Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
في تركهما دم (١) لقوله ﷺ «فليقصر ثم ليتحلل» (٢) (ولا يلزم بتأخيره) أي الحلق أو التقصير عن أيام منى (دم (٣) ولا بتقديمه على الرمي والنحر) (٤) ولا إن نحر أو طاف قبل رميه، ولو عالما (٥) لما روى سعيد، عن عطاء أن النبي ﷺ قال: «من قدم شيئا قبل شيء فلا حرج» (٦) . الحواشي
(١) أي ترك جميعهما لا مجموعهما، لأنه لو حلق ولم يقصر، أو عكس، لا شيء عليه، لأنه فعل الواجب.(٢) ووجه الدلالة منه: أنه رتب الحل على التقصير، فلو لم يكن نسك لم يرتب ذلك عليه.(٣) لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلهُ﴾ فبين أول وقته دون آخره، فلا آخر لوقته، فمتى أتى به أجزأ كالطواف.(٤) أي ولا يلزم بتقديم الحلق على الرمي والنحر دم، عند أكثر أهل العلم.(٥) لو إشارة إلى الرواية الثانية أنه يلزمه دم، بدليل قوله: لم أشعر والأكثر وصححه وجزم به غير واحد، واستظهره في المبدع، أنه لا دم عليه للإطلاق ونفي الحرج كما يأتي.(٦) وللترمذي وصححه: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: «اذبح ولا حرج» وقال آخر: نحرت قبل أن أرمي؟ قال: «ارم ولا حرج» وقال: والعمل عليه عند أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق، وقال الشارح: لا نعلم خلافا أن الإخلال بالترتيب لا يخرج هذه الأفعال عن الأجزاء، وإنما الخلاف في وجوب الدم اهـ وجمهور أهل الحديث والفقهاء على الجواز، وعدم وجوب الدم، لأن قوله: «ولا حرج» مقتض لرفع الإثم والفدية.стр. 1857
ويحصل التحلل الأول باثنين من حلق، ورمي، وطواف (١) والتحلل الثاني بما بقي مع سعي (٢) ثم يخطب الإمام بمنى يوم النحر ، خطبة يفتتحها بالتكبير (٣) . الحواشي
(١) حكاه الوزير وغيره اتفاق الأئمة، وذكروا أنه يتحلل التحلل الأول بالرمي والحلاق، أو بالرمي والطواف، أو بالطواف والحلاق، ويحصل التحلل الثاني بما بقي منها اتفاقا، ويبيح جميع محظورات الإحرام، ويعيد المحرم حلالا، وفي المبدع: والأكثر على أنه لا يحصل التحلل إلا بالرمي والحلق أو التقصير، لأمره ﷺ من لم يكن معه هدي أن يطوف ويقصر، ثم يحل وتقدم أن الأنساك ثلاثة، رمي وحلق، وطواف وقال ابن القيم: والمحفوظ جواز تقديم الرمي، والنحر، والحلق، بعضها على بعض اهـ و السنة أن يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق، ثم يطوف ، يرتبها رواه أبو داود وغيره، عن أنس: أنه فعل هكذا ﷺ .(٢) من متمتع مطلقا، وقارن لم يسع مع طواف القدوم، لأنه ركن، وعليه فالتحلل الأول باثنين من ثلاثة كما مر، والتحلل الثاني باثنين من أربعة، وفاقا.(٣) وفاقا للشافعي، لقول ابن عباس: خطب النبي ﷺ الناس يوم النحر، رواه البخاري، وعن نافع، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى، حين ارتفع الضحى، على بغلة شهباء، وعلي بعيد عنه، والناس بين قائم وقاعد.стр. 1858
يعلمهم فيها النحر، والإفاضة، والرمي (١) . الحواشي
(١) لقول عبد الرحمن بن معاذ: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، فطفق يعلمهم مناسكهم، حتى بلغ الجمار، رواه أبو داود، ولأن الحاجة تدعو إليه وقال الشيخ: وليس بمنى صلاة عيد، بل رمي الجمرة لهم، صلاة العيد لأهل الأمصار.
وهذا اليوم هو يوم الحج الأكبر، قاله غير واحد من أهل العلم، واختاره ابن جرير وغيره، لأن فيه تمام الحج، ومعظم أفعاله، وقال ﵊ عند الجمرات، هذا يوم الحج الأكبر، ولابن جرير وغيره بسند صحيح قال: «أليس هذا يوم الحج الأكبر؟» وأصله في الصحيح.стр. 1859
فصل (١)
(ثم يفيض إلى مكة (٢) ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة، طواف الزيارة) (٣) ويقال طواف الإفاضة (٤) فيعينه بالنية (٥) . الحواشي
(١) أي في حكم طواف الإفاضة، والسعي، وأيام منى، والوداع، وغير ذلك.(٢) لفعله ﷺ المتفق عليه، واستمر عمل المسلمين عليه «وأفاض الحاج» أسرعوا في دفعهم من عرفة إلى المزدلفة، وأيضا رجعوا من منى إلى مكة يوم النحر.(٣) سمي بذلك لأنهم يأتون من منى، زائرين البيت، ويعودون في الحال، أو لأنه يفعل عند زيارة البيت، قال الشيخ: إن إمكنه فعله يوم النحر، وإلا فعله بعد ذلك.(٤) سمي بذلك لإتيانهم به عقب الإفاضة من منى، وهذه التسمية عند أهل العراق، ويقال: «طواف الفرض» لتعينه، (وطواف الركن) عند أهل الحجاز، ويقال: طواف يوم النحر، وطواف النساء، لأنهن يبحن بعده، و «طواف الصدر» لأنه يصدر إليه من منى.(٥) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» ولأن الطواف بالبيت صلاة، وهي لا تصح إلا بنية معينة، فإن طاف للقدوم، أو الوداع، أو بنية النفل، وكان ذلك كله بعد دخول وقت الطواف المفروض، لم يقع عنه، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، لا يجب تعيينها.стр. 1860
وهو ركن، لا يتم حج إلا به (١) وظاهره أنهما لا يطوفان للقدوم، ولو لم يكونا دخلا مكة قبل (٢) وكذا المتمتع، يطوف للزيارة فقط (٣) كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة، فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد (٤) واختاره الموفق، والشيخ تقي الدين، وابن رجب (٥) ونص الإمام واختاره الأكثر أن القارن والمفرد، وإن لم يكونا دخلاها قبل يطوفان للقدوم برمل، ثم للزيارة (٦) . الحواشي
(١) وتقدم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فإن آخر المناسك الطواف، كما صح عنه ﷺ ولقوله: «أطافت يوم النحر؟» قالوا: نعم. قال: «فانفري» وفي لفظ «أحابستنا هي؟» فثبت أن من لم يطف يوم النحر لم يحل له أن ينفر حتى يطوف، وأنه حابس لمن لم يأت به، ووصفه ﷺ بالتمام، لأنه لم يبق من أركان الحج سواه، فإذا أتى به حصل تمام الحج.(٢) أي ظاهر كلام المصنف، حيث لم ينبه إلا على طواف الزيارة، أنهما لا يطوفان للقدوم، والأطوفة ثلاثة بالإجماع، طواف القدوم، والوداع والإفاضة بعد الرمي، وأجمعوا على أنه يفوت الحج بفواته، وهو المعني بالآية ولا يجزئ عنه دم، والجمهور أنه يجزئ عن طواف الوداع.(٣) أي وكالقارن والمفرد المتمتع، في الكفاية بطواف الزيارة، وإنما فصله عما قبله لعدم الصراحة به في كلامه.(٤) أي فطواف الزيارة يكتفي به المتمتع عن طواف القدوم.(٥) قال الشيخ: ولا يستحب للمتمتع ولا لغيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف.(٦) بلا رمل، لأنه رمل قبل، قال الموفق: لا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على
هذا الطواف، بل المشروع طواف واحد للزيارة، كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة، وحديث عائشة دليل على هذا، فلم تذكر طوافا آخر، ولو كان الذي ذكرته طواف القدوم، لكانت أخلت بذكر الركن الذي لا يتم الحج إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه.стр. 1861
وأن المتمتع يطوف للقدوم، ثم للزيارة بلا رمل (١) (وأول وقته) أي وقت طواف الزيارة (بعد نصف ليلة النحر) لمن وقف قبل ذلك بعرفات (٢) وإلا فبعد الوقوف (٣) (ويسن) فعله (في يومه) (٤) لقول ابن عمر: أفاض رسول الله ﷺ يوم النحر، متفق عليه (٥) . الحواشي
(١) قال الشيخ: لا يستحب للمتمتع أن يطوف طواف القدوم، بعد رجوعه من عرفة، قبل الإفاضة، وصوبه وقال: هو قول جمهور الفقهاء، وقال ابن القيم: لم يذكر أحد أن الصحابة لما رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسعوا، ثم طافوا للإفاضة بعده، ولا النبي ﷺ هذا لم يقع قطعا.(٢) لأن أم سلمة رمت، ثم طافت، ثم رجعت، فوافت النبي ﷺ عند جمرة العقبة، وبينها وبين مكة فرسخان:.(٣) أي وإن لم يكن وقف قبل ذلك، فوقت طواف الإفاضة في حقه بعد الوقوف، وآخر وقت الوقوف إلى فجر يوم النحر، ولا آخر لوقته لأنه لم يرد فيه توقيت، وكذا السعي كما سيأتي.(٤) أي يسن فعل طواف الإفاضة في يوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق.(٥) ولقول جابر: ثم أفاض النبي ﷺ يوم النحر إلى البيت، ونحوه عن عائشة، وابن عمر، ولم يرجع ﷺ بعد أن طاف للإفاضة إلى حين الوداع.стр. 1862
ويستحب أن يدخل البيت (١) فيكبر في نواحيه (٢) ويصلي فيه ركعتين بين العمودين، تلقاء وجهه (٣) ويدعو الله (٤) . الحواشي
(١) لفضله وشرفه، وفعله ﷺ وقالت عائشة: كنت أحب أن أدخل البيت، فأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني الحجر، فقال: صلي في الحجر إن أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت، قال الشيخ: والحجر أكثره من البيت من حيث ينحني حائطه، فمن دخله فهو كمن دخل الكعبة، وقال هو وابن القيم: لم يدخل ﷺ البيت في حجته، ولا في عمرته، وإنما دخله عام الفتح. وقال في الفنون، تعظيم دخوله فوق الطواف يدل على قلة العلم، وللترمذي وغيره وصححه عن عائشة: خرج من عندي قرير العين طيب النفس، فرجع إليَّ وهو حزين، فقلت له، فقال: «إني دخلت الكعبة، ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أعتبت أمتي من بعدي» .(٢) لخبر أسامة عند أحمد، والنسائي، أنه ﷺ قام إلى ما بين يديه من البيت، فوضع صدره عليه، وخده ويديه، ثم هلل، وكبر، ودعا، ثم فعل ذلك بالأركان كلها.(٣) قال الشيخ: فإذا دخل مع الباب، تقدم حتى يصير بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع، والباب خلفه، فذلك المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ وللترمذي وصححه عن بلال، أنه ﷺ صلى في جوف الكعبة، قال: والعمل عليه عند أهل العلم، لا يرون بالصلاة في الكعبة بأسًا، وكره صلاة المكتوبة فيه الشافعي، وقال مالك: لا بأس بالصلاة النافلة.(٤) ويذكره قاله الشيخ وغيره، فإن لم يدخله فلا بأس ولأنه ﷺ لم يدخله في حجه ولا في عمرته، وإنما دخله عام الفتح، ويكثر النظر إليه لأنه عبادة إلا في الصلاة فإن المطلوب فيها النظر إلى موضع سجوده، لأنه أجمع لقلبه على العبادة.стр. 1863
(وله تأخيره) أي تأخير الطواف عن أيام منى (١) لأن آخر وقته غير محدود كالسعي (٢) (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا) (٣) لأن سعيه أولا كان للعمرة فيجب أن يسعى للحج (٤) . الحواشي
(١) لأنه تعالى أمر بالطواف مطلقا، فمتى أتى به صح، قال الشارح: بغير خلاف، وظاهره أنه لا دم عليه بتأخيره.(٢) قال في الإنصاف: وإن أخره عنه، وعن أيام منى جاز بلا نزاع وقال الشيخ: ينبغي أن يكون في أيام التشريق، فإن تأخيره عن ذلك فيه نزاع اهـ فالمذهب كقول الشافعي، أن آخره غير موقت، وعند أبي حنيفة: أيام التشريق ومالك: ذي الحجة، والتعجيل أفضل، فإن أخره فعليه دم.(٣) هذا المذهب وهو إحدى الروايات عن أحمد، ومذهب أبي حنيفة.(٤) وقال أحمد: إن طاف طوافين بين الصفا والمروة فهو أجود وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس، وقال: وإن طاف طوافين فهو أعجب إلي، قال الشيخ وهذا منقول عن غير واحد من السلف، وعنه: يجزئه سعي واحد، قال ابن عباس: المفرد والمتمتع يجزئه طواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، واختاره الشيخ، وقال، هو أصح أقوال جمهور العلماء، وأصح الروايتين عن أحمد، فإن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي ﷺ لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف، وأكثرهم متمتعون وحلف على ذلك طاوس، وثبت مثله عن ابن عمر، وابن عباس وجابر، وغيرهم وهم أعلم الناس بحجه ﷺ وذكر ابن القيم رواية أبي داود، ولم يطف بين الصفا والمروة، وفيه اكتفاء المتمتع بسعي واحد.
وقال الشيخ: لم ينقل أحد منهم أن أحدا منهم طاف وسعى، ثم طاف وسعى.
ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقله أحد علم أنه لم يكن، وعمدة من قال بالطوافين ما روى أهل الكوفة عن علي، وابن مسعود، وعن علي: أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، خلاف ما رواه عنه أهل الكوفة، قال ابن حزم: وما روي في ذلك عن الصحابة لم يصح منه ولا كلمة واحدة، قال الشيخ: فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول أجزأه، كما يجزئ المفرد والقارن، وهو الذي ثبت في صحيح مسلم عن جابر: لم يطف النبي ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، طوافه الأول.
وقد روي في حديث عائشة أنهم طافوا مرتين، لكن هذه الزيادة قيل: إنها من قول الزهري، وقال ابن القيم: قيل: من كلام عروة اهـ قال الشيخ: وقد احتج بها بعضهم على أنه يستحب طوافان بالبيت، وهذا ضعيف، والأظهر ما في حديث جابر، ويؤيده «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» فالمتمتع من حيث أحرم بالعمرة دخل بالحج، لكنه فصل بتحلل، ليكون أيسر على الحاج، وأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة.стр. 1864
(أو) كان (غيره) أي غير متمتع بأن كان قارنا، أو مفردا (ولم يكن سعي مع طواف القدوم) (١) . الحواشي
(١) فيسعى لأنه إما ركن، وإما واجب، أو سنة، ولم يأت به، لأنه لا يكون إلا بعد طواف، لفعله ﷺ وأمره بمتابعته فإن كان سعى مع طواف القدوم لم يسع، لقول جابر: لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، طوافه الأول فأجزأه سعي واحد، قال الشيخ عند جمهور العلماء إلا أبا حنيفة في القارن، وأما جواز تقديمه فقال الوزير: أجمعوا على أن السعي بين الصفا والمروة، يجوز تقديمه على طواف الزيارة، بأن يفعل عقب طواف القدوم، ويجزئ، فلا يحتاج إذا طاف طواف الزيارة إلى السعي بين الصفا والمروة، ولا خلاف بينهم في ذلك.стр. 1865
فإن كان سعى بعده لم يعده (١) لأنه لا يستحب التطوع بالسعي، كسائر الأنساك (٢) غير الطواف، لأنه صلاة (٣) (ثم قد حل له كل شيء) حتى النساء (٤) وهذا هو التحلل الثاني (٥) (ثم يشرب من ماء زمزم لما أحب (٦) ) . الحواشي
(١) لأنه ﷺ وأصحابه لم يسعوا إلا بعد طواف القدوم، رواه مسلم وغيره.(٢) قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، وقال النووي: يكره.(٣) أي حكمه حكم الصلاة.(٤) وأجمعت الأمة على ذلك، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن التحلل الثاني يبيح محظورات الإحرام جميعها، ويعود المحرم حلالا، لقول عمر: لم يحل النبي ﷺ من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر فأفاض بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وعن عائشة نحوه، متفق عليهما، و «النساء» بالرفع عطف على «كل»(٥) وفاقا، حيث رمى، ونحر، وحلق، وطاف، وبها تمت أركان الحج الثلاثة، ولم يبق من أعمال الحج إلا المبيت بمنى، والرمي، وهما من الواجبات.(٦) أي يستحب أن يشرب من ماء زمزم، لقول جابر: ثم أتى النبي ﷺ بني عبد المطلب، وهم يسقون فناولوه، فشرب، وينوي بشربه لما أحب أن يعطيه الله منه من خيري الدنيا والآخرة، فعن ابن عباس مرفوعا «ماء زمزم لما شرب له» رواه أحمد وابن ماجه والحاكم، وغيرهم بسند حسن، أي لما أحب من خيري الدنيا والآخرة، وفي الصحيحين أنه قال لأبي ذر، «إنها مباركة إنها طعام طعم» ، ولمسلم عن ابن عباس مرفوعا، «ماء زمزم طعام طعم»
أي تشبع شاربها كالطعام، زاد الطيالسي (وشفاء سقم) وفي قوله ﷺ «لولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» استحباب شرب مائها، وفضيلة الاستقاء، والعمل فيه، وسميت «زمزم» لكثرة مائها، وقيل: لضم هاجر لمائها حين انفجرت، وزمها إياه، وقيل: لزمزمة جبريل وكلامه عند فجره لها، وقال علي: «هي خير بئر في الأرض» .стр. 1866
ويتضلع منه (١) ويرش على بدنه وثوبه (٢) ويستقبل القبلة (٣) ويتنفس ثلاثا (٤) (ويدعو بما ورد) (٥) فيقول: «بسم الله، اللهم اجعله لنا علما نافعا، ورزقا واسعا، وريا، وشبعا، وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك وحكمتك» (٦) . الحواشي
(١) أي يملأ أضلاعه منه بلا نزاع في الجملة، بأن يروي، أو يزيد على الري، ويكره نفسه عليه، لما روى ابن ماجه وغيره «آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم» وقال ابن عباس لرجل: تضلع منها، وذكر الخبر.(٢) صرح به في التبصرة، وذكر الواقدي وغيره: أنه ﷺ لما شرب صب على رأسه.(٣) لقول ابن عباس: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله، ولا بأس بالشرب قائما للحاجة، فإن النبي ﷺ شرب منها قائما للحاجة.(٤) لأنه أهنى، وأمرى، وأروى، قال ابن عباس: إذا شربت من زمزم فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله، وتنفس وتضلع منه، فإذا فرغت فاحمد الله.(٥) من الأدعية الشرعية، ولا يستحب الاغتسال منها، قاله الشيخ وغيره.(٦) روي عن عكرمة وغيره، ولأنه لائق به، وشامل لخيري الدنيا والآخرة، فيرجى له حصوله، وروي عن ابن عباس أنه كان إذا شرب منه يقول: اللهم
إني أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء، و «الري» بكسر الراء وفتحها، ضد الظمأ «والشبع» بكسر الشين المعجمة وفتح الموحدة «والداء» المرض.стр. 1867
(ثم يرجع) من مكة بعد الطواف والسعي (١) (فـ) يصلي ظهر يوم النحر بمنى (٢) (ويبيت بمنى ثلاث ليال) إن لم يتعجل (٣) وليلتين إن تعجل في يومين (٤) ويرمى الجمرات أيام التشريق (٥) . الحواشي
(١) ولا يبيت بمكة ليالي منى، بلا نزاع في الجملة، بل بمنى، ليتم ما بقي عليه من أعمال الحج، ولم يرخص النبي ﷺ لأحد يبيت بمكة إلا العباس، من أجل سقايته.(٢) لقول ابن عمر: أفاض النبي ﷺ يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى، متفق عليه، قال الشيخ، والسنة أن يصلي بالناس بمنى، ويصلي خلفه أهل الموسم، ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى، وهو مسجد الخيف، مع الإمام فإن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر، كانوا يصلون بالناس قصرا بلا جمع بمنى، ويقصر الناس خلفهم، أهل مكة، وغير أهل مكة، فإن لم يكن للناس إمام عام صلى الرجل بأصحابه، والمسجد بني بعد النبي ﷺ لم يكن على عهده.(٣) قال الوزير وغيره: هو مشروع إجماعًا، إلا في حق سقاة ورعاة، وهو واجب عند أحمد، في رواية وقول للشافعي اهـ وعنه: سنة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والقول الثاني للشافعي.(٤) أي ويبيت بمنى غير سقاة ورعاة ونحوهم ليلتين إن تعجل في يومين ولا نزاع في جوازه.(٥) وجوابًا إجماعًا وهي الثلاثة بعد يوم النحر، وقال الوزير: اتفقوا على
وجوبه كل جمرة بسبع حصيات، قال الشيخ: ويستحب أن يمشي إليها اهـ، ولأن بعده وقوف ودعاء، فالمشي أقرب إلى التضرع، وقال ابن القيم: لما زالت الشمس مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب.стр. 1868
(فيرمي الجمرة الأولى (١) وتلي مسجد الخيف (٢) بسبع حصيات) متعاقبات (٣) يفعل كما تقدم في جمرة العقبة (٤) (ويجعلها) أي الجمرة (عن يساره) (٥) . الحواشي
(١) إجماعا، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه بدأ بها، وسميت الأولى، والدنيا لقربها من مسجد الخيف، وهي أبعدهن من مكة، ويرميها بعد الزوال كما سيأتي، ويسن قبل الصلاة.(٢) وهو المسجد المعروف، وأول من بناه المنصور العباسي، وهو محل خطبة النبي ﷺ بمنى وصلواته «والخيف» ما انحدر من غلظ الحبل وارتفع عن مسيل الماء.(٣) واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة، وفعله ﷺ بيان للصفة المشروعة، وثبت رميه بسبع، من حديث عمر، وابن مسعود، وعائشة وغيرهم، وثبت التساهل عن بعض الصحابة في البعض، قال سعد: رجعنا من الحجة بعضنا يقول: رميت بست وبعضنا يقول: بسبع، فلم يعب بعضنا على بعض، رواه الأثرم، وعن ابن عمر معناه، قال الموفق: الظاهر عن أحمد لا شيء في حصاة ولا حصاتين.(٤) بأن يرميها بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، يرفع يده، حتى يرى بياض إبطه، ويكبر مع كل حصاة، قاله الشيخ وغيره، قال: وإن شاء قال: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا إلخ.(٥) لما في الصحيحين وغيرهما أنه ﷺ تقدم أمامها فوقف
مستقبل القبلة، وفي لفظ: ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، ولا يكون كذلك إلا بجعلها عن يساره.стр. 1869
ويتأخر قليلاً) بحيث لا يصيبه الحصى (١) (ويدعو طويلاً) رافعا يديه (٢) (ثم) يرمي (الوسطى مثلها) بسبع حصيات ويتأخر قليلاً، ويدعو طويلاً (٣) لكن يجعلها عن يمينه (٤) (ثم) يرمي (جمرة العقبة) بسبع كذلك (٥) . الحواشي
(١) وعبارة الموفق وغيره: ثم يتقدم قليلاً، كما في الصحيح وغيره، فإنه قد ثبت عنه ﷺ من غير وجه أنه تقدم أمامها، حتى أسهل فقام مستقبل القبلة.(٢) بقدر سورة البقرة، وقاله الشيخ، وتلميذه وغيرهما، لما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما: فيقوم مستقبل القبلة، قيامًا طويلاً ويدعو ويرفع يديه وقيده بعضهم بقدر سورة البقرة.(٣) بلا نزاع، وظاهر كلام غيره، يتقدم قليلاً ويدعو لما في الصحيحين وغيرهما، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة، ويدعو، ويرفع يديه ويقوم طويلاً، يحمد الله، ويثني عليه، ويهلل ويكبر، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو بحاجته، ويرفع يديه، وقال ابن القيم: ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة، رافعًا يديه يدعو قريبًا من وقوفه الأول، ف تضمن حجه ست وقفات للدعاء ، على الصفا، والمروة وبعرفة، ومزدلفة وعند الجمرتين، وإن ترك الوقوف عندها والدعاء فقد ترك السنة ولا شيء عليه.(٤) لما تقدم ولا يكون كذلك إلا بجعلها عن يمينه.(٥) أي بسبع حصيات متعاقبات يرفع يده حتى يرى بياض إبطه ويكبر ويدعو إلى آخره، وقال الموفق وغيره: لا نعلم مخالفا لما تضمنه حديث ابن عمر، إلا ما روي عن مالك في رفع يديه، والسنة متظاهرة بذلك.стр. 1870
(ويجعلها عن يمينه (١) ويستبطن الوادي (٢) ولا يقف عندها (٣) يفعل هذا) الرمي للجمار الثلاث، على الترتيب والكيفية المذكورين (٤) (في كل يوم من أيام التشريق (٥) بعد الزوال) فلا يجزئ قبله (٦) . الحواشي
(١) فيكون مستقبل القبلة، وعنه: يستقبلها لما ثبت من فعله ﷺ أنه كان يرميها من بطن الوادي، مستقبلاً لها، ويكون البيت عن يساره، وقال الشيخ: هذا هو الذي صح عن النبي ﷺ وتقدم.(٢) لما تقدم من الأخبار، والعمل عليه عند أهل العلم، وبعضهم يرى وجوبه.(٣) قال الحافظ وغيره: لا نعلم فيه خلافا، لما في الصحيحين وغيرهما: أنه ﷺ لا يقف عندها، وحكمة الوقوف عندهما دونها والله أعلم تحصيل الدعاء لكونه في وسط العبادة، بخلاف جمرة العقبة، لأن العبادة قد انتهت بفراغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها، أفضل منه بعد الفراغ منها، كالصلاة.(٤) أي في «المتن» وذلك باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وبنقل الخلف عن السلف.(٥) فيرمي في اليوم الثاني من أيام منى، مثل ما رمى في الأول، ثم إن شاء رمى في اليوم الثالث، وهو الأفضل، وإن شاء تعجل في اليوم الثاني بنفسه، قبل غروب الشمس.(٦) عند جمهور العلماء فعن عائشة: مكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمار،
إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة
يقف عند الأولى، والثانية، فيطيل القيام والتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها، رواه أبو داود، ولمسلم عن جابر، رأيته يرمي على راحلته يوم النحر، وأما بعد ذلك، فبعد زول الشمس، وللترمذي وحسنه: عن ابن عباس كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس، قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، أنه لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال، فوقت الزوال للرمي، كطلوع الشمس لرمي يوم النحر، وله عن ابن عمر مرفوعًا: أنه كان يمشي إلى الجمار، وله عنه أيضا وصححه: كان إذا رمى الجمار مشى إليها، ذاهبًا وراجعًا، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل العلم.стр. 1871
ولا ليلاً لغير سقاة ورعاة (١) والأفضل الرمي قبل صلاة الظهر (٢) ويكون (مستقبل القبلة) في الكل (٣) (مرتبًا) أي يجب ترتيب الجمرات الثلاث على ما تقدم (٤) . الحواشي
(١) فهم يرمون ليلاً ونهارًا «والسقاة» جمع ساق، اسم فاعل والسقاية: مصدر، كالحماية والرعاية، مضاف إلى المفعول: وليس المراد الذين يأتون بالماء للحاج، إنما الرخصة لسقاة زمزم خاصة، لأنها إنما وقعت للعباس، وهو صاحب زمزم، كما قاله المجد وغيره، والرعاة: هم رعاة الإبل خاصة، بضم الراء، جمع راع، ويجمع على رعيان.(٢) لفعله ﷺ .(٣) أي حال الرمي، وآخر وقت كل يوم: المغرب، وتقدم: أنه يرمي جمرة العقبة مستقبلاً لها، والكعبة عن يساره.(٤) قريبًا، بأن يرمي الأولى، وتلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، وهو شرط، إلا عند أبي حنيفة، فلو نكسه فبدأ بغير الأولى، لم يحتسب له إلا بها، ويعيد رمي الأخيرتين مرتين، وإن أخل بحصاة من الأولى لم يصح رمي.
الثانية، وإن جهل محلها بنى على اليقين، والموالاة ليست بشرط، جزم به مرعي وغيره، قال الخلوتي، يدل عليه قول: وإن جهل من أيها ترك، بنى على اليقين، أي فيجعلها من الأولى فيذهب إليها، فيرميها بحصاة واحدة فقط، ثم يعيد رمي ما بعدها، فإنها لو كانت الموالاة غير معتبرة، لما أعاد رمي الأولى.
وقال في قوله: وفي ترك حصاة ما في إزالة شعرة، بشرط أن تكون الأخيرة وأن يكون سائر ما قبلها من الجمرات وقع تاما، وأن تكون أيام التشريق قد مضت، فإنه لو كان الترك من غير الأخيرة، لم يصح رميه، ولم يصح رمي ما بعدها بالمرة، ولو كان جميع الترك من الأخيرة، ولم تمض أيام التشريق، وجب عليه أن يعيد، ولم يجزئه الإطعام، لبقاء وقت الرمي، وفي حاشيته، قوله: ومن له عذر، من نحو مرض، وحبس جاز أن يستنيب من يرمي عنه، هذا فيما إذا كان فرضًا، وأما إن كان نفلا جاز أن يستنيب ولو لغير عذر.стр. 1872
(فإن رماه كله) أي رمى حصى الجمار السبعين كله (في) اليوم (الثالث) من أيام التشريق (أجزأه) الرمي أداءً (١) لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي (٢) (ويرتبه بنيته) فيرمي لليوم الأول بنيته (٣) ثم للثاني مرتبا، وهلم جرا (٤) . الحواشي
(١) قال في الإنصاف: بلا نزاع، كتأخير وقوف بعرفة إلى آخر وقته.(٢) لأنه ﵊ جوزه للرعاة، فلزم تجويزه لغيرهم.(٣) فيرمي الأولى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة.(٤) أي يرمي لليوم الثاني مرتبًا بنيته، يبتدئ بالأولى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة وهلم جرا، فيرمي للثالث كذلك، ويوالي بين الرمي.стр. 1873
كالفوائت من الصلاة (١) (فإن أخره) أي الرمي (عنه) أي عن ثالث أيام التشريق فعليه دم (٢) (أو لم يبت بها) أي بمنى (فعليه دم) (٣) لأنه ترك نسكًا واجبًا (٤) ولا مبيت على سقاة ورعاة (٥) . الحواشي
(١) أي يرتبه بنيته، كما يرتب الفوائت من الصلاة بنيته.(٢) أي فيستقر عليه الدم شاة.(٣) وهو مذهب مالك، وقول للشافعي، وعنه: لا شيء عليه، وفاقا لأبي حنيفة.(٤) فاستقر عليه الدم، لقول ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم، والمبيت نسك عند الجمهور.(٥) أي أهل سقاية الحج، القائمين بها، قولاً واحدًا، لما روي عن ابن عمر: أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته فأذن له، متفق عليه، وكذا الرعاة، قال في الإنصاف: بلا نزاع، لما روى الترمذي وصححه: رخص لرعاة الإبل في البيتوتة، في أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما، ولأنهم يشتغلون بإسقاء الماء والرعي، فرخص لهم في ذلك، وكان العباس يلي السقاية، في الجاهلية والإسلام فمن قام بذلك بعده إلى الآن، فالرخصة له، وهم أهل سقاية زمزم.
ولما نزلت ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا فقال ﷺ «أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا» ورواه البغوي بلفظ «اعملوا فإنكم على عمل صالح» وقال الموفق وغيره: أهل الأعذار كالمرضى ونحوهم، ومن له مال يخاف ضياعه، أو فواته، أو موت مريض، حكمه حكم الرعاة والسقاة، في ترك البيتوتة، وجزم به جمع، وصوبه في الإنصاف.
وقال ابن القيم: يجوز للطائفتين ترك المبيت بالسنة، وإذا كان قد رخص لهم، فمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضًا لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه، بتنبيه النص على السقاة والرعاة اهـ، وإن أدرك الليل الرعاة بمنى، لزمهم المبيت إلا أن تكون إبلهم في المرعى، ونحوه، فلهم الخروج لها إن خافوا عليها، وأهل السقاية يسقون ليلاً ونهارًا فلا يلزمهم.стр. 1874
ويخطب الإمام ثاني أيام التشريق، خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير والتوديع (١) (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) (٢) ولا إثم عليه (٣) وسقط عنه رمي اليوم الثالث (٤) . الحواشي
(١) لما روي أبو داود عن رجلين من بنى بكر قالا: رأينا النبي ﷺ يخطب بمنى، أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، ليذكر العالم، ويعلم الجاهل.(٢) قال في الإنصاف: بلا نزاع، وهو النفر الأول.(٣) قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي أن يصيب في حجه شيئا نهاه الله عنه، خيرَّه تعالى ونفى الحرج، وظاهره، يشمل مريد الإقامة بمكة وغيره، قال في المبدع: وهو قول أكثر العلماء اهـ والأفضل أن يمكث ويرمي لفعله ﷺ ونفي الإثم لا يقتضي المساواة، لنزولها بسب أن أهل الجاهلية منهم من يؤثِّم المتقدم، ومنهم من يؤثِّم المتأخر، فنفى الإثم تعالى عنهما لأخذ أحدهما بالرخصة، والآخر بالأفضل، وقيل: معناه: يغفر لهما بسبب تقواهما، فلا يبقى عليهما ذنب، كما روي عن ابن عباس وغيره.(٤) حيث تعجل، ولا نزاع في ذلك، سوى الإمام، فالسنة بقاؤه، ليقيم لمن تأخر من الحاج نسكهم.стр. 1875
ويدفن حصاه (١) (وإلا) يخرج قبل الغروب (لزمه المبيت، والرمي من الغد) بعد الزوال (٢) قال ابن المنذر: وثبت عن عمر أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد، حتى ينفر مع الناس (٣) . الحواشي
(١) لا حاجة لدفنه، ولا يتعين عليه، بل له طرحه، أو دفعه إلى غيره.(٢) لأن الشارع إنما جوز التعجيل في اليومين، واليوم: اسم لبياض النهار، فإذا غربت الشمس لزمه المبيت، والرمي من الغد بلا نزاع.(٣) رواه مالك، وقال الشافعي، ليس له أن ينفر بعد غروب الشمس، وهو رواية عن أبي حنيفة وقاله الشيخ وغيره؛ وقال: ولأن الشارع جوز التعجيل في اليوم وهو اسم لبياض النهار، فإذا غربت الشمس خرج من أن يكون في اليوم فهو ممن تأخر، فلزمه المبيت بمنى، والرمي بعد الزوال، ونص عليه جمهور أهل العلم، وقال: ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك، بل السنة أن يقيم إلى اليوم الثالث، وقال أيضا: ليس له التعجيل لأجل من يتأخر اهـ، ثم إن نفر في اليوم الثاني، ثم رجع في اليوم الثالث، لم يضره رجوعه، وليس عليه رمي، لحصول الرخصة.
قال الشيخ: ثم إن نفر من منى، فإن بات بالمحصب، وهو الأبطح، وهو ما بين الجبلين إلى المقبرة، ثم نفر بعد ذلك فحسن، فإن النبي ﷺ بات به وخرج، ولم يقم بمكة بعد صدوره من منى، لكنه ودع البيت، وقال: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت.
وقال ابن القيم: اختلف السلف في التحصيب، هل هو سنة أو منزل اتفاق؟
فقالت طائفة: هو من سنن الحج، لما في الصحيحين: «نحن نازلون غدا إن شاء الله، بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر» فقصد إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله، ولمسلم: أن أبا بكر وعمر كانوا ينزلونه، وابن عمر يراه سنة.
وذهبت طائفة منهم ابن عباس وعائشة، إلى أنه ليس بسنة، وإنما هو منزل اتفاق، وقال أبو رافع: لم يأمرني رسول الله ﷺ ولكن أنا ضربت قبته فيه، ثم جاء فنزل، فأنزل الله فيه بتوفيقه، تصديقًا لقوله ﷺ قال في المبدع: ولا خلاف في عدم وجوبه.стр. 1876
(فإذا أراد الخروج من مكة) بعد عوده إليها (١) (لم يخرج حتى يطوف للوداع) (٢) إذا فرغ من جميع أموره (٣) . الحواشي
(١) من منى، وظاهره: طال عوده إليها أو قصر؛ طال عهده بالبيت أو لا؛ ومفهومه أيضا أنه لو سافر لبلده من منى، ولم يأت مكة، ولم يكن عليه وداع، وصرح به شيخ الإسلام وغيره، وقال في الفروع: فإن ودع ثم أقام بمنى، ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه اهـ ورجحه شيخنا.(٢) لوجوبه عليه، ولم يصرحوا به، ويؤخذ من قولهم: من ترك طواف الزيارة ولم يقولوا: من اكتفى به، وقال الشيخ وغيره: هو واجب عند الجمهور وقال الوزير وغيره: واجب عند أبي حنيفة، وأحمد، والمشهور عند أصحاب الشافعي، وقال القاضي والأصحاب، إنما يستحق عليه عند العزم على الخروج، واحتج به الشيخ على أنه ليس من الحج، وهو مذهب الشافعي، وفي الإنصاف: يستحب أن يصلي ركعتين بعد الوداع، ويقبل الحجر.(٣) حتى يكون آخر عهده بالبيت، وهذا مما لا نزاع في مشروعيته.стр. 1877
لقول ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. متفق عليه (١) ويسمى طواف الصدر (٢) (فإن أقام) بعد طواف الوداع (٣) (أو اتجر بعده أعاده) إذاعزم على الخروج، وفرغ من جميع أموره (٤) . الحواشي
(١) «أمر الناس» على البناء للمجهول، والمراد به النبي ﷺ وكذا «خفف» ولمسلم: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال ﷺ «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» وفيه دليل على وجوبه، وقال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم، ومن حديث الحارث، «من حج هذا البيت أو اعتمر، فليكن آخره عهده بالبيت» وثبت عنه ﷺ أنه ارتحل من الأبطح، فمر بالبيت فطاف به، ثم سار متوجها إلى المدينة، من أسفل مكة من ثنية كدى.(٢) بفتح الصاد والدال المهملتين، وهو: رجوع المسافر من مقصده صححه في الإنصاف وغيره، وقيل: طواف الصدر، هو الإفاضة كما تقدم لأنه يصدر إليه من منى.(٣) لغير شد رحل ونحوه أعاده نص عليه للأخبار.(٤) ليكون آخر عهده بالبيت قولاً واحدًا، كما ثبت من قوله وفعله ﷺ لكن لو اتجر من غير تعريج لم تلزمه الإعادة، وصرح في المغني والشرح وغيرهما أنه: إن قضى حاجة في طريقه، أو اشترى زادًا، أو شيئًا لنفسه في طريقه، لم يعده بلا خلاف، لأن ذلك ليس باتجار، ولا إقامة وقال الشيخ فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها، ولكن إن قضى حاجته أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع، أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه ليحمل على دابته، ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل، فلا إعادة عليه، وإن أقام بعد الوداع أعاده.стр. 1878
ليكون آخر عهده بالبيت (١) كما جرت العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه (٢) (وإن تركه) أي طواف الوداع (غير حائض رجع إليه) بلا إحرام، إن لم يبعد عن مكة (٣) ويحرم بعمرة إن بعد عن مكة، فيطوف ويسعى للعمرة، ثم للوداع (٤) (فإن شق) الرجوع على من بعد عن مكة دون مسافة قصر (٥) . الحواشي
(١) كما أنه أول مقصود له عند قدومه إليه.(٢) يودعهم عند خروجه، فكذا يكون آخر عهده بالبيت طواف الوداع، ومن أقام بمكة فلا وداع عليه، بإجماع من أوجبه، إلا ما حكي عن أبي حنيفة فيمن نواه بعد ما حل له النفر الأول، وإن خرج غير حاج فظاهر كلام الشيخ لا يودع، ولو خرج من عمران مكة لحاجة فطرأ له السفر، لم يلزمه دخولها لأجل طواف الوداع، لأنه لم يخاطب به حال خروجه.(٣) لقرب المسافة، ما لم يخف على نفس، ولا مال، ولا فوات رفقة، ولأنه رجوع لإتمام نسك مأمور به، أشبه من رجع لطواف الزيارة، ويأتي بالواجب من غير مشقة تلحقه.(٤) واستشكله ابن نصر الله، لأنه إذا أحرم بعمرة مع أنه في بقية إحرام الحج، يكون قد أدخل عمرة على حجة، وقال: الصحيح عدم جوازه، وقال الشيخ: ليس الوداع من الحج ولا يتعلق به.(٥) فعليه دم، لتركه الواجب في الحج، وظاهره، لا يلزمه الرجوع، لما فيه من المشقة، أشبه ما لو وصل إلى بلده.стр. 1879
أو بعد عنها مسافة قصر فأكثر، فعليه دم (١) ولا يلزمه الرجوع إذا (٢) (أو لم يرجع) إلى الوداع (فعليه دم) (٣) لتركه نسكًا واجبًا (٤) (وإن أخر طواف الزيارة) (٥) ونصه: أو القدوم (فطافه عند الخروج أجزأ عن) طواف (الوداع) (٦) لأن المأمور به: أن يكون آخر عهده بالبيت، وقد فعل (٧) . الحواشي
(١) رجع أو لا.(٢) دفعا للحرج، سواء تركه عمدا، أو خطأ، لعذر أو غيره، وحاصله أن من خرج قبل الوداع إما أن يرجع قبل مسافة قصر من مكة، أو بعدها، ففي الأول لا شيء عليه، ويعود بلا إحرام، وفي الثاني يحرم بعمرة، ولا يسقط عنه الدم كمن لم يرجع.(٣) قال النووي وغيره: في قول أكثر العلماء اهـ يوصله إلى الحرم إن أمكن وإلا فرقه في مكانه، أو بلده.(٤) في قول أكثر أهل العلم، فوجب بتركه دم، وقال ابن المنذر وغيره: هو واجب، للأمر به، إلا أنه لا يجب بتركه شيء، وهو ظاهر كلام الشيخ.(٥) فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع.(٦) قطع به الأكثر، وظاهره، ولو لم ينو طواف الوداع.(٧) أي كان آخره عهده بالبيت الطواف، ولأن ما شرع، كتحية المسجد، يجزئ عنه الواجب من جنسه، كركعتي الطواف، تجزئ عنها المفروضة، فيجزئ طواف الزيارة عن طواف الوداع.стр. 1880
فإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة (١) ولا وداع على حائض ونفساء (٢) إلا أن تطهر قبل مفارقة البنيان (٣) (ويقف غير الحائض) والنفساء بعد الوداع في الملتزم (٤) وهو أربعة أذرع (٥) . الحواشي
(١) لعدم نيته طواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج، لا يتم إلا به، فلا بد من نيته لتعينه.(٢) في قول عامة الفقهاء، وفي الإنصاف، بلا نزاع، لقول ابن عباس: إلا أنه خفف عن الحائض، متفق عليه، وتقدم، وهو أصل في سقوط الوداع عنها، والنفساء مثلها فيما يجب، ويسقط، ولا فدية لذلك، قال في المبدع: وألحق الطبري وغيره بهن من خاف نحو ظالم، وغريم وهو معسر، وفوت رفقة.(٣) أي فعليها أن ترجع، وتغتسل وتودع، لأنها في حكم الحاضرة، فإن لم تفعل، ولو لعذر فعليها دم، لتركها نسكًا واجبًا، وإن كان بعد مفارقة البنيان لم يلزمها الرجوع، لخروجها عن حكم الحضر.(٤) وهو مذهب الشافعي وغيره، وكان ابن عباس يلتزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، والملتزم اسم مفعول من: التزم ويقال له المدعى، والمتعوذ سمي بذلك بالتزامه للدعاء والتعوذ، ويسمى الحطيم، لأن الناس يزدحمون على الدعاء فيه، ويحطم بعضهم بعضًا.(٥) أي الملتزم ذرعه أربعة أذرع بذراع اليد.стр. 1881
(بين الركن) أي الذي به الحجر الأسود (والباب) (١) ويلصق به وجهه، وصدره، وذراعيه، وكفيه مبسوطتين (٢) (داعيا بما ورد) (٣) ومنه «اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك (٤) حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك، حتى بلغتني بنعمتك إلى الحواشي
(١) أي باب الكعبة المشرفة، قال النووي: وهذا متفق عليه، فيلتزم ذلك الموضع.(٢) وجميعه، لقول عبد الرحمن بن صفوان، وافقت رسول الله ﷺ قد خرج من الكعبة، وأصحابه قد استلموا البيت، من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا صدورهم على البيت، ورسول الله ﷺ وسطهم رواه أبو داود، وله عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: طفت مع عبد الله، فلما جاء دبر الكعبة، قلت: ألا تتعوذ؟ قال: أعوذ بالله من النار، ثم مضى، حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره، وذراعيه وكفيه، هكذا وبسطهما بسطًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ ولأنه موضع تجاب فيه الدعوات.(٣) وقال الشيخ وغيره، والمراد إن أحب ذلك، قال: وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع، فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة، قال: ولو وقف عند الباب، ودعا هنالك، من غير التزام للبيت كان حسنًا، وإن شاء قال في دعائه الدعاء المأثور عن ابن عباس.(٤) اعترافا لله بالعبودية التي هي أشرف مقامات العبد.стр. 1882
بيتك (١) وأعنتني على أداء نسكي (٢) فإن كنت رضيت عني، فازدد عني رضى (٣) وإلا فمن الآن (٤) قبل أن تنأى عن بيتك داري (٥) وهذا أوان انصرافي (٦) إن أذنت لي، غير مستبدل بك، ولا ببيتك (٧) ولا راغب عنك، ولا عن بيتك (٨) اللهم فأصحبني العافية في بدني (٩) والصحة في جسمي (١٠) » الحواشي
(١) يعني الكعبة المشرفة، وسخرت لي أي ذللت لي من مخلوقك ما أسير عليه، و «بلَّغتني» بتشديد اللام، أي أوصلتني «بنعمتك» أي بإنعامك علي «إلى بيتك» الذي لا أصل إليه إلا بتيسيرك.(٢) يعني من الحج، والعمرة «وأداء» بالمد اسم للتأدية.(٣) طلبا لزيادة الرضى من الله، وهي صفة من صفاته جل وعلا.(٤) أي الوقت الحاضر علي، «وُمنَّ» بضم الميم، وتشديد النون، من: منَّ يمنُّ فعل دعاء، ويروى بكسر الميم، وتخفيف النون، فيصير حرفًا لابتداء الغاية.(٥) و «تنأى» مضارع «نأت» أي تبعد.(٦) أي وقت منقلبي.(٧) أي إن أذنت لي في الانصراف، غير متخذ عوضًا ولا خلفًا بك ولا ببيتك.(٨) أي معرض، يقال: رغب عنه، أعرض عنه وتركه.(٩) إذ لم يعط أحد بعد الإسلام خيرًا من العافية، «وأصحبني» بقطع الهمزة.(١٠) وفي الخبر: «اثنتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ» .стр. 1883
والعصمة في ديني (١) وأحسن منقلبي (٢) وارزقني طاعتك ما أبقيتني (٣) واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير (٤) ويدعو بما أحب (٥) ويصلي على النبي ﷺ (٦) ، ويأتي الحطيم أيضا، وهو تحت الميزاب فيدعو (٧) . الحواشي
(١) العصمة منع الله عبده من المعاصي.(٢) أي منصرفي و «أحسن» بقطع الهمزة.(٣) فمن رزقه الطاعة فقد فاز.(٤) روي عن ابن عباس، وأورده في المحرر، وفي الشرح حكاه عن بعض الأصحاب وهو لائق بالمحل.(٥) فأي شيء دعا به فحسن من خيري الدنيا والآخرة.(٦) لأن الدعاء لا يرد إذا اقترن به.(٧) فهو من المواضع التي تستجاب فيها الدعوات، قال ابن القيم: الصحيح أن الحطيم الحجر نفسه اهـ سمي الحجر «حطيمًا» لما حطم من جداره، وكانت قريش قصرت بها النفقة عن إتمام البيت، وأتمه ابن الزبير على قواعد إبراهيم، لما بلغه الخبر عن النبي ﷺ ، ثم أخرجه الحجاج، ولم يسوه ببناء البيت، وتركه خارجا منه، محطوم الجدار.
وأصل الحطم الكسر، وإنما سمي حجرا لأنه «حجر» أي اقتطع من الأرض، بما أدير عليه من البنيان، وليس كله من البيت كما تقدم، بل ستة أذرع وثلث، وأكثر أهل اللغة على أن الحطيم هو ما بين الباب وزمزم.стр. 1884
ثم يشرب من ماء زمزم (١) ويستلم الحج، ويقبله، ثم يخرج (٢) (وتقف الحائض) والنفساء (ببابه) أي باب المسجد (٣) (وتدعو بالدعاء) الذي سبق (٤) (وتستحب زيارة قبر النبي ﷺ ، وقبري صاحبيه) ﵄ (٥) . الحواشي
(١) قال الشيخ وغيره: لما أحب، ويدعو بما ورد؛ كما تقدم، قال الشيخ: ومن حمل من ماء زمزم جاز، فقد كان السلف يحملونه.(٢) ذكره الشيخ، ورواه منصور، عن مجاهد، فإذا ولى لا يقف، ولا يلتفت، حتى قيل: إن التفت رجع وودع استحبابًا، ذكره جماعة وفي الفائق وغيره: لا يستحب له المشي قهقرى بعد وداعه.
قال الشيخ: بدعة مكروهة فإذا ولى لا يقف، ولا يلتفت، ولا يمشي القهقرى وهي مشية الراجع إلى خلف، بل يخرج كما يخرج الناس من المساجد عند الصلاة، وكذلك عند سلامه عليه ﷺ .(٣) ولا تدخله لأنها ممنوعة من دخوله، لخبر «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» وقال ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خفف عن الحائض، متفق عليه، والنفساء في منزلتها، فيتناولها النص دلالة، وقال لما حاضت صفية «أحابستنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، فهما أصل في سقوط طواف الوداع، وقال: والعمل عليه عند أهل العلم، أن المرأة إذا طافت طواف الزيارة، ثم حاضت، أنها تنفر وليس عليها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد.(٤) أو بغيره، إذ لا محذور من ذلك، ولمشاركتها الرجل فيه.(٥) أي ومسجد النبي ﷺ والصلاة فيه، وهو مراد من أطلق من الأصحاب، فإن الصلاة في مسجده ﷺ خير من ألف
صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، قال الشيخ: فإذا دخل المدينة قبل الحج، أو بعده، فإنه يأتي مسجد النبي ﷺ ويصلي فيه، والصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، ولا تشد الرحال إلا إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، هكذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد وهو مروي من طرق أُخر، قال: ومسجده كان أصغر مما هو اليوم، وكذلك المسجد الحرام، لكن زاد فيهما الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم وحكم الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام.
قال: والنية في السفر إلى مسجده وزيارة قبره مختلفة، فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه، فهذا مشروع، بالنص والإجماع، وكذا إن قصد السفر إلى مسجده وقبره معًا، فهذا قصد مستحبًّا مشروعًا بالإجماع، وإن لم يقصد إلا القبر، ولم يقصد المسجد، فهذا مورد النزاع، فمالك والأكثرون: يحرمون هذا السفر، وكثير من الذين يحرمونه، لا يجوزون قصر الصلاة فيه، وآخرون يجعلونه سفرا جائزا، وإن كان السفر غير جائز، ولا مستحب، ولا واجب بالنذر.
ولم يعرف عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: تستحب زيارة قبر النبي ﷺ أو لا تستحب، ونحو ذلك، ولا علق بهذا الاسم حكمًا شرعيًّا، وقد كره كثير من العلماء التكلم به، وذلك اسم لا مسمى له، ولفظ لا حقيقة له، وإنما تكلم به من تكلم من بعض المتأخرين، ومع ذلك لم يريدوا ما هو المعروف من زيارة القبور، فإنه معلوم أن الذاهب إلى هناك، إنما يصل إلى مسجده ﷺ والمسجد نفسه يشرع إتيانه، سواء كان القبر هناك أو لم يكن.стр. 1885
لحديث «من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي» رواه الدارقطني (١) . الحواشي
(١) قال الشيخ: هذا الحديث ضعيف، باتفاق أهل العلم، ليس في شيء
من دواوين الإسلام التي يعتمد عليها، ولا نقله إمام من أئمة المسلمين، والدارقطني وأمثاله يذكر هذا ونحوه ليبين ضعف الضعيف من ذلك، وقال ابن عبد الهادي: منكر المتن ساقط الإسناد، لم يصححه أحد من الحفاظ، ولا احتج به أحد من الأئمة بل ضعفوه وطعنوا فيه، وذكر بعضهم أنه من الأحاديث الموضوعة، والأخبار المكذوبة، وقال: منكر جدًّا.стр. 1886
فيسلم عليه مستقبلاً له (١) . الحواشي
(١) وذلك بأن يستقبل مسمار الفضة، في الرخامة الحمراء، ويسمى الآن الكوكب الدري، وظهره إلى القبلة بعد تحية المسجد، فيقول: السلام عليك يا رسول الله، لما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعا «ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله علي روحي، حتى أرد ﵇» وظاهره، أن هذه الفضيلة تحصل لكل مسلم، قريبًا كان أو بعيدًا، وكان ابن عمر لا يزيد على ذلك، ثم يتقدم قليلاً، ويسلم على أبي بكر ﵁، ثم يتقدم قليلا فيسلم على عمر ﵁.
قال الشيخ: يسلمون عليه مستقبلي الحجرة، مستدبري القبلة، عند أكثر العلماء، كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة قال: يستقبل القبلة، ومن أصحابه من قال: يستدبر الحجرة ومنهم من قال: يجعلها عن يساره، وقال: ويسلم عليه، وعلى صاحبيه، فإنه قال: «ما من رجل يسلم علي، إلا رد الله على روحي حتى أرد ﵇» قال: وإذا قال: السلام عليك يا نبي الله، يا خيرة الله من خلقه، يا أكرم الخلق على ربه، يا إمام المتقين، فهذا كله من صفاته يأبى هو وأمي ﷺ وكذلك إذا صلى عليه مع السلام، فهذا مما أمر الله به اهـ.
وإن قال: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ﷺ وضجيعيه، ورحمة الله وبركاته اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيرًا (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ *) اللهم لا تجعله آخر العهد بقبر نبيك محمد ﷺ ، ولا من مسجدك، يا أرحم الراحمين فلا بأس.стр. 1887
ثم يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، ويدعو بما أحب (١) ويحرم الطواف بها (٢) . الحواشي
(١) هكذا ذكره بعض الأصحاب، وغيرهم مجردًا عن الدليل، قال الشيخ: ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة، فإنه منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالك من أعظم الناس كراهة لذلك، ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة، ويدعون في مسجده، فإنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» وقال «لا تجعلوا قبري مسجدًا وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» فأخبر أنه يسمع الصلاة والسلام من القريب، وأنه يبلغ ذلك من البعيد، وقال «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا، أخرجاه.
فدفنته الصحابة في موضعه الذي مات فيه، من حجرة عائشة، وكانت هي وسائر الحجر خارج المسجد، من قبليه وشرقيه، لكن لما كان في زمن الوليد، أمر عمر بن عبد العزيز، أن تشترى الحجر، ويزاد في المسجد، فدخلت الحجرة في المسجد، وبنيت منحرفة عن القبلة، مسنمة لئلا يصلي إليها أحد، فإنه قال ﷺ «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» رواه مسلم.(٢) بإجماع المسلمين، وقال الشيخ وغيره: يحرم الطواف بغير البيت العتيق اتفاقا.стр. 1888
ويكره التمسح بالحجرة (١) ورفع الصوت عندها (٢) . الحواشي
(١) وتقبيلها والمراد كراهة التحريم، قال الشيخ: اتفقوا على أنه لا يقبل جدار الحجرة ولا يتمسح به، فإنه من الشرك، والشرك لا يغفره الله، وإن كان أصغر إلا بالتوبة منه.(٢) أي يكره رفع الصوت، عند حجرته ﷺ كما لاترفع فوق صوته لأنه في التوقير والحرمة كحياته، قال الشيخ: ورفع الصوت في المساجد منهي عنه، وهو في مسجد النبي ﷺ أشد، وقد ثبت: أن عمر رأى رجلين يرفعان أصواتهما في المسجد، فقال: لو أعلم أنكما من أهل البلد، لأوجعتكما ضربا، إن الأصوات لا ترفع في مسجده ﷺ ، فما يقوله بعض جهال العامة، من رفع الصوت عقب الصلاة، من قولهم: السلام عليك يا رسول الله، بأصوات عالية، أو منخفضة، بدعة محدثة، بل ما في الصلاة من قول المصلين: السلام عليك أيها النبي هو المشروع، كما أن الصلاة مشروعة على النبي ﷺ في كل زمان ومكان، وقد ثبت أنه قال «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرًا» .
وفي الفنون: قدم أبو عمران، فرأى ابن الجوهري يعظ، قد علا صوته، فقال: ألا، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﷺ والنبي ﷺ في التوقير، والحرمة، بعد موته كحال حياته، وكما لا ترفع الأصوات بحضرته حيًّا، ولا من وراء حجرته، فكذا بعد موته؛ انزل فنزل ابن الجوهري، وفزع الناس لكلام أبي عمران قال ابن عقيل: لأنه كلام صدق وعدل، وجاء على لسان محق، فتحكم على سامعه اهـ وأوجبه بعضهم وكذا عند حديثه يعدونه كرفع الصوت فوق صوته ﷺ .
قال الشيخ: ويستحب أن يأتي مسجد قباء، ويصلي فيه، فإن النبي ﷺ قال: «من تطهر في بيته وأحسن الطهور، ثم أتى مسجد قباء لا يريد
إلا الصلاة، غفرت له ذنوبه» في أحاديث كثيرة، وأما زيارة المساجد، التي بنيت بمكة، غير المسجد الحرام، كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس، ونحو ذلك، من المساجد التي بنيت على آثار النبي ﷺ وأصحابه، كمسجد المولد وغيره، فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة ومثل جبل حراء، والجبل الذي عند منى، الذي كان يقال فيه، إنه قبة الفداء، ونحو ذلك، فإنه ليس من سنة رسول الله ﷺ زيارة شيء من ذلك، بل هو بدعة، وكذلك ما يوجد في الطرقات، من المساجد المبنية.
قال: وقبر الخليل كان مسدودًا، بمنزلة قبر النبي ﷺ ، فأحدث عليه المسجد، وكان أهل العلم والدين، العالمون العاملون بالسنة، لا يصلون هناك، وأما التمر الصيحاني، فلا فضيلة فيه، بل غيره من البرني والعجوة خير منه، والأحاديث إنما جاءت عن النبي ﷺ فيه، كما في الصحيح «من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يصبه ذلك اليوم سم ولا سحر» وكذا قول بعض الجهال، إن عين الزرقاء جاءت معه من مكة، ولم يكن بالمدينة على عهد النبي ﷺ عين جارية، لا الزرقاء، ولا عيون حمزة، ولا غيرها، بل كل ذلك مستخرج بعده.стр. 1889
وإذا أدار وجهه إلى بلده، قال: «لا إله إلا الله (١) آئبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون (٢) » الحواشي
(١) أي إذا توجه إليها قال ذلك، وثبت عنه ﷺ أنه لما رأى المدينة راجعًا من حجة الوداع، كبر ثلاث مرات، وقال: «لا إله إلا الله آئبون..» إلخ.(٢) «آئبون» راجعون من سفرنا، تائبون لربنا، عابدون لربنا، حامدون له أن بلغنا بيته، وقضينا مناسكنا، فله الحمد.стр. 1890
صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده (١) (وصفة العمرة أن يحرم بها من الميقات) (٢) إن كان مارا به (٣) (أو من أدنى الحل) كالتنعيم (٤) (من مكي ونحوه) ممن بالحرم (٥) و (لا) يجوز أن يحرم بها (من الحرم) لمخالفة أمره ﷺ (٦) . الحواشي
(١) ويخبرهم، لئلا يقدم بغتة، ويكره أن يطرقهم ليلا لغير عذر، ويبدأ بالمسجد فيصلي ركعتين، ويستحب أن يقال للقادم من الحج، قبل الله حجك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك، وكانوا يغتنمون أدعية الحاج، قبل أن يتلطخوا بالذنوب.(٢) الذي وقته رسول الله ﷺ لأهل كل جهة من جهات الأرض، وتقدم تفصيلها.(٣) أي بميقاته الموقت له، أو محاذيا له على ما تقدم.(٤) موضع معروف، بينه وبين مكة، فرسخان، وكذا «الجعرانة» بكسر فسكون، وتخفيف الراء، على الأفصح، وهي على طريق الطائف، على ستة فراسخ من مكة، عذبة الماء، والأفضل منها، لاعتماره منها عام حنين، ثم الحديبية بئر قريب جدة، بالمهملة بينها وبين مكة، كما بين الجعرانة إليها.(٥) وكان ميقاتا له، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه، ولا فرق بين المكي وغيره.(٦) يعني لعائشة ﵂، حيث أمرها أن تخرج إلى التنعيم، فتأتي بعمرة منه.стр. 1891
وينعقد وعليه دم (١) (فإذا طاف وسعى، و) حلق أو (قصر حل) (٢) لإتيانه بأفعالها (٣) . الحواشي
(١) أي وينعقد إحرامه بالعمرة من الحل وفاقا، كما لو أحرم بعد أن جاوز الميقات الواجب، لإرساله عائشة، قالوا: ولو لم يجب، لما أرسلها لضيق الوقت.
قال ابن القيم: والعمرة التي شرعها رسول الله ﷺ وفعلها: نوعان، لا ثالث لهما، عمرة التمتع، وهي التي أذن فيها عند الميقات، وندب إليها في أثناء الطريق، وأوجبها على من لم يسق الهدي، عند الصفا والمروة، والثانية العمرة المفردة التي ينشئ لها سفرًا، كعمره ﷺ ولم يشرع عمرة مفردة غيرهما، وفي كليهما المعتمر داخل إلى مكة، وأما عمرة الخارج منها إلى أدنى الحل فلم تشرع، وأما عمرة عائشة فزيادة محضة، وإلا فعمرة قرانها قد أجزأت عنها بنص رسول الله ﷺ .
وقال الشيخ: يكره الخروج من مكة لعمرة تطوع، وذلك بدعة، لم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان، ولا في غيره، ولم يأمر عائشة، بل أذن لها بعد المراجعة، تطييبًا لقلبها، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقا، وخروجه عند من لم يكرهه، على سبيل الجواز، وإنما اعتمر ﷺ ثلاث عمر: عمرة الحديبية في ذي الحجة، سنة ست، وعمرة القضية سنة سبع، وعمرة الجعرانة سنة ثمان، والرابعة مع حجة الوداع سنة عشر.(٢) أي من العمرة، لأنها أحد النسكين فيحل بفعل ما ذكر، كحله من الحج بأفعاله.(٣) من طواف وسعي، وحلق أو تقصير، وهذا مما لا نزاع فيه.стр. 1892
(وتباح) العمرة (كل وقت) فلا تكره بأشهر الحج (١) ولا يوم النحر أو عرفة (٢) ويكره الإكثار (٣) والموالاة بينها باتفاق السلف، قاله في المبدع (٤) . الحواشي
(١) قال الوزير وغيره: أجمعوا أن فعلها في جميع السنة جائز، فقد ندب ﷺ عليها، وفعلها في أشهر الحج، وقال «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» ويكفي كون النبي ﷺ أعمر عائشة من التنعيم، سوى عمرتها التي كانت أهلت بها مع الحج، قال ابن القيم: هو أصل في جواز العمرتين في سنة في سنة بل في شهر اهـ فثبت الاستحباب من غير تقييد، خلافًا لمالك، وأبى حنيفة، فاستثنى أبو حنيفة الخمسة الأيام، ومالك لأهل منى، وكراهة أحمد على الإطلاق، قال الشيخ وغيره: ولا وجه لمن لم يتلبس بأعمال الحج.(٢) أي ولا تكره العمرة يوم النحر، أو يوم عرفة، لمن لم يكن متلبسًا بالحج باتفاق الأئمة.(٣) أي من العمرة، وتكرارها في غير رمضان وكره مالك والحسن العمرة في كل شهر مرتين، وقال مالك: يكره في السنة مرتين، والنبي ﷺ لم يعتمر في سنةمرتين.(٤) والموفق وقدمه في الفروع، وقال: اختاره الموفق وغيره، وقال أحمد: إن شاء كل شهر وتقدم أن النبي ﷺ أعمر عائشة، ولم يأت نص بالمنع من العمرة ولا بالتقرب إلى الله بشيء من الطاعات، ولا من الازدياد من الخير، وهذا قول الجمهور، وقوله: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» دليل على التفريق بين الحج والعمرة في التكرار، وتنبيه على ذلك إذ لو كانت لا تفعل في السنة إلا مرة، لسوى بينهما ولم يفرق.стр. 1893
ويستحب تكرارها في رمضان، لأنها تعدل حجة (١) (وتجزئ) العمرة من التنعيم (٢) . الحواشي
(١) فإنه قد صح عنه ﷺ أنه أمر أم معقل لما فاتها الحج معه، أن تعتمر في رمضان، وأخبرها أنها تعدل حجة وورد أمره بها لغيرها، ولاجتماع فضل الزمان والمكان، ولكن كانت عمره ﷺ كلها، في أشهر الحج، مخالفة لهدي المشركين، فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، ويقولون: هي من أفجر الفجور.
قال ابن القيم: وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل من سائر السنة بلا شك، سوى رمضان، لخبر أم معقل، ولكن لم يكن الله ليختار لنبيه ﷺ إلا أولى الأوقات، وأحقها بها، فكانت في أشهر الحج، نظير وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر قد خصها الله بهذه العبادة، وجعلها وقتًا لها والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحج، وقد يقال: إنه يشتغل في رمضان من العبادات، بما هو أهم منها، فأخرها إلى أشهر الحج، مع ما فيه من الرحمة لأمته، فإنه لو فعله لبادرت إليه.(٢) وكره الشيخ وابن القيم الخروج من مكة لعمرة تطوعًا كما تقدم، وأنه بدعة لم يفعله ﷺ هو ولا أصحابه على عهده، إلا عائشة تطييبًا لنفسها، وكانت طلبت منه أن يعمرها، وقد أخبرها أن طوافها وسعيها قد أجزأها عن حجها وعمرتها، فأبت عليه إلا أن تعتمر عمرة مفردة، وكانت لا تسأله شيئا إلا فعله، فلم يخرج لها في عهده غيرها، لا في رمضان، ولا في غيره اتفاقا، ولم يأمر عائشة، بل أذن لها بعد المراجعة ليطيب قلبها، وتقدم قوله: طوافه وعدم خروجه لها أفضل اتفاقًا، وقال ابن القيم: وأما عمرة الخارج إلى الحل، فلم تشرع، وعمرة عائشة زيادة محضة، ولم يشرع إلا عمرة مع الحج أو مفردة بسفر، لا من الحرم، وفي إجزاء العمرة من التنعيم نزاع.стр. 1894
وعمرة القارن (عن) عمرة (الفرض) التي هي عمرة الإسلام (١) (وأركان الحج) أربعة (٢) (الإحرام) الذي هو نية الدخول في النسك (٣) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (٤) (والوقوف) بعرفة (٥) لحديث «الحج عرفة» (٦) . الحواشي
(١) قال في المبدع وغيره: وهي الأصح أنها تجزئ عنها، لقوله ﷺ لعائشة لما قرنت وطافت «قد حللت من حجك وعمرتك» رواه مسلم ولأن الواجب عمرة واحدة، وقد أتى بها صحيحة، فأجزأت كعمرة المتمتع وهي لا نزاع في إجزائها، ولأن عمرة القارن أحد النسكين للقارن، فأجزأت كالحج، وأما عمرة عائشة فتطييب لقلبها، كما جزم به الشيخ وغيره، ولو كانت واجبة لأمرها بها قبل سؤالها.(٢) حكاه الوزير وغيره اتفاقا، إلا السعي فعند أبي حنيفة أنه واجب، ينوب عنه الدم، واختاره القاضي.(٣) مع تلبية، أو سوى الهدي، لا تجرد من مخيط فقط لأن ذلك واجب كما يأتي، وهو عبادة، ولا يتم إلا بنية كالصلاة، وركن من أركان الحج بالإجماع.(٤) فلا عمل إلا بنية كما تقدم في غير موضع.(٥) أي هو ركن من أركان الحج إجماعًا، وتقدم أنه يجزئ منه ساعة من ليل أو نهار، من فجر يوم عرفة، إلى فجر يوم النحر، وأن الأرجح من الزوال.(٦) أي أنه ﷺ أمر مناديه «الحج عرفة» أي الحج الصحيح حج «من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» رواه الخمسة، وقال سفيان: العمل عليه عند أهل العلم فالوقوف بها ركن، من أركان الحج، لا يتم إلا به إجماعًا، قال في الإنصاف: من طلع عليه الفجر يوم النحر، ولم يقف بها فاته الحج بلا نزاع، لعذر حصر أو غيره أو لغير عذر.стр. 1895
(وطواف الزيارة) (١) لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) (والسعي) (٣) لحديث «اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي» رواه أحمد (٤) (وواجباته) سبعة (٥) . الحواشي
(١) فهذه الثلاثة هي، أركان الحج، المجمع عليها، قال ابن القيم وغيره: باتفاق المسلمين.(٢) أي الطواف الواجب، الذي لا يحصل التحلل من الإحرام، مالم يأت به، وهو طواف الإفاضة، وآخر المناسك، وكذلك صنع رسول الله ﷺ رمى الجمرة، ثم نحر، ثم حلق، ثم أفاض فطاف به، وقال لصفية وقد حاضت «أحابستنا؟» ، فأخبروه أنها طافت يوم النحر، فمن لم يطف هذا الطواف لا يجوز أن ينفر.(٣) أي هو ركن أيضًا، وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن مالك، واختاره جمع، ورجحه ابن كثير.(٤) ولمسلم عن عائشة قالت: طاف رسول الله ﷺ ، وطاف المسلمون -يعني بين الصفا والمروة- ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة، وطاف بهما، وقال «لتأخذوا عني مناسككم» فكل ما فعله في حجته تلك واجب، لا بد له من فعله، في الحج، إلا ما خرج بدليل، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ أي أعلام دينه، والمراد المناسك التي جعلها الله أعلاما لطاعته، لا يتم الحج إلا بها، ولأنه نسك في الحج والعمرة، فكان ركنًا فيهما كالطواف، واختار القاضي أنه واجب، ليس بركن، قال الموفق: وهو أقرب إلى الحق إن شاء الله تعالى، وفي الشرح: وهو أولى، لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب، لا على أنه لا يتم الحج إلا به، فيجبره بدم.(٥) بالاستقراء، وهي عبارة عما يجب فعله، ولا يجوز تركه إلا لعذر، وإذا تركه كان عليه دم يجبر به حجه.следующие страницы →