث في المسجد بنية الاعتكاف، والتاء في الاعتكاف تفيد ضربًا من المعالجة والمزاولة، لأنه فيه كلفة، ولما كان المرء لا يلازم ويحتبس إلا على من يحبه ويعظمه، شرع الله لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم، وأخص البقاع بذكر اسمه، والعبادة له، بيوته المبنية لذلك، ولذلك طهر الله المساجد لعبادته، وليس شيء من العبادات مختص بالمسجد بأصل الشرع إلا الاعتكاف، والطواف، وتحية المسجد.стр. 1598
أي لزوم مسلم، عاقل ولو مميزًا، لا غسل عليه، مسجدًا، ولو ساعة (١) (لطاعة الله تعالى) (٢) ويسمى جوارًا (٣) . الحواشي
(١) فلا يصح من كافر، ومجنون، وطفل، كصلاة وصوم، قال المجد وغيره: لا نعلم فيه خلافًا. فإن كان عليه غسل لم يصح، قال عثمان: لعله ما لم يحتج إلى الليث، لجواز الليث إذًا «ومسجدًا» مفعول لزوم، وأقل الاعتكاف عند جماعة «ساعة» ، وعند الشافعية «ولو لحظة» من ليل أو نهار، وظاهره أن اللحظة لا تسمى اعتكافًا، وجزم به الموفق وغيره، فلو نذر اعتكافًا وأطلق أجزأته الساعة، , وهي لبث قدر يسمى عكوفًا عرفًا، لأن مادة لفظ الاعتكاف تقتضيه، ويأتي قول الشيخ: من قصد المسجد لصلاة أو غيرها، لا ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه، ويستحب أن لا ينقص الاعتكاف عن يوم وليلة، خروجًا من خلاف من يقول أقله ذلك.(٢) متعلق بـ «لزوم» ولو قال: لعبادة الله تعالى. لكان أصوب، وأركانه معتكف، ومعتكف فيه، ولبث، ونية.(٣) لا خلوة، لما في الصحيحين عن عائشة: وهو مجاور في المسجد. ولهما عن أبي سعيد «جاورت هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر» وقال الوزير: لا يحل أن يسمى هذا الاعتكاف خلوة، واستظهر في الفروع الكراهة.стр. 1599
ولا يبطل بالإغماء (١) وهو (مسنون) كل وقت إجماعًا (٢) لفعله ﵇، ومداومته عليه (٣) واعتكف أزواجه بعده، ومعه (٤) وهو في رمضان آكد (٥) لفعله ﵇ (٦) . الحواشي
(١) كنوم، لبقاء التكليف، ولو ارتد أو سكر بطل، ولو طرأ جنون، أو إغماء لم يبطل، إن لم يخرج، وحيض ونفاس، وجب الخروج.(٢) حكاه غير واحد من أهل العلم، وقال أحمد: لا أعلم عن أحد من أهل العلم خلافًا أنه مسنون. اهـ. فلا يختص بزمان، إلا ما نهي عن صيامه، للاختلاف في جوازه بغير صوم.(٣) ففي الصحيحين عن عائشة: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله. ولهما عن ابن عمر نحوه، وإنما لم يجب لأنه لم يأمر به أصحابه، بل ورد في الصحيحين وغيرهما «من أحب أن يعتكف فليعتكف» .(٤) ففي الصحيحين عن عائشة قالت: ثم اعتكف أزواجه من بعده. واعتكفن معه، واستترن بالأخبية، وقال تعالى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فعمت الآية الرجال والنساء، ولا نزاع في ذلك.(٥) إجماعًا، ولم يفرق بعضهم بين الثغر وغيره.(٦) الثابت من اعتكافه: العشر الأواخر من رمضان؛ في الصحيحين وغيرهما، من غير وجه، قال نافع: أراني عبد الله المكان الذي يعتكف فيه، وهو معروف الآن.стр. 1600
وآكده في العشر الأخير (١) (ويصح) الاعتكاف (بلا صوم) (٢) لقول عمر: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أَن أَعتكف ليلة بالمسجد الحرام؛ فقال النبي ﷺ «أوف بنذرك» رواه البخاري (٣) ولو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكاف الليل (٤) (ويلزمان) أي الاعتكاف والصوم (بالنذر) (٥) . الحواشي
(١) إجماعًا، لأنه داوم عليه إلى وفاته ﷺ ، قالت عائشة: كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله. وتقدم قوله «ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان معتكفًا معي فليثبت في معتكفه» ولغيرهما من الأحاديث، ولأن ليلة القدر تطلب فيها، ولعل الحكمة فيها طلبها.(٢) هذا المذهب، وهو مذهب الشافعي، واشترطه أبو حنيفة ومالك، والمذهب أسعد بالدليل.(٣) ولمسلم نحوه، وزاد البخاري «فاعتكف ليلة» ولحديث ابن عباس «ليس على المعتكف صوم، إلا أن يجعله على نفسه» رواه الدارقطني «والجاهلية» ما كان قبل الإسلام، وتقدم تعريفها.(٤) لأنه لا صيام فيه، ولأنه عبادة تصح في الليل، فلم يشترط له الصيام كالصلاة، ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص ولا إجماع، وقال المجد، والشيخ، والشارح، وغيرهم: ليس في اشتراط الصوم في الاعتكاف نص من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس صحيح، وما روي عن عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم. فموقوف، ومن رفعه فقدوهم، ثم لو صح فالمراد به الاستحباب، فإن الصوم فيه أفضل.(٥) إجماعًا حكاه الوزير وغيره، وإن علقه أو غيره بشرط، نحو: لله علي
أن أعتكف شهر رمضان إن كنت مقيمًا، أو معافي، فصادفه مريضًا، أو مسافرًا، فله شرطه، لظاهر الآية والخبر، والمراد نذر التبرر، لا إن كان نذر لجاج، أو غضب، فيخير بين الفعل والكفارة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.стр. 1601
فمن نذر أن يعتكف صائمًا، أو يصوم معتكفًا، لزمه الجمع (١) وكذا لو نذر أن يصلي معتكفًا ونحوه (٢) لقوله ﵇ «من نذر أَن يطيع الله فليطعه» رواه البخاري (٣) وكذا لو نذر صلاة بسورة معينة (٤) . الحواشي
(١) أي بين الاعتكاف والصيام، لحديث «ليس على المعتكف صوم، إلا أن يجعله على نفسه» فإن لم يجعله على نفسه لم يشترط له، وفي حاشية ابن فيروز: والنكتة في التعبير بما هنا – مع أن المؤدى واحد – رد على من يقول: إنه إن نذر أن يعتكف صائمًا ونحوه لزمه الجمع، وإن نذر أن يصوم ونحوه معتكفًا لم يلزمه، لأن الصوم من شعار الاعتكاف، وليس الاعتكاف من شعار الصوم، يرشحه الخلاف في أنه: هل هو شرط لصحته أم لا؟، وأنت خبير بأن الحال قيد لصاحبها المتصف بالصفة المذكورة، والقيد معتبر.(٢) قياسًا على الصوم، لأن كلا منهما صفة مقصودة في الاعتكاف، فلزمت بالنذر، ولا يلزمه أن يصلي جميع الزمان، بل يكفيه ركعة، أو ركعتان.(٣) من حديث عائشة ﵂، والأمر يقتضي الوجوب، وتقدم سؤال عمر النبي ﷺ عن نذره في الجاهلية، وقوله «أوف بنذرك» وظاهره الوجوب.(٤) من القرآن، فلا يجوز غيرها، ولو أفضل، كـ (الإخلاص) مع (تبت) ولا يجوز تفريقها، ولو فرقها، أو اعتكف وصام من رمضان ونحوه لم يجزئه،
ومتى قطعه فعليه قضاؤه، قال ابن عبد البر: لا يختلف في ذلك الفقهاء. لكن قال الموفق وغيره: لا يعرف هذا القول عن غيره. ولم يقع الإجماع على لزوم نافلة بالشروع فيها، سوى الحج والعمرة.стр. 1602
ولا يجوز لزوجة اعتكاف بلا إذن زوجها (١) ولا لقن بلا إذن سيده (٢) ولهما تحليلهما من تطوع مطلقًا (٣) ومن نذر بلا إذن (٤) . الحواشي
(١) وفاقًا، لوجوب حقه عليها، وهي مقصورة على طاعته، والاعتكاف يفوت حقه ويمنع استيفاءه، وليس واجبًا بأصل الشرع، فلم يجز إلا بإذن مالك المنفعة وهو الزوج.(٢) لتفويت حقه عليه، ومنافعه مملوكة لسيده، والعكوف ليس بواجب بأصل الشرع، فلم يجز إلا بإذنه وفاقًا، وفي الإنصاف: لا يجوز لهما بلا إذن بلا نزاع. و «مدين» و «أجير» كهما قياسًا عليهما.(٣) أي وللزوج والسيد تجريد وإخراج زوجة وعبد من تطوع مطلقًا، سواء أذنا لهما فيه أو لم يأذنا، شرعًا فيه، أو لم يشرعا، بلا نزاع، لأنه ﷺ أذن لعائشة وحفصة وزينب في الاعتكاف، ثم منعهن بعد أن دخلن فيه، متفق عليه، ولأن حق الزوج والسيد واجب، والتطوع لا يلزم بالشروع فيه ولأن لهما المنع ابتداء، فكان لهما المنع دوامًا.(٤) لحديث «لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يومًا من غير رمضان إلا بإذنه» رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، ولما فيه من تفويت حقهما، فكان لرب الحق المنع منه، كمنع مالك غاصبًا، وإن لم يحللاهما صح وأجزأ، وليس لهما تحليلهما من منذور شرعًا فيه بالإذن، لتعينه بالشروع فيه، ووجوب إتمامه كالحج، وظاهره: لا فرق بين أن يكون مقيدًا أو مطلقًا، واختار المجد في النذر المطلق. الذي يجوز تفريقه، كنذر عشرة أيام متفرقة، أو متتابعة إذا اختار فعله متتابعًا،
وأذن لهما، يجوز تحليلهما، ولو رجعا بعد الإذن، وقبل الشروع، جاز إجماعًا، والإذن في العقد، إذن في الفعل، ولمكاتب اعتكاف وحج بلا إذن، ما لم يحل عليه نجم، لأن السيد لا يستحق منافعه، فلا يملك إجباره.стр. 1603
(ولا يصح) الاعتكاف (إلا) بنية (١) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (٢) ولا يصح إلا (في مسجد) (٣) لقوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٤) (يجمع فيه) أي تقام فيه الجماعة (٥) . الحواشي
(١) وفاقًا، وتقدم أن العبادات لا تصح إلا بالنية، وما لم ينو فليس بعبادة إجماعًا.(٢) متفق عليه، وفي رواية «لا عمل إلا بنية» والاعتكاف عمل، وعبادة محضة، كالصوم، والصلاة، وإن كان منذورًا لزمه نية الفرضية، وإن نوى خروجه منه بطل، كصوم وصلاة، صححه في تصحيح الفروع، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب.(٣) إجماعًا، حكاه ابن عبد البر وغيره، وجوزه بعض المالكية، وبعض الشافعية في مسجد بيته، ولم يفعل في عهده ﷺ ، ولا في عهد خلفائه، ولو جاز لفعلته أزواجه ﷺ ، ورضي الله عنهن، لحاجتهن إلى التستر.(٤) فوصف المعتكف بكونه في المسجد، فلو صح في غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيه، إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقًا، ولأن النبي ﷺ كان يعتكف في مسجده، قالت عائشة: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، ولأنه كان يدخل رأسها إليها وهو معتكف، فترجله، وفعله خرج بيانًا للمشروع، وتقدم قولها: لا اعتكاف إلا في مسجد جامع.(٥) ولو من معتكفين، وفاقًا لأبي حنيفة، لما روى سعيد بسند صحيح، أنه
قال لابن مسعود: لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» أو قال «في مسجد جماعة» ولأبي داود عن عائشة «ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» وروي عن علي وغيره، قال الوزير: أجمعوا على أن كل مسجد تقام فيه الجماعات، فإنه يصح فيه الاعتكاف.стр. 1604
لأن الاعتكاف في غيره يفضي إما إلى ترك الجماعة (١) أو تكرار الخروج إليها كثيرًا، مع إمكان التحرز منه (٢) وهو مناف للاعتكاف (٣) (إلا) من لا تلزمه الجماعة كـ (المرأَة) والمعذور، والعبد، (ف) يصح اعتكافهم (في كل مسجد) للآية (٤) . الحواشي
(١) والجماعة واجبة كما تقدم، ويحرم تكرها، ولا يترك واجب لمندوب.(٢) أي من الخروج إلى الجماعة بالاعتكاف في مسجد جماعة.(٣) أي الخروج مناف للاعتكاف، إذ الاعتكاف لزوم المسجد للعبادة.(٤) وهي قوله تعالى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ إذ لو صح في غيرها لم تختص بتحريم المباشرة، إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقًا كما تقدم، وخص من تجب عليه الجماعة بالمسجد التي تقام فيه، لما ذكره قبل، ولا يقال: إنه يصح الاعتكاف في مسجد البيت بلا ريب، لانتفاء حكم المسجد عنه في سائر الأحكام، فكذلك هنا، وحكى الوزير وغيره الإجماع على أنه لا يصح اعتكاف المرأة في بيتها، إلا ما روي عن أبي حنيفة، وحكوا الإجماع على أنه يصح الاعتكاف في كل مسجد، إلا أحمد فإنه قال: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، والمراد هنا من تلزمه الجماعة، وأما من تلزمه ففي مسجد يجمع فيه كما تقدم، ومن تدبر النصوص في وجوب الجماعة، علم رجحان قول الإمام أحمد ﵀.стр. 1605
وكذا من اعتكف من الشروق إلى الزوال مثلاً (١) (سوى مسجد بيتها) (٢) وهو الموضع الذي تتخذه لصلاتها في بيتها، لأَنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكمًا (٣) ، لجواز لبثها فيه حائضًا وجنبًا (٤) ومن المسجد ظهره (٥) ورحبته المحوطة (٦) . الحواشي
(١) لأنه لا يلزمه منه محذور، فصح منه في كل مسجد، وإلا فلا.(٢) حكاه الوزير وغيره إجماعًا، إلا أن أبا حنيفة جوزه، والسنة الصحيحة أولى بالإتباع.(٣) إذ لا يطلق عليه اسم مسجد إلا بقيد الإضافة، ولو كان حقيقة، وفيه أفضل – كما زعمت الحنفية – لنبه ﷺ أزواجه على زواجه على ذلك، ولو أغنى عن المسجد لاعتكفت أمهات المؤمنين فيه دون المسجد، ولو مرة، تبينًا للجواز، ولا يقال: له حكمه من تحريم المكث فيه وهي جنب، أو هي حائض، من غير ما يبيحه.(٤) وعدم صونه عن نجاسة، وروى حرب وغيره، بإسناد جيد، عن ابن عباس، أنه سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد نفسها، في بيتها، فقال: بدعة، وأبغض الأعمال إلى الله البدع. فلا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة، وسن استتار معتكفة بخباء، في مكان لا يصلي فيه الرجال، ويباح لرجل، لفعله وفعل أزواجه.(٥) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لعموم قوله ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وفي الإنصاف: ظهره منه بلا نزاع.(٦) منه وفاقًا «والرحبة» بالتحريك متسع يجعل أمام باب المسجد، وفي الصحاح: ساحته؛ وإن لم تكن محوطة فليست منه، وإن كانت محوطة بحيطانه وعليها باب فمنه.стр. 1606
ومنارته التي هي أو بابها فيه (١) وما زيد فيه (٢) والمسجد الجامع أَفضل لرجل تخلل اعتكافه جمعة (٣) . الحواشي
(١) منه، وعبارة غيره «بالواو» بدل «أو» إلا ما في المنتهى، وقال الخلوتي: صوابه العطف بالواو. وقال في الفروع: إن كان بابها خارجًا منه، بحيث لا يستطرق إليها إلا خارج المسجد، أو كانت خارج المسجد، والمراد: وهي قريبة منه؛ فخرج للأذان بطل اعتكافه. ونحوه في الإنصاف.(٢) أي من المسجد في الثواب، لعموم الخبر، وهو قول بعض السلف، واختاره الشيخ، وقال: حكم الزيادة حكم المزيد، في جميع الأحكام. وكذا قال الخلوتي، وعثمان، وغيرهما: وفي المسجد ما زيد فيه، فيثبت له جميع أحكامه، حتى حكم المضاعفة في الثواب في المسجد الحرام، وعن أبي هريرة مرفوعًا «لو بني هذا المسجد إلى صنعاء، كان مسجدي» وقال عمر – لما زاد في المسجد -: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة، كان مسجد رسول الله ﷺ . قال ابن رجب: وقد قيل: إنه لا يعلم عن السلف خلاف في المضاعفة، وإنما خالف بعض المتأخرين، منهم ابن الجوزي، وابن عقيل.(٣) لئلا يحتاج إلى الخروج إليها فيترك الاعتكاف، مع إمكان التحرز منه، ولا يلزمه، وفاقًا لأكثر العلماء، منهم أبو حنيفة، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وحكاه النووي عن مالك، لأن الخروج إليها لا بد له منه، كالخروج لحاجة، والخروج إليها معتاد، فكأنه مستثنى، وأجمعوا على أنه يجب على المعتكف الخروج إلى الجمعة، وأن المستحب له أن يعتكف في المسجد الذي تقام فيه الجمعة، لئلا يخرج عن معتكفه لها، حكاه الوزير وغيره، ولا يصح – إن وجبت الجماعة – بالاعتكاف فيما تقام فيه الجمعة وحدها.стр. 1607
(ومن نذره) أي الاعتكاف (أو الصلاة، في مسجد غير) المساجد (الثلاثة) مسجد مكة، والمدينة، والأَقصى (١) (وأَفضلها) المسجد (الحرام (٢) فمسجد المدينة، فالأقصى) (٣) لقول ﷺ «صلاة من مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» رواه الجماعة إلا أَبا داود (٤) . الحواشي
(١) المفضلة – بالشرع – على غيرها من سائر المساجد.(٢) وهو مسجد مكة، الصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه.(٣) فمسجده ﷺ بالمدينة، المؤسس على التقوى، والصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه، فمسجد بيت المقدس، وهو بالشام، والصلاة فيه بخمسمائة صلاة، رواه البيهقي وغيره، وسمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام، وإضافة المسجد إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة.(٤) أي رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، وأهل السنن الأربعة، من حديث أبي هريرة، إلا أبا داود، وله وأحمد من حديث جابر مثله، وزاد «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» قال ابن عبد البر: هو أحسن حديث روي في ذلك.
ولأحمد من حديث ابن الزبير مثل حديث أبي هريرة، والمراد بالمسجد جميع الحرم، وصححه النووي وغيره، وقيل: يختص بالموضع الذي يصلى فيه، دون البيوت، وغيرها من أجزاء الحرم، ويتأيد بقوله «مسجدي هذا» .стр. 1608
(لم يلزمه) جواب «من» أي لم يلزمه الاعتكاف أو الصلاة (فيه) أي في المسجد الذي عينه (١) إن لم يكن من الثلاثة (٢) . لقوله ﵇ «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٣) فلو تعين غيرها بتعيينه لزمه المضي إليه، واحتاج لشد الرحل. الحواشي
(١) هذا الصحيح من المذهب، وظاهر كلام أكثر الأصحاب، واستظهره في الفروع، وقال الحافظ وغيره: وإن نذر إتيان غيرها لصلاة أو غيرها، لم يلزمه غيرها بلا خلاف، وحكاه النووي وغيره، واختار الشيخ في موضع: يتعين ما امتاز بمزية شرعية، كقدم وكثرة جمع، والمراد: بدون شد رحل, القياس لزومه، لكن ترك للخبر، واختاره ابن عقيل وغيره، وهو مذهب مالك وغيره، لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعًا، فلم يتعين بالنذر.(٢) فيلزمه، لأنها تتعين، لفضل العبادة فيها على غيرها، قال في المبدع: ولعل المراد: إلا مسجد قباء، لأنه ﷺ كان يأتيه كل سبت راكبًا وماشيًا، ويصلي في ركعتين، وكان ابن عمر يفعله، متفق عليه.(٣) متفق عليه من غير وجه ولمسلم في رواية «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد» وذكرها، وفيه فضيلة هذه المساجد الثلاثة، ومزيتها على غيرها، لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس، وإليه حجهم، والثاني أسس على التقوى، والثالث كان قبلة الأمم السالفة فلا يستقيم أن يقصد بالزيارة غيرها، وإن نذره لصلاة أو غيرها لم يلزمه، قال الشيخ والجويني وغيرهما: يحرم شد الرحال إلى غيرها، عملاً بظاهر هذا الحديث.стр. 1609
إليه (١) لكن إن نذر الاعتكاف في جامع لم يجزئه في مسجد لا تقام فيه الجمعة (٢) (وإن عين) لاعتكافه أو صلاته (الأفضل) كالمسجد الحرام (لم يجز) اعتكافه أو صلاته (فيما دونه) كمسجد المدينة أو الأقصى (٣) (وعكسه بعكسه) (٤) فمن نذر اعتكافًا، أو صلاة بمسجد المدينة، أو الأقصى أجزأه بالمسجد. الحواشي
(١) أي فلو كان تعين غيرها بتعيينه، للزم شد الرحال إليه، واللازم باطل، لدخوله في المنهي عنه، ولأن الله لم يعين لعبادته مكانًا في غير الحج، ثم إن أراد الناذر الاعتكاف فيما عينه غيرها، فإن كان قريبًا فهو أفضل، جزم به في الواضح، واستظهره في الفروع، وظاهر المغني وغيره: لزومه ما لم يحتج إلى شد رحل. والمذهب: يخير، فإن احتاج لشد رحل فلا، للنهي، وحكاه النووي عن الجمهور، ومنعه ابن عقيل، والشيخ، وغيرهما، للخبر.(٢) استدراك في عموم قوله: ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة، في مسجد غير الثلاثة الخ. يريد رفع إبهام كون: أن نذر الاعتكاف في مسجد جامع، يكفي في غيره؛ وبيان أنه لا يجزئه إلا في مسجد تقام فيه، ولو لم يتخلل اعتكافه جمعه، لأنه ترك لبثًا مستحقًا التزمه بنذره، وإن تخلله جمعة ولم يعين، فأجمعوا على أنه إذا وجب عليه بالنذر اعتكاف أيام، يتخللها يوم الجمعة، أن المستحب له، أن يعتكف في المسجد الذي تقام فيه الجمعة، لئلا يخرج عن معتكفه لها.(٣) لأن المسجد الحرام أفضلها، الحسنة فيه بمائة ألف حسنة فيما سواه، لما تواتر عنه ﷺ في ذلك.(٤) أي وإن عين المفضول منها أجزأ فيما هو أفضل منه.стр. 1610
الحرام (١) لما روى أحمد، وأبو داود، عن جابر: أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة، أَن أُصلي في بيت المقدس؛ فقال «صل ههنا» فسأله فقال «صل ههنا» فسأله فقال «شأْنك إذًا» (٢) (ومن نذر) اعتكافًا (زمنًا معينًا) كعشر ذي الحجة (٣) (دخل معتكفه قبل ليلته الأُولى) (٤) فيدخل قبيل الغروب، من اليوم الذي قبله (٥) . الحواشي
(١) وإن عين الأقصى أجزأ في كل من المساجد الثلاثة، لأفضليتهما عليه.(٢) فأمره بالصلاة في المسجد الحرام، لفضله على ما سواه من المساجد، فدل على أنه يجزئ في الأفضل، وأنه الأفضل لمزيد فضله.(٣) وكعشر رمضان الأخير مثلاً، وكشهر بعينه، تعين عليه، لتعيينه له، ولم يجز فيما سواه بلا نزاع.(٤) منه وفاقًا، لرؤياه ﵊ ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين.(٥) أي قبل ذلك الزمن المنذور اعتكافه، لأن أوله غروب الشمس، إذ الشهر يدخل بدخول الليلة، بدليل ترتيب الأحكام المعلقة به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وخبر عائشة: أنه ﷺ إذا صلى الفجر دخل معتكفه. لم يكن نذره، والتطوع يشرع فيه متى شاء، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بهذا الحديث. ونوزع بقول الأوزاعي والليث وإسحاق، فيما إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر تطوعًا، فإنه يدخل بعد صلاة الفجر أول يوم منه، وحمل على الجواز، والمنصوص: يدخل قبل ليلته الأولى.стр. 1611
(وخرج) من معتكفه (بعد آخره) أي بعد غروب الشمس آخر يوم منه (١) وإن نذر يومًا، دخل قبل فجره، وتأخر حتى تغرب شمسه (٢) وإن نذر زمنًا معينًا تابعًا ولو أطلق (٣) . الحواشي
(١) وفاقًا، ويخرج بعد مدة الاعتكاف إجماعًا، وإن اعتكف رمضان، أو العشر الأخير منه، استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه، ويخرج منه إلى المصلى نص عليه، وقال: هكذا حديث عمرة عن عائشة. وقاله مالك، وذكر أنه بلغه عن النبي ﷺ ، وأنه بلغه عن أهل الفضل الذين مضوا، وعن إبراهيم: كانوا يستحبون ذلك. قال المجد وغيره: ليصل طاعة بطاعة. ولما ورد من الترغيب في قيام ليلة العيد، وقال ابن الماجشون: إنه السنة المجمع عليها.
وإن نذر اعتكاف العشر الأواخر، فنقص أجزأه وفاقًا، بخلاف ما لو نذر عشرة أيام من آخر الشهر فنقص، يقضي يومًا وفاقًا، وإن فاته العشر فقضاه خارج رمضان جاز وفاقًا، لفعله ﷺ في العشر الأول من شوال، متفق عليه، وعنه: مثله من قابل، لا سيما فيه ليلة القدر. ذكره المجد وغيره، وجزم به غير واحد، ويكفي شهر هلالي ناقص بلياليه، أو ثلاثون يومًا بلياليها، لأن الشهر اسم لما بين الهلالين.(٢) ليستوفي جميعه، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، فإن اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وإن نذر يومين أو ليلتين، أو أكثر، أو أطلق، وقلنا: يجب التتابع. لزمه ما بينهما من يوم أو ليلة، وفاقًا للشافعي، ومذهب أبي حنيفة ومالك: يلزمه ما لفظ به مع الإطلاق، لقوله (ثلاث ليال) . وأجيب بأن الله نص عليها، كما يعمل باللزوم وعدمه وفاقًا.(٣) أي فلم يقيد بالتتابع، لا بلفظه، ولا بنيته وجوبًا، وفاقًا لمالك وأبي حنيفة، لاقتضائه ذلك، سواء كان صومًا أو اعتكافًا ونحوه، كما لو حلف لا يكلم زيدًا شهرًا ونحوه، ولو أطلق فلم يقيده بالتتابع، لا بلفظه ولا بنيته، لفهمه من التعيين.стр. 1612
«وعددًا» فله تفريقه (١) ولا تدخل ليلة يوم نذره (٢) كيوم ليلة نذرها (٣) (ولا يخرج المعتكف) من معتكفه (٤) (إلا لما لا بد) له (منه) (٥) . الحواشي
(١) أي العدد، ولو ثلاثين يومًا، لأنه مقتضى اللفظ، والأيام المطلقة توجد بدون تتابع، ما لم ينو تتابعًا فيلزمه، وإن نذر شهرًا متفرقًا، فله تتابعه، وفاقًا للشافعي، وقياس قول أهل الرأي، ولأنه الأفضل.(٢) أي إن كان نذر أن يعتكف، يوم الخميس مثلاً، فلا تدخل ليلته في ذلك، وهو إجماع، إلا ما روي عن مالك: أنه لا بد أن يضيف إليه ليلته. وقال الخليل: «اليوم» اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس.(٣) أي وعدم دخول ليلة ذلك اليوم نذر اعتكافه، كعدم دخول ذلك اليوم الذي نذر اعتكاف ليلته.(٤) إذا عين مدة، أو شرط التتابع في عدد، حرم خروجه، مختارًا، ذاكرًا، لا ناسيًا أو مكرهًا بلا حق.(٥) يعني فإنه لا يحرم ولا يبطل، بل ربما تعين، وليس المراد من نفي الحرمة ثبوت الإثم من الإباحة والكراهة، قالت عائشة: السنة للمعتكف، أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه. وكان ﷺ لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، متفق عليه، قال الشارح: وإلا لم يصح اعتكاف لأحد، لأنه لا يسلم من ذلك أحد.стр. 1613
كإتيانه بمأْكل ومشرب لعدم من يأْتيه بهما (١) وكقيء بغته، وبول، وغائط (٢) وطهارة واجبة (٣) وغسل متنجس يحتاجه (٤) وإلى جمعة وشهادة لزمتاه (٥) والأولى أن لا يبكر لجمعة (٦) . الحواشي
(١) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، من غير أن يأكل أو يشرب في بيته، ولا يجوز خروجه لأكله وشربه في بيته، اختاره الموفق والمجد، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، لعدم الحاجة، لإباحته في المسجد، وعند الشافعي: يجوز، لما فيه من ترك المروءة، ويستحي أن يأكل وحده.(٢) إجماعًا، حكاه الوزير وغيره.(٣) إجماعًا، سواء كانت لصغرى، ولو قبل دخول وقت صلاة، أو لكبرى، لأن الجنب يحرم عليه اللبث في المسجد، والمحدث لا تصح صلاته بدون وضوء، وكذا غسل جمعة إن وجب، وإلا لم يجز وفاقًا، كتجديد الوضوء.(٤) لأنه في معنى البول والغائط، ويجب غسله عند إرادة الصلاة.(٥) إن كانت الجمعة واجبة عليه، والشهادة متعينة، لأداء الواجب، ووجوب الخروج إلى الجمعة إجماع، وكذا الشهادة المتعينة، والمعتاد من هذه الأعذار: حاجة الإنسان، وطهارة الحدث، والطعام والشراب إجماعًا، والجمعة منه، وكما لا يبطل الاعتكاف، فلا ينقص مدته، فلا يقضى شيئًا منه، لأن الخروج له كالمستثنى عادة، وبقية الأعذار إن لم تبطل لا يقضي الوقت الفائت بذلك، لكونه يسيرًا مباحًا، أو واجبًا، كحاجة الإنسان، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، واختاره الموفق والشارح، وصححه في تصحيح الفروع وغيره.(٦) وعبارة المنتهى: وسن أن لا يبكر لجمعة، اقتصارًا على قدر الحاجة،
وهو ظاهر كلام أحمد. وفي الإقناع وغيره: له التبكير إليها، لأنه خروج جائز فجاز تعجيله، كالخروج لحاجة الإنسان. وهو مذهب أبي حنيفة، وفي منتهى الغاية: احتمال تبكيره أفضل.стр. 1614
ولا يطيل الجلوس بعدها (١) وله المشي على عادته (٢) وقصد بيته لحاجة، إن لم يجد مكانًا يليق به بلا ضرر ولا منة (٣) وغسل يده بمسجد في إناء، من وسخ ونحوه (٤) لا بول، وفصد، وحجامة بإناء فيه أو في هوائه (٥) . الحواشي
(١) وفي المنتهى: وسن أن لا يطيل المقام بعدها، اقتصارًا على قدر الحاجة. وفي الإقناع وغيره: له إطالة المقام بعدها، ولا يكره، لصلاحية الموضع للاعتكاف. اهـ. ويستحب له سرعة الرجوع بعد الجمعة وغيرها.(٢) من غير عجلة لأن عليه فيها مشقة، ولا يبطل بدخوله لحاجة تحت سقيفة وفاقًا.(٣) كسقاية، ولا يحتشم مثله منها، ولا نقص عليه، وإن بذل له صديق أو غيره منزله القريب، لقضاء حاجته، لم يلزمه، للمشقة بترك المروءة، والاحتشام، ويقصد أقرب منزلية وجوبًا، لدفع حاجته به.(٤) كزفر، وكغسل يدي القائم من نوم ليل، ويفرغ الإناء خارج المسجد، وذكر المجد: في غير إناء، ولعله ما لم يتأذ به أحد.(٥) أي المسجد، وعبارة الفروع وغيره: ويحرم بوله في المسجد في إناء، وكذا فصد وحجامة، لعموم قول ﷺ : «إن المساجد لم تبن لهذا، إنما هي لذكر الله، وقراءة القرآن، والصلاة» ويجوز للمستحاضة وفاقًا، مع أمن تلويثه، وإنما لم تمنع المستحاضة إذا أمنت التلويث، لأنها لا يمكنها ذلك إلا بترك
الاعتكاف، والفرق بينها وبين الحائض، أن الاستحاضة لا تمنع من الصلاة، بخلاف الحيض إجماعًا.стр. 1615
(ولا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة) (١) حيث وجب عليه الاعتكاف متتابعًا (٢) ما لم يتعين عليه ذلك، لعدم من يقوم به (٣) . الحواشي
(١) ولا يزور قريبًا، ولا يحتمل شهادة، ولا يؤديها ولا يغسل ميتًا، ونحو ذلك، فلا يخرج لكل قربة لا تتعين عليه وفاقًا، لقول عائشة: كان لا يعرج للسؤال عن المريض. رواه أبو داود. وثبت عنها أنها كانت لا تسأل عن المريض إلا وهي مارة، ولأنه منه بد كغيره، ولأنه لا يجوز ترك فريضة – وهي النذر – لفضيلة، قال في الفروع وغيره: ويخرج لمرض يتعذر معه القيام فيه، أو لا يمكنه إلا بمشقة شديدة، بأن يحتاج إلى خدمة أو فراش وفاقًا، وإن كان خفيفًا، كالصداع والحمى الخفيفة، لم يجز وفاقًا.
وتخرج المرأة لحيض ونفاس وفاقًا، ويستحب في الرحبة، فإن لم يكن رحبة رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت، رجعت إلى المسجد وفاقًا، وتخرج لعدة الوفاة في منزلها، وحكاه الوزير إجماعًا، لوجوبه شرعًا ويلزم الخروج إذا احتيج إليه لجهاد تعين، بلا نزاع، ولا يبطل، وكذا إن تعين لإطفاء حريق، أو إنقاذ غريق ونحوه، ولا يبطل بذلك، لأنه عذر في ترك الجمعة، فهنا أولى، ومن أكرهه السلطان أو غيره على الخروج، لم يبطل اعتكافه، ولو بنفسه، وإن أخرج لاستيفاء حق عليه، فإن أمكنه الخروج منه بلا عذر بطل وفاقًا، وإلا فلا، ومتى زال العذر رجع وقت إمكانه، وإن خرج ناسيًا لم يبطل، للآية والأخبار.(٢) إما لتقييده بالنذر بالتتابع، أو نيته له، أو إتيانه بما يدل عليه، كشهر.(٣) فله الخروج له، لتعينه كجمعة وشهادة لزمتاه، لوجوبهما بأصل الشرع.следующие страницы →