Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وثبت على إحرامه لسوقه الهدي. وتأَسف بقوله «لو استقبلت من أَمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولأَحللت معكم» (١) (وصفته) أَي التمتع (أَن يحرم بالعمرة في أشهر الحج (٢) ويفرغ منها (٣) ثم يحرم بالحج في عامه) من مكة، أَو قربها، أَو بعيد منها (٤) . الحواشي
(١) بفتح الهمزة، وسكون الحاء، وفي لفظ «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة» ولا يتحلل إلا بالطواف والسعي والتقصير أو الحلق إجماعًا، ولا يتأسف إلا على الأفضل، فدل على أنه الأفضل إلا لمن ساق الهدي، وهو مذهب الجمهور.(٢) لأنه لو لم يحرم بها في أشهر الحج، لم يجمع بين النسكين فيه، ولم يكن متمتعًا.(٣) أي يتحلل بعد فراغه من أعمالها، لأنه لو أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة لكان قارنا، فإذا فرغ منها، ولم يكن معه هدي، أقام بمكة حلالاً، وتجزئه هذه العمرة بلا خلاف.(٤) لقول عمر: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، وإن خرج ورجع فليس بمتمتع. وعن ابن عمر نحوه، ولأنه لو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، ثم رجع من عامه، لا يكون متمتعًا، فلأن لا يكون متمتعًا إذا لم يحج من عامه، بطريق الأولى، ويشترط أن يحج في عامه اتفاقًا، لقوله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ وظاهره في عامه، وجزم بعدم التقييد في المنتهى وغيره، وعليه أكثر الأصحاب.стр. 1682
والإفراد أن يحرم بحج، ثم بعمرة بعد فراغه منه (١) والقران أن يحرم بهما معًا (٢) أو بها ثم يدخله عليها قبل شروعه في طوافها (٣) ومن أحرم به، ثم أدخلها عليه لم يصح إحرامه بها (٤) . الحواشي
(١) أي يحرم بالحج وحده من الميقات، ثم يقف بعرفة، ويفعل أفعال الحج، فإذا تحلل فقالوا: يخرج إلى التنعيم، فيحرم بالعمرة، ويفعل أفعالها، إن لم يكن أتى بها قبل. وقال المجد: لا يأتي في أشهر الحج بغيره. قال الزركشي: وهو أجود. وتقدم أن النبي ﷺ وأصحابه لم يعتمروا بعد الحج، إلا ما كان من عائشة، وأن الذين استحبوا الإفراد من الصحابة، إنما استحبوا أن يحج في سفرة، ويعتمر في أخرى، ولم يستحبوا أن يحج ويعتمر بعد ذلك، حتى تنازعوا: هل تجزئه أو لا؟(٢) أي جميعًا، ينوي بالحج والعمرة من الميقات، ويطوف لهما، ويسعى، لفعله ﷺ ، كما هو مستفيض في بضعة وعشرين حديثًا، صحيحة، صريحة في ذلك، ومن ذكر أنه متمتع، فالمراد متعة القران، وهو لغة القرآن، والقران مصدر من: قرنت بين الشيئين.(٣) أي العمرة قبل شروعه في طوافها، إلا لمن معه هدي، فيصح ولو بعده، وسواء كان في أشهر الحج، أولا، لقول عائشة: أهللنا بالعمرة، ثم أدخلنا عليها الحج. وفي الصحيح أنه أمرها بذلك، وفعله ابن عمر، وقال: هكذا صنع رسول الله ﷺ . متفق عليه، ويقتصر على أفعال الحج وحده، وهذا مذهب مالك، والشافعي.(٤) أي ومن أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، لم يصح إحرامه بها، لأنه لم يرد به أثر، ولم يستفد به فائدة، ولم يصر قارنا، بل مفردًا، لأنه لا يلزمه
بالإحرام الثاني شيء، وعمل القارن، كعمل المفرد في الإجزاء، ويسقط ترتيب العمرة، ويصير الترتيب للحج، وتندرج أفعال العمرة في الحج، قال الشيخ، وابن القيم وغيرهما: إذا التزم المحرم أكثر مما كان لزمه جاز، باتفاق الأئمة، فلو أحرم بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج، جاز بلا نزاع، وإذا أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، لم يجز عند الجمهور، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجوزه أبو حنيفة، بناء على أن القارن يطوف ويسعى مرتين، أما لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة، لم يجز بلا نزاع، وإنما الفسخ جائز، لمن نيته أن يحج بعد العمرة، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة فهو داخل في الحج.стр. 1683
(و) يجب (على الأٌفقي) وهو من كان مسافة قصر فأكثر من الحرم (١) إن أَحرم متمتعًا، أَو قارنا (دم) نسك (٢) لاجبران (٣) . الحواشي
(١) والأفقي بضمتين نسبة إلى الأفق، وهو الناحية من الأرض أو السماء، وقال ابن خطيب الدهشة: لا يقال: آفاقي؛ فلا ينسب إلى الجمع، بل إلى الواحد.(٢) إجماعًا في المتمتع، ونص عليه أحمد في القارن، ولا يجب على المفرد إجماعًا، قال الوزير وغيره: أجمعوا على أن المفرد إذا تم حجه بشرائطه، وتوقي محظوراته، لم يجب عليه دم، واتفقوا على استحباب التطوع بالهدي إذا لم يجب عليه.(٣) أي لا نقص في التمتع يجبر به، لما تقدم من أفضلية التمتع على غيره، وإلا لما أبيح له التمتع بلا عذر، لعدم جواز إحرام ناقص، يحتاج أن يجبره بدم، قال أحمد: إذا دخل بعمرة يكون الله قد جمع له بين عمرة وحجة ودم. قال ابن القيم: الهدي في التمتع عبادة مقصودة، وهو من تمام النسك، وهو دم هدي، لا دم جبران، وهو بمنزلة الضحية للمقيم، ومن تمام عبادة هذا النسك، ولو كان دم جبران لما جاز الأكل منه، وقد ثبت أنه ﷺ أكل من هديه، وفي الصحيحين أنه أرسل لنسائه من الهدي الذي ذبحه عنهن، وقال تعالى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ وهو متناول هدي التمتع والقران قطعًا.стр. 1684
بخلاف أهل الحرم (١) ومن هو منه دون المسافة، فلا شيء عليه (٢) لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣) . ويشترط أن يحرم بها من ميقات (٤) أو مسافة قصر فأكثر من مكة (٥) . الحواشي
(١) فلا شيء عليهم إجماعًا، لكونهم من حاضري المسجد الحرام المنصوص عليهم.(٢) لأن من دون المسافة من حاضره، إذ حاضر الشيء من حل فيه، أو قرب منه، وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك: هم أهل مكة؛ وقال أبو حنيفة: من كان دون المواقيت. وكذا عند الموفق ومن تبعه.(٣) أي الحرم، فلا متعة لهم، وقيل: ومن دون مسافة القصر؛ لأنه لا يعد مسافرًا، فلا شيء عليهم، وإن استوطن مكة أفقي فحاضر، فإن دخلها متمتعًا، ناويًا الإقامة بها، بعد فراغ نسكه، أو بعد فراغه منه، لزمه دم وفاقًا، وإن استوطن مكي بلدًا بعيدًا، ثم عاد مقيمًا متمتعًا لزمه دم، جزم به الموفق وغيره، لأنه حال الشروع فيه لم يكن من حاضرها.(٤) أي فيشترط في وجوب دم على متمتع سبعة شروط «أحدها» أن يحرم بالحج والعمرة من ميقات بلده، قال ابن المنذر، وابن عبد البر، وغيرهما: أجمع أهل العلم على أن من أحرم بعمرة في أشهر الحج، وحل منها، وليس من حاضري المسجد الحرام، ثم أقام بمكة حلالاً، ثم حج من عامه، أنه متمتع، عليه دم.(٥) فلو أحرم من دون مسافة القصر من مكة، لم يكن عليه دم تمتع، ويكون حكمه حكم حاضري المسجد الحرام، واختار الموفق وغيره أنه ليس بشرط، وصححه في الإقناع وغيره، وعليه، فيلزمه دم التمتع، وإن سافر، قال في شرح الإقناع: وهذا غير ناهض، لأنه لم يلزم من تسميته متمتعًا وجوب الدم.стр. 1685
وأن لا يسافر بينهما (١) فإن سافر مسافة قصر فأحرم فلا دم عليه (٢) . وسن لمفرد وقارن فسخ نيتهما بحج (٣) وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة (٤) لحديث الصحيحين السابق (٥) . الحواشي
(١) أي بين الحج والعمرة، وهو «الشرط الثاني» .(٢) أي وليس بمتمتع، وهو مذهب الشافعي، لقول عمر: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام، فهو متمتع، وإن خرج فليس بمتمتع. وعن ابن عمر نحوه، ولأنه مسافر، لم يترفه بترك أحد السفرين، كمحل الوفاق، وقال أبو حنيفة ومالك: إن رجع إلى أهله فلا دم عليه، «والشرط الثالث» أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام إجماعًا، للآية «والرابع» أن يحج من عامه وفاقًا، لأن ظاهر الآية الموالاة، ولأنه أولى لو اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه، وخالف بعض الحنفية «والخامس» أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج، وإلا صار قارنًا «والسادس» أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وقال أحمد: عمرته في الشهر الذي أهل فيه، وهو قول للشافعي، والقول الثاني يكون متمتعًا إذا طاف لها في شوال، وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك «والسابع» نية التمتع في ابتداء العمرة، أو أثنائها، وعليه أكثر الأصحاب، واختار الموفق والشيخ وغيرهما: لا تعتبر، لظاهر الآية، وهو مذهب الشافعية، ولا يعتبر وقوع النسكين عن واحد، ولا كونه متمتعًا، فإن المتعة تصح من المكي لغيره، مع أنه لا دم عليه.(٣) حيث قد نوى حجًا، مفردًا أو قارنًا أولاً، فينقض نيته بالحج، سواء طاف وسعى أو لا، وقال الشيخ: يجب على من اعتقد عدم مساغه.(٤) لا مقرونة بحج، ويفرغ من أعمالها.(٥) أنه ﷺ ، أمر أصحابه لما طافوا وسعوا، أن يجعلوها عمرة، إلا من ساق هديًا، وثبت على إحرامه.стр. 1686
فإذا حلا أحرما به ليصيرا متمتعين (١) ما لم يسوقا هديًا (٢) أو يقفا بعرفة (٣) وإن ساقه متمتع لم يكن له أَن يحل (٤) فيحرم بحج إن طاف وسعى لعمرته قبل حلق (٥) . فإذا ذبحه يوم النحر حل منهما (٦) (وإن حاضت المرأة) المتمتعة قبل طواف العمرة (فخشيت فوات الحج أحرمت به) وجوبًا (٧) . الحواشي
(١) أي فإذا فرغا من عمرتهما، أحرما بالحج يوم التروية، ليصيرا متمتعين، منتفعين بإقامتهما حلالاً، إلى يوم التروية.(٢) فإن ساق القارن أو المفرد هديًا، لم يكن لهما فسخه، لما تقدم من قوله «إلا من كان معه هدي» ولعدم ورود ما يدل على إباحة ذلك.(٣) فإن وقفا بعرفة، لم يكن لهما فسخه، فإن من وقف بها أتى بمعظم الحج، وأمن من فوته، ولو فسخا في الحالتين فلغو.(٤) أي من عمرته، لحديث ابن عمر: تمتع الناس بالعمرة إلى الحج، فقال النبي ﷺ «من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم عليه، حتى يقضي حجه» .(٥) أي قبل تحلله بالحلق.(٦) أي من الحج والعمرة معًا، لخبر ابن عمر وغيره، ولأن التمتع أحد نوعي الجمع بين الإحرامين، كالقران، والمعتمر غير المتمتع يحل بكل حال، إذا فرغ من عمرته في أشهر الحج وغيرها، وإن كان معه هدي نحره عند المروة إن أمكن، وحيث نحره من الحرم جاز.(٧) لأنه لم يكن لها أن تدخل المسجد وتطوف بالبيت، لما تقدم في الحيض، ولما سيأتي، ولا تمنع من شيء من مناسك الحج، إلا الطواف وركعتيه إجماعًا، حكاه ابن جرير وغيره، وليس كونها خشيت فوات الحج شرطًا، لجواز إدخال
الحج على العمرة، بل لوجوبه، لأن الحج واجب فورًا، ولا سبيل إليه إلا ذلك، فتعين، وكالصورة الثانية من القران، إدخال الحج على العمرة، قبل الشروع في طوافها، وإن لم يخف فوت الحج.стр. 1687
(وصارت قارنة) (١) لما روى مسلم: أَن عائشة كانت متمتعة فحاضت، فقال لها النبي ﷺ «أَهلي بالحج» (٢) وكذا لو خشيه غيرها (٣) . ومن أَحرم وأَطلق صح، وصرفه لما شاء (٤) الحواشي
(١) نص عليه، وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: ترفض العمرة. قال أحمد: لم يقله غيره. ومراد النبي ﷺ : دعي أفعال العمرة. ولأنه لا يجوز رفض نسك يمكن بقاؤه، ثم قال لها ﷺ «طوافك وسعيك يكفيك لحجك وعمرتك» فأثبت لها عمرة، وإعمارها من التنعيم تطيبًا لخاطرها.(٢) لأنها معذورة، محتاجة إلى ذلك، وحديثها أصل في سقوط طواف القدوم عن الحائض، وكانت متمتعة فصارت قارنة، قال ابن القيم: وهو أصح الأقوال، والأحاديث لا تدل على غيره، ولأن إدخال الحج على العمرة، يجوز من غير خشية فوات الحج، فمعه أولى، لأنها ممنوعة من دخول المسجد. وفي الإنصاف: إذا دخلت متمتعة، فحاضت، فخشيت فوات الحج أحرمت به، وصارت قارنة، ولم تقض طواف القدوم، بلا نزاع فيه كله.(٣) أي وكالحائض – إذا خشيت فوات الحج – غيرها إذا خشي فواته، أحرم بالحج لتعينه، وصار قارنًا، وهو مذهب مالك والشافعي، ولم يقض طواف القدوم، ويجب دم قران، وتسقط عنه العمرة لاندراجها في الحج للخبر.(٤) وفاقًا: قال الشيخ: ولو أحرم إحرامًا مطلقًا جاز، فلو أحرم بالقصد للحج من حيث الجملة، ولا يعرف هذا التفصيل جاز، ولو أهل ولبى كما يفعل الناس قاصدًا للنسك، ولم يسم شيئًا بلفظه، ولا قصده بقلبه، لا تمتعًا، ولا إفرادًا،
ولا قرانًا، صح حجه أيضًا، وفعل واحدًا من الثلاثة، وإن أحرم بنسك ونسيه، صرفه إلى أي الأنساك شاء.стр. 1688
وبمثل ما أَحرم فلان. انعقد بمثله (١) وإن جهله جعله عمرة، لأَنها اليقين (٢) ويصح: أَحرمت يومًا (٣) أو بنصف نسك (٤) لا: إن أَحرم فلان؛ فأَنا محرم. لعدم جزمه (٥) . الحواشي
(١) أي انعقد إحرامه، بمثل ما أحرم به فلان وفاقًا، علم به قبل الإحرام أو بعده، لحديث علي، لما سأله رسول الله ﷺ «بم أحرمت؟» قال: بما أحرمت به يا رسول الله. وفي خبر أنس: أهللت بإهلاك كإهلال النبي ﷺ . وعن أبي موسى أنه أحرم كذلك، ولم يكن ساق هديًا، فأمره أن يحل، ولأنه قصد الإحرام بصفة خاصة، حتى لو بطل بقي أصل الإحرام، «وفلان» مصروف، كناية عن الذكر من الناس.(٢) أي وإن استمر الجهل به، جعل نسكه عمرة استحبابًا، لأن العمرة اليقين، والتمتع أفضل، وله صرف الحج والقران إليها مع العلم، فمع الإبهام أولى، ويجوز صرفه إلى غيرها.(٣) وهذا مذهب الشافعي، لأنه إذا أحرم زمنًا لم يصر حلالاً فيما بعده، حتى يؤدي نسكه، ولو رفض إحرامه.(٤) صح وهو مذهب الشافعي، لأنه إذا دخل في نسك لزمه إتمامه، فيقع إحرامه مطلقًا، ويصرفه لما شاء.(٥) أي بالإحرام، قال في الفروع: فيتوجه أن لا يصح وفاقًا. وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بواحدة، وهو مذهب مالك والشافعي، وفي الإنصاف: بلا نزاع. ولا ينعقد بهما كبقية أفعالهما، وكنذرهما في عام واحد، وفاقًا، فتجب إحداهما، لأن الوقت لا يصلح لهما، وإن أحرم عن اثنين، وقع عن نفسه
بلا نزاع، لأنه لا يمكن عنهما، وكذا لو أحرم عن نفسه وغيره، وإن استنابه اثنان، فأحرم عن واحد معين، ثم نسيه وتعذرت معرفته، فإن كان فرط أعاد الحج عنهما، وإن فرط الموصى إليه غرم، وإلا فمن تركه الموصيين، إن كان النائب من غير جعل، وإلا لزمه، وإن لم ينسه صح، ويؤدب من أخذ عن اثنين ليحج عنهما عامًا واحدًا.стр. 1689
(وإذا استوى على راحلته قال) (١) قطع به جماعة (٢) والأصح عقب إحرامه (٣) (لبيك اللهم لبيك) (٤) . الحواشي
(١) أي قال: لبيك، الخ، حال استوائه على راحلته، والتلبية سنة مؤكدة، وأوجبها مالك، وأبو حنيفة في ابتداء الإحرام.(٢) وجزم به في المقنع وغيره، وتبعهم الماتن.(٣) أي والأصح: أن السنة ابتداء التلبية عقب إحرامه ، قدمه وجزم به في الإقناع، وصححه في شرحه. وعن سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: عجبًا لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله. فقال إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت منه حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، لما صلى في مسجد ذي الحليفة أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، فأدرك ذلك أقوام، فحفظوا عنه، وذكر لما علا على البيداء، وايم الله لقد أوجبه في مصلاه. فأزال الإشكال ﵁. قال الشيخ: يلبي من حين يحرم، سواء ركب دابته أو لم يركبها، وإن أحرم بعد ذلك جاز.(٤) إجابة لدعوته، قال ابن القيم: ولهذا كان للتلبية موقع عند الله، وكلما أكثر العبد منها كان أحب إلى ربه، وأحظى عنده، فهو لا يملك نفسه أن يقول: لبيك لبيك. حتى ينقطع نفسه.стр. 1690
أي: أنا مقيم على طاعتك وإجابة أَمرك (١) (لبيك لا شريك لك لبيك (٢) إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) (٣) . الحواشي
(١) أي إقامة على طاعتك بعد إقامة، وإجابة لأمرك لنا بالحج بعد إجابة، «ولبيك» مصدر مثنى، قصد به التكثير، مأخوذ من «لب بالمكان» إذا لزمه، وقيل: اتجاهي وقصدي إليك. والأجود في اشتقاقها، هو العطف على الشيء، والإقبال عليه، والتوجه نحوه، وأصل «لبيك» لببتك، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثالثة ياء، وقيل: لبيك. محبتي لك، وقيل: إخلاصي لك، وقيل معناها: الخضوع، فالتلبية جواب دعاء، والداعي هو الله تعالى، قال جل وعلا ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ وقيل: محمد ﷺ ، وقيل إجابة دعوة الخليل حين نادى بالحج: أيها الناس أجيبوا ربكم. فأجابوه: لبيك، الخ، وفي لفظ: إن ربكم اتخذ بيتًا، وأمركم أن تحجوه. وقطع به البغوي وغيره.
قال الشيخ: والتلبية إجابة دعوة الله تعالى لخلقه، حين دعاهم إلى حج بيته، على لسان خليله إبراهيم، والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره، كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته، والمعنى: إنا مجيبوك لدعوتك، مستسلمون لحكمك، مطيعون لأمرك، مرة بعد مرة، لإنزال على ذلك. اهـ. وفي مشروعية التلبية، تنبيه على إكرام الله لعباده، بأن وفودهم على بيته، إنما كان باستدعاء منه سبحانه.(٢) كرر التلبية لأنه أراد إقامة بعد إقامة، ولم يرد حقيقة التثنية، وإنما هو التكثير كحنانيك.(٣) قال القرطبي والطحاوي وغيرهما: أجمع العلماء على هذه التلبية، وكسر همزة «إن» أولى عند جماهير العلماء، وهو كذلك عند الحنفية والشافعية، وحكي الفتح عن أبي حنيفة وآخرين. وقال ثعلب: من كسر فقد عم، يعني حمد الله على كل حال، ومن فتح فقد خص، أي: لبيك لأن الحمد لك «والملك» بالنصب والرفع، النصب عطف على الحمد والنعمة، والرفع بالابتداء، وينبغي الوقف هنا وقفة لطيفة، لئلا يوصل بالنفي بعده فيوهم.стр. 1691
روي ذلك عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، في حديث متفق عليه (١) . وسن أَن يذكر نسكه فيها (٢) . الحواشي
(١) وقال الترمذي وغيره: ثبتت عن ابن عمر وغيره، والعمل عليه عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان، والشافعي, وأحمد، وإسحاق. اهـ. ولا تستحب الزيادة عليها، لأنه ﷺ لزم تلبيته فكررها، ولم يزد عليها، قال الشيخ: كان ﷺ يداوم على تلبيته. وللنسائي «لبيك إله الحق» وإن زاد «لبيك ذا المعارج» أو «لبيك وسعديك» ، ونحو ذلك جاز، كما كان الصحابة يزيدون، والنبي ﷺ يسمعهم، ولم ينههم، وكذا جزم به ابن القيم وغيره.
ولا تكره الزيادة وفاقًا، لما في الصحيحين أن ابن عمر كان يلبى تلبية رسول الله ﷺ ، ويزيد: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل. وزاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل، لبيك لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك لبيك. رواه الأثرم، وروي عن أنس أنه كان يزيد: لبيك حقًا حقًا، تعبدًا ورقًا. وروي عن بعض السلف: لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة. وعن ابن عمر: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. وقال الشافعي: وإن زاد شيئًا من تعظيم الله، فلا بأس، ولأن المقصود الثناء على الله، وإظهار العبودية له، فلا مانع من الزيادة، واستحبها أبو حنيفة.(٢) فيقول: لبيك عمرة. أو: لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج. أو: لبيك عمرة وحجًا. لحديث أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لبيك عمرة وحجًا» وعن جابر وابن عباس نحوه، متفق عليه، ويقول النائب: لبيك عن فلان. وتجزئ النية، قال أحمد: إذا حج عن رجل، يقول أول ما يلبي، عن فلان. ثم لا يبالي أن لا يقول بعد.стр. 1692
وأَن يبدأَ القارن بذكر عمرته (١) وإكثار التلبية (٢) وتتأكد إذا علا نشزًا (٣) أو هبط واديًا (٤) أو صلى مكتوبة (٥) أو أقبل ليل أو نهار (٦) . الحواشي
(١) أي يسن أن يبدأ القارن الحج بالعمرة بذكر العمرة، فيقول: لبيك عمرة وحجًا. للخبر المتفق على صحته.(٢) بالرفع عطفًا على سابقه باعتبار سبكه، أي وسن إكثار التلبية، لخبر سهل ابن سعد «ما من مسلم يلبي، إلا لبى ما عن يمينه وشماله، من شجر، أو حجر، أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ههنا ومن ههنا» رواه الترمذي وغيره، بسند جيد.(٣) أي وتتأكد التلبية والإكثار منها «إذا علا نشزًا» بالتحريك: المكان المرتفع، باتفاق الأئمة، للخبر الآتي، وخبر: إذا علونا سبحنا، والتلبية حال الإحرام: تقال مكان التسبيح.(٤) تأكد التلبية وفاقًا، للخبر.(٥) أي وتتأكد التلبية دبر الصلاة المكتوبة وفاقًا، ولو في غير جماعة، لما روي عن جابر، قال: كان النبي ﷺ «يلبي في حجته إذا لقي راكبًا، أو علا أكمة، أو هبط واديًا، وفي أدبار الصلاة المكتوبة، وفي آخر الليل. وقال إبراهيم: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة، وفي آخر الليل، وإذا هبط واديًا، وإذا علا نشزًا، وإذا لقي راكبًا، وإذا استوت به راحلته. قال أحمد: يجزئ بعد الصلاة مرة، ولا يستحب تكرارها في حالة واحدة، وثلاث أحسن» .(٦) وبالأسحار، واختلاف الأحوال.стр. 1693
أو التقت الرفاق (١) أو سمع ملبيًا (٢) أو فعل محظورًا ناسيًا (٣) أو ركب دابته، أو نزل عنها (٤) أو رأى البيت (٥) (يصوت بها الرجل) أي يجهر بالتلبية (٦) لخبر السائب بن خلاد مرفوعًا «أتاني جبرئيل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» صححه الترمذي (٧) . الحواشي
(١) اتفاقًا، و «التقت» بـ «القاف» قبلها تاء، وبعدها تاء، فوقيتان، وهو الصحيح كما في الإقناع والمنتهى وغيرهما. وفي بعض النسخ بـ «الفاء» قبلها تاء فوقية، وبعد الفاء فوقيتان.(٢) لبى، فإنه كالمذكر له.(٣) إذا ذكره، لتدارك الحج، واستشعار إقامته عليه، ورجوعه إليه.(٤) لتغير حاله بالركوب أو النزول.(٥) أي الكعبة المشرفة، وفي المستوعب: تستحب عند تنقل الأحوال به. اهـ. وتستحب في مكة والبيت، وسائر مساجد الحرم، كمسجد منى، وعرفات، وسائر بقاع الحرم، لأنها مواضع النسك، وذكر شيخ الإسلام وغيره استحباب الإكثار من التلبية، عند اختلاف الأحوال، كما تقدم، إلا بوقوفه بعرفة ومزدلفة، لعدم نقله، وقال: قد روي «أن من لبى حتى تغرب الشمس، فقد أمسى مغفورًا له» وقال النخعي: كانوا يستحبون التلبية في هذه الأحوال. ولأن التلبية كالتكبير في الصلاة، فيأتي بها عند الانتقالات من حال إلى حال، وإذا رأى شيئًا يعجبه، قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.(٦) باتفاق أهل العلم.(٧) وأصل الإهلال في اللغة: رفع الصوت. ومنه: استهل المولود. صاح، وقال أنس: سمعتهم يصرخون بها صراخًا. رواه البخاري، ولأحمد من رواية
ابن إسحاق إن جبرئيل قال للنبي ﷺ «كن عجاجًا ثجاجًا» وللترمذي عن أبي بكر، وقال غريب: سئل أي الحج أفضل؟ قال «العج والثج» وقال أحمد وابن معين: أصل الحديث معروف. ولأنها شعار الحج، وليقتدى به.
قال الشيخ وغيره: التلبية شعار الحج، فأفضل الحج العج والثج، والعج: رفع الصوت بالتلبية «والثج» إراقة دماء الهدي، ولهذا يستحب رفع الصوت بها للرجل، بحيث لا يجهد نفسه، وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله ﷺ ، لا يبلغون الروحاء، حتى تبح حلوقهم من التلبية.стр. 1694
وإنما يسن الجهر بالتلبية، في غير مساجد الحل وأَمصاره (١) وفي غير طواف القدوم، والسعي بعده (٢) وتشرع بالعربية لقادر، وإلا فبلغته (٣) . الحواشي
(١) أي أمصار الحل، قال أحمد: إذا أحرم في مصره، لا يعجبني أن يلبي حتى يبرز، لقول ابن عباس - لمن سمعه يلبي بالمدينة -: إن هذا لمجنون، إنما التلبية إذا برزت. واحتج القاضي وأصحابه، بأن إخفاء التطوع أولى، خوف الرياء على من لا يشاركه أحد في تلك العبادة، بخلاف البراري: وعرفات، والحرم، ومكة.(٢) أي فيكره رفع الصوت بها حينئذ، لئلا يخلط على الطائفتين، ولا بأس فيهما سرًا، قال الأصحاب: لا يظهرها في الحرم وفاقًا. وأما المتمتع والمعتمر، فيقطعانها إذا شرعا في الطواف، كما سيأتي، إلا عند مالك، فإذا دخل الحرم قطعها، وإن أحرم من أدنى الحل، فإذا رأى البيت. قال الشيخ: ويستحب أن يلبي عن أخرس، ومريض، وصغير، ومجنون، ومغمى عليه، تكميلاً لنسكهم كالأفعال.(٣) أي وتشرع التلبية بالعربية لقادر عليها، لأنه ذكر مشروع، فلم يشرع
بغير العربية مع القدرة، كسائر الأذكار، وإن لم يكن قادرًا على العربية، لبى بلغته، كالتكبير في الصلاة.стр. 1695
ويسن بعدها دعاء (١) وصلاة على النبي ﷺ (٢) (وتخفيها المرأة) بقدر ما تسمع رفيقتها (٣) ويكره جهرها فوق ذلك، مخافة الفتنة (٤) . الحواشي
(١) بما أحب بلا نزاع، لأنه مظنة إجابة الدعاء، ويسأل الله الجنة، ويعوذ به من النار، لما رواه الدارقطني وغيره: كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته، واستعاذ برحمته من النار.(٢) أي ويسن - عقب التلبية والدعاء - صلاة على النبي ﷺ ، لأنه موضع يشرع فيه ذكر الله، فشرعت فيه الصلاة على النبي ﷺ ، كالصلاة والأذان، ولا يرفع بذلك صوته.
قال الشيخ: وإن دعا عقب التلبية وصلى على رسوله الله ﷺ ، وسأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من سخطه والنار فحسن. وكذا قال غير واحد من أهل العلم، ويسأل ما شاء لنفسه، ولمن أحبه من المسلمين.(٣) ويعتبر أن تسمع نفسها وفاقًا، فإنها لا تكون متلفظة بذلك إلا كذلك، وأجمع أهل العلم: أنه لا يلبي عنها غيرها، هي تلبي عن نفسها.(٤) أي يكره رفع صوتها بالتلبية فوق ما تسمع رفيقتها، مخافة الفتنة بصوتها إذا رفعته، قال ابن المنذر وغيره: أجمع أهل العلم، على أن السنة في المرأة، أن لا ترفع صوتها. اهـ. والكراهة مقيدة بما إذا لم يتحقق سماع أجنبي لها، وإلا فيحرم.стр. 1696
ولا تكره التلبية لحلال (١) .
آخر المجلد الثالث من حاشية الروض المربع
ويليه المجلد الرابع
وأوله «باب محظورات الإحرام» الحواشي
(١) وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وجمهور أهل العلم، لأنها ذكر مستحب للمحرم، فلم تكره لغيره، كسائر الأذكار، قال في الفروع: ويتوجه احتمال: يكره؛ وفاقًا لمالك، لعدم نقله، وتكره في خلاء، ومحل نجس، كسائر الأذكار.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.стр. 1697
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب محظورات الإحرام (١)
أي المحرمات بسببه (٢) و (هي) أي محظوراته (تسعة) (٣) أحدها (حلق الشعر) من جميع بدنه بلا عذر (٤) . الحواشي
(١) الممنوع فعلهن في الإحرام شرعًا، وكفارات المحظورات، وما يتعلق بذلك، والمحظورات جمع محظور، صفة لمحذور، تقديره: الخصلات، أو الفعلات المحظورات والمحظور المحرم، والمحظور الممنوع.(٢) أي بسبب الإحرام، والممنوع فعلهن فيه، قال ابن نصر الله: وفي ثبوت الإثم عليها تردد عندي، إذ يحتمل أن معنى حظرها، وجوب الكفارة والفدية بها، لا تحريمها، وترتيب الإثم عليها، كاليمين تجب بفعل المحلوف عليه، ولا إثم إذ لم ينقل عن أحد أن من فعل محظورًا يأثم ولا أنهم أمروه بالاستغفار اهـ وهذا والله أعلم إذا كان فعل المحظور لحاجة، كحلق الشعر لمن آذته هو أم رأسه، فرخص له النبي ﷺ وأما مع عدم الحاجة فلا، لارتكابه المنهي عنه عمدًا.(٣) بالاستقراء.(٤) من مرض أو قمل، أو قروح، أو صداع، أو شدة حر، لكثرته، مما يتضرر بإبقائه إجماعًا، ولو من أنفه، إذ حلق الشعر يؤذن بالرفاهية، وهي تنافي الإحرام، لكون المحرم أشعث أغبر، والقص في معنى الحلق فثبت حظره بدلالة النص.стр. 1698
يعني إزالته بحلق، أو نتف، أو قلع (١) لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلهُ﴾ (٢) .
(و) الثاني (تقليم الأظفار) (٣) أو قصها، من يد أو رجل بلا عذر (٤) فإن خرج بعينه شعر، أو انكسر ظفره فأزالهما، أو زالا مع غيرهما فلا فدية (٥) . الحواشي
(١) قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، فقيس النتف والقلع، على الحلق المنصوص لأنهما في معناه، وإنما عبر به في النص، لأنه الغالب ولأن فيه إزالة الشعث وقضاء التفث.(٢) أي مكانه الذي يجب أن يذبح فيه، ويفرغ الناسك من أفعال المناسك ونص تعالى على حلق الرأس، وعدي إلى سائر شعر البدن وفاقا، لأنه في معناه، ولحصول الترفه به، بل أولى، لأن الحاجة لا تدعو إليه، وشعر الرأس والبدن واحد، كسائر البدن، وكلبسه قميصًا، وسراويل، وعنه: لكل منهما حكم يخصه وفاقا، لأنهما كجنسين.(٣) لأنه يحصل به الرفاهية، فأشبه إزالة الشعر، وذكره ابن المنذر إجماعًا، وقال الموفق: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، قال في المطالع: القلم يستعمل في الأخذ من الجوانب.(٤) فيباح عند العذر كالحلق، فتقليم الأظفار أو تقصيصها أو قلعها محظور بغير خلاف، لكونه مؤذنًا بالرفاهية، وهي منافية لحال المحرم.(٥) أي أزالهما هو أو زالا، يعني الشعر والظفر، ومع غيرهما كأن قطع جلدًا عليه شعر، أو أنملة بظفرها، فلا فدية في ذلك إجماعًا، أما في إزالتهما فقط
فلأذاهما، كالصيد الصائل عليه، وأما زوالهما مع غيرها، فلكونهما بالتبعية
والتابع لا يفرد بحكم، كما لو قطعت أشفار عيني إنسان، فإنها تضمن دون أهدابها، بخلاف ما إذا حلق شعره لقمل، أو صداع، أو شدة حر، فإنها تجب الفدية، كما يأتي لأن الأذى من غير الشعر.стр. 1699
وإن حصل الأذى بقرح أو قمل ونحوه (١) فأزال شعره لذلك فدى (٢) ومن حلق رأسه بإذنه (٣) أو سكت ولم ينهه فدى (٤) الحواشي
(١) كصداع أو شدة حر، لكثرة ما يتضرر بإبقاء الشعر.(٢) أي أزال شعره للقرح والقمل فدي، قولا واحدا، لقوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ولحديث كعب بن عجرة قال: كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الجهد يبلغ بك ما أرى تجد شاة؟ قلت: لا فنزلت ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، نصف صاع، طعاما لكل مسكين، أو ذبح شاة متفق عليه، وكأكل صيد لضرورة، واستيعاب الحلق ليس بمعتبر في وجوب الفدية إجماعًا.(٣) فدى المحلوق، ولا شيء على الحالق، وهو مذهب مالك، والشافعي وحلق بالبناء للمفعول.(٤) أي المحلوق لأنه غير ذلك بإذنه أشبه ما لو باشره، ولأنه تعالى أوجب الفدية عليه، مع علمه أن غيره يحلقه، ولأنه فرَّط بالسكوت، وعدم نهيه، كما لو أتلف ماله وهو ساكت، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين للشافعي، ولا شيء على الحالق، وإن كان مكرها بيد غيره، ولو نائما، فعلى الحالق، نص عليه ومن طيب غيره فكحالق، وإن حلق محرم حلالا، أو قلم أظفاره فلا فدية عليه.стр. 1700
ويباح للمحرم غسل شعره بسدر ونحوه (١) (فمن حلق) شعرة واحدة، أو بعضها فعليه طعام مسكين (٢) . الحواشي
(١) كخطمي وكأشنان، وصابون، ما لم يقطع شعرا، لقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته دابته «اغسلوه بماء وسدر» ، مع بقاء الإحرام، وله غسله في حمام وغيره بلا تسريح، وروي عن عمر، وعلي، وابن عمر، وجابر، وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه غسل رأسه وهو محرم، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، واغتسل عمر، وقال: لا يزيد الماء الشعر إلا شعثا، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ورجح في الفروع أن الأولى تركه، لأنه مزيل للشعث والغبار، مع الجزم بالنهي عن النظر في المرآة لإزالة شعثه وغباره، مع أن الحجة «انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا» ، ويحمل ما سبق على الحاجة أو أنه لا يكره، وقال الشيخ: له أن يغتسل من الجنابة بالاتفاق، وكذا لغير الجنابة، وقال النووي وغيره: أجمع العلماء على جوازه في الرأس وغيره، إذا كان له عذر، وأشار أبو أيوب بيديه، فأقبل بهما وأدبر ليريه كيف يغسل المحرم رأسه، لأنه المقصود بالسؤال، وخص ابن عباس الرأس بالسؤال، لأنه موضع الإشكال.
وقال ابن القيم: يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه وليس في ذلك ما يحرم على المحرم تسريح شعره، فإن أمن من تقطيع الشعر، لم يمنع من تسريح رأسه، وإلا ففيه نزاع، والدليل يفصل بين المتنازعين، فإنه لم يدل كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منعه فهو جائز.(٢) نص عليه، لأنه أقل ما وجب شرعا فدية، وعنه: قبضة طعام، لأنه لا تقدير فيه، فدل على أن المراد يتصدق بشيء، وهو ظاهر مذهب مالك، وأبي حنيفة، وثلث درهم عند الشافعي.стр. 1701
وشعرتين أو بعض شعرتين، فطعام مسكينين (١) وثلاث شعرات، فعليه دم (٢) (أو قلم) ظفرا فطعام مسكين (٣) وظفرين فطعام مسكينين (٤) و (ثلاثة فعليه دم) أي شاة (٥) أو إطعام ستة مساكين (٦) . الحواشي
(١) وفي بعض النسخ فطعاما مسكينين بالتثنية وتقدم أن المثنى إذا أضيف أفرد.(٢) شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، وخصت بالثلاث لأنها جمع، وهذا مذهب الشافعي، واعتبرت الثلاث في مواضع، كمحل الوفاق، وقال في الفروع: وسواء كان عامدا، أو مخطئا أو ناسيا، وعنه: لا يجب إلا في أربع شعرات فصاعدا، نقله الجماعة، واختارها الخرقي، لأن الأربع كثير، وعند أبي حنيفة: في ربع الرأس، وعند مالك، فيما يماط به الأذى، ويحصل به الترفه، وإزالة التفث قال في الفائق: والمختار تعليق الحكم به، وأنكر ابن القيم أنه يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعا من قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم﴾ .(٣) كما في شعرة لأنه أقل ما وجب شرعا فدية.(٤) نص عليه وفي قص بعض الظفر ما في جميعه، كالشعرة لأنه غير مقدر بمساحة سواء طالا أو قصرا، بل هي كالموضحة مع كبرها وصغرها.(٥) ما يجزئ في أضحية.(٦) لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع من تمر أو شعير، وكذا قال الشيخ: لكل مسكين نصف صاع من تمر، أو شعير، أو مد بر، وإن أطعمه خبزا جاز، ويكون رطلين بالعراقي، تقريبا من نصف رطل بالدمشقي، وينبغي أن يكون مأدوما، وإن أطعمه مما يأكل كالبقسماط، والرقاق، ونحو ذلك جاز، وهو
أفضل من أن يعطيه قحما أو شعيرا، وكذلك في سائر الكفارات، إذا أعطاه مما يقتات به مع أدمه، فهو أفضل من أن يعطيه حبا مجردا، إذا لم يكن عادتهم أن يطحنوا بأيديهم، ويخبزوا بأيديهم، والواجب في ذلك كله ما ذكره الله بقوله ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فأمر بإطعام المساكين من أوسط ما يطعم الناس أهليهم، ورجح أنه يرجع إلى العرف فيه، فيطعم كل مما يطعمون أهليهم، وذكر قصة كعب بن عجرة لما كانوا يقتاتون التمر أمره أن يطعم منه.стр. 1702
أو صيام ثلاثة أيام (١) وإن خلل شعره، وشك في سقوط شيء به استحبت (٢) . الحواشي
(١) سواء كان حرم في الإحرام لأجل الرفه، أو كفارة ثبت فيها التخيير، وحكم الرأس والبدن في إزالة الشعر، وفي الطيب، وفي اللبس واحد، لأنه جنس واحد، وعنه: لكل منهما حكم منفرد، نقلها الجماعة، ونصرها جماعة، وفاقا للأئمة الثلاثة، لأنهما كجنسين لتعلق النسك بالرأس وحده، فهو كحلق ولبس فإن حلق شعر رأسه وبدنه، أو تطيب، أو لبس فيهما ففدية واحدة.(٢) يعني الفدية له احتياطا، ولا تجب، وقال أحمد وغيره: لا شيء عليه، وإن تيقن أنه بان بالمشط أو التخليل فدى، وله حك بدنه ورأسه برفق ولا يقطع شعره، وقال الشيخ: إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره، وإن تيقن أنه قطع بالغسل، وقال فيمن احتاج إلى قطعه بحجامة، أو غسل لم يضر، وقال: وله أن يحك بدنه، ويحتجم في رأسه، وغير رأسه، وإن احتاج أن يحلق شعرا لذلك جاز، فإنه قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ احتجم في وسط رأسه وهو محرم، ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر، وله أن يفتصد إذا احتاج إلى ذلك، وفي المبدع: يخلل لحيته، ولا فدية بقطعه بلا تعد.стр. 1703
الثالث تغطية رأس الذكر إجماعا (١) وأشار إليه بقوله (ومن غطى رأسه بملاصق فدى) (٢) سواء كان معتادا كعمامة، وبرنس (٣) أم لا كقرطاس، وطين، ونورة، وحناء (٤) أو عصبه بسير (٥) . الحواشي
(١) حكاه الوزير وجمع، لنهيه ﷺ عن لبس العمائم والبرانس وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته: لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا متفق عليهما، ولنقل الخلف عن السلف، وقال ابن القيم وغيره، كل متصل ملامس يراد لستر الرأس، كالعمامة والقبع والطاقية والخوذة وغيرها، ممنوع بالاتفاق، وكان ابن عمر يقول: إحرام الرجل في رأسه، والأذنان منه للأخبار وتقدم، فما كان منه، حرم على ذكر تغطيته.(٢) عند جمهور أهل العلم، لارتكابه النهي.(٣) بالضم قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه، دراعة كان أو جبة أو ممطرا.(٤) يعني أو ملاصق غير معتاد، كقرطاس فيه دواء أو غيره، أولا دواء فيه فعليه الفدية بلا نزاع، والقرطاس بكسر القاف وضمها، وهو الذي يكتب فيه، وفي المطالع، تسمى الصحيفة قرطاسا، من أي نوع كان والطين معروف وسواء طلاه به، أو بحناء، أو غيره لعذر أو غيره، والحناء بالتشديد والمد هو هذا المعروف، ويقال له الرقون، والرقان، والرنا، فعليه فدية وفاقا.(٥) من جلود، أو غيرها، لصداع، أو رمد، أو نحوهما، أولا، لأنه فعل
محرما في الإحرام، يقصد به الترفه، أشبه حلق الرأس، ويفدي وفاقا،
ويجوز تلبيد رأسه بعسل، وصمغ، ونحوهما، لئلا يدخله غبار أو دبيب
أو يصيبه شعث، ولا شيء عليه، لما في الصحيحين عن ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ يهل ملبدا، واتفقوا على أنه يجوز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه مما ليس بطيب، ولا فدية في ذلك.стр. 1704
أو استظل في محمل، راكبا أو لا (١) ولو لم يلاصقه (٢) ويحرم ذلك بلا عذر (٣) . الحواشي
(١) وكذا هودك، وعمارية، ومحارة وفاقا للشافعي، وأبي حنيفة، وكذا لو استظل بثوب ونحوه، راكبا أو نازلا حرم وفدى، والمحمل بكسر الميم قاله ابن مالك وغيره، وهو مركب يركب عليه على البعير، وقال الجوهري: كمجلس شقتان على البعير، يحمل فيهما العديلان، ويقال: لمحمل الهودج: وفي معنى المحمل الشقدف المعروف بالحجاز، والهودج مركب للنساء، معروف عند العرب، والمحفة كالهودج، إلا أنها ليس لها قبة كقبة الهودج والعمارية نحوها، ويقال: رقعة مزينة تخاط في المظلة والمحارة يؤتى بها من جهة الشام، تقطر بين بعيرين، يركب فيها واحد أو اثنان.(٢) أي ما تقدم من التغطية، ويفدي وهو مذهب مالك، لأنه قصد ما يقصد به الترفه، أو لأنه ستره بما يستدام ويلازمه غالبا، أشبه ما لو ستره بشيء يلاقيه، ولما روي عن ابن عمر من طرق: النهي عنه، واحتج به أحمد.(٣) ورأى ابن عمر رجلا ظلل عليه، فقال: أيها المحرم أضح لمن أحرمت له، ولهذا كان السلف يكرهون القباب على المحامل التي لها رأس، وقال الشيخ: وأما الاستظلال بالمحمل كالمحارة التي لها رأس، في حال السير، فهذا فيه نزاع، والأفضل للمحرم أن يضحي لمن أحرم له، كما كان ﷺ وأصحابه يحرمون، وذكر أثر ابن عمر لما رأى على رجل عودا يستره من الشمس، فنهاه واحتج به، وعنه: يكره الاستظلال بالمحمل، ولا يحرم، اختاره الموفق
والشارح وصححه المجد، وعنه: يجوز وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، ولأن أسامة رفع ثوبه يستر به النبي ﷺ من الحر، حتى رمى جمرة العقبة رواه مسلم.стр. 1705
لا إن حمل عليه (١) أو استظل بخيمة أو شجرة أو بيت (٢) الرابع لبس المخيط (٣) . الحواشي
(١) أي على رأسه شيئا، كطبق ونحوه، لا لقصد التغطية، وكذا لو وضع يده عليه، لأنه لا يستدام، وما فيه فدية فلا أثر للقصد فيه ولا عدمه.(٢) أو جدار، أو نصب حياله ثوبا، لحر أو برد، أمسكه إنسان، أو رفعه على عود لخبر جابر، فأتى عرفة، فوجد الخيمة قد ضربت له، فنزل بها واستمر عمل الناس عليه، ولخبر أسامة المتقدم، ولو قصد به الستر فلا شيء عليه، قال الشيخ وابن القيم وغيرهما باتفاق أهل العلم، ولأنه لا يقصد به الترفه في البدن عادة، وحكي عن مالك المنع من وضع ثوبه على الشجرة يستظل به، وخالفه الجمهور، وكذا لو غطى الرجل وجهه، وهو مذهب الشافعي، فقد
روي عن عثمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم واتفق البخاري ومسلم وغيرهما على رواية «لا تخمروا رأسه» ، واختلف في تخمير الوجه، وقالوا: رواية النهي عنه غير محفوظة، وعدم تخميره أولى خروجا من الخلاف.(٣) في بدنه، أو بعضه، بما عمل على قدره، إجماعا، قل، أو كثر، من قميص، وعمامة، وسراويل، وبرنس، ونحوها، ولو درعا منسوجا، أو لبدا معقودا، ونحوه مما يعمل على شيء من البدن.
وفي الإنصاف: ما عمل على قدر العضو إجماعا، وكالخفين، والقفازين
ولو غير معتاد، كجورب في كف، وخف في رأس، وكران، لما في الصحيحين أنه ﷺ سئل: ما يلبس المحرم؟ قال: لا يلبس القميص ولا
العمامة ولا البرنس، ولا السروايل ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران، ولا الخفين، الحديث قال الترمذي وغيره، والعمل عليه عند أهل العلم.
فيلحق بالقميص الجبة والدراعة ونحوها، وبالعمامة كل ملاصق، أو ساتر معتاد، وبالسراويل التبان، وما في معناها، سواء كان مخيطا، أو درعا منسوجا، أو لبدا معقودا، ولا فرق بين قليل اللبس وكثيره، لظاهر الآية والخبر، ولأنه استمتاع، فاعتبر فيه مجرد الفعل، كالوطء في الفرج، وهو مذهب الشافعي.
وقال شيخ الإسلام وغيره: النبي ﷺ نهى المحرم أن يلبس القميص، والبرنس، والسراويل، والخف، والعمامة، ونهاهم أن يغطوا رأس المحرم بعد الموت، وأمر من أحرم في جبة أن ينزعها عنه، فما كان من هذا الجنس فهو ذريعة، في معنى ما نهى عنه النبي ﷺ فما كان في معنى القميص فهو مثله، وليس له أن يلبس القميص، بكم ولا بغيركم وسواء أدخل يديه أو لم يدخلهما، وسواء كان سليما أو مخروقا، وكذلك لا يلبس الجبة، ولا القباء الذي يدخل يديه فيه، وكذلك الدرع الذي يسمى عرق جبن يعني الفنيلة، وأمثال ذلك باتفاق الأئمة.
وأما إذا طرح القباء على كتفيه، من غير إدخال يديه، ففيه نزاع، وهذا معنى قول الفقهاء: لا يلبس المخيط، والمخيط ما كان من اللباس على قدر العضو، ولا يلبس ما كان في معنى السراويل، وكالتبان ونحوه.стр. 1706
وإليه الإشارة بقوله: (وإن لبس ذكر مخيطا فدى) (١) . الحواشي
(١) عالم بالتحريم، ذاكر لإحرامه، مستديم لبسه فوق المعتاد في خلعه،
وأجمعوا على اختصاص النهي بالرجل دون المرأة، واتفقوا على جواز ستر بدنه بغير المخيط.стр. 1707
ولا يعقد عليه رداء ولا غيره (١) إلا إزاره (٢) ومنطقة وهميانا فيهما نفقة، مع حاجة لعقد (٣) . الحواشي
(١) كمنطقة وهميان، لقول ابن عمر: ولا يعقد عليه شيئا، رواه النسائي، ويباح الهميان، قال ابن عبد البر: أجازه فقهاء الأمصار، متقدموهم ومتأخروهم وليس له أن يجعل لذلك زرًّا وعروة، ولا يخله بشوك، أو إبرة، أو خيط، ولا يغرز أطرافه في إزاره، وقال الشيخ: والرداء لا يحتاج إلى عقده، فلا يعقده، فإن احتاج إلى عقده ففيه نزاع، والأشبه جوازه حينئذ وهل المنع من عقده منع كراهة، أو تحريم؟ فيه نزاع، وليس على تحريم ذلك دليل، إلا ما نقل عن ابن عمر، واختلف متبعوه فيه.(٢) أي فله عقده لحاجة ستر عورته فأبيح، كاللباس للمرأة، قال في الإنصاف، إذا لم يثبت إلا بالعقد فله بلا نزاع.(٣) أي وإلا منطقة وهميانا جعل فيهما نفقة، فله عقدهما إذا لم تثبت المنطقة والهميان إلا بالعقد، لقول عائشة: أوثق عليك نفقتك، وروي عن ابن عباس وابن عمر معناه، ورفعه بعضهم، ولأن الحاجة تدعو إلى عقدهما، فجاز كعقد الإزار فإن ثبت بغير عقد أو بأن أدخل السيور بعضها في بعض لم يعقده لعدم الحاجة، وجوز الشيخ عقده مطلقا، لأنه ليس بلبس مخيط، ولا في معناه، وكذا السيف والسلاح، فلا يكره والمنطقة بكسر الميم، وفتح الطاء، كل ما شددت به وسطك والهميان بكسر الهاء، معرب يشبه تكة السراويل، وتوضع فيه الدراهم والدنانير ويشد على الحقو ويجوز شد وسطه بمنديل وحبل ونحوهما، إذا لم يعقده، قال أحمد في محرم حزم عمامته على وسطه: لا يعقدها ويدخل بعضها في بعض وقاله الشيخ وغيره: قال طاوس فعله ابن عمر، وقيل: لا بأس احتياطا للنفقة، ويتقلد بسيف لحاجة وفاقا، لقصة الحديبية.стр. 1708
وإن لم يجد نعلين لبس خفين (١) أو لم يجد إزارًا لبس سراويل، إلى أن يجد ولا فدية (٢) . الحواشي
(١) ونحوهما من ران وسرموزة، وزربول، إلى أن يجد ولا فدية، سواء احتاج إلى لبس أولا، بأن يمكنه المشي حافيًا، أو لا يحتاج إلى شيء، لأن الرخصة في ذلك لمظنة المشقة، فلا تعتبر حقيقتها كالمشقة في السفر، وفي المنتهى، ويحرم قطعهما ونص عليه أحمد، وقال: هو إفساد، واحتج الموفق وغيره، بالنهي عن إضاعة المال، وهذا هو المختار، عملاً بإطلاق حديثي ابن عباس وجابر، فإنه لم يأمر فيهما بقطع، بل ثبت عن ابن عباس أنه قال: لم يقل: ليقطعهما ولو كان القطع واجبا لبينه النبي ﷺ في ذلك الجمع العظيم.
قال الشيخ: فإن لم يجد نعلين لبس خفين، وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين، فإن النبي ﷺ أمر بالقطع أولا، ثم رخص في ذلك في عرفات، في لبس الخفين، لمن لم يجد نعلين، وإنما رخص في المقطوع أولا، لأنه يصير بالقطع كالنعلين، وهذا أحسن من ادعاء النسخ، قال: ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يلبس ما دون الكعبين، مثل الخف المكعب، والجمجم، والمداس ونحو ذلك، سواء كان واجدًا للنعلين أو فاقدا لهما، وإذا لم يجد نعلين، ولا ما يقوم مقامهما مثل الجمجم والمداس ونحو ذلك، فله أن يلبس الخف ولا يقطعه هذا أصح قولي العلماء.(٢) فإذا وجد إزارا نزع السراويل ولبسه، لخبر ابن عباس: سمعته يخطب بعرفات يقول: «السراويل لمن لم يجد الإزار» متفق عليه، قال الشيخ: وإن لم يجد إزارا فإنه يلبس السراويل ولا يفتقه، هذا أصح قولي العلماء، لأن النبي ﷺ رخص في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إزارا، كما رواه ابن
عباس، وكذا يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء، فله أن يلتحف بالقباء والجبة، والقميص، ونحو ذلك ويتغطى به باتفاق الأئمة عرضا ويلبسه
مقلوبا، يجعل أسفله أعلاه، ويتغطى باللحاف وغيره، ولكن لا يغطي رأسه إلا لحاجة اهـ.
وإن اتزر بقميص فلا بأس، ولا يجوز لبسه ولو عدم الإزار اتفاقا، لأنه يمكن أن يتزر به وسروايل أعجمي مفرد معرب ممنوع من الصرف وجها واحدا لشبهه بمفاعيل.стр. 1709
(الخامس الطيب (١) وقد ذكره بقوله: (وإن طيب) محرم (بدنه أو ثوبه) أو شيئا منهما (٢) أو استعمله في أكل أو شرب (٣) . الحواشي
(١) يعني من محظورات الإحرام، فيحرم على المحرم إجماعا، لأنه ﷺ أمر يعلى بن أمية بغسل الطيب، وقال في المحرم الذي وقصته راحلته «ولا تحنطوه» متفق عليهما ولمسلم «ولا تمسوه بطيب» ، ولأبي داود والترمذي وغيرهما قال رجل: من الحاج يا رسول الله؟ قال «الشعث التفل» ، والحكمة أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها، ويجمع همه لمقاصد الآخرة، ولكونه من أسباب دواعي الوطء فتحريمه من باب سد الذرائع.(٢) فدى لأنه يعد متطيبا بواحد منهما، ولو من غيره بإذنه، أو سكت ولم ينهه، ويحرم عليه لبس ما صبغ بزعفران، أو ورس لما تقدم من قوله ﷺ «ولا ثوبا مسه ورس أو زعفران» ، ولبس ما غمس في ماء ورد، أو بخر بعود ونحوه، والجلوس والنوم عليه، فإن فرش فوق الطيب ثوبا صفيقا، يمنع الرائحة والمباشرة غير ثياب بدنه فلا، وإذا تطيب ناسيا أو عامدا لزمه إزالته مهما أمكن، من الماء وغيره من المائعات، وإلا فمن الجامدات كحكه بخرقة وتراب، وله غسله بنفسه، ولا شيء عليه، لملاقاة الطيب ببدنه والأفضل والاستعانة على غسله بحلال.(٣) يظهر فيه طعمه أو ريحه فدى، لأن الطعم مستلزم الرائحة والرائحة هي المقصود منه، ولو مطبوخا أو مسته النار، قال في الإنصاف: بلا نزاع أعلمه
لأنه استعمال للطيب، أشبه شمه، حتى ولو ذهبت رائحته، وبقي طعمه، لبقاء المقصود منه، فمن فعل شيئا من ذلك فدى، لفعل ما حرم بالإحرام، فإن بقي اللون فقط فلا بأس بأكله، ومذهب أبي حنيفة ومالك: لا فدية.стр. 1710
(أو ادهن) أو اكتحل، أو استعط (بمطيب (١) أو شم) قصدا (طيبا (٢) أو تبخر بعود ونحوه) (٣) . الحواشي
(١) أثم وفدى، لأنه استعمال للطيب، أشبه شمه.(٢) كمسك وكافور، وعنبر، وغالية، وماء ورد، وزعفران ونحوها مما يأتي ونحوه، أو شم الأدهان المطيبة كدهن ورد، وبنفسج وخيري ونحوها، اختاره القاضي والموفق وغيرهما، وصححه غير واحد، لأنها تقصد رائحتها وتتخذ للطيب أشبهت ماء الورد، وقال ابن القيم: تحريم شمه بالقياس، ولفظ النهي لا يتناوله بصريحه، ولا إجماع معلوم فيه، يجب المصير إليه، ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل، فيمنع منه للترفه واللذة اهـ.
وفي رواية: يباح شم الريحان، والنرجس، والبنفسج، والورد، والبرم ونحوها، قال في المبدع: اختاره أكثر الأصحاب، وهو قول عثمان، وابن عباس لأنه إذا يبس ذهبت رائحته اهـ ويحرم الادهان بها «وقصدًا» وقع حالا، أي حال كونه قاصدًا الشم، ومفهومه أن الشم إذا لم يكن قصدًا لم يكن عليه إثم ولا فدية كما صرح به غير واحد.
وقال ابن القيم وغيره: فأما من غير قصد، أو قصد الاستعلام عند شرائه، لم يمنع منه، ولم يجب عليه سد أنفه، ولمشتريه حمله، وتقليبه إذا لم يمسه، ولو ظهر ريحه، لأنه لم يقصد الطيب، وإن علق الطيب بيده كالسحوق والغالية وماء الورد فدى.(٣) كعنبر وند فدى لأنها هكذا تستعمل على وجه التطيب.стр. 1711
أو شمه قصدًا (١) ولو بخور الكعبة، أثم و (فدى) (٢) ومن الطيب مسك، وكافور، وعنبر (٣) وزعفران، وورس (٤) وورد، وبنفسج (٥) . الحواشي
(١) أي شم البخور بعود ونحوه قاصدًا الشم فدى، لأنه قصد للطيب المنهي عنه، قال الشيخ، ومما ينهى عنه المحرم أن يتطيب بعد الإحرام في بدنه، أو ثيابه، أو يتعمد لشم الطيب.(٢) لأنه شمه قاصدًا، أشبه ما لو باشره، وإن جلس عند عطار، أو في موضع كقصد الكعبة، حال تجميرها ليشم الطيب فشمه، أوحمل عقدة فيها مسك ليجد ريحها فشمها فدى.(٣) المسك بكسر الميم، فارسي معرب، وهو طيب من دم دابة كالظبي، يدعى، غزال المسك، وتقدم، وكانت العرب تسميه المشموم والكافور نبت طيب، نوره أبيض، كنور الأقحويان، وطيب معروف يؤخذ منه، أو أخلاط من الطيب، ويقال: من شجر بجبال الهند والصين، وتقدم، والعنبر طيب معروف، قيل: روث دابة بحرية، والمشموم رجيعها، أو نبع عين في البحر يكون جماجم، أو شمع عسل ببلاد الهند، يجمد وينزل البحر، وقيل غير ذلك، وأجوده الأبيض.(٤) نبات أصفر كالسمسم باليمن، يزرع فيبقى عشرين سنة، يتخذ منه، الحمرة للوجه، نافع للكلف طلاء، وللبهق شربا، والزعفران من الطيب، وهو هذا الصبغ المعروف وتقدم.(٥) الورد من كل شجرة نورها، وقد غلب على نوع الحوجم، وهو الأحمر المعروف الذي يشم، واحدته وردة ويقال إنه معرب والبنفسج بفتح الموحدة والنون، وسكون الفاء، وفتح السين، قيل معرب، وهو نبات زهره أزرق، طيب الرائحة، ينفع من السعال.стр. 1712
والينوفر (١) وياسمين (٢) وبان (٣) وماء ورد (٤) وإن شمها بلا قصد (٥) أو مس ما لا يعلق كقطع كافور (٦) أو شم فواكه (٧) أو عودا (٨) أو شيحا (٩) . الحواشي
(١) بلام التعريف، وفتح المثناة والنون، وسكون الواو، وفتح الفاء، ضرب من الرياحين، طيب الرائحة ينبت في المياه الراكدة.(٢) ويقال: ياسمون نبات زهره طيب الرائحة، نوعان، أبيض، وأصفر يقال: شممت الياسمين.(٣) شجر معروف، ينمو ويطول في استواء، مثل نبات الأثل، وورقه له هدب كهدب الأثل، وثمرته تشبه قرون اللوبيا، واحدته بانة، ولحب ثمره دهن طيب معروف.(٤) عصارته معروف، وهو نوع من الطيب، قال الحافظ: وكل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف.(٥) فلا فدية، وتقدم أنه لا يجب عليه سد أنفه، وأن له حمله، ولو ظهر ريحه، لأنه لم يقصد الطيب.(٦) ومسك غير مسحوق، وعنبر، ونحوه، فلا فدية عليه بذلك بلا نزاع، لأنه غير مستعمل للطيب.(٧) من الأترج، والتفاح، والسفرجل، ونحوها، فلا فدية وفاقا.(٨) من غير تبخير وفاقا، لأنه لا يتطيب به إلا بالتبخير.(٩) أو خزامي، أوقيصوما أو إذخر ونحوه مما لا يتخذ طيبا وفاقا، وكذا ما ينبته الآدمي لغير قصد الطيب، كحناء، وعصفر، وقرنفل، ودار صيني ونحوه، والشيح بكسر الشين، نبت سهلي من الأمرار، له رائحة طيبة، منبته القيعان والرياض، ترعاه الخيل والنعم.стр. 1713
أو ريحانا فارسيا (١) أو نماما (٢) أو ادهن بدهن غير مطيب فلا فدية (٣) السادس: قتل صيد البر واصطياده (٤) . الحواشي
(١) وهو الحبق: نبت طيب الرائحة، معروف بالحجاز، والشام، والعراق، والريحان عند العرب هو الآس ولا فدية في شمه، وكذا ماء ريحان، وفواكه وعصفر، وقرنفل ونحوها.(٢) بفتح النون، وتخفيف الميم، نبت طيب الرائحة مدر، يخرج الجنين الميت والدود، ويقتل القمل، وكذا نرجس وبرم ومرنجوش، وهو السمق، وقاله عثمان، وذكر البخاري قول ابن عباس، وذكر القاضي أنه يحتمل أن المذهب رواية واحدة لا فدية.(٣) لأنه ﷺ فعله، رواه أحمد، والترمذي وكذا لو ادهن بدهن زيت، وشيرج، وسمسم، ودهن بان، وساذج، ونحوها، قال الشارح: فأما الدهن الذي لا طيب فيه، فنقل ابن المنذر الإجماع على أن له أن يدهن بدنه بالشحم، والزيت، والسمن وعنه: لا يدهن رأسه، لأنه يزيل الشعث وأجمعوا على إباحته في اليدين، وقال شيخ الإسلام: وأما الدهن في رأسه وبدنه، بالزيت والسمن ونحوه، إذا لم يكن فيه طيب، ففيه نزاع مشهور، وتركه أولى، ولم يحرم الله إزالة الشعث بالاغتسال، وليس السدر من الطيب في شيء، وقد أمر به في غسل المحرم.(٤) أي السادس من محظورات الإحرام قتل صيد البر المأكول، وذبحه، عمدا
أو خطأ وعليه جزاؤه إجماعا لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
أي يحرم عليكم الاصطياد من صيد البر، ما دمتم محرمين، ويحرم أذاه
ولو لم يقتله أو يجرحه، قال الشيخ: ولا يصطاد صيدا بريا ولا يعين
على صيد ولا يذبح صيدا، ولا يصطاد بالحرم صيدا، وإن كان من الماء كالسمك على الصحيح، بل ولا ينفر صيده مثل أن يقيمه ليقعد مكانه، وفي الإنصاف: لو نفر صيدا فتلف أو نقص في حال نفوره ضمنه، بلا خلاف فيهما اهـ، فأما صيد البحر كالسمك ونحوه فله أن يصطاده ويأكله، والصيد هو الحيوان الممتنع المتوحش بأصل الخلقة.стр. 1714
وقد أشار إليه بقوله (وإن قتل صيدًا مأكولاً بريًّا أصلاً) (١) كحمام وبط، ولو استأنس (٢) بخلاف إبل، وبقر أهلية، ولو توحشت (٣) (ولو تولد منه) أي من الصيد المذكور (٤) (ومن غيره) كالمتولد بين المأكول وغيره (٥) . الحواشي
(١) فعليه جزاؤه إجماعا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ويعتبر كونه أصلا لا وصفا فلو تأهل وحشي ضمنه لا إن توحش أهلي، وأما ما ليس بمأكول، كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات والطير، فيباح قتله، لحديث خمس فواسق يقتلن، إلخ، ويقاس عليها ما شابهها.(٢) أي الحمام والبط وهو الأوز، اعتبار بأصله، فيجب فيه الجزاء إجماعا.(٣) أي الإبل والبقر، اعتبارا بأصلهما، والأصل فيهما الإنسية قال أحمد في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها، لأن الأصل فيها الإنسية.(٤) تغليبا للتحريم، كما غلبوا تحريم أكله، ويفديه إذا قتله، لتحريم قتله، قال الموفق: هو قول أكثر العلماء.(٥) فيحرم أكله واصطياده.стр. 1715
أو بين الوحشي وغيره، تغليبًا للحظر (١) (أو تلف) الصيد المذكور (في يده) بمباشرة (٢) أو سبب كإشارة ودلالة، وإعانة ولو بمناولة آلة (٣) . الحواشي
(١) وهو الجانب الذي من جهة صيد البر، والوحشي من دواب البر ما لا يستأنس غالبا، والجمع الوحوش، وقال الجوهري: الوحوش حيوان البر.(٢) فعليه جزاؤه لأنه تحت يد عادية، أشبه ما لو أتلفه، إذ الواجب إما إرساله أو رده على مالكه.(٣) أو إعارة ليقتله أو ليذبحه، سواء كان مع الصائد ما يقتله أو يذبحه أو لا، لأنه وسيلة إلى الحرام فكان حراما، كسائر الوسائل وفاقا، لحديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي، فأبصرته ثم ركبت ونسيت الرمح، قال: فقلت لهم: ناولوني فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء، إنا محرمون قال: فتناولته فأتيت الحمار فعقرته، فأتيت النبي ﷺ فقال: أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟ قالوا: لا فعلق الحكم بالإشارة أو الأمر، وكان أمرا معلوما متقررا عند أصحاب رسول الله ﷺ ولذلك قالوا: «لا والله، لا نعينك عليه بشيء، إنا محرمون» ، فيضمن المحرم الصيد بالدلالة والإشارة والإعانة ونحو ذلك.
قال القاضي: «لا خلاف أن الإعانة توجب الجزاء فكذا الإشارة والدلالة» خلافا لمالك، والشافعي، ولأن المحرم قد التزم بالإحرام أن لا يتعرض للصيد بما يزيل أمنه، والأمر به، والدلالة عليه، والإشارة إليه يزيل الأمن عنه فيحرم ولما مر النبي ﷺ بالإثاية، إذا ظبي حاقف، في ظل فيه سهم، فأمر رجلا أن يقف عنده، لا يريبه أحد من الناس، حتى يجاوزوه وأما الآلة فمقصودة هنا، بخلاف ما يأتي من: أن من دفع لشخص آلة، فقتل بها شخصا انفرد
القاتل بالضمان، والفرق أن الآدمي لما كان من شأنه الدفع عن نفسه، ولا يقدر عليه إلا بمزيد قوة، تقدمت المباشرة فلم يلحق بها السبب بخلاف الصيد، فإن من شأنه أن لا يدفع عن نفسه، فضعفت المباشرة، فألحق بها السبب.стр. 1716
أو بجناية دابة هو متصرف فيها (فعليه جزاؤه) (١) وإن دل ونحوه محرم محرما فالجزاء بينهما (٢) ويحرم على المحرم أكله مما صاده، أو كان له أثر في صيده (٣) . الحواشي
(١) سواء كان بيدها، أو فمها، لا برجلها أو ذنبها، وسواء كان راكبا، أو سائقا، أو قائدا، فلا ضمان عليه، وإن أمسك صيدا حتى حل ضمنه بتلفه، لتحريم إمساكه، وكذا بذبحه، وكذا إن أمسك صيد حرم، وخرج به إلى الحل.(٢) بأن أشار، أو أعان، وإن دل ونحوه حلال محرما على صيد، فقتله المحرم وحده، فلا ضمان على الحلال، لأنه ليس محلا للضمان، ويضمنه المحرم كله، تغليبا للإيجاب، كشركة نحو سبع، إلا أن يكون في الحرم، فيشتركان في الجزاء، كالمحرمين، وهو أحد قولي الشافعي، وعنهما: على كل واحد جزاء كامل، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وإن جرحه محرم، ثم قتله حلال، ضمن المحرم أرش جرحه فقط، وإن جرحه محرم، ثم قتله محرم، فعلى الأول أرش جرحه، وعلى الثاني تتمته.(٣) أي يحرم على المحرم ما صاده هو وغيره من المحرمين إجماعا، لأنه كالميتة إلا أنه حكي فيه قول للشافعي أنه يباح، وكذا لو كان له أثر في صيده كما لو أعان الصائد بإعارة آلة، أو مناولة وفاقا، كما تقدم، وإن ذبح المحرم صيدا، أو قتله فميتة وفاقا، ومثله صيد حرم ذبحه محل، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد: له أن يأكل من الميتة ما يدفع به ضرورته ولا يأكل الصيد، ومن اضطر إليه أبيح له، بغير خلاف لقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ .стр. 1717
أو ذبح أو صيد لأجله (١) وما حرم عليه لنحو دلالة، أو صيد له، لا يحرم على محرم غيره (٢) . الحواشي
(١) بالبناء للمفعول نقله الجماعة، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، لما في الصحيحين من حديث الصعب بن جثامة، أنه أهدى للنبي ﷺ حمارا وحشيا، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده إليك إلا أنا حرم، ولمسلم نحوه من حديث ابن عباس، ولأحمد: «لحم الصيد للمحرم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم» ، وهو في السنن وحسنه الترمذي، وقال الشافعي: هذا أحسن حديث في هذا الباب، وأقيس، والعمل على هذا، وقال عثمان لأصحابه: كلوا فقالوا: ألا تأكل؟ قال: إني لست كهيئتكم إنما صيد لأجلي، رواه مالك والشافعي، وعليه الجزاء إن أكل كقتله، وإن أكل بعضه ضمنه بمثله، وإن قتله المحرم ثم أكله، ضمنه لقتله، لا لأكله، لأنه ميتة، وفاقا لمالك، والشافعي، وصاحبي أبي حنيفة، ولا يضمنه محرم آخر وفاقا.(٢) بالجر صفة لمحرم، أي غير الدال والمعين، والذي صيد أو ذبح له، لما سبق، وكحلال وفي خبر أبي قتادة هو حلال فكلوه وأكل منه وهو في الصحيحين وغيرهما من طرق بألفاظ كثيرة، وأمر أبا بكر فقسمه بين الرفاق، وفيه دلالة واضحة على جواز أكل المحرم من صيد الحلال، إذا لم يصد لأجله والحاصل أن ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله، فلا يجوز للمحرم أكله، وما لم يصد من أجله، بل صاده الحلال لنفسه أو الحلال، لم يحرم على المحرم أكله وهذا قول الجمهور، وقال ابن عبد البر: وعليه تصح الأحاديث وإذا حملت عليه لم تختلف، وعلى هذا يجب أن تحمل السنن، ولا يعارض بعضها ببعض، ما وجد إلى استعمالها سبيل، وقال ابن القيم: وآثار الصحابة في هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل، ولا تعارض بين أحاديثه ﷺ بحال.стр. 1718
ويضمن بيض صيد (١) ولبنه إذا حلبه بقيمته (٢) ولا يملك المحرم ابتداء صيدا بغير إرث (٣) وإن أحرم وبملكه صيد لم يزل (٤) ولا يده الحكمية (٥) . الحواشي
(١) أي يضمن المحرم بيض صيد أتلفه، أو نقله إلى موضع ففسد، بقيمته ولو باض على فراشه فنقله برفق، لخبر الأنصاري في بيض نعامة، قال ﷺ : «عليه بكل بيضة صوم يوم، أو إطعام مسكين» ، حديث حسن، وعن عائشة نحوه، وللشافعي عن ابن مسعود، وأبي موسى، ونحوه موقوفا، ولقول ابن عباس: في بيض النعام قيمته، ولخبر أبي هريرة عند ابن ماجه في بيض النعامة ثمنه وقال الوزير: اتفقوا على أن بيض النعام مضمون.(٢) أي قيمة حليب الصيد مكان الإتلاف وفاقا، لأنه لا مثل له من بهيمة الأنعام والأولى بقيمتهما إذ العاطف الواو.(٣) أي لا يملك ابتداءً ملكا تجدد بشراء، أو هبة، أو نحوهما، ولا بوكيله ولا باتهاب ولا باصطياد وفاقا، لخبر الصعب بن جثامة، فإنه ليس محلا للتمليك لأن الله حرمه عليه كالخمر، غير إرث وفاقا، لأنه أقوى من غيره ولا فعل منه، بدليل أنه يدخل في ملك الصبي، والمجنون ومثله لو أصدقها وهو حلال صيدا، ثم طلق قبل الدخول، عاد إليه نصفه، قال الشيخ: ولا يصيد صيدا بريا، ولا يتملكه بشراء، ولا اتهاب، ولا غير ذلك اهـ فإن أخذه بأحد هذه الأسباب الممنوع منها ثم تلف، فعليه جزاؤه لعموم الآية.(٤) بضم الزاي أي لم يزل ملكه عنه لقوة الاستدامة.(٥) بأن يكون الصيد في ملكه، ولا يكون معه، أو بيده بل في بلده مودعا عند غيره، بحيث لا يشاهده، أو في يد نائبه الغائب عنه، ونحو ذلك، ولا يضمنه لأنه لم يفعل في الصيد فعلا فيلزمه شيء، كما لو كان في ملك غيره، والياء مشددة ياء النسب، والتاء للتأنيث، لأنها صفة لليد، أي اليد الحكمية.стр. 1719
بل تزال يده المشاهدة بإرساله (١) (ولا يحرم) بإحرام أو حرم (حيوان إنسي) (٢) كالدجاج وبهيمة الأنعام (٣) لأنه ليس بصيد (٤) وقد كان النبي ﷺ يذبح البدن في إحرامه بالحرم (٥) . الحواشي
(١) إلى موضع يمتنع فيه، وتخليته وهو مذهب أبي حنيفة، والمشاهدة بفتح الهاء، اسم مفعول من شوهد، مثل ما إذا كان في قبضته، أو خيمته، أو رحله، أو قفصه، أومربوطا بحبل معه، لأن ذلك إمساك للصيد المحرم إمساكه، وقال مالك والشافعي: لا يلزمه إرساله لأن الشارع إنما نهى عن تنفير صيد مكة ولم يبين مثل هذا الحكم الخفي مع كثرة وقوعه، ولأنه إنما نهى عن فعله في الصيد ولم يفعل بخلاف المشاهدة فإنه فعل الإمساك، وفرق أحمد بين اليد الحكمية والمشاهدة، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد القولين للشافعي.
ومن أمسكه في الحل، فأدخله الحرم، لزمه إرساله فإن أتلفه ضمنه كمحرم، وفاقا لأبي حنيفة، وفي الفروع: يتوجه لا يلزمه ونظر قياسه على صيد الحرم، وإن أمسكه في الحرم، فأخرجه إلى الحل، لزمه إرساله، فإن تلف في يده ضمنه ولا ضمان على مرسله من يده قهرا، وفاقا لمالك، والشافعي، وصاحبي أبي حنيفة لأنه واجب في هذه الحالة، بخلاف أخذه في حال الإحرام، فإنه لم يملكه فلا يضمنه مرسله إجماعًا.(٢) إجماعا والاعتبار في أهلي ووحشي بأصله وفاقا.(٣) الإبل والبقر والغنم.(٤) ولو توحش وتقدم أن الاعتبار بالأصل.(٥) كما هو مستفيض مشهور، وقال: أفضل الحج العج والثج، والثج: إرسال الدماء بالذبح والنحر، والبدن، بضم الموحدة، جمع بدنة بفتحها، وفدى عن نسائه بالبقر، وذبح البقر والغنم، ونحر الإبل بالحرم، مما لا نزاع فيه.стр. 1720
(ولا) يحرم (صيد البحر) إن لم يكن بالحرم (١) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (٢) وطير الماء بري (٣) (ولا) يحرم بحرم ولا إحرام (قتل محرم الأكل) (٤) كالأسد، والنمر، والكلب (٥) . الحواشي
(١) إجماعا، والبحر جميع المياه المالحة والحلوة والأنهار، والآبار، والعيون وفاقا، فإن كان مما لا يعيش إلا في الماء، فلا خلاف فيه، وإن كان مما يعيش فيهما كالسلحفاة والسرطان فإن كان بالحرم حرم صيده جزم به غير واحد، وصححه في التصحيح وغيره، والشارح، والشيخ، وغيرهما، لأن التحريم فيه للمكان ولا جزاء فيه.(٢) صيده ما يصاد منه طريا وطعامه ما يتزود منه مليحًا يابسًا.(٣) لأنه يبيض ويفرخ في البر، فيحرم على محرم صيده وفيه الجزاء، في قول عامة أهل العلم، وقال الشارح: لا نعلم فيه مخالفًا إلا عطاء.(٤) وهو ثلاثة أقسام.(٥) والفهد وما في معناه، مما فيه أذى للناس، لأنها أشد ضررا من الفواسق، وكالبازي، والصقر، والشاهين، والعقاب، والحشرات المؤذية، والزنبور، والبق، والبعوض، والبراغيث، والقسم الثاني الفواسق، وهي الحدأة والغراب والأبقع، وغراب البين والفأرة والحية، والعقرب، والثالث، ما لا يؤذي بطبعه كالرخم، والبوم والديدان، ولاجزاء في ذلك، واستحبه بعضهم، وقيل: يكره جزم به في المحرر وغيره.
ويكره قتل النمر ونحوه، إلا من أذية شديدة، وقيل: يحرم، قال ابن كثير وغيره: وعليه الجمهور وحكى الوزير اتفاقهم على أنه لا يجوز أن يقتل المحرم الصيد على الإطلاق، ولا يقتل ما لا يؤكل لحمه ولا يصيده، ولا يدل عليه حلالا، ولا محرما، ولا يشير إليه، ويكره قتل ما لا يضر، كنمل وهدهد، إلا من أذى.следующие страницы →