Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
(وخرج) من معتكفه (بعد آخره) أي بعد غروب الشمس آخر يوم منه (١) وإن نذر يومًا، دخل قبل فجره، وتأخر حتى تغرب شمسه (٢) وإن نذر زمنًا معينًا تابعًا ولو أطلق (٣) . الحواشي
(١) وفاقًا، ويخرج بعد مدة الاعتكاف إجماعًا، وإن اعتكف رمضان، أو العشر الأخير منه، استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه، ويخرج منه إلى المصلى نص عليه، وقال: هكذا حديث عمرة عن عائشة. وقاله مالك، وذكر أنه بلغه عن النبي ﷺ ، وأنه بلغه عن أهل الفضل الذين مضوا، وعن إبراهيم: كانوا يستحبون ذلك. قال المجد وغيره: ليصل طاعة بطاعة. ولما ورد من الترغيب في قيام ليلة العيد، وقال ابن الماجشون: إنه السنة المجمع عليها.
وإن نذر اعتكاف العشر الأواخر، فنقص أجزأه وفاقًا، بخلاف ما لو نذر عشرة أيام من آخر الشهر فنقص، يقضي يومًا وفاقًا، وإن فاته العشر فقضاه خارج رمضان جاز وفاقًا، لفعله ﷺ في العشر الأول من شوال، متفق عليه، وعنه: مثله من قابل، لا سيما فيه ليلة القدر. ذكره المجد وغيره، وجزم به غير واحد، ويكفي شهر هلالي ناقص بلياليه، أو ثلاثون يومًا بلياليها، لأن الشهر اسم لما بين الهلالين.(٢) ليستوفي جميعه، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، فإن اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وإن نذر يومين أو ليلتين، أو أكثر، أو أطلق، وقلنا: يجب التتابع. لزمه ما بينهما من يوم أو ليلة، وفاقًا للشافعي، ومذهب أبي حنيفة ومالك: يلزمه ما لفظ به مع الإطلاق، لقوله (ثلاث ليال) . وأجيب بأن الله نص عليها، كما يعمل باللزوم وعدمه وفاقًا.(٣) أي فلم يقيد بالتتابع، لا بلفظه، ولا بنيته وجوبًا، وفاقًا لمالك وأبي حنيفة، لاقتضائه ذلك، سواء كان صومًا أو اعتكافًا ونحوه، كما لو حلف لا يكلم زيدًا شهرًا ونحوه، ولو أطلق فلم يقيده بالتتابع، لا بلفظه ولا بنيته، لفهمه من التعيين.стр. 1612
«وعددًا» فله تفريقه (١) ولا تدخل ليلة يوم نذره (٢) كيوم ليلة نذرها (٣) (ولا يخرج المعتكف) من معتكفه (٤) (إلا لما لا بد) له (منه) (٥) . الحواشي
(١) أي العدد، ولو ثلاثين يومًا، لأنه مقتضى اللفظ، والأيام المطلقة توجد بدون تتابع، ما لم ينو تتابعًا فيلزمه، وإن نذر شهرًا متفرقًا، فله تتابعه، وفاقًا للشافعي، وقياس قول أهل الرأي، ولأنه الأفضل.(٢) أي إن كان نذر أن يعتكف، يوم الخميس مثلاً، فلا تدخل ليلته في ذلك، وهو إجماع، إلا ما روي عن مالك: أنه لا بد أن يضيف إليه ليلته. وقال الخليل: «اليوم» اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس.(٣) أي وعدم دخول ليلة ذلك اليوم نذر اعتكافه، كعدم دخول ذلك اليوم الذي نذر اعتكاف ليلته.(٤) إذا عين مدة، أو شرط التتابع في عدد، حرم خروجه، مختارًا، ذاكرًا، لا ناسيًا أو مكرهًا بلا حق.(٥) يعني فإنه لا يحرم ولا يبطل، بل ربما تعين، وليس المراد من نفي الحرمة ثبوت الإثم من الإباحة والكراهة، قالت عائشة: السنة للمعتكف، أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه. وكان ﷺ لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، متفق عليه، قال الشارح: وإلا لم يصح اعتكاف لأحد، لأنه لا يسلم من ذلك أحد.стр. 1613
كإتيانه بمأْكل ومشرب لعدم من يأْتيه بهما (١) وكقيء بغته، وبول، وغائط (٢) وطهارة واجبة (٣) وغسل متنجس يحتاجه (٤) وإلى جمعة وشهادة لزمتاه (٥) والأولى أن لا يبكر لجمعة (٦) . الحواشي
(١) وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، من غير أن يأكل أو يشرب في بيته، ولا يجوز خروجه لأكله وشربه في بيته، اختاره الموفق والمجد، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، لعدم الحاجة، لإباحته في المسجد، وعند الشافعي: يجوز، لما فيه من ترك المروءة، ويستحي أن يأكل وحده.(٢) إجماعًا، حكاه الوزير وغيره.(٣) إجماعًا، سواء كانت لصغرى، ولو قبل دخول وقت صلاة، أو لكبرى، لأن الجنب يحرم عليه اللبث في المسجد، والمحدث لا تصح صلاته بدون وضوء، وكذا غسل جمعة إن وجب، وإلا لم يجز وفاقًا، كتجديد الوضوء.(٤) لأنه في معنى البول والغائط، ويجب غسله عند إرادة الصلاة.(٥) إن كانت الجمعة واجبة عليه، والشهادة متعينة، لأداء الواجب، ووجوب الخروج إلى الجمعة إجماع، وكذا الشهادة المتعينة، والمعتاد من هذه الأعذار: حاجة الإنسان، وطهارة الحدث، والطعام والشراب إجماعًا، والجمعة منه، وكما لا يبطل الاعتكاف، فلا ينقص مدته، فلا يقضى شيئًا منه، لأن الخروج له كالمستثنى عادة، وبقية الأعذار إن لم تبطل لا يقضي الوقت الفائت بذلك، لكونه يسيرًا مباحًا، أو واجبًا، كحاجة الإنسان، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، واختاره الموفق والشارح، وصححه في تصحيح الفروع وغيره.(٦) وعبارة المنتهى: وسن أن لا يبكر لجمعة، اقتصارًا على قدر الحاجة،
وهو ظاهر كلام أحمد. وفي الإقناع وغيره: له التبكير إليها، لأنه خروج جائز فجاز تعجيله، كالخروج لحاجة الإنسان. وهو مذهب أبي حنيفة، وفي منتهى الغاية: احتمال تبكيره أفضل.стр. 1614
ولا يطيل الجلوس بعدها (١) وله المشي على عادته (٢) وقصد بيته لحاجة، إن لم يجد مكانًا يليق به بلا ضرر ولا منة (٣) وغسل يده بمسجد في إناء، من وسخ ونحوه (٤) لا بول، وفصد، وحجامة بإناء فيه أو في هوائه (٥) . الحواشي
(١) وفي المنتهى: وسن أن لا يطيل المقام بعدها، اقتصارًا على قدر الحاجة. وفي الإقناع وغيره: له إطالة المقام بعدها، ولا يكره، لصلاحية الموضع للاعتكاف. اهـ. ويستحب له سرعة الرجوع بعد الجمعة وغيرها.(٢) من غير عجلة لأن عليه فيها مشقة، ولا يبطل بدخوله لحاجة تحت سقيفة وفاقًا.(٣) كسقاية، ولا يحتشم مثله منها، ولا نقص عليه، وإن بذل له صديق أو غيره منزله القريب، لقضاء حاجته، لم يلزمه، للمشقة بترك المروءة، والاحتشام، ويقصد أقرب منزلية وجوبًا، لدفع حاجته به.(٤) كزفر، وكغسل يدي القائم من نوم ليل، ويفرغ الإناء خارج المسجد، وذكر المجد: في غير إناء، ولعله ما لم يتأذ به أحد.(٥) أي المسجد، وعبارة الفروع وغيره: ويحرم بوله في المسجد في إناء، وكذا فصد وحجامة، لعموم قول ﷺ : «إن المساجد لم تبن لهذا، إنما هي لذكر الله، وقراءة القرآن، والصلاة» ويجوز للمستحاضة وفاقًا، مع أمن تلويثه، وإنما لم تمنع المستحاضة إذا أمنت التلويث، لأنها لا يمكنها ذلك إلا بترك
الاعتكاف، والفرق بينها وبين الحائض، أن الاستحاضة لا تمنع من الصلاة، بخلاف الحيض إجماعًا.стр. 1615
(ولا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة) (١) حيث وجب عليه الاعتكاف متتابعًا (٢) ما لم يتعين عليه ذلك، لعدم من يقوم به (٣) . الحواشي
(١) ولا يزور قريبًا، ولا يحتمل شهادة، ولا يؤديها ولا يغسل ميتًا، ونحو ذلك، فلا يخرج لكل قربة لا تتعين عليه وفاقًا، لقول عائشة: كان لا يعرج للسؤال عن المريض. رواه أبو داود. وثبت عنها أنها كانت لا تسأل عن المريض إلا وهي مارة، ولأنه منه بد كغيره، ولأنه لا يجوز ترك فريضة – وهي النذر – لفضيلة، قال في الفروع وغيره: ويخرج لمرض يتعذر معه القيام فيه، أو لا يمكنه إلا بمشقة شديدة، بأن يحتاج إلى خدمة أو فراش وفاقًا، وإن كان خفيفًا، كالصداع والحمى الخفيفة، لم يجز وفاقًا.
وتخرج المرأة لحيض ونفاس وفاقًا، ويستحب في الرحبة، فإن لم يكن رحبة رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت، رجعت إلى المسجد وفاقًا، وتخرج لعدة الوفاة في منزلها، وحكاه الوزير إجماعًا، لوجوبه شرعًا ويلزم الخروج إذا احتيج إليه لجهاد تعين، بلا نزاع، ولا يبطل، وكذا إن تعين لإطفاء حريق، أو إنقاذ غريق ونحوه، ولا يبطل بذلك، لأنه عذر في ترك الجمعة، فهنا أولى، ومن أكرهه السلطان أو غيره على الخروج، لم يبطل اعتكافه، ولو بنفسه، وإن أخرج لاستيفاء حق عليه، فإن أمكنه الخروج منه بلا عذر بطل وفاقًا، وإلا فلا، ومتى زال العذر رجع وقت إمكانه، وإن خرج ناسيًا لم يبطل، للآية والأخبار.(٢) إما لتقييده بالنذر بالتتابع، أو نيته له، أو إتيانه بما يدل عليه، كشهر.(٣) فله الخروج له، لتعينه كجمعة وشهادة لزمتاه، لوجوبهما بأصل الشرع.стр. 1616
(إلا أن يشترطه) ، أي يشترط في ابتداء اعتكافه الخروج إلى عيادة مريض، أو شهود جنازة (١) وكذا كل قربة لم تتعين عليه (٢) وماله منه بد، كعشاء ومبيت في بيته (٣) لا الخروج للتجارة (٤) ولا التكسب بالصنعة في المسجد (٥) ولا الخروج لما شاء (٦) . الحواشي
(١) فيجوز له بالشرط، قال في المبدع: وهو قول جماعة من الصحابة، ومن بعدهم. وكذا قاله الشافعي وغيره، وقال الوزير: وهو الصحيح عندي. ولأن الاشتراط يصيره كالمستثنى، قال إبراهيم: كانوا يستحبون للمعتكف هذه الخصال.(٢) كزيارة صديق، وصلة رحم، فله شرطه.(٣) فيجوز له اشتراطه، جزم به الموفق وغيره، وكذا جزم به في المنتهى، لتأكد الحاجة إليهما، وامتناع النيابة فيهما.
وعنه: له ذلك من غير شرط، لما روي عن علي قال: المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة، والجمعة، وليأت أهله، وليأمرهم بالحاجة، وهو قائم. قال في المبدع: إسناده صحيح وهو محمول. على التطوع، لكن الأفضل مقامه على اعتكافه، لفعله ﷺ .(٤) أي فلا يصح اشتراطه ذلك، قولاً واحدًا، وهو مذهب مالك وغيره، لأنه ينافيه، قال أحمد: إن كان يحتاجه فلا يعتكف.(٥) أي فلا يجوز اشتراطه.(٦) لأنه ينافيه صورة ومعنى.стр. 1617
وإن قال: متى مرضت، أَو عرض لي عارض خرجت، فله شرطه (١) وإذا زال العذر، وجب الرجوع إلى اعتكاف واجب (٢) (وإن وطئ) المعتكف (في فرج) (٣) . الحواشي
(١) كما في الإحرام، وفائدته: أنه يجوز له التحلل، إذا حدث عائق، من مرض أو غيره، ولو لم يكن المرض ونحوه شديدًا. وقال المجد: الشرط هنا سقوط القضاء في العدة المعينة، فأما المطلقة كنذر شهر متتابع، لا يخرج منه إلا لمرض، فإنه يقضي زمن المرض، لإمكان حمل الشرط هنا على انقطاع التتابع فقط، ويكون الشرط هنا أفاد سقوط الكفارة.(٢) لأن الحكم يدور مع علته، فإن أخر رجوعه عن وقت إمكانه فكما لو خرج لما له منه بد، وله ثلاثة أحوال: نذر اعتكاف أيام غير متتابعة، ولا معينة، كعشرة أيام، فيلزمه إتمام الباقي من الأيام، محتسبًا بما مضى، بأن يقضي ما بقي، وعليه كفارة يمين، أو الاستئناف بلا كفارة، أو نذر أيامًا معينة، كالعشر الأخير من رمضان، فعليه قضاء ما ترك، ليأتي بالواجب، وكفارة يمين لفوات المحل.(٣) فسد اعتكافه، منذورًا كان أو مسنونًا، إجماعًا، للآية، والنهي فيها للفساد، ولما روى حرب عن ابن عباس: إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه. وسنده صحيح، وظاهر إطلاقهم: ولو ناسيًا كالحج؛ وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والوطء في الاعتكاف: محرم بالإجماع، قال تعالى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي ما دمتم عاكفين، في المسجد ولا في غيره، قال ابن كثير وغيره: هو الأمر المتفق عليه عند العلماء، أن المعتكف يحرم عليه النساء، ما دام معتكفًا في مسجد، ولو ذهب إلى منزله لحاجة، فلا يحل له أن يلبث فيه، إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك، وليس له أن يقبل امرأته، ولا أن يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه.стр. 1618
أو أنزل بمباشرة دونه (فسد اعتكافه) (١) ويكفر كفارة يمين إن كان الاعتكاف منذورًا (٢) ، لإفساد نذره، لا لوطئه (٣) ويبطل أيضًا اعتكافه بخروجه لما له منه بد، ولو قل (٤) . الحواشي
(١) أي أو أنزل المعتكف بمباشرة دون الفرج فسد اعتكافه وفاقًا، إلا في أحد قولي الشافعي، وإن لم ينزل لم يفسد، ولا تحرم المباشرة في غير الفرج بلا شهوة وفاقًا، وذكر القاضي احتمالاً: تحرم كشهوة وفاقًا، وحكى الوزير عن أبي حنيفة وأحمد، فيمن قيل، أو لمس بشهوة: أنه قد أساء، لأنه قد أتى ما يحرم عليه، ولا يفسد اعتكافه.(٢) وهي أظهر الروايات عن أحمد، وعنه: لا تجب، وفاقًا لمالك والشافعي، حكاه الوزير وغيره في المنذور المعين، إذا نوى يمينًا وغير المنذور، اتفاقًا إلا رواية عن أحمد.(٣) أي ليست الكفارة لوطئه، بل لإفساده نذره، فلو كان التكفير للوطء نفسه – لا لأجل النذر – للزمته الكفارة به، ولو كان الاعتكاف غير منذور، والصحيح من المذهب – واختاره الموفق وغيره – أنه لا يجب عليه كفارة بالوطء في الاعتكاف مطلقًا وفاقًا، وجزم به المجد وغيره، وأجمعوا على وجوب القضاء.(٤) يعني زمن خروجه وفاقًا، لترك اللبث بلا حاجة، أشبه ما لو طال، لأنه لم يبق عاكفًا في المسجد، لا إن خرج لما لا بد منه فباع، أو اشترى، أو سأل عن مريض أو غيره، ولم يعرج أو يقف لذلك، فيجوز وفاقًا، أو دخل مسجدًا يتم اعتكافه فيه، أقرب إلى محل حاجته من الأول جاز، وإن كان أبعد، أو خرج إليه ابتداء بلا عذر، بطل اعتكافه وفاقًا، لتركه لبثًا مستحقًا، فإن وقف لمسألة بطل اعتكافه وفاقًا، لأنه لا يجوز ما يزاد به زمانه مما منه بد، لأنه يفوت به جزءًا مستحقًا
من اللبث بلا عذر، كما لو خرج له، ويجوز معه ما لا يزاد به زمانه، غير المباشرة، وإن أخرج بعض جسده لما له منه بد، لم يبطل وفاقًا، لفعل عائشة في ترجيله ﷺ . وإن خرج جميعه مختارًا عمدًا بطل وإن قل وفاقًا، وإن خرج لغير معتاد في المنذور المتابع، وتطاول خروجه، خير بين استئنافه، وإتمامه مع كفارة يمين، وإن فعله في متعين قضى، وإن خرج لماله منه بد في التتابع لزمه استئنافه، وإن فعل في متعين لزمه الكفارة، رواية واحدة.стр. 1619
(ويستحب اشتغاله بالقرب) (١) من صلاة، وقراءة، وذكر، ونحوها (٢) (واجتناب ما لا يعنيه) بفتح الياء أَي يهمه (٣) . الحواشي
(١) القرب جمع قربة وهي: كل ما يتقرب به إلى الله تعالى أي يطلب به القرب عنده.(٢) كصيام وصدقة، وليس له ذكر مخصوص، ولا فعل آخر، سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف، قال الوزير: أجمعوا على أنه يستحب للمعتكف ذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن؛ ونقل عن مالك وأحمد: لا يستحب إقراء القرآن والفقه. ثم قال: والذي عندي أن مالكًا وأحمد لم يريا استحباب أن لا يقرأ المعتكف غير القرآن في حال اعتكافه، إلا أنه من حيث أن إقراءه غيره يصرف همه عن تدبر القرآن إلى حفظ على القراء، فيكون قد صرف فهمه عن تدبر أسراره لنفسه، إلى حفظ ظاهر نطقه لغيره، وإلا فلا يظن بهما أنهما كانا يريان شيئًا من عمل اللسان للمعتكف يعدل قراءة القرآن في تدبر له، وهذا كله يشير إلى أن الاعتكاف حبس النفس، وجمع الهمة على نفوذ البصيرة في تدبر القرآن، ومعاني التسبيح، والتحميد، والتهليل، وذكر الله، فيكون كل جمع من الفكر يناسب هذه العبادة، وكل ما يسقط من الفكر ويكثر من الهم ينافيها.(٣) من جدال، ومراء، وكثرة كلام وغيره، لأنه مكروه في غيره، ففيه أشد كراهة، حتى كره بعض أهل العلم تعليم القرآن كما تقدم.стр. 1620
لقوله ﵇ «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١) ولا بأْس أَن تزوره زوجته في المسجد، وتتحدث معه (٢) وتصلح رأسه، أو غيره (٣) ما لم يتلذذ بشيء منها (٤) وله أن يتحدث مع من يأْتيه ما لم يكثر (٥) . الحواشي
(١) من قول أو فعل، والعناية بالشيء شدة الاهتمام به، فما لا تتعلق عنايته به، ولا يكون من قصده ومطلوبه، فمن حسن إسلامه تركه، وإذا حسن الإسلام، اقتضى ترك ما لا يعنيه كله من المحرمات، والشبهات، والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإن هذا كله لا يعني المسلم، إذا كمل الإسلام، وبلغ إلى درجة الإحسان.(٢) لأن صفية ﵂ زارته ﷺ ، فتحدثت معه.(٣) أي تغسل رأسه وترجله، فإن عائشة ﵂ رجلت رأسه ﷺ ، أو تصلح شيئًا غير رأسه من بدنه كمداواة ونحوها.(٤) من مس أو كلام يتلذذ به، أو مباشرة ونحو ذلك فلا، لمنافاته حال المعتكف.(٥) لخبر صفية، وله أن يأمر بما يريد خفيفًا، ولا يشغله وفاقًا، لأمره ﵊ أهله بذلك، ولا بأس أن يتزوج، ويشهد النكاح، لنفسه ولغيره، ويصلح بين القوم، ويعود المريض، ويعزي، ويصلي على الجنازة، ويهنئ، ويؤذن ويقيم، كل ذلك في المسجد، وفاقًا للشافعي وأبي حنيفة، إلا في الصلاة على الجنازة، لكراهتها في المسجد عندهم، ولا بأس أن يتنظف، ولا يكره التطيب وفاقًا كالتنظف، استظهره في الفروع، ويستحب له ترك رفيع الثياب والتلذذ بما يباح له قبل الاعتكاف، ولا يكره.стр. 1621
و يكره الصمت إلى الليل (١) وإن نذره لم يف به (٢) وينبغي لمن قصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه، لا سيما إن كان صائمًا (٣) . الحواشي
(١) إجماعًا، إلا أنه لا يتكلم إلا بخير، ولأنه ليس من شريعة الإسلام، وظاهر الأخبار تحريمه، حكاه الموفق وغيره، ورأى أبو بكر امرأة لا تتكلم، فقال: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. رواه البخاري وقال الشيخ: يحرم إذا تضمن ترك واجب، أو تعبد به عن الكلام المستحب، ويجب عن الكلام المحرم، ويسن عن المفضول، ويكره عن المستحب.(٢) لحديث علي «لا صمات إلى الليل» رواه أبو داود بسند حسن، وفي الصحيح، في الذي نذر أن لا يتكلم «مروه فليتكلم» وقال الشافعي: لو نذر الصمت في اعتكافه، ثم تكلم، فلا كفارة عليه. ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام، لأنه استعمال له في غير ما هو له، كقوله لمن جاء: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ ، وقال الشيخ: إن قرأ به عند الحكم الذي أنزل له، أو ما يناسبه فحسن، كقوله لمن دعاه لذنب تاب منه (ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) وقوله عندما أهمه ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ وقال النووي – عند حديث الشفاعة – وفيه: وقال ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ : فيه جواز الاستشهاد بالقرآن في مثل هذا الحديث، وفي الصحيح مثله من فعله ﷺ ، لما طرق فاطمة وعليا، ثم انصرف وهو يقول ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ ونظائره كثيرة.(٣) سواء كان لصلاة أو غيرها، لا لإقراء قرآن وعلم ونحوه إذا قيل: يكره للمعتكف؛ وقال الشيخ: من قصد المسجد لصلاة أو غيرها لا ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه.стр. 1622
ولا يجوز البيع ولا الشراء فيه للمعتكف وغيره، ولا يصح (١) . الحواشي
(١) قال الوزير: أجمعوا على أنه ليس للمعتكف أن يتجر ويكتسب بالصنعة على الإطلاق، ومنع منه مالك على الإطلاق في رواية. اهـ. والإجارة كالبيع، وقطع جمع من الأصحاب بالكراهة، وفاقًا لمالك والشافعي، لما روى أحمد، وأبو داود، وغيرهما. «نهى عن البيع والشراء في المسجد» .
وروى الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا «إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك» وصحت الأخبار بالمنع من إنشاد الضالة، فالبيع في الاعتكاف أولى، ويكره فيه اليسير كالكثير وفاقًا.стр. 1623
الحواشي
(١) الحج أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، ودعائمه الخمس، وقواعده، قال الله تعالى ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ولله على الناس فرض واجب حج البيت، فحرف (علي) للإيجاب، لا سيما إذا ذكر المستحق، واتبعه بقوله (ومن كفر) فسمى تعالى تاركه كافرًا فدل على كفره، وحيث دل على كفره، فقد دل على آكدية ركنيته، وأما من لم يعتقد وجوبه فهو كافر إجماعًا. وقال ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ فأذن فيهم الخليل ﵇: إن لربكم بيتًا فحجوه. وللترمذي وغيره - وصححه - عن علي مرفوعًا «من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا» .
وورد فيه أحاديث كثيرة (منها) «بني الإسلام على خمس» وذكر الحج، ولأحمد وغيره بسند حسن عن عياش مرفوعًا «إن هذه الأمة لا تزال بخير، ما عظموا هذه الحرمة» يعني الكعبة «حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا» .
وأجمع المسلمون على أنه ركن من أركان الإسلام، وفرض من فروضه، إجماعًا ضروريًا، وهو من العلم المستفيض، الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف، والحكمة والله أعلم، أنه إنما وضع البيت، وأوجب حجه ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ كما ذكر الله في كتابه، لا لحاجة به تعالى إلى الحجاج، كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده ويعظمه ﴿فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وأخر الحج عن الصلاة، والزكاة، والصوم، لأن الصلاة عماد الدين، ولشدة الحاجة إليها، ولتكررها كل يوم خمس مرات، وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، ثم الزكاة لكونها قرينة لها، في أكثر المواضع
من الكتاب والسنة، ولشمولها المكلف وغيره، ثم الصوم، لتكرره كل سنة، لكن البخاري قدم الحج على الصوم، للتغليظ في تركه، ولعدم سقوطه بالبدل، وترجم المصنف كالمقنع وغيره «بالمناسك» وترجم غيرهم بـ «الحج» .стр. 1624
جمع منسك، بفتح السين وكسرها (١) وهو التعبد (٢) يقال: تنسك تعبد (٣) وغلب إطلاقها على متعبدات الحج (٤) والمنسك في الأَصل من النسيكة وهي الذبيحة (٥) (الحج) بفتح الحاء في الأشهر (٦) عكس شهر ذي الحجة (٧) فُرض سنة تسع من الهجرة (٨) . الحواشي
(١) فبالفتح مصدر، وبالكسر اسم لموضع العبادة. فيقال للعابد: ناسك. والكسر على خلاف القياس، وقد روي مفتوحًا على القياس.(٢) أي التنسك هو التعبد.(٣) «ونسك» ينسك أي تعبد، «ونسك» بالضم أي صار ناسكًا.(٤) لكثرة أنواعها، لما تضمنته من الذبائح المتقرب بها، وفي المطالع: المناسك مواضع متعبدات الحج. فالمناسك إذًا المتعبدات كلها، وقد غلب إطلاقها على أفعال الحج، لكثرة أنواعها.(٥) يعني المتقرب بها، ثم اتسع فيها فصار اسمًا للعبادة.(٦) لا بكسرها في الأشهر، وبالفتح هو المصدر، وبالفتح والكسر جميعًا هو الاسم منه.(٧) فالأشهر فيه الكسر.(٨) عند أكثر أهل العلم، وجزم به غير واحد من أهل التحقيق، وقيل: سنة عشر، قال ابن القيم: تأخر فرضه إلى سنة تسع، أو عشر، عام تبوك، وهو
قول جمهور المفسرين، ولم يحج ﷺ بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع، وكانت سنة عشر من الهجرة، بلا نزاع، وحج قارنا، لسوقه الهدي، وإنما سميت حجة الوداع لأنه ودع الناس فيها، وقال «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» واعتمر أربع عمر، وكلها في أشهر الحج، وقال ابن إسحاق: لم يبعث الله نبيًا بعد إبراهيم إلا حج هذا البيت. وقال غيره: ما من نبي إلا حج.стр. 1625
وهو لغة القصد (١) وشرعًا: قصد مكة لعمل مخصوص (٢) في زمن مخصوص (٣) (والعمرة) لغة الزيارة (٤) وشرعًا: زيارة البيت، على وجه مخصوص (٥) . الحواشي
(١) أي إلى من تعظمه، أو كثرة القصد إليه، ويطلق على العمل أيضًا، وعلى الإتيان مرة بعد أخرى، قال الجوهري: ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك، وقال الشيخ: الحج في اللغة قصد الشيء وإتيانه، ومنه سمي الطريق محجة، ومنه في الاشتقاق الأكبر: الحاجة، وهو ما يقصد ويطلب للمنفعة به.(٢) فالمعنى الشرعي يجب اشتماله على اللغوي، بزيادة المناسبة بين المعنيين، فالحج شرعًا: قصد، وهو النية، وزيادة الأفعال، كالصلاة، دعاء، وزيادة الأفعال.(٣) هو يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، ويقال: الحج عبارة عن قصد البيت العتيق، بإحرام مخصوص، مشتمل على وقوف وغيره، على وجه مخصوص.(٤) يقال: اعتمره. إذا زاره، وتسمى «حجًا أصغر» لمشاركتها له في الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق، أو التقصير.(٥) بإحرام، وطواف، وسعي، وتحلل، ولم يقل: بزمن مخصوص
لأنها تجوز كل وقت، وقال الشيخ: ثم غلب – في الاستعمال الشرعي والعرفي – على حج بيت الله وإتيانه، فلا يفهم عند الإطلاق إلا هذا النوع الخاص من القصد، لأنه هو المشروع، الموجود كثيرًا، وذلك لقوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ والمقصود من الحج والعمرة عبادة الله وحده، في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، وقال ﷺ «إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله» بل الحج خاصة هذا الدين الحنيف، وسر التوحيد، قال بعض المفسرين – في قوله ﴿حُنَفَاءَ للهِ﴾ – أي حجاجًا. وجعل تعالى بيته قيامًا للناس، فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه، فلو ترك الحج خرت السماء على الأرض، كما قال ابن عباس: لا يزال الناس قيامًا، ما زال هذا البيت محجوجًا. فهو خاصة الحنيفية، وزيارة المحب لمحبوبه، وإجابة دعوته، ومحل كرامته، ولهذا كان شعارهم «لبيك لبيك» .стр. 1626
وهما (واجبان) (١) لقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ (٢) . الحواشي
(١) أي الحج والعمرة، أما وجوب الحج فبإجماع المسلمين، بل هو ركن من أركان الإسلام، المشار إليها في حديث «بني الإسلام على خمس» فذكر حج البيت وتقدم، وفرض كفاية كل عام، على من لم يجب عليه عينًا، وأما وجوب العمرة فالمذهب وجوبها، وفاقًا للجديد من قولي الشافعي، وقول في مذهب مالك، وهو قول أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، قاله في الفروع، والبغوي وغيرهما وتجب بالشروع فيها، باتفاق أهل العلم، حكاه ابن كثير وغيره، وأجمعوا على أن العمرة مشروعة، بأصل الإسلام، وأن فعلها في العمر مرة واحدة كالحج.(٢) احتج بالآية على وجوب العمرة، وسبب نزولها: أنه أتى النبي ﷺ رجل وهو بالجعرانة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فنزلت ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ والسائل قد أحرم، وإنما سأل كيف يصنع؟ وتقدم أنه قد انعقد الإجماع على وجوب إتمامها، قال ابن القيم: وليس في الآية فرضها، وإنما فيها إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء وورد في فضلها أحاديث كثيرة.стр. 1627
ولحديث عائشة: يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة» رواه أحمد، وابن ماجه، بإسناد صحيح، وإذا ثبت ذلك في النساء، فالرجال أَولى (١) . الحواشي
(١) أي إذا ثبت وجوب الحج والعمرة على النساء في الخبر، فالرجال أولى بثبوتها في حقهم، وللبخاري عنها، أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» ولمسلم عن ابن عباس «دخلت العمرة في الحج، إلى يوم القيامة» وعن أبي رزين العقيلي، أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعن، فقال «حج عن أبيك واعتمر» رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وفي حديث عمر، عند ابن خزيمة وغيره «وتحج البيت وتعتمر» .
وقال الشافعي: العمرة سُنة، لا نعلم أحدًا رخص في تركها، وليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع. وعنه: سنة، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، وأحد قولي الشافعي، واختاره الشيخ وغيره، لحديث جابر مرفوعًا: سئل عن العمرة، أواجبة هي؟ قال «لا، وأن تعتمر خير لك» رواه الترمذي وصححه، وقال: وهو قول بعض أهل العلم، قالوا: العمرة ليست بواجبة. ولأن الأصل عدم الوجوب، والبراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك، مع اعتضاد الأصل بالأحاديث، القاضية بعدم الوجوب، ويؤيده اقتصاره تعالى على الحج في قوله تعالى ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ واقتصار الرسول ﷺ في حديث «بني الإسلام على خمس» على الحج، وقال للذي قال: لا أزيد عليهن، ولا أنقص. «لئن صدق ليدخلن الجنة» وحديث «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ولفظ «التمام» في الآية مشعر بأنه إنما يجب بعد الإحرام، لا قبله، للخبر في سبب النزول، وأما أهل مكة فالقول بوجوبها عليهم ضعيف، مخالف للسنة الثابتة، وهو الأصح عند أحمد، قاله الشيخ وغيره.стр. 1628
إذا تقدر ذلك فيجبان (على المسلم، الحر، المكلف، القادر) أي المستطيع (١) (في عمره مرة) واحدة (٢) لقوله ﵇ «الحج مرة، فمن زاد فهو مطَّوَّع» رواه أحمد وغيره (٣) . الحواشي
(١) لقوله تعالى ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (مَنْ) بدل من (الناس) فتقديره: ولله على المستطيع. وللسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، ولانتفاء تكليف ما لا يطاق عقلاً وشرعًا.(٢) قال الوزير وغيره: أجمعوا على أن الحج يجب على كل مسلم، عاقل، حر، بالغ، صحيح، مستطيع، في العمر مرة واحدة، وأن المرأة في ذلك كالرجل، وأن الشرائط في حقها كالرجل. اهـ. وإذا فقد من هذه الشروط المذكورة واحد لم يجب أصلاً، ولا يجب على من قام به واحد من أضداد هؤلاء، وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن من فعل العمرة مرة واحدة كالحج، وتقدم الكلام في وجوبها.(٣) فرواه النسائي بمعناه عن ابن عباس ﵄، ولأحمد عن علي نحوه، وفيه: أفي كل عام؟ قال «لا» وفي صحيح مسلم وغيره، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا «أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا» فقال رجل: أكل عام؟ فقال «لو قلت: نعم. لوجبت، ولما استطعتم» وفي الصحيحين عن سراقة: مُتعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال «لا، بل لأبد الأبد» «والمطَّوَّع»
بتشديد الطاء المهملة، وكسر الواو المشددة، أي متنفِّل، غير مفترض، فإنه لم يفرض في العمر إلا مرة واحدة.стр. 1629
فالإسلام والعقل، شرطان للوجوب والصحة (١) والبلوغ وكمال الحرية، شرطان للوجوب والإجزاء، دون الصحة (٢) . الحواشي
(١) فلا يجبان على كافر أصلي إجماعًا، ولا على مرتد وفاقًا، ويعاقب عليه، وعلى سائر فروع الإسلام، كما تقدم، ولا يجبان عليه باستطاعته في حال ردته فقط، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، ولا تبطل استطاعته بردته، وإن حج ثم ارتد، ثم أسلم وهو مستطيع لم يلزمه، وفاقًا للشافعي، ولا يصحان منه إجماعًا، لأنهما عبادة من شرطها النية، وهي لا تصح من كافر، ولأنه ممنوع من دخول الحرم، وهو مناف له، وينعقد إحرامه معه ابتداء، بخلاف الردة إجماعًا، ولا يبطل إحرامه، ويخرج منهما بها، وهو مذهب أبي حنيفة، لعموم ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ولا يجبان على مجنون إجماعًا، ولا يصحان منه إن عقده بنفسه إجماعًا، لأنه لا قصد له، وقصد الفعل شرط، وكذا لو عقده له وليه، وقيل: يصح. وهو مذهب مالك والشافعي، ولا تبطل استطاعته بجنونه، ولا إحرامه به، قياسًا على الصوم اتفاقًا، ولا يبطل الإحرام بالإغماء، والسكر، والموت.(٢) فلا يجبان على الصغير وفاقًا، للخبر، لأنه غير مكلف، ولاشتمال الحج على المال والبدن، وفي نيته قصور، ولا يجبان على القن وفاقًا، لأن مدتهما تطول، فلم يجبا عليه، لما فيه من إبطال حق السيد، والمشغول بالحاجة الأصلية كالمعدوم شرعًا، ولأنه لا مال له، وكذا مكاتب، ومدبر، وأم ولد، ومعتق بعضه وفاقًا، وحكاه ابن الهمام إجماعًا، وإن فعلا انعقد وفاقًا، لحديث ابن عباس: أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيًا، فقالت: ألهذا حج؟ قال «نعم، ولك أجر» رواه مسلم، ولأن العبد من أهل العبادة، فصحا منه كالحر، ولا يجزئ عن حجة الإسلام وعمرته بعد زوال المانع، وعليهما الحج والعمرة بعد البلوغ والعتق، لقول ابن عباس: إن النبي ﷺ قال «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى» رواه أحمد، والشافعي والبيهقي، وغيرهم، والحاكم وصححه، ولأنهم فعلوا قبل وجوبه، فلم يجزئهم إذا صاروا من أهله، حكاه ابن عبد البر وغيره إجماعًا، وهو قول عامة أهل العلم إلا شذوذًا.стр. 1630
والاستطاعة شرط للوجوب، دون الإجزاء (١) ف من كملت له الشروط وجب عليه السعي (على الفور) (٢) ويأْثم إن أخره بلا عذر (٣) لقوله ﵇ «تعجلوا إلى الحج – يعني الفريضة – فإن أَحدكم لا يدري ما يعرض له» رواه أحمد (٤) . الحواشي
(١) فلو حج كبير، أو مريض، أو فقير أجزأ إجماعًا، وحج خلق من الصحابة مع النبي ﷺ ولا شيء لهم، ولم يأمرهم بالإعادة.(٢) أي فمن كملت له الشروط الخمسة، الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة، وجب عليه السعي للحج والعمرة على الفور، وهو الشروع في الامتثال عقب الأمر، من غير فصل، ولا يجوز له تأخيره، عند أحمد، وأبي حنيفة، وأكثر الشافعية، قال الشيخ: والحج على الفور، عند أكثر العلماء، وإذا خاف العنت من يقدر على الحج قدم النكاح، وحكي إجماعًا، وإلا قدم الحج.(٣) لأن الأمر يقتضي الفورية، ولما ورد في التأخير من التأثيم، ومع العذر فلا تأثيم.(٤) وله من حديث الفضل «من أراد الحج فليتعجل» وليست الإرادة هنا على التخيير، لانعقاد الإجماع على خلافه، بل كقوله: من أراد الصلاة فليتوضأ. وكقوله ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ وعن عبد الرحمن بن سابط يرفعه «من مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فليمت على أي حال، يهوديًا أو نصرانيًا» رواه سعيد، وله طرق توجب أن له أصلاً، وعن الحسن، عن عمر: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين. رواه البيهقي وغيره، ولأنه أحد مباني الإسلام، فلم يجز تأخيره إلى غير وقت معين، كبقية المباني، بل أولى.
وأما تأخيره ﷺ ، هو وأصحابه، بناء على أنه فرض سنة تسع، فيحتمل أنه كان في آخرها، أو لعدم استطاعته، أو حاجة خوف في حقه، منعه وأكثر أصحابه، أو لأن الله كره له الحج مع المشركين عراة، أو لاستدارة الزمان، أو غير ذلك، ومن جملة الأقوال أنه فرض سنة عشر، فلا تأخير، وقال ابن القيم: لما نزل عليه فرض الحج بادر، فإن فرضه تأخر إلى سنة تسع، أو عشر، عام تبوك. وإرداف الصديق بعلي ينادي بذلك مؤذن به، وهو قول جمهور المفسرين، ولم ير أحمد بالغزو قبل الحج بأسًا، قال الشيخ: هذا مع أن الحج واجب على الفور عنده، لكن تأخيره لمصلحة الجهاد، كتأخير الزكاة الواجبة، لانتظار قوم أصلح من غيرهم، أو تضرر أهل الزكاة، وتأخير الفوائت، للانتقال عن مكان الشيطان، وهذا أجود ما ذكروه إن كان وجب عليه متقدمًا، والتقديم أفضل إجماعًا، ولو حج في آخر عمره ليس عليه إثم بالإجماع، ولو مات ولم يحج مع القدرة أثم إجماعًا.стр. 1631
(فإن زال الرق) بأَن عتق العبد محرمًا (١) (و) زال (الجنون) بأَن أَفاق المجنون، وأَحرم إن لم يكن محرمًا (٢) . الحواشي
(١) سواء كان قنا، أو مكاتبًا، أو مدبرًا، أو أم ولد، أو معتقًا بعضه، أو معلقًا بصفة.(٢) قبل جنونه، لا فيه، إذ المجنون لا يصح إحرامه.стр. 1632
(و) زال (الصبا) بأَن بلغ الصغير وهو محرم، (في الحج) وهو (بعرفة) قبل الدفع منه، أَو بعده إن عاد فوقف في وقته (١) ولم يكن سعى بعد طواف القدوم (٢) (وفي) أي أَو وجد ذلك في إحرام (العمرة قبل طوافها صح) أي الحج والعمرة فيما ذكر (فرضًا) (٣) فتجزئه عن حجة الإسلام وعمرته (٤) ويعتد بإحرام ووقوف موجودين إذًا (٥) . الحواشي
(١) صح فرضه، وهو مذهب الشافعي، وكذا إن أسلم الكافر، ثم أحرم، قبل الدفع من عرفة أو بعده وعاد فوقف في وقته، صح فرضه، كما لو أحرم إذًا، ولأنه أتى بالنسك حال الكمال، فأجزأه، كما لو وجد قبل الإحرام.
واستدل أحمد بأن ابن عباس قال: إذا عتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجته، وإن عتق بجمع لم تجز وعنه، ويلزمه العود إن أمكنه، لوجوب الحج على الفور مع الإمكان، كالبالغ الحر.(٢) يعني من عتق وأفاق وبلغ.(٣) وفاقًا لأنهما أتيا بالنسك حال الكمال، فأجزأ عنهما، كما لو وجد قبل الإحرام.(٤) أي ممن زال رقه وجنونه وصباه في الحج بعرفة، وفي العمرة قبل طوافها، ولا تجزئه العمرة بعد طوافها، ولا في أثنائه، ولا أثر لإعادته وفاقًا في الكل.(٥) بالتنوين أي وقت البلوغ، والحرية، وزوال الجنون.стр. 1633
وما قبله تطوع، لم ينقلب فرضًا (١) فإن كان الصغير أَو القن سعى بعد طواف القدوم قبل الوقوف لم يجزئه الحج، ولو أَعاد السعي، لأَنه لا يشرع مجاوزة عدده، ولا تكراره (٢) بخلاف الوقوف، فإنه لا قدر له محدود (٣) وتشرع استدامته (٤) وكذا إن بلغ أَو عتق في أَثناء طواف العمرة، لم تجزئه ولو أَعاده (٥) (و) يصح (فعلهما) أَي الحج والعمرة (من الصبي) نفلاً (٦) . الحواشي
(١) ولا اعتداد به، قاله الموفق ومن تابعه، وقدمه في التنقيح، والمنتهى، والإقناع، وقال المجد وجماعة: ينعقد إحرامه موقوفًا، فإذا تغير حاله تبينت فرضيته، كزكاة معجلة. وقال مرعي: لو حج وفي ظنه أنه صبي، أوقن، فبان بالغًا، أو حرًا أجزأ.(٢) أي السعي وقلنا: هو ركن. كما هو المذهب، وقال غير واحد: يجزئه إذا أعاد السعي، ولو كان قد سعى مع طواف القدوم، لحصول الركن الأعظم وهو الوقوف، فلا فرق في وجود ذلك قبل السعي أو بعده.(٣) يعني الوقوف، فإنه يكفي ولو لحظة، فلا تقدير بساعة أو نحوها.(٤) أي الوقوف، لأن من وقف نهارًا وجب عليه أن لا يدفع إلا بعد الغروب، مع أنه يكفي لو دفع قبله.(٥) لمضي بعض الركن حال الصغر والرق، وهو لا يشرع مجاوزة عدده، ولا تكراره.(٦) وفاقًا، إلا أن أبا حنيفة قال: لا يتعلق به وجوب الكفارة، قال الوزير:
أي يكتب له. وكذلك أعمال البر كلها، فهي تكتب له، ولا تكتب عليه، ومعنى قول أبي حنيفة: لا يصح منه. لا يصح صحة يتعلق بها وجوب الكفارات عليه، إذا فعل محظورات الإحرام.стр. 1634
لحديث ابن عباس: أَن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيًا، فقالت: أَلهذا حج؟ قال «نعم، ولك أَجر» رواه مسلم (١) ويحرم الولي في مال، عمن لم يميز (٢) . الحواشي
(١) ورواه الترمذي وغيره وصححه، وعن السائب بن يزيد، قال: حج بي مع رسول الله ﷺ ، وأنا ابن سبع، وغير ذلك من الأخبار، قال الترمذي، وابن عبد البر، والوزير، وغيرهم: أجمع أهل العلم أن الصبي إذا حج قبل أن يبلغ، فعليه الحج إذا وجد وبلغ، ولا تجزئه تلك الحجة عن حجة الإسلام، وكذا عمرته، لقول ابن عباس: قال رسول الله ﷺ «أيما صبي حج ثم بلغ، فعليه حجة أخرى» رواه الشافعي والبيهقي، ولأنه فعله قبل وجوبه، فلم يجزئه إذا صار مع أهله.(٢) أي يعقد الإحرام ولي الصبي في المال – وهو الأب، أو وصيه، أو الحاكم – عن الصبي غير المميز، حيث لم يمكنه الإحرام بنفسه، ويقع لازمًا، وحكمه كالمكلف عند الجمهور، لا الولي في النكاح، كالعم، وابن العم، فإنه لا ينعقد إحرامه بهم، وإذا عدم الولي في المال، يقوم غيره مقامه، كما في قبول الزكاة له، وهو ظاهر قوله ﷺ «ولك أجر» حيث لم يستفصل، فيسأل: هل له أب حاضر، أو لا؟ ولقول جابر: حججنا مع رسول الله ﷺ ، ومعنا النساء، والصبيان، فأحرمنا عن الصبيان. رواه سعيد، فيعقد له الولي – أو من يقوم مقامه – الإحرام، ويصير الصغير بذلك محرمًا، دون الولي، ولا يحرم الولي عن مميز، وفاقًا لمالك، والشافعي، لعدم الدليل.стр. 1635
ولو محرمًا، أَو لم يحج (١) ، ويحرم مميز بإذنه (٢) ويفعل ولي ما يعجزهما (٣) لكن يبدأ الولي في رمي بنفسه (٤) . الحواشي
(١) أي ولو كان الولي محرمًا لنفسه، أو نائبًا عن غيره، أو لم يحج عن نفسه، ولا عن غيره.(٢) أي ويحرم المميز عن نفسه بإذن وليه، لأنه يصح وضوءه، فيصح إحرامه، ولا يصح بغير إذن وليه، لأنه يؤدي إلى لزوم مال، فلم ينعقد بنفسه، كالبيع، واختار المجد: يصح كصوم وصلاة.(٣) كرمي وتلبية، لحديث جابر: لبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم؛ رواه أحمد، وابن ماجه، وعن عمر في الرمي، وأبي بكر، أنه طاف بابن الزبير في خرقة، رواهما الأثرم، وعن عائشة، أنها كانت تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم، وقال عطاء: يفعل به كما يفعل بالكبير، ويشهد المناسك كلها، إلا أنه لا يصلي عنه، وكل ما أمكن الصغير – مميزًا كان أو دونه – فعله بنفسه، كالوقوف، والمبيت، لزمه فعله، بمعنى أنه لا يصح أن يفعل عنه، لعدم الحاجة إليه، ويجتنب في حجة ما يجتنب الكبير من المحظورات، والوجوب متعلق بالولي، لأن الصغير لا يخاطب بخطاب تكليفي، وزيادة نفقته في السفر عن نفقة الحضر في مال وليه، عند جمهور الأصحاب.(٤) أي عن نفسه، لا عن غيره، كما في النيابة في الحج، وهذا استدراك من قوله: ويفعل ولي. الخ، لدفع توهم: أنه يبدأ في رمي بموليه، فإنه لو بدأ برمي عن موليه وقع عن نفسه هو، وقيده بعضهم بما إذ كان حجه فرضًا، وإن أمكن الصبي أن يناوله النائب الحصى ناوله، وإن أمكن أن يضعها في كفه فيجعل يده كالآلة فحسن، ليوجد من الصبي نوع عمل.стр. 1636
ولا يعتد برمي حلال (١) ، ويطاف به لعجز راكبًا أَو محمولاً (٢) . (و) يصحان من (العبد نفلاً) لعدم المانع (٣) . الحواشي
(١) لأنه لا يصح لنفسه رمي، فلا يصح عن غيره، إلا الطواف لوجوده من الصبي، كمحمول مريض، ولم يوجد من الحامل إلا النية.(٢) كالمريض، ولفعل أبي بكر، قال الشيخ: وإن لم يمكنه الطواف ماشيًا، فطاف راكبًا، أو محمولاً، أجزأ بالاتفاق. وتعتبر نية طائف به، لتعذر النية منه، إن لم يكن مميزًا، فإن لم يمكن الطواف به راكبًا، ولا محمولاً، طاف عنه وليه، قال الزركشي: لا يخلو من ثمانية أحوال «أحدها» نويا جميعًا عن الحامل فقط، فيصح له بلا ريب «الثاني» نويا جميعًا عن المحمول، فتختص الصحة به أيضًا «الثالث» نوى كل منهما عن نفسه، فيصح الطواف للمحمول، دون الحامل، جعلا للحامل كالآلة، وأخذ الأجرة عن المحمول يدل على أنه قصده به، وحسن أبو محمد صحة الطواف منهما كل لنفسه، لأنه لا يصرفه عن نفسه، ولأن كلا منهما طائف بنية صحيحة، كالحمل بعرفات، وذكر ذلك ابن الزاغوني احتمالاً، وصاحب الفروع قولاً، وهو مذهب أبي حنيفة. قال «والرابع، والخامس» نوى أحدهما عن نفسه، ولم ينو الآخر شيئًا، فيصح للناوي، دون غيره، «السادس، والسابع، والثامن» لم ينو أحد منهما، أو نوى كل منهما عن صاحبه، فلا يصح لواحد منهما، والسعي كالطواف، صرح به الشافعية، وقال غير واحد: هو كالعبادات المتنوعة، لتعلقه بأماكن، وأزمان، فيفتقر كل جزء منه إلى نية، وذكر القاضي وغيره أن نية الحج تشمل أفعاله كلها، إلا البدل وهو الهدي.(٣) ولكونه من أهل العبادة، فصحا منه إجماعًا، وإن عتق فعليه الحج إن استطاع، وقال الترمذي: أجمع أهل العلم على أن المملوك إذا حج في حال رقه ثم عتق، فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلاً، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه.стр. 1637
ويلزمانه بنذره (١) ولا يحرم به، ولا زوجة، إلا بإذن سيد وزوج (٢) فإن عقداه فلهما تحليلهما (٣) ولا يمنعها من حج فرض كملت شروطه (٤) . الحواشي
(١) أي يلزم الحج والعمرة العبد بنذره بلا خلاف، لأنه مكلف، فصح نذره كالحر، ولا يجوز له تحليله منه، لوجوبه، كما لو أحرم بواجب بأصل الشرع، وفي رواية: إن كان نذره بإذنه.(٢) وفاقًا، لتفويت حق الزوج والسيد بالإحرام.(٣) أي فإن عقد قن، أو امرأة الإحرام بلا إذن سيد وزوج، ولم يكن منذورًا، فللسيد والزوج منعهما منه وفاقًا، لأن حقهما لازم، فملكا إخراجهما منه، كالاعتكاف، وإن لم تقبل تحليله أثمت، وله مباشرتها، ويكونان كالمحصر، لأنهما في معناه، فإن نذره بإذن سيد فليس له تحليله، ولا لزوج تحليلها من منذور، ولو لم يأذن فيه، ومفهومه أنهما إن فعلاه انعقد إحرامهما، لأنه عبادة بدنية، فصحت بغير إذن كالصوم.(٤) أي ولا يمنع الزوج زوجته، من حج فرض كملت شروطه، ولا يحللها منه، وفاقًا، لأنه واجب بأصل الشرع، أشبه الصوم والصلاة، وقال الشيخ: ليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب، مع ذي رحم، عليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك، حتى إن كثيرًا من العلماء أو أكثرهم يوجبون لها النفقة عليه مدة الحج. وهذا مستدرك مما أجمله الشارح قبل، وأفردها بالفرض دون العبد، لأنه لا يجب عليه حج بحال بخلافها، ولو لم تستكمل شروطه فله منعها، وإن أحرمت به بلا إذنه لم يملك تحليلها، ويستحب أن تستأذنه.стр. 1638
ولكل من أَبوي حر بالغ منعه من إحرام بنفل، كنفل جهاد (١) ولا يحللانه إن أَحرم (٢) (والقادر) المراد فيما سبق (٣) (من أَمكنه الركوب (٤) الحواشي
(١) أي لهما منعه من نفل الحج، كما أن لهما منعه من نفل الجهاد، مع أنه فرض كفاية، لأن بر الوالدين فرض عين، واستغربه ابن مفلح وغيره، وقالوا: المعروف اختصاص الجهاد بهذا الحكم، والمراد – والله أعلم – أنه لا يسافر لمستحب إلا بإذنهما كسفر الجهاد، وأما ما يفعله في الحضر نحو ذلك فلا يعتبر فيه إذن، وإن لم يعتبره أحد، ولا وجه له، والعمل على خلافه، كصلاة النافلة.(٢) أي بالحج والعمرة، لوجوبه بالشروع فيهما، ولا يجوز للولد طاعتهما في ترك الحج الواجب، أو التحلل منه، وكذا كل ما وجب من صلاة وصوم، وكالجماعة والجمع، والسفر للعلم الواجب، لأنه فرض عين، وهذا المستحب مقدم على فرض الكفاية، وتلزم طاعتهما في غير معصية فيحرم، ولو كانا فاسقين في ظاهر كلام أحمد، قال الشيخ: فيما نفع فيه لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب. وفي رواية: لا طاعة لهما إلا في البر، وفي رواية: لا طاعة لهما في مكروه، أو ترك مستحب. وقال: ليس للأبوين منع ولدهما من الحج الواجب، لكن يستطيب أنفسهما، فإن أذنا له وإلا حج. وقال: إذا وجب على المحجور عليه، لم يكن لوليه منعه منه على الوجه الشرعي. اهـ. وليس لولي سفيه مبذر منعه من حج الفرض، ولا يحلله، ويدفع نفقته إلى ثقة ينفق عليه في الطريق، ويتحلل بصوم إذا أحرم بنفل إن زادت نفقته على نفقة الإقامة.(٣) أي المستطيع كما تقدم في قوله عند قول الماتن: المكلف القادر.(٤) من غير ضرر يلحقه لكبر أو زمانه، أو مرض لا يرجى برؤه، أو ثقل لا يقدر معه أن يركب إلا بمشقة شديدة، أو كان معضوبًا كما سيأتي.стр. 1639
ووجد زادًا وراحلة) بآلتهما (١) (صالحين لمثله) (٢) لما روى الدارقطني بإسناده عن أَنس عن النبي ﷺ في قوله ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال: قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال «الزاد والراحلة» (٣) . الحواشي
(١) أي آلة الراحلة من رحل، وقتب، ومحمل، ونحوها، حيث اعتبرت في حقه، بكراء، أو شراء، لذهابه وعودته، ويعتبر الزاد مع قرب المسافة وبعدها، إن احتاج إليه، فإن وجده في المنازل، لم يلزمه حمله، إن وجده يباع بثمن مثله، والزاد ما يحتاج إليه من مأكول، ومشروب، وكسوة، وتعتبر الراحلة مع بعد المسافة فقط – ولو قدر على المشي – وهو ما تقصر فيه الصلاة، لا فيما دونها من مكي وغيره، ويلزمه المشي إلا مع عجز لكبر ونحوه.(٢) فالمعتبر شرعًا في حق كل أحد ما يليق بحاله، عرفًا وعادة، لاختلاف أحوال الناس، فإن كان ممن يكفيه الرحل والقتب، ولا يخشى السقوط، اكتفي بذلك، وإلا اعتبر وجود محمل، وهو «الهودج» ، وفي معناه الشقدف المتعارف «ومحارة» يركب فيها الواحد والاثنان، وما أشبه ذلك مما لا يخشى سقوطه عنه، ولا مشقة فيه، وإن لم يكن يقدر على خدمة نفسه اعتبر من يخدمه، ومن أمكنه من غير ضرر يلحق بغيره، مثل من يكتسب بصناعة كالخراز، أو مقارنة من ينفق عليه، أو يكتري لزاده، ولا يسأل الناس استحب له الحج، ويكره لمن حرفته المسألة، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأكثر أهل العلم، وقال مالك: ليس الزاد والراحلة من شروط وجوبه، فإذا قدر راجلا، وله صنعة، أو من عادته السؤال فهو مستطيع.(٣) ورواه البيهقي وغيره، وسنده إلى الحسن صحيح، ورواه الحاكم من
طريق آخر وثقه أحمد، وعن ابن عباس عند ابن ماجه والدارقطني نحوه، وعن جماعة من الصحابة، يقوي بعضها بعضًا للاحتجاج بها، ومنها حديث ابن عمر: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما يوجب الحج؟ قال «الزاد والراحلة» قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم. وقال شيخ الإسلام بعد سرد الآثار فيه: هذه الأحاديث مسندة من طرق حسان، ومرسلة، وموقوفة، تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة. ولأن الخطاب إنما هو للمستطيع، لأن (من) بدل من (الناس) ، فتفيد الآية: ولله على المستطيع. ولانتفاء تكليف ما لا يطاق عقلاً وشرعًا، ولأنه عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة، فكان ذلك شرطًا كالجهاد، ومتى وصل وفعل أجزأه بلا نزاع، فليس شرطًا في الصحة والإجزاء كما تقدم.стр. 1640
وكذا لو وجد ما يحصل به ذلك (١) (بعد قضاء الواجبات) من الديون، حالة أَو مؤجلة (٢) والزكوات، والكفارات، والنذور (٣) (و) بعد (النفقات الشرعية) له ولعياله (٤) . الحواشي
(١) أي القادر من أمكنه الركوب، ووجد من نقد أو عرض، أو غيرهما ما يحصل به الزاد والراحلة، لأن ملك الثمن كملك المثمن، ونقل ابن الجوزي الإجماع على أن اكتساب الزاد والراحلة لا يجب، فتقرر أن تحصيل سبب الوجوب لا يجب.(٢) لأن ذمته مشغولة به، وهو محتاج لبراءتها، فتجب مقدمة على الحج، وإن ترك حقًا يلزمه من دين وغيره حرم وأجزأه، لتعلقه بذمته.(٣) أي الواجبة لله، فلا فرق بين حق الله وحق الآدمي.(٤) إلى أن يعود، بلا خلاف، لقوله «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» وقوله «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» ولأن ذلك مقدم على الدين، فلأن يقدم على الحج بطريق الأولى.стр. 1641
على الدوام (١) من عقار، أَو بضاعة، أَو صناعة (٢) (و) بعد (الحوائج الأصلية) من كتب، ومسكن، وخادم، ولباس مثله (٣) وغطاء، ووطاء، ونحوها (٤) ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره له (٥) . الحواشي
(١) أي عامه، والدوام مصدر: دام يدوم. إذا ثبت واستمر، والمراد هنا مدة ذهابه ورجوعه، وقال جمهور الأصحاب: طريق التصحيح أن يحمل قوله هنا على ذلك، ويمكن أن يحمل علىظاهره صرح به في الهداية، حيث قال: وأن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته، من عقار، أو بضاعة أو صناعة. ومشى عليه في الإقناع، والمنتهى وشرحه وغيرهم، لتضرره بذلك كالمفلس، قال في الإنصاف: والصحيح من المذهب أنه يعتبر أن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته، وكفاية عياله، على الدوام، وعليه أكثر الأصحاب.(٢) أي من أجور عقار، أو ربح بضاعة، أو من صناعة ونحوها، وكثمار، وعطاء من ديوان ونحو ذلك، لكن إن فضل عن حاجته، وأمكن بيعه وشراؤه قدر الكفاية منه، ويفضل له ما يحج به لزمه.(٣) لأن المفلس يقدم به على غرمائه، والمراد: ومسكن للسكنى، أو يحتاج إلى أجرته لنفقته، أو نفقة عياله.(٤) كأوانٍ، وما لا بد له منه، وإلا لم يلزمه، لتضرره بإنفاق ما في يده إذًا.(٥) مالاً أو مركوبًا، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، ولو كان الباذل له قريبه كأبيه ونحوه، لأجل المنة، كبذل إنسان نفسه ليحج عن نحو مريض مرضًا لا يرجى برؤه، وليس له ما يستنيب به، قال الشيخ: وكل عبادة اعتبر فيها المال، فإنما المعتبر ملكه، لا القدرة على ملكه، كتحصيله بصنعة، أو قبول هبة، أو مسألة،
أو أخذ من صدقة، أو بيت مال. اهـ. ومذهب الشافعي: يلزمه ببذل ولده، إذا كان قد أدى عن نفسه، فإن قبل المال المبذول، وقدر به، وجب عليه الحج إجماعًا.стр. 1642
ويعتبر أَمن الطريق (١) بلا خفارة (٢) . الحواشي
(١) للنفس والمال، من ظالم، أو عدو، أو سبع، أو غير ذلك، لأن عدم أمن ذلك ضرر، وهو منفي شرعًا، ولا يتأتى الحج بدونه، قال ابن الجوزي: العاقل إذا أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك، وجب عليه الكف عن سلوكها. واختاره الشيخ، وقال: أعان على نفسه، فلا يكون شهيدًا. وإن غلب لم يلزمه السلوك، وذكره المجد إجماعًا في البحر، قال أحمد: روي مرفوعًا «من ركب البحر حال ارتجاجه فمات، برئت منه الذمة» وإن كان غالبه السلامة وجب، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، وعن الشافعي رواية كالجماعة، وهل يستنيب لعدم أمن الطريق وغيره، قال سليمان بن علي: القادر على حج الفرض لا يستنيب، ولو مع خوف الطريق.(٢) بتثليث الخاء، والفتح أشهر، اسم لجعل الخفير، يقال: خفرت الرجل. حميته، وأجرته من طالبه، فأنا خافره، لقوله تعالى ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فإن الخائف غير مستطيع، فإن لم يمكنه سلوكه إلا بها لم يجب، وظاهره: ولو يسيرة. كظاهر المنتهى وغيره، لأنها نكرة في سياق النفي، وعليه الجمهور، زاد الموفق وغيره: إذا أمن الغدر من المبذول له. ولعله مراد من أطلق، واستظهر بعضهم أنها ليست من قبيل المنهي عنه، لأنه إنما يبذلها ليتوصل بها إلى واجب، فهي جائزة اتفاقًا، وإذا جازت، وتوقف الواجب عليها، وجبت كثمن الزاد، وقال الشيخ: الخفارة تجوز عند الحاجة إليها، إلا في الدفع عن المستخفر، ولا يجوز مع عدمها، كما يأخذه السلطان من الرعايا، وقاله أبو الخطاب وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.стр. 1643
يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد (١) وسعة وقت، يمكن فيه السير على العادة (٢) (وإن أعجزه) عن السعي (كبر، أو مرض لا يرجى برؤه) (٣) . الحواشي
(١) أي بالمنازل في الأسفار، لأنه لو كلف حمل مائه وعلف بهائمه فوق المعتاد من ذلك لأدى إلى مشقة عظيمة، فإن وجد على العادة، ولو بحمل الماء من منهل إلى منهل، والعلف من موضع إلا آخر لزمه، لأنه المعتاد، واستمر عمل المسلمين عليه.(٢) أي ويشترط للوجوب سعة وقت، لتعذر الحج مع ضيق وقته، كما يعتبر أمن الطريق، وقاله أبو الخطاب وغيره؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وعنه: أن سعة الوقت، وأمن الطريق، وقائد الأعمى، ودليل الجاهل، ونحو ذلك من شروط لزوم الأداء، اختاره الأكثر، وفاقًا للمالكية، وصححه في الفروع، فيأثم إن لم يعزم على الفعل، ولو مات قبل وجود هذين الشرطين أخرج من ماله من ينوب عنه، دون القول أنهما من شرائط الوجوب، والمراد: من كملت له الشروط سوى هذين، والفرق بنيهما أن ما كان شرطًا في الوجوب، إذا مات لم يجب في ماله، وما كان شرطًا في الأداء وجب.(٣) كالسَّل، لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر فورًا، من حيث وجبا، قال الزركشي وغيره: هذان شرطان لوجوب المباشرة بلا ريب، وإذا عدمهما، وبقيت الشروط موجودة فيه، ووجد مالاً فاضلاً عن حاجته المعتبرة، وافيًا بنفقة راكب، وجب عليه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده، للخبر، أو من الموضع الذي أيسر منه، وظاهره أن المرجو برؤه ليس له أن يستنيب كالمحبوس، وفي الإنصاف: لو رجي زوال علته لم يجز أن يستنيب وهو صحيح، فإن فعل لم يجزئه بلا نزاع.стр. 1644
أو ثقل لا يقدر معه على ركوب إلا بمشقة شديدة (١) أو كان نضو الخلقة (٢) لا يقدر أَن يثبت على راحلة إلا بمشقة غير محتملة (٣) (لزمه أَن يقيم من يحج ويعتمر عنه) فورًا (٤) (من حيث وجبا) أَي من بلده (٥) . الحواشي
(١) غير محتملة، لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه على الفور، «والثقل» بكسر ففتح، ضد الخف، وأصله في الأجساد، ثم يقال في المعاني.(٢) بكسر النون والخاء، وهو المهزول، ويسمى العاجز عن السعي لزمانة ونحوها «المعضوب» من «العضب» وهو القطع، كأنه قطع من كمال الحركة والتصرف، ويقال: بالصاد كأنه ضرب على عصبه، فانقطعت أعضاؤه.(٣) فإن كانت مشقة خفيفة تحتمل فلا، «وحمل، وتحمل، واحتمل» ، بمعنى.(٤) ومن أمكنه السعي لزمه ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كالسعي إلى الجمعة، ومن وجد الاستطاعة وهو معذور، أو طرأ عليه العذر وجب عليه، باتفاق أهل العلم، ووجه جواز دفع المال أن الحج واجب على المستطيع بماله، فلا بد أن يخرج هذا المال في الحج.(٥) أو من الموضع الذي أيسر منه إن كان غير بلده، فتعتبر الجهة، فلو حج عنه من غير جهة بلده – ولو كانت أبعد مسافة – لم يصح، وقيل: يجزئ من ميقاته، وهو مذهب مالك، والشافعي، ويقع الحج عن المحجوج عنه، ويؤخذ منه جواز نيابة اثنين في حجة واحدة، كل واحد يأتي ببعضها، ولا بد لفاعل ما بقي من إحرام.стр. 1645
لقول ابن عباس: إن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال «حجي عنه» متفق عليه (١) (ويجزئ) الحج والعمرة (عنه) أي عن المنوب عنه إذًا (٢) (وإن عوفي بعد الإحرام) قبل فراغ نائبه من النسك أَو بعده (٣) . الحواشي
(١) ولحديث أبي رزين المتقدم، ولأنه عبادة تجب الكفارة بإفسادها، فجاز أن يقوم غيره فيه، كالصوم، سواء وجب عليه حال العجز أو قبله، وهو مذهب الشافعي، ولو كان النائب امرأة عن رجل، ولا كراهة، قال الشيخ: يجوز للرجل الحج عن المرأة، باتفاق أهل العلم، وكذا العكس، على قول الأئمة الأربعة، وخالف فيه بعض الفقهاء. اهـ. وتصح الاستنابة عن المعضوب، والميت في النفل اتفاقًا، وقال الترمذي: قد صح عن النبي ﷺ في هذا الباب غير حديث، والعمل عليه عند أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ ، وغيرهم، وبه يقول الشافعي، وأحمد. وقال مالك: إذا أوصى أن يحج عنه حج عنه، ولأنه عبادة تجب الكفارة بإفسادها فجاز أن يقوم غيره فيه كالصوم، سواء وجب عليه حال العجز أو قبله، ولا تشترط العدالة في النائب، إن كان متبرعًا، أو عينه الموصي، ولا يستنيب الوصي إلا عدلاً ولو ظاهرًا، فلا يحتاج لتزكيته، قال في الفروع: ويجزئ بلا مال، وفاقًا لمالك، والشافعي، وقول للحنفية، للخبر، ولشبهه بالدين.(٢) حيث أعجزه عن السعي إلى الحج كبر، أو مرض لا يرجى برؤه ونحوه.(٣) كما لو لم يبرأ، وكالمتمتع إذا شرع في الصوم، ثم قدر على الهدي، قال الشيخ: إذا أحج عن نفسه ثم برأ لا يلزمه إعادة الحج، من غير خلاف أعلمه.стр. 1646
لأنه أتى بما أمر به، فخرج من العهدة (١) ويسقطان عمن لم يجد نائبًا (٢) ومن لم يحج عن نفسه، لم يحج عن غيره (٣) . الحواشي
(١) ولا يرجع عليه بما أنفق قبل أن عوفي، بل بعده، لعزله إذًا، فإن لم يعلم النائب بزوال عذر مستنيبه، فهل يقع النسك عن النائب، أو عن المستنيب؟ رجح ابن نصر الله وقوعه عن المستنيب، ولزوم النفقة عليه، ومفهوم عبارته: أنه لو عوفي بعد إحرام أجزأه، ولو كان قبل الميقات. قال الحجاوي: وهو كذلك. وذكر غير واحد أنهم اتفقوا على أنه إن عوفي قبل إحرام النائب عن المعضوب، لم يجزئه حج النائب عن المعضوب، للقدرة على المبدل، قبل الشروع في البدل، كالمتيمم يجد لماء، وكما لو استناب من يرجى زوال علته، والجمهور أيضًا على أنه لا يجزئه ولو عوفي بعد الإحرام، لأنه تبين أنه لم يكن مأيوسًا منه، قال في المبدع: وهو الأظهر عند الشيخ تقي الدين. وقال الموفق: الذي ينبغي أن لا يجزئه. قال الشيخ: وهو أظهر الوجهين.(٢) فإذا وجد النائب بعد لم تلزم الاستنابة إلا أن يكون مستطيعًا إذ ذاك، وإلا أن يقال: هو شرط للزوم الأداء، فيبقى في ذمته إلى أن يجد نائبًا.(٣) وهذا مذهب الشافعي، وكرهه أبو حنيفة، ومالك، وكذا من عليه حج قضاء أو نذر لم يصح أن يحج عن غيره، ولا عن نذره، ولا نافلته، فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام، وفاقًا للشافعي، لحديث ابن عباس، أنه ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة؛ قال «حججت عن نفسك؟» قال: لا. قال «حج عن نفسك» أي استدمه «ثم حج عن شبرمة» وإسناده جيد، وصححه البيهقي وغيره، واحتج به أحمد وغيره، ولأنه حج عن غيره، قبل حجه عن نفسه، فلم يجزئه، كما لو كان صبيًا، والعمرة كالحج، ويرد النائب ما أخذه، لوقوعه عن نفسه، ومن أتى بواجب أحدهما فله فعل نذره ونفله قبل الآخر، والنائب كالمنوب عنه، ويصح أن ينوب في الحج من حج عن نفسه مفردًا، مع بقاء العمرة في ذمته.стр. 1647
ويصح أن يستنيب قادر وغيره، في نفل حج أَو بعضه (١) والنائب أَمين فيما يعطاه ليحج منه (٢) . الحواشي
(١) كالصدقة، ولأنها لا تلزم القادر، ولا غير القادر بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها، كالمعضوب، وعنه: لا يستنيب. قال في المبدع: ومحلها إذا أدى حجة الإسلام، وهو قادر على الاستنابة عليها بنفسه، أما لو كان قادرًا، ولم يؤد الفرض، لم يصح أن يستنيب في التطوع، لأنه ممنوع بنفسه، فنائبه أولى، ذكره الموفق والشارح.(٢) فيركب وينفق بالمعروف، ويضمن ما زاد على ذلك، أو على نفقة طريق أبعد من الطريق القريب، إن لم يكن عذر، وفي الفروع وغيرها: يركب وينفق بالمعروف منه، أو مما اقترضه أو استدانه لعذر، ويرد ما فضل، إلا أن يؤذن له فيه، لأنه لا يملكه، وله صرف نقد بآخر لمصلحة، وشراء ماء لطهارته، وقال ابن قندس: من ضمن الحج بأجرة أو بجعل فلا شيء له، ويضمن ما تلف بلا تفريط، يعني إن لم يتفق له إتمامها، إما لكونه أحصر أو ضل، أو تلف ما أخذه، أو مات قبل تمام الحج، ولا شيء له. اهـ.
وكرهت الإجارة، لأن ذلك بدعة، لم يكن على عهد النبي ﷺ ، ولا على عهد السلف، وقال ﷺ لمن استؤجر بدراهم يغزو بها، «ليس لك من دنياك وآخرتك إلا هذا» وقال تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآيات. والأجير يبيع عمله لمن استأجره، والحج: عَمَلٌ من شرطه أن يكون قربة لفاعله، فلا يجوز الاستئجار عليه، كغيره من القرب، وهذا لأن دخوله في عقد الإجارة، يخرجه عن أن يكون قربة، لأنه قد وقع مستحقًا للمستأجر،
وإنما كان من شرطه أن يقع قربه، لأن الله أوجب على العبد أن يعمل مناسكه كلها، وتعبده بذلك، فلو أنه عملها بعوض من الناس، لم يجزئه إجماعًا، كمن صام أو صلى بالكراء، فإذا عجز عن ذلك بنفسه، جعل الله عمل غيره، قائمًا مقام عمل نفسه، وسادًا مسده، رحمة منه تعالى ولطفًا، فلا بد أن يكون مثله، ليحصل به مقصوده، لأنه ﷺ شبهه بالدين في الذمة، وإنما تبرأ ذمة المدين إذا قضي عنه الدين، من جنس ما عليه، فإذا كان هذا العامل إنما يعمل للدنيا، ولأجل العوض الذي أخذه، لم يكن حجه عبادة لله وحده، فلا يكون من جنس ما كان على الأول، وإنما تقع النيابة المحضة، ممن غرضه نفع أخيه المسلم، لرحم بينهما، أو صداقة، أو غير ذلك، وله قصد في أن يحج بيت الله الحرام، ويزور تلك المشاعر العظام، فيكون حجة لله، فيقام مقام حج المستنيب، والجعالة بمنزلة الإجارة، إلا أنها ليست لازمة، ولا يستحق الجعل حتى يعمل، والحج بالنفقة كرهه أحمد مرة، لأنه قد يكون قصده الإنفاق على نفسه مدة الحج، فلا يكون حجه لله، وإن كان شيئًا مقدرًا، مثل وصية ونحوها، فقد يكون قصده استفضال شيء لنفسه، فيبقى عاملاً لأجل الدنيا.стр. 1648
ويحتسب له نفقة رجوعه (١) وخادمه إن لم يخدم مثله نفسه (٢) (ويشترط لوجوبه) أَي الحج والعمرة (على المرأة وجود محرمها) (٣) . الحواشي
(١) أي بعد أداء النسك، إن لم يقم بمكة، فوق مدة قصر بلا عذر، قال في الفروع: ويتوجه احتمال: ولا عادة به. فمن ماله، وإن اتخذها دارًا سقطت.(٢) لأنه من المعروف، وإن مات أو ضل أو مرض، أو تلف بلا تفريط لم يضمن.(٣) أي ويشترط لوجوب الحج على المرأة شرط آخر، زيادة على ما يشترط لوجوبه على الرجل. وأما الشروط المتقدمة، فأجمعوا على أنها في ذلك كالرجل، وأخر في حقها هذا الشرط، لاستيفاء الكلام عليه، وهو قول إسحاق، وابن المنذر، ومذهب أبي حنيفة، ولم يره مالك والشافعي، قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كل واحد ما لا حجة معه عليه، والمراد بقولهم: يشترط؛ لمن لعورتها حكم، تخاف أن ينالها الرجال.стр. 1649
لحديث ابن عباس «لا تسافر امرأة إلا مع محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم» رواه أحمد بإسناد صحيح (١) ولا فرق بين الشابة والعجوز (٢) . الحواشي
(١) وفيه إني أريد أن أخرج في جيش كذا، وامرأتي تريد الحج، فقال «اخرج معها» وفي الصحيحين: إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا، قال «انطلق فحج معها» وفي الصحيح وغيره «لا يحل لامرأة تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم» سدًا لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع، وأجمعوا عليه، مع عدم الرفقة، والنساء الثقات، وأجمعوا على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، في غير الحج والعمرة، والخروج من بلد الشرك، ويستثنى مواضع الضرورة، بأن يجد أجنبية منقطعة في برية، ونحو ذلك، فيباح له استصحابها، بل يجب عليه ذلك، إذا خاف عليها لو تركها بلا خلاف، لحديث عائشة في قصة الإفك، وقال أحمد: المحرم من السبيل، فمن لم يكن لها محرم، لم يلزمها الحج بنفسها، ولا بنائبها.(٢) فيعتبر المحرم لكل من لعورتها حكم، وهي بنت سبع سنين فأكثر، لأنها محل الشهوة، ومن السفهاء من لا يرتفع عن الفاحشة، بالعجوز وغيرها، لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته، وخيانته، وعند الشيخ: تحج كل امرأة آمنة، مع عدم المحرم، لزوال العلة، وقال: هذا متجه في سفر طاعة. وصحح في الفتاوى المصرية: أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع رفقاء، أو ذي محرم.стр. 1650
وقصير السفر وطويله (١) (وهو) أَي محرم السفر (زوجها (٢) أَو من تحرم عليه على التأْبيد (٣) بنسب) كأَخ مسلم مكلف (٤) (أو سبب مباح) كأَخ من رضاع كذلك (٥) . الحواشي
(١) ولا فرق بين حج الفرض والتطوع في ذلك، لأنه ﷺ لم يستفصل عن حجها. وعنه: لا يعتبر المحرم إلا في مسافة القصر، وفاقًا لأبي حنيفة، كما لا يعتبر في أطراف البلد، مع عدم الخوف وفاقًا، وأما إماؤها فيسافرن معها، قال الشيخ: ولا يفتقرن إلى محرم، لأنهن لا محرم لهن في العادة الغالبة، وظاهر إطلاقهم اعتباره في حقهن.(٢) وفاقًا، ويسمى محرمًا لها مع حلها له، لحصول المقصود، من صيانتها وحفظها، مع إباحة الخلوة بها بسفره معها.(٣) الأبد الدهر، والأبد أيضًا الدائم، والتأبيد التخليد، لأن غير المؤبد لا يؤمن انقطاعه.(٤) وفاقًا، فلا يجب بوجود كافر، لأنه لا يؤمن عليها، خصوصًا المجوسي وفاقًا، لأنه يعتقد حلها، وابن وأب وعم وخال، من باب أولى، وفي الفروع: ويتوجه أن مثله مسلم لا يؤمن، وأنه لا يعتبر إسلامه إن لم يؤمن عليها، ولا يجب بوجود صغير ومجنون، لعدم حصول المقصود من حفظها، وفي المنتهى: ولو عبدًا. قال الخلوتي: ولو كان رقيقًا للغير، وأما عبدها فليس محرمًا بالملك، وعلله شيخنا بأنها لا تحرم عليه أبدًا، وبأنه لا يؤتمن عليها، وكذا زوج أختها ونحوه، واشترط ابن عطوة في محرم المرأة أن يكون بصيرًا.(٥) أو مصاهرة، كزوج أمها وفاقًا، وابن زوجها، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، لما في صحيح مسلم وغيره «لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تسافر سفرًا إلا ومعها أبوها أو ابنها، أو زوجها أو ذو محرم منها» .следующие страницы →