Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
فيصلي بمنى الظهر مع الإمام (١) ويسن أن يحرم (منها) أي من مكة (٢) والأفضل من تحت الميزاب (٣) (ويجزئ) إحرامه (من بقية الحرم) ومن خارجه (٤) ولا دم عليه (٥) . الحواشي
(١) إن أمكنه، لحديث ابن عمر، صلى الفجر يوم التروية بمكة، فلما طلعت الشمس راح إلى منى، فصلى بها الظهر، الحديث، واتفقت الرواة، أنه صلى الظهر بمنى، ومنى فرسخ من مكة.(٢) بلا نزاع، وظاهره، أنه لا ترجيح لمكان على غيره، والجمهور من منزله وحكي أنه لا نزاع فيه، وفي صحيح مسلم عن جابر: أمرنا رسول الله ﷺ لما حللنا أن نحرم، فأهللنا من الأبطح، وكان منزلهم وقال الشيخ: السنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه، وكذلك المكي يحرم من أهله، كما قال النبي ﷺ «ومن كان منزله دون الميقات، فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة» وأصحاب النبي ﷺ إنما أحرموا كما أمرهم النبي ﷺ وأهلوا من البطحاء، وكان منزلهم إذ ذاك، وقال ابن القيم، وأحرموا من منزلهم، ومكة خلف ظهورهم، ولم يدخلوا المسجد ليحرموا منه اهـ ويستحب أن يفعل عند إحرامه هذا ما يفعله عند الإحرام من الميقات، من الغسل، والتنظيف ويتجرد من المخيط.(٣) لم يذكره الأصحاب في الإيضاح، ولا المبهج، وقيل: من المسجد، والسنة من منزله كما فعل ﷺ وأصحابه، وهو الأفضل بلا ريب.(٤) قال الشيخ: هذا هو الصواب، لأن الأبطح خارج البلد، ولم يرد ما يوجب قصر الإحرام على الحرم.(٥) لعدم ورود وجوبه.стр. 1822
والمتمتع إذا عدم الهدي وأراد الصوم سن له أن يحرم يوم السابع، ليصوم الثلاثة محرما (١) (ويبيت بمنى) (٢) ويصلي مع الإمام استحبابا (٣) (فإذا طلعت الشمس) من يوم عرفة (سار) من منى (إلى عرفة) (٤) . الحواشي
(١) يعني السابع والثامن والتاسع، فيكون آخرها يوم عرفة.(٢) يصلي بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، لحديث جابر: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، فركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، وكل من أدركه الليل فقد بات، نام أو لم ينم، وسمي مني لأنه يمنى فيه الدم، أي: يصب.(٣) لصلاة الحاج معه ﷺ بها الفروض الخمسة، قصرا بلا جمع، قال الشيخ: والإيقاد بمنى بدعة، مكروهة باتفاق العلماء.(٤) قال الشيخ: والسنة أن يبيت الحاج بمنى، فيصلون بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، لا يخرجون منها حتى تطلع الشمس، كما فعل النبي ﷺ فالمبيت بها، والمسير إذا طلعت الشمس، سنة باتفاق العلماء، قال: ويسيرون منها على طريق ضب، من يمين الطريق اهـ وهو المعروف الآن بطريق القناطر، والسنة في وصوله إلى عرفة أن يكون عليه، وافتراقه من مزدلفة، ينعطف على اليمين، قرب المشعر الحرام، وضب اسم للجبل الذي حذاء مسجد الخيف، قال ابن القيم: ومن أصحابه الملبي والمكبر، ولم ينكر على أحد منهم، وفيه حديث مرفوع، وقال الشيخ: ولا يزال يلبي في ذهابه من مشعر
إلى مشعر، مثل ذهابه إلى عرفات، وذهابه منها إلى مزدلفة حتى يرمي جمرة العقبة اهـ، وعرفة: اسم لموضع الوقوف، سميت: «عرفة» ؛ لأن جبرئيل
حج بالخليل حتى إذا أتاها قال: عرفت روي عن علي وعطاء وغيرهما، وقيل: لعلو الناس على جباله، والعرب تسمى ما علا عرفة، وقيل: لأن الناس يتعارفون في ذلك اليوم، ويسمَّى، المشعر الحرام، والمشعر الأقصى، قال أبو طالب.
وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له ... ... إلا إلى تلك الشراج القوابل.стр. 1823
فأقام بنمرة إلى الزوال (١) يخطب بها الإمام أو نائبه (٢) . الحواشي
(١) أي زوال الشمس عن كبد السماء إلى جهة المغرب، قال الشيخ: كما فعل النبي ﷺ وهي: قرية كانت خارجة عن عرفات من جهة اليمين اهـ، وموضعها أكمة، عليها أنصاب الحرم، على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة، تريد الموقف، فهي شرقي شمالي عرفة، خراب اليوم، قال ابن الهمام: ونزول النبي ﷺ بنمرة لا نزاع فيه، ولأبي داود وغيره عن ابن عمر أنه ﷺ نزل بنمرة، وهو منزل الإمام الذي ينزل بعرفة، حتى إذا كانت عند صلاة الظهر، راح مهجرًا، فجمع بين الظهر والعصر، وفي حديث جابر: وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له.(٢) أي يخطب الإمام أو نائبه بعرنة، كما خطب النبي ﷺ رواه مسلم من حديث جابر، وروى الحاكم وغيره عن المستورد نحوه، قال عبد الحق: خطبته قبل الصلاة مشهورة، وعمل به الأئمة والمسلمون وقال الشيخ: يسير إليها من بطن الوادي: وهو موضع النبي ﷺ الذي صلى فيه الظهر والعصر، وخطب وهو في حدود عرفة ببطن عرنة، وهناك مسجد يقال له، مسجد إبراهيم، يعني ابن محمد العباسي، لا الخليل وإنما بني في أول دولة بني العباس اهـ ثم زيد فيه من عرفة، والزيادة في نفس المسجد معلمة
بصخرات كبار فرشت هناك، فصدر المسجد من عرنة، وآخره من عرفة، وبين المسجد والحرم نحو ألف ذراع.стр. 1824
خطبة قصيرة (١) مفتتحة بالتكبير (٢) يعلمهم فيها الوقوف، ووقته، والدفع منه والمبيت بمزدلفة (٣) (وكلها) أي كل عرفة (موقف (٤) إلا بطن عرنة) (٥) . الحواشي
(١) قال سالم للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة، فقصر الخطبة وعجل الصلاة، قال ابن عمر: صدق، رواه البخاري، قال الشيخ: خطبة نسك لا خطبة جمعة.(٢) وتقدم أنه ﷺ كان يفتتح خطبه بالحمد، وقال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع» .(٣) فيذكر العالم، ويتعلم الجاهل، ثم ينزل فيصلي بهم الظهر والعصر قصرا، يجمع بينهما، كما فعل النبي ﷺ وخلفاؤه.(٤) إجماعا فمن وقف في أي جزء كان من عرفات صح وقوفه، وحدها، من الجبل المشرف على عرنة، إلى الجبال المقابلة، إلى ما يلي حوائط بني عامر ويقال: قصور آل مالك، يبلغ طولها ميلين وكذا عرضها، قال الوزير: اتفقوا على أن عرفات وما قارب الجبل كله موقف، لقوله ﷺ «وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف» وأرسل للناس، أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها، فإنها من إرث أبيهم إبراهيم، إلا ما كان من الحمس.(٥) بضم العين وفتح الراء والنون، الوادي الذي يقال له مسجد عرنة، وهي مسايل، يسيل فيها الماء إذا كان المطر، فيقال لها الجبال، وهي ثلاثة جبال أقصاها مما يلي الموقف، ذكره البكري وغيره.стр. 1825
لقوله ﵇ «كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة» رواه ابن ماجه (١) (وسن أن يجمع) بعرفة من له الجمع (٢) . الحواشي
(١) ولأنه لم يقف بعرفة، فلم يجزئه، كما لو وقف بمزدلفة، وحكاه ابن المنذر وغيره، إجماع الفقهاء، وقال الوزير وغيره: بطن عرنة لا يجزئ الوقوف به باتفاق الأئمة.(٢) يعني المسافر ومن له عذر، ممن تقدم في بابه، بخلاف المكي، وقال في الشرح الكبير، والصحيح أن الإمام يجمع، وكل من صلى معه، وقال الشيخ: فيصلي الإمام، ويصلي خلفه جميع الحاج، أهل مكة وغيرهم، قصرًا وجمعًا، كما جاءت بذلك الأخبار عن النبي ﷺ وهو مذهب أهل المدينة، وأحد الأقوال في مذهب الشافعي وغيره، ومن قال: لا يجوز القصر إلا لمن كان منهم على مسافة القصر، فهو مخالف للسنة.
وقال: ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصرًا، ويقصر أهل مكة، وغير أهل مكة، وكذلك يجمعون الصلاة بعرفة ومزدلفة، وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي بكر، وعمر ﵄، ولم يأمر النبي ﷺ ولا خلفاؤه أحدا من أهل مكة أن يتموا الصلاة ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى: أتموا الصلاة فإنا قوم سفر، ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ وغلط غلطا بينا، ووهم وهما قبيحا وقال قولا باطلا، باتفاق أهل الحديث، ولكن المنقول عن النبي ﷺ أنه قال ذلك في غزوة الفتح، لما صلى بهم بمكة، وأما في حجه فإنه لم ينزل بمكة، ولكن كان نازلا خارج مكة، وهناك كان يصلي بأصحابه، ثم لما خرج إلى منى وعرفة، خرج معه أهل مكة وغيرهم، ولما رجع من عرفة رجعوا معه، ولما صلى بمنى أيام منى صلوا معه، ولم يقل لهم: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ولم يحدد النبي ﷺ السفر بمسافة، ولا بزمان، وفيه أوضح دليل على أن سفر القصر، لا يتحدد بمسافة معلومة، ولا بأيام معلومة.стр. 1826
(بين الظهر والعصر) تقديما (١) (و) أن (يقف راكبا) (٢) . الحواشي
(١) ليتفرغ للدعاء، قال الشيخ وغيره: فيصلي الظهر والعصر قصرا، إذا قضى الخطبة أذن ثم أقام، كما جاءت السنة بذلك، واستفاض النقل به، وفي حديث جابر: بأذان واحد وإقامتين.
وفي لفظ: ثم أذن بلال، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، لم يصل بينهما شيئا، ويشمل كل واقف بعرفة من مكي وغيره، لأنه ﷺ فعل بهم ذلك ولا يجهر بالقراءة.(٢) أي ويسن بعد الصلاة بعرنة، أن يذهب إلى عرفات إجماعًا، لقول جابر: ثم ركب حتى أتى الموقف، وأن يقف راكبا للخبر، ولأنه أعون على الدعاء إلى غروب الشمس، لكن لا يكاد يذهب أحد إلى نمرة، ولا إلى مصلى النبي ﷺ إلا القليل، بل يدخلون عرفات بطريق المأزمين ويدخلونها قبل الزوال، ومنهم من يدخلها ليلاً، ويبيتون بها، قبل التعريف، كما قاله الشيخ وغيره، وكما هو الواقع اليوم، قال: وهذا الذي يفعله الناس كله مجزئ معه الحج، لكن فيه نقص عن السنة.
قال ويجوز الوقوف ماشيا وراكبا، وأما الأفضل فيختلف باختلاف أحوال الناس، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه، أو كان يشق عليه الوقوف، وقف راكبا، فإن النبي ﷺ وقف راكبا، وهكذا الحج فإن من الناس من يكون حجه راكبا أفضل، ومنهم من يكون حجه ماشيا أفضل، وقال ابن القيم: التحقيق أن الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة، من تعليم المناسك، والاقتداء به، وكان أعون له على الدعاء، ولم يكن فيه ضرر على الدابة.стр. 1827
مستقبل القبلة (١) (عند الصخرات وجبل الرحمة) (٢) لقول جابر: إن النبي ﷺ جعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة (٣) و لا يشرع صعود جبل الرحمة (٤) . الحواشي
(١) لأن النبي ﷺ وقف كذلك، ولأبي نعيم عن ابن عمر مرفوعا «خير المجالس ما استقبل به القبلة» .(٢) أي ويسن أن يقف عند الصخرات المنفرشة عند الجبل الذي هو بوسط أرض عرفات.(٣) رواه مسلم وغيره، فدل على سنية الموقف هناك، والقصواء هي التي كان يركبها في أسفاره، و «حبل المشاة» بالحاء المهملة، والحبل: المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه؛ وهو هنا اسم موضع فيه رمال مجتمعة، وإنما أضيف إلى الماشي، لأنه لا يقدر أن يصعد عليه إلا الماشي، وهو طريق المشاة، ومجتمعهم الذي يسلكونه، ويقفون فيه، والرمل باق فيه إلى الآن، وقد أجريت معه العين.
فموضع موقفه ﷺ هو الفجوة المستعلية، التي عند الصخرات المفروشات، السود الكبار وبه مسجد، جداره فوق ذراع عند جبل الرحمة بحيث يكون أمامك إلى اليمين قليلا إذا استقبلت القبلة، وينبغي أن يقرب من موقف النبي ﷺ بحسب الإمكان، وفي الفائق: المسنون تحري موقفه ﷺ مستقبل القبلة، واستقبالها مستحب في كل طاعة إلا لدليل، وسواء كان جبل الرحمة بين يديه حال استقباله القبلة، أو خلفه، فإنه لم يرد في الشرع استقباله دون القبلة.(٤) إجماعًا قاله الشيخ وغيره، وقال: وأما صعود الجبل الذي هناك فليس من السنة، وكذلك القبة التي فوقه، التي يقال لها قبة آدم لا يستحب دخولها، ولا الصلاة فيها، والطواف بها من الكبائر.стр. 1828
ويقال له: جبل الدعاء (١) (ويكثر الدعاء مما ورد) (٢) كقوله «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، (٣) اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسر لي أمري» (٤) . الحواشي
(١) لدعاء الناس هناك، ويقال له «إلال» على وزن «هلال»(٢) من الأدعية في ذلك اليوم العظيم، والموقف الكبير، والدعاء في مشاعر الحج بعرفة، ومزدلفة، ومنى، والصفا، والمروة، أفضل من القراءة، بالنص والإجماع، قال الشيخ: ولم يعين النبي ﷺ لعرفة دعاء، ولا ذكرا، بل يدعو الرجل بما شاء من الأدعية الشرعية، ويكبر ويهلل، ويذكر الله تعالى، حتى تغرب الشمس.(٣) رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وفيه: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله» ، إلخ وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» ، وقيل لسفيان بن عيينة: هذا ثناء، وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إن شيمتك الحباء؟
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء
كيف وهي أعلى وأرفع مقامات الذكر والدعاء.(٤) رواه البيهقي وغيره وكقوله: «اللهم لك الحمد كالذي تقول وخيرا مما نقول» إلخ.. «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر» إلخ رواه الترمذي وغيره: «اللهم إنك ترى مكاني، وتسمع كلامي» إلخ رواه الطبراني وغيره.стр. 1829
ويكثر الاستغفار، والتضرع، والخشوع، وإظهار الضعف والافتقار (١) ويلح في الدعاء (٢) . الحواشي
(١) والتذلل، وتفريغ الباطن والظاهر من كل مذموم، وليكن على طهارة في هذا المشعر العظيم، ويوم الحج الأكبر، فإنه موقف تسكب فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، وهو أعظم مجامع الدنيا، فإذا فرغ قلبه، وطهره وطهر جوارحه، واجتمعت الهمم وتساعدت القلوب، وقوي الرجاء، وعظم الجمع كان جديرا بالقبول، فإن تلك أسباب نصبها الله مقتضية لحصول الخير، ونزول الرحمة ويجتهد أن يقطر من عينه قطرات، فإنها دليل الإجابة، وعلامة السعادة كما أن خلافه علامة الشقاوة، فإن لم يقدر على البكاء، فليتباك بالتضرع، والدعاء ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ *﴾ .(٢) لأنه يوم ترجى فيه الإجابة، ويرفع يديه، قال ابن عباس: رأيت رسول الله ﷺ بعرفات يدعو، ويداه إلى صدره، كاستطعام المسكين، رواه أبو داود قال الشيخ: ويجتهد في الذكر والدعاء هذه العشية فإنه ما رؤي إبليس في يوم هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أغيظ، ولا أدحض من عشية عرفة، لما يرى من تنزيل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رؤى في يوم بدر، وروى أبو ذر الهروي عن أنس مرفوعا، «إن الله يباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي شعثا، غبرا، أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق، فاشهدوا أني قد غفرت لهم، إلا التبعات التي بينهم» ، وقال: وأما التلبية في وقوفه بعرفة ومزدلفة، فلم ينقل عنه ﷺ ، وقد نقل عن الخلفاء الراشدين وغيرهم أنهم كانوا يلبون يوم عرفة.стр. 1830
ولا يستبطئ الإجابة (١) (ومن وقف) أي حصل بعرفة (٢) (ولو لحظة) أو نائما، أو مارا، أو جاهلا أنها عرفة (٣) (من فجر يوم عرفة (٤) إلى فجر يوم النحر (٥) ) . الحواشي
(١) لقوله ﵊ «ليدع أحدكم، ولا يستبطئ الإجابة فيقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي، فإن الله تعالى قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ » وإذا صادف يوم الجمعة يوم عرفة اجتمع فضيلتان، وفي آخر الجمعة ساعة الإجابة على الراجح، فيكون له مزية على سائر الأيام، قال ابن القيم: «وأما ما استفاض على ألسن العوام، أنها تعدل اثنتين وسبعين حجة، فباطل لا أصل له.»(٢) وقت الوقوف، وهو أهل له، صح حجه، فلا يقال: لا بد من الإرادة.(٣) صح حجه، صححه صاحب التلخيص، وجزم به الموفق، وهو مذهب الجمهور، ولو كان حصوله فيها لحظة لطيفة للخبر.(٤) هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وعنه: الوقوف من الزوال يوم عرفة، وفاقا للأئمة الثلاثة، واختاره الشيخ وغيره، وحكاه ابن المنذر وابن عبد البر إجماعا، لأنه ﷺ وأصحابه لم يقفوا إلا بعد الزوال وما قبله لا يعتد به، في قول أكثر الفقهاء، فإنه لم ينقل عن أحد أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيدا لمطلق خبر «من ليل أو نهار» .(٥) إجماعا لقوله ﷺ «الحج عرفة» ثلاثا «فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك» رواه أحمد، وأهل السنن، بإسناد صحيح، وفي لفظ «الحج عرفة، فمن وقف ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه» رواه بمعناه أبو داود وغيره، وصححه الترمذي وغيره، وقال وكيع: هذا الحديث أم المناسك.стр. 1831
وهو أهل له أي للحج، بأن يكون مسلمًا، محرمًا بالحج (١) ليس سكرانًا، ولا مجنونًا، ولا مغمى عليه (صح حجه) (٢) لأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف (٣) (وإلا) يقف بعرفة (٤) أو وقف في غير زمنه (٥) أو لم يكن أهلا للحج (فلا) يصح حجه (٦) . الحواشي
(١) فالكافر لا يصح منه، وغير المحرم لا يعتبر وقوفه، لأنه لم يكن أهلاً للحج، فلا يعتبر وقوفه بعرفة.(٢) لانتفاء الموانع، وإن أفاق من ذكر، وحصل منه الوقوف، ولو لحظة صح حجه، ولا تشترط له الطهارة، فلو وقفت حائض، أو نفساء صح حجها إجماعًا لقصة عائشة وأسماء، وغيرهما.(٣) وهو أهل للحج، فصح حجه بالإجماع للأخبار.(٤) وقد تقدم ذكر حدودها لم يصح حجه، لقوله: «الحج عرفة» وقوله «وقد وقف بعرفة» لتركه ركنا من أركان الحج المجمع عليها، فلم يصح حجه.(٥) لم يصح حجه إجماعًا، لقوله: «من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر» الحديث قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أن من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج، ولا يجزئ عنه بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل، وهو قول أهل العلم.(٦) سواء كان كافرا، أو غير محرم، أو سكرانًا أو مجنونًا بلا خلاف أو مغمى عليه لعدم أهليته.стр. 1832
لفوات الوقوف المعتد به (١) (ومن وقف) بعرفة (نهارا، ودفع) منها (قبل الغروب (٢) ولم يعد) إليها (قبله) أي قبل الغروب، ويستمر بها إليه (فعليه دم) أي شاة (٣) لأنه ترك واجبا (٤) فإن عاد إليها، واستمر للغروب (٥) أو عاد بعده قبل الفجر، فلا دم عليه (٦) لأنه أتى بالواجب، وهو الوقوف بالليل والنهار (٧) . الحواشي
(١) ومن فاته الوقوف المعتد به فاته الحج، قال في المبدع وغيره: بغير خلاف نعلمه، لقوله: «الحج يوم عرفة، ومن جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه» رواه أبو داود، ولأنه ركن للعبادة فلم يتم بدونه، كسائر أركان العبادة وتقدم أن من كان بينه وبين الموقف مقدار صلاة صلاها صلاة خوف، واختاره الشيخ.(٢) خالف السنة، فإنه ﷺ لم ينصرف حتى غابت الشمس وغاب القرص.(٣) وفاقا لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وشدد مالك فقال: إن لم يرجع فاته الحج، والنص حجة عليه، وقال ابن عبد البر: لا نعلم أحدًا من العلماء قال بقوله.(٤) أي ومن ترك واجبا فعليه دم عند الجمهور.(٥) فلا دم عليه إجماعًا، لإتيانه بالواجب.(٦) كمن تجاوز الميقات بلا إحرام، ثم عاد إليه فأحرم منه.(٧) ومن أتى بالواجب فلا دم عليه، وتقدم قوله: وقد وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه.стр. 1833
(ومن وقف ليلا فقط فلا) دم عليه (١) قال في شرح المقنع: لا نعلم فيه خلافا (٢) لقول النبي ﷺ «من أدرك عرفات بليل، فقد أدرك الحج» (٣) (ثم يدفع بعد الغروب) مع الإمام أو نائبه (٤) على طريق المأزمين (٥) . الحواشي
(١) لأنه لم يتصور منه انصراف قبل الغروب، وأجزأه الوقوف ليلاً، بالنص والإجماع، وأشبه من منزله دون الميقات.(٢) وكذا قاله الموفق وغيره، وفي الإنصاف: بلا نزاع.(٣) وللخمسة «من جاء ليلة جمع، قبل طلوع الفجر، فقد أدرك الحج» ، وتقدم قوله: «من وقف بعرفة، ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه» .(٤) لحديث علي «دفع حين غابت الشمس» رواه أبو داود، وقال: صحيح وفي حديث جابر: «لم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا» ، رواه مسلم، ولأن فيه إظهار مخالفة المشركين، فإنهم كانوا يدفعون قبل أن تغيب الشمس، فقال: «وإنا ندفع بعد أن تغيب، مخالفا هدينا هديهم» وقال في المزدلفة عكسه، والأفضل أن يقف في مكانه، كيلا يؤذي ويخالف السنة(٥) بالهمزة، وكسر الزاي، مضيق بين الجبلين الذين بين عرفة ومزدلفة وكل طريق بين جبلين يقال له «مأزم» فالسنة في رجوعه من عرفة أن يكون على على طريق المأزمين، قال الشيخ: وهو طريق الناس اليوم، وإنما قال الفقهاء: على طريق المأزمين، لأنه إلى عرفة طريق أخرى، تسمى طريق ضب، ومنها دخل إلى عرفات، وخرج على طريق المأزمين، وكان في الأعياد والمناسك يذهب من طريق ويرجع من أخرى، وقال: إذا غربت الشمس يخرجون إن شاءوا بين العلمين وإن شاءوا من جانبيها، والعلمان الأولان حدود عرفة، فلا يجاوزونهما حتى تغرب الشمس، والميلان بعد ذلك حد الحرم، وما بينهما بطن عرنة.стр. 1834
(إلى مزدلفة) وهي ما بين المأزمين، إلى وادي محسر (١) ويسن كون دفعه (بسكينة) (٢) لقوله ﵇ «أيها الناس السكينة السكينة» (٣) (ويسرع في الفجوة) (٤) . الحواشي
(١) وكذا ما على يمين ذلك، وشماله من الشعاب، ونبهوا على ذلك، ليعلم أن أي موضع وقف الحاج منها أجزأ لأنه ﷺ وقف بجمع، وقال: «ارفعوا عن بطن محسر» ومحسر بضم الميم، وفتح الحاء، وكسر السين المشددة بعدها راء، واد معروف، بين مزدلفة ومنى، ويأتي «ومزدلفة» سميت بذلك من الزلف، وهو التقرب، لأن الحاج إذا أفاضوا من عرفة ازدلفوا إلى منى، أي تقربوا منها، ومضوا إليها، وتسمى جمعا، لاجتماع الناس بها، قال البغوي وغيره: هي ما بين جبلي المزدلفة، وليس المأزمان، ولا المحسر من المشعر الحرام.
وسئل ﵊ عن المشعر، فسكت حتى هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، فقال: «هذا المشعر الحرام» وكلها موقف إجماعا، قال الشيخ: يقال لها المشعر الحرام، وهي ما بين مأزمي عرفة إلى بطن محسر، وكلها موقف، لكن الموقف عند قزح أفضل، وهو جبل الميقدة، وهو المكان الذي يقف فيه الناس اليوم، وقد بني عليه بناء، وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء بالمشعر الحرام.(٢) أي تؤدة ووقار، وخضوع مستشعرًا فضل تلك المشاعر والوقت، مستغفرًا ذاكرا لله تعالى، وملبيا، لقوله: «ولم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» .(٣) بالنصب على الإغراء، أي الزموا السكينة، ألزموا السكينة، لما يرى من شدة انزعاجهم كما هو الواقع.(٤) بفتح الفاء وسكون الجيم، الفرجة بين الشيئين والمتسع أي سعة الطريق، قال الشيخ وغيره: ولا يزاحم الناس.стр. 1835
لقول أسامة: كان رسول الله ﷺ يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص، أي أسرع (١) لأن العنق انبساط السير (٢) والنص فوق العنق (٣) (ويجمع بها) أي بمزدلفة، (بين العشائين) (٤) أي يسن لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب حتى يصلي إلى مزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء، من يجوز له الجمع (٥) قبل حط رحله (٦) . الحواشي
(١) أي أسرع سيره فوق المعتاد، متفق عليه، ولمسلم عن جابر «أيها الناس السكينة السكينة» ، كلما أتى حبلا أرخى لها قليلا حتى تصعد، والعنق بفتحات آخرها قاف.(٢) وأعنقت الدابة، سارت سيرا واسعا فسيحا ممتدا.(٣) نص الدابة استحثها شديدا.(٤) بلا نزاع، وقال ابن المنذر وغيره: لا اختلاف بين العلماء، أن السنة الجمع بينهما، لفعله ﷺ رواه جابر وابن عمر وأسامة، والسنة أن لا يتطوع بينهما بلا نزاع.(٥) أي فالسنة بالإجماع لمن دفع من عرفة إلى المزدلفة، أي لا يصلي المغرب حتى يصل إلى المزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء، بأذان واحد، وإقامتين لفعله ﷺ وقالوا: لمن يجوز له الجمع، وتقدم أنه كان يصلي معه ﷺ جميع الحجاج أهل مكة وغيرهم، قصرا وجمعا، كما جاءت بذلك الأخبار عن النبي ﷺ وأن من قال: لا يجوز إلا لمن كان منهم على مسافة قصر فهو مخالف للسنة.(٦) وتبريك الجمال، فإذا صلى المغرب حط عن رحله ثم أقام الصلاة
ثم صلى العشاء، لما في الصحيح: ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، وقال الشيخ: فإذا وصل إلى المزدلفة صلى المغرب قبل تبريك الجمال إن أمكن، ثم إذا بركوها صلوا العشاء، وإن أخر العشاء لم يضره ذلك.стр. 1836
وإن صلى المغرب بالطريق ترك السنة وأجزأه (١) (ويبيت بها) وجوبا (٢) لأن النبي ﷺ بات بها، وقال «خذوا عني مناسككم» (٣) . الحواشي
(١) أي فعلها، لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق، كالظهر والعصر بعرفة، والسنة المأثورة عن النبي ﷺ : الجمع بينهما ومن فاتته الصلاة مع الإمام بمزدلفة، أو بعرفة جمع ولو وحده، لفعل ابن عمر، ولأن كل جمع جاز مع الإمام جاز منفردا.(٢) أي بمزدلفة، قال الوزير وغيره: أجمعوا أنها تجب البيتوتة جزءا من الليل في الجملة، إلا مالكا، فقال: سنة، وهو قول للشافعي، ويتأكد المبيت والوقوف بمزدلفة بأمور، منها قول: «من صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان وقد وقف بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه» صححه الترمذي وغيره، وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وفعل رسول الله ﷺ الذي خرج مخرج البيان لهذا الذكر المأمور به، وينبغي أن يجتهد تلك الليلة في الدعاء والتضرع، فإنها ليلة عيد، جامعة لأنواع الفضل، من الزمان والمكان، وأمر الله بذكره فيها، وليس بركن لحديث «الحج عرفة» .(٣) فيجب المبيت بها، لفعله ﷺ المستفيض، وفي الحديث: ثم رقد بعد الصلاة، ولم يحي تلك الليلة، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء، كما حكاه ابن القيم وغيره، وقال الشيخ: السنة أن يبيت بها إلى أن يطلع
الفجر، فيصلي بها الفجر في أول الوقت، ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جدًّا قبل طلوع الشمس.стр. 1837
(وله الدفع) من مزدلفة قبل الإمام (بعد نصف الليل) (١) لقول ابن عباس: كنت فيمن قدم النبي ﷺ في ضعفة أهله، من مزدلفة إلى منى متفق عليه (٢) (و) الدفع (قبله) أي قبل نصف الليل (فيه دم) (٣) . الحواشي
(١) قال الوزير: اتفقوا على جوازه، إلا أبا حنيفة، وقال: عليه دم، ولا يلزمه الرجوع إليها.(٢) قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، لم يروا بأسا أن يتقدم الضعفة من المزدلفة بليل، يصيرون إلى منى، لما فيه من الرفق بهم، ودفع المشقة عنهم، رموا قبل الزحمة، وقال: أكثر أهل العلم بالحديث إنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس، ورخص بعض أهل العلم في أن يرموا بليل، والعمل على حديث النبي ﷺ أنهم لا يرمون، وهو قول الشافعي، ولفظه: وقال: «لا ترموا حتى تطلع الشمس» والضعفة بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة والفاء جمع ضعيف: النساء والصبيان، والمشايخ العاجزون، وأصحاب الأمراض، قال الشيخ وغيره: فإن كان من الضعفة، كالنساء والصبيان ونحوهم، فإنه يتعجل من مزدلفة إلى منى، إذا غاب القمر، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلون بها الفجر، ويقفون بها، قال ابن القيم: وقول جماعة أهل العلم، الذي دلت عليه السنة، جواز التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حده بنصف الليل دليل.(٣) وهو مذهب الشافعي، إلا أنه يجزئ جزء من الليل، وكذا قال مالك، مع أنه سنة عنده، وقال أبو حنيفة: لا دم عليه.стр. 1838
على غير سقاة ورعاة (١) سواء كان عالما بالحكم أو جاهلا، عامدا أو ناسيا (٢) (كوصوله إليها) أي إلى مزدلفة (بعد الفجر) فعليه دم (٣) لأنه ترك نسكا واجبا (٤) (لا) إن وصل إليها (قبله) أي قبل الفجر، فلا دم عليه (٥) وكذا إن دفع من مزدلفة قبل نصف الليل، وعاد إليها قبل الفجر، لا دم عليه (٦) (فإذا) أصبح بها (صلى الصبح) بغلس (٧) ثم (أتى المشعر الحرام) وهو جبل صغير بالمزدلفة (٨) . الحواشي
(١) ونحوهم فإن لهم السقي، والرعي، وغير ذلك مما يماثله، ولا يلزمهم المبيت كليالي منى.(٢) أي إن دفع قبل نصف الليل، لأنه فعل مأمور به، فلم يعذر بتركه.(٣) قال في الإنصاف: بلا نزاع.(٤) وهو المبيت بمزدلفة، لفعله ﷺ وتقدم: أنه يجب جزء من الليل في الجملة، عند الجمهور.(٥) لقوله: «من صلى صلاتنا هذه» ، يعني الفجر «ووقف معنا حتى ندفع فقد تم حجه» وتقدم.(٦) لأنه حصل منه الوقوف المشروع في الوقت المنصوص.(٧) وهو اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، والمراد في أول الوقت، لقول جابر صلى الصبح بها، حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، وليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام.(٨) يقال له: «قُزح» عليه بناء، وبه الميقدة، مشهور، يقف به الناس.стр. 1839
سمي بذلك لأنه من علامات الحج (١) (فيرقاه أو يقف عنده (٢) ويحمد الله ويكبره) ويهلله (٣) (ويقرأ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين) (٤) . الحواشي
(١) مأخوذ من الشعيرة، وهي العلامة، وسميت المزدلفة، المشعر الحرام لأنها داخل الحرم، والحرام يعني: المحرم فيه الصيد وغيره، أو ذا الحرمة الأكيدة، وأصله: من المنع، فهو ممنوع أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه.(٢) لفعله ﷺ ولمسلم: فصلى الفجر، ثم ركب، حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، لأنها أشرف الجهات، ويستحب استقبالها في كل طاعة إلا لدليل، والوقوف عند المشعر الحرام، مشروع إجماعا، ومذهب مالك وأحد القولين للشافعي وأحمد وجوبه.(٣) وفي صحيح مسلم: فدعا الله، وكبره، وهلله، ووحده، أي قال: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» ونحو ذلك.(٤) ويكثر من الدعاء، ومنه: اللهم كما وفقتنا للوقوف فيه، وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك، كما هديتنا، واغفر لنا، كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ وقوله: ﴿أَفَضْتُمْ﴾ أي: دفعتم، فالإفاضة دفع بكثرة، من «أفاض الماء» أي صبه (واذكروه) أي بالتوحيد والتعظيم (كَمَا هَدَاكُمْ) أي أنعم عليكم: من الهداية، والإرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه الخليل ﵇، و ﴿النَّاسُ﴾ يعني سائر العرب سوى الحمس.стр. 1840
(ويدعو حتى يسفر) (١) لأن في حديث جابر أن النبي ﷺ لم يزل واقفا عند المشعر الحرام حتى أسفر جدا (٢) فإذا أسفر سار قبل طلوع الشمس بسكينة (٣) (فإذا بلغ محسرا) وهو واد بين مزدلفة ومنى سمي بذلك لأنه يحسر سالكه (٤) . الحواشي
(١) أي إسفارا بليغا، وهو مذهب الجمهور، وما روي عن مالك من الدفع قبل الإسفار، لا يدفع به ما ثبت عنه ﷺ والضمير في يسفر للصبح، أو الداعي، ويكثر الدعاء، ويبالغ في الابتهال والتضرع، وإظهار الضعف والافتقار، وتقدم ما رواه أبو ذر الهروي، مباهاة الله بهم في عرفة، وفيه ثم قال: «إن القوم أفاضوا من عرفات إلى جمع، فقال: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي، وقوفا وعادوا في الطلب، والرغبة، والمسألة، اشهدوا أني قد وهبت مسيئهم لمحسنهم، وتحملت التبعات التي بينهم» .(٢) أي لم يزل قائما راكبا على ناقته، حتى أسفر جدًّا رواه مسلم وغيره، وحكى الطبري وغيره الإجماع على أن من لم يقف بها حتى طلعت الشمس فاته الوقوف.(٣) وقاله الشيخ وغيره، ولا خلاف في استحبابه، لفعله ﷺ وقال ابن القيم: الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة باتفاق المسلمين، وعن ابن عباس: أفاض قبل طلوع الشمس، حسنه الترمذي: وللبخاري عن عمر أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، وإن رسول الله ﷺ خالفهم فأفاض قبل طلوع الشمس.(٤) أي يعييه، وقيل: لأن أصحاب الفيل حسروا فيه، أو الفيل، أي أعيي
وانقطع عن الذهاب، وحسر من باب نصر، ويسميه أهل مكة: وادي النار، ومحسر برزخ بين منى ومزدلفة، لا من هذه ولا من هذه كما أن عرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منهن، فمنى من الحرم، وهي مشعر، ومحسر من الحرم، وليس بمشعر ومزدلفة حرم ومشعر وعرنة ليست مشعرا، وهي من الحل، وعرفة حل ومشعر.стр. 1841
(أسرع) قدر (رمية حجر) (١) إن كان ماشيا، وإلا حرك دابته (٢) لأنه ﷺ لما أتى بطن محسر حرك قليلا، كما ذكره جابر (٣) (وأخذ الحصى) أي حصى الجمار، من حيث شاء (٤) . الحواشي
(١) قال ابن القيم: وغيره: والإسراع في وادي محسر سنة، نقلها طوائف عنه ﷺ .(٢) قال بعضهم: وعليه السكينة والوقار، ويلبي مع ذلك.(٣) رواه مسلم وغيره، ولفظه: حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا وللخمسة عنه: أوضع في وادي محسر، يعني أسرع السير فيه، وهذه عادته ﷺ في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه، فإن هناك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا، ولذلك سمي الوادي محسرا، لأن الفيل حسر فيه، كما ذكره غير واحد من أهل العلم، قال النووي في قوله: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين» فيه الحث على المراقبة عند المرور بدار الظالمين ومواضع العذاب، ومراده بالإسراع بوادي محسر، لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك، فينبغي للمار في مثل هذه المواضع المراقبة، والخوف، والبكاء، والاعتبار بمصارعهم وأن يستعيذ بالله من ذلك.(٤) وقاله الشيخ وغيره وقال أحمد: لا خلاف في الإجزاء، لقوله لابن عباس
غداة العقبة وهو على ناقته القصواء «القط» فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف رواه ابن ماجه وغيره، وهو في صحيح مسلم عن الفضل، ولفظه: حتى إذا دخل منى، قال: «عليكم بحصى الخذف» وهو الجمار، واحدتها جمرة وهي في الأصل الحصاة، ثم يسمى الموضع الذي ترمى فيه الحصيات السبع جمرة وتسمى الحصيات السبع جمرة أيضا، تسمية للكل باسم البعض.стр. 1842
وكان ابن عمر يأخذ الحصى من جمع (١) وفعله سعيد بن جبير، وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع (٢) والرمي تحية منى (٣) فلا يبدأ قبله بشيء (٤) . الحواشي
(١) اسم للمزدلفة، سميت به لاجتماع الناس بها، وتقدم.(٢) أي الصحابة ﵃، ولم يثبت أخذه ﷺ ولا أحد من أصحابه من غير منى، وإن لم يرد التصريح به، فهو كالظاهر، بل ثبت أنه ﷺ لما كان في طريقه إلى منى أمر ابن عباس أن يلتقطها له، ولم يلتقطها بالليل، حال نزوله بمزدلفة، كما يثابر عليه بعض العوام قبل الصلاة، ولا أمر أصحابه، ولم ينقل أنه التقط سبعين منها، كما يفعله كثير من العوام اليوم، وفيه استعارة تبعية مكنية وذلك أنه شبه الأخذ الذي هو مصدر المستعار له، بالتزويد الذي هو مصدر المستعار منه، ثم اشتق منه الفعل، فسرت الاستعارة إليه، ثم شبه الحصى بالزاد فحذف المشبه، وأبقى المشبه به.(٣) لفعله ﷺ وبداءته به قبل كل شيء، واستمر العمل عليه، وكتحية الكعبة بالطواف، والمسجد بتحيته.(٤) لا بحلق، ولا ذبح، ولا طواف، اتباعا لسنته ﷺ حيث بدأ به قبل كل شيء.стр. 1843
(وعدده) أي عدد حصى الجمار (سبعون) حصاة (١) كل واحدة (بين الحمص والبندق) (٢) كحصى الخذف (٣) فلا تجزئ صغيرة جدًّا (٤) ولا كبيرة (٥) ولا يسن غسله (٦) (فإذا وصل إلى منى، وهي من وادي محسر، إلى جمرة العقبة) (٧) . الحواشي
(١) يرمي يوم النحر بسبع، وأيام التشريق بثلاث وستين إن لم يتعجل، وذكر الرافعي أن أخبار رميه ﷺ الجمار بسبعين متواترة.(٢) قاله الشيخ وغيره، دون الأنملة طولا وعرضا، قدر حبة الباقلا المعتدلة وقيل: كقدر النواة، «والحمص» حب معروف يؤكل، بفتح الميم وكسرها، أعجمي معرب، والعامة تقول له: الحنبص، و «البندق» بضم الباء والدال، الذي يرمى به، الواحدة بندقة، بهاء، والجمع بنادق، وثمر شجر.(٣) بالخاء والذال المعجمتين، الرمي بنحو حصاة، أو نواة بين السبابتين يحذف بها، لحديث جابر: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمار بمثل حصى الخذف، رواه الترمذي وغيره، وصححه، وقال: وهو الذي اختاره أهل العلم، أن تكون الجمار مثل حصى الخذف، ولابن ماجه: قال لي «القط» فلقطت له سبع حصيات، من حصى الخذف، ويكره بهيئة الخذف، للنهي الصحيح عنها، الشامل للحج وغيره.(٤) لخروجها بالصغر عن الحد المعتاد المتعارف الخذف به، لما مر.(٥) لقوله ﷺ «بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو» وقال «عليكم بحصى الخذف» وهو يشير بيده، كما يخذف الإنسان، قال الشيخ: وإن كسره جاز، والتقاط الحصى أفضل من تكسيره من الجبل.(٦) أي حصى الجمار، ما لم يكن عليه نجاسة.(٧) فليسا من منى، لأن الحد غير المحدود، وجمرة العقبة هي آخر الجمرات
من ناحية منى، وأقربهن من مكة، وهي الجمرة الكبرى، والجمع العقبات، وقد صارت علما على العقبة التي ترمى عندها الجمرة، وتعريفها بالعلمية بالغلبة، لا باللام، وامتازت عن الأخريين بأربعة أشياء، اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى يوم النحر، ومن أسفلها، ويجزئ من فوقها، لفعل عمر، والأول أفضل، لفعل النبي ﷺ وأصحابه، وخروجا من الخلاف، ويستحب سلوك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى.стр. 1844
بدأ بجمرة العقبة (١) فـ (رماها بسبع حصيات متعاقبات) واحدة بعد واحدة (٢) فلو رمى دفعة واحدة لم يجزئه إلا عن واحدة (٣) . الحواشي
(١) لبداءته ﷺ منها، ولأنها تحية منى، فلم يتقدمها شيء كالطواف بالبيت.(٢) أي ترمى واحدة بعد واحدة، لما في الصحيحين وغيرهما، عن ابن عمر وغيره، أنه ﷺ رماها بسبع حصيات، وقال الوزير وغيره: أجمعوا على وجوب رمي جمرة العقبة يوم النحر خاصة بسبع حصيات، وقال ابن الماجشون: هو ركن، لا يتحلل إلا به، كسائر الأركان، وقال ﷺ «إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله» صححه الترمذي وغيره، وذكر غير واحد من أهل التفسير أنها من شعائر الله، وسئل سعيد بن منصور عنها فقال: الله ربكم تكبرون، وملة أبيكم تتبعون، ووجه الشيطان ترمون، وسببه: رمي الخليل الشيطان الذي كان يراه في تلك المواضع، ثم بقي بعده كسبب السعي والرمل.(٣) عند جمهور أهل العلم، لفعله ﷺ قال في الإنصاف: بمنزلة حصاة، لا أعلم فيه خلافا، ودفعة بفتح الدال المرة وبالضم، اسم لما يدفع بمرة.стр. 1845
ولا يجزئ الوضع (١) (يرفع يده) اليمنى حال الرمي (حتى يرى بياض إبطه) (٢) لأنه أعون على الرمي (٣) (ويكبر مع كل حصاة) (٤) ويقول: «اللهم اجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا» (٥) (ولا يجزئ الرمي بغيرها) أي غير الحصا (٦) كجوهر، وذهب، ومعادن (٧) . الحواشي
(١) أي من غير رمي أو طرح، قولا واحدا، لأنه خلاف الوارد، ولا يسمى رميا، ولا في معنى الرمي الذي هو مجاهدة الشيطان، بالإشارة إليه بالرمي الذي يجاهد به العدو، كما يدل عليه ما تقدم عن سعيد بن منصور، قال: ووجه الشيطان ترمون، والأولى أن يكون بينه وبين المرمى خمسة أذرع، وإن طرحه طرحا أجزأ، جزم به الموفق وغيره، ولو رمى بها، فذهبت بها ريح عن المرمى لم يجزئه، أو وقعت على ثوب إنسان فنفضها، لم يجزئه، لأن حصولها في المرمى بفعل غيره.(٢) مبالغة في الرفع «ويرى» بالبناء للمجهول.(٣) وأمكن لحصولها في المرمى.(٤) أي يستحب أن يكبر مع كل حصاة، وفي صحيح مسلم: رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة.(٥) لأن ابن عمر، وابن مسعود كانا يقولان، ذلك «ومبرورا» أي متقبلا يقال: بر الله حجك أي قبله.(٦) أي غير جنس الحصا، لفعله ﷺ وأمره به.(٧) قال في الإنصاف: قولا واحدا، وخشب، وعنبر، ولؤلؤ، لأنها ليست من جنس الأرض، ولأنه نثار وليس برمي.стр. 1846
(ولا) يجزئ الرمي (بها ثانيا) (١) لأنها استعملت في عبادة، فلا تستعمل ثانيا، كماء الوضوء (٢) (ولا يقف) عند جمرة العقبة بعد رميها (٣) لضيق المكان (٤) وندب أن يستبطن الوادي (٥) وأن يستقبل القبلة (٦) . الحواشي
(١) أي بحصاة رمى بها، قال الشيخ: ولا يرمى بحصى قد رمي به.(٢) أي كما لا يجزئ استعمال ماء الوضوء مرة ثانية، فكذا حصى الرمي.(٣) حكاه غير واحد إجماعا، لفعل ابن عمر وغيره، وقوله: كان النبي ﷺ يفعله، وقد تظافرت به الأخبار.(٤) وعدم مشروعية الوقوف عندها، وانتهاء العبادة.(٥) أي يدخله من بطنه، وبعضهم يرى وجوبه، وأنه لا يجوز من أعلى الجبل، والأكثر أنه جائز، وخلاف السنة، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، يختارون أن يرمي الرجل من بطن الوادي، وقد رخص بعض أهل العلم: إن لم يمكنه أن يرمي من بطن الوادي، رمي من حيث قدر عليه، وقال ابن الهمام: ثبت أنه رمى خلق كثير من الصحابة من أعلاها، ولم يؤمروا بالإعادة.(٦) فتكون الجمرة عن يمينه، وعنه: يستقبلها، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه ﷺ كان يرميها من بطن الوادي، مستقبلا لها، البيت عن يساره، ومنى عن يمينه وفي لفظ: حتى إذا حاذى بالشجرة اعترضها
وقال الشيخ: يرميها مستقبلا لها، يجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، هذا هو الذي صح عن النبي ﷺ فيها: وفي الصحيحين عن ابن مسعود: انه انتهى إلى جمرة العقبة، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه ورمى بسبع، وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ولا تكون منى
عن يمينه، ومكة عن يساره، إلا وهو مستقبل للجمرة، وفيهما عنه أنه استقبل الجمرة حالة الرمي، فهو السنة المتبعة.стр. 1847
وأن يرمي على جانبه الأيمن (١) وإن وقعت الحصاة خارج المرمى، ثم تدحرجت فيه أجزأت (٢) . الحواشي
(١) لفعل ابن عمر، صححه الترمذي، ولفظ المبدع: على حاجبه الأيمن.(٢) أي فإن وقعت خارج مجتمع الحصى، وهو الجمرة، والشاخص المرتفع منه، وإنما وضع علما على الجمرة، فهو ثلاثة أذرع من سائر الجوانب، إلا جمرة العقبة، فليس لها إلا جهة واحدة من بطن الوادي، وإذا وقع الرمي قريبا من الجمرة جاز، لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه، وقال النووي وغيره: المراد مجتمع الحصى في موضعه المعروف، وهو الذي كان في زمنه ﷺ وحده الطبري وغيره بأنه ما كان بينه وبين الجمرة ثلاثة أذرع، والمشاهدة تؤيده فإن مجتمعه غالبا لا ينقص عن ذلك.
ومن مجتمع الحصى موضع الشاخص، ولم يقل أحد: إنه لا يجوز قصد الشاخص بالرمي، ولا يبعد أن يكون في موضع الشاخص أحجار موضوعة أصلا، أو بأمره ﷺ ، بني الشاخص عليها، والناس في زمنه ﷺ لم يكونوا يرمون حوالي محله، ويتركون محله، ولو وقع ذلك لنقل.
ولو فرش جميع المرمى بأحجار كفى الرمي عليه، لأن المرمى وإن كان هو الأرض، فالأحجار عليه تعد منه، ويعد الرمي عليها رميا على تلك الأرض، فالشاخص المبني يكفي الرمي عليه، واتفق الناس عليه خلفا عن سلف، ولم ينقل عن أحد طعن في ذلك، والناس لا يقصدون إلا فعل الواجب، والرمي إلى المرمى، وقد حل بفعل الرامي، وهو الذي يسع الناس، ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى، فلا يضر تدحرجه، بعد وقوعه في المرمى، لحصول اسم الرمي.стр. 1848
(ويقطع التلبية قبلها) (١) لقول الفضل بن العباس: إن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، أخرجاه في الصحيحين (٢) (ويرمي) ندبا (بعد طلوع الشمس) (٣) لقول جابر: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، وحده أخرجه مسلم (٤) . الحواشي
(١) أي قبل رمي الجمرة، وعند الشروع فيه، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وجماهير العلماء، لأنه شرع فيما يحصل به التحلل.(٢) قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يرمى الجمرة، ولهما عن ابن عباس أن أسامة والفضل كلاهما قالا: لم يزل يلبي حتى رمي جمرة العقبة، أي حتى شرع في رمي جمرة العقبة، وروى حنبل: قطع عند أول حصاة، وقال الطحاوي وغيره: جاء عن رسول الله ﷺ آثار متواترة بتلبيته بعد عرفة، إلى أن رمى جمرة العقبة، وقال الشيخ: فإذا شرع في الرمي قطع التلبية، فإنه حينئذ يشرع في التحلل، وهكذا صح عن النبي ﷺ وقال: ولا يزال يلبي في ذهابه إلى عرفات، وذهابه منها إلى مزدلفة حتى يرمي جمرة العقبة.(٣) هذا هو الأفضل وحكاه ابن عبد البر وغيره إجماعا.(٤) فدل على أفضلية رميها بعد طلوع الشمس يوم النحر لا غير، فوحده راجع ليوم النحر، وليس هو راجعا لقول جابر: رأيت ... إلخ، فجمرة العقبة يندب أن ترمى ضحى يوم العيد وحده، وما بعد يوم العيد بعد الزوال، ويأتي
وعن ابن عباس أنه رأى النبي ﷺ رمى جمرة العقبة ماشيا، رواه الترمذي وحسنه، وقال: العمل عليه عند بعض أهل العلم، ويجوز راكبا، والأكثر ماشيا.стр. 1849
(ويجزئ) رميها (بعد نصف الليل) من ليلة النحر (١) لما روى أبو داود عن عائشة، أن النبي ﷺ أمر أم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت (٢) . الحواشي
(١) وهذا مذهب الشافعي، وقال غير واحد: بعد الفجر، وأبو حنيفة وطوائف لا يجوزونه إلا بعد طلوع الفجر.(٢) أي طافت طواف الإفاضة، ولأن أسماء نزلت بجمع، عند المزدلفة فقامت تصلي، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قال مولاها عبد الله: نعم قالت: فارتحلوا فارتحلنا، ومشينا، حتى رمينا الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت: يا هنتاه، ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظعن متفق عليه، وقال ابن القيم: أنكره أحمد وغيره، وما روى هو وغيره عن ابن عباس أنهم رموها قبل الفجر، قد روى هو وغيره حديثا أصح منه، ولفظه «أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» رواه الخمسة وفيه انقطاع.
وعلى كل تقدير فلا تعارض، فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا حتى تطلع الشمس، فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء، فإن قيل: رمين قبل طلوع الشمس، للعذر، والخوف عليهن من مزاحمة الناس، لأجل الرمي فقد يسوغ وأما القادر فلا يجوز له ذلك، وقول جماعة أهل العلم، الذي دلت عليه السنة رمي القادر بعد طلوع الشمس، قال ابن المنذر وغيره: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، كما فعل النبي ﷺ ولا يجوز قبل طلوع الفجر، لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رماها بعده فلا إعادة عليه إذ لا أعلم أحدا قال: لا يجزئه.стр. 1850
فإن غربت شمس يوم الأضحى قبل رميه، رمى من غد، بعد الزوال (١) (ثم ينحر هديا إن كان معه) واجبا كان أو تطوعا (٢) . الحواشي
(١) جزم به في الإنصاف وغيره، وتقدم أن وقت الرمي بعد طلوع الشمس، وإن أخره إلى آخر النهار جاز، وأما الليل فرخص فيه للرعاة خاصة.(٢) لحديث أنس أتى منى، فأتى الجمرة، فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر: الحديث رواه مسلم، وعليه إجماع المسلمين، قال ابن القيم: ولم ينحر هديه إلا بعد أن حل، ولم ينحره قبل يوم النحر، ولا أحد من أصحابه ألبتة، وقال ﷺ «ونحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم» أي فلا تتكلفوا النحر في موضع نحري، بل يجوز لكم النحر في منازلكم وظاهره أن نحره في ذلك المكان وقع عن اتفاق، لا لشيء يتعلق بالنسك، ومنزله بين منحره ومسجد الخيف، ومنحره عند الجمرة الأولى.
قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه أي موضع نحر فيه من الحرم أجزأه إلا مالكا فقال: لا ينحر في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة، قال الشيخ: وكل ما ذبح بمنى، وقد سيق من الحل إلا الحرم فإنه هدي، سواء كان من الإبل، أو البقر، أو الغنم، ويسمى أيضا أضحية، بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل، فإنه أضحية، وليس بهدي، وليس بمنى ما هو أضحية وليس بهدي، كما في سائر الأمصار.
وقال هو وابن القيم: هدي الحاج بمنزلة الأضاحي للمقيم، ولم ينقل أحد أن النبي ﷺ ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو أضاحيهم، فهو هدي بمنى، وأضحية بغيرها، قال: فإذا اشترى الهدي من عرفات، وساقه إلى منى، فهو هدي باتفاق العلماء وكذلك إن اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم، وأما إذا اشترى الهدي من منى، وذبحه فيها، ففيه نزاع، فمذهب مالك أنه ليس بهدي، وهو منقول عن ابن عمر، ومذهب الثلاثة أنه هدي، وهو منقول عن عائشة.стр. 1851
فإن لم يكن معه هدي، وعليه واجب اشتراه (١) وإن لم يكن عليه واجب سن له أن يتطوع به (٢) وإذا نحر الهدي فرقه على مساكين الحرم (٣) (ويحلق) (٤) ويسن أن يستقبل القبلة (٥) . الحواشي
(١) وذبحه والأفضل بمنى، للخبر.(٢) لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ إلى قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ *﴾ ولا نزاع في سنيته.(٣) لقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ الآية، ولا يتعين ذبحه، فلو أطلقه لهم أجزأ، كما تقدم.(٤) أي ثم بعد النحر يحلق، على هذا الترتيب، لثبوته في صحيح مسلم وغيره، فـ «الواو» هنا بمعنى «ثم» لأنه رمى جمرة العقبة، ثم عاد إلى منى، فذبح بدنة، ثم دعا بالحلاق فحلق رأسه، صلاة الله وسلامه عليه، وروي في الحديث «لكل من حلق رأسه بكل شعرة سقطت نور يوم القيامة» قال ابن الهمام: ومقتضى الدليل في الحلق وجوب الاستيعاب، كما هو قول مالك، وهو الذي أدين الله به قال مالك: ولا يخرج منه إلا بالاستيعاب، وحكى النووي الإجماع على حلق الجميع، والمراد إجماع الصحابة والسلف، ولم يحفظ عنه ﷺ ولا عن أحد من أصحابه الاكتفاء بحلق بعض شعر الرأس، وتقدم النهي عنه.(٥) لما تقدم من استحباب استقبال القبلة في كل طاعة إلا لدليل.стр. 1852
ويبدأ بشقه الأيمن (١) (أو يقصر من جميع شعره) (٢) لا من كل شعرة بعينها (٣) . الحواشي
(١) للأمر بالبداءة باليمين، ولقوله ﷺ للحلاق «خذ» وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، رواه مسلم وغيره، ولأبي داود، فأخذ شقه الأيمن فحلقه، فجعل يقسمه بين من يليه، ثم حلق شق رأسه الأيسر، وذكر جماعة: ويدعو وقت الحلق، لأنه نسك، وذكر الموفق وغيره، ويكبر، لأنه نسك، ولا يشارط على أجرة، ونقل عن بعض الأئمة أنه قال: أخطأت في حلق رأسي في خمسة أحكام، علمنيها حجام بمنى، قلت: بكم تحلق؟ قال: النسك لا يشارط عليه، فجلست، فقال: حول وجهك إلى القبلة، وقال: أدر الأيمن، وكبر فلما فرغت قال: صل ركعتين، فقلت: من أين لك؟ قال: رأيت عطاء يفعله والأربعة الأول هي فعل السلف.(٢) نص عليه، لدعائه ﷺ للمحلقين والمقصرين، ولقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ويعمه لذلك لأنه بدل عن الحلق، فاقتضى التعميم للأمر بالتأسي، وظاهره التخيير بين الحلق والتقصير، لأن بعضهم حلق، وبعضهم قصر، ولم ينكر، والحلق أفضل من التقصير إجماعا، لما في الصحيحين أنه دعا للمحلقين ثلاثا، ثم قال: «والمقصرين» قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، يرون أن يحلق رأسه، وإن قصر يرون ذلك يجزئ عنه، ولأن المقصود قضاء التفث، وهو بالحلق أتم، فكان أولى، ولأنه أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية، لقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ مرتبا على الذبح، وعن أنس: أتى جمرة العقبة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق «خذ» فقدم الذبح عليه لأن الذبح ليس بمحلل على سبيل العموم، فقدمه على الحلق، ليقع في الإحرام.(٣) وقال شيخ الإسلام، وفي الإنصاف: هذا لا يعدل عنه، ولا يسع الناس غيره، وقال الشيخ: وإذا قصر جمع شعره، وقص منه بقدر الأنملة، أو أقل أو أكثر.стр. 1853
ومن لبد رأسه، أو ضفره أو عقصه فكغيره (١) وبأي شيء قصر الشعر أجزأ (٢) وكذا إن نتفه (٣) أو أزاله بنورة (٤) لأن القصد إزالته (٥) لكن السنة الحلق أو التقصير (٦) (وتقصر منه المرأة) أي من شعرها (٧) (قدر أنملة) فأقل (٨) . الحواشي
(١) يقصر من مجموعه، و «لبده» بالتشديد: ألزقه بصمغ ونحوه حتى يتلبد، وضفره، أي: جعله ضفائر، وعقصه: لواه وعقده، فكغيره في التقصير.(٢) سواء كان بموسي أو غيره.(٣) أجزأ، وهو خلاف السنة.(٤) أو غيرها أجزأ(٥) بعد أن منعه الإحرام من الترفه بأخذه.(٦) للأمر به، وفعل النبي ﷺ وأصحابه له، وذكر بعض أهل العلم فيمن عدم الشعر، إمرار الموسي على رأسه، وحكى اتفاقا، وذكره الهيتمي إجماعا، تشبها بالحالقين، وقال غير واحد: إذا سقط ما وجب الحلق لأجله، سقط الحلق، وإمرار الموسي عبث وقد حل، وينبغي أن يأخذ من شاربه ليكون قد وضع من شعره شيئا لله.(٧) أي تقصر المرأة من شعرها، وهو واجب إجماعا.(٨) بلا خلاف، لعدم التقدير الشرعي، فيجب ما يقع عليه الاسم، وأجمعوا أنه لا يجب عليها حلق، وإنما شرع لهن التقصير، قال الشيخ: ولا تقصر أكثر من ذلك وأما الرجل فله أن يقصر ما شاء اهـ ونقل أبو داود، تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة.стр. 1854
لحديث ابن عباس يرفعه «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» رواه أبو داود (١) فتقصر من كل قرن قدر أنملة أو أقل (٢) وكذا العبد (٣) ولا يحلق إلا بإذن سيده (٤) وسن لمن حلق أو قصر أخذ ظفر، وشارب، وعانة، وإبط (٥) (ثم) إذا رمى وحلق أو قصر فـ (قد حل له كل شيء) كان محظورا بالإحرام (إلا النساء) وطأ (٦) . الحواشي
(١) وللترمذي وغيره عن علي: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها، قال: والعمل عليه عند أهل العلم، لا يرون على المرأة حلقا، ويرون أن عليها التقصير، ولأن الحلق مثلة في حقهن.(٢) من الأنملة، قال في المبدع، بعد حكاية ابن الزاغوني، يجب أنملة، والأشهر يجزئ أقل منها، إذ لم يرد فيه تقدير.(٣) أي حكمه حكم المرأة أنه يقصر قدر أنملة.(٤) لأن الشعر ملك للسيد ويزيد في قيمته، ولم يتعين زواله، فلم يكن له ذلك كغير حالة الإحرام، فإن أذن له جاز، إذ الحق له.(٥) قال ابن المنذر: صح أنه ﷺ لما حلق رأسه قص أظفاره، ولأنه من التفث، فيستحب قضاؤه.(٦) وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، لأن تحريم المرأة ظاهر في وطئها، ولأنه أغلظ المحرمات، ويفسد النسك، بخلاف غيره، قال الشيخ: فإذا فعل ذلك فقد تحلل، باتفاق المسلمين، التحلل الأول، فيلبس الثياب، ويقلم أظفاره، وكذلك له على الصحيح أن يتطيب ويتزوج، ويصطاد، يعني خارج الحرم، ولا يبقى عليه من المحظورات إلا النساء، وحكى الوزير وغيره: اتفاقهم على أن للمحرم تحللين، أولهما رمي جمرة العقبة، وآخرهما طواف الإفاضة.стр. 1855
ومباشرة، وقبلة، ولمسا لشهوة، وعقد نكاح (١) لما روي سعد عن عائشة مرفوعا، «إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم الطيب، والثياب، وكل شيء إلا النساء» (٢) (والحلاق والتقصير) ممن لم يحلق (نسك) (٣) . الحواشي
(١) وهو أحد قولي الشافعي، وظاهر كلام جماعة حله، اختاره شيخ الإسلام وذكره رواية عن أحمد.(٢) ورواه الأثرم وغيره، ولأحمد عن ابن عباس مرفوعا معناه، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر، وذبح، وحلق أو قصر، فقد حل له كل شيء حرم عليه، إلا النساء، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وروي عن عمر وغيره: والطيب، وهو قول أهل الكوفة، وعن عائشة طيبت رسول الله ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت، بطيب فيه مسك.(٣) وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وقال النووي وغيره: عند جماهير العلماء، والنسك العبادة فيثاب على فعله، ويعاقب على تركه، قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ فوصفهم ومنَّ عليهم بذلك، فدل على أنه من العبادة مع قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قيل: المراد به الحلق، ولو لم يكن نسكا لم يتوقف الحل عليه، ولأنه ﷺ دعا للمحلقين والمقصرين، وفاضل بينهم، فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء منه لهم، والحلاق بكسر الحاء، مصدر: حلق حلقا وحلاقا، والواو هنا بمعنى «أو» وعلم من كونهما نسكا أنه لا بد من نيتهما كنية الطواف.стр. 1856
في تركهما دم (١) لقوله ﷺ «فليقصر ثم ليتحلل» (٢) (ولا يلزم بتأخيره) أي الحلق أو التقصير عن أيام منى (دم (٣) ولا بتقديمه على الرمي والنحر) (٤) ولا إن نحر أو طاف قبل رميه، ولو عالما (٥) لما روى سعيد، عن عطاء أن النبي ﷺ قال: «من قدم شيئا قبل شيء فلا حرج» (٦) . الحواشي
(١) أي ترك جميعهما لا مجموعهما، لأنه لو حلق ولم يقصر، أو عكس، لا شيء عليه، لأنه فعل الواجب.(٢) ووجه الدلالة منه: أنه رتب الحل على التقصير، فلو لم يكن نسك لم يرتب ذلك عليه.(٣) لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلهُ﴾ فبين أول وقته دون آخره، فلا آخر لوقته، فمتى أتى به أجزأ كالطواف.(٤) أي ولا يلزم بتقديم الحلق على الرمي والنحر دم، عند أكثر أهل العلم.(٥) لو إشارة إلى الرواية الثانية أنه يلزمه دم، بدليل قوله: لم أشعر والأكثر وصححه وجزم به غير واحد، واستظهره في المبدع، أنه لا دم عليه للإطلاق ونفي الحرج كما يأتي.(٦) وللترمذي وصححه: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: «اذبح ولا حرج» وقال آخر: نحرت قبل أن أرمي؟ قال: «ارم ولا حرج» وقال: والعمل عليه عند أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق، وقال الشارح: لا نعلم خلافا أن الإخلال بالترتيب لا يخرج هذه الأفعال عن الأجزاء، وإنما الخلاف في وجوب الدم اهـ وجمهور أهل الحديث والفقهاء على الجواز، وعدم وجوب الدم، لأن قوله: «ولا حرج» مقتض لرفع الإثم والفدية.стр. 1857
ويحصل التحلل الأول باثنين من حلق، ورمي، وطواف (١) والتحلل الثاني بما بقي مع سعي (٢) ثم يخطب الإمام بمنى يوم النحر ، خطبة يفتتحها بالتكبير (٣) . الحواشي
(١) حكاه الوزير وغيره اتفاق الأئمة، وذكروا أنه يتحلل التحلل الأول بالرمي والحلاق، أو بالرمي والطواف، أو بالطواف والحلاق، ويحصل التحلل الثاني بما بقي منها اتفاقا، ويبيح جميع محظورات الإحرام، ويعيد المحرم حلالا، وفي المبدع: والأكثر على أنه لا يحصل التحلل إلا بالرمي والحلق أو التقصير، لأمره ﷺ من لم يكن معه هدي أن يطوف ويقصر، ثم يحل وتقدم أن الأنساك ثلاثة، رمي وحلق، وطواف وقال ابن القيم: والمحفوظ جواز تقديم الرمي، والنحر، والحلق، بعضها على بعض اهـ و السنة أن يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق، ثم يطوف ، يرتبها رواه أبو داود وغيره، عن أنس: أنه فعل هكذا ﷺ .(٢) من متمتع مطلقا، وقارن لم يسع مع طواف القدوم، لأنه ركن، وعليه فالتحلل الأول باثنين من ثلاثة كما مر، والتحلل الثاني باثنين من أربعة، وفاقا.(٣) وفاقا للشافعي، لقول ابن عباس: خطب النبي ﷺ الناس يوم النحر، رواه البخاري، وعن نافع، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى، حين ارتفع الضحى، على بغلة شهباء، وعلي بعيد عنه، والناس بين قائم وقاعد.стр. 1858
يعلمهم فيها النحر، والإفاضة، والرمي (١) . الحواشي
(١) لقول عبد الرحمن بن معاذ: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، فطفق يعلمهم مناسكهم، حتى بلغ الجمار، رواه أبو داود، ولأن الحاجة تدعو إليه وقال الشيخ: وليس بمنى صلاة عيد، بل رمي الجمرة لهم، صلاة العيد لأهل الأمصار.
وهذا اليوم هو يوم الحج الأكبر، قاله غير واحد من أهل العلم، واختاره ابن جرير وغيره، لأن فيه تمام الحج، ومعظم أفعاله، وقال ﵊ عند الجمرات، هذا يوم الحج الأكبر، ولابن جرير وغيره بسند صحيح قال: «أليس هذا يوم الحج الأكبر؟» وأصله في الصحيح.стр. 1859
فصل (١)
(ثم يفيض إلى مكة (٢) ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة، طواف الزيارة) (٣) ويقال طواف الإفاضة (٤) فيعينه بالنية (٥) . الحواشي
(١) أي في حكم طواف الإفاضة، والسعي، وأيام منى، والوداع، وغير ذلك.(٢) لفعله ﷺ المتفق عليه، واستمر عمل المسلمين عليه «وأفاض الحاج» أسرعوا في دفعهم من عرفة إلى المزدلفة، وأيضا رجعوا من منى إلى مكة يوم النحر.(٣) سمي بذلك لأنهم يأتون من منى، زائرين البيت، ويعودون في الحال، أو لأنه يفعل عند زيارة البيت، قال الشيخ: إن إمكنه فعله يوم النحر، وإلا فعله بعد ذلك.(٤) سمي بذلك لإتيانهم به عقب الإفاضة من منى، وهذه التسمية عند أهل العراق، ويقال: «طواف الفرض» لتعينه، (وطواف الركن) عند أهل الحجاز، ويقال: طواف يوم النحر، وطواف النساء، لأنهن يبحن بعده، و «طواف الصدر» لأنه يصدر إليه من منى.(٥) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» ولأن الطواف بالبيت صلاة، وهي لا تصح إلا بنية معينة، فإن طاف للقدوم، أو الوداع، أو بنية النفل، وكان ذلك كله بعد دخول وقت الطواف المفروض، لم يقع عنه، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، لا يجب تعيينها.стр. 1860
وهو ركن، لا يتم حج إلا به (١) وظاهره أنهما لا يطوفان للقدوم، ولو لم يكونا دخلا مكة قبل (٢) وكذا المتمتع، يطوف للزيارة فقط (٣) كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة، فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد (٤) واختاره الموفق، والشيخ تقي الدين، وابن رجب (٥) ونص الإمام واختاره الأكثر أن القارن والمفرد، وإن لم يكونا دخلاها قبل يطوفان للقدوم برمل، ثم للزيارة (٦) . الحواشي
(١) وتقدم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فإن آخر المناسك الطواف، كما صح عنه ﷺ ولقوله: «أطافت يوم النحر؟» قالوا: نعم. قال: «فانفري» وفي لفظ «أحابستنا هي؟» فثبت أن من لم يطف يوم النحر لم يحل له أن ينفر حتى يطوف، وأنه حابس لمن لم يأت به، ووصفه ﷺ بالتمام، لأنه لم يبق من أركان الحج سواه، فإذا أتى به حصل تمام الحج.(٢) أي ظاهر كلام المصنف، حيث لم ينبه إلا على طواف الزيارة، أنهما لا يطوفان للقدوم، والأطوفة ثلاثة بالإجماع، طواف القدوم، والوداع والإفاضة بعد الرمي، وأجمعوا على أنه يفوت الحج بفواته، وهو المعني بالآية ولا يجزئ عنه دم، والجمهور أنه يجزئ عن طواف الوداع.(٣) أي وكالقارن والمفرد المتمتع، في الكفاية بطواف الزيارة، وإنما فصله عما قبله لعدم الصراحة به في كلامه.(٤) أي فطواف الزيارة يكتفي به المتمتع عن طواف القدوم.(٥) قال الشيخ: ولا يستحب للمتمتع ولا لغيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف.(٦) بلا رمل، لأنه رمل قبل، قال الموفق: لا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على
هذا الطواف، بل المشروع طواف واحد للزيارة، كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة، وحديث عائشة دليل على هذا، فلم تذكر طوافا آخر، ولو كان الذي ذكرته طواف القدوم، لكانت أخلت بذكر الركن الذي لا يتم الحج إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه.следующие страницы →