Полный текст (4 103 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
فصل (١)
(ويتعينان) أي الهدي والأضحية (بقوله: هذا هدي أو أضحية) أو لله (٢) لأنه لفظ يقتضي الإيجاب، فترتب عليه مقتضاه (٣) وكذا يتعين بإشعاره، أو بتقليده بنيته (٤) (لا بالنية) حال الشراء أو السوق (٥) . الحواشي
(١) في أحكام التعيين، والمنع من بيع شيء منها، وأحكام الأكل والصدقة وغير ذلك، وبيان ما يتعلق بذلك.(٢) أي الهدي أو الأضحية، ونحو ذلك، لا بالنية فقط، فإذا تلفظ بأحد هذه الثلاثة مشيرا إلى بدنة، أو بقرة، أو شاة بعينها، وجبت بذلك، وإن عين معيبا لم يجزئه عما في ذمته.(٣) لأنه دال عليه، وقال ابن نصر الله: الهدي منه واجب، وليس في هذا اللفظ ما يقتضي الوجوب، إذ يجوز أن يريد: هذا هدي تطوعت به، وقال الحجاوي: أو تطوع بأن ينوي هديًا ولا يوجبه بلسانه، ولا بتقليده وإشعاره وقدوم نية فيه، قبل ذبحه، فإن فسخ نيته فعل به ما شاء.(٤) لأن الفعل مع النية كاللفظ، إذا كان الفعل دالاًّ على المقصود، كمن بنى مسجدًا وأذن للناس بالصلاة فيه، والإشعار هو أن يشق جانب سنامه الأيمن، والتقليد أن يعلق نعالاً أو آذان قربة ونحوها، وكان ابن عمر وغيره يجللها، ويدع السنام ليرى الإشعار، فيعرف أنها هدي.(٥) وهو مذهب مالك والشافعي، قال الوزير: لا يوجبها عندهم إلا القول، لأن التعيين إزالة ملك على وجه القربة، فلم يؤثر فيه مجرد النية، كالعتق، والوقف.стр. 1927
كإخراجه مالاً للصدقة (١) (وإذا تعينت) هديًا أو أضحية (لم يجز بيعها، ولا هبتها) (٢) لتعلق حق الله تعالى بها (٣) كالمنذور عتقه نذر تبرر (٤) (إلا أن يبدلها بخير منها) فيجوز (٥) وكذا لو نقل الملك فيها (٦) واشترى خيرًا منها جاز نصًّا، واختاره الأكثر (٧) . الحواشي
(١) فإنه لا يتعين بذلك، وفي الإنصاف، يحتمل أن يتعين الهدي والأضحية بالنية حال الشراء، وهو رواية عن أحمد، ومذهب أبي حنيفة، واختاره الشيخ، وقال المجد، ظاهر كلام أحمد أنه يصير أضحية إذا اشتراها بنيتها، كما يتعين الهدي بالإشعار.(٢) بل يلزمه ذبحها متى أتت، ولو بعد وقت الأضحية، لوجوبها بالتعيين لأنه ﷺ نهى أن يعطى الجزار شيئا منها، فلأن يمنع من بيعها من باب أولى، قال أحمد: كيف يبيعها وقد جعلها لله تعالى؟(٣) فلم يجز بيعها، وإذا عينها ثم مات وعليه دين لم يجز بيعها فيه مطلقا.(٤) وكما لو نذر أن يذبحها بعينها بخلاف نذر اللجاج.(٥) نظرا لمصلحة الفقراء لحصول مقصودهم، ولأنه عدول عن المعين إلى خير منه من جنسه كما لو أخرج حقه عن بنت لبون، ويجوز بمثلها، ما لم يكن أهزل.(٦) ببيع أو هبة.(٧) ونقله الجماعة عن أحمد، وفي المبدع: والمذهب كما نقله الجماعة أنه يجوز نقل الملك فيه، وشراء خير منه، وذكر ابن الجوزي أيضًا أنه المذهب، لأنه ﷺ أشرك عليًّا في هديه، وهو نوع منها ولأنه إذا اشترى أضحية لم يزل ملكه عنها.стр. 1928
لأن المقصود نفع الفقراء، وهو حاصل بالبدل (١) ويركب لحاجة فقط بلا ضرر (٢) (ويجزُّ صوفها ونحوه) كشعرها ووبرها (إن كان) جزه (أنفع لها (٣) ويتصدق به) (٤) وإن كان بقاؤه أنفع لها لم يجز جزُّه (٥) . الحواشي
(١) سواء كان ببيعها بخير منها، أو بنقد أو غيره، ثم يشتري به خيرًا منها، وكذا إبدال لحم بخير منه، لا بمثل ذلك لعدم الفائدة، ودونه لأنه تفويت جزء منها فلم يجز بلا خلاف.(٢) لما في الصحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: «اركبها» قال: إنها بدنة، قال: «اركبها ويلك» في الثانية أو في الثالثة، ولمسلم «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها، حتى تجد ظهرًا» وذلك ما لم يضرها.(٣) بلا نزاع مثل كونه في زمن الربيع، فإنه يخف بجزء ويسمن لأنه لمصلحتها.(٤) كما بعد الذبح، ولا يتعين التصدق به، بل له الانتفاع به كالجلد لجريانه مجراه في الانتفاع به دوامًا، وإذا قيد العلماء بذكر الصدقة فإنها تختص بالفقراء والمساكين، لأن تعبيرهم لغير الفقير بالهدية، وعلى هذا لا يهدى جلد الأضحية ونحوه، ولا يتصدق به على غني وإذا أعطيه قريب أو صديق غني على طريق الإباحة والانتفاع، لا على طريق التمليك، فإنه يجوز أن ينتفع به مع غناه، لكون المعطي إقامة مقامه، ويمنع مما يمنع منه المعطي، كالبيع ونحوه من المعاوضات.(٥) ككونه يقيها الحر أو البرد، أو كان لا يضر بها لقرب مدة الذبح لم يجز.стр. 1929
ولا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها (١) (ولا يعطي جازرها أجرته منها) (٢) لأنه معاوضة (٣) ويجوز أن يهدى له أو يتصدق عليه منها (٤) (ولا يبيع جلدها ولا شيئا منها) سواء كانت واجبة أو تطوعًا (٥) . الحواشي
(١) إجماعًا لأن شرب الفاضل لا يضر بها، ولا بولدها، فكان كالركوب فإن أضر بها أو نقص لحمها حرم، قال الوزير، اتفقوا على أن ما فضل عن حاجة الولد من لبن الأضحية يجوز شربه، إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا يجوز اهـ وإن ولدت المعينة ذبح ولدها معها، قال في الإنصاف: بلا نزاع، وعن علي أن رجلا سأله عن بقرة اشتراها ليضحي بها وإنها وضعت عجلاً، فقال: لا تحلبها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها، رواه سعيد وغيره.(٢) لا من اللحم، ولا من الجلد، في نظير أجرته، باتفاق الأئمة، وأمر ﷺ عليًّا أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها، وقال: «نحن نعطيه من عندنا» .(٣) وهي غير جائزة فيها، وقد يفهم من إطلاق الشارع منع الصدقة على الجازر، لئلا تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذ، فيرجع إلى المعاوضة.(٤) بالبناء للمجهول، لأنه ساوى غيره، وزاد عليه بمباشرتها، وتتوق نفسه إليها، قال الزركشي، وبهذا يتخصص عموم حكم الحديث.(٥) وفي الصحيح أن النبي ﷺ أمر عليًّا أن يقسم بدنه كلها، لحومها، وجلودها، وجلالها قال الوزير: اتفقوا على أنه لا يجوز بيع شيء من الأضاحي بعد ذبحها إلا جلدها، عند أبي حنيفة، فيجوز بآلة البيت، قال ابن رجب وغيره: لو أبدل جلود الأضاحي بما ينتفع به في البيت من آلة جاز، نص عليه، لأن ذلك يقوم مقام الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت.
وقال بعض الأصحاب: لو دبغه بجزء منه، أو بصوفه صح كما يجوز إصلاح الوقف ببعضه، وإن اشترى نصيب الدباغ صح، وعنه يجوز بيع جلدها، ويشتري بالثمن ماعونًا لبيته، وعنه: يبيعه ويشتري به أضحية أخرى.стр. 1930
لأنها تعينت بالذبح (١) (بل ينتفع به) أي بجلدها أو يتصدق به استحبابًا (٢) لقوله ﵇ «لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدقوا واستمتعوا بجلودها» (٣) وكذا حكم جلها (٤) .
(وإن تعيبت) بعد تعينها (٥) (ذبحها وأجزأته) (٦) وإن تلفت، أو عابت بفعله أو تفريطه لزمه البدل، كسائر الأمانات (٧) . الحواشي
(١) فلم يجز بيع شيء منها لتعينها به.(٢) لا نزاع في الانتفاع بجلدها، وروي عن علقمة، ومسروق أنهما كانا يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه، وكذا الصدقة به، لأنه جزء من الأضحية كلحمها، ونقل ما لم تكن واجبة.(٣) روي من حديث قتادة بن النعمان.(٤) بضم الجيم: كساء من كتان أو غيره، يطرح على ظهر الدابة.(٥) بقوله: هذا هدي، أو أضحية، أو لله ونحو ذلك.(٦) أي التي حدث بها عيب من نحو عمى وعرج، لأنه عيب حدث بها، فلم يمنع الإجزاء، لحديث أبي سعيد قال: ابتعنا كبشا نضحي به، فأصاب الذئب من أليته، فسألنا النبي ﷺ فأمرنا أن نضحي به، رواه ابن ماجه.(٧) أي إذا تلفت ونحوه بفعله أو تفريطه لزمه بدلها، واستظهر في حاشية
المنتهى أن المراد المعين عن واجب، أما إذا كان معينًا ابتداء فلا، لعدم وجوب بدله، وفي الإنصاف: وإن تلفت بغير تفريطه لم يضمنها، بلا نزاع عند الأكثر، قبل ذبحها أو بعده، وإذا ذبحها فسرقت فلا شيء عليه، وإن ذبحها ذابح في وقتها، بغير إذن، أجزأت ولا ضمان على ذابحها لأنه وقعت موقعها.стр. 1931
(إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) (١) كفدية ومنذور في الذمة، عين عنه صحيحًا فتعيب، وجب عليه نظيره مطلقا (٢) وكذا لو سرق أو ضل ونحوه (٣) . الحواشي
(١) يعني الهدي أو الأضحية لتعلقها بذمته.(٢) سواء كان مساويًا لما في ذمته أولا، وسواء فرط أو لا، وسواء تعيب بفعل الله أو فعل غير الله فعليه بدله، لأن عليه دمًا سليمًا، ولم يوجد ذلك، فلم يجزئه، وكما لو كان الرجل عليه دين فاشترى منه مكيلاً، فتلف قبل قبضه انفسخ البيع، وعاد الدين في ذمته، وفي الإنصاف: لا خلاف في ضمان صاحبها إذا أتلفها مفرطًا، فإن ضمنها بمثلها وأخرج فضل القيمة جاز، ويشتري بها شاة أو سبع بدنة بلا نزاع.(٣) كما لو غصب ونحوه فيجب عليه نظيره، وكذا قال غير واحد: يلزمه نظيره ولو زاد عما في ذمته، وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمتها، قال في الإنصاف: بلا نزاع، وإن عطب الهدي في الطريق نحره في موضعه، وصبغ نعله في دمه، وضرب به صفحته، ليعرفه الفقراء فيأخذوه، ولا يأكل هو ولا أحد من رفقته، لحديث ابن عباس رواه مسلم، والعلة أن لا يقصر في حفظها، فيعطبها ليتناول هو ورفقته منها، وقال أحمد: ما كان من واجب فعطب أو مات فعليه البدل، وإن شاء باعه أو نحره يأكل منه، ويطعم، وإن كان تطوعًا فعطب فلينحره ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته، وليخله للناس.стр. 1932
وليس له استرجاع معيب وضال ونحوه وجده (١) (والأضحية سنة) مؤكدة على المسلم (٢) وتجب بنذر (٣) (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها) (٤) . الحواشي
(١) أي ليس لمن نحر بدل ما ذكر استرجاعه وإبقاؤه على ملكه، بل يلزمه ذبحه إذا وجده، ويتعين للفقراء ولو ذبح بدله، في أصح الروايتين لفعل عائشة لما أهدت هديين فأضلتهما، فبعث إليها ابن الزبير بهديين فنحرتهما ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذا سنة الهدي، رواه الدارقطني وروي عن عمر، وابنه، وابن عباس.(٢) وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأكثر أهل العلم، وصرح به ابن القيم، وابن نصر الله، لفعله ﷺ وفعل خلفائه وعنه: واجبة ذكرها جماعة، واختارها أبو بكر، وغيره من الأصحاب، وذهب أبو حنيفة، ومالك، وغيرهما إلى القول بوجوبها على من ملك نصابا، وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة، لحديث «من وجد سعة فلم يضح، فلا يقربن مصلانا» رواه أحمد وغيره، وقال ابن عمر: أقام رسول الله ﷺ عشر سنين يضحي وقال الشيخ: الأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي المرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذن ومدين لم يطالبه رب الدين، وقال في الرعاية وغيرها: يكره تركها مع القدرة نص عليه.(٣) كالهدي يجب بنذره، كقوله لله علي كذا لقوله ﷺ «من نذر أن يطيع الله فليطعه» .(٤) لأنه ﷺ وخلفاءه بعده واظبوا عليها، وعدلوا عن الصدقة بثمنها، وهم لا يواظبون إلا على الأفضل، وهي عن ميت أفضل، لعجزه، واحتياجه للثواب، ويعمل بها كأضحية الحي، قال الشيخ وابن القيم وغيرهما، التضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها.стр. 1933
كالهدي والعقيقة (١) لحديث «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة الدم» (٢) .
(وسن أن يأكل) من الأضحية (ويهدي ويتصدق أثلاثا) (٣) فيأكل هو وأهل بيته الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، حتى من الواجبة (٤) . الحواشي
(١) ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، لفعله ﷺ وخلفائه، والتابعين، وقال أحمد وغيره: إحياء السنن واتباعها أفضل.(٢) «وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها، وأظلافها، وأشعارها، وإن الدم ليقع عند الله بمكان قبل أن يقع من الأرض، فطيبوا بها نفسًا» رواه ابن ماجه، والترمذي وحسنه وللطبراني «ما أنفق الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد» ، وقال تعالى لما أخبر أنه الغني فلا تناله: ﴿لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ أي يرفع إليكم منكم التقوى، والأعمال الصالحة الخالصة.(٣) لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ والقانع السائل، والمعتر المتعرض لك تطعمه، فتقسم أثلاثا، وثبت عنه ﷺ أنه قال: «كلوا وادخروا وتصدقوا» وفي رواية «فكلوا وأطعموا وتصدقوا» وهو أحد قولي الشافعي، ولم يقدر أبو حنيفة ومالك ذلك، وإنما قالا: يأكل ويتصدق، ويهدي وقال ابن عمر: الهدايا والضحايا ثلث لك، وثلث لأهلك، وثلث للمساكين وهو قول ابن مسعود، ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة وقيل: يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، لقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ومن أهدي له أوتصدق عليه بجلد الأضحية أو الهدي جاز التصرف فيه بما شاء، من بيع وغيره.(٤) أي بنذر، أو تعيين، أو وصية، أو وقف على أضحية ونحو ذلك
وقال الشيخ: مما عينه، لا عمَّا في ذمته، وجمهور الأصحاب أنه لا يأكل من الأضحية المنذورة وصرح بعضهم بعدم جواز أكل الوكيل من أضحية موكله بلا نص، ومال الشيخ أبا بطين إلى الجواز، واختار أبو بكر، والقاضي، والموفق والشارح الجواز.стр. 1934
وما ذبح ليتيم، أو مكاتب لا هدية ولا صدقة منه (١) وهدي التطوع، والمتعة، والقران، كالأضحية (٢) والواجب بنذر أو تعيين لا يأكل منه (٣) .
(وإن أكلها) أي الأضحية (إلا أوقية تصدق بها جاز) (٤) لأن الأمر بالأكل والإطعام مطلق (٥) . الحواشي
(١) بل يوفر لهم وجوبًا كما يأتي في الحجر، لأن الصدقة لا تحل من ماله تطوعًا، جزم به الموفق وغيره، وقال في الإنصاف: لو قيل بجواز الصدقة والهدية منها باليسير عرفًا لكان متجهًا.(٢) يأكل ويتصدق ويهدي ولا ريب في هدي التطوع وفي الإنصاف: بلا نزاع، ودم المتعة والقران سببه غير محظور، فأشبها هدي التطوع.(٣) ظاهره الإطلاق، وهو غير مراد، بل مقيد بما إذا كان واجبًا في الذمة ثم عينه، لا ما عين ابتداءً، قال الموفق وجماعة: أن يأكل من هدي التطوع وسواء في ذلك ما أوجبه بالتعيين من غير أن يكون واجبًا في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه، قال الشيخ: مما عينه، لا عمَّا في ذمته.(٤) عند جمهور أهل العلم، وقيل: أدنى جزء، وهو المشهور عن الشافعي، وأجازها مطلقًا، وقد حمل الجمهور الأمر بالصدقة على الاستحباب في أضحية التطوع.(٥) أي من غير تقييد، فيعم القليل والكثير ويخرج عن العهدة بصدقته
بالأقل وللترمذي وصححه، كان الرجل من الصحابة يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون ويجوز الادخار، إلا في مجاعة لأنه سبب تحريمه، واختاره الشيخ، قال في الإنصاف: وهو ظاهر في القوة.стр. 1935
(وإلا) يتصدق منها بأوقية بأن أكلها كلها (ضمنها) أي الأوقية بمثلها لحمًا (١) لأنه حق يجب عليه أداؤه مع بقائه، فلزمته غرامته إذا أتلفه كالوديعة (٢) (ويحرم على من يضحي) أو يضحى عنه (٣) (أن يأخذ في العشر) الأول من ذي الحجة (من شعره) أوظفره (أو بشرته شيئا) إلى الذبح لحديث مسلم عن أم سلمة مرفوعا «إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئًا حتى الحواشي
(١) للأثر بالإطعام منها، لا بقيمتها، هذا مذهب جمهور العلماء.(٢) في أنه يضمنها بإتلافها، قال في المبدع: ويتوجه، لا يكفي التصدق بالجلد والقرن.(٣) أي من يضحي لنفسه، أو يضحي عنه غيره في قول، ولم يدل عليه الأثر، والوجه الثاني: يكره نص عليه واختاره القاضي وجماعة، قال في الإنصاف: وهو أولى وأما إذا ضحى عن غيره فلا يحرم عليه حلق ونحوه، ولا يكره.
ولو بواحدة كمن يضحي بأكثر منها، لعموم (حتى يضحي) قال الوزير اتفقوا على أنه يكره لمن أراد الأضحية أن يأخذ من شعره وظفره من أول العشر، إلى أن يضحي وقال أبو حنيفة: لا يكره.стр. 1936
يضحي (١) وسن حلق بعده (٢) . الحواشي
(١) وفي رواية «لا يمس من شعره أو بشرته شيئًا» والحكمة أن يبقى كامل الأجزاء، ليعتق من النار، فإن فعل شيئا من ذلك استغفر الله، ولا فدية عليه، عمدًا كان أو سهوًا إجماعًا.(٢) أي بعد الأضحية، وقيل: وإن لم يضح، لقوله لمن لم يجد «ولكن تأخذ من شعرك، وتقلم أظفارك، وتقص شاربك» رواه أبو داود وغيره، وعنه: ليس بسنة، ولا مستحب مطلقا، اختاره الشيخ.стр. 1937
فصل (١)
(تسن العقيقة) أي الذبيحة عن المولود في حق أب (٢) ولو معسرًا ويقترض (٣) قال أحمد: العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ قد عقَّ عن الحسن والحسين (٤) وفعله أصحابه (٥) . الحواشي
(١) في العقيقة، وبيان مشروعيتها، -وهي في الأصل- صوف الجذع وشعر كل مولود من الناس والبهائم، الذي يولد وهو عليه، وقال الوزير: هي في اللغة أن يحلق عن الغلام أو الجارية شعرهما الذي ولدا به، ويقال لذلك عقيقة وإنما سميت الشاة عقيقة لأنها تذبح في اليوم السابع، وهو اليوم الذي يعق فيه شعر الغلام الذي ولد وهو عليه، أي يحلق.(٢) أي فلا يعق غيره إلا إن تعذر بموت أو امتناع، وقالوا: فلو تركها الأب لم يسن للمولود أن يعقَّ عن نفسه، سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، وبعد بلوغه فلا تسمى عقيقة، واستحب جمع أن يعق عن نفسه إذا بلغ، قال في الرعاية: تأسيا بالنبي ﷺ ولأنها مشروعة عنه، ومرتهن بها، فينبغي أن يشرع له فكاك نفسه، وقال الشيخ: يعق عن اليتيم كالأضحية وأولى، لأنه مرتهن بها.(٣) قال أحمد: إن استقرض رجوت أن يخلف الله عليه، أحيا سنة، وقال الشيخ: محله لمن له وفاء.(٤) رواه أبو داود وغيره.(٥) وكذا التابعون، وهو مذهب الشافعي، وقال مالك: وهو الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، وعن أحمد: واجبة: اختارها أبو بكر وغيره، وقال الحسن
عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته» وفي الصحيح «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى» وقال «كل غلام رهين بعقيقته» صححه الترمذي، وقال أحمد: مرتهن عن الشفاعة لوالديه، وقال ابن القيم: في حسن أخلاقه وسجاياه، إن عق عنه صار سببا في ذلك.
ودل الحديث على أنها لازمة لا بد منها، فإنه شبه لزومها بالرهن، فهي سنة مؤكدة، ولو بعد موت المولود، مشروعة في قول الجمهور، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، لأنها سنة، ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين، وفيها معنى القربان، والشكران، والصدقة والفداء، وإطعام الطعام عند السرور، فإذا شرع عند النكاح، فلأن يشرع عند الغاية المطلوبة، وهو وجود النسل أولى.стр. 1938
(عن الغلام شاتان) متقاربتان سنا وشبها (١) فإن عدم فواحدة (٢) . الحواشي
(١) وهذا مذهب الشافعي، وللنسائي: عق النبي ﷺ عن الحسن والحسين، كبشين كبشين، ولأبي داود وغيره، كبشًا كبشًا، ولكن تضمنت رواية النسائي الزيادة فكان أولى، إذ قد صح من قوله ﷺ كما يأتي، وحكي تواتره، وهو أعم، والله فضله على الأنثى، فتلحق العقيقة به، ويدل القول على الاستحباب، والفعل على الجواز، وتتفق السنة قال ابن القيم: والتفضيل تابع لشرف الذكر، وما ميزه الله به على الأنثى، ولما كانت النعمة به على الوالد أتم، والسرور والفرحة به أكمل، فكان الشكران عليه أكثر، فإنه كلما كثرت النعمة كان شكرها أكثر.(٢) أي فإن عدم الشاتين فشاة واحدة، أي لكل واحدة شاة، ولو ولدا في بطن، فلكل حكمه، قال ابن عبد البر: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافه، وتجزئ كما يأتي.стр. 1939
(وعن الجارية شاة) (١) لحديث أم كرز الكعبية، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة» (٢) .
(تذبح يوم سابعه) أي سابع المولود (٣) ويحلق فيه رأس ذكر (٤) ويتصدق بوزنه ورقا (٥) ويسمى فيه (٦) . الحواشي
(١) وفاقًا، قال ابن القيم: سنة عن الجارية، كما هي سنة عن الغلام، وهو قول جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم.(٢) رواه أحمد والترمذي وصححه، من حديث عائشة ولأنها على النصف من أحكام الذكر، و «متكافئتان» أي متساويتان سنا وشبها، وفي الشمائل: بأن تكون هذه نظيرة هذه، ولعله للتفاؤل بتناسب أخلاقه، فإنه يعجبه الفأل «وأم كرز» بضم الكاف، وسكون الراء بعدها زاي، المكية صحابية لها أحاديث.(٣) وفاقا، والتقييد بذلك استحباب، فلو ذبح في الثالث، أو التاسع، أو غيرها أجزأ، والحكمة والله أعلم أن الطفل حين يولد متردد فيه بين السلامة والعطب، إلى أن يأتي عليه ما يستدل به على سلامة بنيته وأقل مقداره أيام الأسبوع.(٤) أي في يوم سابعه استحباب وفاقا، قال ابن عبد البر: كانوا يستحبون ذلك، وقد ثبت أنه قال «ويحلق رأسه»(٥) أي فضة لقصة فاطمة وغيرها، وأما الأنثى فيكره.(٦) أي في اليوم السابع، وفي السنن وغيرها «يذبح عنه يوم سابعه ويسمى» وفي الشرح: وإن سماه قبله فحسن، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ دليل على جوازه يوم الولادة، وفي الصحيحين «ولد لي الليلة ولد، سميته باسم أبي إبراهيم
وفيهما عن أنس أنه ذهب بأخيه إليه ﷺ حين ولدته أمه، فحنكه وسماه عبد الله، وسمى المنذر، وسمى غيره، وقال لرجل «سم ابنك عبد الرحمن» وذلك يوم الولادة، وقال البيهقي: باب تسمية المولود يوم يولد اهـ وهو أصح من السابع، وحقيقة التسمية تعريف الشيء المسمى، فتعريف المولود يوم الولادة أولى، ويجوز إلى يوم العقيقة، وقبله وبعده.
قال ابن القيم: والأمر فيه واسع، والتسمية للأب، فلا يسمِّى غيره مع وجوده، والتسمية واجبة، وقال ابن حزم: اتفقوا على أن التسمية للرجال والنساء فرض» .стр. 1940
ويسن تحسين الاسم (١) ويحرم بنحو عبد الكعبة، وعبد النبي، وعبد المسيح (٢) ويكره بنحو حرب ويسار (٣) . الحواشي
(١) وفاقا لحديث «إنكم تدعون بأسمائكم، وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم» رواه أبو داود: أي تدعون على رءوس الأشهاد بالاسم الحسن، والوصف المناسب له، وكان ﷺ يحب الاسم الحسن، ولما جاء سهيل يوم الحديبية قال: «سهل أمركم» وفي تحسين الأسماء تنبيه على تحسين الأفعال.(٢) وعبد علي، وعبد الحسين، وعبد النور، وروى ابن أبي شيبة عن شريح ابن هانئ، أنه وفد على النبي ﷺ قوم، فسمعهم يسمون رجلا عبد الحجر، فقال: «إنما أنت عبد الله» وقال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب، لأنه إخبار، كبني عبد الدار، وعبد شمس، ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، ويحرم بنحو مالك الأملاك، ففي الصحيحين «إن أخنع اسم
عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله» وكذا قاضي القضاة وسيد الناس.(٣) كالعاص، وكلب، وشيطان، وعتلة، وحباب، وشهاب، وحنظلة، ومرة، وحزن، وحية، وثبت «أقبحها حرب ومرة» وكره ﷺ
مباشرة الاسم القبيح من الأشخاص والأماكن، وذلك لأنه لما كانت الأسماء قوالب للمعاني، ودالة عليه، فتضمنت الحكمة الإلهية أن يكون بينها ارتباطا وتناسبا، وأن لا تكون معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها، فإن حكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك، والواقع يشهد بخلافه، بل لها تأثير في المسميات وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن، والقبح، والخفة، والثقل، واللطافة، والكثافة.
وثبت «لا تسمين غلامك يسارا، ولا رباحا، ولا نجاحا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثمة هو. فلا يكون، فيقال: لا» أي فتوجب تطيرا تكرهه النفوس، ويصدها عما هي بصدده، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن يمنعهم من أسماء توجب لهم سماع المكروه أو وقوعه، وأن يعدل عنها إلى أسماء تحصل المقصود من غير مفسدة، أو لئلا يسمى يسارا من هو أعسر الناس، ونجيحًا من لا نجاح عنده، ورباحا من هو من الخاسرين، فيكون قد وقع في الكذب، أو يطالب بمقتضى اسمه فلا يوجد عنده، فيجعل سببا لذمه، أو يعتقد في نفسه أنه كذلك فيقع في تزكية نفسه وتعظيمها، فيكره بالتقيف، والمتقي والراضي، والمحسن، والمرشد، ونهى الشارع أن يسمى «برة»
ويكره أن يستعمل الاسم الشريف المصون، في حق من ليس كذلك، والمهين في حق من ليس من أهله، وإن لقب بما يصدقه فعله جاز، ويحرم ما لم يقع على مخرج صحيح، ولا يكره بأبي القاسم بعد موته ﷺ وقد وقع من الأعيان ولم ينكر، والجمع بين اسمه وكنيته ممنوع، جزم به في الغنية، ويجوز بأي فلان، وفلانة كبيرًا كان أو صغيرًا، إجماعًا، ويجوز التصغير مع عدم الأذى.
وقال أبو جعفر النحاس: لا نعلم بين العلماء خلافا أنه لا ينبغي أن يقول أحد
لأحد من المخلوقين: مولاي، ولا يقول: عبدك ولا عبدي، وإن كان مملوكا، ولمسلم «لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله وإماؤه، ولا ربي ومولاي، فإن مولاكم الله» وقد حظر ذلك النبي ﷺ على المملوكين، فيكف بالأحرار، ومنهم من كره أن يقال: يا سيدي. أدبًا مع الله ، وأجازه بعضهم لغير منافق للخبر، وينبغي أن لا يرضى المخاطب بذلك، وأن ينكره، كما فعل رسول الله ﷺ فقال: «السيد الله ﵎» الذي يستحق السيادة، وأحب التواضع.стр. 1941
وأحب الأسماء عبد الله وعبد الرحمن (١) . الحواشي
(١) لحديث «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن» رواه مسلم وغيره، وقال «يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسمكم، واسم أبيكم» لتعبيدهم لله، وقال ابن حزم: اتفقوا على استحسان الأسماء المضافة إلى الله تعالى، قال ابن القيم: ولما كان الاسم مقتضيًا لمسماه، ومؤثرا فيه، كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه، كعبد الله، ضد ملك الأملاك ونحوه، فإن ذلك ليس لأحد سوى الله، فتمسيته بذلك من أبطل الباطل، ويليه قاضي القضاة وسيد الناس، ولأبي داود «تسموا بأسماء الأنبياء» لأن الاسم يذكر بمسماه ويقتضي التعلق بمعناه.
ويسن الأذان في يمنى أذني المولود، والإقامة في اليسرى، لحديث «من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، لم تضره أم الصبيان» أي التابعة من الجن، رواه البيهقي وغيره، وأذن ﵊ في أذن الحسين، حين ولدته فاطمة صححه الترمذي، وليكن التوحيد أول شيء يقرع سمعه حين خروجه إلى الدنيا، كما يلقن عند خروجه منها، ولما فيه من طرد الشيطان، فإنه ينفر عن سماع الأذان، ويسن تحنيكه، لما في الصحيحين من حديث أبي موسى، وأنس: وحنكه بتمرة زاد البخاري: ودعا له.
ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي من حرد، وغضب ولجاجة، وعجلة، وخفة مع هواه، وطيش، وحدة وجشع، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة له، فلو تحرز منها غاية التحرز فضحته، ولا بد يوما ما يعاودها، ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم، وذلك من التربية التي نشئوا عليها، وكذلك يجب أن يجتنب الصبي إذا عقل مجالس الباطل واللهو، فإنه إذا علق سمعه عسر عليه مفارقته في الكبر وعزَّ على وليه استنقاذه منها، وتغيير العوائد من أصعب الأمور، يحتاج صاحبها إلى استحداث طبيعة ثانية، والخروج عن حكم الطبع عسر جدًّا.стр. 1942
(فإن فات) الذبح يوم السابع (ففي أربعة عشر (١) فإن فات ففي إحدى وعشرين) من ولادته، روي عن عائشة (٢) ولا تعتبر الأسابيع بعد ذلك (٣) فيعق في أي يوم أراد (٤) . الحواشي
(١) ليأتي عليه أسبوع ثان، وهو مذهب الجمهور.(٢) ﵂، قال الميموني: قلت لأبي عبد الله: متى يعق عنه؟ قال: أما عائشة فتقول: سبعة أيام، وأربع عشرة، وإحدى وعشرين، وقال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم، يستحبون أن يذبح عن الغلام العقيقة يوم السابع، فإن لم يتهيأ يوم السابع فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ عق عنه يوم إحدى وعشرين.(٣) أي بعد الأيام التي ذكرها ولا آخر لوقتها.(٤) ولو بعد بلوغ ولده، لأنه قضاء، فلا يتوقف على وقت معين، وإن اتفق وقت عقيقة وأضحية فعق أو ضحى أجزأ عن الآخر، كما لو ولد له أولاد في يوم أجزأت عقيقة واحدة، أو ذبح أضحية يوم النحر وأقام سنة الوليمة في
عرسه أجزأت، لحصول المقصود، كالجمعة والعيد إذا اجتمعا، وصوبه في تصحيح الفروع، قال أحمد: أرجو أن تجزئ الأضحية عن العقيقة لمن لم يعق، وكر أنه قال به غير واحد من التابعين، وقال ابن القيم: ووجه الإجزاء حصول المقصود منها بذبح واحد.
والأضحية عن المولود مشروعة كالعقيقة عنه، فإذا ضحى ونوى أن تكون عقيقة وأضحية واقع عنهما، كما لو صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة المكتوبة، أو صلى بعد الطواف فرضًا أو سنة وقع عن ركعتي الطواف، وكذا لو ذبح المتمتع والقارن شاة يوم النحر أجزأت عن دم المتعة والأضحية وصرح به شيخ الإسلام.стр. 1943
(تنزع جدولاً) جمع جدل بالدال المهملة أي أعضاء (١) (ولا يكسر عظمها) تفاؤلا بالسلامة (٢) كذلك قالت عائشة ﵂ (٣) وطبخها أفضل (٤) ويكون منه بحلو (٥) (وحكمها) أي حكم العقيقة فيما يجزئ ويستحب ويكره (٦) . الحواشي
(١) كاليد وحدها، أو الرجل وحدها، ونحو ذلك.(٢) قاله الوزير وغيره، وقال مالك: ليس فعل ذلك بمستحب ولا بممنوع، ولا بأس به، وقال الزرقاني: لا يلتفت إلى قول من يقول: فائدته التفاؤل بسلامة الصبي وبقائه، إنه لا أصل له من الكتاب، ولا سنة، ولا عمل.(٣) تطبخ جدولا لا يكسر لها عظم.(٤) نص عليه للخبر.(٥) تفاؤلا بحلاوة أخلاقه، ويستحب أن تعطى القابلة فخذ العقيقة.(٦) أي حكم العقيقة كالأضحية فيما يجزئ من إبل وبقر وغنم وفيما
يستحب، كالسلامة من كل عيب مما مر ونحوه، وكاستسمان، واختيار الأفضل، وفيما يكره، كمعيبة الأذن والألية، ونحو شق أو قطع.стр. 1944
والأكل، والهدية، والصدقة (كالأضحية) (١) لكن يباع جلد ورأس وسواقط، ويتصدق بثمنه (٢) (إلا أنه لا يجزئ فيها) أي في العقيقة (شرك في دم) فلا تجزئ بدنة ولا بقرة إلا كاملة (٣) قال في النهاية: وأفضلها شاة (٤) (ولا تسن الفرعة) بفتح الفاء والراء: نحر أول ولد الناقة (٥) . الحواشي
(١) وفاقا لأنها نسيكة مشروعة، أشبهت الأضحية، بل بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين، وفداء يفديه عند ولادته بذبح يذبح عنه، كما فدى الخليل، وصار سنة بعده، ونفس الذبح، وإراقة الدم عبادة مقرونة بالصلاة، فأما الأكل فقال أحمد: يأكل ويطعم جيرانه، لكن لا يعتبر فيها تمليك بخلاف هدي وأضحية.(٢) استدراك من قوله: وحكمها إلخ، يفيد جواز بيع ما ذكر من العقيقة دون الأضحية، لأن الأضحية أدخل منها في التعبد، وهذا عند بعض أهل العلم، ولم يرد عن السلف بيع ما ذكر منها بخصوصها.(٣) نص عليه، لكونها فدية عن النفس، فلا تقبل التشريك ولم يرد الاجتزاء فيها بشرك، ولم يفعله ﷺ ولا أصحابه، ولا التابعون.(٤) يعني أن الشاة أفضل من البدنة والبقرة، لأنه لم يرد أنه عق بهما، ويقول: «باسم الله والله أكبر، اللهم لك وإليك» ، هذه عقيقة فلان، لحديث عائشة رواه ابن المنذر وحسنه.(٥) كانوا يذبحونه في الجاهلية لآلهتهم، رجاء البركة في نسلها، ويأكلون لحمه، ويلقون جلده على شجرة.стр. 1945
(ولا) تسن (العتيرة) أيضا وهي ذبيحة رجب (١) لحديث أبي هريرة مرفوعًا «لا فرع ولا عتيرة» متفق عليه (٢) ولا يكرهان (٣) والمراد بالخبر نفي كونهما سنة (٤) . الحواشي
(١) بوزن عظيمة، كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب، ويسمونها الرجبية، ومنهم من ينذرها، تذبح للصنم، فيصب دمها على رأسه، وجعلوا ذلك في رجب سنة فيما بينهم، كالأضحية في الأضحى.(٢) قال ابن المنذر: فانتهى الناس عنهما لنهيه إياهم عنهما، ومعلوم بأن لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم يقول: نهى عنهما ثم أذن فيهما، ولأنهما من أعمال الجاهلية، وفي الحديث: «من تشبه بقوم فهو منهم» وشرع الله الأضحية بدل ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من الفرع والعتير، وورد في المسند وغيره «من شاء أفرع ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر، وفي الغنم أضحية» وجاء في السنن ما يدل على إباحتها إذا كانت على غير الوجه الذي كانت عليه في الجاهلية، بإدخالها في عموم الصدقة، وهذا ولا شك مع إجماع عوام علماء الأمصار على عدم استعمالهم ذلك، وقوف عن الأمر بهما، مع ثبوت النهي عن ذلك.(٣) أي الفرعة والعتيرة عند جمهور العلماء، إذا لم يكن على وجه التشبه، بما كان عليه أهل الجاهلية، لأخبار النهي عن التشبه بهم، وللطبراني من حديث أبي «أعقر كعقر الجاهلية» .(٤) أي بقوله «لا فرع ولا عتيرة» وفي رواية (في الإسلام) فلو ذبح شاة في رجب على وجه الصدقة، من غير تشبه بالجاهلية، أو ذبح ولد الناقة لحاجة إلى ذلك، أو للصدقة به وإطعامه، لم يكن ذلك مكروهًا.стр. 1946
كتاب الجهاد (١)
مصدر: جاهد، أي بالغ في قتال عدوه (٢) وشرعا: قتال الكفار (٣) . الحواشي
(١) ختم به العبادات لأنه أفضل تطوع البدن، ولا يخفى أن له مناسبة خاصة بالعبادات، وعده بعضهم ركنًا سادسًا لدين الإسلام، فلذا أوردوه بعد أركان الإسلام الخمسة، وإن كان أتبعه بعض المصنفين بالحدود لإخلاء العالم من الفساد، وقال الوزير: وحيث أن الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج تحتاج إلى طمأنينة وظهور يد لإقامة ذلك، والمدافعة لمن نهى عنه من المشركين، كان الجهاد لازما فتعين ذكر علمه عقبه، وهو مشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ وفعله ﷺ وأمر به، وقال «من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق» .(٢) فهو لغة: بذل الطاقة والوسع، وغلب في عرفهم على جهاد الكفار، وهو دعوتهم إلى الدين الحق، وقتالهم إن لم يقبلوا.(٣) خاصة، بخلاف المسلمين من البغاة، وقطاع الطريق، وغيرهم، فبينه وبين القتال عموم مطلق، ويأتي حكم قتال البغاة وغيرهم، وجنس الجهاد كما قال ابن القيم وغيره، فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع، وقال الحافظ: الجهاد شرعا، بذلك الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس، والشيطان، والفساق، فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان، فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه
من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد، والمال، واللسان، والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد، ثم اللسان، ثم القلب.стр. 1947
(وهو فرض كفاية) (١) إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس (٢) وإلا أثم الكل (٣) ويسن بتأكد مع قيام من يكفي به (٤) . الحواشي
(١) إجماعا لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ مالم يحضر العدو فيتعين على كل أحد، وفرض الكفاية ما قصد حصوله من غير شخص معين، فإن لم يوجد إلا واحد تعين عليه، ومعنى الكفاية هنا: نهوض قوم يكفون في قتالهم جندا، كان لهم دواوين أو أعدوا أنفسهم له تبرعًا، بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة به، ويكون بالثغور من يدفع العدو عن أهلها.(٢) أي سقط فرض الجهاد عن باقي الناس الذين لا يقومون به لقوله ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ولأنه ﷺ كان يبعث السرايا، ويقيم هو وأصحابه، ولم يخرج قط للغزو إلا ترك بعض الناس، فاقتضى كونه فرض كفاية، إذا قام به البعض يكون سنة في حق الباقين، وإذا فعله الجميع كان كله فرضا، قال الشيخ: لعله إذا فعلوه جميعًا، فإنه لا خلاف فيه.(٣) أي وإن لم يقم بجهاد الكفار أحد من المسلمين أثم كل المسلمين بتركه.(٤) باتفاق الأئمة، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه يجب على أهل الثغر أن يقاتلوا من يليهم من الكفار، فإن عجزوا ساعدهم من يليهم، ويكون ذلك على الأقرب فالأقرب ممن يلي ذلك الثغر، وصار فرض عين إن لم يكن عذر، والأمر في ذلك مبني على غلبة الظن أن الغير يقوم به.стр. 1948
الحواشي
(١) قال أحمد: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد، وقال الشيخ: اتفق العلماء فيما أعلمه أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد، وفي الصحيحين «لغدوة في سبيل الله أو روحة، خير من الدنيا وما فيها» وفيهما «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد، وقيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» والأحاديث متظاهرة بذلك.
وهو سنام العبادة، وذروة الإسلام، وهو المحك، والدليل المفرق بين المحب والمدعي، فمن صدق المحب بذل مهجته وماله لربه، حتى يود لو أن له بكل شعرة نفسًا بذلها في مرضاته، ويود أن لو قتل ثم أحيى، ثم قتل ثم أحيي، قد سلم نفسه لمشتريها، وعلم أن لا سبيل إلى أخذ تلك السلعة الغالية إلا ببذل ثمنها ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ الآية، ففيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، وفيه إحدى الحسنين، إما النصر والظفر، وما الشهادة والجنة.
وفضله عظيم، كيف وحاصله بذل أعز المحبوبات، وإدخال أعظم المشقات على النفس، ابتغاء مرضاة الله، وتقربا إليه، ونفعه يعم المسلمين كلهم، وغيره لا يساويه في نفعه وخطره، فلا يساويه في فضله، والشهادة فيه تكفر الذنوب غير الدين، لقوله ﷺ للذي سأله: أيكفر الله عني خطاياي إن مت صابرا محتبسا في سبيل الله؟ قال: «نعم إلا الدين» .
وقال الآجري: هذا إنما هو لمن تهاون في قضاء دينه، أما من استدان دينا وأنفقه في واجب عليه، أو في مشروع، من غير سرف ولا تبذير، ثم لم يمكنه قضاؤه بعد ذلك، فإن الله يقضيه عنه، مات أو قتل، قال الشيخ: وغير مظالم العباد
كقتل، وظلم، وزكاة، وحج، وغيرها، ولا يسقط حق الآدمي من دم، أو مال، أو عرض، بالحج إجماعًا، ولا بالجهاد.стр. 1949
ثم النفقة فيه (١) (ويجب) الجهاد (٢) . الحواشي
(١) أي في الجهاد، وفي الاختيارات، من عجز عنه ببدنه، وقدر عليه بماله، وجب عليه الجهاد بماله، نص عليه وقطع به القاضي في أحكام القرآن، عند قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله، وعلى هذا فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل، وكذلك في أموال الصغار إذا احتيج إليها، كما تجب النفقات والزكاة.
قال الشيخ: سئلت عمن عليه دين وله ما يوفيه، وقد تعين الجهاد؟ فقلت: من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين، كنفقة النفس، والزوجة، والولد الفقير، ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه، كالعبادات من الحج والكفارات، ومنها ما يقدم عليه إلا إذا طولب به، كصدقة الفطر، فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو، أو حضر الصف، قدم على وفاء الدين، كالنفقة وأولى، وإن كان استنفار الإمام، فقضاء الدين أولى، إذ الإمام لا ينبغي له استنفار المدين مع الاستغناء عنه، ولذلك قلت: لو ضاق المال عن إطعام جياع، والجهاد الذي يتضرر بتركه، قدمنا الجهاد، وإن مات الجياع، وقلت أيضا: إذا كان الغرماء يجاهدون بالمال الذي يستوفونه، فالواجب وفاؤهم، لتحصيل المصلحتين، الوفاء والجهاد، ونصوص أحمد توافق ما كتبته.(٢) أي عينا على ذكر، مسلم، حر، مكلف، صحيح، ولو أعشى أو أعور، واجد -بملك، أو بذل إمام- ما يكفيه وأهله في غيبته، ومع مسافة قصر ما يحمله بلا خلاف، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ
مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ لأن هذه الأعذار تمنع من الجهاد، ولا يجب على أنثى بلا نزاع، ويلزم العاجز ببدنه في ماله، اختاره الشيخ وغيره.стр. 1950
(إذا حضره) أي حضر صف القتال (أو حضر بلده عدو) (١) أو احتيج إليه (٢) (أو استنفره الإمام) حيث لا عذر له (٣) . الحواشي
(١) أي يجب عليه الجهاد عينًا إن لم يكن عذر بلا نزاع، وإن كانت المقاتلة أقل من النصف، فإنهم لو انصرفوا استولوا على الحريم، وهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال، قال الشيخ: جهاد الدفع للكفار متعين على كل أحد.
وقال: إذا هجم العدو، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة، واجب إجماعا وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا، وهو خير مما في المختصرات، لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية أولا؟(٢) أي في القتال والمدافعة، تعين عليه ولو بعد، إن لم يكن عذر، لدعاء الحاجة إليه، وقتال الدفع، مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به، لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين، فهنا يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا.(٣) أي طلبه الإمام أو نائبه للخروج للقتال تعين عليه، ولم يجز لأحد أن يتخلف إلا من يحتاج إليه لحفظ أهل أو مال ونحو ذلك، بلا نزاع، وذكر الشيخ حديث عبادة «على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، وأثره عليه» ، قال: فأوجب الطاعة التي عمادها الاستنفار في العسر واليسر، وهذا نص في وجوبه مع الإعسار، بخلاف الحج، وهذا في قتال الطلب، وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا
فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب من دفعه بعد الإيمان فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان.стр. 1951
لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (١) وقوله: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ (٢) وإذا نودي: الصلاة جامعة (٣) لحادثة يشاور فيها، لم يتأخر أحدٌ بلا عذر (٤) . الحواشي
(١) أي ( ﴿إِذَا لَقِيتُمْ﴾ ) أيها المسلمون ﴿فئة﴾ أي جماعة كافرة ﴿فَاثْبُتُوا﴾ لقتالهم ووطنوا أنفسكم للقائهم، ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ أي ادعوه بالنصر والظفر بهم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي كونوا على رجاء الفلاح ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني في أمر الجهاد والثبات ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ أي لا تختلفوا ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ تجبنوا وتضعفوا ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ جرأتكم وجدكم وحدتكم ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *﴾ وهذه تعليم من الله لعباده آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة العدو.(٢) ﴿انْفِرُوا﴾ أي اخرجوا ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لجهاد عدوكم ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ أي تثاقلتم، وتباطأتم، وتكاسلتم، وملتم (إِلَى) المقام في ﴿الأَرْضِ﴾ في الدعة والخفض وطيب الثمار، وكانت في غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ *﴾ كزاد الراكب، ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، فهو في سبيل الله، ويجب النفير مع كل أمير، برا كان أو فاجرا بلا نزاع، بشرط أن يحفظ المسلمين.(٣) بنصبهما على الإغراء والحال، ويرفعهما مبتدأ وخبر، أي قيل في الجيش: الصلاة جامعة.(٤) لوجوب الجهاد بغاية ما يمكن من بدن، ورأي، وتدبير لا سيَّما العرفاء، ورجال النجدة والرأي، قال الشيخ: الجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو
بالدعوة، والحجة، واللسان، والرأي، والتدبير، والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه
ويجب على القعدة لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم ومالهم، قال: ولا غنى لولي الأمر من المشاورة فقد أمر بها تعالى فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ وقال قتادة: ما شاور قوم قط يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى رشدهم، وما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وتثبت في أمره، ولم يكن أحد أكثر مشاورة من رسول الله ﷺ .
وقد قيل: إن الله أمر بها لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وإذا استشارهم فبين له ما يجب اتباعه من الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيما في الدين والدنيا، وإن كان أمرا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يكون مستخرج رأيه ووجهه ما كان أشبه بكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، ومتى أمكن معرفة ما دل عليه كان هو الواجب، فإن لم يمكن لضيق الوقت، أو عجزا لطالب أو تكافئ الأدلة عنده، فله أن يقلد من يرتضي عمله ودينه، هذا أقوى الأقوال.стр. 1952
(وتمام الرباط أربعون يومًا) (١) لقوله ﵇ «تمام الرباط أربعون يوما» (٢) . الحواشي
(١) أي كماله المستحق عليه الأجر الجزيل، وإلا فيؤجر على ما دون الأربعين كما سيأتي، والرباط من توابع الجهاد في سبيل الله، ولزوم الثغور من أفضل الأعمال.(٢) وعن أبي هريرة مرفوعًا، «من رابط أربعين يوما فقد استكمل الرباط» رواه سعيد، ونص عليه أحمد، وجزم به غير واحد، وفي السنن «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» ولمسلم «رباط يوم وليلة» وفي لفظ: «ليلة» خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات أجري عليه عمله ورزقه، وأمن من الفتان، وفي الصحيح «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» .
وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود، وفضائل الرباط في سبيل الله كثيرة، وتظاهرت الأحاديث بالترغيب فيه، وكثرة الثواب، وهو أفضل من المجاورة بمكة، حكاه الشيخ إجماعًا، وقال: المقام في ثغور المسلمين أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة، بلا نزاع، لأن الرباط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ وكذا الحرس في سبيل الله، ثوابه عظيم للأخبار ولعظيم نفعه.стр. 1953
رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب (١) والرباط لزوم ثغر (٢) لجهاد مقويا للمسلمين (٣) وأقله ساعة (٤) وأفضله بأشد الثغور خوفا (٥) وكره نقل أهله إلى مخوف (٦) . الحواشي
(١) أبو الشيخ هو الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حبان الأصبهاني.(٢) وفي النهاية: الرباط في الأصل: الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها. اهـ والثغر كل مكان يخيف أهله والعدو أو يخيفهم وسمي المقام بالثغر رباطا، لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون خيولهم.(٣) فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط، والأعمال بالنيات.(٤) أي أقل ما يقع عليه اسم الرباط ساعة، قال أحمد: يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط، والأجر بحسب ذلك.(٥) لأنه مقامه به أنفع، وأهله به أحوج.(٦) أي نقل ذريته ونسائه إلى ثغر مخوف، مخافة الظفر بهم، وإلا فلا يكره، كأهل الثغر به بأهليهم، وإن كان مخوفًا، لأنه لا بد لهم من السكنى بهم، وإلا لخربت الثغور، وتعطلت ويجب على عاجز عن إظهار دينه، بمحل يغلب فيه حكم الكفر أو البدع المضلة، الهجرة، إحرازا لدينه وقال الوزير وغيره
اتفقوا على وجوب الهجرة عن ديار الكفر لمن قدر على ذلك، وسن لقادر على إظهار دينه بنحو دار كفر، ولا تجب من بين أهل المعاصي لقوله ﷺ «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» الحديث.
والهجرة الخروج من تلك الدار إلى دار الإسلام، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، متوعد من تركها، بل فرضها الله على رسوله قبل فرض الصوم والحج، قال الشيخ: لا يسلم أحد من الشرك إلا بالمباينة لأهله لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي في أي فريق كنتم، في فريق المسلمين، أو فريق المشركين؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ الآيات، وقال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ*﴾ والمهاجرة مصادمة الغير، ومقاطعته ومباعدته، ولأبي داود وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» .стр. 1954
(وإذا كان أبواه مسلمين) حرين أو أحدهما كذلك (١) (لم يجاهد تطوعًا إلا بإذنهما) (٢) لقوله ﵇ «ففيهما فجاهد» صححه الترمذي (٣) . الحواشي
(١) أي مسلم حر عاقل.(٢) قال الوزير وابن رشد وغيرهما: باتفاق العلماء، إلا أن يكون عليه فرض عين، مثل أن لا يكون هناك من يقوم بالفرض إلا بقيام الجميع به.(٣) وروي البخاري معناه من حديث ابن عمر، ولأبي داود من حديث أبي سعيد «إن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما» يعني بطاعتهما بعدم الخروج في الجهاد، وذلك لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية، وجمهور العلماء أنه يحرم إذا منعاه أو أحدهما يشرط كونهما مسلمين حرين، قال الوزير: ولا تصح الاستنابة في الجهاد بجعل، ولا بتبرع، ولا بأجرة عند أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، سواء تعين المستنيب، أو لم يتعين.стр. 1955
ولا يعتبر إذنهما لواجب (١) ولا إذن جد وجدة (٢) وكذا لا يتطوع به مدين آدمي (٣) لا وفاء له (٤) إلا مع إذن (٥) أو رهن محرز (٦) أو كفيل مليءٍ (٧) .
(ويتفقد الإمام) وجوبا (جيشه عند المسير) (٨) . الحواشي
(١) كما إذا استنفره الإمام، أو حصر العدو البلد، وإن استويا فمصلحة الجهاد أعم، إذ هي لحفظ الدين، والدفاع عن المسلمين.(٢) لظاهر الأخبار، ولا للكافرين، لفعل الصحابة، ولا لرقيقين لعدم الولاية، ولا لمجنونين لأنه لا حكم لقولهما.(٣) بالإضافة احترازا ممن عليه دين لله، كحج وزكاة.(٤) بالاتفاق، لقوله ﷺ ، وقد سأله رجل: أيكفر الله عني خطاياي إن مت صابرا محتبسا في سبيل الله؟ قال: «نعم إلا الدين، كذلك قال لي جبرئيل آنفا» والجمهور على الجواز إذا خلف وفاء، كما لو كان الدين لله.(٥) أي إذن رب الدين، فيجوز لرضاه.(٦) أي يمكن وفاء منه، لقصة عبد الله بن حرام، وعدم ضياع حق الغريم.(٧) أي بالدين، أو وكيل يقضيه متبرعا فيجوز، لأنه لا ضرر على رب الدين، فإن تعين عليه الجهاد فلا إذن لغريمه، لتعلق الجهاد بعينه، فيقدم على ما في ذمته، كسائر فروض الأعيان.(٨) فيعرض جيشه، ويتعاهد الخيل والرجال، ويلزم كل أحد من إمام ورعية
إخلاص النية لله تعالى في الطاعات كلها، من جهاد وغيره، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، ويلزم كل أحد بذل وسعه في ذلك، ويستحب أن يدعو سرا بحضور قلب، وكان ﷺ إذا غزا قال: «اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل» رواه أبو داود.стр. 1956
ويمنع) من لا يصلح لحرب من رجال وخيل (١) كـ (المخذل) الذي يفند الناس عن القتال، ويزهدهم فيه (٢) .
(والمرجف) كالذي يقول: هلكت سرية المسلمين (٣)
ومالهم مدد أو طاقة (٤) وكذا من يكاتب بأخبارنا (٥) أو يرمي بيننا بفتن (٦) . الحواشي
(١) كفرس حطيم، وشيخ هرم، ونحو ذلك، لكونه كلاًّ على الجيش، ومضيقًا عليهم، وربما كان سببًا للهزيمة.(٢) كالقائل: الحر شديد، أو البرد شديد، والمشقة شديدة، أو لا تؤمن هزيمة الجيش، فلا يصحبهم ولو لضرورة، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ .(٣) وتشتت أمرهم، وضعفوا.(٤) أي بالكفار، ونحو ذلك، ويحدث بقوة الكفار، وكثرتهم، وضعفنا وقلتنا، وغير ذلك، مما يوهن عزائم الجيش، ويفت في أعضادهم.(٥) أي ويمنع أيضا من يكاتب بأخبارنا ويفشي أسرارنا.(٦) ومعروف بنفاق وزندقة، ويمنع صبي لم يشتد، ونساء إلا لمصلحة.
ولا يغزى مع مخذل ومرجف، ومعروف بهزيمة، أو تضييع المسلمين، ويمنع جيشه من المعاصي والفساد، ويقدم الأقوى، لحديث «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» ويحرم أن يستعين بمشرك، اختاره الشيخ وغيره، وقال غير واحد: لا تختلف الرواية أنه لا يستعان بهم، لقوله «ارجع فلن أستعين بمشرك» رواه مسلم، ولأن الكافر لا يؤمن مكره وغائلته، لخبث طويته إلا لضرورة، لما روى الزهري أنه ﷺ استعان بناس من المشركين في حرب خيبر، وشهد صفوان حنينًا.
والضرورة مثل كون الكفار أكثر عددًا أو يخاف منهم، وإن جوز اشترط أن يكون حسن الرأي في المسلمين، قال الشيخ: وتحرم الاستعانة بأهل الأهواء في شيء من أمور المسلمين، لأن فيه أعظم الضرر، ولأنهم دعاة بخلاف اليهود والنصارى، ويحرم أن يعينهم المسلمون على عدوهم إلا خوفا من شرهم، لقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.стр. 1957
ويعرف الأمير عليهم العرفاء (١) ويعقد لهم الألوية والرايات (٢) . الحواشي
(١) جمع عريف وهو القائم بأمر القبيلة أو الجماعة من الناس، كالمقدم عليهم ينظر في حالهم ويتفقدهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم، لأنه ﷺ جعل على كل عشرة عريفًا يوم خيبر، و «يعرف» بضم المثناة التحتية مضارع «عرف» المشدد ويؤمر في كل ناحية أميرًا يقلده أمر الحرب، وتدبير الجهاد، ويكون من له رأي، وعقل، وخبرة بالحرب ومكائد العدو، مع أمانة، ورفق بالمسلمين، ونصح لهم، ومدار القتال على قوة البدن وصنعته للقتال، وعلى قوة القلب وخبرته به.(٢) اللواء هو العلم الذي يحمل في الحرب، يعرف به موضع صاحب الجيش، والراية بمعنى اللواء، وصرح جماعة بترادفهما، لكن روى أحمد والترمذي عن ابن عباس: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض
وينبغي أن يغاير بين ألوانها ليعرف كل قوم رايتهم، ويجعل لكل طائفة شعارًا يتداعون به عند الحرب، قال سلمة: تمرونا مع أبي بكر، وشعارنا: أمت أمت.стр. 1958
ويتخير لهم المنازل (١) ويحفظ مكامنها (٢) ويبعث العيون، ليتعرف حال العدو (٣) (وله أن ينفل) أي يعطي زيادة على السهم (٤) . الحواشي
(١) أي أصلحها لهم كالخصبة، وأكثرها ماءً ومرعى.(٢) جمع مكمن وهو المكان الذي يختفي فيه العدو، ليأمنوا هجوم العدو عليهم، ولا يغفل الحرس والطلائع، لئلا يأخذهم العدو بغتة.(٣) ويتجسسون أخباره، ويكونون ممن لهم خبرة بالفجاج، لأنه ﷺ بعث الزبير يوم الأحزاب، وحذيفة أيضا وغيرهما، وينبغي أن يبتدئ الإمام بترتيب قوم في أطراف البلاد، يكفون من بإزائهم، من المشركين، ويأمر بعمر حصونهم، وحفر خنادقهم، وجميع مصالحهم، لأن أهم الأمور الأمن، ويجوز أن يجعل مالا لمن يعمل ما فيه غناء، أو يدل على طريق، أو قلعة أو ماء ونحوه، وبلا شرط، ويعد الصابر في القتال بأجر ونفل، ويف الجيش، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ *﴾ .
ولأن فيه ربط الجيش بعضه ببعض، ويجعل في كل جنبة كفوا، فقد جعل ﷺ خالدا عن إحدى الجنبتين، والزبير على الأخرى، وأبا عبيدة على الساقة، ولأنه أحوط في الحرب، وأبلغ في إرهاب العدو.(٤) أي المستحق مع سائر الجيوش، لعنايته، وقتاله، وغير ذلك، مأخوذ من النفل وهو الزيادة، ومنه نفل الصلاة، وجمهور العلماء على جوازه قال:
الشيخ: وعلى القول الصحيح أن يقول: من أخذ شيئا فهو له، كما روي عن النبي ﷺ وكما قال ذلك في غزوة بدر، لمصلحة راجحة على المفسدة، وكل ما دل على الإذن كهو، وأما إذا لم يأذن، أو أذن إذنا غير جائر، فللإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة، متحريا للعدل في ذلك.
ومن حرم على المسلمين جميع الغنائم، والحالة هذه، أو أباح للإمام أن يفعل فيها ما يشاء، فقد تقابل الطرفان، ودين الله وسط، واستمر فعله ﷺ والخلفاء بعده على قسمة الغنائم، والإذن قد يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال، وظفر العدو بهم، ولأن الغزاة إذا اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية فقسمتها بينهم هي العدل والإنصاف.стр. 1959
(في بدايته) أي عند دخوله أرض العدو (١) ويبعث سرية تغير، ويجعل لها (الربع) فأقل (بعد الخمس (٢) وفي الرجعة) أي إذا رجع من أرض العدو (٣) وبعث سرية (٤) ويجعل لها (الثلث) فأقل (بعده) أي بعد الخمس (٥) . الحواشي
(١) وذلك أنه إذا دخل أمير دار حرب، بعث سرية تغير وإذا رجع بعث سرية أخرى، فما أتت به أخرج خمسه، وأعطى السرية ما وجب لها، وقسم الباقي في الكل.(٢) مما غنموا، ويقسم الباقي في الجيش كله، للخبر الآتي.(٣) الثلث مما غنموا بعد الخمس، إذا أوقعوا بالعدو مرة ثانية، وزيد في الرجعة على البدأة لمشقة الرجعة، لأجل ما لحق الجيش من الكلال، وعدم الرغبة في القتال.(٤) بعد القفول تغير على العدو.(٥) وهذا مذهب جمهور أهل العلم.стр. 1960
ويقسم الباقي في الجيش كله (١) لحديث حبيب بن مسلمة: شهدت رسول الله ﷺ «نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة» رواه أبو داود (٢) (ويلزم الجيش طاعته) (٣) والنصح (والصبر معه) (٤) . الحواشي
(١) أي يقسم ما بقي بعد الخمس والتنفيل في الجيش كله، ومنهم السرية
المنفلة.(٢) وغيره، ورواه ابن ماجه بمعناه وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا نحوه رواه الترمذي وغيره.
وقال شيخ الإسلام: كان ﷺ ينفل السرية الربع، وإذا رجعوا الثلث بعد الخمس، وقال: ويجوز أن ينفل السرية من أربعة الأخماس، وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض، ويأتي حديث ابن عمر وأنه ﷺ كان ينفل بعض السرايا، قال: ويجوز أن ينفل من ظهر منه زيادة نكاية، كسرية تسري من الجيش، أو رجل صعد على حصن ففتحه، أو حمل على مقدم العدو فقتله، ونحو ذلك، فإن النبي ﷺ وخلفاءه يفعلون ذلك.(٣) أي طاعة ولي أمرهم، والطاعة والانقياد، وهو امتثال أمره، ما لم يأمر
بمعصية.(٤) في اللقاء، وأرض العدو لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا التقى الزحفان، وجب على المسلمين الحاضرين الثبات، وحرم عليهم الانصراف والفرار، إذ قد تعين عليهم إلا أن يكون متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة، أو يكون الواحد مع ثلاثة، أو المائة مع ثلاثمائة.
وقال ابن رشد: لا يجوز الفرار عن الضعف إجماعًا لقوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وذهب مالك إلى أن الضعف إنما يعتبر في القوة،
لا في العدد، وأنه يجوز أن يفر الواحد عن واحد، إذا كان أعتق جوادًا منه، وأجود سلاحًا وأشد قوة، وهو مع ظن تلف أولى من الثبات، ويسن الثبات مع عدم ظن التلف، والقتال مع ظنه، فهما أولى من الفرار، وكذا قال الشيخ وغيره.
وقال الشيخ: لا يخلو إما أن يكون قتال دفع أو طلب، فالأول بأن يكون العدو كثيرا لا يطيقهم المسلمون، ويخافون إن انصرفوا عنهم عطفوا على من تخلف من المسلمين، فهنا صرح الأصحاب بوجوب بذل مهجهم في الدفع حتى يسلموا، ومثله لو هجم عدو على بلاد المسلمين، والمقاتلة أقل من النصف، لكن إن انصرفوا استولوا على الحريم، والثاني لا يخلو إما أن يكون بعد المصافة، أو قبلها فقبلها وبعدها حين الشروع في القتال لا يجوز الإدبار مطلقا، إلا لمتحرف أو متحيز وقال: يسن انغماسه في العدو لمنفعة المسلمين، وإلا
نهي عنه، وهو من الهلكة وإن ألقي في مركبهم نار فعلوا ما يرون السلامة فيه بلا نزاع.стр. 1961
لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) . الحواشي
(١) أي وأطيعوا أولي الأمر منكم، وهم أمراء المسلمين، في عهده ﷺ وبعده، ولقوله ﷺ «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» رواه النسائي، ولا نزاع في وجوب طاعته ما لم يأمر بمعصية، ولا نزاع في وجوب الغزو معه، برًّا كان أو فاجرًا، لحديث أبي هريرة مرفوعًا «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برًّا كان أو فاجرًا» رواه أبو داود، وفي الصحيح «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» .
وفي الصحيحين من حديث عبادة: بايعناه على السمع والطاعة، في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروًا كفرًا بواحًا، عندكم، فيه من الله برهان، ولأن تركه مع الفاجر يفضي إلى تركه مطلقًا، وإلى ظهور الكفار على المسلمين، واستئصالهم وإعلاء كلمة الكفر.стр. 1962
(ولا يجوز) التعلف والاحتطاب و (الغزو إلا بإذنه (١) إلا أن يفجأهم عدو يخافون كلبه) بفتح اللام أي شره وأذاه (٢) لأن المصلحة تتعين في قتاله إذًا (٣) ويجوز تبييت الكفار (٤) . الحواشي
(١) وكذا خروج من عسكر، وتعجيل، وبراز، وإحداث أمر إلا بإذنه، لأنه أعرف بحال الناس، وحال العدو، وقوتهم لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ قال ابن رشد: اتفقوا على محاربة جميع المشركين، لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ﴾ وقال: شرط الحرب بلوغ الدعوة باتفاق، أي لا تجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة، وذلك شيء مجمع عليه بين المسلمين لقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وقال: «فادعهم إلى الإسلام» .(٢) فلا يحتاجون إلى الإذن إذًا، لأن دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعًا.(٣) لا يشترط فيه الإذن ولا غيره، بل يجب الدفع بحسب الإمكان، ولا شيء بعد الإيمان أوجب من دفع الصائل الذي يفسد الدين والدنيا.(٤) بلا نزاع، وهو كبسهم، وقلتهم وهم غارون، وقد ثبت من فعله ﷺ أنه كان يبيت العدو، ويغير عليهم مع الغدوات.стр. 1963
ورميهم بالمنجنيق (١) ولو قتل بلا قصد صبيا ونحوه (٢) . الحواشي
(١) فإنه ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف، ونصبه عمرو بن العاص على الإسكندرية، ويجوز رميهم بنار، وقطع سابلة، وماء، وهدم عامر، وقال الشيخ: اتفقوا على جواز إتلاف الشجر والزرع الذي للكفار، إذا فعلوا بنا مثل ذلك، ولم نقدر عليهم إلا به، وقال: اتفقوا على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر، عند الحاجة إليه، وليس ذلك بأولى من قتل النفوس، وما أمكن غير ذلك، وفي الإنصاف، ولا يجوز عقر دابة، ولا شاة إلا لأكل يحتاج إليه، وذكره الموفق وغيره إجماعا في دجاجة وطير، واختار جواز عقر دواب قتالهم، إن عجز المسلمون عن سوقه، ولا يدعها لهم.
وفي البلغة: يجوز قتل ما قاتلوا عليه في تلك الحال، جزم به الموفق وغيره، وقال: لأنه يتوصل به إلى قتلهم، وهزيمتهم، وليس فيه خلاف، وإن أحرزنا دوابهم إلينا لم يجز إلا للأكل، وإن تعذر حمل متاع، ولم يشتر، فللأمير أخذه لنفسه وإحراقه، وإلا حرم، ويجوز إتلاف كتبهم المبدلة، وقيل: يجب إتلاف كفر وتبديل.
والزرع والشجر ثلاثة أصناف، ما تدعو الحاجة إلى إتلافه لغرض ما، فيجوز قطعه وحرقه، قال الموفق: بلا خلاف نعلمه، والثاني ما يتضرر المسلمون بقطعة، فيحرم قطعه وما عداهما فقيل: يجوز, وهو المذهب، وقيل: لا إلا أن لا يقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا، قال أحمد: يكافئون على فعلهم، وكذا رميهم بالنار، وفتح الماء ليغرقهم، وهدم عامرهم، وجزم الموفق وغيره بالجواز إذا عجزوا عن أخذه بغير ذلك وإلا لم يجز.(٢) كنساء وشيوخ ورهبان، لجواز النكاية بالإجماع في جميع المشركين،
وقال ابن رشد: النكاية جائزة بطريق الإجماع، في جميع أنواع المشركين
ذكرانهم، وإناثهم، شيوخهم، وصبيانهم، صغارهم وكبارهم، إلا الرهبان، فإن قوما رأوا أن يتركوا، ولا يؤسروا، بل يتركون دون أن يعرض لهم، لا بقتل ولا استعباد، لقوله ﵊ «ذرهم وما حبسوا أنفسهم عليه» واتباعا لفعل أبي بكر، وفي الإنصاف: وإن تترسوا بمسلم لم يجز رميهم، إلا أن يخاف على المسلمين فيرميهم، ويقصد الكفار، وهذا بلا نزاع، قال القاضي: يجوز رميهم حال قيام الحرب، لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد.стр. 1964
ولا يجوز قتل صبي، ولا امرأة وخنثى، وراهب (١) وشيخ فإن (٢) وزمن وأعمى لا رأي لهم (٣) ولم يقاتلوا أو يحرضوا (٤) . الحواشي
(١) لا رأي لهم ولم يقاتلوا، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن النساء ما لم يقاتلن فإنهن لا يقتلن، إلا أن يكون ذوات رأي فيقتلن، ولأنهم يصيرون أرقاء بنفس السبي، ففي قتلهم إتلاف المال، ونبه بذكر الخنثى لاحتمال أن يكون امرأة، وأما الرهبان فقال الشيخ: هم قوم منقطعون عن الناس، محبوسون في الصوامع، يسمَّى أحدهم حبيسًا، لا يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلا، ولا يخالطونهم في دنياهم، ولكن يكتفي أحدهم بقدر ما يتبلغ به، والجمهور على أنه لا يقتل، ولا تؤخذ منه جزية.(٢) لا رأي له، ولم يقاتل، أو يحرض على القتال، وإلا فيقتل اتفاقًا.(٣) فإن شاركوا العدو في الرأي قتلوا اتفاقًا.(٤) أي على القتال، فيقتلون، قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه إذا كان الأعمى والمقعد، والشيخ الفاني، وأهل الصوامع لهم رأي وتدبير وجب قتلهم، وإن تترس الكفار بهم جاز رميهم، قال الشيخ: والمثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، والصبر عنها أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل
بهم زيادة في الجهاد، أو يكون نكالا لهم عن نظيرها، وأما إذا كان فيه دعاء لهم إلى الإيمان، وزجر لهم عن العدوان فإنه هنا نوع من إقامة الحدود، والجهاد المشروع، والمندوب إليه، وكذا قال الخطابي وغيره.стр. 1965
الحواشي
(١) أي الصبي وما عطف عليه، لأنه ﷺ كان يسترق النساء والصبيان إذا سباهم، وأجمعت الصحابة على استعباد أهل الكتاب، ذكرانهم وإناثهم حكاه أبو عبيد وغيره، ويجوز استرقاق من لا تقبل منهم جزية عند بعض أهل العلم، ومن أسر أسيرا لم يجز قتله حتى يأتي به الإمام وإن قتله فلا شيء عليه، ويخير الإمام بين قتل لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ واسترقاق لقوله ﷺ «أعتقيها» ومنٍّ، وفداء لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ولفعله ﷺ بمنه على ثمامة وغيره، وفدائه الرجلين بالرجل.
قال الوزير وغيره: اتفقوا على أن الإمام مخير في الأسرى بين القتل والاسترقاق وبين المن والفداء، واختار الشيخ: يعمل المصلحة في المال وغيره، كما فعل ﷺ بأهل مكة، ومن أسلم منهم قبل حكمه فكمسلم قبل القدرة عليه، فيعصم نفسه، وولده الصغير، وماله، وحمل امرأته، لا هي ولا ينفسخ نكاحه برقها، ومن أسلم بعده لزمه حكمه.
ويجب هدم الأوثان، لقصة وفد ثقيف، وسؤالهم رسول الله ﷺ أن يدع لهم اللات ولو شهرا، فأبى وكذلك جميع القباب على القبور، وفي الإنصاف: وإن سألوا الموادعة بمال أو غيره جاز، إن كانت المصلحة فيه، وإذا نزلوا على حكم حاكم جاز، ولا يحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين، من القتل والسبي، والفداء بلا نزاع، وإن حكم بقتل أو سبي فأسلموا، عصموا دماءهم، بلا نزاع، وإن سألوا أن ينزلوا على حكم الله لزمه أن ينزلهم، ويجري فيهم كالأسرى.следующие страницы →